Saturday, October 01, 2011

فيلم "أجورا" ياإخوتنا في الإنسانية، هناك ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا!!


من أين تأتي كراهية الإنسان لأخيه الإنسان؟ هل هناك مصدر أزلي أبدي تنبع منه هذه الكراهية، حتى يبدو أنه ليس ثمة أمل في أن تحيا البشرية كلها في سلام؟ ذلك هو السؤال الذي يطرحه فيلم "أجورا" وإن لم يكن بشكل مباشر، وبرغم أن الفيلم يعود عرضه إلى عام 2009، فإنه يبدو كأنه يتحدث عن هنا والآن، في مناخ ينذر باندلاع الحرب الطاحنة في أية لحظة، بسبب حالة من "الغباء المتعمد" تسيطر على قطاعات هائلة من الناس والبلدان. فهل تصدق مثلا أن الإسرائيليين يرددون أن السبب في أزمة التفاوض هو "تعنت" الفلسطينيين؟!! وأنه قد ظهرت فجأة في مصر نزعات تناقش مسألة "الهوية"، وتريد في الحقيقة أن تنزع عن الوطن هويته المصرية، تحت ستار الدين والتدين؟!!
ما هذا الجنون؟ هذا هو ما تجد نفسك تردده وأنت تشاهد فيلم "أجورا"، بشرط أن تتحلى أنت أيضا بالتسامح بلا حدود، وتتخلى عن أي تعصب للأفكار الجاهزة المسبقة، ويستقر بداخلك الإيمان بأننا جميعا سواء، وأن ما يفرقنا هو من صنعنا، من اختراعنا، وليس قدرا مفروضا علينا. ليس هذا التسامح أو التخلي عن التعصب سهلا، فهو يمس أحيانا مناطق "الإيمان" في النفس البشرية، والتي تترك العقل وراء ظهرها، فالمؤمن في أي دين يعتنق مفهوم أن "التسليم" بالمعتقدات هو البداية والنهاية، ولا دخل للعقل أو المنطق في ذلك، وأنا لا أستطيع أن أجعلك تهجر هذا المفهوم، لكني أسألك فقط: لماذا تحتفظ لنفسك وحدك بالحق فيه وتنكره على غيرك؟ فالمؤمن بدين آخر هو أيضا يسلم بمعتقداته، ويراها غير خاضعة للمنطق، فلا مناص إذن من الاختيار بين أن يتعايش الجميع في سلام، أو أن تستمر الحرب الدامية بين البشر بلا نهاية إلا الفناء.
ولكي يناقش هذه الفكرة، اختار المخرج الإسباني أليخاندرو أمينابَرْ الفترة التاريخية التي تقع بين نهاية القرن الرابع وبداية القرن الخامس الميلاديين، والمكان هو مدينة الإسكندرية المصرية، الواقعة آنذاك تحت الحكم الروماني، و"أجورا" هي الساحة الرئيسية في أي مدينة، الساحة التي تشهد الوقائع اليومية من بيع وشراء ومجادلات ونزاعات وتحالفات، ومن هذه الوقائع تتألف شيئا فشيئا – وبقدر غير قليل من الغوغائية - الأحداث الكبرى التي قد تغير مجرى التاريخ. لقد كانت الإسكندرية – مثلها مثل مصر الآن – ساحة كبرى تصطرع بالأفكار المتناقضة، خاصة على مستوى الدين، بين ديانة يسمونها "وثنية" تجمع بين آلهة المصريين والرومان القدماء، وديانة تحمل صفة "السماوية" هي المسيحية، لا تكاد إحداهما تترك الأخرى تعيش وتتعايش في سلام، ولا مهرب إلا أن يقضي أتباع هذه أو تلك على أتباع الأخرى، وفي قلب هذا الصراع يضيع من يمثل التسامح الإنساني الرحب، القائل بأن البشر جميعا سواء.
يتجسد هذا التسامح في هيباتيا (ريتشيل وايز)، الفيلسوفة التي تؤمن بالحرية بلا قيود، وهي شخصية تاريخية حقيقية، كانت مهمومة بالبحث عن إجابات لأسئلة العلم والفلسفة، وبرغم جمالها وشبابها فقد وهبت حياتها لأفكارها وأبحاثها، وقد جمعت من حولها شبابا من مختلف العقائد، كمثال على التعايش بين الجميع. وفي جمال بالغ البساطة تؤدي وايز الدور على نحو يقنعك أنها هيباتيا الحقيقية، التي يبدأ الفيلم بها وهي تلقي محاضرة بين طلابها، الذين يشعر بعضهم بالميل نحوها، لكنها تطرح جانبا على الدوام أي علاقات جسدية، ليس لأنها راهبة، ولكن لأنها تعرف مكانها في العالم في تلك اللحظة من التاريخ الإنساني، فهي إن رضيت بأن تكون زوجة في هذا المجتمع الأبوي فسوف تتخلى عن حريتها في البحث والاستقلالية اللذين لا تقبل بغيرهما بديلا، وهي تدرك أيضا أن البعض ينظر لها نظرة مثالية، لكنها امرأة من لحم ودم، حتى أنها تصدم البعض من محبيها بحقائق الجسد التي قد تبعث على النفور.
هيباتيا إذن كامرأة حقيقية رمز للعقل المنفتح لأي حقائق علمية أو فكرية جديدة، فلا تقبل بالمسلمات إن تناقضت مع ما يكتشفه الإنسان كل يوم من جديد. إنها الحركة في مقابل السكون الذي تسعى إليه العقائد، وهي تجد معنى الوجود في البحث الدائم للإجابات عن الأسئلة، بينما الآخرون يركنون لأكثر الإجابات بساطة عن أكثر الأسئلة صعوبة. ويختار السيناريو – الذي شارك مع أمينابر في كتابته ماتيو جيل - لتجسيد هذا الصراع بعض الشخصيات الرئيسية، فمن بين طلاب هيباتيا هناك أوريستيس (أوسكار إيزاك)، الذي يحبها ويعلن عن حبه أمام حشد هائل، لكنه يرضى باختيارها أن تبقى "حرة" وإن لم يتوقف عن حبها، وهو الذي سوف يتحول فيما بعد إلى المسيحية ويصبح واليا على الإسكندرية، ليقف موقف الاختيار بين الإذعان لتعاليم "رجل الدين" (وليس الدين نفسه) بأن يضع هيباتيا في مكانها في المجتمع كامرأة محكوم عليها بأن تبقى في موضع التابع، أو أن يدافع عن حريتها إلى النهاية.
هناك الشخصية الأخرى ديفوس (ماكس مينجيلا)، وهو شخصية متخيلة من خلق صناع الفيلم، وأراه بالفعل شخصية مهمة كأنها الضوء الكاشف على جوهر هذا العمل الفني. إنه عبد شاب، يتبع هيباتيا في كل مكان، يستمع إلى محاضراتها العلمية في شغف، يفهمها ويعلق عليها بذكاء حقيقي، كما أنه خادمها حتى في حمامها، تعتمل في أعماقه الرغبة فيها لكنه لا يستطيع حراكا، وهي لاهية تماما عن وجوده كأنه قطعة جماد. ديفوس هنا هو الوجه الآخر من أزمة هيباتيا، إنها الحرة التي تعاني من نقص حريتها لأنها "امرأة"، بينما هو عبد سُلبت منه حريته كإنسان. ولعل الخطأ من جانب هيباتيا هو أنها لم تدرك أن معركة الحرية التي تناضل من أجلها لا تتجزأ، فلا يمكنها أن تحصل عليها ما دام المجتمع (أو الثقافة، أو الفكر، أو الديانة) يعطي الحرية للبعض وينكرها على آخرين.
سوف يجد ديفوس خلاصه في الساحة، التي تشهد صراعا محتدما بين أصحاب الديانة القديمة والديانة الجديدة، فكل منهما يوجه سهام نقده (أو الحقيقة سبابه) إلى آلهة الطرف الآخر، وفي هذا السياق الهيستيري سوف يرى البعض في المصادفات نوعا من المعجزات، كأن يسير شخص على النار بسرعة فلا يصيب منه اللهب إلا قليلا، بينما يحرق شخص من أتباع الديانة الأخرى. لكن هنا أيضا يبدو معنى ومغزى ولادة ديانة جديدة: إنك عندما ترى على الشاشة الأتباع الجدد وقد ضموا إلى صفوفهم كل المحرومين والمضطهدين، الجوعى والفقراء والمساكين والمرضى، تدرك أن الديانات تولد من أجل هؤلاء، وتبشرهم بأن يرثوا الأرض وبالملكوت، وفي أحد المشاهد المهمة يذهب ديفوس بصحبة المسيحي الغيور أمونيوس (أشرف برهوم) إلى كنيسة، حيث يرى الفقراء يمدون أيديهم نحوه في استعطاف، ليعطيهم الخبز الذي اشتراه لأسياده، فقد علم أن هناك لهؤلاء المحرومين سيدا أعلى، إنه يعطيهم كسرات الخبز وفي الوقت ذاته يعرف معنى أن يكون حرا. لكن سوف يطرح عليك الفيلم سؤالا كلما تقدمت حبكته: إذا كانت الديانة الجديدة تحرر المضهدين، لماذا يحدث دائما أن تخلق لنفسها مضطهدين جددا؟ لماذا تنادى بالحرية في بدايتها، ثم تعمد إلى تقسيم العالم مرة أخرى إلى أحرار وعبيد؟
من المؤكد أن الديانات ذاتها ليست السبب في هذا التناقض الجوهري، وإنما في تحول الدين إلى "مؤسسة" يدافع عنها (وليس عن الدين) المنتفعون منها، ليجعلوا من أنفسهم سادة ومن الآخرين عبيدا!! وهكذا تولد العقائد الجديدة ضد السابقة عليها، ولكن بدلا من أن تدور المعركة بينهما على أرض تحقيق المساواة بين الجميع، فإنها تدور حول "الآلهة"، لتشهد الساحة (أجورا) الصراع بين الوثنيين من جانب، والمسيحيين واليهود من حانب آخر، لتقع مذبحة حقيقة ينتصر فيها الطرف الأخير، ويلجأ الوثنيون – ومعهم هيباتيا – إلى المكتبة، ليعيشوا في حالة حصار قاسية، وتحاول هيباتيا أن تجد العزاء في الانشغال في أبحاثها، لكنها لا تستطيع أن تتجاهل أن أباها الفيلسوف ثيون (مايكل لونسديل) قد جرح في الساحة جرحا بليغا على أيدي الدهماء، بما سوف يؤدي إلى احتضاره وموته.
من أكثر المشاهد التي أثارت الاعتراضات من جانب الكثير من متفرجي الفيلم ذلك المشهد الذي يجتاح فيه المسيحيون المكتبة، فيلحقون بها دمارا كاملا، وتحاول هيباتيا أن تنقذ ما تستطيع دون جدوى. بالطبع سوف يقول البعض أن هذا لم يحدث على هذا النحو من البشاعة، وهم يتصورون أنهم بذلك يدافعون عن الديانة المسيحية، لأنها لا تنادي بالعنف على الإطلاق، لكن التاريخ يؤكد أن هذا قد حدث، ليس لأن المسيحية تنادي بذلك، وإنما لأن الغوغائية تسود في هذا المناخ التاريخي المضطرب، الغوغائية التي يصورها الفيلم من خلال لقطة من أعلى، للدهماء كنقاط سوداء صغيرة تتحرك في عشوائية هنا وهناك، إنهم ليسوا "مسيحيين" بشكل محدد، وإنما جموع تحركها شهوة الانتقام، متسلحة بما تتصور أنه ديانة جديدة، وما يؤكد هذه النزعة التي قطعت العلاقة الوثيقة مع عالمية الدين هو أن أتباع المسيحية سوف يطردون من الإسكندرية حلفاء الأمس، أتباع اليهودية.
وسط المذبحة يقدم الفيلم مشهدا دالا، هيباتيا محاصرة في المكتبة، ويعثر عليها العبد ديفوس المؤمن بالمسيحية سرا، لقد جاءته الآن فرصة أن ينتقم لكل رغباته المكبوتة، إنه يسعى لاغتصاب هيباتيا، لكن سرعان ما ينهار ويبكي على صدرها، ويعطيها سيفا لكي تقتله، لكنها بدلا من ذلك تخلع عن رقبته طوق العبودية، وتمنحه حريته. وفي سلسلة متلاحقة من المذابح المتبادلة بين أتباع الديانات، سوف تمضي هيباتيا مذهولة وسط الدمار، كأنها الصوت الوحيد الصارخ في البرية، لذلك فإن الطرف المنتصر في هذه المعركة سوف يطلب دمها، لكي تسكت إلى الأبد. في مشهد دال آخر، يقف رجل الدين ليلقي بعض الكلمات التي يخلع عليها صفة القداسة، ويطلب من الجميع الانحناء، أي الخضوع والتسليم المطلق له (وليس لأي إله في الحقيقة)، ويركع الجميع ما عدا هيباتيا، لأن الله الذي يتحدث عنه رجل الدين "ليس أكثر عدلا من أي إله سابق".
عندما يتحدث إنسان عن أنه ينطق بـ"كلمة الله"، تيقن من أنه يكذب، إنه يريد – أستغفر الله العظيم – أن يجعل من نفسه إلها، يقتل بدم بارد، متذرعا بأن ذلك هو "الشريعة"، التي قالوا أن هيباتيا قد انتهكتها لأن امرأة، مفروض عليها الصمت الكامل، وأن تختفي عن الأنظار!! يحاول أوريستيس الدفاع عن هيباتيا لكنه يتلقى حجرا يشج رأسه، وتتوالى الأحجار من الدهماء الذين يغذيهم من يلبسون مسوح رجال الدين. لقد أصبحت هيباتيا وحيدة إذن، لينتهي الفيلم بمشهد لا يعمد إلى أحداث عنيفة مباشرة على الشاشة، وإن كانت تقشعر له الأبدان، وهو يقتفي الوقائع التاريخية الحقيقية، لقد قرر المتطرفون "سلخ" هيباتيا حية، ثم تقطيع أوصالها، وحرقها، والتهمة: ساحرة، ولا تؤمن بإله!!
يحاول "أجورا" أن يغلق الصراع الدرامي على نحو لا يخلو من مغزى، إن ديفوس يقرر أن يخنق هيباتيا حتى ينقذها من عذاب هذا الموت البشع، وهي توافقه على ذلك، فتستسلم له، ويتصاعد على شريط الصوت لحن من صوت بشري غارق في الأسى. إنني أعلم تماما أن هناك من سوف يسرع بالاعتراض على الفيلم، وعلى هذا المقال، لأنهما يتماسان مع التصورات الدينية للبعض. وتلك في الحقيقة هي أزمة مصر الآن، فبدلا من البحث الجاد عن مشكلاتنا التي نعيشها في كل يوم، في كل لحظة، ينحرف بنا الخلاف إلى مسائل العقائد الدينية. وإذا كان هناك من يقول لآخر: "إلهي افضل من إلهك"، فهل يتصور نفسه مؤمنا موحدا حقا، أم أن هذا التجديف بعينه؟!!
يقدم "أجورا" قضيته على نحو بالغ العمق، فهذا الفيلم من النمط التاريخي لم يقلد أفلاما أخرى على طريقة "المصارع" على سبيل المثال، فالأداء التمثيلي والسينمائي ينحو إلى قدر كبير من الإحساس الواقعي، كما أنه لم يجعل هيباتيا شخصية مثالية، إنها الوجه الآخر لشخصية العبد ديفوس، وهي غير واعية بأن قضيتهما واحدة، وأي فكرة تريد إصلاح حال البشر لابد أن تضعهما معا في حساباتها، وليس هناك بديل عن أن تطلب الحرية لهيباتيا وديفوس معا، ولا معنى للحرية ما لم تتحقق على المستوى المادي والروحي معا. وأي فكر، وأي دين، لا يضع في حسابه تحرير العبيد، والأهم هو عدم صنع عبيد من نوع جديد، سوف يكون فكرا ودينا محكوما عليه بأن يعيد إنتاج القهر التاريخي، ليظل مصير الحرية في قبضة الغوغائية في الساحة، في "أجورا".

2 comments:

Bassem Yassa said...
This comment has been removed by the author.
Bassem Yassa said...

Hello Ahmed My name is Bassem I'm a member at the jesuit cinema club - Elminia and we are playing Agora on Tuesday and I was hoping to publish your article about Agora at our film brochure with all of your credits on it and I was hoping that you can send me some data about you to include it with the Article

basemyassa@yahoo.com