Saturday, August 30, 2014

النزعة السلفية، فى نقد الأعمال الفنية


كان هناك حين من الدهر، أصر فيه الدكتور رشاد رشدى على تدريس مادة لنا، من كتاب قليل الصفحات من كتبه، ولم يكن لهذه المادة اسم، غير أن هدفها الوحيد كان استمتاعه، فى الامتحانات الشفوية، بسماعنا – نحن طلبته، خاصة اليساريين منا - نردد مقولاته التى عفى عليها الزمن، لكنها ذات أواصر وثيقة بسياسات التخلف والرجعية، ومحور هذه المقولات: ليس هناك ما يسمى الفن للحياة، بل الفن للفن دائما.
عادت هذه الأفكار تتردد على ألسنة بعض مثقفى الكتب الأكاديمية، لكنها هذه المرة تقول إن الفن والأخلاق شيئان مختلفان تماما، وإن الحكم على الأعمال الفنية يجب أن يكون بالمقاييس الفنية وحدها. وفى هذه الكتابات تتكرر عبارة "يجب على المتلقى أن..."، أى أنها تُلزم المتلقى بطريقة إدراك واحدة، وإلا بطل تذوقه، لأنه جاء إلى العمل الفنى وهو ويحمل تجربته فى الحياة، التى يجب أن يغتسل منها قبل أن يدخل محراب الفن.
إنها نظرة مغرقة فى الرومانسية إن أحسنت الظن، مغرقة فى الرجعية السياسية إن أسأته، ومن يدعو لها ينسى أو يتناسى أن الأنهار جرت فيها مياه كثيرة، منذ أن ظهرت تلك الأفكار التى تزعم أن للعالم الفنى وجودا مستقلا عن الواقع تماما، وهو ما وافق هوى أصحاب اليمين السياسى الذين لا يريدون للفن أن يساهم فى تغيير الحياة، أو لدى الرومانسيين الذين يتصورون الفنان كائنا هائما على وجهه، يجب ألا تناقشه فى "إبداعاته".
والحقيقة أن تعبير "حرية الإبداع" تعرض كثيرا للابتذال، فالفنون على اختلافها محكومة بعوامل عديدة من خارج الفن، (هل يستطيع أى كاتب سيناريو أو مخرج سينمائى، فى أى بلد من بلدان العالم، أن يصنع فيلمه دون أن يجد منتجا وموزعا يوافقان على ذلك؟)، بقدر ما ترتبط هذه الفنون بمسيرة التطور، بسبب أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تفرض على الفنان أن يغير من "قوانين الإبداع" دائما، بل إن أهم مؤرخى فلسفة الفن، أرنولد هاوزر، يقول مثلا إن التأثيرية فى الفن التشكيلى لم يكن مقدرا لها أن تظهر، لولا "اختراع" أنابيب الألوان، التى حررت الفنان من قيود الاستوديو، وأتاحت له أن يتعامل مع الضوء واللون بشكل لم يكن ممكنا قبل ذلك.
وأصحاب الآراء السلفية فى الفن يتصورون أنهم يلقمونك حجرا إذ يقولون: كيف لسيمفونية أن ترتبط بالأخلاق؟ وهذا دليل على عدم قدرتهم، أو عدم رغبتهم، فى التفريق بين فنون هى بطبيعتها أقرب إلى التجريد مثل الموسيقى، وأخرى أقرب إلى الواقع، مثل السينما والدراما التليفزيونية. بل إن الموسيقى، وهى أكثر الفنون تجريدا كما يقال، لا تخلو من عنصر أخلاقى، فالموسيقى الصاخبة تبعث فيك نوازع العنف، بينما تدعوك الموسيقى الهادئة إلى الاسترخاء والتسامح. ولقد ظللت أنا شخصيا عاشقا لمقطوعة فريدريش سيمتانا "نهر المولداو"، لكن بعد أن علمت أن إسرائيل اتخذت من تيمتها الرئيسية لحنا لنشيدها القومى، لم أعد أستطيع أن استمتع بالمقطوعة، دون أن أشعر بغصة فى أعماقى.
النقطة الجوهرية فى ذلك كله هى أن أى عمل فنى ليس كيانا منفصلا عن الواقع، والفنون تتطور وتتغير بتطور عناصر الواقع، وليس هناك أحد يستطيع أن يمنع المتلقى من أن يأتى بتداعيات وارتباطات من خارج العمل الفنى، سواء كانت مقارنات مع أعمال فنية أخرى، أو مشاعر وذكريات مرتبطة فى ذهنه ببعض عناصر هذا العالم الفنى تحديدا. والأخلاق فى الفن لا تعنى صنع دروس أخلاقية، وإنما تعنى مدى الرهافة التى تبعثها لدى المتلقى تجاه الواقع، وليس غلظة الإحساس تجاهه. إن بطلة فيلم "سوبرماركت" لمحمد خان تتخلى عن أخلاقيتها التى تمسكت بها طويلا، لتصبح تحت وطأة الظروف الاقتصادية والاجتماعية عشيقة سرية لرجل ثرى، فكأن المجتمع أصبح "سوبرماركت" كبيرا يُشترى فيه كل شىء بالمال. بينما يزعم فيلم مثل "أحاسيس" أنه يعالج مشكلات العلاقات بين الأزواج والزوجات فى درس أخلاقى، لكنه ينتهى إلى أن يكون سلسلة من مشاهد جنسية فجة، انقطعت علاقتها بأى أخلاق.
الأخلاقية فى الفن إذن هى أن يحدد الفنان علاقته بالعمل الفنى ومادته من جهة، وبالمتلقى من جهة أخرى. فالفنان يستطيع التلاعب بهذه المادة وبالمتفرج، وأن يكون رجعيا أو تقدميا، وأن يتحول إلى تاجر يبيع مساوئ الواقع للمتلقى أو أن يكون هدفه هو إلقاء الضوء على واقع الإنسان والحياة.
لقد اكتسب تشيكوف – على سبيل المثال - عشقا متواصلا من ملايين القراء فى كل أنحاء العالم، وعبر السنوات الطويلة، ليس لأن لأعماله "قوانين إبداع داخلية"، وإنما لأنه كان أخلاقيا مع شخصياته وقارئه، بينما هناك عشرات الفنانين الذين اكتسبوا الشهرة العابرة (وعندنا منهم كثير)، لأنهم اختاروا طريق التعبير عن القبح فى التجربة الإنسانية. هل ترغمنى أيها الناقد السلفى على أن أتعامل مع العمل الفنى بمقاييسك الرجعية، وأن أدخل إليه ناسيا حياتى وأخرج منه لأعود إلى الحياة بلا أى خبرة أخلاقية؟ وهل تدرى أنك بذلك لا تُفرق بأى شكل بين عمل جيد وعمل ردئ، إلا باتباع معاييرك الافتراضية التى تسميها جمالية، وتدعو فيها إلى "حرية إبداع" لا وجود لها فى أى واقع أو سياق ؟ إن كنت تريد ذلك فلتبحث لنفسك إذن عن جمهور بلا ذاكرة، أو تجربة، أو واقع... ولعل هذا هو ما تريد!!



Friday, August 29, 2014

فيلم "وهلأ لوين"... أنشودة فى عشق الحياة




ما كل هذه البهجة فى الفيلم اللبنانى "وهلأ لوين"؟ وما كل هذا الحزن؟ مصدر السعادة والألم فى هذا الفيلم، الذى أخرجته نادين لبكى فى عام 2011، هو حب جارف للحياة، حب تقف فى طريقه نزعات طائفية تشبه كثيرا، كثيرا جدا، ما يحدث لنا فى منطقتنا العربية اليوم. وهو فيلم بالغ البساطة والعمق معا، يكاد أن يكون درسا بليغا لصناع السينما المصرية فى كبوتها الحالية، أن الأفلام يمكن أن تصنع، أو ينبغى أن تصنع، دون اللجوء للابتذال تحت اسم الكوميديا، أو العنف بحجة الإثارة و"الأكشن"، أو الفظاظة والمبالغة بدعوى الواقعية.
وإذا كان فيلم "وهلأ لوين" على المستوى الواقعى يدور فى قرية لبنانية تبدو معزولة عن العالم، لوقوعها بين الجبال، ويتعايش فيها المسلمون والمسيحيون فى سلام حقيقى، فإن الفيلم ينتمى – دون أى إفراط – إلى الفانتازيا، ليس فقط لأن كثيرا من أحداثه تبدو للوهلة الأولى عصية على التصديق، وإنما لأن "أسلوب" الفيلم ذاته يوحى بذلك. وقد يتصور البعض أن هناك أغنيات متناثرة هنا وهناك على طريقة السينما العربية التقليدية، لكن الحقيقة أن الغناء والرقص هنا يصبحان أحيانا لغة الحوار والتعبير، فى تأكيد فنى مرهف على الخيال الذى يرتكز عليه الفيلم وأحداثه.
وسوف تلاحظ هذا الحس الفانتازى مع مشهد البداية: مجموعة من النساء المتشحات بالسواد، تسرن فى خطوات إيقاعية تتمايل يمينا ويسارا، وهن تضربن الصدور بالأيدى. إنهن فى صحراء بلا نهاية، تنتهى إلى المقابر المتواضعة للقرية، وكل امرأة تمسك بصورة فوتوغرافية لفقيدها، وإذا تأملت شواهد القبور سوف تلاحظ أنها لمسلمين ومسيحيين على السواء، فى تجاور يبعث على الشجن الذى تؤكده الموسيقى المصاحبة على نحو عميق.
سوف يتكرر هذا المشهد فى النهاية، كأنه مع مشهد البداية يصنعان قوسين يضمان عالم الفيلم، وهو عالم لحمته وسداه فكرة بسيطة وعميقة معا: النزاعات بين أهل الوطن الواحد تنشأ كثيرا بلا سبب حقيقى، ليغذيها الرجال باسم الدفاع عن الشرف والدين، بينما النساء تعملن على إطفاء لهيب هذا النزاع بكل وسيلة ممكنة. ولا أحب أن أسمى ذلك نوعا من النزعة "النسوية"، التى تصنع صراعا أزليا أبديا بين الرجل والمرأة، بما يبتعد عن عن تحرير الرجل والمرأة معا، لكن الصراع هنا بين من يهب الحياة، ويعرف قيمتها حقا، ومن يتصور أن القتل والانتقام هو الوسيلة الوحيدة للبقاء على قيد الحياة.
إن أهل القرية يستعدون لتركيب أول طبق لاقط للقنوات الفضائية، ربما يجعلهم يتصلون بالعالم الخارجى، الذى يفصلهم عنه ويصلهم به ممر ضيق بين الجبال، مزروع بالألغام. ويعيش جميع أهل القرية فى جو احتفالى بهذه المناسبة، وتقوم صاحبة مقهى القرية أمال (نادين لبكى) بتجديد مقهاها، لنلمس على الفور مشاعر الحب الرقيقة بينها وبين عامل الطلاء رابح (جوليان فرح)، وسط مباركة الجميع – خاصة النساء – لهذا الحب، رغم اختلاف دينها ودينه. فالقرية (الفانتازية كما اتفقنا) لا تعرف التقسيم الطائفى، والقس والشيخ فيها متحابان بحق، بقدر حبهما للحياة، لذلك سوف يحضران مع أهل القرية جميعا الاحتفال بمشاهدة التليفزيون لأول مرة.
بالطبع سوف يشعر جمهور شباب القرية بالابتهاج عند مرأى مشهد عاطفى ملتهب على الشاشة الصغيرة، لكن سرعان ما تشعر النساء بالقلق من نشرة الأخبار، التى تنقل أنباء المعارك الطائفية فى أماكن أخرى فى البلاد، لتقررن تخريب التليفزيون، وقطع أسلاك الراديو، وحرق الصحف التى يجلبها اثنان من الصبية من المدينة. لكن حادثا عارضا سوف يؤدى إلى تكسير الصليب فى الكنيسة، كما يدخل قطيع من الماعز إلى المسجد، ليثور الرجال من الطرفين، مما يزيد قلق النساء من اندلاع لهيب النزاع بين الطائفتين.
إنهن تفكرن فى أمر ما قد يطفئ هذه النيران، فتدبرن "تمثيلية" (لا تخلو من روح فكاهة بريئة صافية) تقوم فيها زوجة مختار القرية بادعاء أن السيدة مريم العذراء تتحدث من خلالها، بينما تبدو دمعتان من الدم فى عينى تمثال العذراء، التى تأمر الرجال بالاعتذار لبعضهم البعض. لكن ذلك قد يفلح لفترة من الوقت قبل تجدد الخلافات بين الرجال، وهنا يأتى التطور المفعم بالنشوة، حين تقرر نساء القرية دعوة فريق من الفتيات الأوكرانيات الحسناوات اللاتى تخلقن حالة من البهجة بين الرجال، تصل إلى ذروتها عندما يضع النساء مخدرا للرجال فى الطعام والشراب، يجعلهم يعيشون ليلة من الاستمتاع الكامل بالحياة.
تأمل كيف أن نساء القرية تشعرن بمزيج من الفرح والغيرة معا، الفرح لأن رجالهن نسوا النزاع، والغيرة لأنهم مشغولون بنساء أخريات. لكن الصراع يتفجر عندما يعود أحد الصبيين من المدينة صريعا، لتخفى أمه جثمانه عن الأنظار وهى تتمزق ألما، لأنها لا تريد مزيدا من الدماء فى القرية. وتتشارك النساء فى إخفاء الأسلحة فى حفرة، وتقررن أمرا... فعندما يصحو الرجال من النشوة المخدرة فى الليلة السابقة، يجد كل منهم امرأته وقد بدلت دينها... فهل تصبح عندئذ عدوة للزوج أو الابن؟
المذهل فى هذا العالم الفانتازى هو واقعيته الشديدة، ساعد على ذلك ممثلون يصلحون أن يكونوا درسا حقيقيا للكثيرين من ممثلينا الجدد الذين تسوقهم أحلام النجومية الزائفة، فالوجوه فى "وهلأ لوين" عادية تماما، تشعر أنك قابلتها ذات يوم فى حياتك اليومية، والأداء التمثيلى بالغ البساطة والإقناع، رغم وجود لحظات درامية عاصفة، مثل مشهد أم الصبى القتيل وهى تعاتب السيدة العذراء: "تاخدى العيال بدون ما تسألى؟ إنتى ابنك مالى إيديكى، وأنا ابنى وين؟"....
لقد كان ما يزال أمام أهل القرية مهمة دفن الصبى، فيمضون إلى المقابر وسط موسيقى تمزج على نحو رائق وراقٍ بين التراتيل والأذان، لكنهم يتوقفون ويتراجعون عندما تعلو أصوات الانفجارات من بعيد، ويتساءلون: "وهلأ لوين؟". نعم، إلى أين نمضى الآن؟ فهناك طريق للموت، وآخر للحياة، فأيهما نختار؟                                                   


Friday, August 22, 2014

روبين ويليامز... تنويعات مرحة على لحن حزين

إن أردت تجسيدا لأحد أهم تجليات فن التمثيل، فسوف تجده فى ذلك الجيل من الممثلين الأمريكيين، الذين تربوا فى أعطاف ما عرف باسم "استوديو الممثل" خلال بداية الخمسينيات، أو من ساروا على دربهم فى العقود التالية، وكان من بين هؤلاء روبين ويليامز، الذى مات منذ أيام بعد فترة اكتئاب حادة بسبب عدم قدرته على التخلص من الإدمان.
ربما بدا أن هناك مفارقة بين معاناة ويليامز من الاكتئاب، وذلك القدر من البهجة الذى كان يثيره فى أفلامه، والنشوة والشجن المصاحبين لها، أيا كان الدور الذى يلعبه، لكن تلك بالضبط هى مصدر سعادة الممثل وبؤسه، خاصة الممثل السينمائى، الذى يكون عليه أن يكون جاهزا خلال لحظة واحدة للوقوف أمام الكاميرا، والدخول تحت جلد الشخصية التى يجسدها، وفى كل مرة يستدعى من مخزون مشاعره وأحاسيسه ما يلائم الدور واللحظة الدرامية. وأرجو ألا تقارن ذلك كثيرا بما يحدث مع معظم ممثلينا، الذين يبدو تمثيلهم إما أقرب إلى "الهزار" أو الافتعال، فالممثل الحقيقى يعيش أبدا كالعصب العارى، يهتز لأرق نسمة ويرتجف من أقسى عاصفة، أو يحيا كأنه وتر مشدود لقوس ينتظر دائما لحظة انطلاق السهم.
كان روبين ويليامز ممثلا جادا يلمس شغاف القلوب بأدواره المأساوية، كما كان فى أدواره الكوميدية مهرجا راقيا يجعلك تنطلق فى الضحك الصافى، لذلك كثيرا ما تمت الاستعانة به لإحياء سهرات "الاستانداب كوميدى" التى تتوالى فيها النكات اللاذعة كالمطر. ولعل أهم أدواره على الإطلاق (وإن لم يكن الوحيد) جاء فى فيلم "ويل هانتينج الطيب"، فى دور الطبيب النفسى المنغلق على نفسه بسبب مأساة فقدانه زوجته، لكنه استطاع وحده أن يُخرج البطل الشاب من إحباطاته وحيرته، وهو الدور الذى ترك أثرا عميقا لدى عشاق السينما، ربما لأن جزءا من ويليامز الحقيقى استطاع من خلاله التعبير عن نفسه: الشخص الذى يشعر بالوحدة وسط الناس، ويعالج اكتئاب الآخرين بينما يعود فى النهاية إلى شرنقة اكتئابه.
برع ويليامز إلى حد مثير للدهشة فى تقليد الشخصيات واللهجات المختلفة، وبصوته فقط كان يستطيع أن يجرى حوارا ممتدا بين عدد من الشخصيات الافتراضية من جنسيات مختلفة، لذلك كثيرا ما كان يشترك بالأداء الصوتى لشخصيات أفلام التحريك، مثل "علاء الدين". لكن براعة التجسيد ساعدته على أن يأخذ أدوارا بالغة التنوع، فهو الطبيب، ورئيس الجمهورية، والطيار، كما أنه أيضا "بيتربان" أو الرجل الذى لا يغادر طفولته أبدا، أو الكائن المضحك القادم من الفضاء الخارجى، وهو "الدادة" الطيبة الحنون، فى أحد أفلامه المهمة، وهو "مسز داوتفاير".
فى هذا الفيلم يجسد ويليامز دور الممثل الذى يفشل فى أن يجد لنفسه مكانا تحت الشمس، وهذا "الفشل" هو أكثر ما يثير لدى الشخصية الأمريكية قدرا كبيرا من الهلع على مستوى العلاقات الأسرية، لذلك فإن زوجته تطلب الطلاق، ويجد نفسه مضطرا للابتعاد عن أطفاله، حتى يتفتق ذهنه عن التنكر فى هيئة "دادة"، وينجح فى أن تسمح له زوجته السابقة برعاية أطفاله دون أن تعرف حقيقته، وهكذا يصير قريبا منهم وبعيدا فى آن، خاصة وهو يشاهد خطيبا جديدا "ناجحا" يتودد إلى الزوجة والأطفال.
قد يبدو "مسز داوتفاير" للوهلة الأولى كوميديا، وهو كذلك بالفعل، لكن تأمله يوحى بعمق كبير فى رؤية مأساة "الرجل الأمريكى" خلال عقدى ثمانينات وتسعينيات القرن العشرين، حين كان على الرجل أن يعانى من الهزائم الاقتصادية والاجتماعية، ولا يجد حلا إلا التنكر فى صورة امرأة، خلال فترة اتسمت بموجة جارفة مما يطلق عليه "النزعة النسوية"، التى حاربت عنصرية المجتمع الذكورى بالتحيز العنصرى للمرأة، وهو الأمر الذى تجسد فى العديد من الأفلام الأمريكية خلال هذين العقدين.
لكن دور "الأم الناجحة" لعدم القدرة على آداء دور الأب الناجح، يشير إلى روح خاصة كانت تسرى فى معظم أفلام روبين ويليامز، وتتجلى فى قدرته على الإيحاء بأنه "الراعى" على نحو ما، كالطبيب النفسى فى "ويل هانتينج الطيب"، أو الجنى الذى يخرج من المصباح ملبيا رغبات "علاء الدين"، أو الأب الذى يخترع لأبنائه عالما خياليا ولفتراضيا غريبا كاملا فى "جومانجى"، أو مذيع النشرة المحلية الساخر وهو يعيش فى أرض المعركة فى "صباح الخير يا فييتنام"، أو ذلك الدور الذى لن ينسى، فى فيلم المخرج بيتر وير، "جمعية الشعراء الموتى"، للمعلم الذى يرعى مجموعة من الطلبة المراهقين، ويجمعهم معا لدراسة أشعار من قرون ماضية، ليكشف لهم ويكتشف معهم معنى الحياة، وضرورة مقاومة اليأس والاكتئاب.
ولعل هذه الكلمات الأخيرة بالذات تؤكد لك صعوبة فن التمثيل الحقيقى، أن تجسد أحيانا شخصيات هى على النقيض منك، وأن تبعث البهجة بينما قلبك يبكى ألما، وأن تتحمل ضغطا عصبيا هائلا كأنك تسير دائما على حبل مشدود. وقليلون من الممثلين الحقيقيين هم من استطاعوا تحقيق التوازن، بجهد هائل بين حياتهم الحقيقية وعشرات الشخصيات الفنية التى يجسدونها، دون السقوط فى هوة الاكتئاب والإدمان، كما حدث مع روبين ويليامز.
غير أن المؤكد أنه كان يملك فى كل الأوقات قلبا مرهفا، حتى وهو يؤدى أدوار شريرة، مثل فيلم "الأرق"، الذى يدور فى أقصى شمال القارة الأمريكية، حيث يمتد النهار فى الصيف شهورا طويلة، وتبدو الحياة يوما واحدا بلا نهاية. إن ويليامز هنا يقوم بدور قاتل، تبدو بواعثه أحيانا وجودية أو عبثية، يطارده ضابط ماهر (آل باتشينو)، الذى يصبح بدوره قاتلا دون قصد، لكنه يظل طوال المطاردة مشغولا بإخفاء جريمته، بينما يحاول القاتل الإيقاع به. وهكذا فإن الخط الفاصل بين الفريسة والصياد يتلاشى، فكلاهما يعانى من القلق الوجودى ذاته.
عبر روبين ويليامز إلى عالم آخر، لكنه ترك وراءه عشرات من روبين ويليامز فى شخصيات أفلامه، غير أنها كانت جميعا تنويعا مرحا على لحن حزين.

Thursday, August 14, 2014

"مطبخ السياسة" أو "شوية توابل".... إذا رحلت عن المدينة، هل ترحل المدينة عنك؟

قدر هائل وعميق من الشجن يلف عالم الفيلم اليونانى "شوية توابل" أو "مطبخ السياسة" (2003)، تلعب فيه الصور الساحرة والموسيقى التركية واليونانية الآسرة دورا كبيرا فى إثارة جو عاطفى مفعم بالحنين والحزن، وإن لم يخلُ أبدا من البهجة، إنه "وجبة" كاملة من السينما، بل إن مخرجه اليونانى تاسوس بوليميتيس يختار له شكلا مبنيا على فقرات، تحاكى مراحل تناول الطعام، بدءا من المقبلات والمشهيات، ثم الطبق الرئيسى، وأخيرا تأتى الحلوى، التى لن تدرى إن كانت قد أضافت لمذاق الوجبة، أم أنها ضيعت هذا المذاق.
ولأن الفيلم يعتمد كثيرا على فكرة نكهة الطعام وطريقة إعداده وتذوقه، فإن يستخدم التشبيه المجازى لأنواع التوابل المختلفة لكى يؤكد على فكرته، وهى فكرة تتردد الآن أصداؤها للأسف فى واقعنا العربى، بقدر ما ترددت عبر أجيال فى منطقة أوسع، تمتد شمالا من أرمينيا، مرورا بالبلقان واليونان وتركيا وقبرص، حين كانت كل هذه البلاد تضم معا قوميات وأعراقا مختلفة، ثم انقسمت الأوطان على نفسها، لتقع مذابح جماعية، ونزوح نتيجة هذا الانقسام، الذى نراه فى شوية توابل" متجسدا فى ذكريات رجل يونانى أصبح اليوم كهلا، عن طفولته فى مدينة استانبول، ثم ترحيله مع أبيه وأمه عنها على إثر اضطرابات سياسية وعسكرية بين تركيا واليونان فى أوائل الستينيات، وعدم قدرته على نسيان ذلك "الوطن" القديم.
ليس هناك فى الفيلم أى تحيزات سياسية قد يشعر بها مخرج يونانى تجاه تركيا، بل على العكس فإنه يصور البلدين – الوطنين – بحب شديد الدفء، وهو الحب الذى يظهر لك مع بداية ما يمكن أن تسميه الفصل الأول، الذى يحمل عنوان "المشهيات"، ويذكر الفيلم تاريخه: 1959. أنت مع مؤذن على قمة مئذنة، وتسمع صوته يجلجل عذبا رخيما، لتتراجع الكاميرا (أو توحى بذلك من خلال التقنيات الكومبيوترية)، لتصبح اللقطة عامة لمدينة استانبول كلها، وتطوف بالمساجد حتى تنتهى إلى السوق القديمة، حيث يقع دكان الجد فاسيليس، بائع التوابل وفيلسوفها، والذى يوزع نصائحه على الجميع، من أجل أن تحقق توابله أهدافها فى التأثير بمزيد من الدفء على العلاقات الإنسانية.
وشيئا فشيئا سوف تتعرف على عائلة البطل الطفل فانيس، الذى يحمل جده لأمه الجنسيتين اليونانية والتركية، بينما لا يحمل أبوه سوى الجنسية اليونانية، لكن إقامة العائلة فى استانبول تركت أثرها العميق عليهم جميعا، فهم يستخدمون كلمات تركية فى حوارهم، كما يحتشد مطبخهم بالأطباق التركية ذات المذاق الحريف، الذى يزداد قوة مع توابل الجد. وتكاد لقاءات العائلة ألا تخلو أبدا من الطعام والمقارنة بين أصنافه المختلفة، ويجد الطفل فانيس دفئا خاصا فى الالتصاق بنساء الأسرة، ليتعلم منهم دون وعيهن أسرار الطهى. وفى دكان الجد سوف يتعلم أيضا العلاقة بين الكون كله وأنواع التوابل المختلفة، وتنشأ علاقة بريئة دافئة بينه وبين الطفلة التركية سامية، تبدو كأنها حلم جميل، يتأكد تأثيره علينا من خلال لقطة لمظلة شمس تطير فى الفضاء كأنها ترقص فوق مدينة استانبول.
لكن الحلم يتبدد بعد عامين، عندما تحدث توترات بين اليونانين والأتراك فى جزيرة قبرص، ليتقرر ترحيل اليونانيين عن المدينة، ومنهم بطلنا الصغير فانيس وأبوه وأمه. إن فانيس لا يشعر أبدا بالتواؤم مع حياته الجديدة فى أثينا، حيث يطلقون على العائدين من تركيا "الأتراك"، بينما كانوا فى تركيا يحملون صفة "اليونانيين". وهنا يبدأ "الطبق الرئيسى" لوجبة الفيلم، حيث تتحدث العائلة دائما عن ذكرياتهم فى تركيا، ويعانى الطفل فانيس من الشعور بالغربة، ويدفن أحزانه بالطهى رغما عن الأب والأم اللذين يشعران بالخوف من أن يكون ابنهما غير سوى. وفى عام 1967 يحدث الانقلاب العسكرى فى اليونان، ويتخذ كل شىء صفة عسكرية، حتى أن الخال المرح يقرر التخلى عن نزواته الغرامية، لكى يتزوج زواج مصلحة من فتاة من عائلة ذات أصول عسكرية.
وطوال الفيلم، هناك حالة انتظار أن يصل الجد إلى أثينا قادما للزيارة من استانبول، ويمنى الشاب فانيس نفسه أن يحمل جده معه أخبارا عن رفيقة طفولته سامية، لكن الجد لا يأتى أبدا، بل يقفز الفيلم إلى الزمن المعاصر، وقد أصبح فانيس كهلا، لتحمل هذه الفقرة عنوان "الحلوى"، لكنها فى الحقيقة لا تخلو من مرارة. يعود فانيس إلى استانبول عندما يشرف الجد على الاحتضار، وفى جنازته يقابل سامية التى تزوجت وأصبحت أما، ويكاد الفيلم أن يعطيك لمحة أمل عن عودة علاقتهما، خاصة وأن فانيس نجح فى الحصول على عمل فى جامعة البوسفور لفترة، لكن الواقع لا يحقق هذا الأمل، لنرى مشهد وداع آخر على محطة القطار، هذه المرة وسامية ترحل عن استانبول ليبقى هو وحيدا، مرة أخرى.
قد تبدو لك هذه الحكاية أسيرة لخطوطها الميلودرامية، لكن الفيلم لا يقع أبدا فى مأزق المبالغة، والنزعة العاطفية الجياشة فيه لا تنبع من تقلبات الأحداث، وإنما من جماليات الصورة، وعودة لقطات فى تنويعات مختلفة (مثل لقطة المظلة الطائرة، أو ثدى الأم التى ترضع طفلا، أو الوداع على محطة القطار)، والموسيقى التى تعمل بأسلوب اللحن الدال (اللايتموتيف) الذى يثير فيك ذكرى محددة عايشتها من قبل فى الفيلم. والحقيقة أن المرء قد يشعر بالأسف على أن المخرج تاسوس بوليميتيس لم يصنع أفلاما بعد هذا الفيلم، لتوليه منصب رئيس مؤسسة السينما اليونانية، وقيامه بالتدريس فى معهد السينما، فنادرا ما قد نجد فنانا سينمائيا بهذه الرهافة فى التعبير، ليس فقط من ناحية الأسلوب، وإنما أيضا لقدرته على تجسيد مشاعر الغربة فى الأوطان.
وبعد أن ينتهى الفيلم، ومع مشهد النهاية للبطل فانيس فى دكان الجد وقد علاه التراب، نرى غبار التوابل قد تحول إلى كون كامل، ننتمى إليه مثلما ينتمى إلينا، فالوطن ليس هو الحدود التى يصنعها هذا الفريق أو ذاك، وإنما هو أنا وأنت، هو نحن بكل ذكرياتنا وتكويننا، وليس هناك فى العالم من يستطيع حقا أن ينزع الأوطان عنا، تحت أى راية وبأى مبرر، ذلك أن مذاق الوطن يبقى عالقا فى الوجدان إلى الأبد.