Thursday, December 30, 2010

"ويندى ولوسى": أمريكا فى زمن الضياع


الأفلام مثل الموسيقى، هناك أفلام تشبه الأغنيات الرخيصة التى قد تجذب قطاعا كبيرا من الجمهور، ثم سرعان ما تنتهى إلى الزوال، مثلما كان الحال مع "لولاكى" إن كنتَ تتذكرها، وهناك أيضا أفلام جادة مبهرة تذكرك بالسيمفونيات التى قد تبدو عصية على التذوق الكامل، لكن التلاعب بالتوزيع الأوركسترالى الضخم والفخم، على طريقة تشايكوفسكى مثلا، يشد المتلقى لسماعها، وهناك أخيرا أفلام شديدة الاقتصاد فى أسلوبها وتقنياتها، ليس لديها الكثير من عوامل الجذب الجماهيرى، سوى تلك الألحان التى تبدو قادمة من أعماق الروح، وبناء فنى لا يفصح عن نفسه بسهولة، مثل رباعيات بيتهوفن الوترية، التى تحتاج منك أن تعطى لها نفسك، وعندئذ فقط تكشف لك هذه الرباعيات عن أسرارها.
عندما شاهدت فيلم "ويندى ولوسى"، بناء على نصيحة ابنى السينمائى الشاب خالد، تذكرت على الفور تلك الرباعيات الوترية، وفهمت لماذا أعطى النقاد الأمريكيون للفيلم درجات كبيرة على موقع "ميتاكريتيك"، بينما لم يمنحه الجمهور إلا درجات قليلة، وهذا التناقض يعود فى رأيى إلى أن النقد السينمائى لم يعد فى الفترة الأخيرة يبذل جهدا كبيرا فى التواصل مع المتفرج والقارئ، حين كاد الخط الفاصل بين النقد الجاد والتحقيق الصحفى أن يتلاشى، فكانت النتيجة أننا تركنا الجمهور لسينما تتسابق فى إبهار المتفرج وغسيل مخه، بل إحيانا – مثلما يحدث فى أفلامنا – فى تشويه أحاسيس المتفرج وتحويله إلى كائن متبلد.
لم يعرض فيلم "ويندى ولوسى" فى الأسواق العربية عرضا جماهيريا، لأن الموزعين وأصحاب دور العرض، مثل معظم المنتجين وصناع الأفلام، يخفون شراهتهم للمال وراء شعار "الجمهور عايز كده"، بما يعنى أن الجمهور "مش عايز" الأفلام من نوعية "ويندى ولوسى". وإذا كان هذا الموقف يمثل مصادرة مسبقة على حق المتفرج فى أن يرى ويحكم بنفسه، فهذا الموقف لن يزيد إلا من موقف الجمهور الرافض لهذه الأفلام لأنه لا يعرفها أصلا، عملا بالمقولة المصرية الشائعة والتى توردنا أحيانا موارد التهلكة: "اللى تعرفه أحسن من اللى ماتعرفوش"!
سوف نحاول هنا أن نجعل من فيلم "ويندى ولوسى" من نوعية "اللى تعرفه"، لعل ذلك يصنع يوما تيارا يطلب السينما بمعناها الرفيع، أو على الأقل يطالب بحقه فى أن يرى كل نوعيات الأفلام. ولأن الفيلم غير متاح فى دور العرض، برغم سهولة الحصول عليه من الإنترنيت، فإننا لن نخشى هنا أن نحكى للقارئ حكايته، فربما كان ذلك دافعا لأن يبحث عنه ويستمتع بمشاهدته. ولعلى لا أذهب بعيدا عن الحقيقة حين أقول أن معرفة القارئ بتفاصيل حكاية الفيلم سوف تزيد من متعة مشاهدته، فالحكاية ذاتها شديدة البساطة، لكن جمالها فى طريقة حكايتها، أو كما يقولون فى علم الجمال أنه ليس من المهم فقط "ماذا" تقول، لكن "كيف" تقوله أيضا.
نحن فى البداية بالقرب من مخزن لقطارات البضائع على أطراف مدينة صغيرة فى شمال الغرب الأمريكى، نرى حركة القطارات البطيئة ونسمع أصواتها الرتيبة المنتظمة، ثم ننتقل إلى أحد المروج القريبة حيث نشاهد الفتاة ويندى (ميشيل ويليامز) تلاعب كلبتها لوسى شديدة الذكاء. الفتاة ترتدى قميصا وسروالا قصيرا حتى أنها تشبه الصبيان، خاصة فى قَصَّة شعرها القصير، ووجهها الخالى من آثار مساحيق التجميل، والكاميرا تتحرك حركة بانورامية بطيئة لتوحى لك بإحساس مطمئن تتمنى فيه كمتفرج لو امتدت وطالت تلك اللحظة من الوداعة والسلام. تختفى الكلبة لوسى عن أنظار ويندى فيتسلل بداخلها إحساس بالخوف، حتى تجد كلبتها عند مجموعة من الشباب والشابات، هم أقرب إلى الصعاليك المشردين، ويدور حوار قصير نعرف منه أن ويندى مسافرة على الطريق، لقد أتت من ولاية بعيدة وتنوى إكمال رحلتها إلى ألاسكا، حيث تقول أن هناك فرصة للعمل فى مصنع لتعليب الأسماك، فى نفس الوقت الذى يحكى فيه الصعاليك عن أنهم عائدون من نفس المكان الذى تنوى ويندى أن تذهب إليه.
وهكذا وبلمسات شديدة الرهافة، يضع الفيلم أمامك فكرته الدرامية: فتاة وحيدة ليس لها فى العالم من صديق حميم إلا حيوانها الأليف، وحلم بالذهاب إلى آخر العالم بحثا عن عمل، وربما هربا من ظروف خانقة، لكنك تعرف أن هذا الحلم ليس ورديا بأية حال عندما ترى الصعاليك العائدين منه. وهنا سوف أتوقف بك قليلا لنتأمل ما يسمى "سياسات السينما"، التى لا علاقة مباشرة بينها وبين السياسة بمعناها الدارج، لكنها علاقة صانعى الفيلم بالشخصيات والعالم الذى يصورونه، بما يؤدى بهم إلى قرارات تقنية وجمالية محددة. إن صانعى الفيلم لن يخبروك بأية تفاصيل "معلوماتية" عن ويندى، فكأنهم لا يعلمون عنها الكثير سوى ما تعرفه أنت، لذلك فإنهم لن يتدخلوا بينك وبين ما تراه على الشاشة، وسوف يكتفون فقط "بتسجيل" العالم كما هو بأقل قدر من التقنيات. وأرجو أن تلاحظ على سبيل المثال أنه لا يوجد فى الفيلم "فلاش باك" يفسر ويشرح، وليست هناك حركة "زووم" واحدة تجعلك تقوم بالتركيز على عنصر درامى دون آخر ... قل فى النهاية أن هذا هو العالم أمامك، وعليك أن تفسره وتتفاعل معه بالطريقة التى تختارها.
لكن الفيلم لن يخلو أيضا من "سياسة" على نحو ما، ولم يخطئ النقاد الأمريكيون حين لاحظوا أن جانبا من مضمون الفيلم يصور أمريكا فى نهاية عصر بوش وفى أعقابه، أناس على الطريق، بدأوا من واقع طرَدَهم إلى حلم متواضع بالبحث عن لقمة عيش فى ظروف أفضل. ولعل القارئ يلاحظ أننى أستعين هنا بشهادة النقاد الأمريكيين فى الجانب السياسى، لأن الكثير من نقادنا يتصورون أن القراءة السياسية للأفلام هى نوع من التعسف! بل إن هذا الموقف السياسى فى الفيلم يتجسد فى شكل فنى فى أن كل الشخصيات هى بشكل أو بآخر امتداد أو انعكاس للبطلة ذاتها، وهو ما يطلق عليه "البناء المفتوح" فى الدراما.
فلنعد إلى الحكاية: ويندى لا تملك من المال لتكمل رحلتها إلا بضع مئات قليلة من الدولارات، تظل تعيد حسابها المرة بعد الأخرى فى خوف من نفادها قبل أن تصل إلى غايتها، وهى تبيت لياليها على الطريق بداخل سيارتها الصغيرة العتيقة مع كلبتها لوسى، لكن السيارة لن تدور فى الصباح، فتضطر إلى دفعها إلى طريق جانبى، بعيدا عن مكان خال يحرسه حارس عجوز (والى دالتون)، كل ما يفعله طوال يومه هو أن يقف على قدميه دون أن يعرف بالتحديد ما هو ذلك الشئ الذى يقوم بحراسته سوى هذه الأرض الخاوية. تستعين ويندى بدورات المياه فى محطات الوقود على الطريق لكى تغسل وجهها فى الصباح، وتغير بعض ملابسها، وتجمع من الغابة القريبة بعض المعلبات الفارغة وتذهب لبيعها، لكنها تجد طابورا طويلا من جامعى هذه المعلبات فتتراجع عن فكرتها. تذهب ويندى إلى متجر قريب، وتختلس علبة طعام لكلبتها، فيمسك بها أحد الفتيان العاملين فى المتجر، ويسلمها إلى رئيسه فى العمل، مؤكدا لكى يثبت كفاءته أن القانون يجب تطبيقه على الجميع.
من أجل علبة طعام الكلاب يقودون ويندى إلى الشرطة، فتترك كلبتها مقيدة إلى جوار المتجر، وبعد ساعات طويلة يفرجون عنها بعد أن تدفع غرامة، لتعود فلا تجد لوسى حيث تركتها. لا تستغرب أن تكون الكلبة الأليفة هى صديقها الوحيد فى هذا المجتمع، فهذا ما سوف يتأكد توا: إن ويندى تتصل بأختها فى الولاية البعيدة التى أتت منها، فلا تتلقى سوى عبارات فارغة من أية مشاعر أو تعاطف، فتبيت الليلة وحدها فى السيارة، وإن كانت تخرج بين الحين والآخر فى الظلام تنادى على لوسى فى لوعة، دون أن تسمع سوى صدى صوتها. فى الصباح التالى، وبنصيحة من الحارس العجوز، تذهب ويندى إلى حظيرة الكلاب الضالة فى المدينة فلا تجد لوسى، وأرجو أن تتأمل هنا كيف تستعرض الكاميرا، المتحركة ببطء وتمهل، أقفاص الكلاب الضالة التى تنظر إلى الكاميرا، إن وراء كل منها قصة ربما تكون مماثلة، مثلما أن قصة ويندى يمكن أن تتكرر فى هذا المجتمع القاسى الذى قد نصنع له صورة مثالية مغايرة للحقيقة، برغم أنه ليس فى النهاية إلا مجتمعا ينقسم إلى من يملكون ومن لا يملكون.
حتى الملاذ الأخير لدى ويندى الذى تبيت فيه، سيارتها القديمة المعطلة، سوف تفقدها عندما تذهب بها إلى ورشة تصليح السيارات، ولا تجد سوى الغابة تنام فيها، وهناك تستيقظ فى الليل على صعلوك متشرد يهذى بأنه ليس مجرما إذ يطالب بحقه كإنسان، ثم يختفى، لكن الهلع يسيطر على ويندى فتمضى هائمة فى شوارع المدينة فى الليل، وتلجأ إلى دورة المياه تختفى فيها وتبكى، لكنها تنظر فى المرآة الملطخة وتواسى نفسها وتشجعها على الاستمرار فى الرحلة. الآن عرفت ويندى أن السيارة أصبحت متهالكة تماما ولن تساوى تكاليف إصلاحها التى لا تملكها، وعندما تعثر على لوسى أخيرا تكتشف أن رجلا مقتدرا قد آواها. تتسلل ويندى إلى حديقة منزل الرجل، وهناك تلتقى ولوسى فى مشهد مؤثر بحق، لكنها بعد لحظة تدرك أن عليها أن تتخذ القرار الصعب، أن تترك لوسى هنا على أمل لا تدرى إن كان سيتحقق بالعودة لها عندما تمتلك المال، وفى لقطتين قريبتين لوجهى ويندى ولوسى يشعر المتفرج بلوعة هذا الفراق، وتمضى ويندى وحيدة لتتسلق أحد قطارات البضاعة الراحل إلى ألاسكا، من مخزن القطارات حيث بدأ الفيلم، وكأنه يرسم القوس الأخير للنهاية التى ما تزال مفتوحة.
أخرجت الفيلم كيلى ريتشارد، التى شاركت فى السيناريو مع كاتب القصة جون ريموند، كما اشتركت فى مونتاجه أيضا، وهو فيلم "مستقل" بالمعنى الحقيقى للكلمة، وذو ميزانية متواضعة تماما، حيث تم تصويره فى مواقع التصوير الحقيقية باستخدام الضوء المتاح، وشريط للصوت حافل بالمؤثرات الصوتية الطبيعية على الطريق السريع إلى جوار مدينة صغيرة، كما أنه مستقل فى فكرته ومعالجته، إنه من نمط "فيلم الرحلة" لكنه يقف عند نقطة من هذه الرحلة متأملا، نقطة اللاعودة وضرورة الاستمرار نحو المجهول، عندما تجد الشخصية الرئيسية نفسها محاصرة بأنها "لا تملك" فى مجتمع لا يعرف قيمة إلا لمن يملكون، ونحن نجد أنفسنا بدورنا محاصرين مع الشخصية، ووجود الكلبة لوسى فى هذه الحبكة هو الذى يتيح الفرصة لأكبر قدر من التوحد بيننا وبين البطلة، إذ يعطيها أبعادا لا تملك إلا التعاطف معها. ومن خلال براعة هائلة من كل الممثلين دون استثناء، تصدق أن هذه الشخصيات حقيقية، وأن الفيلم "يسجل" واقعا لم يخلقه أو يختلقه، وهو ما يجعل الفيلم درسا حقيقيا لسينمائيينا الشبان الباحثين عن سينما مستقلة بحق، إنه الدرس الذى يعلمك ألا تصنع "لولاكى" مثل آلاف غيرك، وإذا لم تكن قادرا على صنع السيمفونيات المبهرة فقد تكون قادرا على تأليف رباعية وترية شديدة الاقتصاد والبلاغة معا، وإن كان ذلك يحتاج إلى وعى سياسى وجمالى حقيقى، ليتنا نمتلكه يوما.