Tuesday, February 02, 2016

تأملات ذاتية في المسألة السينمائية الثورية



أكتب هذه السطور بعد أيام قليلة من صدور الحكم "القضائي" على مبارك وأعوانه، وسط حالة من الفوران الذي لا يدل في حقيقته على أن شيئا حقيقيا يغلي في القدر، بقدر ما يدل على اقتراب الماء فى الوعاء من الجفاف. أربعة أعوام ونحن "محلك سر"، ولا جديد تحت الشمس، سوى مزيد من الحوار الذي يكاد أن يقترب من أن يكون لغطا ولغوا، وأشعر – وهذا شعوري وحدي على الأقل – أن هناك كلمات لم تفقد معناها فقط، بل إنه لم يكن له معنى محدد في ذهن معظم أصحابها أصلا.
فالقليل من وقائع ثورة يناير معروف أو شائع، لكن هناك الكثير تم إخفاؤه عمدا، وما يزال خافيا لأنه يفضح رؤية العديد من الأطراف لمعنى الثورة، الكثير من التحالفات، الداخلية والخارجية، من أجل "تفطيس" هذه الثورة بأي ثمن، والكثير من الصراع حول الفوز بها، كأنها غنيمة على طاولة قمار، الكل يلعب عليها إما بنوع من المقامرة الانتحارية بالغة الخطورة، أو على طريقة "فيها لأخفيها"، أي افسحوا لي مكانا وسط المقامرين، وإلا عكرت عليكم صفوكم. والخاسر الوحيد من هذه اللعبة هو الوطن.
تذكرت كيف أن السينما المصرية، في أكتوبر ونوفمبر 1953، احتفت واحتفلت بثورة يوليو، وبرغم أن بعض أهل اليسار انتقدوا ذلك الاحتفاء، باعتباره نوعا من التملق، وحشر فقرات لا علاقة لها بموضوعات الأفلام الهزلية، فإننا ننسى أن السينما كانت آنذاك هي "وسيلة الإعلام" الأكثر تأثيرا في الناس، لكن الأكثر أهمية هو أن هذا الاحتفاء يشير إلى أن ثورة يوليو كانت قد حددت معظم أهدافها من اللحظة الأولى، لذلك شهد فيلم مثل "الحموات الفاتنات" في نهايته نشيد "على الإله القوي الاعتماد"، الذي كان تعبيرا عن شعار "الاتحاد والنظام والعمل"، كما غنى اسماعيل ياسين "لنجيب واخواته" في فيلم "اللص الشريف"، في مونولوج كان عنوانه "عشرين مليون وزيادة"، وهو يقصد "الضباط الأحرار".
قارنت ما صنعته السينما المصرية بعد ما يقرب من أربع سنوات من ثورة يناير فلم أجد أثرا لأي احتفاء، بل مزيدا من الغموض الواعي أو غير الواعي، ربما لأنه في الحقيقة ليست هناك حتى الآن ترجمة سياسية واضحة لهذه الثورة، أخذت أي نوع من التطبيق العملي الذي ينعكس على حياة الناس، وربما لأن شركاء هذه الثورة لا يملكون إلا صورة غائمة عن تغيير ما، يبدأ وينتهي بـ"إسقاط النظام"، الذي كان عند البعض يعني التخلص من سنوات طويلة من الهوان الوطني على كل المستويات، دون أن تكون هناك صورة واضحة عن "نظام جديد"، بينما كان يعني عند البعض الآخر إسقاط الدولة ذاتها، وخلق فراغ سياسي ليكون البديل المتاح الوحيد هو قفزهم إلى مقاعد السلطة.
لذلك بدت الثورة عند البعض حلما طوباويا، تمثل في "كوميونة" ميدان التحرير، التي جمعت العديد من الفرقاء، لكنها بدت عند البعض الآخر كابوسا خانقا، لأن هذا الميدان ذاته تحول في مراحل لاحقة إلى ما يشبه ساحة الصراع بين مجموعة من "البلطجية" المتناحرين.
تأملت فيلما تسجيليا مثل "الميدان"، الذي سبق لمخرجته جيهان نجيم أن صنعت فيلما بعنوان "غرفة الأخبار" عن قناة الجزيرة. ووصل فيلم "الميدان" بشكل ما إلى التسابق على جائزة الأوسكار للفيلم التسجيلي، ليتاح له أن يشاهد على نطاق واسع، حتى لو لم يكن – كفيلم – مستحقا لهذه الشهرة، لكنه استحقها لأنه تحديدا يروج للرؤية الأمريكية للثورة المصرية، برغم أنه يبدو في الأغلب الأعم منه "موضوعيا" على نحو ما، إذ يعرض لوجهات نظر مختلفة وإن لم تكن متعارضة، ليقودك في آخر لقطاته إلى حيث يريد تحديدا.
وحين يجمع "الميدان" بين الفتى أحمد، القادم من قاع المجتمع، ذي النزعة الثورية الفطرية، وخالد عبد الله، المصري الأصل بريطاني الجنسية، المنتمي لطبقة المثقفين من الشريحة العليا للطبقة المتوسطة، ويعمل ممثلا لكنه أتى ليشارك في الثورة ويكون شاهدا عليها، وأخيرا مجدي عاشور، ذي الخلفية الإخوانية، الذي يتحدث كأنه ليس جزءا من جماعة تؤمن بالسمع والطاعة، ويتصرف بوحي من إرادته، حين يجمع "الميدان" بين هذه الشخصيات الثلاث (بالإضافة لشخصيات فرعية أخرى)، يصور لك كيف أن الشعب المصري يقف صفا واحدا أمام "النظام" من أجل إسقاطه.
يمضي الفيلم كأنه يسجل الوقائع بشكل محايد، بدءا من حكم "المجلس العسكري"، مرورا بفزورة "الدستور أولا"، ولا ندري إن كان الفيلم يعي ذلك حقا حين يصور موقف بعض المثقفين الذين يختارون "الانتخابات أولا"، لإيمانهم بفكرة مشوشة يدعونها "الديموقراطية"، حتى لو أتت بالإخوان إلى مقاعد السلطة. (للأسف هكذا نحن في الأغلب، سلفيين ويساريين، يحكم أفكارنا "نص" جاهز، دون أن نضع اعتبارا للسياق). وبالفعل يستولي الإخوان على كل شيء، ويدرك جانب من الثوار أن الإخوان قد تخلوا عنهم، لتشاهد لقطات خاطفة لمذبحة الاتحادية، وحركة تمرد، ليقفز الفيلم في النهاية إلى جوهر رؤيته أو رؤية من ساعدوا في إنتاجه، فحين يختلق الإخوان اعتصام ميدان رابعة، يصور لك الفيلم قتلاهم في "مذبحة" الحرس الجمهوري، ليقرر أحمد الانضمام إليهم ضد الدولة، ويؤكد: "الدور على اللي جاي، ها أفضل في الشارع"، وبالطبع لأن "الثورة مستمرة"، من أجل ماذا بالضبط؟ لا إجابة.
إنك لو تأملت أسلوب الفيلم لتبين لك قدر ما فيه من اصطناع، الذي يبدو في التعليق على لسان الشخصيات، بطريقة تخلو من الحس التسجيلي العفوي، لكنها تقترب من الخطاب الإعلامي الموجه، كما أنك لن تدري (ولعلك تدري)  لمن يتوجه الفيلم، والكثير من مشاهده ناطقة بالإنجليزية، حتى على لسان المثقفين المصريين جدا، أو يفترض أنهم كذلك. كما أنك لو تأملت مضمونه، لاكتشفت أنه ينطق بنصف الحقيقة فقط، ويستخدم عبارات لها وجاهتها، لكن لها وجهتها أيضا، ولعل أخطر ما فيها التلميح إلى أن الإخوان أصبحوا بعد الثورة "مختلفين"، أو بالعربي الفصيح أنهم "فصيل ثوري"، يجب الوقوف معه ضد السلطة، أي سلطة، ولتنس الجوهر الفاشي فى الفكرة الإخوانية والتنظيم الإخواني تماما.
بنفس القدر من التشوش – الذي أراه غير مقصود هذه المرة – ياتي فيلم يسري نصر الله عن الثورة "بعد الموقعة"، وكل أفلام نصر الله "تتمتع وتستمتع" بهذا التشوش، الذي يعكس دائما رؤية ذهنية تماما لواقع يتم اختزاله إلى "شخوص" ولا تقول شخصيات، تمثل رموزا يكون على المتفرج أن يحل شفرتها. ماذا في جوهر "بعد الموقعة"؟ رجل يدعى محمود من أهالي نزلة السمان (باسم سمرة)، الذين نزلوا إلى ميدان التحرير بجيادهم وجمالهم ليفضوا الاعتصام، ونراه كأنه البطل التراجيدي، الذي تكمن أزمته في قيام أهل البلدة بالسخرية منه، لأنه وقع من فوق حصانه في الميدان!!
وهكذا يصبح علينا أن نتوحد معه، وننقذه من أزمته النفسية والمادية، وتلك هي مهمة البطلة ريم (منة شلبي)، التي تأتي إلى نزلة السمان بصحبة من تقوم بدور "السنيدة" في الفيلم (فيدرا)، التي ليس لها أي ملامح سوى أن تتبادل الحوار مع البطلة، لعل المتفرج يفهم ما يجري، ولكن هيهات لي على الأقل أن أفهم شيئا! جاءت ريم أيضا من الشريحة العليا من الطبقى الوسطى المستريحة جدا، ويبدو أنها على حافة الطلاق من زوجها لسبب لا ندريه (ابحث عن الرمز في الانسلاخ عن الطبقة)، لكنها تشاركه الشراب والفراش عندما يزورها، كما تقضي لحظات سرية ملتهبة من العشق مع محمود، لأنها أعجبت بطريقة ركوبه الحصان (هل هنا رمز جنسي أيضا؟ لا أدري).
وشيئا فشيئا، ومن خلال محمود – أو علاقتها السرية به – تتعرف على مشكلات أهل نزلة السمان، وتنقذ محمود من أن يصبح بلطجيا بسبب البطالة، لكن السبب الأهم هو إنقاذه مما أشرنا إليه سابقا من احتقار أهل القرية له. لكن أرجوك أن تقف قليلا أمام موقف فاطمة (ناهد السباعي)، زوجة محمود، التي تشعر بالإعجاب المتبادل والعلاقة السرية بين زوجها وريم، فتطلب من البطلة أن تتزوج زوجها!! لم يتوقف "بعد الموقعة" لحظة واحدة أمام أي مشاعر تصطرع داخل فاطمة باعتبارها إنسانة، قد تنتهي إلى هذا القرار تحت ضغط نفسي هائل، لكنها لم تستطع أن تخرج على أوامر صانع الفيلم، فهو يريدها رمزا للشرائح الدنيا من المجتمع، التي "يجب" عليها أن ترضى بالتحالف مع المثقفين، الذين يقضون أوقاتهم في الفيلم في الكلام والتدخين وشرب البيرة (بالمناسبة، لن تعرف أبدا من أين يكسب هؤلاء قوت يومهم، ويعيشون حياة فاخرة).
الغريب أن يسري نصر الله، صاحب الثقافة السينمائية الأجنبية، يستخدم قاعدة أحمد بدرخان التي وضعها في نهاية الثلاثينيات أو بداية الأربعينيات لصنع فيلم ناجح، وهي أن يدور حول امرأتين ورجل، أو رجلين وامرأة، وقد قام نصر الله بالجمع بين الاختيارين. هذا هو "وعي" بعض سينمائيينا بالثورة، وبصرف النظر عن العدد الهائل للشركات الأجنبية المنتجة في كليهما، كما تظهر في "التيترات"، فإنني لم أشعر لحظة أن هذه الأفلام تخاطبني، وتجعلني أقرب لروح الثورة بأي معنى. وربما كان السينمائيون معذورين إلى حد ما، لأن الثورة لم تجد حتى الآن معنى محددا، سوى "النزول إلى ميدان التحرير"، وأننا لا نريد "حكم العسكر"، ومواربة الباب من جانب السلطة والقوى السياسية معا أمام الإخوان برغم الحقيقية البديهية حول فاشيتهم، والأهم هو عدم ترجمة معنى الثورة بأي شكل – حتى في حد أدنى - في الواقع اليومي لحياة الناس.
ما أزال أنتظر الثورة، ليس بمعنى المظاهرات التي يحولها الإخوان دائما إلى ساحة دموية، وإنما الثورة التي تعني الممارسة السياسية الجادة، التي تطرح فيها السلطة رؤيتها السياسية الواضحة (حتى الآن لا نعرف لنا نظاما اقتصاديا متماسكا)، وتعني ألا تنتظر فيها القوى السياسية من السلطة أن تعطيها نصيبا من الغنيمة، فهي لن تفعل أبدا عن طيب خاطر، لكنها سوف تفعل إذا تحولت هذه القوى إلى كتل جماهيرية حقيقية، تعمل على تغيير هذا الواقع الكابوسي الذي نعيش فيه، لا أن تحوله إلى كابوس أكثر قتامة.
وما أزال أنتظر من السينمائيين الاقتراب الحقيقي الحميم من أحلام الناس، لا أن يروا الواقع من خلال رؤية ذهنية، أو وجهة نظر غربية.... ما أزال أحلم بميلاد حقيقي للثورة المصرية.

 

Wednesday, January 13, 2016

معنى الفيلم يبدأ من مشهد ظهور العناوين



نحن نتصور غالبا أن مشهد ظهور عناوين الفيلم، التي تحمل أسماء المشاركين فيه، ليست إلا فرصة من الزمن حتى يجلس المتفرجون في مقاعدهم، ويتوقفوا عن الثرثرة، لكي يبدأ بعدها الفيلم ذاته، ولعل ذلك يرجع في الأغلب إلى ما تعودنا عليه في أغلب أفلامنا من أن هذا المشهد يمكن عدم الالتفات إليه، لأن "الفيلم" لن يبدأ إلا بعده، غير أن الحقيقة أن كثيرا من السينمائيين يتخذونه مفتاحا لمعنى الفيلم كله، وكأنه الوسيلة التي تجعلك قادرا على فك شفرة ما تراه.
وسوف نضرب هنا أمثلة عديدة، من أفلام أجنبية وعربية، استخدمت مشهد نزول العناوين بقدر كبير من الذكاء، الذي قد يصل في بعض الأحيان إلى التلاعب بعلامة الشركة المنتجة، مثلما هو الحال في فيلم "مولان روج"، فالعلامة تتحول إلى ستار، ينفرج لكي يبدأ "العرض"، لأن الفيلم ذاته يدور في عالم الاستعراض. وفي فيلم "اثنا عشر رجلا غاضبا"، الذي يحكي عن مداولات فريق المحلفين في قضية قد تنتهي بالحكم بإعدام شخص لعله يكون بريئا، تأتي اللقطات الأولى لتصور مبنى المحكمة الذي يبدو عملاقا بفضل زاوية التصوير السفلية، وترى المتهم في القفص كأنه طائر حببيس، ويدخل المحلفون إلى قاعة المداولة الضيقة الخانقة، فهنا سوف يتحدد مصير حياة إنسان.
أما في "سائق التاكسي"، الذي يحكي عن سائق في مدينة نيويورك، مضطرب نفسيا ويرى العالم مشوها بعد عودته من حرب فييتنام، تنزل العناوين ونحن نرى المدينة من خلال زجاج السيارة الأمامي، الذي ينهمر عليه المطر فيحول مرأى كل شيء إلى بقع لونية تجريدية متنافرة. وفي "دوار" يبدأ الفيلم مع صورة مكبرة جدا لحدقة العين، تتحول استدارتها إلى دوامة، تعبيرا عن عالم الفيلم الذي يدور حول اضطراب الخط الفاصل بين الحقيقة والوهم، أو بين الرؤية والخيال. وأخيرا، وفي فيلم أكثر معاصرة، هو "500 يوم مع سمر"، تصحب العناوين مشهدا يحكي عن فتى رومانسي تربى على الأغنيات العاطفية، عاش أياما مع فتاة نشأت في أسرة مفككة، وهي بقدر حبها لشعرها الطويل، فهي لا تتردد لحظة واحدة في أن تقصه إذا حلا لها ذلك، وكأن الفيلم يمهد للعلاقة بين الشاب المتمسك بحبه، والشابة القادرة على إنهاء علاقتها به في أي لحظة.
ربما لا تعرف السينما العربية في أغلب الأحوال مثل هذا التقديم لموضوعها من خلال مشهد نزول العناوين، لكن هناك أيضا العديد من الأفلام التي حاولت – بقدر متفاوت من النجاح – أن تستخدم هذا المشهد. ففي "السوق السوداء" على سبيل المثال نرى العناوين مع مشهد لأرض طينية سوداء تحولت إلى وحل، تغوص أو تكاد أن تنزلق عليها الأقدام. وفي "ليلة الحنة" تنزل العناوين على لقطة واحدة طويلة ملتقطة من سيارة لشوارع القاهرة، بينما نسمع على شريط الصوت كلمات عن أن الفيلم سوف يأخذنا إلى حدث من واقع الحياة، لتنتهي اللقطة والعناوين معا باصطدام السيارة وهي وسط حي شعبي، حيث تدور الأحداث حول المصادفة التي أدت إلى علاقة البطل الشاب الثري (كمال الشناوي) بابنة الحي الفقيرة (شادية).
وكثيرا ما يستخدم يوسف شاهين مشهد نزول العناوين بقدر كبير من الاختزال والغموض، لكنه يحمل إليك شحنة وجدانية تمهد للدخول إلى عالم الفيلم. في "الاختيار" مثلا، حيث الفكرة الرئيسية عن ازدواج في شخصية البطل (عزت العلايلي) يصل إلى درجة التناقض، نرى العناوين على صورة لوجهه ونقيضها السلبي (النيجاتيف)، بينما تُرسم خيوط تتحول إلى شبكة يختفي وراءها وجهه. وفي "عودة الابن الضال" مقدمة أكثر غموضا، حين نرى مهرجا (علي الشريف) يضع الأصباغ على وجهه بينما يتطلع إلى مرآة، لينفجر في البكاء، ولعلك تجد تفسيرا لهذا المشهد في أن الفيلم تتم روايته على لسان المهرج، الذي يبدو تجسيدا لصانع الفيلم ذاته، ويُفترض فيه أنه سوف يُسليك بحكايته، لكنها حكاية لا تبعث على البهجة، بل على الحزن العميق.
وفي فيلم صلاح أبو سيف "الزوجة الثانية"، ترى تنويعا آخر على فكرة "الفرجة"، هذه المرة ليس من خلال المهرج، وإنما من خلال "صندوق الدنيا"، الذي يحتوي على رسوم تقدم لك شخصيات الفيلم وعلاقاتها، فاطمة الفلاحة الفقيرة (سعاد حسني) وزوجها أبو العلا عامل التراحيل (شكري سرحان)، ثم العمدة (صلاح منصور) الذي يتشوق إلى أن يكون له ولد يرثه. وهذه الرسوم استخدمت مرة أخرى في "شيء من الخوف"، مع موسيقى مصحوبة بأصوات الأنين والتوجع، تمهيدا للدخول إلى عالم قرية يعاني أهلها من تسلط عمدتها. وبقدر كبير من تسليط الضوء على فكرة الفيلم، يصحب نزول عناوين "حياة أو موت" لقطة لبندول الساعة وهو لا يتوقف عن حركته، تعبيرا عن السباق مع الزمن. أما "إشاعة حب"، فتنزل عناوينه مع انتقال سريع لهمسات وثرثرة بين عدد من النساء، ثم لقطة عامة للمدينة، التي سوف تسيطر عليها هذه الشائعة الكاذبة، وتتحول إلى كابوس حقيقي لا يخلو من فكاهة.
لكن البراعة الأكبر تتجلى في "مشهد ما قبل نزول العناوين"، الذي يستخدمه بعض المخرجين كنوع من الموضة أحيانا، مثلما هو الحال في "أرض النفاق"، حيث يمتد المشهد إلى ما يقرب من خمس عشرة دقيقة، تصور موظفا مقهورا (فؤاد المهندس) في عمله وبيته معا، ليمضي على غير هدى لينتهي به المطاف إلى كوخ في الصحراء، حيث العطار الذي يبيع نباتات وأعشابا للأخلاق. كما قد يأتي مثل هذا المشهد بالفكرة الرمزية في الفيلم، على نحو ما نرى في فيلم "عزيزة"، الفتاة التي تعمل راقصة في حانة بأحد الشوارع الجانبية، وهي مهددة بـ"البلطجي" (فريد شوقي) الخارج لتوه من السجن، لكن الشاويش حسن (عماد حمدي)، رمز السلطة، يقف في وجه المجرم، لكي يحمي الفتاة وينقذها من هذا الهوان.
ولعل من أهم الأمثلة على استخدام مشهد ما قبل نزول العناوين، هو بداية فيلم "السيد البلطي" لتوفيق صالح: عائلة صيادين يدب بين أبنائها الخلاف، بينما تُرجع الأم ذلك إلى غياب الأب راعي الأسرة السيد البلطي، الذي خرج يوما إلى البحر ولم يعد قط، ويبدو أن الجميع في انتظار عودته، التي لن تحدث أبدا، حتى تُحل مشكلاتهم. أما في "اللص والكلاب"، يعرض لك كمال الشيخ مشهدا للص (شكري سرحان) الذي يقع فريسة لوشاية صديقه المقرب، وزوجته الخائنة، اللذين ارتبطا بعلاقة سرية، وكأن الفيلم هنا يشير لك إلى أن الجريمة ليست فقط فيما ارتكبه اللص، وإنما أيضا في خيانة الكلاب.
لكن أطرف هذه المشاهد في السينما المصرية هو مقدمة فيلم "بين السماء والأرض"، إننا نرى القاهرة من بعيد ثم من خلال لقطات أقرب، والناس يعيشون في يوم قائظ حار من أيام الصيف، هناك موظف يرتدي الطربوش ويحمل بطيخة ويبدو كأنه يعاني للعودة إلى منزله، وأناس يتدافعون ليرووا عطشهم من "قلل" على الرصيف، وعربة رش المياه في الشوارع سعيا إلى تلطيف الجو، ورجل يحمل لوحا من الثلج، ويجري خلفه طفل "يصطاد" قطرات المياه المتساقطة منه، ثم لوح الثلج في قدرة بائع "العرقسوس"، والجو الخانق الذي يدفع الناس أحيانا إلى الشجار، ربما دون سبب قوي، أو إلى النوم في القيلولة، لتظهر امرأة فاتنة (هند رستم) يلاحقها رجل متحرش حتى باب مصعد مزدحم، والطريف أن الرجل لا يستمع لنصيحة التعليق على شريط الصوت، بأن من الأفضل أن يتوقف عن الملاحقة، ويشيح بيده لنا وهو يمضي، بينما لا يعلم أن هذا المصعد سوف يشهد أحداثا تكاد أن تلخص كل وقائع الحياة، حين يجتمع فيه بالمصادفة عدد من الناس، ويتوقف بهم "بين السماء والأرض".
إن مشهد العناوين، أو حتى المشهد الذي يسبق نزولها، ليس مجرد غلاف لا ينبئ عما بداخل كتاب، بل هو الباب الذي يفضي بك إلى عالم الفيلم، ويؤسس لأجوائه النفسية، وأفكاره الأساسية، لهذا علينا أن نحرص على مشاهدته بعين واعية، فالحقيقة أنه من أكثر مشاهد الفيلم أهمية، ولعل صناع الأفلام يدركون ذلك أيضا.   

Monday, January 11, 2016

السينما بين المجرم والفتوة




لم تتوقف السينما المصرية طويلا أمام الطريقة التي يتم بها "صناعة المجرم"، بقدر ما توقفت عند "الأكشن" ومعارك إطلاق الرصاص ومطاردات السيارات، لكنها بدت أقرب للتعاطف الصريح مع شخصية أخرى تبدو بدورها متعلقة على نحو ما بالعالم الإجرامي، وهي شخصية "الفتوة"، ولعل ذلك يعود إلى تراث قديم وعريق في أدبنا الشعبي، فعالم الشطار والعيارين يمتد بجذوره في ذاكرتنا الجماعية، وهؤلاء هم الخارجون على القانون عندما يكون القانون ظالما، وأفعالهم الإجرامية تبدو كأنها الوسيلة لإعادة الحق إلى نصابه.
 من هنا نبدأ بالتمييز بين المجرم والفتوة، فإذا كان الأول يمثل خروجا على القانون لتحقيق حلم فردي خاص بالمجرم ذاته، فإن الفتوة يخرج على القانون لأنه يسعى لخير الآخرين المستضعفين، وبينما يعتمد المجرم في الأساس على قوته البدنية العنيفة، فإن الفتوة يملك أولا قوة ذهنية ونفسية وأخلاقية تجعله شخصا "أكبر من الواقع" بالتعبير الدرامي، حتى أنه يكتسب أحيانا ظلالا فلسفية كأنه يمثل "العدل" المفقود الذي يحلم به الفقراء. وفي الوقت التي تسير فيه رحلة المجرم بشكل نمطي من الصعود إلى الهبوط، ويسود فيها الشر، فإن رحلة الفتوة قد تبدأ بالفشل بما يستلزمه الاستعداد لمواجهة الخصوم، ونادرا ما يلجأ فيها الفتوة للشر، وهي تنتهي في الأغلب نهاية متفائلة تعلن انتصار الخير.
من السهل إذن أن يتوحد المتفرج مع الفتوة بينما يجد صعوبة في التعاطف مع المجرم. لكن الفتوة لم يظهر في السينما المصرية إلا في منتصف الخمسسينيات، عندما بدا أن هناك أملا في أن يجد المواطن العربي لنفسه مكانا تحت شمس الحياة، وانتزاع هذا المكان بالقوة إن لزم الأمر، غير أن أشكال الفتوة في السينما قبل ذلك كانت تنتمي إلى ملاحم قديمة وظيفتها إثارة الحنين إلى ماضٍ قديم، مثل سلسلة أفلام "عنتر بن شداد"، ولم يبدُ أن هناك صورة أكثر معاصرة للفتوة إلا مع سيناريو نجيب محفوظ لفيلم "فتوات الحسينية" (1954)، ومن الجدير بالذكر هنا أن الفتوة ظهر في أفلام محفوظ قبل أن يظهر في أدبه.
بحث نجيب محفوظ في الأنماط السينمائية عن معادل هوليوودي للفتوة، ووجده في نمط أفلام "الويسترن" أو ما نطلق عليها أفلام "الشجيع"، فهي بدورها تتحدث عن بطل فرد، يحمل قيمة أخلاقية متحضرة، تختفي تحت مظهره الخشن وسرعته في إطلاق الرصاص، وهذا البطل "الكاوبوي" أقرب إلى أن يكون أسطورة منه إلى كونه حقيقة تاريخية، فإذا كان "الغرب" الأمريكي قد تم غزوه واستيطانه بإبادة الهنود الحمر، الشعب الأصلي لأمريكا، فقد تحولت عملية الإبادة إلى "حدوتة" متخيلة، بطلها يذهب إلى أرض برية، ومدن حدودية، يسود فيها اللا قانون، عناصرها الدرامية صحراء قاحلة، وهنود يختبئون خلف التلال، ومدينة صغيرة يتجمع فيها شذاذ الآفاق، وحانة تبدو كأنها مكان اجتماع سكان المدينة من المجرمين، ولا يخلو الأمر من امرأة أرغمتها الظروف على الحياة في هذا المستنقع، ليأتي البطل لينقذها وينقذ معها الفقراء، ويتخلص من الأشرار البيض والهنود على السواء، ويسود العدل أخيرا ليرحل البطل فوق حصانه عند الغروب كأنه ذاهب إلى مدينة أخرى ليكمل مهمته الأخلاقية السامية.
الفتوة هنا فارس جوال يحمل ظلالا من أسلاف قدامى، والفرق هو أنه يستخدم مسدسا وليس سيفا. وظهرت لهذا الفارس نسخ سينمائية عديدة، بدءا من جون وين وجاري كوبر اللذين تكاد نجوميتهما تقتصر على أداء شخصية الشجيع الرومانسي، لكن الصور التالية جاءت أقرب إلى "الواقعية" إن جاز التعبير، خاصة مع كلينت إيستوود في أفلام الويسترن الإيطالية من إخراج سيرجي ليوني، ففي أفلام مثل "من أجل حفنة دولارات" أو "الطيب والشرس والقبيح" تزداد الحبكة تعقيدا، ولا يكاد البطل أن يخلو بدوره من منافع انتهازية، كما ساعدت السينما ذات الشاشة العريضة آنذاك على الاهتمام باللقطة القريبة (كلوزاب) التي لم يكن لها وجود من قبل في هذا النمط من الأفلام، بما أتاح اقترابا أكثر من العالم النفسي للشخصيات.
ومع إيستوود مخرجا هذه المرة أصبح نمط الويسترن أكثر قتامة في عالمه، كما في فيلم "الذي لا يمكن غفرانه"، حيث تمتزج خيوط الخير والشر، كما ظهرت أفلام "ويسترن" تعيد إلى الهنود الحمر حقا مغتصبا، كما في فيلم "الرقص مع الذئاب"، من تمثيل وإخراج كيفن كوستنر.
   في أفلام فتوات نجيب محفوظ أصبحت المدينة الحدودية حارة شعبية تكاد أن تكون عالما مستقلا بذاته، وهناك دائما الحانة أو "البوظة" حيث تحدث المواجهات بين الفتوة والأشرار، وما تزال هناك امرأة تكون في الأغلب مغنية الحانة التي تضطر مرغمة على البقاء في هذا العالم، لكن الفتوة سوف ينقذها في النهاية عندما يتخلص من الأشرار ويعيد العدل إلى الحارة. وهذا عالم ليس له زمن محدد، خاصة أن الفتوة يحارب فيه مستخدما سلاحا شبه أسطوري هو "النبوت"، ويقول محفوظ أنه استمد هذه الصورة من أيام طفولته في بداية القرن العشرين، قبل أن تمد "الدولة" سطوتها على كل البلاد، وعندما كانت هناك "حارات" منزوية لها قانونها وفتوتها الخاصان بها.
اكتمل هذا العالم الأسطوري عند محفوظ مع ملحمته الروائية "الحرافيش"، التي تمتعت بخمسة أو ستة معالجات سينمائية، منها "التوت والنبوت"، و"المطارد"، و"الحرافيش"، و"أصدقاء الشيطان"، و"الجوع". وكان هذا الفيلم الأخير هو المعالجة الأرقى سينمائيا، أولا لأنه أعاد صهر العديد من خيوط العمل الأدبي، وثانيا لأنه تأمل فكرة "الفتوة" ذاتها، وقال إنها لا تكفي ولا ينبغي لها أن تكفي لإقامة العدل، لأن الفتوة العادل سوف يتحول حتما بسبب سلطته المطلقة إلى طاغية ظالم، لذلك أعاد الفيلم حق إقامة العدل للجماهير ذاتها.
على هامش فتوات نجيب محفوظ وأشباههم، ظهر فتوات آخرون كانوا يعتمدون فقط على القوة البدنية، مما أبعدهم عن فكرة القوة النفسية والأخلاقية، ومن هذه النوعية ظهر عادل إمام في ثوب "شمس الزناتي"، المقتبس عن فيلمين أمريكي وياباني، ويحكي عن قرية تعيش تحت وطأة عصابة شريرة، فتستعين بمجموعة من المقاتلين المأجورين!! كما أدى بعض نجوم رياضات القوة الجسمانية رغبة في اصطناع أفلام على مقاسهم، مثل يوسف منصور في رياضة "الكونج فو"، في أفلام بالغة التواضع تقلد سينما هونج كونج وتايوان، ومثل الشحات مبروك بطل كمال الأجسام، الذي لن يبقى له في ذاكرة السينما إلا فيلم "المرشد" عن سيناريو وإخراج ابراهيم الموجي، الذي حاول أن يُضمّن الفيلم الجماهيري رسالة سياسية عن ضرورة توحد المقهورين ضد السلطة الطاغية.
فيلم واحد وحيد اهتز فيه الخط الفاصل بين الفتوة والمجرم، هو "الجزيرة"، يلعب فيه أحمد السقا دور فتوة القرية الذي تتلاعب به الشرطة، لكنه يقرر الاستقلال عنها، ويعلن جملته الشهيرة: "من النهارده مفيش حكومة... أنا الحكومة". وبرغم أن الفيلم دار في خطوط درامية عديدة، بين حواديت الانتقام وقصة الحب على طريقة روميو وجولييت، ناهيك بالطبع عن "الأكشن" الذي يعشقه أحمد السقا، فقد أشار الفيلم إلى الحقيقة البسيطة والمريرة في آن واحد، فإذا كان المجرم صنيعة نظام اجتماعي خانق، يعد بحلم الصعود لكنه لا يتيحه، فيمضي المجرم في طريقه الخاص، فإن الفتوة بديل عن غياب الدولة ذاتها، ووجوده ليس دليلا على العدل بل على افتقاده. فهل يغيب الفتوة في السينما يوما لأننا استطعنا الاستغناء عنه في الواقع والحياة؟

قائمة ترجمات أحمد يوسف



كتب صدرت للمترجم عن المركز القومي للترجمة:
فن الإخراج السينمائى، تأليف سيدنى لوميت
موسوعة تاريخ السينما (أوكسفورد)، (جزء 2 و3)، مجموعة من المؤلفين
الفيلموسوفي، نحو فلسفة للسينما، دانييل فرامبتون
فكرة الإخراج السينمائى، كيف تكون مخرجا عظيما، كين دانسايجر
فن التمثيل السينمائي، كاثى هاس
تقنيات مونتاج السينما والفيديو، التاريخ والنظرية والممارسة، كين دانسايجر
كتابة سيناريو الأفلام القصيرة، بات كوبر وكين دانسايجر
تقنيات وجماليات الإخراج السينمائي، مايكل رابيجر
أساسيات الإخراج السينمائي، شاهد فيلمك قبل تصويره، نيكولاس تى بروفيريس
الصورة الشريرة للعرب في السينما الأمريكية (جزء 2)، جاك شاهين
موسوعة الفلسفة والسينما (روتليدج)، مجموعة من المؤلفين
لقطات وطلقات في المرآة، أفلام الجريمة والمجتمع، نيكول رافتر
موسوعة السينما (شيرمر)، (جزء 2)، مجموعة من المؤلفين

تحت الطبع بالمركز القومي للترجمة:
موسوعة السينما (شيرمر)، (جزء 1، 3، 4)، مجموعة من المؤلفين
كيف تقرأ فيلما، الفن والتكنولوجيا واللغة والتاريخ والنظرية، جيمس موناكو
تاريخ للموسيقى السينمائية، جيمس فيرزبيسكى
التاريخ يذهب إلى السينما، دراسة التاريخ فى السينما، مارنى هيوز وارينجتون
مائة عام من السينما الإسبانية، مجموعة من المؤلفات
السينما الإيرانية، تاريخ سياسى، حامد رضا صدر

وصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب:
تاريخ للسينما الروائية (جزء 1)، تأليف ديفيد كوك