Thursday, August 10, 2017

أسطورة التصنيف العمري للمسلسلات: ماذا يملك المتفرج أن يفعل؟



                                  
                                                        

ظهرت في الموسم الرمضاني الأخير للدراما التليفزيونية "موضة" بدت للوهلة الأولى حلا لمشكلة ملحة، فبسبب الشكاوى المتكررة، سواء من أفراد أو مؤسسات، من احتواء المسلسلات على مضمون قد لا يكون مناسبا للمتفرج، الذي يفاجأ في هذا المشهد أو ذاك بما لا يجب أو لا يحب أن يراه أطفاله مثلا، فقد اخترع صناع الدراما حيلة "التصنيف العمري"، التي تحاكي – جزئيا – ما تصنعه دول أخرى، وهي ظهور علامة في بداية المسلسل، أو حتى قبل ظهور المشهد المثير للجدل، تقول رأيهم في عمر الجمهور الذي يفترض أنه يمكن أن يتعرض لمثل هذا المضمون، لكن تلك الحيلة لن تعني في حقيقتها، بهذا الشكل الذي نستخدمه، سوى إلقاء الكرة في ملعب الجمهور، وكأن صناع الدراما يقولون للمتفرج: ها نحن قد أدينا واجبنا وحذرناك، وعليك الباقي!
نحن في الحقيقة نكرر نفس الخطأ الذي نرتكبه في كل المجالات، وهو أننا نقرأ نصف النظرية، ونهمل نصفها الثاني، أو قل نأخذ منها جانبها السهل، بينما نتعمد أن نترك الجانب الذي تقع فيه مسئوليتنا. فهذا الحل الوهمي لمشكلة ما يجب أن يعرض على شريحة عمرية معينة دون الشرائح الأخرى، يكتفي بالمقولة السخيفة: "الريموت" في يدك، إن لم يعجبك ما نعرضه لك غيّر القناة. نقول إنها مقولة سخيفة لسبيين، الأول هو أن التخطيط البرامجي للأغلب الأعم من قنواتنا التليفزيونية لا يراعي مطلقا مناسبة توقيت إرسال مادة بعينها على شريحة عمرية محددة، فكل تليفزيونات العالم تخصص – على سبيل المثال – فترة الصباح للأطفال قبل سن المدرسة، والساعات الأولى من ما بعد الظهيرة للشريحة التالية التي تكون قد عادت من مدارسها، لكن تليفزيوناتنا لا تعترف بهذا التخطيط، فنفس المادة التي تعرض في المساء هي ذاتها التي يعاد عرضها في الصباح التالي. أما السبب الثاني فهو أننا اعتدنا، نحن أولياء الأمور، على أن نقوم بتشغيل التليفزيون للأطفال، كنوع من الإلهاء والتسلية لهم، وحتى يتركونا نؤدي أعمالنا، فقل لي بالله عليك كيف تحمي طفلك من مواد تليفزيونية غير مناسبة يتم عرضها في غيابك؟ وماذا تجدي علامة التصنيف العمري عندئذ؟
هناك إذن شيء ناقص في هذه المعادلة، وهو أن نملك "القدرة" أو "السلطة" على التحكم في عرض ما نراه مناسبا دون الآخر، أو بكلمات أخرى إذا كان التصنيف العمري يشبه النظام الديموقراطي، الذي يتيح لك الاختيار، فما هي "الأداة" أو "الوسيلة" التي يمكن بها تطبيق هذه الديموقراطية؟ سوف نؤجل الإجابة عن هذا السؤال بالغ الأهمية في هذا السياق إلى آخر المقال، لكن دعنا أولا نلقِ نظرة على مفهوم التصنيف العمري للمواد التليفزيونية، وهو مفهوم ينطبق على أي مادة يذيعها التليفزيون، فيما عدا نشرات الأخبار والفقرات الإعلانية، أي أنه ينطبق على البرامج الحوارية والمنوعات أيضا.
يقترب مفهوم التصنيف العمري للمواد التليفزيونية كثيرا من ذلك الذي يتم تطبيقه في عالم السينما، وهو يهتم بمضامين محددة مثل الجنس، والعنف، واللغة البذيئة أو الفاحشة، أو المواقف التي تحتوي على إيحاءات جنسية، أو استخدام الخيال في مشاهد العنف (كما يحدث كثيرا في أفلام التحريك الموجهة للأطفال)، والأكثر جدلا هو المواد التي تحتوي على أفكار معقدة تحتاج إلى عقل ناضج لاستيعابها. وبدلا من استخدام أسلوب "الرقابة" التقليدية، المفروضة من مؤسسة ما، يُكتفى بتصنيف المادة حسب ما يلائمها من أعمار المشاهدين، خاصة أن تجربة الرقابة عند التطبيق العملي قد تواجه معايير غير دقيقة للحكم، أو بالأحرى فإن لجنة رقابية ما قد تسمح بما حظرته لجنة أخرى، بسبب كون التقييم يخضع للتقدير الشخصى المطاط، لذلك فإن استخدام التصنيف العمري هو الأنسب، وهو الذي يترك الأمر في نهاية المطاف بين أيدي أولياء الأمور، مع مراعاة الشرط الذي أشرنا إليه سابقا، وهو منحهم الأداة التي يمكنهم بها حرية الاختيار.
والتصنيفات العمرية الأشهر في هذا السياق هي ما يتم تطبيقه في الولايات المتحدة، بنظام تم تطبيقه منذ يناير 1997، ويقضي بعرض علامة في أعلى يسار الشاشة لمدة خمس عشرة ثانية في بداية المسلسل أو البرنامج، وهذه العلامة تخبر أولياء الأمور بالشريحة العمرية المناسبة، مع إتاحة الفرصة لمعرفة هذا الأمر قبل ذلك بالطبع من خلال الصحف والمجلات التي تهتم بالتليفزيون بتوضيح هذه المعلومات مسبقا. وهذه التصنيفات هي: لكل الأطفال، للأطفال فوق السابعة من العمر، لكل الأعمار، للأطفال في وجود شخص بالغ، للمراهقين فوق الرابعة عشرة من العمر، وأخيرا للكبار فقط أي ما فوق السابعة عشرة من العمر. وقد ينطبق تصنيف ما على إحدى حلقات مسلسل دون بقية الحلقات، لكنه لا يستخدم – كما هو الحال عندنا في نوع من إبراء صناع العمل لذمتهم – في مشهد ما بعينه داخل حلقة، لكنك سوف ترى بقدر قليل من التأمل كيف أن معظم مسلسلاتنا تحتوي حتى في أدق تفاصيلها على ما يجب خضوعه للتصنيف العمري، وما يحتم ضرورة تمكين المتفرج من عرض مادة دون أخرى على شاشة جهازه التليفزيوني.
فلنبدأ بما يقولون أنه "كوميديا"، في تلك المسلسلات التي يفترض أنها تذاع بعد الإفطار مباشرة، في الفترة الأكثر مشاهدة بالنسبة للصغار. لقد أصبحت الكوميديا في المسلسلات المصرية تعني الغلظة، والفجاجة، وهو ما يظهر واضحا للعيان في ميل الممثلين للمبالغة الممجوجة، لكن الأمر يتعدى التمثيل ليطال مضمون هذه الأعمال "الكوميدية" ذاتها. وسوف تستولي عليك الحيرة حقا من أن معظم هذه الأعمال يتناول العلاقة بين الرجل والمرأة، على نحو يكرس النظرة التقليدية للمرأة. وفي مسلسلي "هربانة منها" و"ريّح المدام" سوف يكون "الفورمات" أو الشكل الذي تقوم عليه الدراما هو الحلقات المنفصلة المتصلة، التي تتناول في أغلب الأحوال زوجة متمردة ومحاولات زوجها ترويضها.
وبالإضافة إلى ما يندرج تحت "الأفكار المعقدة" التي تقتضي الخضوع للتصنيف العمري، يحتوي المسلسلان على محظورات رقابية قد لا تصلح حتى للكبار فقط. ففي "ريّح المدام" هناك على الدوام لغة بالغة البذاءة تستخدمها كل الشخصيات، مع السخرية من شخصيات حقيقية، ناهيك عن استخدام البلاهة – بالمعنى الحرفي للكلمة – كعنصر يفترض أنه كوميدي، مثل الطبيب النفسي (أكرم حسني) الذي يجد لذة في أن يدفع مرضاه للانتحار، أو الإيحاء الجنسي البذيء مثلما يحاول البطل (أحمد فهمي) أن يقنع أمه (رجاء الجداوي) أنه ابنها، فيصرح لها بسر يعرفه كلاهما: :"أبويا خانك مع الشغالة وأنا عندي تلات سنين"!! وبالطبع فإن هذه اللغة الفجة سوف تسود أيضا "هربانة منها"، بنكات لا توحي بأي فكاهة: "الأسانسير وقع عليه بقى زي التونة المفتتة"، أو اعتراف رجل بأن امرأته تخونه: "مراتي بتستغل سفري كتير ومقضياها مع عشيقها أعز أصحابي"، أو حتى الإيحاء بالشذوذ الجنسي عندما يسأل البطل (مصطفى خاطر) أحد أفراد عصابة ما: "مالكش في الستات، أومال مالك في إيه؟".
بالقطع فإن مثل تلك اللغة والأيحاءات يجب ألا تصل لأسماع وأنظار أطفالنا، لكن الأمر كما ترى ليس بيدنا، لأن صناع هذه الأعمال قاموا بما يتصورون أنه حدود مسئوليتهم، ووضعوا علامة التصنيف العمري!! إن الأمر يزداد سوءا مع أردأ أعمال أحمد مكي الذي كان قريبا من قلوب الجماهير، خاصة الأطفال، في شخصية "الكبير قوي"، إنه يظهر هذا العام في مسلسل خيال غير علمي على الإطلاق، يمارس فيه بعضا مما يهواه من التقليد الساخر لأنماط فيلمية معينة، هي هنا أفلام ما بعد دمار العالم، لكن مرة أخرى يغرق المسلسل في اللغة البذيئة، وتميل المواقف إلى الفظاظة، بل يحلو للمسلسل بين الحين والآخر العودة لمشاهد العنف والتعذيب، أيضا فيما يفترض أنه كوميديا!
يقف "عفاريت عدلي علام" موقفا أشبه بـ"السَلَطة البلدي"، فهو خيال غير علمي، وسياسة، لكن هل خطر على بال أحدهم ما يمكن أن يستقر في ذهن الأطفال – أو حتى بعض الكبار – وهم يتفرجون على عمل يحكي عن العفاريت؟! إن التأثير النفسي لمثل هذه التيمة لن تكون سوى اقتناع الأطفال بما تمارسه العفاريت في التحكم في أقدارنا، وليذهب أي تفكير علمي إلى الجحيم! (في أحد المشاهد الأخيرة يجد صناع المسلسل لذة في مشهد عذاب العفريتة –  غادة عادل - وهي تختفي إلى الأبد من حياة البطل عادل إمام).
قارن ذلك الرعب في أحد المشاهد بالرعب المستشري في "كفر دلهاب"، ولتضف إلى ذلك غموضه وتعقيد موضوعه، واحتوائه على مشاهد التعذيب والقتل بالذبح على الشاشة، وجاذبية خيال السحر والسحرة. بل إن مسلسلا "يبدو" جيدا مثل "واحة الغروب" يقع أيضا في مأزق الموضوع المعقد (في الحقيقة أنه الموضوع الذي فشل صناع المسلسل في أن يجدوا له تيمة محورية)، والمعارك الدموية، والعنف ضد المرأة، ومشاهد الموت البطيء وطقوس الدفن!
كثيرا ما أشرنا إلى عيب أصيل في أعمالنا الدرامية، وهو تصور أن مشاهد الصراخ والبكاء والعويل والموت ضرورية لإقناع المتفرج بالجهد المبذول في العمل، وقد يقول لك البعض إن معظم أعمال شكسبير تتضمن العديد من القتلى، لكننا نذكرهم فقط أن شكسبير لم يكن يلتذ بعرض هذه المشاهد على المسرح مباشرة، فكم مرة – مثلا – شاهدت "ماكبث" وهو يقتل خصومه؟ وحتى في عمل آخر نال استحسانا مثل "ظل الرئيس"، تناثرت الجثث في مشاهد تفصيلية، بعد معارك ليس فقط بإطلاق الرصاص ولكن أيضا بالمصارعة والملاكمة. إنه العنف الذي ساد أيضا في "كلبش"، وزادت عليه الشتائم واللغة السوقية، حتى أن بعض الحلقات احتوت على مشاهد متتالية، بها شخصيات مختلفة، لكنها تشترك جميعا في تبادل السباب على طريقة "وحياة أمك" و"يا ابن الحرام" وما هو أكثر قبحا.
وبالطبع فإن الجنس سوف يتناثر هنا وهناك، سوف تجده في "الحرباية" لأنه جوهر وجود هيفاء وهبي كبطلة للمسلسل، وسوف تجده في "رمضان كريم" في الخيانات الزوجية، وفي "أرض جو" في زوجة مالك شركة الطيران التي تعشق زوج ابنتها، أو صاحب الشركة الذي يعين موظفا لرغبته في البقاء قريبا من زوجة الموظف. ليست هذه كلها سوى "بعض" الملاحظات التي تقتضي تصنيفا عمريا، لكن حان الوقت لكي نعرف الوسيلة للاستفادة الحقيقية منه.
لقد جاء الحل فيما يسمى "رقاقة أو شريحة في" V Chip، وهي شريحة إلكترونية أصبحت موجودة في "كل" أجهزة الاستقبال التليفزيوني في أمريكا وكندا والبرازيل منذ بداية عام 2000، وهي تمكن أولياء الأمور من إيقاف استقبال جهاز التليفزيون لشريحة عمرية ما، وضبطها لكي تلائم الشرائح الأخرى، ولكن هذا يقتضي أن تعمل محطات الإرسال ذاتها بطريقة التشفير، الذي يتيح عمل هذه الرقاقة، أي أن المسئولية مشتركة، فالإرسال ملائم لشريحة عمرية بعينها، ويبقى على ولي الأمر أن يترك الاستقبال مفتوحا أو يوقفه.
هذا ببساطة هو أسلوب الحياة في المجتمعات الديموقراطية الناضجة، السلطة تتيح لك الاختيار، لكن الأهم هو أن تعطيك الوسيلة لتطبيق هذا الاختيار، وأرجو أن يكون هذا الأسلوب الديموقراطي هو اختيارنا في المستقبل القريب.