Friday, August 22, 2014

روبين ويليامز... تنويعات مرحة على لحن حزين

إن أردت تجسيدا لأحد أهم تجليات فن التمثيل، فسوف تجده فى ذلك الجيل من الممثلين الأمريكيين، الذين تربوا فى أعطاف ما عرف باسم "استوديو الممثل" خلال بداية الخمسينيات، أو من ساروا على دربهم فى العقود التالية، وكان من بين هؤلاء روبين ويليامز، الذى مات منذ أيام بعد فترة اكتئاب حادة بسبب عدم قدرته على التخلص من الإدمان.
ربما بدا أن هناك مفارقة بين معاناة ويليامز من الاكتئاب، وذلك القدر من البهجة الذى كان يثيره فى أفلامه، والنشوة والشجن المصاحبين لها، أيا كان الدور الذى يلعبه، لكن تلك بالضبط هى مصدر سعادة الممثل وبؤسه، خاصة الممثل السينمائى، الذى يكون عليه أن يكون جاهزا خلال لحظة واحدة للوقوف أمام الكاميرا، والدخول تحت جلد الشخصية التى يجسدها، وفى كل مرة يستدعى من مخزون مشاعره وأحاسيسه ما يلائم الدور واللحظة الدرامية. وأرجو ألا تقارن ذلك كثيرا بما يحدث مع معظم ممثلينا، الذين يبدو تمثيلهم إما أقرب إلى "الهزار" أو الافتعال، فالممثل الحقيقى يعيش أبدا كالعصب العارى، يهتز لأرق نسمة ويرتجف من أقسى عاصفة، أو يحيا كأنه وتر مشدود لقوس ينتظر دائما لحظة انطلاق السهم.
كان روبين ويليامز ممثلا جادا يلمس شغاف القلوب بأدواره المأساوية، كما كان فى أدواره الكوميدية مهرجا راقيا يجعلك تنطلق فى الضحك الصافى، لذلك كثيرا ما تمت الاستعانة به لإحياء سهرات "الاستانداب كوميدى" التى تتوالى فيها النكات اللاذعة كالمطر. ولعل أهم أدواره على الإطلاق (وإن لم يكن الوحيد) جاء فى فيلم "ويل هانتينج الطيب"، فى دور الطبيب النفسى المنغلق على نفسه بسبب مأساة فقدانه زوجته، لكنه استطاع وحده أن يُخرج البطل الشاب من إحباطاته وحيرته، وهو الدور الذى ترك أثرا عميقا لدى عشاق السينما، ربما لأن جزءا من ويليامز الحقيقى استطاع من خلاله التعبير عن نفسه: الشخص الذى يشعر بالوحدة وسط الناس، ويعالج اكتئاب الآخرين بينما يعود فى النهاية إلى شرنقة اكتئابه.
برع ويليامز إلى حد مثير للدهشة فى تقليد الشخصيات واللهجات المختلفة، وبصوته فقط كان يستطيع أن يجرى حوارا ممتدا بين عدد من الشخصيات الافتراضية من جنسيات مختلفة، لذلك كثيرا ما كان يشترك بالأداء الصوتى لشخصيات أفلام التحريك، مثل "علاء الدين". لكن براعة التجسيد ساعدته على أن يأخذ أدوارا بالغة التنوع، فهو الطبيب، ورئيس الجمهورية، والطيار، كما أنه أيضا "بيتربان" أو الرجل الذى لا يغادر طفولته أبدا، أو الكائن المضحك القادم من الفضاء الخارجى، وهو "الدادة" الطيبة الحنون، فى أحد أفلامه المهمة، وهو "مسز داوتفاير".
فى هذا الفيلم يجسد ويليامز دور الممثل الذى يفشل فى أن يجد لنفسه مكانا تحت الشمس، وهذا "الفشل" هو أكثر ما يثير لدى الشخصية الأمريكية قدرا كبيرا من الهلع على مستوى العلاقات الأسرية، لذلك فإن زوجته تطلب الطلاق، ويجد نفسه مضطرا للابتعاد عن أطفاله، حتى يتفتق ذهنه عن التنكر فى هيئة "دادة"، وينجح فى أن تسمح له زوجته السابقة برعاية أطفاله دون أن تعرف حقيقته، وهكذا يصير قريبا منهم وبعيدا فى آن، خاصة وهو يشاهد خطيبا جديدا "ناجحا" يتودد إلى الزوجة والأطفال.
قد يبدو "مسز داوتفاير" للوهلة الأولى كوميديا، وهو كذلك بالفعل، لكن تأمله يوحى بعمق كبير فى رؤية مأساة "الرجل الأمريكى" خلال عقدى ثمانينات وتسعينيات القرن العشرين، حين كان على الرجل أن يعانى من الهزائم الاقتصادية والاجتماعية، ولا يجد حلا إلا التنكر فى صورة امرأة، خلال فترة اتسمت بموجة جارفة مما يطلق عليه "النزعة النسوية"، التى حاربت عنصرية المجتمع الذكورى بالتحيز العنصرى للمرأة، وهو الأمر الذى تجسد فى العديد من الأفلام الأمريكية خلال هذين العقدين.
لكن دور "الأم الناجحة" لعدم القدرة على آداء دور الأب الناجح، يشير إلى روح خاصة كانت تسرى فى معظم أفلام روبين ويليامز، وتتجلى فى قدرته على الإيحاء بأنه "الراعى" على نحو ما، كالطبيب النفسى فى "ويل هانتينج الطيب"، أو الجنى الذى يخرج من المصباح ملبيا رغبات "علاء الدين"، أو الأب الذى يخترع لأبنائه عالما خياليا ولفتراضيا غريبا كاملا فى "جومانجى"، أو مذيع النشرة المحلية الساخر وهو يعيش فى أرض المعركة فى "صباح الخير يا فييتنام"، أو ذلك الدور الذى لن ينسى، فى فيلم المخرج بيتر وير، "جمعية الشعراء الموتى"، للمعلم الذى يرعى مجموعة من الطلبة المراهقين، ويجمعهم معا لدراسة أشعار من قرون ماضية، ليكشف لهم ويكتشف معهم معنى الحياة، وضرورة مقاومة اليأس والاكتئاب.
ولعل هذه الكلمات الأخيرة بالذات تؤكد لك صعوبة فن التمثيل الحقيقى، أن تجسد أحيانا شخصيات هى على النقيض منك، وأن تبعث البهجة بينما قلبك يبكى ألما، وأن تتحمل ضغطا عصبيا هائلا كأنك تسير دائما على حبل مشدود. وقليلون من الممثلين الحقيقيين هم من استطاعوا تحقيق التوازن، بجهد هائل بين حياتهم الحقيقية وعشرات الشخصيات الفنية التى يجسدونها، دون السقوط فى هوة الاكتئاب والإدمان، كما حدث مع روبين ويليامز.
غير أن المؤكد أنه كان يملك فى كل الأوقات قلبا مرهفا، حتى وهو يؤدى أدوار شريرة، مثل فيلم "الأرق"، الذى يدور فى أقصى شمال القارة الأمريكية، حيث يمتد النهار فى الصيف شهورا طويلة، وتبدو الحياة يوما واحدا بلا نهاية. إن ويليامز هنا يقوم بدور قاتل، تبدو بواعثه أحيانا وجودية أو عبثية، يطارده ضابط ماهر (آل باتشينو)، الذى يصبح بدوره قاتلا دون قصد، لكنه يظل طوال المطاردة مشغولا بإخفاء جريمته، بينما يحاول القاتل الإيقاع به. وهكذا فإن الخط الفاصل بين الفريسة والصياد يتلاشى، فكلاهما يعانى من القلق الوجودى ذاته.
عبر روبين ويليامز إلى عالم آخر، لكنه ترك وراءه عشرات من روبين ويليامز فى شخصيات أفلامه، غير أنها كانت جميعا تنويعا مرحا على لحن حزين.

Thursday, August 14, 2014

"مطبخ السياسة" أو "شوية توابل".... إذا رحلت عن المدينة، هل ترحل المدينة عنك؟

قدر هائل وعميق من الشجن يلف عالم الفيلم اليونانى "شوية توابل" أو "مطبخ السياسة" (2003)، تلعب فيه الصور الساحرة والموسيقى التركية واليونانية الآسرة دورا كبيرا فى إثارة جو عاطفى مفعم بالحنين والحزن، وإن لم يخلُ أبدا من البهجة، إنه "وجبة" كاملة من السينما، بل إن مخرجه اليونانى تاسوس بوليميتيس يختار له شكلا مبنيا على فقرات، تحاكى مراحل تناول الطعام، بدءا من المقبلات والمشهيات، ثم الطبق الرئيسى، وأخيرا تأتى الحلوى، التى لن تدرى إن كانت قد أضافت لمذاق الوجبة، أم أنها ضيعت هذا المذاق.
ولأن الفيلم يعتمد كثيرا على فكرة نكهة الطعام وطريقة إعداده وتذوقه، فإن يستخدم التشبيه المجازى لأنواع التوابل المختلفة لكى يؤكد على فكرته، وهى فكرة تتردد الآن أصداؤها للأسف فى واقعنا العربى، بقدر ما ترددت عبر أجيال فى منطقة أوسع، تمتد شمالا من أرمينيا، مرورا بالبلقان واليونان وتركيا وقبرص، حين كانت كل هذه البلاد تضم معا قوميات وأعراقا مختلفة، ثم انقسمت الأوطان على نفسها، لتقع مذابح جماعية، ونزوح نتيجة هذا الانقسام، الذى نراه فى شوية توابل" متجسدا فى ذكريات رجل يونانى أصبح اليوم كهلا، عن طفولته فى مدينة استانبول، ثم ترحيله مع أبيه وأمه عنها على إثر اضطرابات سياسية وعسكرية بين تركيا واليونان فى أوائل الستينيات، وعدم قدرته على نسيان ذلك "الوطن" القديم.
ليس هناك فى الفيلم أى تحيزات سياسية قد يشعر بها مخرج يونانى تجاه تركيا، بل على العكس فإنه يصور البلدين – الوطنين – بحب شديد الدفء، وهو الحب الذى يظهر لك مع بداية ما يمكن أن تسميه الفصل الأول، الذى يحمل عنوان "المشهيات"، ويذكر الفيلم تاريخه: 1959. أنت مع مؤذن على قمة مئذنة، وتسمع صوته يجلجل عذبا رخيما، لتتراجع الكاميرا (أو توحى بذلك من خلال التقنيات الكومبيوترية)، لتصبح اللقطة عامة لمدينة استانبول كلها، وتطوف بالمساجد حتى تنتهى إلى السوق القديمة، حيث يقع دكان الجد فاسيليس، بائع التوابل وفيلسوفها، والذى يوزع نصائحه على الجميع، من أجل أن تحقق توابله أهدافها فى التأثير بمزيد من الدفء على العلاقات الإنسانية.
وشيئا فشيئا سوف تتعرف على عائلة البطل الطفل فانيس، الذى يحمل جده لأمه الجنسيتين اليونانية والتركية، بينما لا يحمل أبوه سوى الجنسية اليونانية، لكن إقامة العائلة فى استانبول تركت أثرها العميق عليهم جميعا، فهم يستخدمون كلمات تركية فى حوارهم، كما يحتشد مطبخهم بالأطباق التركية ذات المذاق الحريف، الذى يزداد قوة مع توابل الجد. وتكاد لقاءات العائلة ألا تخلو أبدا من الطعام والمقارنة بين أصنافه المختلفة، ويجد الطفل فانيس دفئا خاصا فى الالتصاق بنساء الأسرة، ليتعلم منهم دون وعيهن أسرار الطهى. وفى دكان الجد سوف يتعلم أيضا العلاقة بين الكون كله وأنواع التوابل المختلفة، وتنشأ علاقة بريئة دافئة بينه وبين الطفلة التركية سامية، تبدو كأنها حلم جميل، يتأكد تأثيره علينا من خلال لقطة لمظلة شمس تطير فى الفضاء كأنها ترقص فوق مدينة استانبول.
لكن الحلم يتبدد بعد عامين، عندما تحدث توترات بين اليونانين والأتراك فى جزيرة قبرص، ليتقرر ترحيل اليونانيين عن المدينة، ومنهم بطلنا الصغير فانيس وأبوه وأمه. إن فانيس لا يشعر أبدا بالتواؤم مع حياته الجديدة فى أثينا، حيث يطلقون على العائدين من تركيا "الأتراك"، بينما كانوا فى تركيا يحملون صفة "اليونانيين". وهنا يبدأ "الطبق الرئيسى" لوجبة الفيلم، حيث تتحدث العائلة دائما عن ذكرياتهم فى تركيا، ويعانى الطفل فانيس من الشعور بالغربة، ويدفن أحزانه بالطهى رغما عن الأب والأم اللذين يشعران بالخوف من أن يكون ابنهما غير سوى. وفى عام 1967 يحدث الانقلاب العسكرى فى اليونان، ويتخذ كل شىء صفة عسكرية، حتى أن الخال المرح يقرر التخلى عن نزواته الغرامية، لكى يتزوج زواج مصلحة من فتاة من عائلة ذات أصول عسكرية.
وطوال الفيلم، هناك حالة انتظار أن يصل الجد إلى أثينا قادما للزيارة من استانبول، ويمنى الشاب فانيس نفسه أن يحمل جده معه أخبارا عن رفيقة طفولته سامية، لكن الجد لا يأتى أبدا، بل يقفز الفيلم إلى الزمن المعاصر، وقد أصبح فانيس كهلا، لتحمل هذه الفقرة عنوان "الحلوى"، لكنها فى الحقيقة لا تخلو من مرارة. يعود فانيس إلى استانبول عندما يشرف الجد على الاحتضار، وفى جنازته يقابل سامية التى تزوجت وأصبحت أما، ويكاد الفيلم أن يعطيك لمحة أمل عن عودة علاقتهما، خاصة وأن فانيس نجح فى الحصول على عمل فى جامعة البوسفور لفترة، لكن الواقع لا يحقق هذا الأمل، لنرى مشهد وداع آخر على محطة القطار، هذه المرة وسامية ترحل عن استانبول ليبقى هو وحيدا، مرة أخرى.
قد تبدو لك هذه الحكاية أسيرة لخطوطها الميلودرامية، لكن الفيلم لا يقع أبدا فى مأزق المبالغة، والنزعة العاطفية الجياشة فيه لا تنبع من تقلبات الأحداث، وإنما من جماليات الصورة، وعودة لقطات فى تنويعات مختلفة (مثل لقطة المظلة الطائرة، أو ثدى الأم التى ترضع طفلا، أو الوداع على محطة القطار)، والموسيقى التى تعمل بأسلوب اللحن الدال (اللايتموتيف) الذى يثير فيك ذكرى محددة عايشتها من قبل فى الفيلم. والحقيقة أن المرء قد يشعر بالأسف على أن المخرج تاسوس بوليميتيس لم يصنع أفلاما بعد هذا الفيلم، لتوليه منصب رئيس مؤسسة السينما اليونانية، وقيامه بالتدريس فى معهد السينما، فنادرا ما قد نجد فنانا سينمائيا بهذه الرهافة فى التعبير، ليس فقط من ناحية الأسلوب، وإنما أيضا لقدرته على تجسيد مشاعر الغربة فى الأوطان.
وبعد أن ينتهى الفيلم، ومع مشهد النهاية للبطل فانيس فى دكان الجد وقد علاه التراب، نرى غبار التوابل قد تحول إلى كون كامل، ننتمى إليه مثلما ينتمى إلينا، فالوطن ليس هو الحدود التى يصنعها هذا الفريق أو ذاك، وإنما هو أنا وأنت، هو نحن بكل ذكرياتنا وتكويننا، وليس هناك فى العالم من يستطيع حقا أن ينزع الأوطان عنا، تحت أى راية وبأى مبرر، ذلك أن مذاق الوطن يبقى عالقا فى الوجدان إلى الأبد.    

Thursday, August 07, 2014

"هذا ليس فيلما",,, لكن هذه سينما حقيقية

    فى عام 2010، كان المخرج الإيرانى الشهير جعفر باناهى يعيش تحت الإقامة الجبرية فى منزله، انتظارا لصدور حكم الاستئناف، على الحكم الغريب الذى صدر ضده، ليس فقط بالسجن ست سنوات، والمنع من السفر إلى الخارج، وحظر إجراء مقابلات تليفزيونية معه، بل أيضا حرمانه من كتابة السيناريوهات وإخراج الأفلام لمدة عشرين عاما! لقد كانت وما زالت تلك هى حال معظم السينمائيين الإيرانيين الكبار، المتمردين على السلطة الرسمية والغوغائية الجماهيرية، ليقرر باناهى أن يصنع فيلما يسجل ذلك الوضع، وأن يجعله يحمل ذلك الاسم الساخر من منعه من صناعة الأفلام "هذا ليس فيلما"، ويقوم بتهريبه إلى خارج إيران، ليعرض فى مهرجان كان فى عام 2011.
   أثبت كثير من السينمائيين الإيرانيين – قبل اندلاع الثورة الإيرانية وبعدها - قدرتهم الجمالية والسياسية بالغة الرهافة والوعى، على اختراق الحواجز الرقابية، الرسمية والشعبية، التى كانت كفيلة بتحويل صناعة السينما الإيرانية كلها إلى الهزل الفنى، الذى ينتهى بها إلى الهزال والموت، لكن هؤلاء السينمائيين قرروا التعامل مع هذا الواقع السياسى الصعب، والالتفاف حول القيود الرقابية، ووجدوا لذلك بعض الحلول، كان على رأسها صناعة أفلام يقوم ببطولتها أطفال أو ممثلون غير محترفين، ويدور معظمها عن حياة الفقراء والمضطهدين، واللجوء إلى النزعة التسجيلية حتى فى الأفلام الروائية.
   ومن المادة التسجيلية يتألف نسيج فيلم "هذا ليس فيلما"، حيث نرى جعفر باناهى وحيدا فى منزله، ونحن محاصرون معه طوال الوقت، بينما نعرف أن المدينة فى الخارج تستعد لعيد رأس السنة الفارسية. وهو يضع الكاميرا فى أماكن وزوايا تسمح بتصويره فى وحدته، لكنه يجرى اتصالا هاتفيا بصديقه غير المحترف مرتجى ميرتهماسب. وفى إشارة بالغة الذكاء يقول: "يبدو أن علىّ أيضا أن أنزع جبيرتى"، فى إشارة لفيلم سابق له بعنوان "المرآة"، قامت ببطولته طفلة صغيرة، تحاول العودة مكسورة الذراع من المدرسة إلى منزلها وحدها لأول مرة، وسط متاهة شوارع طهران، بعد أن تأخرت أمها عن القدوم لمصاحبتها. ففجأة تتمرد الممثلة الطفلة بعد أن وصلت إلى منتصف الفيلم، وقامت بخلع جبيرة ذراعها، رافضة الاستمرار فى تمثيل الفيلم، لكن باناهى يستمر فى التصوير، ليصبح النصف الثانى من الفيلم تسجيليا حول عودة الطفلة الممثلة إلى منزلها الذى لا تعرف بدورها له طريقا، ووحدها أيضا ودون مرشد أو دليل!
   وهكذا يقرر باناهى بدوره أن يتمرد على احتجازه فى منزله، عاجزا عن صنع الأفلام، وبدءا من تلك اللحظة يستعين بصديقه ليقوم بتصويره، وهما يتناقشان حول السينما، ويتحركان بتلقائية لا تحاول أن تخفى حتى خشونة الانتقال بين لقطة وأخرى. ترى ماذا يكون قرار باناهى؟ إن حكم المحكمة لا يتضمن منعه من قراءة السيناريو الأخير له المرفوض من الرقابة، وتجسيد تصور طريقة إخراجه له بأشكال توضيحية على أرض شقته، فلتكن تلك إذن طريقته الفريدة فى صنع الفيلم.
   هناك تشابه وثيق بين حالة باناهى وسيناريو الفيلم المكتوب، الذى يدور حول فتاة اجتازت اختبارات القبول فى كلية الفنون، لكن والديها التقليديين يرفضان، ويحبسانها فى المنزل، لتحاول الخروج بكل الوسائل حتى تلحق بالموعد قبل أن تلغى الكلية تسجيلها فيها. ويستعين باناهى على الشرح أيضا بلقطات كان قد صورها خلال بحثه المبدئى عن مواقع حقيقية للتصوير، وخلال ذلك كله تعرف جانبا من حال السينما الإيرانية والسينمائيين الإيرانيين، فلأن من المحظور تصوير فتاة أو امرأة بدون حجاب (كما قد تكون داخل منزلها)، فإن باناهى اضطر طويلا إلى أفلام تدور أحداثها فى مواقع خارجية، حتى يمكن تصديق ارتداء الحجاب، لكنه هذه المرة أمام سيناريو عن فتاة وحيدة، داخل منزلها، ويترك لك أن تتخيلها بدون حجاب.
   وعندما يصل باناهى فى سرد الحكاية لتفاصيل المشاعر الداخلية، يشعر بالعجز... ليس هناك غنى عن الممثل، وعن مواقع التصوير الحقيقية، ويضرب على ذلك مثالا من فيلمين سابقين له هما "الذهب القرمزى" و"الدائرة"، لمشاهد هى بدورها تضع خطوطا تحت جانب مهم من السينما الإيرانية، وهو الاعتماد على الممثلين غير المحترفين، الذين تبدو منهم لفتات تلقائية تبهر أى مخرج، وهم الذين "يقودون المخرج وليس هو الذى يقودهم"، لأنهم يعيشون اللحظة فى موقع الحدث، وليس داخل استوديو منعزل عن العالم. لذلك فإن باناهى يشعر بأن تجربة قراءة السيناريو وحدها ينقصها الكثير، وهو ما يزيده ويزيدنا حنقا على الذين حرموه من صنع الأفلام.
   كانت الفتاة الحبيسة ترى من نافذة غرفتها شابا يراقب المنزل يوما بعد يوم، ولأنه الإنسان الوحيد الذى تراه فى سجنها فإنه تقع فى غرامه، متوهمة أنه هو الآخر يطوف بالمنزل لأنه يهواها، لكنها لا تعلم أنه شخص يدفع له الأب أجرا لكى يراقب المنزل، ويتأكد من عدم مغادرتها له! إن العجز الذى تعيشه بطلة فيلم باناهى على الورق، يعيشه هو فى الحقيقة، ولا يملك سوى كاميرا السينما ليسجل بها بعض اللحظات، ولا يدرى إن كان ما يصنعه سوف يتحول إلى فيلم أم لا.
   ينتهى فيلم "هذا ليس فيلما" بمشهد يصوره باناهى بهاتفه المحمول، وهو يودع صديقه على الباب، فيفاجأ بمن يخرج من المصعد قائلا إنه مساعد مؤقت للبواب، قد أتى لكى يجمع القمامة، فلا تملك أنت كمتفرج إلا أن تتساءل: هل "بطلنا" تحت الرقابة اللصيقة؟ هل يعرفون ما يفعل؟ لكن سوف يتضح أنه شاب مكافح آخر من بين ملايين من أمثاله، يتحول فى لحظة إلى "ممثل" غير محترف فى هذا المشهد، ليس بمعنى التمثيل كما نعرفه، ولكن لأنه يجسد هؤلاء البسطاء الذين يصادفهم بعض صناع السينما الإيرانية، ويجعلون منهم أبطالا لأفلامهم، لأن هؤلاء السينمائيين يدركون قيمة السينما ودورها فى التفاعل مع الواقع، ومسئوليتهم الأخلاقية تجاه هذا الواقع، ويناضلون من أجل العثور على حلول تقنية وجمالية وسياسية لمشكلات بالغة التعقيد.
  نسيت أن أقول لك إن جعفر باناهى يشير إلى أن قصة السيناريو الذى كتبه على الورق مقتبسة عن تشيكوف، فالحقيقة أن كثيرا من المعالجات الفنية الإنسانية الناضجة تبدأ من تشيكوف، وتمتد مع فن السينما إلى فضاء بلا نهاية.


Monday, August 04, 2014

فيلم "نوح": نشوة النبى الأمريكى بتدمير العالم

هناك أفكار مسيطرة على عقلية الشعب الأمريكى فى مجمله، أولها أن العالم ينقسم إلى أخيار وأشرار، أما الأخيار فهم بالطبع الأمريكيون، أما الأشرار فهم "الأغيار" بالمعنى العام للكلمة، وليس أمام الأمريكيين إلا الدفاع الدائم والمميت أحيانا عن "أسلوبهم" فى الحياة، حتى لو جاء ذلك على حساب "حق" الآخرين فى الحياة. أما الفكرة الثانية التى تبدو كأنها وسواس قهرى، فهى أن أمام البطل الأمريكى مهمة "إنقاذ العالم"، حتى لو تحقق ذلك حسب تصورهم بتدميره. ومثل هذه الأفكار تغذيها الآلة السياسية والعسكرية الأمريكية، مدعومة بترسانة هوليوود الضخمة، التى وجدت فرصة جديدة لتجسيد هذه الأفكار، من خلال التلاعب على القصة الدينية والأسطورية للنبى نوح.
لا تصدق أبدا الزعم أن فيلم "نوح" الجديد يجسد هذا النبى، فمن المؤكد أنك تعرف جيدا أن من تراه على الشاشة ليس هو النبى نوح بل الممثل راسيل كرو، ولن تنطبع فى ذهنك صورته فى هيئة نوح المزعومة، فهو يتحدث الإنجليزية، ويرتدى سترة جلدية وسروالا معاصرين، ويلبس فى رجليه حذاء ذا رقبة طويلة، ويحتسى الشاى أيضا. وإذا كان الفيلم يجعل اسمه "نوح"، ويطلق أسماء توراتية على بقية الشخصيات، التى تحمل بين بعضها علاقات يمكنك أن تقتفى آثارها فى "العهد القديم"، فإن الجو العام للفيلم لا يوحى لحظة واحدة أنك أمام فيلم دينى، بل هو نسخة جديدة من أفلام "نهاية العالم"، مثل "ماد ماكس" أو "بعد 28 يوما" و"حرب العوالم" وعشرات الأفلام المشابهة، أو حتى أفلام جورج روميرو عن الموتى الأحياء، بعد دمار العالم على إثر حرب نووية شاملة، وكل ما يبقى من "حبكة" الفيلم بالمعنى الدرامى ليس شيئا ينتمى للقصص الدينى، بقدر انتمائه لأفلام ما بعد الدمار، مع لمسة من أفلام الفانتازيا والحواديت مثل سلسلة "ملك الخواتم".
سوف يكون تضييعا للوقت أن نقارن بين فيلم "نوح" والقصة التوراتية، فبينهما فى الحقيقة صلة واهية وإن تشابها فى بعض أسماء الشخصيات أو الأحداث، كما أن الصلة أضعف كثيرا بين الفيلم والقصة فى روايتها الإسلامية، فالفيلم ينتمى أكثر إلى عالم المخرج دارين أرنوفسكى، صاحب "قداس إلى حلم" و"البجعة السوداء"، وهو عالم يعجب النقاد كثيرا لاحتشاده بتعقيدات هى أقرب للتفلسف منها إلى الفلسفة. لذلك فإن الخير والشر فى "نوح" سوف يختلطان أحيانا على نحو مشوش، بينما يبدو القصد منه إضفاء مزيد من العمق الدرامى، لكن الفيلم فى التحليل الأخير لا يتجاوز الجانب السطحى من القضايا التى يطرحها.
نوح كما لابد أنك تتوقع قد شيد فى الفيلم سفينة سوف يحشد فيها من كل زوجين اثنين، ومعه بعض أفراد أسرته الصغيرة، ذلك أنه تلقى وحيا من السماء بأن هناك طوفانا سوف يجتاح الأرض، ويقتلع كل ما عليها من حياة. لكن على الجانب الآخر هناك الأشرار، الذين تريد السماء معاقبتهم جميعا، ولا يفرق الفيلم بين الطيب والسىء منهم، فذلك فى رأيه هو حكم السماء مهما كانت قسوته. وسوف تمتد هذه القسوة إلى نوح، الذى يقرر أن يكون أداة السماء لإفناء الحياة جميعا، حتى عائلته التى يرسم لها مستقبلها الذى يجب أن ينتهى فى رأيه إلى زوال البشرية.
لكن زوجة نوح (جينيفر كونيللى) سوف تمثل فى هذه الدراما الجانب الأكثر ضعفا أمام الإنسانية، ليدور بينهما حوار بالغ التفلسف، يتحدث فيه عن أن عدالة السماء قد قررت مصير الفناء لأن الإنسان عاث فى الأرض فسادا، ويقرر أنه لن يحمل معه فى السفينة أحدا لأنه ليس هناك متسع لغيرهم، بينما ترجوه الزوجة أن يترفق بالناس الذين لا ذنب لهم. وهكذا يبدو لك نوح أقرب إلى القسوة لكنه أيضا يمثل "العدالة"، وهو الأمر الذى يتأكد للمتفرج مع الصورة بالغة الوحشية التى يرسمها الفيلم للبشر، فهم يوغلون فى الدماء بلا رحمة أو عقل أو حتى سبب أو تبرير، ويحاولون انتزاع الفلك من نوح، فى معركة سينمائية هوليوودية (لا أصل لها بالطبع فى القصص الدينى)، ويستعين فيها المخرج أرنوفسكى بكل الحيل الكومبيوترية المعاصرة.
وفى هذا الجانب تحديدا يكمن الإبهار الفنى للفيلم، فالكومبيوتر يستطيع أن يصنع من الصور ما يشاء الفنان، وما قد يجمح إليه خياله، لكن ذلك يفقد القصة الدينية سحرها لدى المتفرج، الذى ينتظر أن يرى مركبا عملاقا بذل نوح جهدا بالغا لصنعه، ليلجأ إليه وأسرته وكل ما تدب فيه الحياة لتطيح به وبهم الأمواج، فإذا بالمتفرج أمام ما يشبه "الغواصة" التى صنعتها لنوح كائنات صخرية بالغة التشوه، يقال أنها لملائكة عوقبت على أخطاء فكانت مهمتها للخلاص هى مساعدة نوح، لكن هذه الكائنات تبدو فى الحقيقة مثيرة للضحك، أو كأنها محاكاة كومبيوترية هزيلة لما كان فنانو الخدع السينمائية يقومون به فى سالف الأزمان بجهد بالغ، على نحو ما ترى مثلا فى فيلم خمسينيات القرن العشرين "رحلة السندباد السابعة"! ناهيك عن غابات الأشجار التى تنبثق من الأرض فى ثانية واحدة، أو ذلك المشهد الذى أتى هنا فى غير سياق، لكنه أثار فتنة المخرج، الذى جعل نوح يحكى لأسرته بداية الخلق، لتتجسد على الشاشة السطور الأولى من "سفر التكوين".
أرجو ألا يشتت انتباهك كثيرا الإشارات إلى أبناء نوح، والتلميحات لمصائرهم التى جعلت من الأسطورة سببا فى خلق النزعة العنصرية حتى اليوم، فكل ذلك عابر أمام جوهر الفيلم والسبب فى وجوده، وهو تقديم المبرر لنزعة التدمير الشامل باسم عدالة السماء، والقضاء على الأشرار، أو حتى الادعاء بأن الفيلم يدعو إلى "بداية جديدة"، فالمهم أن يبقى بطل الفيلم وأسرته فى مشهد النهاية، وهم ينظرون إلى قوس قزح من بعيد، وليس مهما على الإطلاق أن يموت كل البشر، لكى يعيش البطل الأمريكى!