Sunday, September 23, 2007

فيلم "جنين جنين" لمحمد بكرى


لعل القارىء سوف يسأل عندما يرى العنوان يشير إلى فيلم تم إنتاجه منذ خمس سنوات: "وما هى المناسبة؟!"، وللقارىْ كل الحق فى سؤاله لأن صحافتنا اعتادت فى أغلب الأحوال على أن تجعله يجتر الموضوعات "الساخنة"، تلك التى تشتعل فجأة كالنار فى الهشيم، ثم تخمد أيضاً كأنها لم تكن، ليصبح وعى القارىء أشبه بقصاصات متناثرة لا علاقة بين بعضها البعض، يحتوى معظمها على معلومات مغلوطة أو مبتورة، وهذا هو المستهدف تماماً من إعلامنا الرسمى خلال العقود الثلاثة الأخيرة، ناهيك عن هامش لا بأس به من إعلام "مستقل" أكثر تدنياً، يسعى إلى تدمير البقية لنا من أى "يقين" حول قضايانا المصيرية، وهذا هو حال القضية الفلسطينة التى نجح الإعلام والسلطات السائدة وراءه فى أن تجعلها تتراجع يوماً وراء يوم، بل أن تجعل أغلب الشباب فى المنطقة العربية ينظرون إلى وجود إسرئيل باعتباره قدراً لافكاك منه، بل ربما يذهبون إلى الشعور بأنهم غير مجبرين على التفكير فى هذه القضية على أساس: "واحنا مالنا ومال فلسطين؟"!!
أصبح وعينا جزراً منعزلة كالواقع الجغرافى والسياسى الذى تريد أمريكا وإسرائيل فرضه علينا، وهاهم "سادتنا" العرب على كراسى الحكم يقدمون لإسرائيل يداً، عارضين ما يسمى "مبادرة عربية" ويفوضون مصر والأردن باعتبارهما "الوسيط" فى إقناع إسرائيل بهذه المبادرة المزعومة، لكن أرجو أن تتأمل كيف أن إسرئيل رفضت الحديث عن أى خطوات إلا بعد "التطبيع" الكامل، كما رفضت بشكل قاطع ما احتوت عليه المبادرة من "حق العودة للفلسطنين"، ولعل "سادتنا" لم يقرأوا التاريخ ولم يعرفوا الساسة أبداً، أو كأنهم يعرفون ويصطنعون عدم المعرفة، بالحقيقة البسيطة التى لخصها الكاتب عربى الأصل عادل الصفتى فى مقال له منذ أيام على موقع "زى ماج": "إن المشروع الصهيونى يقوم على انتزاع الأرض من الفلسطنيين لإقامة دولة يهودية، لذلك فإن الصراع الفلسطينى صراع على الوجود، وليس هناك مكان فى المشروع الصهيونى للشعب الفلسطينى لأن يعيش فى دولة يهودية" ، فهل ترى إسرائيل تخلت عن عقيدتها الصهيونية؟ والصهيونية كما كتب الكاتب اليهودى جوستين بودور على الموقع نفسه ليست أيديولوجية لتحرير الشعب اليهودى كما تزعم، بل هى أيديولوجية للاستعمار، أيديولوجية عنصرية تعبر عن تفوق العرق الأبيض، وهى ليست إلا الوجه الآخر لما يبدو أنه نقيضها: "العداء للسامية".
أسأل نفسى أحياناً: من ذلك الذى اخترع العبارة الفاضحة- بالمعنى البورنوجرافى- التى تقول أن "السلام هو خيارنا الاستراتيجى"، فإذا كان هو الاستراتيجى ما فائدة أن نجلس مع إسرائيل لنتفاوض؟ وماذا يبقى لنا لنتفاوض عليه إذ كان ذلك هو خيارنا الوحيد؟ بل ما الذى يدفع إسرائيل للتفاوض إسرائيل معنا أصلاً؟! ألم أقل لك من قبل ياقارئى العزيز أن التاريخ سوف ينظر إلى هذه الفترة من تاريخنا بالكثير من الازدراء والاحتقار؟!! ومع ذلك سوف تبقى هناك نقاط لامعة ربما تكون نقطة البداية لأجيال قادمة، عندما يتذكرون عبد الوهاب المسيرى وطارق البشرى وعشرات غيرهم، وعندما يرون أفلاماً مثل فيلم "جنين جنين" لمحمد بكرى، فبرغم أنه ممثل موهوب مشهور يمكنه أن يكسب ذهباً من المسلسلات التليفزيونية التى يلحسون بها عقولنا فإنه يقرر أن يصنع أفلاماً تسجيلية عن معاناة شعبه الفلسطينى والعربى، مثل فيلم "جنين جنين" الذى صنعه من شهادات سكان مخيم ومدينة جنين التى اجتاحتها القوات الإسرائيلية (التى يطلقون عليها جيش" الدفاع"؟!!) وقتلت المئات ودفنتهم تحت الأنقاض، ولم تترك حجراً أو شجراً فى مكانه عندما اقتلعت الجرافات الإسرائيلية الجمادات والأحياء من جذورها، لكن الفيلم يقول لك ببساطة ودون أى تصنع أن من المستحيل أن تقتلع شعباً من جذوره.
ربما تفاجئك التعليقات التى ظهرت فى بعض المقالات عن الفيلم، ولم يخل منها موقع "أى إم دى بى"- أشهر قاعدة معلومات سينمائية عالمية- حين اتهم العديد من مستخدمى الموقع فيلم "جنين جنين" بأنه "بروباجندا"، وبالمناسبة فإننى أؤكد لك أن بعض النقاد عندنا سوف يميلون إلى هذا الرأى، غير أننى لا أدرى لماذا نتقبل بالترحاب بروباجندا الأفلام الهوليوودية الخبيثة بينما لا نقبل شهادات حية من موقع مذبحة عنصرية كتلك التى شهدتها "جنين"، ولو أنى لن أخفى عليك أن هناك أقلاماً ذهب بها الفجور إلى الإدعاء بأنه لم تكن هناك أية مذبحة، وأن الجنود الإسرائليين أحضروا الدواء والدماء من الأردن لمعالجة الجرحى الفليسطنين!! ومرة أخرى أؤكد لك أن بعض الأقلام فى صحافتنا – التى تريد أن تنزع عن ذهنك أى يقين حتى بالبديهيات – سوف تشكك فى حدوث المذبحة، وربما أشارت إلى أن إسرائيل تدافع عن نفسها ضد "الإرهاب"، وذلك هو التشوش بعينه بين مقاومة من يرزح تحت الاحتلال، وإرهاب مؤسسة عسكرية عنصرية يقوم عليها الكيان الصهيونى.
إن كنت تريد أن تتحدث عن "حقائق" فهى ببساطة أن إسرائيل منعت الأمم المتحدة من إرسال لجنة تقصى الحقائق إلى جنين، فكانت محاولة محمد بكرى للقيام بهذا الدور بنفسه، مما عرضه للهجوم بالقبض على شقيقين له بتهمة المساعدة فى أعمال الإرهاب، بل إن القوات الإسرائيلية اغتالت –بالمعنى الحرفى للكلمة- منتج الفيلم إياد صمودى فى 23 يونيو 2002 بعد الانتهاء من تصويره، وإليه يهدى محمد بكرى الفيلم، الذى يحتوى على شهادات من عاشوا المذبحة واستطاعوا البقاء على قيد الحياة، يختارهم محمد بكرى ليمثلوا قطاعات مختلفة من الشعب الفلسطينى: عجائز وأطفال، نساء ورجال، أصحاء ومعوقين، جادين وساخرين... وفى دوائر متلاحقة تعود الشهادات لتستكمل الروايات، يحكى بعضها عن الفظائع التى تراها بأم عينيك على الشاشة، ويستطرد بعضها الآخر إلى التأكيد على ضرورة الصمود، ولكن على نحو يغلبه الأسى لترى طفلة أو رجلاً يحكيان عن الاستمرار فى المقاومة، لكن الدموع تغالبهما فينفجران فى البكاء المرير، بسبب الشعور بالعجز وأن الجميع – دون استثناء – قد تخلوا عنهم.