Saturday, June 18, 2011

سينما اللون الواحد، أسود وأسود!!



فجأة، اكتشف الشعب المصرى أنه شعب متدين، وكان هذا التدين متجسدا فى ألا نستخدم إلا "السلام عليكم" بدلا من كل أنواع التحية الأخرى، متصورين أنها "تحية الإسلام"، مع أن اليهود المتطرفين كانوا ولا يزالون يستخدمونها بلغتهم العبرية "شالوم عليكم"!! ترى هل كانت عبارات مثل "صباح الخير" و"صباح النور" و"نهارك زى الفل" و"اقعدوا بالعافية"، وعشرات العبارات الجميلة الأخرى التى تميز الشعب المصرى، هى العبارات الكافرة التى كان يقولها أبو جهل؟! هل كان يطيل لحيته بطريقة تختلف عن الرسول (ص)؟ هل لم تكن الحدود المطبقة هى ذاتها حدود الجاهلية، واليهودية من قبلها؟ أم أن رسالة الإسلام أعمق بما لا يقارن مع تلك الدعاوى الشكلية جدا، والمؤقتة جدا، والمرتبطة جدا بعصرها وبيئتها؟؟؟
كما أيقظت ثورة يناير بعضا من طاقتنا الإيجابية، فى أن نحلم بأن نصنع لأنفسنا وطنا أفضل، فإنها أيقظت أيضا الكثير من الطاقة السلبية، التى تستنفد الجهد تماما فى معارك جانبية عديدة، تدور كلها حول زعم البعض أنهم أكثر تدينا من كل المصريين الآخرين، وباتوا يعدون العدة لفرض تصورهم المقيت عن الحياة، تصور ينحصر فى تكميم أفواه الناس وتعمية عيونهم، من أجل أن يمرح من يستولون من بينهم على السلطة ويرتعون، ومن يحاول أن يفتح عينيه يجد نفسه متهما ... بالخروج عن الدين والعياذ بالله!!
ظهرت التباشير فى قول بعض الإخوان أنهم يعدون العدة لصنع فن "إسلامى"، وللأسف سوف يصدقهم البعض، متصورين أن ذلك يعنى مثلا "السينما الأخلاقية"، على طريقة السعودية التى لم تعرف طريق صناعة السينما لأنها ما تزال تناقش موضوع تحريم قيادة المرأة للسيارة. لكن إذا كان من الممكن تصور أن يحدث ذلك فى بيئة مثل السعودية، لم تخرج من الثقافة البدوية إلا من بضع عشرات من السنين، فكيف يمكن أن يطرأ على عقل إنسان أن ذلك يمكن أن ينطبق على الثقافة المصرية، التى أعطت عبر آلاف السنين مذاقا خاصا حتى لممارسة الطقوس الدينية، مثل تراتيل الكنائس وتلاوة القرآن والأذان؟
المشكلة الأساسية فى ذلك كله أن بعض "الإخوان" يزعمون – وهم يعرفون أنهم لا يقولون الحقيقة – أنهم وحدهم الذين يحمون الأخلاق، بطريقة "المطوعين" الذين يمسكون بالعصى ويطوفون فى الطرقات يضربون الناس ويسبونهم، لأنهم فرضوا أنفسهم "آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر"، ولعل القارئ يعرف مدى تحلى هؤلاء المطوعين (أو مدى تخليهم) عن الأخلاق التى يزعمون حمايتها.
أسوأ ما يمكن أن يفعله إنسان أن يختزل النشاط الإنسانى فى كلمة واحدة، أيا كانت هذه الكلمة، أو أن يجعل تلك الكلمة هى المعيار الوحيد الذى يقيس به كل الأشياء. إنهم يقولون لك أن "الدين" مثلا يفرض أن تكون السينما "أخلاقية"، لكن معنى الأخلاق عندهم ينحصر فى "الجنس"، الذى يطل عندهم برأسه فى كل همسة ولمسة وإيماءة، وربما لو كان سيجموند فرويد ما يزال حيا لوجد عندهم دليلا فشل هو ذاته فى العثور عليه لإثبات نظريته.
دعنا نرد الأمور إلى أصلها ياعزيزى القارئ: الإنسان كائن متعدد النشاطات، وبين هذه النشاطات علاقات متبادلة التأثر والتأثير، لكن لا يمكن القول على الإطلاق بسيادة نشاط منها على الآخر. إن أردت الدقة فالفن الراقى يصنع أخلاقا راقية، لكن الأخلاق الراقية لا تؤدى بالضرورة إلى فن راقٍ، وإلا كان بابا روما وعلماء الدين الإسلامى فنانين أكثر من غيرهم. والأخلاق ليست أيضا ناتجة عن نشاط واحد (أن تذهب مثلا للمسجد لأداء الصلاة بانتظام)، بل هى تعبير عن مجمل العلاقات الاجتماعية كلها، وأن تجد عملا ترتزق منه، ومسكنا لائقا تأوى إليه، وتعليما جيدا لأولادك، وعلاجا مضمونا لأفراد اسرتك، وأن يتحقق ذلك كله بالعدل، تلك هى الأخلاق، وما عداها فهى دجل ونصب وإعادة إنتاج لسلطة تسرق الناس، لكنها هذه المرة ترفع شعار الدين والأخلاق!!
لقد دافع كاتب هذه السطور دائما عن وجهين للفن: حرية الإبداع من جانب، والأخلاق من جانب آخر. والأخلاق كما نفهمها هى أن يساهم العمل الفنى فى أن يرتقى بالإنسان، بأن يدرك إمكاناته، وقدرته على صنع مصيره، هذا المصير الذى يروج بعض المتمسحين بالدين أنه خارج الإرادة البشرية. المهم هنا هو أن تناضل من أجل مجتمع عادل أولا، ثم تترك للفنان ممارسة فنه بحرية كاملة، لا أن تفرض عليه النواهى والمحظورات. وفى مجتمع عادل، ومجتمع حر، سوف تكون العملة الجيدة فى الفن قادرة على طرد العملة الرديئة, أما أن يأتى فلان وعلان ليعين نفسه "مطوعا" أو"محتسبا" فإن هذا لن يؤدى فى النهاية إلى فن مشوه ومجتمع أكثر تشويها.
والعينة بينة، فقد ظهر السيد صبحى صالح (الذى جعلوه يشارك فى الإصلاحات – أو ما يفترض أنها إصلاحات - التى هى لا مؤاخذة دستورية!!) ليعلن كفر بعض من صفوة الثقافة المصرية فى العصر الحديث، الذين إن شطبت عليهم بهذا النزق فلن تترك من هذه الثقافة شيئا مذكورا. تذكرت ذلك وأنا أتصفح بعض سطور من مقال قديم للكاتب الرائع يحيى حقى، وهو يتحدث عن تجريته خلال الطفولة مع السينما. "دخلت السينما ... وإذا بالفيلم قصة دينية، مستقاة من التوراة، كلها لت وعجن، وحركات ثقيلة، وسحن حزينة ... وأغنام ونعاج، وامرأة عجوز تتطلع إلى السماء طويلا، وشيخ يبارك قوما قد جلسوا القرفصاء".
يتساءل "الطفل" يحيى حقى فى براءة كل عاشق للسينما: "ليس فى هذه القصة لص واحد، ولا مبارزة، ولا مطاردة، ولا قطار، ولا جياد ... لماذا نسوا ماشيست وشارلى شابلن؟!" ... وهاهو صبحى صالح ومن يصدقونه يريدون مسح ماشيست وشابلن من تاريخ السينما أيضا. والفن هو المتعة التى ينكرونها على الناس ويحتفظون بها لأنفسهم وبطريقتهم ومعاييرهم، وليتهم يتركون الفن فى حاله، ويتركوننا فى حالنا أيضا، نحن المصريين الذين يعرفون الله بكل خشوع وهم يتمايلون طربا مع موسيقى القرآن. إننا لو صدقنا ما يقولون عن "شرعية" تصرف إنسانى ما، لتحولت كل الشخصيات فى الأفلام إلى تحية "السلام عليكم" دون غيرها، وربما يزعمون يوما أن هناك لونا "شرعيا" واحدا، ويقررون إلغاء كل الألوان الأخرى لأنها حرام، بينما الحرام هو ما يفعلون، فالحياة متعددة الألوان، والموت فقط له لون وحيد.

No comments: