Saturday, April 11, 2015

أسطورة هوليوود الشرق



من دلائل عدم نضج الشعوب أن قطاعا كبيرا منها يردد أحيانا مصطلحات وعبارات ليس لها معنى محدد، لكنها تكتسب مع رواجها بريقا خاصا، ولو حاولت أن تجد لها معادلا أو ترجمة فى أى لغة أخرى فسوف تكتشف زيفها. من هذه العبارات فى مجال السينما وحده هناك الكثير، مثل "أفلام البطولة المطلقة"، أو "سينما المضحكين الجدد"، وعلى هذا النحو جاءت تلك العبارة الخالدة التى غرقنا فى وهمها طوال عقود كاملة أن "القاهرة هى هوليوود الشرق".
ولا أدرى لماذا "هوليوود" تحديدا التى اخترناها لتكون طرف ذلك التشبيه، فهناك على سبيل المثال لا الحصر "مدينة السينما" فى إيطاليا، أو "بابل الجديدة" فى ألمانيا، ولكن يبدو أن ذلك جاء نتيجة الافتتان بنوع ما من السينما، لم نجد غيره فى فترة البدايات، نتيجة حالة من "الاحتلال الثقافى" الناعم، الذى فرضته شركات احتكار توزيع الأفلام. ومع ذلك، هل عرفنا حقا ما هى هوليوود، لكى نطمح إلى التشبه بها؟
فى السطور التالية أرجو من القارئ دائما أن يستمر فى المقارنة، وأن يتساءل عند كل فقرة: "هل نحن حقا مثل هوليوود؟". فعلى حين بدأت السينما الأمريكية فى نيويورك على الساحل الشرقى للولايات المتحدة، سرعان ما أدرك صناع السينما أن أجواء كاليفورنيا أكثر ملاءمة للتصوير طوال العام، فى جو مشمس ذى شتاء قصير، يشبه على الأرجح أجواء الإسكندرية التى بدأت السينما فيها عندنا، لتنتقل عندنا إلى القاهرة فى اتجاه معاكس للملاءمة والتنوع، وليس هناك من هدف إلا الاقتراب من عالم "البيزنيس" والتجارة.
وفى ضاحية على الساحل الغربى، أنشئت هوليوود حيث شيدت الاستوديوهات التى تعمل بطريقة التجميع الآلى، مثل صناعة السيارات بالضبط، حيث يوجد المئات من الكتاب والممثلين والمخرجين وكل الفنيين الآخرين، مهمتهم صنع المئات (نعم، المئات) من الأفلام القصيرة كل أسبوع (نعم، كل أسبوع). ومن هنا نشأت الشركات، التى كبر بعضها مع الأيام، ولم تتوقف صناعة السينما عند المحاولات الفردية أيا كان حجمها، مثلما كان – وما يزال – الحال عندنا.
ظلت السينما عندنا أقرب إلى المقاولات منها إلى الصناعة الراسخة، وهذا ما يتضح تماما عندما نعرف أن شركات هوليوود الكبرى سرعان ما أنشأت "اتحادا" بينها، لكى تحتكر الصناعة سواء فى الإنتاج أو التوزيع أو العرض. لذلك اكتسبت هوليوود صبغة مؤسسية، حتى أنها عندما واجهت انتقادا شديدا من مختلف جماعات الضغط، بسبب ما قيل عن المضمون السلبى لأفلام هوليوود، أسرع اتحاد المنتجين والمزعين بتأسيس ميثاق يفرض نوعا من الرقابة الذاتية، لحماية الأفلام من الدعاوى القضائية من جانب، وتحسين صورة الصناعة من جانب آخر. وهكذا فإن "الرقابة" فى أمريكا، وما تزال، تمارس من خلال الصناعة ذاتها، بينما تصبح الرقابة عندنا فى يد "الدولة" أو "الحكومة" بمعنى أدق.
كانت هذه الرقابة الذاتية هى حائط الصد الأول والدائم فى هوليوود، وأمريكا كلها، ضد أى قرار بمنع عرض الأفلام أو مصادرتها، نتيجة الطبيعة "المؤسسية" للصناعة. وفى المقابل أنشئت مؤسسات أخرى تحمى حقوق الفنانين والفنيين ضد ما يمكن أن تفرضه الشركات المنتجة من شروط مجحفة، لتكون هناك نقابات لكتاب السيناريو والممثلين والمخرجين وكل الفروع الفنية الأخرى. ولم تكن هذه النقابات أشبه بالجمعيات الخيرية كما هو الحال عندنا، إذ ينحصر تفكيرها فى "المعاش" أو "العلاج"، وإنما لكل نقابة "عقد" محدد لابد أن يلتزم به الجميع، ينص حتى على ساعات العمل أو الراحة أو الغداء أو الانتقال، فهل فكرت إحدى نقاباتنا الفنية فى ذلك؟ أو إذا كان موجودا، هل تراقب الالتزام به؟
باختصار، يدور العمل فى هوليوود – حتى بين الجبهات المتصارعة - بشكل "جماعى" فى كل شىء، حتى أن "النجوم" بجلالة قدرهم تضامنوا مع "الكومبارس" فى إضرابهم لتحسين شروط عملهم، بينما تبقى محاولاتنا فردية أقرب إلى صراع أهل المهنة الواحدة أنفسهم على اغتنام فرصة للعمل "وخلاص". كما أن هوليوود تعرف بالضبط ماذا تريد من الدولة، وماذا تريد الدولة منها، على عكس ما نرى عندنا من مطالبات من الدولة أحيانا بالدعم والمساندة، بينما يرفع آخرون شعار "رفع يد الدولة عن صناعة السينما". وفى الوقت ذاته، فإن هوليوود تسرع على الفور لخدمة القضايا الوطنية الأمريكية عندما تشعر بالمسئولية فى مد يد المساعدة، كما حدث فى تحولها المذهل فى بدايات الحرب العالمية الثانية من مساندة موقف أمريكا بعدم التدخل فى الحرب، بصنع أفلام تدعو إلى السلام، إلى إنتاج عشرات الأفلام الحربية عندما قررت الحكومة الأمريكية الانضمام إلى الحلفاء.
لم يطلب أحد من هوليوود ذلك، فقامت به من موقع الإحساس بأنها "مؤسسة" وطنية، حتى لو لم تكن تابعة للدولة، بينما تجد عندنا أفلاما فى الفترة الأخيرة تسخر – بالمعنى الحرفى للكلمة – من النضال الوطنى للشعب المصرى بشكل عام، وتوجه قدرا أكبر من السخرية إلى حرب أكتوبر وشهدائها!! وأرجو أن تقول لى متى فعلت هوليوود ذلك، حتى مع هزيمة أمريكا فى حرب فييتنام؟
نحن نضحك على أنفسنا عندما نردد أسطورة "هوليوود الشرق" تلك، بينما تبقى أمامنا أولا مهام أساسية، ليس من بينها مثلا – كما يردد البعض - تشجيع تصدير الأفلام المصرية، أو حمايتها من "القرصنة" (فالأفلام الأمريكية هى الأكثر تعرضا للقرصنة فى كل أنحاء العالم)، وإنما يجب علينا أولا، صناعا للأفلام ودولة، أن نعمل بشكل مؤسسى، ونتخلى عن نزعة فردية، انتهت بنا إلى حال السينما المصرية الآن، التى أصبحت لا تعانى فقط من أزمة، وإنما من مرض عضال مزمن، يبدو أنه ليس لديها له من شفاء.                                              

Sunday, April 05, 2015

أكذوبة السينما المستقلة



جرت العادة في مصر على أن يخترع أحدهم مصطلحا ما، لا يعني في العادة شيئا دقيقا، لكن سرعان ما يجري المصطلح على الألسنة وفوق صفحات الجرائد، بل يتسلل أيضا إلى ما يمكن اعتباره كتبا متخصصة. يحدث هذا الأمر في السينما المصرية كثيرا، مثل مصطلحات "سينما الواقعية الجديدة"، و"أفلام البطولة المطلقة"،  و"السينما الخالصة"، و"المضحكون الجدد"، و"أفلام ومسلسلات السيرة الذاتية" (وخذ بالك من "الذاتية")، وأخيرا "السينما المستقلة"، التي بدت في الآونة الأخيرة اكتشافا جديدا فى السينما المصرية، مع أن هذه السينما ظلت في الأغلب الأعم من عمرها وأفلامها... مستقلة!!!
هل يتطوع أحدنا لتقديم تعريف واضح لهذه السينما؟ هل هي الأفلام قليلة التكاليف، الخالية عادة من النجوم ذوي الأجور العالية؟ لقد كانت هذه هي الأفلام التي صنعت في الثمانينات، خلال فترة ما سمي "أفلام المقاولات"، حين كان الصحفي السابق الذي اكتشف فجأة قدرته على الإخراج ناصر حسين يصنع العديد من الأفلام، بأقل ميزانية ممكنة، حتى أنه يعتبر من أكثر مخرجي السينما المصرية غزارة طوال تاريخها. وقد كانت أفلام المقاولات تلك تلبي أيضا شروطا أخرى من تعريف السينما المستقلة كما نعرفها اليوم، فمخرجها في العادة كان مؤلفها، كما أنها كانت تعرف يقينا أنها لن تجد بدورها فرصة كبيرة للظهور في دور العرض، فكانت تذهب مباشرة إلى سوق شرائط الفيديو المزدهر آنذاك، مثلما يحدث الآن من استهداف ما يسمى أفلام السينما المستقلة للعرض على شاشات القنوات الفضائية، دون الاضطرار إلى البحث عن العرض في سوق بالغ الضيق، تحكمه ممارسات الاحتكار.
إذن هل هي السينما التي يقوم مخرجها بإنتاجها، في مغامرة يكسر بها هذا الاحتكار؟ فماذا يمكن لك إذن أن تسمي أفلاما أنتجها محمد خان لنفسه، وكاد أن يصل إلى حافة الإفلاس، في مغامرات فنية ناضجة مثل "فارس المدينة" أو "يوم حار جدا"؟ وهو ما ينطبق أيضا على ما فعله نور الشريف مثلا مع عشرات المخرجين في أفلامهم الأولى، مثل "ضربة شمس" لخان، أو "دائرة الانتقام" لسمير سيف، ولا يختلف الأمر كثيرا مع أحمد زكي عندما أصر على إنتاج "أيام السادات"، ليحقق حلما فنيا راوده طويلا.
أم أن السينما المستقلة هي التي تتبنى شكلا وأسلوبا جديدين، يبدوان على درجة كبيرة من الاختلاف مع ما تعرفه السينما السائدة؟ إذن لماذ لم نطلق مصطلح السينما المستقلة على أفلام مثل "المستحيل" لحسين كمال، أو "زوجتي والكلب" و"الخوف" لسعيد مرزوق، و"الحاجز" لمحمد راضي، و"التلاقي" لصبحي شفيق، بل أيضا "زائر الفجر" لممدوح شكري، أو "قليل من الحب كثير من العنف" لرأفت الميهي؟
أتراها إذن السينما التي تم تصويرها بالتقنيات الرقمية الأرخص والأسهل في التعامل معها؟ لقد فعل ذلك محمد خان في "كليفتي" وخيري بشارة في "ليلة في القمر"، وهذا هو ما تفعله الآن بالفعل "كل" أفلام السينما المصرية دون استثناء، سواء في مرحلة التصوير أو ما بعدها، بدءا بالمونتاج وحتى تصحيح الألوان والمزج الصوتي. فماذا يبقى إذن للسينما المستقلة أن تتفرد به، وتعرّف نفسها من خلاله؟ للأسف سوف تكون الإجابة صادمة للبعض، ولكن ما باليد حيلة، فلتكن الصراحة هي هدفنا، لكننا سوف نؤجل الإجابة قليلا، لننظر نظرة سريعة، بل خاطفة، في تاريخ السينما المصرية، التي كانت وستظل "مستقلة"!!
منذ بدايتها الأولى كانت هذه السينما تصنع أفلاما من أجل نوع من المغامرة، على نحو ما فعلت عزيزة أمير التي كانت بطلة ما يعتبر أول أفلام السينما المصرية "ليلى"، وقامت ماري كويني فيما بعد – مع زوجها أحمد جلال – بتكوين ثنائي فني من خلال شركتهما الخاصة "استوديو جلال"، كما عرفت السينما المصرية مغامرا بالمعنى الحرفي للكلمة مع الممثل المنتج المخرج (دون خبرة سابقة) أحمد سالم. ولم يكن غريبا أن ينتج صلاح أبو سيف لنفسه فيلما ترك فيه بصمته الفنية الخاصة به (وهي النزعة الطبيعية، وليست الواقعية) في فيلم "لك يوم يا ظالم" المقتبس عن رواية إميل زولا "تيريز راكان".
وحذا حذو أبو سيف، قبله وبعده، عشرات المخرجين الذين أنتجوا أفلامهم بأنفسهم، مستقلين عن أي شركة سينمائية كبرى، وأيضا دون تكوين شركة إنتاجية كبرى، فهكذا فعل مثلا هنري بركات، ومحمود ذو الفقار، وعز الدين ذو الفقار، وحسن الإمام، لتبدو أفلام كل منهم ذات علامة فنية مميزة بهم ولهم، حين أصبحوا "مستقلين" متحررين من أي شروط تمليهم عليهم شركة إنتاجية. وهذا ما سوف يفعله يوسف شاهين في مرحلة لاحقة، كذلك رأفت الميهي، وإيناس الدغيدي، وأسامة فوزي. بل لم يكن غريبا أن يدخل إلى الساحة أيضا كتاب سيناريو، مثل جليل البنداري الذي أنتج فيلمه "الآنسة حنفي"، أو وحيد حامد منذ "اللعب مع الكبار"، مرورا بأفلام مثل "طيور الظلام" و"معالي الوزير" وأفلام عديدة أخرى.  
ولم يتوقف الأمر عند المخرجين منتجين لأفلامهم، لكن كثيرا ما كان الممثلون والممثلات يفعلون ذلك، والذين يمكن أن نذكر من بينهم حسين صدقي بأفلامه ذات الطابع الأخلاقي المحافظ، وأنور وجدي بقدرته على تقديم "توليفة" جماهيرية فريدة، ناهيك عن عشرات نعجز هنا عن حصرهم، مثل يوسف وهبي، وفريد الأطرش، ومحمد عبد الوهاب، وعبد العزيز محمود، ومحمد فوزي. ومن التجارب "المستقلة" التي تحتل مكانا مهما في تاريخ السينما المصرية تلك الأفلام التي قدمها فريد شوقي عبر رحلته الفنية الطويلة، التي احتل في بدايتها مكانة بطل "الأكشن" في "جعلوني مجرما" و"النمرود" و"رصيف نمرة 5"، (وهي جميعا والأفلام التي سيأتي ذكرها من إنتاجه)، ليقدم بعدها – في مواكبة لـ"العهد الجديد" بعد ثورة يوليو 1952 - أفلاما ذات بعد سياسي رمزي كما في "الفتوة"، أو بعد سياسي مباشر كما في "بور سعيد". وعندما تقدم به العمر، قدم أفلاما ذات طابع ميلودرامي، مثل "البؤساء" و"الموظفون في الأرض" و"شاويش نص الليل".
لن تخطئ التعرف على محاولات إنتاجية مستقلة أخرى، لنجوم أرادوا صنع صورة نجوميتهم بأنفسهم، أو تغيير هذه الصورة أحيانا، بعيدا عن تحكم شركات كبرى في أعمالهم. فعلى هذا الدرب سار – على سبيل المثال لا الحصر – كمال الشناوي، وفاتن حمامة، وعماد حمدي، ويحيى شاهين، وماجدة. لكن ربما كان الأقرب لفريد شوقي في إرادته القوية في صنع صورة نجوميته هو نور الشريف، الذي كان بطلا لـ"الأكشن" في "دائرة الانتقام"، وللميلودراما في "قطة على نار"، والرومانسية في "حبيبي دائما"، والكوميديا الاجتماعية في "آخر الرجال المحترمين". كذلك فعل محمود ياسين منذ نهاية السبعينيات، بعد أن بدأت نجوميته الخاطفة في الخفوت، لينتج لنفسه أفلاما مثل "وضاع العمر يا ولدي" و"الجلسة سرية" و"نواعم". ومن أفضل أفلام السينما المصرية طوال تاريخها تلك الأفلام "المستقلة" التي أنتجها أبطالها من الممثلين والممثلات، مثل "عودة مواطن" ليحيى الفخراني (سوف ننسب الفيلم هنا لبطله ومنتجه)، و"المرشد" لمحمود الجندي (وهو فيلم مظلوم بحق)، و"سوبر ماركت" لنجلاء فتحي، و"سمع هس" لممدوح عبد العليم.
إن هذا لا يعني أنه كانت هناك "كيانات" إنتاجية كبرى (أو صغرى) في السينما المصرية، مثل استوديو مصر، أو شركة آسيا، ورمسيس نجيب، وحلمي رفلة، أو شركات القطاع العام. لكن مرة أخرى أليس من الغريب أن يكون فيلم "درب المهابيل" للمخرج توفيق صالح، من إنتاج شركة عابرة لم تنتج سوى هذا الفيلم، تدعى "شركة أفلام النجاح"؟ وفي الحقيقة أن هذه الكيانات الإنتاجية لم تكن تمثل سطوة احتكارية على السوق إلا فى السنوات الخمس عشرة الأخيرة، حين سيطر اقتصاد الاحتكار على كل شيء، لكن لا يبقى في الذهن من هذه الكيانات، وفي سوق الإنتاج أيضا، سوى عدد محدود للغاية، مثل شركتي السبكي وإخوان العدل. والغريب أن الشركتين بدأتا بطموح فني لا ينكر، فالسبكي صنع أفلاما مثل "المشبوه" و"حب في الزنزانة" و"النمر والأنثى"، و"الرجل الثالث"، لينقلب على أعقابه بعد "اسماعيلية رايح جاي" لينتهي إلى "عوكل" و"حاحا وتفاحة". وفي مسار مشابه بدأ إخوان العدل بأفلام مثل "حرب الفراولة" و"إشارة مرور"، لينتقلوا بدورهم إلى "صعيدي في الجامعة الأمريكية" و"جاءنا البيان التالي" و"اللي بالي بالك".
إنك كثيرا ما تسمع فنانينا يصرخون بأعلى صوتهم، مطالبين "الدولة" بأن ترفع أيديها عنهم حتى ينالوا "الاستقلال"، لكنك تسمع منهم أيضا صرخات تطالب الدولة ذاتها بأن تنتج "لهم" أفلاما!! تلك المفارقة هي أحد أوجه أزمتنا الثقافية، وهي الأزمة التي قد أستطيع أن ألخصها لك في وقائع حضرتها. كان ذلك أيام أن ظهرت في السوق السينمائية المصرية شركتان قامتا بشراء معظم أفلام هذه السينما، وبدا أن هناك رغبة في احتكار هذه الأفلام، مع وعد (غامض ومؤجل كالعادة، ولم يتحقق قط) ببناء مئات دور العرض، وإنتاج عشرات الأفلام. وبينما كنت من بين الذين رأوا هذين الكيانين عشوائيين، كان رد بعض صناع الأفلام "الثوريين": كيانات عشوائية كبيرة أفضل من كيانات عشوائية صغيرة (هكذا بالنص، في برنامج في التليفزيون المصري).
وسارع هؤلاء السينمائيون إلى أصحاب هاتين الشركتين، وكل منهم يسعى للحصول على عقد لصنع فيلم له. للأسف لم يفكر معظمهم في حال السينما، أو كونها مستقلة أم لا، فالأهم بالنسبة لهم الوصول إلى حل فردي ما. وهذا الحل الفردي هو أكثر ما يميز ما يسمى "السينما المستقلة" في الآونة الأخيرة، فالمهم هو صناعة فيلم، بتمويل من منظمة أوربية ما، ولبيعه لقناة فضائية ما، دون أن يفكر صناع هذه الأفلام في تكوين اتحاد يضمهم معا، يتشاركون فيه في صنع الأفلام بعيدا عن أسلوب اقتناص فرصة "وخلاص"، ويفكرون فيه بجدية في إنشاء منافذ ونوافذ لعرض أفلامهم، حتى تكتسب جمهورا جديدا.
لم نتطرق إلى المستوى الفني لأفلام ما يسمى "السينما المستقلة"، والتي هي بتعبير أدق "سينما الحل الفردي"، لأن ذلك يتجاوز هدفنا هنا في هذه المساحة، لكننا أردنا أن نشير إلى أن الحل الفردي هو السمة الغالبة في إنتاج السينما المصرية، التي يحلو للبعض أحيانا أن يطلق عليها "هوليوود الشرق"، لكن تلك أكذوبة أخرى!!

Sunday, March 08, 2015

بين عبد الحليم حافظ وأحمد زكى




بين النهاية المرحة السعيدة لأفلام عبد الحليم حافظ ، والنهاية المتشائمة الحزينة لأفلام أحمد زكى، فارق هائل بين عصرين كأنهما ينتميان لعالمين مختلفين تماما، ومع ذلك فإن هناك بين النهايتين والعصرين والعالمين صلة عميقة، تتجلى فى تلك الغلالة من الشجن والحزن التى تلفهما، وتعبر دائما عن شوق عارم للحياة وحرب ضارية ضد الموت، بالمعنى الحقيقى والمجازى معا. هذا هو الخيط الرقيق الدقيق الذى لا يكاد يرى ـ وإن يكن قويا بحق ـ بين صورة النجم عبد الحليم والنجم أحمد زكى، قد يرى البعض أنه تجمعهما بعض الملامح الظاهرية لكن الحقيقة أن الذى يجمعهما هو التجربة المشتركة، ولعل هذا هو السبب فى أن صناع فيلم "حليم" الذى لم يعرض بعد اختاروا أحمد زكى بطلا له برغم ـ أو بسبب؟! ـ مرضه الشديد خلال مرحلة التصوير، حتى أنه لن يرى كيف استطاع أن يجسد عبد الحليم لأنه رحل عن عالمنا.
على السطح فإنه يمكنك أن تجد فى التجربة المشتركة بينهما نفس الظروف التى تجمعهما مع ملايين المصريين فى آلاف القرى المصرية الصغيرة : الواقع الاقتصادى الصعب، ومحنة فقد أحد الوالدين أو كليهما، ورحلة المعاناة الطويلة للبحث عن مكان تحت الشمس، لكن ماكان يفرقهما عن غيرهما فهو ذلك الإيمان الذى لا يتزعزع بأن الله أعطى كلا منهما موهبة يجب الحفاظ عليها وصقلها واستغلالها حتى الرمق الأخير، فلا تبقى فى الكأس قطرة واحدة من الموهبة لم يرتشفها ويذق حلاوتها ومرارتها.
فى الجانب الآخر، تستطيع أيضا أن تستفيض فيما يجمعهما من قسمات الوجه المجهد والعينين الذابلتين وإن كانتا تفيضان بالحياة، لكن البصمة التى تركها عبد الحليم وأحمد زكى لا تتوقف أبدا عند تلك الجوانب من حياة وملامح كل منهما، فالأهم هو أن تجربتهما فى عالم الفن استطاعت أن تعبر عن بطلين من زمانين مختلفين، القاسم المشترك بينهما هو "الصدق" فى هذا التعبير، لكن ماأبعد الفرق بين بطل وآخر، مات الأول ماديا ومعنويا لأنه عانى من الانكسار بعد الانتصار، بينما مات الثانى لأنهم لم يمنحوه فرصة الفرحة بالنجاح الذى حققه، بل سرقوه منه وأعطوه كابوسا لا ينتهى ومايزال يجثم على الصدور.
عندما ظهر عبد الحليم فى الخمسينات كانت مصر والوطن العربى كله فى حالة بحث عن الهوية، بحث عن المستقبل دون فقدان للماضى، وكما كان هذا العصر يمثل على المستوى السياسى جسرا بين مرحلة وأخرى، كان صوت عبد الحليم هو الجسر بين كلاسيكية محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش، وشعبية وتلقائية محمد فوزى وعبد العزيز محمود، لذلك لم يكن غريبا أن يتسم أداء عبد الحليم بالرصانة والسهولة معا، كما كانت صورته على الشاشة تمثل شباب الطبقة المتوسطة الذى يحلم، ويجد بين يديه أدوات تحقيق حلمه، بأن يحقق ذاته. ولم يكن غريبا أيضا أن تجد فى بعض أفلام عبد الحليم ملامح ولمحات من حياته الشخصية، فبين "لحن الوفاء" (1955) لابراهيم عمارة و"شارع الحب" (1958) لعز الدين ذو الفقار، تتردد سمات الطفل اليتيم الذى عاش طفولة بائسة، والشاب المكافح الذى يبذل كل ما يستطيع لكى يحقق المجد والشهرة. وبرغم أن هذه الأفلام لا تخلو من التوليفة الميلودرامية الغنائية التقليدية، فإنها صنعت بطلا له ملامح جديدة، والمفارقة هنا أن هذه الملامح كانت بسبب عدم امتلاك عبد الحليم لدقائق "حرفة" التمثيل، فكانت التلقائية والصدق هما مفتاح نجاحه الحقيقى، فهو كأبناء الطبقة المتوسطة يعوض قلة الخبرة بالجهد الفائق.
أرجو أن تتأمل على سبيل المثال كيف عبر عبد الحليم عن نموذج "الطالب" فى "الوسادة الخالية" (1956) الذى لم يفقد فيه مخرجه صلاح أبو سيف اهتمامه بالتفاصيل الحية، فأتى الفيلم نموذجا نادرا من الرومانسية والواقعية، فى تلك التيمة التى تتحدث عن الحب الأول الذى قد يستحوذ على الفتى على نحو نبيل حزين، غير أن الحياة التى تسفر عن جديد كل يوم تفتح أمام البشر دروبا يبلغون بها نضجهم العاطفى، ولتتأمل أيضا تلك المشاهد التى تجمع بين بطل عبد الحليم وأبيه (عبد الوارث عسر) الذى يضع أمام الابن حقائق الحياة بقدر عميق من البساطة والشجن.
كانت رومانسية عبد الحليم وواقعيته هما رومانسية وواقعية ذلك الزمن وطبقته الوسطى، بينما أتى بطل أحمد زكى الذى ظهر فى نهاية السبعينات تعبيرا عن أن أحلام الطبقة الوسطى باتت قبض الريح، تحت تأثير متغيرات داخلية وخارجية عاصفة. كانت حواديت عبد الحليم تبدأ بالأسى وتنتهى بالفرح، بينما كانت حواديت أحمد زكى تمضى فى الاتجاه المعاكس، خاصة أن أحمد زكى كان بتكوينه الجسمانى والنفسى مرشحا منذ البداية لأن يعبر عن صورة "المقهورين"، سواء هؤلاء القادمين من الحضيض ليحاولوا خوض رحلة الصعود الاجتماعى لكن سعيهم ينتهى إلى الفشل، أو أبناء الطبقة الوسطى الذين أصبحوا عاجزين عن تحقيق أحلامهم، أو حتى المثقفين الضائعين التائهين فى زحام الحياة. وفى فيلمين مبكرين لأحمد زكى ترى هذه الصورة من القهر، ففى "شفيقة ومتولى" (1978) يذهب متولى ليعمل بالسخرة فى حفر قناة السويس، ويترك أخته شفيقة بلا عائل يحميها من نهش الرجال الذئاب، وعندما يعود يكون عليه أن يصبح قاتلا للأخت لكى يحافظ على القانون "الأخلاقى" لمجتمع لم يضع فى منظومته الأخلاقية مكانا لهؤلاء المقهورين. وفى "اسكندرية ليه" (1979) ليوسف شاهين يدفع الفتى الفقير ابراهيم وحده ضريبة العمل السياسى، بينما ينعم الأثرياء بالحياة فى تحلل وفساد كاملين، ليسأله محاميه الطيب العجوز (محمود المليجى) فى سخرية مريرة : "وعايزنى أكسبها؟!".
عشرات الأفلام سوف تجسد تنويعات على هذه الصورة، مثل "موعد على العشاء" (1981) لمحمد خان، الذى نرى فيه أحمد زكى فى صورة الحلاق البسيط الذى يحاول أن يجد لقصة حبه الصادق نهاية سعيدة لكن الأثرياء يقتلونه بقسوة لا تعرف الرحمة، وفى "العوامة 70" لخيرى بشارة جسد دور المخرج التسجيلى الذى يرى الفساد أمام عينيه لكنه ينتهى إلى شعور قاهر بالعجز عن أن ينطق بالحقيقة التى يعلمها، وفى "الحب فوق هضبة الهرم" (1986) لعاطف الطيب يصور عجز ابن الطبقة المتوسطة عن أن يجد مكانا يأويه وحبيبته التى تزوجها، وفى "الهروب" (1991) لعاطف الطيب يجسد بطلا مأساويا حاول أن يعيش بكرامته فى مجتمع ليس فيه مكان إلا للثروة أو النفوذ. لكن أرجو أن تتأمل صورتين متناقضتين له فى "البرىء" (1986) لعاطف الطيب و"زوجة رجل مهم" (1988) لمحمد خان، بين الجندى الأمى الريفى الساذج، والضابط القاسى المتسلط ، ففى الفيلمين دفاع حار عن كرامة الإنسان فى مجتمع أصبح فيه العفن والفساد يتسللان إلى كل الأركان حتى انتهى إلى ما نحن عليه اليوم.
بطريقته حاول عبد الحليم أن يقدم دفاعه عن هذا الإنسان كما حاول أحمد زكى أيضا، برغم الفارق الهائل بين الملابسات التى اكتنفت عصر كل منهما، فارق كأنه الهوة الفاصلة بين الأحلام والكوابيس، ولكن لأنهما كانا صادقين حتى الثمالة فى هذا الدفاع عن الإنسان فإنهما مايزالان يعيشان بيننا حتى اليوم، لأننا نحتاج بضراوة إلى أن نقف ضد كل أشكال الموت الذى يريدون أن ننتهى إليه حتى ونحن أحياء، وبفضل مثل هؤلاء الأحباب ـ الأحياء الموتى أو الموتى الأحياء ـ فإنننا سوف نظل نتمسك بالحياة.

Monday, February 02, 2015

"نوح"، و"الخروج"، و"حلاوة روح"... عن المنح والمنع وفضاء الإنترنيت ودولة المؤسسات



كثيرا ما تراودني صورتان ساخرتان، الأولى من وحي خيالي أما الثانية فمن وحي خيال من يقومون على أمورنا، أي "الحكومة" التي ما تزال في أذهاننا منذ الطفولة هي "العسكري" الذي يخيفون به الأطفال، عندما تقول الأم لولدها: "هل ستنام أم آتي لك بالعسكري"!! والصورة التي من وحي خيالي هي أننا – نحن أهل مصر في الفترة الأخيرة – نبدو أقرب إلى سكان "حارة سد"، لا يخرجون منها أبدا إلى الميدان الذي تفضي إليه، ليس خوفا وإنما اكتفاء بحياتنا داخل هذه الحارة. ولأننا لا نعلم شيئا حقيقيا عما يدور خارجها، تدور أغلب تصوراتنا عن العالم من حولنا حول مفاهيم مغلوطة، أو مضحكة في بعض الأحيان. والغريب في الأمر أننا برغم الفضاء المفتوح الذي يمكن به أن نخرج إلى الميدان، وبرغم ما يمكن أن نصف به حالتنا بالجهل، فإننا نبدو مكتفين ومستمتعين به، ولا نصغي لحظة واحدة لمن ينصحنا بأن نصحح تصوراتنا بأن يتشجع بعضنا ويخطو إلى خارج الحارة، ليقول لنا الحقيقة حول حالنا.
أما الصورة الساخرة الثانية، والتي هي من صنع "الحكومة"، فهي القول بأننا "بلد مؤسسات"، بينما الكثير من تصرفات هذه الحكومة ذاتها تثبت أننا لسنا بلد مؤسسات "ولا حاجة"، فالكثير من القرارات يتم اتخاذه عفو الخاطر، أو بالقفز على الجهات المسئولة عن إصدار هذا القرار، ويكفيك أن تكون مسئولا كبيرا لكي لا يسألك أحد عن تصرفاتك، ويطيعك الجميع طاعة عمياء.
اجتمعت هاتان الصورتان الساخرتان في الآونة الأخيرة أكثر من مرة، في مجال الثقافة السينمائية التي أنتمي إليها، والمفارقة أن هذا قد حدث في حالات يصعب فيها أن تجتمع، لولا أن "مسئولا" هنا أو هناك قرر أن يتخذ القرار ذاته، بمنع عرض فيلم ما، سواء كان ذلك الفيلم هو "حلاوة روح" أو "نوح" أو "الخروج". ومصدر حيرتي هنا، والتي لا تخلو من سخرية مريرة، هو السؤال حول من اتخذ هذا القرار، هل هو الجهة المنوط بها ذلك؟ أم أن مثل هذه الجهة ليست إلا إدارة حكومية، شُغلتها أن تسمع كلام المسئول الأكبر وتقوم على تنفيذه؟
أقول لكم الحق أنني أعتقد يقينا أن اتخاذ مثل تلك القرارات في مجال السينما (وغيرها كثير في كل المجالات) تشير دائما إلى أننا ما نزال نخلط بين مفهومي "الدولة" و"الحكومة"، فأجهزة الدولة هي تلك التي لا تأخذ أوامرها من أحد، وهي تتمتع بالاستقلال في قراراتها، أيا كانت الحكومة، والتي من المفترض أنها ليست إلا سلطة تنفيذية تقوم على تنفيذ قرارات "الدولة". ولأضرب لك مثلا بـ"إدارة الأغذية والأدوية" الأمريكية (إف دي إيه)، فهي التي تقرر صلاحية وفاعلية الغذاء والدواء، وهي لا تتبع وزير الصحة مثلا أو أي مسئول حكومي آخر، فلها نظامها المستقل تماما في اتخاذ القرارات. كذلك "مفوضية الاتصالات الفيدرالية" (إف سي سي)، التي تقوم في أمريكا على كل ما له صلة بالبث الإذاعي والتليفزيوني، بدءا بتحديد ترددات البث، وانتهاء بقانونية هذا البث ذاته، فلكل مادة مذاعة (وحتى الإعلانات) لها مضمون يجب ألا تخرج عليه، وزمن للإذاعة مناسب للفئة العمرية التي تتوجه إليها.
تلك هي "المؤسسات"، حيث لا أحد يتصور أن "الحرية" تتيح له فعل ما يشاء وقتما يشاء، كما هو الحال عندنا للأسف الشديد، وليس هناك أيضا مسئول حكومي يستطيع أن يتدخل بقراراته في عمل هذه المؤسسات، كما يحدث عندنا أيضا للأسف الأشد. لقد طرحت على نفسي سؤالا عند تكرار منع الأفلام في الفترة الأخيرة، من قام بمنعها؟ رئيس الوزراء؟ الوزير؟ ضغوط الأزهر؟ لكن أين "الرقابة على المصنفات الفنية" من ذلك كله، والتي تم تجاهلها تماما، ونظل مع ذلك نقول أننا بلد مؤسسات؟ وبالطبع فإن بعض الناس، ممن يحبذون طريقة اتخاذ هذه القرارات، يقررون بدورهم أن من حقهم رفع دعوى قضائية على كاتب السيناريو والمخرج والممثلين (وربما المتفرجين أيضا)، و"بهدلتهم" في المحاكم، جزاء وفاقا على صنعهم هذا الفيلم أو ذاك!!
للعلم، ربما ليس هناك فيلم أمريكي لم يتعرض في أمريكا ذاتها لاحتجاجات من جماعات ضغط مختلفة، لكن هذه الاحتجاجات تكون موجهة لمؤسسة الرقابة التي منحت للفيلم ترخيصا بالعرض حسب الفئة العمرية المناسبة لمشاهدته، وليس للفنان صانع الفيلم، وذلك لأن هناك – بحق – مؤسسة للرقابة لا تأخذ أوامرها من أي مسئول، وهي المنوط بها وحدها السماح بعرض الفيلم أو منعه، إلا إذا قرر صانع الفيلم ألا يحصل على مثل هذا التصريح، ليصبح حرا في عرضه كيفما يشاء، لكنه في هذه الحالة يكون معرضا للملاحقة القضائية ممن يرى أن الفيلم ينتهك أمرا ما، عندئذ يكون "الفنان ذنبه على جنبه"، لأنه تجاوز مؤسسة الرقابة.
ولن ينصلح حال السينما في مصر إلا بوجود "رقابة" قوية، لكنها غير الرقابة التي تتبع وزارة الثقافة (وكانت أيام زمان تتبع وزارة الداخلية!!)، رقابة تابعة للدولة مباشرة، ومكونة من أعضاء يمثلون الجوانب المختلفة من صناعة السينما، وليسوا موظفين عند أحد، وعليهم أن يعلموا أيضا أن دورهم هو الدفاع عن حرية الإبداع في كل جوانبه، ما دام هذا الإبداع لم يخرج على القواعد التي وضعتها هذه المؤسسة الرقابية. وكمجرد مثال، لقد كان على الرقابة أن تدافع عن فيلم "حلاوة روح"، فقط لأنها هي التي منحته ترخيصا بالعرض، وليس من حق أحد – حتى رئيس الوزراء – أن يلغي هذا الترخيص، وهذا بالضبط هو الحكم القضائي الذي انتهى إليه الأمر.
وبالمنطق ذاته، نتساءل: من منع عرض فيلم "نوح" أو "الخروج"؟ وما أسباب هذا المنع؟ (تقول الرقابة أن هذا الفيلم الأخير لم يعرض عليها أصلا!!). والبعض يخمن أن السبب الحقيقي هو عدم الصدام مع رجال الأزهر – والسلفيين أيضا، ولنكن صرحاء مع أنفسنا – الذين يقولون بعدم جواز تمثيل دور صحابي أو نبي، دون أن يكون هناك أي نص ديني حول ذلك. بل إن أفلاما مصرية قديمة قدمت صحابيين مثل بلال بن رباح في فيلم "بلال مؤذن الرسول"، أو عمار بن ياسر في "ظهور الإسلام"، دون أن يثير ذلك أي مشكلة من ذلك النوع الذي يثيرونه الآن، حول أن صورة "الممثل" – التي هي شائنة عند رجال الدين! – سوف تختلط بصورة الصحابي، فهل حدث ذلك مع يحيى شاهين أو عماد حمدي في الفيلمين المذكورين؟ كما أننا كنا في طفولتنا نشاهد – حتى في دور عرض المدن الصغيرة – أفلاما حول حياة السيد المسيح، دون أن يثير ذلك في نفس أكثرنا سذاجة أي توحد بين صورة الممثل والشخصية التي يؤديها.
ومن إخفاء الرؤوس في الرمال أن ننكر أن النزعة السلفية قد باتت تسيطر على حياتنا في أمور شتى، وتأخذ أشكالا متنوعة، لذلك فإن علينا أن نواجه هذه النزعة برؤية تنظر نحو المستقبل وليس نحو الماضي. ومن إخفاء الرؤوس في الرمال أيضا ألا نعترف أنه لم تعد هناك حواجز تمنع رؤية أي فيلم تريده، من خلال وسائل الاتصال الحديثة، لقد استطاع كاتب هذه السطور – عبر الإنترنيت - الحصول على نسخة ممتازة من فيلم "نوح"، ومعه ملف الترجمة العربية له، بمجرد طرح قرص الــ"دي في دي" في أمريكا، كما استطعت الحصول على نسخة متوسطة من فيلم "الخروج" وهو ما يزال في دور العرض، ولأن شريط الصوت ضعيف إلى حد ما، فإن هناك ملفا مكتوبا للحوار المنطوق يمكنك أن تعرضه متزامنا مع الصورة على شاشة الكومبيوتر.
لم أتأثر لحظة واحدة بتجسيد راسيل كرو لشخصية النبي نوح، لكنني عرفت كيف يفكر الأمريكيون (السلفيون أيضا بالمناسبة!!) في استغلال الأنبياء لتبرير العنف، حتى بتدمير العالم من أجل إيجاد "نظام عالمي جديد"، ولم أتعاطف لحظة واحدة أيضا مع كريستيان بيل وهو يجسد النبي موسى، الذي رأيته هنا بطلا لحكاية خرافية لا وجود فيها لشعب مصري على الإطلاق، فقومه (الذين يسميهم الفيلم يهودا، بينما كان اسمهم حتى ذلك الحين "العبرانيين") هم الذين يصنعون كل شيء، لذلك سوف يسخر المتفرج من أن مصر استمرت تبني الحضارة بعد خروجهم منها، كما كانت قبل دخولهم إليها.
وهنا نأتي إلى مبرر منع عرض مثل هذه الأفلام، بحجة عدم تعريض المتفرج المصري لمثل هذه الأكاذيب، وكأن المسئول الكبير يمارس نوعا من "الأبوة" على الناس، بينما هذه السلطة في هذه الحالة في يد مؤسسة الرقابة وحدها (مرة أخرى: المؤلفة من أهل صناعة السينما، وليس من موظفين تابعين للحكومة). وأرجو مخلصا أن يجيبني أحد على تساؤلي حول تعريض المتفرج المصري لأشياء يقال عنها أنها "أفلام" من النوع الذي تنتجه السينما المصرية الآن، وعدم تعريضه لأفلام هي على الأقل متقدمة تقنيا لكي يعرف ما يرى الناس في العالم من حوله؟ وكم عدد من يشاهدون أفلاما أجنبية، بالمقارنة مع زبون الفيلم المصري الآن؟ وهل استطعنا حقا منع مشاهدة الفيلم وتحميله من على الإنترنيت، في زمن لم تعد مثل هذه الحواجز الرقابية تمثل أمرا حاسما؟
يقودني ذلك كله إلى الصورة الساخرة الأولى التي بدأت بها كلامي، عن الحارة التي نرفض الخروج منها، متصورين أننا "أحسن ناس في العالم" دون أن تكون لدينا معرفة حقيقية بهذا العالم. وعودة إلى مجال الثقافة السينمائية الذي أنتمي له بشكل ما، فإنني لم أجد سوى كتابات متناثرة حول "نوح" أو "الخروج"، معظمها يقع في دائرة الكتابة الصحفية وليس النقدية، كما لا أجد اهتماما جادا بما يحدث في العالم، ولم يحدث في أي عام أن عرضت جمعية سينمائية مثلا الأفلام المرشحة لأوسكار أفضل فيلم أجنبي، لكي نعرف إلى أين وصلت السينما في أشكالها ومضامينها، وحتى الكتابة عن أفلام الأوسكار الأمريكية ليست إلا ترجمة لمادة صحفية، لا تضيف شيئا للقارئ سوى بعض الأسماء التي سوف ينساها بعد أيام.
مصدر سخريتي المريرة هو أن هناك منفذا للحارة يؤدي إلى الميدان، أكثر من أي وقت مضى. لقد كنا منذ أربعين عاما نلهث بين المراكز الثقافية الأجنبية لنرى أفلاما لا تقدم في دور العرض التجارية، أما الآن، وفي عصر أصبحت هذه الأفلام متاحة بيسر بالغ، فلا أحد يراها إلا بشكل عابر ومتفرق، ومن هواة السينما أكثر من المشتغلين بالثقافة السينمائية. وهنا أجد المسئولية موزعة على جانبين: موظفي الحكومة الكبار الذين يمثلون عائقا أمام وجود حقيقي لدولة مؤسسات، وعاملين في مجال الثقافة السينمائية، أصبحت هذه الثقافة بالنسبة لهم "أكل عيش"، وليست رسالة في تعميق وعي الجمهور بالأشكال والمضامين التي وصلت إليها السينما في العالم.
فهل من سبيل لخروجنا من الحارة؟؟