Sunday, September 14, 2014

هل أصبحت السينما التسجيلية يتيمة؟

من المضحكات المبكيات فى مفاهيمنا الثقافية المصرية الشائعة، أنك عندما تذكر كلمة "سينما"، يرد إلى الخاطر على الفور الفيلم الروائى الطويل، ذو المواصفات التجارية التى ترشحه للوصول إلى دور العرض، بينما تغيب عنا أنواع أخرى من السينما فى مصر، فأين الفيلم الروائى القصير، وأفلام التحريك (التى نسميها خطأ "أفلام الكارتون")، والسينما التسجيلية، وقد لا أجرؤ أن أقول السينما التجريبية أيضا؟
بل إن هناك لدينا خطأ آخر فى توصيف الفيلم الصالح للعرض التجارى، فكل الأنواع الأخرى من السينما أصبحت (وربما كانت على الدوام) تجد طريقها إلى دار العرض، ولو راجعت قائمة الأفلام الأمريكية المعروضة تجاريا كل أسبوع، فمن المؤكد أنك سوف تجد أكثر من فيلم تسجيلى واحد، ولم تكن أفلام مايكل مور السياسية اللاذعة وحدها هى التى حققت إيرادات هائلة، بل كانت هناك أفلام يمكن أن تصفها بأنها "علمية" نالت نجاحا نقديا وتجاريا بالغا، مثل "الهجرة المجنحة" أو "مسيرة البطاريق".                                                   
ومن المؤسف أن ذلك يحدث بينما يردد بعض نقادنا بينهم وبين بعضهم أن "السينما التسجيلية فى العالم قد ماتت"، ويكتفون بأن يكتبوا مطولات عن أكثر الأفلام المصرية والأجنبية التجارية رداءة. والأكثر للأسف أن هذه السينما عندنا قد أصبحت يتيمة بالفعل، لا تجد من يهتم بها، بعد أن شهدت فترات من الازدهار والتنوع، اللذين تركا أثرهما الإيجابى على السينما الروائية ذاتها.
وبينما نجد بعض المشتغلين بصناعتنا السينمائية يتوجهون لـ"الدولة" بطلبات يقولون أنها تصب فى مصلحة السينما المصرية، فإننا مثلا لا نجدهم يلمسون بعض الأسباب الحقيقية لأزمتها، مثل احتكار البعض للإنتاج والتوزيع والعرض (وهذا موضوع يحتاج إلى تناول أكثر تأملا وتفصيلا)، كما نجدهم أيضا يقصدون حلولا "مالية" عاجلة، دون الحديث عن إصلاحات فى بنية الصناعة ذاتها، وهو الأمر الذى لا يمكن أن تقوم به – فى ظل سياسة "إكسب واجرِ" التى سادت اقتصادياتنا بلا استثناء – إلا الدولة، وعلى رأس قائمة هذه الإصلاحات، والتى لا تتطلب أموالا طائلة أو جهودا خارقة، وضع سياسة تنقذ السينما التسجيلية المصرية من عثرتها.
ربما يتذكر بعض من تقدم بهم العمر مثلى، وكما روى لى المخرج الكبير الراحل توفيق صالح، أن السينما المصرية قد واجهت أزمة فى أواخر الخمسينيات، كان سببها محاولة بعض الدول العربية كسر شوكة الاتجاهات التقدمية فى مصر، فتوقفت هذه البلدان عن توزيع الأفلام المصرية بها لفترة من الوقت، وتقدم السينمائيون بشكواهم إلى عبد الناصر، وكانت إحدى الحلول التى لجأ إليها، حتى قبل إنشاء مؤسسة السينما، ولكى يوفر عملا للسينمائيين، أن تكلفهم الدولة بصنع أفلام تسجيلية قصيرة، وكانت النتيجة رصيدا لا يقدر بثمن، من الناحية الجمالية والسياسية معا، من أفلام صنعها كبار مخرجى السينما الروائية آنذاك.
بعدها بسنوات، أنشأ الراحل شادى عبد السلام وحدة تابعة للدولة، تخصصت فى إنتاج الأفلام التسجيلية، كما ازدهرت حركة مستقلة موازية، يدفعهم جميعا فهم وتقدير عميقان للدور الاجتماعى والسياسى والفنى لهذه السينما، ويمكن أن يقول المرء باطمئنان كبير أن تلك الموجة هى التى أنقذت الثقافة السينمائية المصرية خلال السبعيينيات، من حالة تجريف طالت جوانب ثقافية أخرى، وأنها هى التى أنجبت بعضا من أهم مواهب السينما المصرية خلال العقود التالية.
ولأن ما تبقى لدى أجيالنا الحالية من مفهوم عن السينما التسجيلية، أنها تلك "التقارير" التى يتحدث فيها بعض المشاهير أو العامة للكاميرا أو لمن يحمل "الميكروفون"، أو أنها تلك الشرائط التى تصور الشوارع أو الحقول، بينما نسمع صوت تعليق رتيب لا يتوقف، فإن من الضرورى أن نتوقف قليلا لنتذكر التنوع بالغ الثراء الذى كانت عليه سينمانا التسجيلية، من خشونة واقعية ممزوجة بنظرة إنسانية أسيانة عند عطيات الأبنودى، إلى شاعرية غنائية صافية عند هاشم النحاس، ونزعة تجريبية وسياسية جريئة عند داود عبد السيد، واقتراب حميم من مناطق الإبداع الإنسانى فى ظروف صعبة عند خيرى بشارة، وعشرات غيرهم قد تعجز هذه السطور القليلة عن حصرهم وإعطائهم حقهم.
ولعل المبرر الممل الذى تسمعه دائما لفقداننا السينما التسجيلية هو عدم وجود منافذ للعرض، لكن لماذا لا ينطبق هذا المبرر على السينما التسجيلية فى البلدان الأخرى؟ بل الأمر على العكس تماما، فقد كان وجود عشرات أو حتى مئات القنوات التليفزيونية الفضائية سببا فى انتعاش هذه السينما، فلماذا لا يحدث ذلك عندنا؟ يثير هذا السؤال شجونا عميقة حقا، حيث يكشف عن أننا قد أصبحنا لا نعبأ كثيرا بمعرفة الواقع معرفة صادقة بغرض تغييره، لكننا نتعامل معه للتجارة به، وهذا يعنى من جانب آخر أننا أصبحنا نفكر بطريقة "التمنى" أكثر من تفكيرنا بطريقة المواجهة، وأقول "أصبحنا" لأن من المفترض ألا نكون قد وصلنا إلى ذلك الطريق المسدود.
وأنا أعلم أن هناك مشكلات إجرائية حكومية تواجه من يحاول أن يصنع فيلما تسجيليا، لكن لماذا لم يكن ذلك من بين هموم السينمائيين التى يسعون لحلها مع "الدولة"؟ والنتيجة التى سوف يقرأها كثيرا من يهتم بهذه السطور: إننا نعيش حالة الاكتفاء بالنفس دون سبب، وأننا قانعون بما نعرف وما نصنع دون طموح حقيقى. إننا نعيش ثقافيا فى "حارة" معزولة عن العالم، راضين بأفلامنا ورواياتنا وأشعارنا، بينما لم يبق لدينا إلا صلة واهية بالسينما والرواية والشعر، وربما يكون هذا حكما قاسيا، لكننا لن نرى أى طريق للخروج من الحارة إلا إذا فتحنا العيون. 


Saturday, September 13, 2014

عن مأساة القادة الثقافيين المعاصرين



كان عالم الاجتماع المصرى الدكتور سيد عويس يستخدم دائما مصطلح "القادة الثقافيين"، ولم يكن يقصد هؤلاء الذين يجلسون فى قاعات مغلقة فى مجالس الثقافة العليا، ويتحدثون بما لا يعنى أو يفيد القطاع الأكبر من الناس، بل كان يشير بهذا المصطلح إلى نجوم المجتمع، الممثلين والممثلات، والمذيعين والمذيعات، والمطربين والمطربات، بالإضافة بالطبع لمن يسمون أنفسهم رياضين، فهؤلاء هم الذين يؤثرون حقا فى الجماهير، التى تقلدهم أحيانا بشكل لا شعورى، لعلهم يشعرون فى قرارة أنفسهم أنهم يشاركونهم الشهرة والنجاح الاجتماعى.
اضطررت مؤخرا إلى العودة إلى الاستماع إلى الراديو مجددا، غالبا بسبب انقطاع الكهرباء، وكان الراديو فى سالف الأيام رفيقى الدائم، غير أن رفاقا جددا احتلوا مكانه فانشغلت عنه. ومع عودتى إلى الراديو شعرت بصدمة عميقة، أغلبها من "طفرة جينية" فيما يبدو قد حدثت لكائناتنا الإذاعية، فى المحطات الخاصة على نحو خاص، فقد وجدتهم ينطقون كلمات يفترض أنها باللغة العربية، لكنها تبدو أقرب إلى من يتحدث وهو يضع "زلطة" فى فمه، الحروف مدغومة لا تكاد أن تتبين من بينها معنى واضحا، وهى تنطلق من أفواههم بسرعة صاروخية فتزيدها إبهاما، فتحسرت على زمن كان فيه المذيعون ينطقون العربية بفصاحة بالغة.
مكمن الخطر فى ذلك هو أن الأجيال الجديدة سوف تتصور أن تلك هى اللغة، لنكتشف فجأة – كما يحدث دائما – بعد سنوات أن العربية قد اختفت. ويتضاعف الخطر بالطبع عندما يمتد هذا العبث (أو الجهل) باللغة إلى الصحافة. لكن هناك وجها مريرا آخر للتأثير السلبى لهؤلاء القادة الثقافيين، فإذا كانت الأجيال القديمة أحبت جيلا بعد الآخر بطريقة أم كلثوم أو عبد الحليم، فقد زادت صدمتى الحضارية مع أغنية حديثة تقول: "وإذا كنت باقول إنى باحبك أنا ما باهزرش، والعرض اللى باقدمهولك ده ما يتعوضش"، فكأن "الحب" قد تحول إلى "حب محمول بالكارت أو الخط"، ليصبح سلعة عليك أن تستفيد من مواسم "الأوكازيون" فيها.
ماذا حدث لنا؟ هل نضبت العواطف إلى هذا الحد، كما ضاعت اللغة على أيدى قادتنا الثقافيين؟ ومن أو ما الذى أدى بها إلى هذا النضوب؟ هناك جريمة صامتة ترتكب كل يوم، يحدث فيها لثقافتنا ومشاعرنا نوع من التآكل كل يوم، لنصحو يوما لنجد أنفسنا أشبه بكائنات بعض روايات كافكا، أو المسوخ المسخوطة فى حواديت ألف ليلة وليلة.                               

Friday, September 12, 2014

ما بعد الحداثة فى السينما.... عندما يصبح الدم مجرد بقعة حمراء على الشاشة

كلما قرأتُ مصطلح "ما بعد الحداثة" تحسست رأسى، فهى لمن لا يعلم المدرسة الفنية الوحيدة فى تاريخ كل الفنون، التى كُتبت نظريتها قبل أن تظهر أعمال فنية يمكن وصفها أنها "ما بعد حداثية"، أى أنه قد تم صنعها عمدا لكى تحقق هدفا محددا. وليس من الغريب أن تكون المخابرات الأمريكية ضالعة فى ولادة هذه المدرسة داخل الأكاديميات، ونشرها بعد ذلك، بقصد تفتيت الثورة الثقافية على الرأسمالية، تلك الثورة التى اجتاحت العالم فى أعقاب ثورة الطلاب فى أماكن مختلفة من العالم خلال أواخر الستينيات.
وكالعادة، تلقف قطاع من مثقفينا المصطلح الجديد بالانبهار، مثلما فعلوا من قبل ومن بعد مع النسوية والبنيوية والسيميولوجيا، لأنهم يريدون السير على آخر "موضه"، وسارت على الألسنة كلمات مثل "موت المؤلف" و"التشظى"، ولم ندرك آنذاك الخطر الكامن وراء هذه المدرسة الفنية، التى تطيح بكل ما هو ثابت فى إدراكنا للعالم، فليس هناك – تبعا لما بعد الحداثة – شىء يمكن أن نتفق بشأنه، بحجة أن كلا منا يتعامل مع العمل الفنى (وبالتالى مع الواقع) بطريقته الخاصة، التى يختلف فيها عن "كل" الأفراد الآخرين فى العالم.
"النص" أو العمل الفنى فى ما بعد الحداثة يولد من جديد مع كل قراءة له، ورغم إبهار هذه الفكرة فإنها تعنى أنه لن تكون هناك أبدا أرضية مشتركة بيننا حول أى شىء. كما أن مواصفات "النص" فى هذه المدرسة توحى بمزايا تجعل كل من هب ودب منتجا للعمل الفنى، فالأساليب تتداخل داخل النص الواحد ("شجيع" فى مغامرة خيال علمى على سبيل المثال، وأعمال سحرية خيالية فى عمل فنى بوليسى)، كما أن الأعمال تستنسخ نفسها دائما، ولا يوجد فرق بين عمل فنى هابط وآخر رفيع، ومن الأفضل أن يتألف النص الواحد من شظايا متناثرة يقوم المتلقى بتجميعها بطريقته، حيث تتداخل الأماكن والأزمنة، فلا تدرك أحيانا من يسرد النص، هل هو شخص داخله أم راوٍ خارجه. لكن الأهم من ذلك كله: ليس هناك معنى أو مغزى محدد من العمل الفنى، إنه مجرد لعبة "وخلاص"، لذلك فإنه يجب التأكيد على خلوه التام من أى بعد سياسى أو اجتماعى.
وهكذا قابلنا ذات يوم فيلم كوينيتن تاراتينو "قصة شعبية رخيصة" بالانبهار، وهو وصفة جاهزة كاملة لكل ما سبق من مواصفات، تخلط بين عدة قصص وشخصيات تتقاطع وتتباعد دون أى منطق، وتحكى عن رجال عصابات قساة وطيبين، ونساء فاسقات جميلات ورقيقات، وقتلة يتلون الصلوات وهم يطلقون النيران، ليؤكد هذا العنف "ما بعد الحداثى" أن الدم قد أصبح مجرد لون أحمر على الشاشة، وأن طلقات الرصاص يمكن أن تشكل نوعا من التناغم، وهو أمر يجعل العنف لدى المتلقى أمرا معتادا، وبذلك فإن قتل إنسان ليس أكثر من مشهد سينمائى مصنوع ببراعة!!
وقابلنا بانبهار أكبر – خاصة الجيل الأكثر شبابا – فيلم تاراتينو "اقتل بيل"، مع أنه يحتوى على جرعة تفوق أى خيال من العنف، حيث يحكى عن امرأة تنتقم من كل من أساء إليها، فى سلسلة طويلة من المعارك السينمائية، تتراوح بين عالم "الشجيع" الأمريكى أو فنون القتال الأسيوية أو أى قتل آخر. والغريب أن البعض منا كان معجبا باعتراف تارانتينو أن كل ثقافته السينمائية جاءت من عمله شابا فى متجر لبيع وتأجير شرائط الفيديو، وأنه يرى أن أفضل مكان لعرض أفلامه هو دور العرض القذرة التى تجرى الفئران طليقة فى أرجائها!! (هل يذكرك ذلك بما يحدث عندنا من مظاهر ما بعد الحداثة، مثل شهرة مطاعم تحمل أسماء على طريقة "عبده تلوث"؟!!).
 كما اشتهر بين بعض مثقفى السينما أسماء مثل تشارلى كاوفمان، كاتب السيناريو المفتون دائما بالغموض المفتعل، وصاحب أفلام مثل "اقتباس" و"أن تكون جون مالكوفيتش"، وهى جميعا تمارين ما بعد حداثية خالية تماما من المعنى، فما معنى أن يُخرج لك الحاوى مثلا من كمه أرنبا؟ (حتى فى هذا هناك معنى: إبهار المتفرج بخفة اليد). ففى "اقتباس" على سبيل المثال يعانى كاتب السيناريو من صعوبة اقتباسه كتابا عن "ريبورتاج" صحفى وتحويله إلى فيلم، حول سرقة زهرة نادرة من محمية طبيعية، فيجعلنا نرى كاتبا للسيناريو يعانى الاكتئاب، ويخلق له توأما هو على النقيض منه، ويقدم لنا أيضا كاتبة التقرير الصحفى، والرجل الذى سرق تلك الزهرة، لكن ما هدف هذا كله؟ لا شىء!
لكن رغم رفضى لمزاعم ما بعد الحداثة حول أى إنجازات فنية حقيقية، فهى فى الأغلب أعمال تتسم بالاصطناع وفقدان الأصالة، فإن "تكنيك" هذه المدرسة يمكن استخدامه أحيانا على نحو جاد حقا، وأنى أفضل دائما الإشارة لرواية نجيب محفوظ "حكايات الصباح والمساء"، فهى مثال عظيم بحق لإمكانية قراءة الرواية بما لا يحصى من الطرق، فهى مؤلفة من عناوين عديدة بأسماء شخصيات، حيث يمكنك أن تقرأها حسب الترتيب الأبجدى كما وردت فى النص المنشور، أو أن تسلمك شخصية إلى شخصية أخرى، وسوف يختلف مسار قراءتك تماما عن مسار قارئ آخر.
وإذا كنا نرى أن جانبا من السينما المصرية اليوم – على فقرها الإبداعى الشديد – قد وقعت فى محاكاة هذه النماذج ما بعد الحداثية، فإننا نشير إلى نماذج جادة سوف نتناول بعضها لاحقا. لكن المعيار فى ذلك كله هو: هل فهمنا حقا ما بعد الحداثة وأهدافها؟ وهل نحن فى حاجة إليها؟ وهل حققنا الحداثة أصلا؟ إن هذا يذكرنى بما كتبه الدكتور فؤاد زكريا ذات يوم: قد يكون الغرب يعانى من أزمة ما بعد العقل، لكننا نعانى من أزمة ما قبل العقل!!
                                                  


Saturday, September 06, 2014

فيلم "أحبك يا باريس".... لمحات من حياة المدينة والبشر

جاء علينا فى مصر حين من الوقت، ظهرت فيه تجربة رائدة فى السينما المصرية، لكنها لم تستمر إلا فى أفلام محدودة، رغم أنه كان من الممكن أن تمثل حلا لجانب من أزمات السينما فى بلادنا، وكانت تلك التجربة هى صنع أفلام روائية قصيرة يربطها موضوع واحد، بحيث تشكل معا مادة سينمائية تصلح لعرض طويل فى السينما التجارية، وذلك على نحو ما جاء فيلم "البنات والصيف" على سبيل المثال، كما أنها كانت التجربة الأنسب أيضا لمنح المخرجين الجدد فرصة الإخراج لأول مرة، مثلما كان حال فيلم "3 وجوه للحب".
الغريب أن السينما العالمية تلجأ إلى هذا الشكل كثيرا، بدءا بأفلام من هذا النوع لمخرجين كبار من أمثال دى سيكا أو ماكس أوفولس، لكننا الآن سوف نتأمل معا فيلما طويلا ضم ثمانية عشر فيلما روائيا قصيرا، يجمع بينها أن قصصها جميعا تدور فى مدينة باريس، وحمل هذا الفيلم عنوان "أحبك يا باريس" (2006). وربما يمكنك القول أحيانا أن بعض هذه القصص يمكن أن تحدث فى مدن أخرى، أو أنها تجمع بين تجارب مغرقة فى الاستغراب والاغتراب، وأخرى بالغة الرقة فى واقعيتها، لكنها على اختلافها تصنع لوحة من الفسيفساء للمدينة، التى نراها فى الخلفية دائما من الأحداث، أو كمقاطع تفصل بين كل قصة وأخرى.
وما دام الحديث عن باريس، وتصورنا الشائع عنها أنها مدينة الثقافة والمثقفين، يمكننا أن نبدأ مع فيلم المخرج الأمريكى جاس فان سانت، حيث نرى عاملا فى مطبعة، يصادفه مترجم جاء فى عمل، ليشعر هذا المترجم على الفور كأنه رأى العامل الشاب من قبل، ليحدثه بالفرنسية حديثا طويلا عن توأمة الروح بينهما، وعندما يمضى المترجم على أمل اللقاء مرة أخرى مع الشاب، نعرف أن هذا الأخير لم يفهم كلمة واحدة من هذا "المونولوج" الطويل، لأنه لا يعرف الفرنسية.
لكن باريس ليست فقط بلد الغرائب والعجائب فيما يخص الثقافة والفن، ففيلم الأخوين الأمريكيين إيثان وجويل كوين يُظهر الوجه الآخر السوقى والعنيف للمدينة. إن سائحا أمريكيا (ستيف بوشيمى) يجلس فى محطة المترو، متصفحا ما جمعه من تذكارات بعد زيارة متحف اللوفر، ليظهر طفل يضايقه بلسعات أنشوطته، كما يرى على الرصيف المقابل عاشقان يتبادلان القبل، ليرتكب خطأ لا يُغتفر فى باريس! فقد كان عليه أن يحذر من أن تلتقى نظراته بنظرات هذين العاشقين، ليكون عقابه علقة ساخنة من الفتى العاشق، مع قدر هائل من الشتائم والبذاءات السوقية، وتتناثر على الأرض البطاقات السياحية للوحة "الموناليزا" وقد علت وجهها البثور!
فى هذين النموذجين المتناقضين تلاعب بعنصر المفاجأة، وهو بلا شك أحد العناصر المهمة التى تميز روح "القصة القصيرة"، لذلك سوف تحمل العديد من القصص مفاجآت أخرى، ولكن بمسحة مختلفة تتباين من فيلم إلى آخر. أنظر مثلا لفيلم المخرج ألفونسو كوارون (الذى صنع فيلم "جاذبية" من أول دقيقة لآخرها بالخدع السينمائية)، وهو يجعل فيلمه القصير هنا لقطة واحدة متصلة دون قطع واحد، وهو الأمر الذى يتطلب بالطبع امتلاكا لدقة "الميزانسين" وارتجال التمثيل، فالكاميرا تراقب من الرصيف المقابل للشارع رجلا كهلا (نيك نولتى) يسير إلى جوار امرأة شابة، وينصحها بأن تتحرر من عبوديتها لشخص يدعى "كاسبار" لكى تستمتع بحياتها، ليبدو لنا الأمر أنهما عاشقان يختلسان لحظات من وراء الزوج، لكن اللقطة الطويلة تنتهى مع عبور الكاميرا للرصيف المقابل، وتقف عند عربة طفل رضيع، لنعرف أن الرجل ليس إلا والد المرأة، وأنه جاء لرعاية حفيده حتى تتمكن الأم من الذهاب إلى السينما!                                                    
وقريبا من هذه الأجواء يأتى فيلم المخرج الألمانى توم تايكفر (صاحب فيلم "العطر")، عن شاب أعمى يتلقى من حبيبته مكالمة تتحدث فيها عن أن الربيع بينهما قد انتهى، لتنفجر ذكرياته معها، وتتجسد على نحو بالغ التأثير فى لقطات احتضانهما معا فى الأماكن العامة، بينما يسير كل شىء حولهما بسرعة مذهلة، لتأتى المفاجأة أخيرا أيضا، فالفتاة ممثلة كانت تطلب رأى حبيبها فى تدربها على إلقاء عبارات من دورها الأخير. وإذا كانت البطلة هنا هى الممثلة الشابة ناتالى بورتمان (التى اشتركت بالإخراج أيضا فى فيلم عن مدينة نيويورك سوف نتأمله فى المقال القادم)، فإن ممثلة بخبرة وإبهار جولييت بينوش تقوم ببطولة فيلم من إخراج نوبوهيرو سوا، هذه المرة فى أجواء الواقعية السحرية، لأم فقدت طفلها ولا تستطيع أن تنساه، بينما تتذكر كيف أن الصبى كان يشتاق لرؤية رعاة البقر. إنها تخرج فى الليل لترى فى الساحة الخالية راعى بقر (ويليم دافو)، يظهر من المجهول، ويسمح لها بأن ترى ابنها للمرة الأخيرة وهو يلعب مع بعض الرفاق، لتبدو وقد تلقت قدرا من السلوى والسلوان. وفى هذا العالم السحرى ذاته، يأتى فيلم المخرج ويز كرافين عن خطيبين على وشك الافتراق وهما فى مقابر العظماء فى باريس، لأن الفتاة تشكو من أن فتاها يفتقد روح الفكاهة، ليظهر شبح أوسكار وايلد ينصحه باللحاق بها، فكأن الشاب قد تعلم من وايلد كيف يكون تأثير خفة الظل على العلاقات الإنسانية.
أما فيلم المخرج البرازيلى والتر ساليس (صاحب فيلم "المحطة المركزية")، فإنه يصطبع بتلك الروح الواقعية الاجتماعية الأسيانة التى تميز معظم أفلام أمريكا اللاتينية. هناك أم تهدهد طفلها الرضيع فى الفجر، وتغنى له أغنية مهد إسبانية، وتحتضنه لتمضى فى الصباح وتتركه فى حضانة، وتذهب لعملها الذى نكتشف أن عليها فيه أن ترعى طفلا آخر من أبناء الأغنياء، تغنى له الأغنية ذاتها التى حُرم ابنها منها.
هل تعطيك باريس حقا ما كنت تطلبه منها؟ إنها أحيانا تفاجئك بأحداث سارة، وأحيانا أخرى تخيب ظنك، وقد لا تمنح السعادة إلا لمن يملكون دفع نفقاتها. إنها مدينة مثل كل المدن، ومختلفة عن كل المدن، لذلك فإن الفيلم ينتهى بما يشبه "الكودا" فى الموسيقى، للشخصيات التى رأيناها فى الأفلام القصيرة، تقضى حياتها وسط الزحام لكنها تشعر بالوحدة، ونراهم كأنهم يلوحون بأيديهم لبعضهم البعض من بعيد، ربما على أمل اللقاء فى فيلم آخر، مثل "أحبك يا نيويورك"، الذى تحقق بالفعل بعد عامين، وما تزال هناك مدن أخرى، فمتى يأتى أوان القاهرة؟  


Friday, September 05, 2014

حكايات نقدية ذات مغزى!

الحكاية رقم (1):
فى أواخر الستينيات، نشرت مجلة الكواكب سلسلة حلقات، لعمل اسمه مسرحية "الهواء الأسود"، وأشارت إلى أن أحمد رجب قام بترجمة هذه المسرحية من تأليف الكاتب فريدريش دورينمات. خلال هذه الفترة كان مسرح العبث هو "موضة" المثقفين، الذين يكتبون مقالات طويلة فى إطراء أعمال صمويل بيكيت، مثل "فى انتظار جودو"، أو أعمال يوجين أونيسكو، مثل "المغنية الصلعاء".
لذلك لم يكن غريبا بالطبع أن يسارع كثير من كبار نقادنا آنذاك إلى تحليل "الهواء الأسود"، يسبرون أغوارها ويكشفون أسرارها للقارئ الذى يعجز عن "فهم" هذا الفن، ذى المستوى المرتفع عن مدارك المتلقين العاديين. ليكشف أحمد رجب بعد ذلك مفاجأته: المسرحية من بنات تفكيره، وقد تعمد حشوها بالكثير من الهذيان غير المفهوم.
الحكاية رقم (2):
هذه المرة كانت عبارة عن "نكتة" فى رسم كاريكاتير لصلاح جاهين. ففى بداية السبعينيات شب حريق فى مبنى "مسرح الجيب"، الذى كان متخصصا فى تقديم مسرحيات اللامعقول. وفى هذا الرسم تبدو ألسنة اللهب آتية من خشبة المسرح، وليس فى الصالة غير شخصين، أحدهما يحاول الهرب بينما يمسك به الآخر قائلا: "أقعد يا أخى أحسن ده يطلع جزء من العرض"، وفوق هذا الشخص كلمة تشير إلى أنه ناقد.
الحكاية رقم (3):
فى مطلع القرن الحادى والعشرين، ظهر فيلم مصرى بالغ التعقيد والفتور معا، ليس فيه أى نوع من أنواع المتعة، البسيطة أو المثقفة، وكتب صاحب هذه السطور كلمات يعتذر بها للقارئ أنه لم "يفهم" الفيلم. لكن المخرج المؤلف كان قد عقد مقابلات صحفية عديدة، تحدث فيها عما يخفيه فى أعماق فيلمه، وكشف لنا المفاجأة: الفيلم عن "البوح"، وهكذا ظهرت عشرات المقالات التى كررت جميعا أن الفيلم عن "البوح"، ولم يستخدم أى منها مرادفا آخر مثل "المصارحة مع النفس" أو "الإفصاح عما تواضعنا على إخفائه"، ومع ذلك ظل الفيلم، حتى هذه اللحظة، لا يقول شيئا، ومعقدا على نحو مفتعل، ولا يوجد سبب واحد يدفع المتفرج لمشاهدته.
المغزى:
لا تصدق أيها القارئ العزيز كل ما يكتب عن الأعمال الفنية، فالكثير منها ناتج عن علاقات شخصية ومجاملات متبادلة، والناقد لا "يفهم" أفضل منك، وقد يزعم أنه كذلك لكنه لن يجعلك "تستمتع" بعمل يخلو من المتعة. فأنت فى النهاية من يتذوق "الطبخة"، فلا تأكل ما لا يقبله ذوقك، أما المعجبون بها فليأكلوها وحدهم، بألف هنا وشفا.