Sunday, February 12, 2017

السينما المصرية بين الأعراض الحادة والأمراض المزمنة



                       
 ينتاب السينمائيون المصريون بين الحين والآخر أعراض قلق جارفة، حين تبدو صناعة السينما وكأنها وصلت إلى ما يبدو أنه طريق مسدودة، بسبب عوامل تختلف من فترة إلى أخرى، فيرتفع صياحهم الصاخب مطالبين "الدولة" بأن تتدخل لحمايتهم ومساعدتهم، وبجرد أن تزول الأزمة، يعودون إلى الشكوى من أن الدولة تتدخل بطريقة تعوق حرية إنتاجهم، ويطلبون منها أن ترفع أيديها عنهم!! حدث هذا عدة مرات، ويحدث الآن، بعدما وصلت صناعة السينما إلى درجة توقف الكثير من الاستوديوهات والعاملين فيها عن العمل، وسوف تنعقد المؤتمرات، وتتوالى الاقتراحات، وربما تحدث انفراجة على نحو ما، لكن ذلك كله سوف ينتهي إلى استمرار الصناعة في مسارها السابق، حتى تطل الأزمة برأسها من جديد.
والسبب؟ هو أن هناك نقاط ضعف جوهرية في بنية السينما المصرية ذاتها، صناعة وفنا، وتلك للأسف هي النقاط التي لا تتم مواجهتها ومعالجتها أيا كانت تكاليف هذا العلاج، لكن أي ثمن سوف يكون ضئيلا أمام منح هذه السينما فرصة حياة متجددة. وسوف يظل التاريخ يذكر كيف أن السينمائيين المصريين عانوا في بداية الستينيات، بسبب بعض الظروف السياسية التي أدت إلى شبه مقاطعة للأفلام المصرية، وعندما لجأوا إلى الدولة، واجتمعوا مع الزعيم جمال عبد الناصر نفسه، قرر القائد تأسيس قطاع عام يرعى أعمالهم إنتاجا وتوزيعا، وكانت تلك من أكثر فترات تاريخ السينما المصري ازدهارا، لكن بمجرد أن تراجعت الأزمة، اعترض هؤلاء السينمائيون أنفسهم وقوفهم على وجود القطاع العام وتدخل الدولة، ليعاودوا صنع أفلام السبعينيات التي كانت من أسوأ فترات هذه الصناعة وأكثرها رداءة!!
ومن هذه التجربة في القطاع العام – التي لم تنجح في خلق بنية صناعية راسخة لأسباب بيروقراطية، ولأنها أديرت من خلال بعض العاملين في القطاع الخاص ذاته – يمكنك أن تتأكد أن معظم السينمائيين المصريين لا يسعون إلى تأسيس صناعة حقيقية، وإنما مجرد خلق فرص للكسب السريع، بأي شروط ممكنة في المدى القصير. وإذا اقتربنا من أزمة السينما المصرية في الآونة الأخيرة، فإن معظم شكاوى صناعها جاءت مركزة على "القرصنة" التي لا تتيح لهم كسب ما يعوضون به تكاليف الإنتاج، أو رداءة دور العرض بما لا يشجع قطاعا كبيرا ومهما من الجمهور للذهاب إلى مشاهدة الأفلام.... لكن لم يتحدث أحد مثلا عن ارتفاع أجور النجوم بشكل مفرط، بحيث تبتلع جزءا كبيرا من ميزانيات الإنتاج، دون أن ينعكس ذلك على جودة الإنتاج ذاته، كما لم يتحدثوا عن "الاحتكار"، الذي يجعل معظم دور العرض مملوكة لموزعي الأفلام أنفسهم، مما يعطيهم سلطة مطلقة على اختيار أفلام وإهمال أفلام أخرى. لم يتحدث صناع السينما عن هاتين النقطتين وغيرهما، لأن مواجهتها بواسطة الدولة سوف تحرم الكبار منهم من مزايا لا يرضون بالتنازل عنها لصالح السينما!
وفي الحقيقة أن تلك النقاط وحدها ليست أيضا سبب الأزمة، فيمكنك أن تتعقب أسبابا أخرى قد تبدو بعيدة، لكنها ذات تأثير كبير. وربما كان أولاها هو تقلص ميزانية الأسرة المصرية التي تخصصها للإنفاق على الترفيه، وهو ما يجعل هذه الأسرة تنتظر حتى عرض الأفلام في التليفزيون. وقد تجد سببا آخر في تدني مستوى الأفلام وظروف عرضها في معظم دور العرض، حتى أن هذه الأخيرة أصبحت تندرج تحت "سينما الترسو" بصرف النظر عن مظهرها، ومرة أخرى سوف تحجم الأسر من الطبقة الوسطى عن الانخراط في هذه الأجواء. وقد ترتب على ذلك أن الأفلام ذاتها باتت تتوجه إلى "جمهور الترسو" فقط، وأصبح من سمات الفيلم المصري وجود مشاهد ثابتة تنتقل من فيلم إلى آخر، مثل نمر الأغاني الصاخبة والأفراح الشعبية، التي تشترك هذه النوعية من الجمهور في الصخب معها خلال العرض!
ولأننا نعشق اختراع العجلة من جديد، فإننا لا نتعلم من تجارب صناعات السينما التي عاشت ظروفا مماثلة وواجهتها، لتصبح من أقوى صناعات السينما في العالم وأكثرها رسوخا. فقد كانت دور العرض الأمريكية في الفترة المبكرة تقتصر على درجة "الترسو"، فيما سمي آنذاك باسم "النيكلوديون" (أي دار العرض التي تدخلها بنيكل واحد)، وتدخلت الدولة بإغلاق هذه الدور واحدة بعد الأخرى، لتقوم الصناعة بتحسين مستوى دور العرض، التي تحولت خلال عقد واحد إلى ما أطلق عليه "قصور السينما الفاخرة"، التي جذبت جماهير الطبقة الوسطى فتدفقت عليها بأعداد هائلة، أعادت الانتعاش للصناعة من جديد.
وفي واحدة من أشهر القضايا الأمريكية، أقامت الدولة ذاتها دعوى قضائية عرفت باسم "قضية باراماونت"، ومضى سير القضية أعواما حتى صدر الحكم فيها في الأربعينيات، وكانت القضية متعلقة بإلزام الشركات التي تنتج الأفلام بعدم امتلاك سلاسل توزيع أو دور عرض، لأن ذلك يمنحها سلطة احتكار تعوق الصناعة ولا تشجعها. فهل يقبل السينمائيون المصريون بمثل هذه الحلول من جانب الدولة: أن تفرض الدولة شروطا معينة لدور العرض وظروف المشاهدة، وأن تنكسر الحلقات الاحتكارية التي تكاد أن تخنق السينما المصرية؟
ذلك جانب مهم من القضية، أن يقبل صناع السينما أنفسهم بتنظيم الصناعة وليس مجرد تسهيل أمورهم، فقد كانت الرؤى قصيرة النظر، التي تسعى للربح السريع وحده، وراء الأزمة دائما. وهذه الرؤى هي التي تجعل البعض يأتون من خارج صناعة السينما ليجربوا حظهم في اغتنام الأرباح، وعندما تتقلص هذه الأرباح يهربون إلى صناعة أو تجارة أخرى، وهو ما يبدو لك واضحا إذا ما تتبعت أسماء العاملين في إنتاج الأفلام المصرية، فنادرا ما تجد شركة تستمر أكثر من عشر سنوات، أو أن تجد لها أسلوبا فنيا تتميز به، ليكون قدر السينما المصرية أن تبدأ دائما المرة بعد الأخرى مع مغامرين جدد، يستحوذون على الإنتاج ودور العرض، لتعاود الأزمة دورتها.
لقد كان السعي إلى الربح السريع وحده وراء تناقص هائل في عدد دور العرض، فأغلق العديد منها أبوابه أو هدم لبناء أنشطة أخرى، بينما كان من المفترض أن تزيد مع تزايد عدد السكان، وأن تنتشر مع اتساع رقعة العمران. كما أنه السبب في ظاهرة "المواسم" السينمائية المحدودة، بدلا من تغطية العام كله بأفلام تناسب ذوق الجمهور مع اختلاف الزمان والمكان، ولعلك تتذكر كيف أن مفهوم "أفلام الصيف" كان مسيطرا على الصناعة تجارة وفنا، وكيف ظهرت ظاهرة أطلق عليها أيامها "المضحكون الجدد"
.
تلك هي بعض مظاهر الأزمة، التي هي في جوهرها انعكاس لمفهوم "السوق" الذي يفهم منه صناع أفلامنا أكثر وجوهه بدائية، متمثلا في الكسب السريع، لكن عندما تأتي إلى ما يجب صنعه إزاء ضبط هذه السوق فسوف يظهرون أنيابهم. هذه هي الأزمة الحقيقية، أننا نأخذ من الأنظمة (في الاقتصاد أو السياسة على السواء) جوانب انتقائية من هنا وهناك، دون أن نأخذ جوهرها أو نتعلم من تجاربها السلبية والإيجابية. وبداية الخروج من هذه الأزمة هو الإجابة عن سؤال بسيط وصعب في آن: لمن نصنع الأفلام؟ ولماذا؟  

Friday, May 20, 2016

قبل الشروق، والغروب، ومنتصف الليل


أفلام ثلاثة عن جوهر الشعر فى الحياة                                                   


من مآسى المناهج الدراسية التى تعلمنا بها السينما، واختفت من العالم كله الآن، لكنها ما تزال تلقى بثقلها علينا، تلك التقسيمات والتعريفات العشوائية لما أسميناه "أنواع السينما" أو تصنيفاتها، وكان من أهم هذه التصنيفات التفريق الحاد بين ما هو روائى وغير روائى، وهذا الأخير تندرج تحته السينما التى عرفناها بالتسجيلية. لكن مع نظريات السينما المختلفة فى العالم كله خلال العقد الأخير، كادت هذه التقسيمات أن تختفى فى تعريفاتها التقليدية، مع التأكيد على عنصر جوهرى فى كل سينما وأى سينما، هو أن لها قدرة على "التسجيل".
إن كل ما تراه على الشاشة يحيلك إلى حقيقة "واقعية" ما، حتى لو بلغت أقصى درجات الخيال، ومن هنا أدرك بعض السينمائيين أنه حتى السينما الروائية تكتسب سمة تسجيلية وواقعية، ونحن جميعا نستخدم شخصيات سينمائية رأيناها على الشاشة كأننا عرفناها حقا فى واقع الحياة. لكن أرجو منذ البداية ألا يختلط الأمر بالنسبة إليك مع المشروعات السينمائية المقصود منها أن تلد حلقات ممتدة، مثل سلسلة "جيمس بوند"، أو أن يتم استثمار نجاح فيلم ما لصنع حلقة تالية، على طريقة "عفريت سمارة"!
إننى أعنى هنا هو أن شخصيات سينمائية يصبح لها وجود واقعى، لذلك فإنها يمكن أن تعاود الظهور بعد سنوات كأنها عاشت تلك السنوات فى الحياة، واكتسبت خبرات جديدة، بما يجعلها تتساءل عن حصاد الماضى وتوقعات المستقبل. لكن ذلك لن يتحقق أيضا إلا إذا كانت هذه الشخصيات السينمائية قد رُسمت برهافة واقعية بالغة، وهذا ما حدث مع "ثلاثية" المخرج الأمريكى ريتشارد لينكليتر، الذى لم يكن فى ذهنه عند بدايتها أن تصبح كذلك، فبعد تسع سنوات من الفيلم الأول سأل نفسه عما يمكن أن يكون قد حدث لشخصيات الفيلم ليصنع فيلما ثانيا، وبعد تسع سنوات أخرى طرح السؤال مرة أخرى ليصنع فيلما ثالثا.
تبدأ الحكاية فى عام 1995، مع فيلم "قبل الشروق": الفتى الأمريكى جيسى (إيثان هوك) والفتاة الفرنسية سيلين (جولى ديلبى) يتقابلان فى قطار خلال رحلة إلى فيينا، التى يتوقفان فيها بشكل عابر، ويمضيان الليلة يتجولان خلالها، قبل أن يفترقا على محطة القطار قبل الشروق، وقد تواعدا على اللقاء فى المكان ذاته بعد ستة شهور، دون أن يتبادلا معلومات أخرى عن كل منهما. لقد كان من الممكن للفيلم أن يكون فيلما رومانسيا آخر يشبه كثيرا من الأفلام، لكن كتابة لينكليتر للسيناريو (بالاشتراك مع الكاتبة كيم كريزان) أضفت حياة حقيقية على الشخصيتين، وتركت المتفرجين يتساءلون عما إذا كان سوف يتحقق هذا اللقاء.
سوف نعرف فى الفيلم الثانى "قبل الغروب"، بعد تسع سنوات، أن اللقاء لم يتحقق بسبب وفاة جدة سيلين المفاجئة، مما منعها من الحضور، وها هما اليوم يلتقيان مرة أخرى فى باريس، وقد أصبح جيسى كاتبا للروايات، وليس أمامه سوى ساعات قليلة قبل عودته إلى أمريكا، لذلك فإن لقاءه مع سيلين، التى عرفت بأخباره من الصحف، لن يستغرق أيضا سوى نهار يوم واحد، يقضيانه هذه المرة متجولين فى أنحاء باريس، ليحكى كل منهما للآخر عما حدث له خلال الأعوام التى انقضت، ثم يفترقان قبل الغروب. أما فى الجزء الثالث "قبل منتصف الليل"، فيأتى أيضا بعد تسع سنوات أخرى وقد تزوجا، وهما يقضيان معا أجازة فى جزيرة يونانية، ليتوقف الفيلم بهما أمام فترة ما بعد الظهيرة من أحد الأيام، حيث يتبادلان مراجعة للماضى، تبدو فيها سيلين وكأنها تشعر أن جيسى قد فتر حبه لها، وتقرر الفراق، لولا أن يبدى لها عاطفة دافئة وصادقة، تجعلهما يتوافقان مرة أخرى قبل أن يحل منتصف اللسل.
فى هذه الأفلام جميعا تكتسب الشخصيتان حياة حقيقية، حتى أن الممثل إيثان هوك والممثلة جولى ديلبى سوف يشتركان فى كتابة سيناريو وحوار الجزأين الثانى والثالث، وتصبح الثلاثية (ولا ندرى إذا ما كان هناك فيلم رابع بعد تسع سنوات قادمة) تسجيلا لمراحل مختلفة من الحياة، من ريعان الشباب حتى تجاوز مرحلة منتصف العمر. لكن الأهم فى هذه الأفلام، بالإضافة إلى هذه السمة التسجيلية فى فيلم روائى، هو أن الحياة لا تكشف عن نفسها من خلال أحداث درامية عنيفة على الطريقة الأمريكية، بل إن الأفلام تكتسب مسحة أوربية تذكرك كثيرا بأفلام الفرنسى إيريك رومير التى تعتمد تماما على الحوار (دون أن يتهمها البعض على طريقة بعض نقادنا بأنها ليست سينما "خالصة")، كما تذكرك أيضا بأفلام فرنسى آخر هو فرانسوا تروفو، الذى صنع سلسلة من الأفلام تكاد أن تشكل سيرة ذاتية له، مع الممثل جان بيير لو، منذ مراهقته حتى تجاوزه مرحلة الشباب.
أخيرا، ومن المفارقات الساخرة المريرة، أن الفيلم الثانى "قبل الغروب" لم يتكلف سوى مليونين من الدولارات، أى أقل كثيرا من أفلام عادل إمام أو محمد سعد أو من شئت من "نجومنا" (أضع الكلمة بين قوسين لتحفظى عليها)، ناهيك عن أن الأفلام الثلاثة تم تصويرها فى مشاهد خارجية، وبتتابع كتابتها فى السيناريو حتى يمسك الممثل بالشخصية، ومن خلال اللقطات الطويلة زمنيا (زاد بعضها عن عشر دقائق)، مما يعنى تمكنا هائلا من الممثلين لتفاصيل الشخصيتين، وقدرتهما على الارتجال "داخل الشخصية"، وقدرة المخرج أيضا على اقتناص لحظة الارتجال.
ربما تنبعث حالة من الشجن بسبب تلك الهوة التى لا يمكن تخيل فداحتها، بين إدراك هذه الإمكانية الحقيقية للسينما، وبين ما نفعله نحن بها، لأننا ما زلنا نتعامل معها كأنها أشبه بصندوق الدنيا، أو عروض الأراجوز.   

Friday, May 13, 2016

فيلم "آلهة مصر"



يبدو عنوان فيلم "آلهة مصر" Gods of Egypt عنوانا واعدا بفيلم جاد، فالأساطير التي ظهرت خلال الحضارة المصرية القديمة، وحاول بها الإنسان أن يجد إجابات على أسئلة حول الكون والوجود والحياة والموت، هذه الأساطير ظلت لزمن طويل ذات تأثير بالغ على حضارات البلدان الأخرى، خاصة الحضارات الزراعية كما في مصر، بل إن كثيرا من الدراسات ظهرت خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، تتبع عناصر الأساطير المصرية القديمة، التي ظهرت أيضا في ديانات أخرى.
للأسف الشديد عليك أن تنسى ذلك كله وأنت تشاهد فيلم "آلهة مصر"، الذي يمكن أن نقول أن وصفه بأنه "فيلم" يحمل قدرا كبيرا من التجاوز، فهو أقرب – بالمعنى الحرفي للكلمة – إلى "لعبة فيديو" ضلت طريقها فظهرت على شاشة السينما، فأفكاره مشوشة ملتبسة حتى على صناع الفيلم أنفسهم، مات سامارا وبيرك شاربلين كاتبين للسيناريو، وأليكس بروياس مخرجا، الذين لم يكلفوا خاطرهم لحظة واحدة بالقراءة حول مادة فيلمهم، ويبدو أنه كان يسيطر عليهم فكرة أن يصنعوا فيلما خياليا ملحميا، على غرار الأفلام الإيطالية في ستينيات القرن الماضي، حول شخصيات أسطورية مثل "ماشيست" أو "هرقل"، وربما أغراهم بذلك أيضا قدرة الكومبيوتر على خلق الديكورات المعقدة والتأثيرات المبهرة، أو التي خيل إليهم أنها كذلك، فأتى فيلم "آلهة مصر" كارثة ملحمية بحق!!
وقد يكون الطريق الأسهل نحو البداية في نقد الفيلم أن نذكر أخطاءه القاتلة العديدة حول عناصر الأسطورة المصرية القديمة الأساسية التي بنى عليها حكايته، وهي أسطورة الثالوث إيزيس وأوزوريس وابنهما حورس، والعم القاتل سيت، والصراع بين حورس وسيت لكى يسترد الابن حقه المسلوب، لكننا سوف نحكي قصته أولا معا، لكي نعرف ما كان يدور في ذهن صناعه عندما قرروا تناول هذه الأسطورة بالغة الأهمية. وسوف تدرك من أول لحظة انشغال المخرج بالبهلوانيات الكومبيوترية، عندما صنع سوقا مزدحما هو أقرب إلى عالم "ألف ليلة وليلة"، وأن يخترع شخصية اللص بيك (بيرنتون ثويتيس)، الذي يذكرك كثيرا بشخصية "لص بغداد" في أفلام هوليوود في ثلاثينيات القرن الماضي.
إن بيك يسرق ثوبا غالي الثمن لكي يهديه إلى حبيبته الفقيرة زايا (كورتني إيتون)، وهذا الخط الدارمي الذي يتضمن إنسانا فانيا لا علاقة له بالأسطورة، وإن كان من الممكن التسامح فيه إن كانت له ضرورة درامية ما، وهي كما سوف يتضح ضرورة واهية تماما، بل إنها قد تقلل أيضا من عمق وجدية الصراع المحوري. يتجلى هذا الصراع في المشهد التالي، إن الملك الطيب أوزوريس (برايان براون) يقرر أن ينصب ابنه حورس (نيكولاي كوستر والداو) ملكا، في حضور آلاف الرعايا من الشعب، ووجود باهت تماما لأهم عناصر الأسطورة الأصلية، وهي الأم إيزيس (راشيل بليك)، التي تكاد ألا يكون لها أي تأثير!
يقطع الأخ الشرير سيت (جيرارد باتلر، وهو يعيد شخصيته في فيلم "300 إسبرطي") حفل التنصيب، ويقتل أخاه أوزوريس لكي ينتزع منه حكم البلاد، ناهيك عن أنه يعلن أن من يريد الحياة الآخرة بعد الموت عليه أن يدفع ثروة طائلة لا يقدر عليها الفقراء. وعلى الفور تبدأ معركة طاحنة بين سيت وحورس، هي لعبة فيديو كاملة الشروط، فبوصفهما إلهين فإنهما يملكان القدرة على التحول إلى وحوش ضارية، تتقاتل وتنزف دماء ذهبية ليست كدماء البشر. وتنتهي المعركة بانتصار سيت، الذي يقتلع عيني حورس من محجريهما فيصير أعمى، ليقرر بتأثير الهزيمة وفقدان البصر أن يعتزل العالم، ويغيب عن الوعي معظم الوقت بتأثير الخمر.
وهكذا يفرض سيت حكمه على الناس في دنياهم وأخراهم، ويحولهم إلى عبيد وإماء، حيث تصبح زايا رقيقا تخدم في بيت كبير المعماريين، وعندما يحاول اللص بيك تحريرها فإنها تلقى مصرعها. وهنا تبدأ رحلة تحالف بيك وحورس، فالأول يريد من الثاني أن يستعيد حبيبته من الموت، مقابل أن يسرق عينيه اللتين انتزعهما سيت، وأخفاهما في مكان يحتشد بالمخاطر، لتبدأ لعبة فيديو أخرى يمضي فيها بيك وسط الأهوال، ولا ينجح في النهاية إلا في استعادة عين واحدة، يعطيها لحورس الذي يسترد جزءا من بصره، ويكون على استعداد للصراع من جديد مع عمه القاتل الشرير سيت، وأن ينقذ زايا قبل أن تعبر من البوابة الأخيرة إلى عالم الآخرة.                                                 
ولكي يبدو الفيلم أكثر تعقيدا، فإنه يدخل إلى الأسطورة آلهة أخرى ليست لها أي علاقة، مثل إلهة الحب هاتور أو حتحور (إيلودي يانج)، التي تنتقل من عشيق إلى آخر حتى أنك لا تدري إلى من يتوجه حبها الحقيقي، فهي قد كانت حبيبة حورس، لكنها أصبحت حبيبة سيت بعد انتصاره، لتقرر مرة أخرى دون سبب مفهوم أن تنضم إلى جانب حورس من جديد. وهناك كبير الآلهة رع (جيفري راش)، الذي يبدو محايدا تجاه أبنئه من الآلهة، لكنه يحاول أن يساعد حورس دون سبب مفهوم أيضا. وهناك أخيرا إله الحكمة توت أو تحوت (شادويك بوزمان)، الذي يصحب حورس في رحلته نحو مواجهة سيت، ولسبب غير مفهوم أيضا يبدو على الشاشة بعيدا كل البعد عن الحكمة، فهو مغرور إلى درجة قد تضحك المتفرج (في كوميديا غير مقصودة من صناع الفيلم!!)، ويكون دوره هو الإجابة على سؤال الوحش إبي الهول، حتى يسمح لهم بالدخول إلى عالم سيت، وهذه ليست تيمة مصرية قدية بأي حال، بل هي إغريقية خالصة.
يذهب الأربعة إذن في رحلة لعبة فيديو ثالثة وطويلة لمواجهة سيت: الآلهة حورس وهاتور وتوت مع الإنسان بيك، ليدخلوا في "مراحل" يقابلون فيها أنواعا مضحكة من الوحوش، تنتهي كما يمكنك أن تتوقع بمبارزة دموية ضارية، بين حورس وسيت، ينتصر فيها الأول على الثاني، ليعيد الخير إلى البلاد، ويستعيد زايا من الموت، لكي تلتقي مع حبيبها بيك، ويعيشون جميعا "في التبات والنبات"!! ما فات من جوهر الأسطورة على صناع الفيلم، ولم يبذلوا أي جهد لفهمه، أن الأسطورة الأوزريسية هي ديانة "شعبية"، تتناقض تماما مع ديانة رع التي يؤمن بها النبلاء، فإذا كان رع هو الشمس، فإن  أوزوريس هو "الأرض" في حالة نماء، ومن هنا يأتي نقيضا سيت، رمز الصحراء الجرداء، وكأن المصري القديم كان يحاول أن يفسر وجوده على شريط زراعي أخضر، تحيطه الصحراء من كل جانب، وإذا كانت الصحراء تهدد الأرض الخصبة أحيانا بالموات، فإن دموع إيزيس زوجة أوزوريس الوفية سوف تأتي بالفيضان، الذي يعيد النماء من جديد.
ومن أهم عناصر الأسطورة تمزيق سيت لجثمان أخيه أوزوريس، وتشتيت تلك الأشلاء في أنحاء البلاد، لكن إيزيس تعيد تجميعها، وتحمل من أوزوريس حملا غامضا، لتنتهي الأسطورة بأن يتولى الابن حورس أمور الدنيا، بينما يتولى الأب أوزوريس أمور الآخرة، حيث يوجد مكان للجميع، لا فرق بين غني وفقير، والثواب والعقاب فيها ليس بالثروة وإنما بأعمال البشر في الدنيا من خير أو شر، وهذا هو السبب في إيمان "الشعب" بهذه الأسطورة، بعد أن كانت الحياة الآخرة مقتصرة على النبلاء فقط، القادرين على تحنيط موتاهم، لكي يعودوا إلى الحياة مرة أخرى.
باختصار فإن الأسطورة الأصلية تلخص لك كيف تتجدد الحياة دائما، تدفن بذرة القمح في الأرض وتظنها قد ماتت، لكنها تعود للحياة من جديد، وهذه الدورة هي التي تعطي الأمل للجميع، الفقراء قبل الأغنياء، في مكافأة من يفعل الخير في الدنيا. هل أحدثك أيضا عن الخلط الذي يصل إلى درجة التشوش أو التزييف في فيلم "آلهة مصر"؟ تأمل على سبيل المثال وجود الأهرام وآثار أخرى يفترض أن الآلهة وجدت قبلها بزمن طويل، أو وجود أفيال (!!) لم تعرفها الحضارة المصرية قط، أو استخدام العجلات الحربية التي لم توجد في مصر إلا بعد خروج الهكسوس الذين كانوا يستخدمونها، ناهيك عن الملابس وألوان بشرة الممثلين، البيض والزنوج، بأردية من الهند أو ربما أيضا تشبه بدل الرقص (!!) في لوحات المستشرقين للجواري.
وفوق ذلك كله هناك تمثيل بالغ الرداءة والابتذال، يبدو أقرب إلى تمثيل مجموعة من الهواة السذج، أو إضافة خطوط درامية لا علاقة لها بالحدوتة، مثل استعادة زايا من الموت، وهي تيمة إغريقية أيضا. وفي النهاية من المؤسف أن يتم التعامل مع أسطورة مصرية قديمة مهمة بهذه الخفة والاستهانة، لمجرد تحويلها إلى لعبة فيديو سقيمة، حتى لو كانت تحمل اسم "آلهة مصر".