Sunday, March 08, 2015

بين عبد الحليم حافظ وأحمد زكى




بين النهاية المرحة السعيدة لأفلام عبد الحليم حافظ ، والنهاية المتشائمة الحزينة لأفلام أحمد زكى، فارق هائل بين عصرين كأنهما ينتميان لعالمين مختلفين تماما، ومع ذلك فإن هناك بين النهايتين والعصرين والعالمين صلة عميقة، تتجلى فى تلك الغلالة من الشجن والحزن التى تلفهما، وتعبر دائما عن شوق عارم للحياة وحرب ضارية ضد الموت، بالمعنى الحقيقى والمجازى معا. هذا هو الخيط الرقيق الدقيق الذى لا يكاد يرى ـ وإن يكن قويا بحق ـ بين صورة النجم عبد الحليم والنجم أحمد زكى، قد يرى البعض أنه تجمعهما بعض الملامح الظاهرية لكن الحقيقة أن الذى يجمعهما هو التجربة المشتركة، ولعل هذا هو السبب فى أن صناع فيلم "حليم" الذى لم يعرض بعد اختاروا أحمد زكى بطلا له برغم ـ أو بسبب؟! ـ مرضه الشديد خلال مرحلة التصوير، حتى أنه لن يرى كيف استطاع أن يجسد عبد الحليم لأنه رحل عن عالمنا.
على السطح فإنه يمكنك أن تجد فى التجربة المشتركة بينهما نفس الظروف التى تجمعهما مع ملايين المصريين فى آلاف القرى المصرية الصغيرة : الواقع الاقتصادى الصعب، ومحنة فقد أحد الوالدين أو كليهما، ورحلة المعاناة الطويلة للبحث عن مكان تحت الشمس، لكن ماكان يفرقهما عن غيرهما فهو ذلك الإيمان الذى لا يتزعزع بأن الله أعطى كلا منهما موهبة يجب الحفاظ عليها وصقلها واستغلالها حتى الرمق الأخير، فلا تبقى فى الكأس قطرة واحدة من الموهبة لم يرتشفها ويذق حلاوتها ومرارتها.
فى الجانب الآخر، تستطيع أيضا أن تستفيض فيما يجمعهما من قسمات الوجه المجهد والعينين الذابلتين وإن كانتا تفيضان بالحياة، لكن البصمة التى تركها عبد الحليم وأحمد زكى لا تتوقف أبدا عند تلك الجوانب من حياة وملامح كل منهما، فالأهم هو أن تجربتهما فى عالم الفن استطاعت أن تعبر عن بطلين من زمانين مختلفين، القاسم المشترك بينهما هو "الصدق" فى هذا التعبير، لكن ماأبعد الفرق بين بطل وآخر، مات الأول ماديا ومعنويا لأنه عانى من الانكسار بعد الانتصار، بينما مات الثانى لأنهم لم يمنحوه فرصة الفرحة بالنجاح الذى حققه، بل سرقوه منه وأعطوه كابوسا لا ينتهى ومايزال يجثم على الصدور.
عندما ظهر عبد الحليم فى الخمسينات كانت مصر والوطن العربى كله فى حالة بحث عن الهوية، بحث عن المستقبل دون فقدان للماضى، وكما كان هذا العصر يمثل على المستوى السياسى جسرا بين مرحلة وأخرى، كان صوت عبد الحليم هو الجسر بين كلاسيكية محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش، وشعبية وتلقائية محمد فوزى وعبد العزيز محمود، لذلك لم يكن غريبا أن يتسم أداء عبد الحليم بالرصانة والسهولة معا، كما كانت صورته على الشاشة تمثل شباب الطبقة المتوسطة الذى يحلم، ويجد بين يديه أدوات تحقيق حلمه، بأن يحقق ذاته. ولم يكن غريبا أيضا أن تجد فى بعض أفلام عبد الحليم ملامح ولمحات من حياته الشخصية، فبين "لحن الوفاء" (1955) لابراهيم عمارة و"شارع الحب" (1958) لعز الدين ذو الفقار، تتردد سمات الطفل اليتيم الذى عاش طفولة بائسة، والشاب المكافح الذى يبذل كل ما يستطيع لكى يحقق المجد والشهرة. وبرغم أن هذه الأفلام لا تخلو من التوليفة الميلودرامية الغنائية التقليدية، فإنها صنعت بطلا له ملامح جديدة، والمفارقة هنا أن هذه الملامح كانت بسبب عدم امتلاك عبد الحليم لدقائق "حرفة" التمثيل، فكانت التلقائية والصدق هما مفتاح نجاحه الحقيقى، فهو كأبناء الطبقة المتوسطة يعوض قلة الخبرة بالجهد الفائق.
أرجو أن تتأمل على سبيل المثال كيف عبر عبد الحليم عن نموذج "الطالب" فى "الوسادة الخالية" (1956) الذى لم يفقد فيه مخرجه صلاح أبو سيف اهتمامه بالتفاصيل الحية، فأتى الفيلم نموذجا نادرا من الرومانسية والواقعية، فى تلك التيمة التى تتحدث عن الحب الأول الذى قد يستحوذ على الفتى على نحو نبيل حزين، غير أن الحياة التى تسفر عن جديد كل يوم تفتح أمام البشر دروبا يبلغون بها نضجهم العاطفى، ولتتأمل أيضا تلك المشاهد التى تجمع بين بطل عبد الحليم وأبيه (عبد الوارث عسر) الذى يضع أمام الابن حقائق الحياة بقدر عميق من البساطة والشجن.
كانت رومانسية عبد الحليم وواقعيته هما رومانسية وواقعية ذلك الزمن وطبقته الوسطى، بينما أتى بطل أحمد زكى الذى ظهر فى نهاية السبعينات تعبيرا عن أن أحلام الطبقة الوسطى باتت قبض الريح، تحت تأثير متغيرات داخلية وخارجية عاصفة. كانت حواديت عبد الحليم تبدأ بالأسى وتنتهى بالفرح، بينما كانت حواديت أحمد زكى تمضى فى الاتجاه المعاكس، خاصة أن أحمد زكى كان بتكوينه الجسمانى والنفسى مرشحا منذ البداية لأن يعبر عن صورة "المقهورين"، سواء هؤلاء القادمين من الحضيض ليحاولوا خوض رحلة الصعود الاجتماعى لكن سعيهم ينتهى إلى الفشل، أو أبناء الطبقة الوسطى الذين أصبحوا عاجزين عن تحقيق أحلامهم، أو حتى المثقفين الضائعين التائهين فى زحام الحياة. وفى فيلمين مبكرين لأحمد زكى ترى هذه الصورة من القهر، ففى "شفيقة ومتولى" (1978) يذهب متولى ليعمل بالسخرة فى حفر قناة السويس، ويترك أخته شفيقة بلا عائل يحميها من نهش الرجال الذئاب، وعندما يعود يكون عليه أن يصبح قاتلا للأخت لكى يحافظ على القانون "الأخلاقى" لمجتمع لم يضع فى منظومته الأخلاقية مكانا لهؤلاء المقهورين. وفى "اسكندرية ليه" (1979) ليوسف شاهين يدفع الفتى الفقير ابراهيم وحده ضريبة العمل السياسى، بينما ينعم الأثرياء بالحياة فى تحلل وفساد كاملين، ليسأله محاميه الطيب العجوز (محمود المليجى) فى سخرية مريرة : "وعايزنى أكسبها؟!".
عشرات الأفلام سوف تجسد تنويعات على هذه الصورة، مثل "موعد على العشاء" (1981) لمحمد خان، الذى نرى فيه أحمد زكى فى صورة الحلاق البسيط الذى يحاول أن يجد لقصة حبه الصادق نهاية سعيدة لكن الأثرياء يقتلونه بقسوة لا تعرف الرحمة، وفى "العوامة 70" لخيرى بشارة جسد دور المخرج التسجيلى الذى يرى الفساد أمام عينيه لكنه ينتهى إلى شعور قاهر بالعجز عن أن ينطق بالحقيقة التى يعلمها، وفى "الحب فوق هضبة الهرم" (1986) لعاطف الطيب يصور عجز ابن الطبقة المتوسطة عن أن يجد مكانا يأويه وحبيبته التى تزوجها، وفى "الهروب" (1991) لعاطف الطيب يجسد بطلا مأساويا حاول أن يعيش بكرامته فى مجتمع ليس فيه مكان إلا للثروة أو النفوذ. لكن أرجو أن تتأمل صورتين متناقضتين له فى "البرىء" (1986) لعاطف الطيب و"زوجة رجل مهم" (1988) لمحمد خان، بين الجندى الأمى الريفى الساذج، والضابط القاسى المتسلط ، ففى الفيلمين دفاع حار عن كرامة الإنسان فى مجتمع أصبح فيه العفن والفساد يتسللان إلى كل الأركان حتى انتهى إلى ما نحن عليه اليوم.
بطريقته حاول عبد الحليم أن يقدم دفاعه عن هذا الإنسان كما حاول أحمد زكى أيضا، برغم الفارق الهائل بين الملابسات التى اكتنفت عصر كل منهما، فارق كأنه الهوة الفاصلة بين الأحلام والكوابيس، ولكن لأنهما كانا صادقين حتى الثمالة فى هذا الدفاع عن الإنسان فإنهما مايزالان يعيشان بيننا حتى اليوم، لأننا نحتاج بضراوة إلى أن نقف ضد كل أشكال الموت الذى يريدون أن ننتهى إليه حتى ونحن أحياء، وبفضل مثل هؤلاء الأحباب ـ الأحياء الموتى أو الموتى الأحياء ـ فإنننا سوف نظل نتمسك بالحياة.

Monday, February 02, 2015

"نوح"، و"الخروج"، و"حلاوة روح"... عن المنح والمنع وفضاء الإنترنيت ودولة المؤسسات



كثيرا ما تراودني صورتان ساخرتان، الأولى من وحي خيالي أما الثانية فمن وحي خيال من يقومون على أمورنا، أي "الحكومة" التي ما تزال في أذهاننا منذ الطفولة هي "العسكري" الذي يخيفون به الأطفال، عندما تقول الأم لولدها: "هل ستنام أم آتي لك بالعسكري"!! والصورة التي من وحي خيالي هي أننا – نحن أهل مصر في الفترة الأخيرة – نبدو أقرب إلى سكان "حارة سد"، لا يخرجون منها أبدا إلى الميدان الذي تفضي إليه، ليس خوفا وإنما اكتفاء بحياتنا داخل هذه الحارة. ولأننا لا نعلم شيئا حقيقيا عما يدور خارجها، تدور أغلب تصوراتنا عن العالم من حولنا حول مفاهيم مغلوطة، أو مضحكة في بعض الأحيان. والغريب في الأمر أننا برغم الفضاء المفتوح الذي يمكن به أن نخرج إلى الميدان، وبرغم ما يمكن أن نصف به حالتنا بالجهل، فإننا نبدو مكتفين ومستمتعين به، ولا نصغي لحظة واحدة لمن ينصحنا بأن نصحح تصوراتنا بأن يتشجع بعضنا ويخطو إلى خارج الحارة، ليقول لنا الحقيقة حول حالنا.
أما الصورة الساخرة الثانية، والتي هي من صنع "الحكومة"، فهي القول بأننا "بلد مؤسسات"، بينما الكثير من تصرفات هذه الحكومة ذاتها تثبت أننا لسنا بلد مؤسسات "ولا حاجة"، فالكثير من القرارات يتم اتخاذه عفو الخاطر، أو بالقفز على الجهات المسئولة عن إصدار هذا القرار، ويكفيك أن تكون مسئولا كبيرا لكي لا يسألك أحد عن تصرفاتك، ويطيعك الجميع طاعة عمياء.
اجتمعت هاتان الصورتان الساخرتان في الآونة الأخيرة أكثر من مرة، في مجال الثقافة السينمائية التي أنتمي إليها، والمفارقة أن هذا قد حدث في حالات يصعب فيها أن تجتمع، لولا أن "مسئولا" هنا أو هناك قرر أن يتخذ القرار ذاته، بمنع عرض فيلم ما، سواء كان ذلك الفيلم هو "حلاوة روح" أو "نوح" أو "الخروج". ومصدر حيرتي هنا، والتي لا تخلو من سخرية مريرة، هو السؤال حول من اتخذ هذا القرار، هل هو الجهة المنوط بها ذلك؟ أم أن مثل هذه الجهة ليست إلا إدارة حكومية، شُغلتها أن تسمع كلام المسئول الأكبر وتقوم على تنفيذه؟
أقول لكم الحق أنني أعتقد يقينا أن اتخاذ مثل تلك القرارات في مجال السينما (وغيرها كثير في كل المجالات) تشير دائما إلى أننا ما نزال نخلط بين مفهومي "الدولة" و"الحكومة"، فأجهزة الدولة هي تلك التي لا تأخذ أوامرها من أحد، وهي تتمتع بالاستقلال في قراراتها، أيا كانت الحكومة، والتي من المفترض أنها ليست إلا سلطة تنفيذية تقوم على تنفيذ قرارات "الدولة". ولأضرب لك مثلا بـ"إدارة الأغذية والأدوية" الأمريكية (إف دي إيه)، فهي التي تقرر صلاحية وفاعلية الغذاء والدواء، وهي لا تتبع وزير الصحة مثلا أو أي مسئول حكومي آخر، فلها نظامها المستقل تماما في اتخاذ القرارات. كذلك "مفوضية الاتصالات الفيدرالية" (إف سي سي)، التي تقوم في أمريكا على كل ما له صلة بالبث الإذاعي والتليفزيوني، بدءا بتحديد ترددات البث، وانتهاء بقانونية هذا البث ذاته، فلكل مادة مذاعة (وحتى الإعلانات) لها مضمون يجب ألا تخرج عليه، وزمن للإذاعة مناسب للفئة العمرية التي تتوجه إليها.
تلك هي "المؤسسات"، حيث لا أحد يتصور أن "الحرية" تتيح له فعل ما يشاء وقتما يشاء، كما هو الحال عندنا للأسف الشديد، وليس هناك أيضا مسئول حكومي يستطيع أن يتدخل بقراراته في عمل هذه المؤسسات، كما يحدث عندنا أيضا للأسف الأشد. لقد طرحت على نفسي سؤالا عند تكرار منع الأفلام في الفترة الأخيرة، من قام بمنعها؟ رئيس الوزراء؟ الوزير؟ ضغوط الأزهر؟ لكن أين "الرقابة على المصنفات الفنية" من ذلك كله، والتي تم تجاهلها تماما، ونظل مع ذلك نقول أننا بلد مؤسسات؟ وبالطبع فإن بعض الناس، ممن يحبذون طريقة اتخاذ هذه القرارات، يقررون بدورهم أن من حقهم رفع دعوى قضائية على كاتب السيناريو والمخرج والممثلين (وربما المتفرجين أيضا)، و"بهدلتهم" في المحاكم، جزاء وفاقا على صنعهم هذا الفيلم أو ذاك!!
للعلم، ربما ليس هناك فيلم أمريكي لم يتعرض في أمريكا ذاتها لاحتجاجات من جماعات ضغط مختلفة، لكن هذه الاحتجاجات تكون موجهة لمؤسسة الرقابة التي منحت للفيلم ترخيصا بالعرض حسب الفئة العمرية المناسبة لمشاهدته، وليس للفنان صانع الفيلم، وذلك لأن هناك – بحق – مؤسسة للرقابة لا تأخذ أوامرها من أي مسئول، وهي المنوط بها وحدها السماح بعرض الفيلم أو منعه، إلا إذا قرر صانع الفيلم ألا يحصل على مثل هذا التصريح، ليصبح حرا في عرضه كيفما يشاء، لكنه في هذه الحالة يكون معرضا للملاحقة القضائية ممن يرى أن الفيلم ينتهك أمرا ما، عندئذ يكون "الفنان ذنبه على جنبه"، لأنه تجاوز مؤسسة الرقابة.
ولن ينصلح حال السينما في مصر إلا بوجود "رقابة" قوية، لكنها غير الرقابة التي تتبع وزارة الثقافة (وكانت أيام زمان تتبع وزارة الداخلية!!)، رقابة تابعة للدولة مباشرة، ومكونة من أعضاء يمثلون الجوانب المختلفة من صناعة السينما، وليسوا موظفين عند أحد، وعليهم أن يعلموا أيضا أن دورهم هو الدفاع عن حرية الإبداع في كل جوانبه، ما دام هذا الإبداع لم يخرج على القواعد التي وضعتها هذه المؤسسة الرقابية. وكمجرد مثال، لقد كان على الرقابة أن تدافع عن فيلم "حلاوة روح"، فقط لأنها هي التي منحته ترخيصا بالعرض، وليس من حق أحد – حتى رئيس الوزراء – أن يلغي هذا الترخيص، وهذا بالضبط هو الحكم القضائي الذي انتهى إليه الأمر.
وبالمنطق ذاته، نتساءل: من منع عرض فيلم "نوح" أو "الخروج"؟ وما أسباب هذا المنع؟ (تقول الرقابة أن هذا الفيلم الأخير لم يعرض عليها أصلا!!). والبعض يخمن أن السبب الحقيقي هو عدم الصدام مع رجال الأزهر – والسلفيين أيضا، ولنكن صرحاء مع أنفسنا – الذين يقولون بعدم جواز تمثيل دور صحابي أو نبي، دون أن يكون هناك أي نص ديني حول ذلك. بل إن أفلاما مصرية قديمة قدمت صحابيين مثل بلال بن رباح في فيلم "بلال مؤذن الرسول"، أو عمار بن ياسر في "ظهور الإسلام"، دون أن يثير ذلك أي مشكلة من ذلك النوع الذي يثيرونه الآن، حول أن صورة "الممثل" – التي هي شائنة عند رجال الدين! – سوف تختلط بصورة الصحابي، فهل حدث ذلك مع يحيى شاهين أو عماد حمدي في الفيلمين المذكورين؟ كما أننا كنا في طفولتنا نشاهد – حتى في دور عرض المدن الصغيرة – أفلاما حول حياة السيد المسيح، دون أن يثير ذلك في نفس أكثرنا سذاجة أي توحد بين صورة الممثل والشخصية التي يؤديها.
ومن إخفاء الرؤوس في الرمال أن ننكر أن النزعة السلفية قد باتت تسيطر على حياتنا في أمور شتى، وتأخذ أشكالا متنوعة، لذلك فإن علينا أن نواجه هذه النزعة برؤية تنظر نحو المستقبل وليس نحو الماضي. ومن إخفاء الرؤوس في الرمال أيضا ألا نعترف أنه لم تعد هناك حواجز تمنع رؤية أي فيلم تريده، من خلال وسائل الاتصال الحديثة، لقد استطاع كاتب هذه السطور – عبر الإنترنيت - الحصول على نسخة ممتازة من فيلم "نوح"، ومعه ملف الترجمة العربية له، بمجرد طرح قرص الــ"دي في دي" في أمريكا، كما استطعت الحصول على نسخة متوسطة من فيلم "الخروج" وهو ما يزال في دور العرض، ولأن شريط الصوت ضعيف إلى حد ما، فإن هناك ملفا مكتوبا للحوار المنطوق يمكنك أن تعرضه متزامنا مع الصورة على شاشة الكومبيوتر.
لم أتأثر لحظة واحدة بتجسيد راسيل كرو لشخصية النبي نوح، لكنني عرفت كيف يفكر الأمريكيون (السلفيون أيضا بالمناسبة!!) في استغلال الأنبياء لتبرير العنف، حتى بتدمير العالم من أجل إيجاد "نظام عالمي جديد"، ولم أتعاطف لحظة واحدة أيضا مع كريستيان بيل وهو يجسد النبي موسى، الذي رأيته هنا بطلا لحكاية خرافية لا وجود فيها لشعب مصري على الإطلاق، فقومه (الذين يسميهم الفيلم يهودا، بينما كان اسمهم حتى ذلك الحين "العبرانيين") هم الذين يصنعون كل شيء، لذلك سوف يسخر المتفرج من أن مصر استمرت تبني الحضارة بعد خروجهم منها، كما كانت قبل دخولهم إليها.
وهنا نأتي إلى مبرر منع عرض مثل هذه الأفلام، بحجة عدم تعريض المتفرج المصري لمثل هذه الأكاذيب، وكأن المسئول الكبير يمارس نوعا من "الأبوة" على الناس، بينما هذه السلطة في هذه الحالة في يد مؤسسة الرقابة وحدها (مرة أخرى: المؤلفة من أهل صناعة السينما، وليس من موظفين تابعين للحكومة). وأرجو مخلصا أن يجيبني أحد على تساؤلي حول تعريض المتفرج المصري لأشياء يقال عنها أنها "أفلام" من النوع الذي تنتجه السينما المصرية الآن، وعدم تعريضه لأفلام هي على الأقل متقدمة تقنيا لكي يعرف ما يرى الناس في العالم من حوله؟ وكم عدد من يشاهدون أفلاما أجنبية، بالمقارنة مع زبون الفيلم المصري الآن؟ وهل استطعنا حقا منع مشاهدة الفيلم وتحميله من على الإنترنيت، في زمن لم تعد مثل هذه الحواجز الرقابية تمثل أمرا حاسما؟
يقودني ذلك كله إلى الصورة الساخرة الأولى التي بدأت بها كلامي، عن الحارة التي نرفض الخروج منها، متصورين أننا "أحسن ناس في العالم" دون أن تكون لدينا معرفة حقيقية بهذا العالم. وعودة إلى مجال الثقافة السينمائية الذي أنتمي له بشكل ما، فإنني لم أجد سوى كتابات متناثرة حول "نوح" أو "الخروج"، معظمها يقع في دائرة الكتابة الصحفية وليس النقدية، كما لا أجد اهتماما جادا بما يحدث في العالم، ولم يحدث في أي عام أن عرضت جمعية سينمائية مثلا الأفلام المرشحة لأوسكار أفضل فيلم أجنبي، لكي نعرف إلى أين وصلت السينما في أشكالها ومضامينها، وحتى الكتابة عن أفلام الأوسكار الأمريكية ليست إلا ترجمة لمادة صحفية، لا تضيف شيئا للقارئ سوى بعض الأسماء التي سوف ينساها بعد أيام.
مصدر سخريتي المريرة هو أن هناك منفذا للحارة يؤدي إلى الميدان، أكثر من أي وقت مضى. لقد كنا منذ أربعين عاما نلهث بين المراكز الثقافية الأجنبية لنرى أفلاما لا تقدم في دور العرض التجارية، أما الآن، وفي عصر أصبحت هذه الأفلام متاحة بيسر بالغ، فلا أحد يراها إلا بشكل عابر ومتفرق، ومن هواة السينما أكثر من المشتغلين بالثقافة السينمائية. وهنا أجد المسئولية موزعة على جانبين: موظفي الحكومة الكبار الذين يمثلون عائقا أمام وجود حقيقي لدولة مؤسسات، وعاملين في مجال الثقافة السينمائية، أصبحت هذه الثقافة بالنسبة لهم "أكل عيش"، وليست رسالة في تعميق وعي الجمهور بالأشكال والمضامين التي وصلت إليها السينما في العالم.
فهل من سبيل لخروجنا من الحارة؟؟
                                           

Friday, January 09, 2015

فيلم "الخروج: آلهة وملوك".... بلا آلهة أو ملوك!!!

للأسف الشديد، أعطى منع عرض فيلم "الخروج: آلهة وملوك" أهمية لهذا الفيلم، الذى يمكن أن ندعوه دون أى مبالغة أنه "لعب عيال"، أو لعبة فيديو مملة ورديئة، فهذا المنع – الذى قد يستند إلى ما فى الفيلم من مغالطات تاريخية – قد يوحى بأن هناك فى الفيلم أى نوع من "التاريخ"، وأنا على يقين من أن عرضه سوف يثير سخرية أبسط المتفرجين، ويجعلهم يقتنعون تماما بزيف الدعاوى الصهيوينة، التى تزعم دائما أنها ترتكن على أفكار "مقدسة"، جاءت فى الكتب "السماوية".
وليس جديدا أن نقول أنه لا يمكن لك أن تستمد الحقائق التاريخية من أى كتاب مقدس، فكل طائفة لها كتابها الذى تقدسه ولا تصدق غيره، بل تكذب الكتب الأخرى، حتى أنك فى النهاية لن تجد مفرا من أن تُسلم نفسك إلى كتاب الديانة التى تنتمى إليها. لكن هل تستطيع يقينا أن تزعم أن "أحسن القصص" هى التاريخ بالألف واللام، أم أنها تاريخ مقصود به العظة والعبرة، أما إذا كنت تسعى للبحث عن الحقيقة، فإن لذلك أدوات أخرى.
دعنا نقترب فى البداية من عالم فيلم "الخروج: آلهة وملوك"، الذى لا يعدو أن يكون إعادة صنع من ريدلى سكوت - وهو المغرم بالإبهار الكومبيوترى – لفيلم سيسيل دى ميل القديم "الوصايا العشر"، والذى كان بمؤثراته البصرية الساذجة أكثر إبهارا من الفيلم الجديد. يقول الفيلم أنه يدور فى عام 1300 قبل الميلاد، وأن الملك المصرى الحاكم هو سيتى الثانى (فى التاريخ الحقيقى كان حورمحب)، الذى يسكن فى منف بجوار الأهرام (فى الحقيقة كان الحكم آنذاك فى طيبة بالجنوب، ولكن ريدلى سكوت أراد قصرا يطل على الأهرام!)، وفى البلاط شابان صديقان، تربيا معا كشقيقين، هما ولى العهد رمسيس الثانى، والآخر هو موسى، الضابط المتميز فى الجيش المصرى.
وهنا يضعك الفيلم أمام أول زعم صهيونى: أن الأحداث تدور فى زمن رمسيس الثانى، وليس غيره، ليكون هو فى قابل الأيام ما يسمى "فرعون الخروج"، أى خروج اليهود من مصر، وهذا الاختيار يعكس رغبة مريضة فى الفكر الصهيونى كما سوف نرى فيما بعد. المهم أن المشاهد الأولى لن تختلف كثيرا عن النمط الفيلمى المعروف باسم "السيف والصندل" (هكذا اسمه فى أدبيات هوليوود)، وهو النمط الذى يدور حول المعارك والمبارزات فى العصور القديمة، التى كان أغلبها فى الأفلام إغريقيا أو رومانيا، وهذا التنميط – الذى يمتد إلى كل عناصر الفيلم – سوف يجعل رمسيس الثانى يرتدى زيا إغريقيا حربيا، وسوف يخوض الضابط موسى المعارك إلى جانبه، بل سوف ينقذ حياته أيضا، لكى يوحى لك الفيلم بقدر الطيبة والوفاء الذى يتمتع به موسى، فى مقابل قدر الشر والنذالة الذى يتسم به رمسيس الثانى.
وتدور الأيام دورتها، ويعتلى رمسيس عرش مصر، ولسبب غامض ما يقال إن اليهود بدأوا يتذمرون من عبوديتهم للمصريين طوال أربعمائة عام، يقال أيضا إنها الفترة التى قضوها فى مصر منذ دخول قبيلة يعقوب خلف ابنه يوسف، وحتى ظهور موسى. وهنا لابد من وقفة: ما سبب هذه العبودية؟ كيف بدأت وقد كان الجد الأعلى يوسف ذاته (طبقا للكتاب المقدس) قد جعل من المصريين عبيدا، على إثر السنوات السبع العجاف، التى لم يذكرها التاريخ فى آثاره أبدا؟ وما السبب فى القول بأن المصريين كانوا يعتبرون اليهود "دنسا" يجب اجتنابه؟
للإجابة على مثل هذه الأسئلة – وهى الإجابة الغائبة تماما عن فيلم "الخروج" – يجب أن نتذكر أنه كانت هناك "دولة" فى مصر القديمة منذ عشرات القرون قبل دخول اليهود المزعوم إليها، وأن المجتمع المصرى كان مجتمعا زراعيا مستقرا. ورغم الابتلاءات التى حدثت بسبب الكهنة، أو اختراع الحكام لديانات جديدة، فقد ظل الناس فى مصر القديمة – قبل ظهور اليهود بآلاف السنين وبعدهم - يحرثون ويبذرون ويروون ويحصدون، فى إيقاع يشبه قوانين الطبيعة ويسايرها، ويشيدون الآثار التى يزعم اليهود أنهم بناؤوها!! وهؤلاء هم "الناس" الذين لم يظهروا قط فى فيلم ريدلى سكوت، فاليهود – العبيد – هم الذين يصنعون كل شىء، وهم البناؤون للآثار العملاقة، وقد حان الوقت لكى ينفضوا عبوديتهم عن كاهلهم، وينجحوا فى "الخروج".
لا تقول لنا الكتب المقدسة إنه إذا كان اليهود هم الذين كانوا يصنعون كل شىء، فكيف استمرت مصر بعد خروجهم فى تحقيق ازدهارها وسطوتها حتى على مناطق أسيوية، ومنها ما يقول اليهود إنها أرضهم الموعودة؟ أما لماذا كراهية المصريين لهم، فلسبب جوهرى، هو أن من يسمون يهودا لم يتخلوا قط عن حياتهم البدائية الرعوية، التى كان تنتشر فيها الأمراض الجلدية بسبب قلة المياه، على عكس الفلاحين المصريين الذين يراعون كل قواعد النظافة والصحة، بفضل نهر النيل الذى لا يتوقف عن العطاء. والحقيقة أن ما أعطى هذه القبائل اليهودية قدرة على البقاء عبر التاريخ، هو "الكتاب المقدس" ذاته، الذى أعطاهم تاريخا، رغم أنه مكتوب بعد قرون طويلة من الأحداث التى يرويها، لذلك فإن الزعم بأن موسى هو الذى كتب التوراة يتناقض مع كونها تروى أنه مات ودفن فى مكان ما بشبه جزيرة سيناء، وبالمناسبة فإن لقصة موته خبايا وخفايا غامضة، حتى أنه يقال إن اليهود أنفسهم هم الذي قتلوه.
إننا لا نطلب من ريدلى سكوت العودة إلى مراجع مهمة حول هذا الأمر، سواء العربية منها مثل كتابات سيد القمنى، أو بلغات أخرى مثل "موسى والتوحيد" لفرويد، وإنما على الأقل كان عليه أن يقرأ كأى شاب فى مقتبل عمره شيئا من مقالات "ويكيبديا"، لعلها كانت سوف تجعل معلوماته أقرب إلى الدقة. لكن ما كان يسيطر عليه طوال الوقت هو الإبهار، واستخدام الكومبيوتر لخلق مجاميع هائلة من البشر، أو محاكاة مزعومة لمدن مصر القديمة، أو معجزة شق البحر التي كانت فى الفيلم القديم لسيسل دى ميل أكثر إبهارا وإقناعا، باستخدم حيلة بصرية بسيطة، بتصوير مياه تتدفق من الجانبين على أخدود، فإذا عكست عرض الشريط بدا لك أن المياه تنحسر لكى تصنع مسارا ممتدا!
لن أتوقف طويلا أمام نزوة أن يجعل ريدلى سكوت من إله موسى طفلا غاضبا (نقول إله موسى لأن هذا هو ما يقوله الفيلم، فهو إله اليهود وحدهم!!)، لكن تأمل كيف أن موسى يتسم بقدر هائل من التسامح، غير أن إلهه يسعى للانتقام لـ"شعبه"، ويضرب مصر بالعشر ضربات الشهيرة، التى لا ذكر لها فى أى تاريخ، حتى فى وثائق الأمم المعادية لمصر، وهى ضربات تبدو على الشاشة مثيرة للسخرية، مثل نهر الدم أو أسراب الجراد، أو أن يقتل إله اليهود الابن الأكبر لكل مصرى، بمن فيهم الحاكم ذاته، لكنه لا ينسى أن يوصى اليهود بأن يضعوا علامة من دماء الأغنام على بيوتهم، حتى لا "يتلخبط" فيها!! وسوف يتجاهل الفيلم كيف أن المصريين كانوا أثرياء وطيبين مع اليهود حتى بعد هذه الضربات، وأعاروهم ذهبهم وفضتهم، ليسرقها اليهود خلال "الخروج"!!
لن تعرف أبدا لماذا قرر الحاكم المصرى فى الفيلم مطاردة اليهود، بعد أن سمح لهم بمغادرة مصر، ولكنه مشهد ضرورى لإبهار "تسونامى" الذى ابتلع الجيش المصرى. الآن لدينا نقطتان لا يمكن إغفالهما، أولاهما أن اختيار رمسيس الثانى ليكون "فرعون الخروج" المزعوم، فذلك تعبير عن حقد دفين ضد ملك مصرى حكم ما يقرب من سبعين عاما، ومات فى حوالى التسعين من عمره، وحقق انتصارات هائلة على امتداد كل الحدود المصرية، بما فيها أرض كنعان (فلسطين) التى استوطنها اليهود. أما النقطة الثانية فهى أنه لم يكن هناك أى "يهود" معروفين بهذا الاسم، إلا بعد موسى وتبشيره بإلهه الذى حمل اسم "يهوه"، فكيف يُبنى تاريخ مزيف كامل على شعب لم يوجد بعد؟! والإجابة هى أن التزييف هو جوهر النزعة الصهيونية ذاتها، تزييف التاريخ، وتزييف الأوطان.

                                         


Saturday, January 03, 2015

تأملات ذاتية في المسألة السينمائية الثورية

أكتب هذه السطور بعد أيام قليلة من صدور الحكم "القضائي" على مبارك وأعوانه، وسط حالة من الفوران الذي لا يدل في حقيقته على أن شيئا حقيقيا يغلي في القدر، بقدر ما يدل على اقتراب الماء فى الوعاء من الجفاف. أربعة أعوام ونحن "محلك سر"، ولا جديد تحت الشمس، سوى مزيد من الحوار الذي يكاد أن يقترب من أن يكون لغطا ولغوا، وأشعر – وهذا شعوري وحدي على الأقل – أن هناك كلمات لم تفقد معناها فقط، بل إنه لم يكن له معنى محدد في ذهن معظم أصحابها أصلا.
فالقليل من وقائع ثورة يناير معروف أو شائع، لكن هناك الكثير تم إخفاؤه عمدا، وما يزال خافيا لأنه يفضح رؤية العديد من الأطراف لمعنى الثورة، الكثير من التحالفات، الداخلية والخارجية، من أجل "تفطيس" هذه الثورة بأي ثمن، والكثير من الصراع حول الفوز بها، كأنها غنيمة على طاولة قمار، الكل يلعب عليها إما بنوع من المقامرة الانتحارية بالغة الخطورة، أو على طريقة "فيها لأخفيها"، أي افسحوا لي مكانا وسط المقامرين، وإلا عكرت عليكم صفوكم. والخاسر الوحيد من هذه اللعبة هو الوطن.
تذكرت كيف أن السينما المصرية، في أكتوبر ونوفمبر 1953، احتفت واحتفلت بثورة يوليو، وبرغم أن بعض أهل اليسار انتقدوا ذلك الاحتفاء، باعتباره نوعا من التملق، وحشر فقرات لا علاقة لها بموضوعات الأفلام الهزلية، فإننا ننسى أن السينما كانت آنذاك هي "وسيلة الإعلام" الأكثر تأثيرا في الناس، لكن الأكثر أهمية هو أن هذا الاحتفاء يشير إلى أن ثورة يوليو كانت قد حددت معظم أهدافها من اللحظة الأولى، لذلك شهد فيلم مثل "الحموات الفاتنات" في نهايته نشيد "على الإله القوي الاعتماد"، الذي كان تعبيرا عن شعار "الاتحاد والنظام والعمل"، كما غنى اسماعيل ياسين "لنجيب واخواته" في فيلم "اللص الشريف"، في مونولوج كان عنوانه "عشرين مليون وزيادة"، وهو يقصد "الضباط الأحرار".
قارنت ما صنعته السينما المصرية بعد ما يقرب من أربع سنوات من ثورة يناير فلم أجد أثرا لأي احتفاء، بل مزيدا من الغموض الواعي أو غير الواعي، ربما لأنه في الحقيقة ليست هناك حتى الآن ترجمة سياسية واضحة لهذه الثورة، أخذت أي نوع من التطبيق العملي الذي ينعكس على حياة الناس، وربما لأن شركاء هذه الثورة لا يملكون إلا صورة غائمة عن تغيير ما، يبدأ وينتهي بـ"إسقاط النظام"، الذي كان عند البعض يعني التخلص من سنوات طويلة من الهوان الوطني على كل المستويات، دون أن تكون هناك صورة واضحة عن "نظام جديد"، بينما كان يعني عند البعض الآخر إسقاط الدولة ذاتها، وخلق فراغ سياسي ليكون البديل المتاح الوحيد هو قفزهم إلى مقاعد السلطة.
لذلك بدت الثورة عند البعض حلما طوباويا، تمثل في "كوميونة" ميدان التحرير، التي جمعت العديد من الفرقاء، لكنها بدت عند البعض الآخر كابوسا خانقا، لأن هذا الميدان ذاته تحول في مراحل لاحقة إلى ما يشبه ساحة الصراع بين مجموعة من "البلطجية" المتناحرين.
تأملت فيلما تسجيليا مثل "الميدان"، الذي سبق لمخرجته جيهان نجيم أن صنعت فيلما بعنوان "غرفة الأخبار" عن قناة الجزيرة. ووصل فيلم "الميدان" بشكل ما إلى التسابق على جائزة الأوسكار للفيلم التسجيلي، ليتاح له أن يشاهد على نطاق واسع، حتى لو لم يكن – كفيلم – مستحقا لهذه الشهرة، لكنه استحقها لأنه تحديدا يروج للرؤية الأمريكية للثورة المصرية، برغم أنه يبدو في الأغلب الأعم منه "موضوعيا" على نحو ما، إذ يعرض لوجهات نظر مختلفة وإن لم تكن متعارضة، ليقودك في آخر لقطاته إلى حيث يريد تحديدا.
وحين يجمع "الميدان" بين الفتى أحمد، القادم من قاع المجتمع، ذي النزعة الثورية الفطرية، وخالد عبد الله، المصري الأصل بريطاني الجنسية، المنتمي لطبقة المثقفين من الشريحة العليا للطبقة المتوسطة، ويعمل ممثلا لكنه أتى ليشارك في الثورة ويكون شاهدا عليها، وأخيرا مجدي عاشور، ذي الخلفية الإخوانية، الذي يتحدث كأنه ليس جزءا من جماعة تؤمن بالسمع والطاعة، ويتصرف بوحي من إرادته، حين يجمع "الميدان" بين هذه الشخصيات الثلاث (بالإضافة لشخصيات فرعية أخرى)، يصور لك كيف أن الشعب المصري يقف صفا واحدا أمام "النظام" من أجل إسقاطه.
يمضي الفيلم كأنه يسجل الوقائع بشكل محايد، بدءا من حكم "المجلس العسكري"، مرورا بفزورة "الدستور أولا"، ولا ندري إن كان الفيلم يعي ذلك حقا حين يصور موقف بعض المثقفين الذين يختارون "الانتخابات أولا"، لإيمانهم بفكرة مشوشة يدعونها "الديموقراطية"، حتى لو أتت بالإخوان إلى مقاعد السلطة. (للأسف هكذا نحن في الأغلب، سلفيين ويساريين، يحكم أفكارنا "نص" جاهز، دون أن نضع اعتبارا للسياق). وبالفعل يستولي الإخوان على كل شيء، ويدرك جانب من الثوار أن الإخوان قد تخلوا عنهم، لتشاهد لقطات خاطفة لمذبحة الاتحادية، وحركة تمرد، ليقفز الفيلم في النهاية إلى جوهر رؤيته أو رؤية من ساعدوا في إنتاجه، فحين يختلق الإخوان اعتصام ميدان رابعة، يصور لك الفيلم قتلاهم في "مذبحة" الحرس الجمهوري، ليقرر أحمد الانضمام إليهم ضد الدولة، ويؤكد: "الدور على اللي جاي، ها أفضل في الشارع"، وبالطبع لأن "الثورة مستمرة"، من أجل ماذا بالضبط؟ لا إجابة.
إنك لو تأملت أسلوب الفيلم لتبين لك قدر ما فيه من اصطناع، الذي يبدو في التعليق على لسان الشخصيات، بطريقة تخلو من الحس التسجيلي العفوي، لكنها تقترب من الخطاب الإعلامي الموجه، كما أنك لن تدري (ولعلك تدري)  لمن يتوجه الفيلم، والكثير من مشاهده ناطقة بالإنجليزية، حتى على لسان المثقفين المصريين جدا، أو يفترض أنهم كذلك. كما أنك لو تأملت مضمونه، لاكتشفت أنه ينطق بنصف الحقيقة فقط، ويستخدم عبارات لها وجاهتها، لكن لها وجهتها أيضا، ولعل أخطر ما فيها التلميح إلى أن الإخوان أصبحوا بعد الثورة "مختلفين"، أو بالعربي الفصيح أنهم "فصيل ثوري"، يجب الوقوف معه ضد السلطة، أي سلطة، ولتنس الجوهر الفاشي فى الفكرة الإخوانية والتنظيم الإخواني تماما.
بنفس القدر من التشوش – الذي أراه غير مقصود هذه المرة – ياتي فيلم يسري نصر الله عن الثورة "بعد الموقعة"، وكل أفلام نصر الله "تتمتع وتستمتع" بهذا التشوش، الذي يعكس دائما رؤية ذهنية تماما لواقع يتم اختزاله إلى "شخوص" ولا تقول شخصيات، تمثل رموزا يكون على المتفرج أن يحل شفرتها. ماذا في جوهر "بعد الموقعة"؟ رجل يدعى محمود من أهالي نزلة السمان (باسم سمرة)، الذين نزلوا إلى ميدان التحرير بجيادهم وجمالهم ليفضوا الاعتصام، ونراه كأنه البطل التراجيدي، الذي تكمن أزمته في قيام أهل البلدة بالسخرية منه، لأنه وقع من فوق حصانه في الميدان!!
وهكذا يصبح علينا أن نتوحد معه، وننقذه من أزمته النفسية والمادية، وتلك هي مهمة البطلة ريم (منة شلبي)، التي تأتي إلى نزلة السمان بصحبة من تقوم بدور "السنيدة" في الفيلم (فيدرا)، التي ليس لها أي ملامح سوى أن تتبادل الحوار مع البطلة، لعل المتفرج يفهم ما يجري، ولكن هيهات لي على الأقل أن أفهم شيئا! جاءت ريم أيضا من الشريحة العليا من الطبقى الوسطى المستريحة جدا، ويبدو أنها على حافة الطلاق من زوجها لسبب لا ندريه (ابحث عن الرمز في الانسلاخ عن الطبقة)، لكنها تشاركه الشراب والفراش عندما يزورها، كما تقضي لحظات سرية ملتهبة من العشق مع محمود، لأنها أعجبت بطريقة ركوبه الحصان (هل هنا رمز جنسي أيضا؟ لا أدري).
وشيئا فشيئا، ومن خلال محمود – أو علاقتها السرية به – تتعرف على مشكلات أهل نزلة السمان، وتنقذ محمود من أن يصبح بلطجيا بسبب البطالة، لكن السبب الأهم هو إنقاذه مما أشرنا إليه سابقا من احتقار أهل القرية له. لكن أرجوك أن تقف قليلا أمام موقف فاطمة (ناهد السباعي)، زوجة محمود، التي تشعر بالإعجاب المتبادل والعلاقة السرية بين زوجها وريم، فتطلب من البطلة أن تتزوج زوجها!! لم يتوقف "بعد الموقعة" لحظة واحدة أمام أي مشاعر تصطرع داخل فاطمة باعتبارها إنسانة، قد تنتهي إلى هذا القرار تحت ضغط نفسي هائل، لكنها لم تستطع أن تخرج على أوامر صانع الفيلم، فهو يريدها رمزا للشرائح الدنيا من المجتمع، التي "يجب" عليها أن ترضى بالتحالف مع المثقفين، الذين يقضون أوقاتهم في الفيلم في الكلام والتدخين وشرب البيرة (بالمناسبة، لن تعرف أبدا من أين يكسب هؤلاء قوت يومهم، ويعيشون حياة فاخرة).
الغريب أن يسري نصر الله، صاحب الثقافة السينمائية الأجنبية، يستخدم قاعدة أحمد بدرخان التي وضعها في نهاية الثلاثينيات أو بداية الأربعينيات لصنع فيلم ناجح، وهي أن يدور حول امرأتين ورجل، أو رجلين وامرأة، وقد قام نصر الله بالجمع بين الاختيارين. هذا هو "وعي" بعض سينمائيينا بالثورة، وبصرف النظر عن العدد الهائل للشركات الأجنبية المنتجة في كليهما، كما تظهر في "التيترات"، فإنني لم أشعر لحظة أن هذه الأفلام تخاطبني، وتجعلني أقرب لروح الثورة بأي معنى. وربما كان السينمائيون معذورين إلى حد ما، لأن الثورة لم تجد حتى الآن معنى محددا، سوى "النزول إلى ميدان التحرير"، وأننا لا نريد "حكم العسكر"، ومواربة الباب من جانب السلطة والقوى السياسية معا أمام الإخوان برغم الحقيقية البديهية حول فاشيتهم، والأهم هو عدم ترجمة معنى الثورة بأي شكل – حتى في حد أدنى - في الواقع اليومي لحياة الناس.
ما أزال أنتظر الثورة، ليس بمعنى المظاهرات التي يحولها الإخوان دائما إلى ساحة دموية، وإنما الثورة التي تعني الممارسة السياسية الجادة، التي تطرح فيها السلطة رؤيتها السياسية الواضحة (حتى الآن لا نعرف لنا نظاما اقتصاديا متماسكا)، وتعني ألا تنتظر فيها القوى السياسية من السلطة أن تعطيها نصيبا من الغنيمة، فهي لن تفعل أبدا عن طيب خاطر، لكنها سوف تفعل إذا تحولت هذه القوى إلى كتل جماهيرية حقيقية، تعمل على تغيير هذا الواقع الكابوسي الذي نعيش فيه، لا أن تحوله إلى كابوس أكثر قتامة.
وما أزال أنتظر من السينمائيين الاقتراب الحقيقي الحميم من أحلام الناس، لا أن يروا الواقع من خلال رؤية ذهنية، أو وجهة نظر غربية.... ما أزال أحلم بميلاد حقيقي للثورة المصرية.