Sunday, January 09, 2011

مجانين الإعلانات فى نعيم



لا شك أننا نعيش فى عصر الإعلان الذى يحاصرنا فى كل مكان، فلا تكاد تدير مفتاح التليفزيون أو تضغط على الريموت كونترول حتى تنهال عليك الإعلانات التى ابتلعت البرامج بداخلها وشفطت معها حياتك، تماما كما حدث فى فيلم كوميدى إيطالى للممثل والمؤلف والمخرج ماوريتسيو نيكيتى يحمل عنوان "سارقو النجفات"، يبدو فى ظاهره تنويعا ساخرا على فيلم دى سيكا الشهير "سارقو الدراجات"، لكنه فى أعماقه يحمل سخرية مريرة من عصرنا الاستهلاكى الذى لم تعد فيه سرقة دراجة تتم بدافع الجوع ولقمة العيش، وإنما لأن الإعلان خلق لدينا احتياجا زائفا لأشياء قد يمكننا أن نعيش بدونها، بل من المؤكد أننا سوف نعيش على نحو أفضل بدونها، ولكن ماذا يفعل بطل الفيلم وقد وجد نفسه مبتلعا ـ بالمعنى الحرفى للكلمة ـ داخل جهاز تليفزيون يقوده مثل "أليس فى بلاد العجائب" إلى عالم ملون بديل عن عالمه الحقيقى؟
تبدو الإعلانات دائما كالأحلام، وهو ما يتضمن أن حياتنا الحقيقية ينقصها شئ ما، لكن دور الإعلانات الاستهلاكية أنها لا تخبرك أبدا بالأشياء الحقيقية التى تنقص حياتنا لكى تصبح حياة جديرة بأن نحياها، وإنما تشتت انتباهك وتحكى لك عن أشياء زائفة وتعدك بحياة افتراضية هى فى الحقيقة "يوتوبيا" مشوهة. فلنبدأ من نقطة الصفر : يقول لك الإعلان أن تلفزيونك لا يعرض لك الألوان المبهجة لهذه اليوتوبيا، ويقترح عليك أن تشترى ـ الآن وفورا ـ تليفزيونا من الماركة "الفلانية"، ولكى يؤكد لك صدق كلامه فإنه يعرض عليك شاشتين إحداهما ذات ألوان باهتة والأخرى زاهية الألوان، وربما أدركت بفطنتك الخدعة وقلت لنفسك : "إذا كان تليفزيونى قد عرض بالفعل الألوان الزاهية فما حاجتى لتليفزيون آخر؟"، وهنا سوف يلاحقك إعلان آخر تظهر فيه الممثلة الفاتنة، تلتقطك أنت بالذات من بين ملايين المشاهدين وتدعوك أن تقترب بإشارة من إصبعها وابتسامة ونظرة تعيد الشيخ إلى صباه، وعندما تلبى إشارتها ممنيا النفس بالقرب فسوف تفاجأ بأنها ليست إلا شاشة تليفزيون ماركة "اللى بالى بالك"، فهو كما يقول الإعلان "حقيقى أكثر من اللازم"!
آه من "أكثر من اللازم هذه"، وياليت أصحاب هذه الإعلانات والسلع يعرفون أنها بالفعل أكثر من اللازم فى مجتمع يعانى من أزمات عميقة فادحة، وتعيش فيه الأغلبية تحت خط الفقر حيث يجدون بالكاد قوت يومهم، ويمضون لياليهم فى قلق من الغد، حيث لا توجد ضمانات لحقوق إنسانية بسيطة كالعلاج والمسكن، لكن لا تقلق فمبدأ الإعلانات هو "اللى ما يشترى يتفرج"، والإعلان سوف يسألك لماذا لا تنضم للألف أسرة فى "نعيم لاند" حيث حمامات السباحة والجولف؟ وصحيح : لماذا لا تفعل فتصبح هناك ألف أسرة وواحدة فى النعيم ولتذهب الأسر الباقية من المصريين إلى "جحيم لاند"؟ وإذا زنقت معك خالص فإن هناك إعلانا يؤكد لك أنه "لو اتصلت بنمرة كذا ممكن تكسب شقة"، مع الاعتذار لوزارة الإسكان لأنها لا تملك هذه النمر السحرية لآنها مشغولة فى "نمر" أخرى، أما إذا انشغل بالك بقلقك على صحتك فلتضع فى بطنك بطيخة صيفى لأن هناك من يجمع التبرعات ويستجدى المحسنين أن "يتصلوا الآن" من أجل مشروعات غامضة لعلاجك.
هل أنت طماع ياأخى ولدينا كل أرقام هذه التليفونات التى تغنيك عن مطالبة الدولة بحقوقك أو عن سؤال اللئيم؟ فكل شئ فى حياتنا الآن مرهون بذلك القمار التليفونى الذى من حقنا أن نشك فى النوايا وراء إثارته وتكريسه على هذا النحو، وتأكيد قيم البلادة والشعور بأننا لا نعيش فى وطن وإنما فى ناد للقمار حيث الركون للحظ الأعمى بالإجابة عن أسئلة بلهاء، ناهيك عن الشك فى مشروعية هذه النشاطات التى تذكرك بمؤامرة شركات توظيف الأموال التى ماتزال حتى اليوم تنتظر من يكشف عن التحالفات الغامضة وراء إنشائها وذيوعها، ومن المؤلم أن الشعب المصرى مايزال يتعرض للنصب فى كل المجالات مرة بعد أخرى لننسى سريعا ونصبح ضحايا عملية نصب جديدة، لكن على كل حال فإن العملية هذه المرة لا تحتاج لإنشاء مقر للشركة المزعومة وموظفين وأوراق وحسابات وإكسسوارات وكومبارسات، فكل الحكاية رقم تليفون،و نرجو من شركة الاتصالات الحكومية أن تدلنا على قانونية بيعها لهذه الأرقام التى تستخدم لنشاطات وهمية، لكننا نعرف مسبقا أن الشركة لن ترد ربما لآن تليفوناتها مرفوعة من الخدمة!
هناك فى الحقيقة جانب آخر من القضية، وهو أن قطاعا كبيرا من الاقتصاد المصرى قد توجه أخيرا ـ وبرعاية حكومتنا الرشيدة ـ إلى نشاطات ليست لها علاقة من قريب أو بعيد بالانتاج أو معدلات التنمية التى صدعوا أدمغتنا بها، ولكن إلى نشاطات خدمية تدر أرباحا هائلة من خلال رأسمال محدود، وتأتى التليفونات المحمولة على رأس هذه النشاطات، ولتتأمل الإعلان الذى يصور كل فئات الشعب المصرى وقد خرجت من رأسه ـ بالمعنى الحرفى للكلمة ـ إشارة الإرسال، وإذا صرفت النظر عن الأخطار الصحية الناجمة عن إشارة رأسك، فإن هذا يعنى ترسيخ مفهوم "الاتصال بدلا من التواصل"، ناهيك عن هول الأرقام التى تترجم مكاسب هذه الشركات، فهل فكر أحد الاقتصاديين فى دراسة دورة رأس المال فى الهواتف المحمولة ويقارنها ـ مثلا ـ بتلك التى فى صناعة الدواء؟
تقول لك الإعلانات ألا تشغل بالك كثيرا بمثل هذه الهموم، فالقمح الأمريكى ـ وعلى علبته ألوان ونجوم العلم الأمريكى ـ بديل عن القمح المصرى المأسوف على تاريخه الممتد لآلاف السنين، وشركات "الطعام النفايات" ـ كما يسميها الأمريكيون أنفسهم ـ ترعى الأيتام وتأخذ بالها منهم، والسينما الأمريكية تطل برأسها فى الإعلانات فى كادرات ولقطات مسروقة بالمسطرة من أفلام مثل "المرأة القط" و "مدينة الخطيئة"، ونجوم السينما المصرية أحمد ( السقا وعز وعيد ) سوف يدعونك لقرقشة البطاطس المقلية وشرب الحاجة الساقعة، أما المغنية الفلانية فيكفى أن تجلس براحتها أمام الكاميرا وتمص المشروب بينما تصدر أصوات فحيح الانبساط. وإن كنت تسأل من أين تأتى بالمال الذى يسهل لك شراء كل هذه السلع فهناك إعلان يبشرك أن "الملايين ـ الأرانب ـ هاتجرى وراك بعشرة جنيه بس يامؤمن"، ولا داعى لخوفك من الضرائب فى إعلان لا ندرى كم تكلف وإلى من يتم توجيهه وماهى المكاسب التى تحققت منه، بينما يتعرض المواطن المصرى الغلبان لكل أنواع الضرائب منذ لحظة ميلاده حتى مماته. وإذا كنت مثلى تدعو إلى التغيير فهناك إعلان يؤكد لك أن التغيير قد تم فعلا لأن "طعم السمنة إتغير"!! لعلك تفكر الآن ساخطا فى أن تسأل هؤلاء الإعلانيين :"كل هذه الإعلانات وتريدون أن تدخلوا الجنة؟"، لكنهم مظلومون معنا لأنهم جعلونا نعيش فى جنة بالفعل عندما طيروا البرجين الفاضلين فى رؤوسنا، وحولونا إلى مجانين، والمجانين ـ كما تعلم ـ فى نعيم!

No comments: