Monday, March 04, 2013

فيلم "خمس كاميرات مكسورة"

من المؤكد أن وصول فيلم عربي للترشيحات النهائية لمسابقة الأوسكار السنوية يعتبر حدثا فريدا، ليس فقط لأنها المسابقة الأهم على مستوى العالم، على الأقل من الناحيتين الدعائية والتجارية، ولكن لأنها أيضا تلقي الضوء على البلد المنتج للفيلم المرشح، وصناعته السينمائية، ناهيك عن الجوانب السياسية فيه. ومن المؤكد أيضا أن معظم بلدان العالم تغتنم هذه الفرصة لتحقيق مكاسب على كل المستويات، حتى لو كان الفيلم روائيا أو يتناول فترة أصبحت من الماضي البعيد من تاريخ هذا البلد، فكيف الحال وقد وصل هذا العام فيلم تسجيلي، يتحدث عن "هنا والآن"، عن أخطر قضية عاشها ويعيشها الشعب العربي، وسوف يعيشها حتى يستعيد أرضه وكرامته... ذلك هو الفيلم الفلسطيني (الذي شاركت في إنتاجه جهات عديدة) "خمس كاميرات مكسورة"؟! للأسف مر هذا الحدث مرور الكرام، برغم أهمية الفيلم وموضوعه ومضمونه وشكله، وبرغم أن هذه الفرصة قد لا تسنح لنا مرة أخرى قريبا!! يشير عنوان الفيلم "خمس كاميرات مكسورة" إلى الكاميرات التي استخدمها صانع الفيلم اللسطيني عماد برناط، خلال رحلة طويلة من تسجيل كفاح قريته الصغيرة بلعين ضد الجدار العازل الذي تقيمه قوات الاحتلال الإسرائيلي، الكفاح الذي أصبح يشكل الحياة اليومية لأهالي القرية، وأفراحهم وأحزانهم، ومرة بعد أخرى كانت الكاميرا تُكسر على يد الجنود الصهاينة، ليحمل صانع الفيلم كاميرا أخرى، ويواصل كفاحه. قد يبدو للبعض أن اقتران كلمة "الكفاح" بالسينما نوعا من المغالاة، لكن الحقيقة أن الكاميرا السينمائية يمكن أن تصبح بندقية (هل من الغريب أن تكون هناك كلمة واحدة بالإنجليزية للتعبير عن "الطلقة" و"اللقطة"؟)، ومن يحمل الكاميرا وسط أهوال القضايا الساخنة لا يقل أبدا عن الجندي، خاصة في مجال السينما التسجيلية. فهذا النوع من السينما يقوم بمهام بالغة الخطورة قد لا نكون في عالمنا العربي قد أدركنا أهميتها وخطرها بعد، فهي لا تقوم بالتوثيق فقط للحدث، لكنها تنقله إلى كل مكان، لتجعل الجميع مشتركين فيه، حيث لا مجال للتنصل بأن أحدا لا يعرف. ولعل من الأمثلة المهمة في هذا السياق لقطة أصبحت أيقونة في عالم السينما التسجيلية، لطفلة تجري عارية هاربة من قنابل النابالم التي كانت الطائرات الأمريكية تلقيها على المدنيين في حرب فييتنام، فهذه اللقطة تركت تأثيرا كبيرا في الرأي العام الأمريكي، الذي تحول بعدها للوقوف ضد هذه الحرب الظالمة. وللأسف غابت السينما التسجيلية العربية كثيرا عن قضايانا الملحة، وما تزال غائبة إلى حد كبير، وإذا كانت القضية الفلسطينية هي بالنسبة لنا القضية المحورية، ليس فقط لأنها تمس شعبا عربيا يعاني من حرمانه من وطنه، وإنما لأنها هي القضية التي يحدد موقفك منها كل مواقفك الأخرى من قضايا الوطن: الاستقلال والكرامة والتقدم والعدالة. لكن برغم هذا الغياب، يمكننا أن نتعقب فيلمين مهمين سابقين من الأفلام التسجيلية التي تناولت قضايا فلسطينية، لندرك أهمية هذه السينما. الفيلم الأول هو "الطريق 181"، الذي اشترك فيه الفلسطيني ميشيل خليفي مع إيال سيفان الذي رفض أن يعيش في إسرائيل، بعد أن تيقن أنها تمثل وجها فاشيا للاستعمار الغربي. وعنوان الفيلم يشير إلى الخط الذي وضعته الأمم المتحدة في عام 1947 ليفصل بين دولتين، الأولى لشراذم الصهاينة وعصاباتهم، والأخرى للفلسطينيين الذي طُردوا من أرضهم. وفي الفيلم يقطع المخرجان رحلة طويلة من الجنوب إلى الشمال، متتبعين هذا الخط الذي انتهكه الصهاينة طويلا، بل كان سببا في اندلاع حروب عدوانية عديدة ضد العرب، طوال ما يزيد على خمسين عاما من رسمه. وفي الفيلم يتبدى دائما وجه عنصري بغيض من جانب الصهاينة، وقد ترى أحيانا يهوديا عريبا مهاجرا من بلد عربي، ليحكي لك عن أنه لم يجد بعد هجرته "وطنا" بالمعنى الحقيقي، لكن الأغلب هو أن تسمع من "الإسرائيليين" قولهم أنهم يتصورون العالم أفضل لو تمت إبادة الفلسطينيين. ولا يتورع الصهاينة عن استخدام تعبيرات "نازية" بالمعنى الحرفي للكلمة، حيث يتحدثون عن "محرقة" للعرب، ويخبرك أحدهم في صفاقة استعمارية صريحة: "سوف نتخلص من أهم مشكلاتنا لو فعلنا مع العرب ما فعلته أمريكا مع الهنود الحمر"!! وفي لحظة كاشفة يذكِّر صانعا الفيلم بعض الصهاينة، بالقصة التوراتية التي تحكي عن النبي سليمان، الذي أتته امرأتان تتنازعان طفلا، ليأمر سليمان بتقسيمه بينهما، ليطرحا السؤال: من التي ارتضت بالتقسيم، الأم الحقيقية أم الأم الزائفة؟!! يمكنك أن تجد الإجابة في فيلم تسجيلي آخر، هو "جنين جنين" للممثل السينمائي والمسرحي محمد بكري، إنه الفيلم الذي يسجل لتدمير مدينة جنين على يد المحتل الإسرائيلي، فالأم الزائفة، اللصة، لا تتورع عن التدمير، لأن ما يتم تدميره ليس وطنها، وإنما الأرض التي تنوي اغتصابها حتى لو كانت خرابا. وبرغم أنه كان من الممكن لمحمد بكري أن يكتفي بشهرته التي وصلت إلى مصاف العالمية، فقد قرر استغلال هذه الشهرة لكي يطرح على العالم كله قضية شعبه، ليسجل شهادات سكان مخيم ومدينة جنين، اللذين اجتاحتهما القوات الصهيونية، وقتلت المئات ودفنتهم تحت الأنقاض، ولم تترك حجرا أو شجرا في مكانه، إذ اقتلعت الجرافات الإسرائيلية الجمادات والأحياء من جذورها، لكن الفيلم يقول لك ببساطة ودون أي تصنع أن من المستحيل أن تقتلع شعبا من جذوره. لقد منعت إسرائيل الأمم المتحدة من إرسال لجنة تقصٍ للحقائق في جنين، فقرر بكري أن يقدم هذه الشهادة للعالم كله، ويسجل مقابلات مع من عاشوا المذبحة واستطاعوا البقاء على قيد الحياة، العجائز والأطفال، الرجال والنساء، الأصحاء والمعوقين، والجادين والساخرين... وقد نرى طفلة أو رجلا يحكيان عن ألم المعاناة، والاستمرار مع ذلك في المقاومة، لينفجرا في البكاء بسبب الشعور أن الجميع قد تخلى عنهم. وفي أحد مشاهد الفيلم ينفجر رجل بالصراخ: "وينك ياالله؟"، ليتمتم بعدها: "أستغفر الله العظيم". هذا إذن شعب قرر أن يحارب وحده واحدة من أشرس القوى العسكرية في العالم، قرر أن يقاوم بكل الوسائل الممكنة، ومنها "سلاح" السينما التسجيلية، التي استخدم من أجلها عماد برناط "خمس كاميرات مكسورة"، وسوف نراه في الفيلم قد تعرض لجرح بالغ كاد أن يودي بحياته، مما دفع زوجته لنصحه أن يتخلى عن الكاميرا، ويفكر في أسرته وأبنائه الأربعة، لكنه برغم الكاميرات المكسورة لا يعرف معنى لانكسار الإرادة، ويصنع فيلمه عبر سنوات طويلة، ويذهب لحضور حفل الأوسكار بعد ترشحه للتصفيات النهائية، ليتعرض للاحتجاز ساعات طويلة في المطار هو وأسرته، لولا تدخل السينمائي التسجيلي مايكل مور!! لقد اعتبرته السلطات الأمريكية التي تزعم الديموقراطية إرهابيا، لأنه فلسطيني، ولأنه حمل معه "وثيقة" وشهادة إرهاب رأس الحربة الصهيوني للاستعمار الأمريكي في المنطقة، ولأن أمريكا تعرف خطر السينما التسجيلية، التي نرجو أن تدرك الأنظمة العربية أيضا في يوم ما خطرها. لعل أهم ما في فيلم "خمس كاميرات مكسورة" هو أنه يمسك بجوهر السينما التسجيلية: إنك تحمل كاميرتك في الواقع الحي، لتسجل الأحداث وهي تقع، وربما على الأرجح لا يكون بإمكانك التدخل في مجرياتها أو مجراها، كما أنك لا تعرف ما سوف تنتهي إليه الأمور. لكنك بتلك التلقائية تضع المتفرج في قلب الحدث، وتتركه مع الأسئلة المطروحة، وقد تساعده بشكل أو بآخر على الوصول إلى إجابة، من خلال المونتاج في أغلب الأحوال، حين استطعت بعد نهاية التصوير أن ترتب اللقطات وتعيد ترتيبها. في الفيلم إذن وقائع الحياة اليومية لقرية بلعين الصغيرة في الضفة الغربية المحتلة، لكنها الحياة التي اكتسبت شكلها وإيقاعها من النضال ضد جدار عازل، تقيمه قوات الاحتلال بزعم أمن وأمان الكيان الصهيوني، على حساب سرقة أراضٍ جديدة كل يوم من الشعب الفلسطيني. وفي كل يوم تخرج مظاهرات ضد هذا الجدار، الذي يقتلع في طريقه عشرات أشجار الزيتون التي مدت في الأرض جذورا عميقة، وسوف تنتابك القشعريرة وأنت ترى تلك االلقطات لاقتلاع الأشجار، لكنك سوف تشعر بالكرامة والكبرياء أيضا لانتمائك إلى عروبة هذا الشعب الذي يرفض كل أشكال الاقتلاع. وفي كل مرة يقتلع فيها العدو أشجارا، يحمل الرجال والأطفال نَبْتات زيتون جديدة يزرعونها، وكأنهم يقولون دون كلمة واحدة: هذا وطننا، وسوف يبقى وطننا إلى الأبد. ومع كل هدم لمنزل يبنى أبناء الشعب الفلسطيني بيتا جديدا، ومع كل عدوان من الجنود الصهاينة، يترك وراءه جرحى وشهداء، وبعد تشييع الجنازات، يقيم أهل القرية احتفالات يغنون فيها ويرقصون للوطن، وسوف يتوقف بك الفيلم عند بعض الشخصيات ذات الأثر الخاص، مثل "الفيل"، ذلك الشاب صاحب الروح الطفولية المبتسم دائما، والذي يقود المسيرات بشعارات لا تخلو من المرح، أو مثل "أديب"، الرجل الغاضب الصاخب، الذي يواجه جنود الاحتلال بإصرار لا ينفد أبدا، أو مثل "الضبع"، شقيق الفيل، الذي لن تنسى لقطة القبض عليه على أيدي قوات الاحتلال، التي لا تتورع عن إطلاق الرصاص على ساقه وهو مقيد، لعلهم يكذبون بالقول أنه كان يقاومهم. كل ما في القرية يحمل بصمات المقاومة، حتى أبناء صانع الفيلم الأربعة الذين سوف نعرف أن مولد كل منهم اقترن بحادث مهم من تاريخ القرية والمقاومة الفلسطينية، لكن الفيلم يجعل من الابن الصغير "جبريل" محورا يمتد في الفيلم كله، منذ أن كان رضيعا وحتى نطقه بأول الكلمات، التي لن يدهشك أن تكون "جدار" و"مطاط" و"جيش"، ثم ذهابه مع أقرانه إلى المظاهرات، وتعرضه للقنابل المسيلة للدموع، وعندما تعلم الكتابة خط اسمه على الجدار. في المقابل هناك الجد العجوز والد صانع الفيلم، الذي يشهد المرة بعد الأخرى القبض على أبنائه، أو حتى إصابتهم بالرصاص، إنه يقاوم قوات الصهاينة عند القبض على ابنه الصغير خالد، ويرمي بنفسه على السيارة المصفحة، لكنك لا تراه يبكي أبدا، فقد أصبحت حياته سلسلة من ألم فراق أبنائه، وفرحة اللقاء بهم عند الإفراج عنهم. ولعلك تسأل نفسك وأنت تشهد لقطات القبض على الإخوة: ما هو موقف صانع الفيلم في تلك اللحظة وهو يلتقط هذه اللقطات ذاتها لأشقائه؟ وهذا بالفعل هو أحد الأسئلة الجوهرية في عالم السينما التسجيلية، إنه سؤال أخلاقي وجمالي في وقت واحد، لكن الإجابة الملتبسة تصل في أغلب الأحوال إلى أن الكاميرا هنا تمد يد المساعدة بطريقتها، إنها بتسجيلها للواقعة تساهم في أن تجعل العالم كله يراها، ليأخذ موقفا منها. وقد يبدو الفيلم في بعض أجزائه أقرب لروح الهواية وعدم الإتقان الحرفي، لكن ذلك لم يعد اليوم يشكل جانبا سلبيا على الإطلاق في السينما التسجيلية، بل إن السينما الروائية تحاول أحيانا الإيحاء بواقعية لقطات ما، فتستخدم تلك "الخشونة" الأسلوبية عن عمد. لذلك فإن روح الأصالة والصدق تتبدى في اللقطات التي اهتزت فيها الكاميرا، أو كانت الصورة ضعيفة الجودة، بل إن من أهم لقطات الفيلم تلك التي تتقطع فيها حبيبات الصورة وخطوطها، في اللحظة ذاتها التي "تنكسر" الكاميرا، ولكل كاميرا مكسورة من هذه الكاميرات الخمس تاريخ ميلاد ووفاة، يسجلها الفيلم على الشاشة، كما يسجل واقعة إصابتها، بقنبلة غاز أو حتى رصاصة، فكأنها شهادة لا يمكن إنكارها على بشاعة الاحتلال وقواته الغاشمة. وإذا كانت قد هزتك لقطات مداهمة البيوت، والقبض على الأطفال، وإغراق القرية في وابل من القنابل المسيلة للدموع، فماذا أنت قائل عن لقطة مصرع "الفيل" بطلقة قاتلة؟ إنك قد شاهدت كيف استطاع الفيل أن يعيش مبتسما على الدوام، حتى أنك عشت معه يوما بيوم، ولم يكن صانع الفيلم يعلم عندما بدأ تصويره أنه سوف يسجل يوما مصرع هذا الشاب الذي يفتح ذراعيه للحياة، لكن تلك بدورها إحدى النقاط الإيجابية في السينما التسجيلية. ولا يمضي الفيلم أبدا لاستغلال هذا الحدث المفجع وتحويله لبكائية، لكنه يسجل "احتفال" توديع القرية له، وقد غطت صور الشهيد جدرانها، ووضع الأطفال على وجوههم أقنعة تمثل وجهه المبتسم، بينما يقابل جنود الصهاينة تلك المظاهر بالعنف المفرط. وأكثر من مرة تمتد يد غاشمة لتسد عدسة الكاميرا، مرة على يد جندي وأخرى بيد مستوطن، لكن ليست هناك مطلقا أية قوة تستطيع أن تمنع الحقيقة في السينما التسجيلية من أن تصل إلى العالم كله، خاصة إذا كانت مصحوبة بذلك التعليق الهادئ من خارج الكادر بصوت صانع الفيلم عماد برناط، مصحوبا بعزف منفرد على عود أو ناي. لقد أصبحت السينما التسجيلية اليوم، أكثر من أي وقت مضى، لغة تكاد أن تصل إلى درجة "الكلام"، أي أنها لغة يتحدث بها الجميع إبداعا وتذوقا، فلم تعد السينما التسجيلية الآن غريبة على الواقع اليومي لمتفرج يتعامل كل لحظة مع مادة تسجيلية ما، سواء في نشرات الأخبار التليفزيونية، أو في اللقطات والأفلام القصيرة بالمئات والآلاف على شبكة الإنترنيت. ومن السهل اليوم امتلاك كاميرا تصور بها وقائع من حياتنا اليومية، ومن السهل أيضا وجود برنامج للمونتاج على الكومبيوتر، حتى أن من المثير للاستغراب حقا السؤال حول السبب في عدم ازدهار السينما التسجيلية في العالم العربي الآن. ربما يكمن الجانب الأكبر من الإجابة في مجالات ليست سينمائية تماما، مثل نظرتنا إلى الثقافة بشكل عام، وموقع السينما منها، وهل السينما مجرد أداة للترفيه حتى أنها تقنصر على السينما الروائية التجارية فقط، أم أن لها آفاقا أوسع لابد لنا من ارتيادها حتى ننتمي بحق إلى عصرنا. لكن قد يكون هناك جانب آخر من الإجابة يكمن في تصورنا عن المعرفة، وعلاقتها بالحرية، إنك لو سرت في أي شارع عربي لوجدت عشرات الموضوعات والمشكلات التي يستحق كل منها فيلما تسجيليا، لكن الأمر مرهون بإرادتنا وحريتنا أن نعرف، لذلك فإن من المثير للأسى حقا أن يكون لدينا فيلم عربي في مسابقة الأوسكار، ثم يمر مرور الكرام، برغم أنه يثبت أن الكاميرات قد تنكسر، لكن الإرادة يجب ألا تنكسر أبدأ!!

No comments: