Saturday, August 02, 2014

استراتيجيات السرد، والأخلاق، فى الدراما المصرية

فى قصة قصيرة للأديب الكبير الراحل خيرى شلبى، تحمل عنوان "أكل العيال"، لوحة تسجيلية عن امرأة من حى عشوائى، فى رحلة شقائها اليومية لتدبير أكل العيال، بمساعدة زوجها سائق التاكسى الشقيان بدوره على أكل عيش أسرته، وإذا كانت القصة تنتهى على نحو مأساوى، بحادث أليم تفقد فيه المرأة ذراعا، فتمضى حاملة أكل العيال بالذراع الآخر، فإن هذه الصورة تصبح صورة مجازية بالغة القوة للشريحة الأكبر من الشعب المصرى، الذى يمضى فى حياته مجترا الآلام، وكل أمله أن يبقى فقط على قيد الحياة.
أجمل ما فى القصة أنك تكتشف فى منتصفها أنك لست أمام راوٍ محايد، فالسرد يأتى من خلال حكى واحد من أبناء هذا الحى نفسه، لذلك فإن العالم الفنى (ولا نقول الواقعى فقط) يتم تصويره بشكل شبه تسجيلى، من مستوى الناس أنفسهم، وليس من وجهة نظر راوٍ مفترض هو بالضرورة يعلم كل شىء عن كل شىء، وينظر إلى هذا العالم "من فوق". وتلك بالضبط هى نقطة الالتقاء فى الفن بين الأسلوب والأخلاق.
كثيرا ما ننظر إلى كلمة "الأخلاق" فى الفن نظرة الريبة والشك، لأن هناك من جعلنا نعتقد أنه لا علاقة بينهما، بل تزداد الدعوة يوما بعد يوم لفكرة أن الأخلاق تؤدى إلى تقييد حرية التعبير. لذلك نرجو أن نوضح من البداية أننا لا نقصد أبدا أن تكون الأعمال الفنية مواعظ أخلاقية، أو ألا يتناول الفن ما فى العالم من شرور، لكن ما نقصده بوضوح أن "أسلوب" العمل الفنى، واختياراته التقنية، يعكس فى التحليل الأخير موقفا أخلاقيا من الفنان تجاه العالم الذى يصوره، وهو الموقف الذى يطلب منا الفنان أن نتبناه ونوافق عليه.
كان الفنان السينمائى الفرنسى جان لوك جودار يقول دائما، إنك لو أردت أن تجعل لقطة بعيدة لشخصية ما تتحول إلى لقطة قريبة، فأمامك اختياران تقنيان: إما أن تقترب بالكاميرا ذاتها، أو أن تقوم بتكبير الصورة باستخدام عدسة "الزوم"، ليضيف فى وضوح تام: هذا ليس مجرد اختيار تقنى وأسلوبى، بل هو اختيار أخلاقى أيضا. فأنت مع عدسة "الزوم" تبقى بعيدا عن الشخصية، بينما اقترابك بالكاميرا منها يعنى قدرا أكبر كثيرا من الحميمية. ولعل تلك النقطة بالتحديد: نقطة اللقاء بين الأسلوب والموقف الجمالى، هى أكثر نقاط الدراما المصرية ضعفا، وأكثرها تأثيرا على غيابها عن ساحة الدراما فى العالم كله.
نحن فى العادة نتحدث عن أن هذا الفيلم أو ذاك المسلسل يتناول الموضوع الفلانى، لكننا نادرا ما نتحدث عن كيفية هذا التناول. ومرة أخرى، نحن لا نقصد "موقف" الفنان من العالم الفنى الذى يصوره، فالأهم هو "موقعه" من هذا العالم، أو إن شئت أن تستخدم مصطلحا أكثر دقة: الأسلوب السردى للعمل. سوف أضرب لك مثالا أرجو أن يوضح ما أقصده، فإذا كانت أفلام المخرج السينمائى خالد يوسف تبدو على السطح دائما كأنها تتناول عالم المضطهدين، فإنها فى الحقيقة "تبيع" هذا العالم باعتباره "فرجة" للمشاهدين. فى فيلم "دكان شحاتة" على سبيل المثال مشهد يقول الفيلم أنه يعبر عن الحرمان الجنسى لبطلته، وهنا يتوقف المخرج طويلا بالكاميرا التى تجسد لنا حلم يقظة بين البطلة وحبيبها، بكل اللقطات القريبة الممكنة التى لا تهدف لتصوير كبت البطلة، بقدر ما تهدف إلى التأكيد على حرمان المتفرجين. وفى مشهد آخر، يكون شقيق البطلة قد وقع تحت تأثير المخدرات، فيأمر شقيقته أن ترقص له ولخطيبها، فإذا بك تكتشف أنها فى الحقيقة ترقص "لنا" نحن المتفرجين، والسبب؟ الأسلوب!! فقد اختار المخرج فى المشهد أن تقوم الكاميرا باستعراض مفاتن هيفاء وهبى، ولا تسأل من أى "وجهة نظر" جاءت هذه اللقطات، فلو كانت من وجهة نظر راوٍ موضوعى، فقد كان يجب أن يرى هذا المشهد أو ذاك من بعيد، أما إن كانت من وجهة نظر راوٍ ذاتى فقد كان التعبير عن الألم هو الأقرب للصدق، والأقرب للأخلاق (بالمعنى الجمالى والفنى دائما).
أصبحت تلك "الطريقة" فى صنع "توليفة"، تجمع بين تصوير من السطح لعالم الفقراء، وبيع هذا العالم للمتفرجين، هى الوصفة السحرية لضمان النجاح السهل، فهى تجذب المثقفين الذين يسعدون كثيرا بتناول مثل هذا العالم باعتباره دليلا على حرية التعبير، كما تجذب الجماهير التى تأتى لتتفرج على عالم يبدو مثل "السيرك" بالنسبة لها، حافلا بكل ما هو غريب وعجيب، بالإضافة بالطبع لعوامل الإثارة التى لا يمكن أن تخطئها عين. أما عن القول بحرية التعبير، فليس هناك مثال أكثر وضوحا من كثير من أفلام يسرى نصر الله، بدءا من "مرسيدس" وحتى "إحكى يا شهر زاد"، وهى أفلام يمكن أن يقال عنها أنها "استشراقية" بالمعنى الكامل للكلمة، فهى من وجهة نظر متعالية على الواقع، وموجهة إلى جمهور قد يرى مثل هذا الواقع "طريفا" وغريبا، وهى فى التحليل الأخير تقول دائما: "هذا هو واقعكم، ليس هناك أمل فى إصلاحه، وربما كان الخلاص الكامل منه هو الطريق الوحيد إلى الحل".
فى هذا الفيلم الأخير "إحكى يا شهر زاد"، شخصية نسائية عابرة، ظهرت فى المشاهد الأولى ثم اختفت، وكانت هى الأهم بين شخصيات الفيلم كله: امرأة تعمل فى محل لبيع مستحضرات التجميل الفاخرة، يقتضى عملها أن ترتدى فاخر الثياب وأن تضع كامل زينتها، وعندما ينتهى عملها نراها فى رحلة عودتها إلى منزلها، تزيل الزينة وترتدى الحجاب، استعدادا لدخول الحى الشعبى الفقير الذى تسكنه. وبدلا من أن يتوقف عندها الفيلم طويلا، فإنه يتجاوزها، ليحكى عن شخصيات "كارتونية" ذات بعد واحد، تارة تنتمى إلى المثقفين الذين لا يرحب بهم مجتمعهم، وتارة أخرى تنتمى إلى عالم الفقراء الذين تتحكم فيهم الغرائز الخالصة.
ولك أن تتخيل أن ذلك كله مغلف بالقول بأنها أفلام "تتناول" قضية الدفاع عن المرأة، وتنسى أو تتناسى أنها "تبيع" المرأة بسبب غياب الوعى بالأسلوب السردى، وما يتطلبه من موقف أخلاقى تجاه العالم الفنى. ومن مدرسة خالد يوسف، ثم يسرى نصر الله، خرجت مجموعة من أصحاب الأعمال الدرامية، يكررون نفس الموضوعات، وخلط الأساليب، ويكتسبون شهرة خاصة بعد انتقال الاهتمام إلى الدراما التليفزيونية، على أثر حالة الغيبوبة التى أصيبت بها السينما المصرية. ولعل أكثر هؤلاء شهرة الآن كاتبة السيناريو مريم نعوم، التى تشترك فى الأغلب مع الخرجة كاملة أبو ذكرى، فى صنع مسلسلات تحتشد بمشاهد ذات طابع تلقائى (وارتجالى أحيانا)، وتلقى رواجا لدى معظم النقاد، بسبب ما يبدو فيها من جرأة، ولأنها تزعم الاقتباس عن أعمال كسبت قدرا كبيرا من الاحترام، مثل "ذات" لصنع الله ابراهيم، أو "سجن النسا" لفتحية العسال.
لم يتوقف الكثيرون عند التشويه البالغ لرواية صنع الله ابراهيم، التى تتحدث بأسلوب تسجيلى عن الطبقة المتوسطة التى عانت من عوامل التعرية الإنسانية مع عصر الانفتاح المزعوم، حين فقدت الذات ذاتيتها حقا (للمرأة والرجل على السواء)، وأصبحت مسخا يتم التلاعب بوعيه ووجدانه. فى معالجة مريم نعوم تصبح البطلة رمزا لمصر منذ 23 يوليو 1952 (هكذا!!)، فهذا يوم ميلادها، لتمضى حياتها فى بؤس كامل فى ظل "الستين سنة اللى فاتوا"، كما يردد الكثيرون الآن فى موجة تشويه التاريخ المصرى ووعى الناس به، وجعل الستة عقود كتلة واحدة من القمع المتصل، ولا يخجل المسلسل أيضا من أن يقول إن عبد الناصر كان السبب فى رحيل اليهود عن مصر، كما يجعلنا نتمزق ألما ونحن نرى الجيران اليهود الأبرياء يرحلون.
الجانب الرمزى الآخر من مسلسل "ذات" هو النزعة النسوية المفرطة، فكل الرجال دون استثناء غلاظ القلوب خبثاء العقول، وهى النزعة النسوية التى بدا لها أنها قد وجدت ضالتها المنشودة فى "سجن النسا"، بدءا من عنوانه الذى يحلو للكثيرين القول إنه يعبر عن "مصر كلها" (!!)، لتصبح القضية المحورية هنا الصراع الأزلى الأبدى بين الرجال القاهرين والنساء المقهورات. وفى "سجن النسا" يتجلى الخلل الأسلوبى والأخلاقى للدراما المصرية، فهو يبدو على السطح شديد الواقعية (يرجع الكثير من الفضل فى ذلك للمخرجة كاملة أبو ذكرى وإدارتها للممثلين واختيار مواقع التصوير)، لكنه فى الوقت ذاته يبدى رغبة لا يمكن تجاهلها فى عدم النفاذ إلى جوهر القضايا.
ومن المؤكد أن لهذه الواقعية السطحية أحيانا قدرا من الجاذبية، فهى تجعل المتفرجين "يتفرجون" على عالم غريب عليهم، وهنا يكمن الخلل الأخلاقى: ما هو التأثير الذى يريد المسلسل تحقيقه فى جماهيره؟ على الجانب الفنى أنت أمام نوع معاصر من "صندوق الدنيا": أنظر إلى الفقراء وهم لا يتوقفون عن الصراخ والنواح (وكلما زادت الممثلة لطما تصورت أنها أكثر إبداعا)، وانظر إلى تاجرة المخدرات التى لا تنطق بلكنة الناس العاديين، وإنما فى تقليد للمعلمة "سمارة"، وتأملها وهى تستمع بشم الكوكايين لتصل إلى النشوة، وانظر إلى أجساد الراقصات التى تتلوى فى علب الليل الغارقة فى الإضاءة الحمراء (وهذا مشهد يبدو إجباريا فى كل حلقة!!).
إن أردت تلخيصا لموقف صناع مثل هذا المسلسل من عالمهم الفنى، فيمكنك أن تسميه "التلصص"، الذى يتيحه للمتفرج بحجة أنه يرى عالما غريبا عليه، التلصص على نساء يقمن بتغيير ملابسهن قبل مغادرة الملهى الليلى (هنا تكون الكاميرا فى موقع المتلصص تماما)، أو عندما يقمن بترقيق حواجبهن ووضع زينتهن، أو فى لحظات استرخائهن ورقصهن معا، ليس بغرض الترويح عن النفس فى غمرة الهم والحزن (لا أستطيع هنا إلا أن أتذكر عذوبة وإنسانية وأخلاقية فيلم داود عبد السيد "سارق الفرح"، أو فيلم رضوان الكاشف "ليه يا بنفسج")، وإنما لتقديم وصلة من الابتذال المقتبس عن أسوأ أفلام السينما المصرية.
يقول لك البعض أنك لا تستطيع أن تفرض قيودا على حرية الإبداع، لكنهم لا يستطيعون أيضا فرض قيود على من يرفضون هذا النوع من الإبداع. كما سوف تسمع أن مثل هذا العمل يقدم بعضا مما يحدث فى الواقع، وأن من العبث تجاهل هذا الواقع، لكن ليس هناك مثلا ما هو أكثر من الموت فى الواقع، فهل يكون ذلك مبررا لتقديم مشاهد الاحتضار بكل تفاصيلها؟ مرة أخرى ليس المهم "ما" يدور حوله العمل الفنى، وإنما "كيف" يتم تناوله، وما هو التأثير المطلوب تحقيقه فى وجدان المتفرج. فمثل هذه الأعمال لا تهدف حقا لتصوير أى واقع، وإنما بيعه للمتفرج، بل وتشويه وعيه به أيضا، وإن كنت فى شك من ذلك، أرجو مرة أخرى أن تقرأ قصة خيرى شلبى "أكل العيال".  
                                      


Wednesday, April 16, 2014

أسامة أنور عكاشة..... دراما الحنين إلى الماضي

فجأة بدا شكل الدراما التليفزيونية، التي تعتمد على المسلسلات الممتدة، مثل "آدم وجميلة" و"زي الورد"، كأنه جاء على نحو لم تعرفه المسلسلات المصرية من قبل، وأنه يعبر عن تأثر بالمسلسلات التركية. لكن قدرا قليلا من التامل، واستدعاء الذاكرة في زمن أصبح فيه النسيان أمرا عاديا، يشير إلى أن هذا النوع من الدراما ليس جديدا على الإطلاق بالنسبة لمسلسلاتنا، وأكبر دليل على ذلك هو العديد من الحلقات الممتدة في أجزاء، وكانت من تأليف الكاتب الراحل، والبارع بحق، أسامة أنور عكاشة.
بل إن عكاشة يتفوق كثيرا على المسلسلات الجديدة، لأنه أدرك العنصر الأكثر أهمية في ارتباط المتفرج بمسلسلات قد تمتد بلا نهاية، وهذا العنصر هو – ببساطة شديدة – رسم تفاصيل الشخصيات على نحو شديد الواقعية والتدقيق، مع اعتماد الدراما على الصراع بين هذه الشخصيات، التي لا يمكن لك أن تصف واحدة منها بأنها طيبة وأخرى بأنها شريرة، فالدرجات الرمادية بين الخير والشر لا تنتهي، ولكل شخصية دوافعها التي تضعها في هذا الصراع، ناهيك أيضا عن مسحة الحنين إلى الماضي، القريب والبعيد معا، في مسلسلات أسامة عكاشة.
وحتى الدراما التي تدور في زمن معاصر، مثل "رحلة أبو العلا البشري"، التي ظهرت بين عامي 1985 و1996، تلمس هذا الوتر من الحنين، في شخصية البطل (محمود مرسي)، الذي يبدو أقرب إلى أن يكون "دون كيشوت" معاصرا، فهو بمثاليته الشديدة يحاول أن يصلح من حياة الآخرين، وهي المحاولة التي تنتهي – كما انتهت بالنسبة لدون كيشوت – بلمسة ساخرة وهزيمة يطغى عليها الأسى. وأبو العلا البشري هنا يمثل مركز دائرة، يدور في فلكها العديد من الشخصيات، التي ينعكس عليها ردود أفعاله، التي يبرع أسامة عكاشة في التأكيد على رماديتها، فقد كان الرجل في الماضي "مهندس ري"، يتحكم في مجرى نهر النيل بمشروعاته، لكنه هنا لا يستطيع أن يعترض مجرى الحياة الذي لا يتوقف عن التدفق والجريان... إنه ببساطة لا يستطيع أن يوقف الزمن، الذي يحمل معه تحولات تزداد شراسة، بينما هو أمامها يزداد طيبة ومثالية.. وسذاجة!
وفي مسلسل "أبو العلا البشري" سمات سوف تلحظها في معظم أعمال عكاشة التليفزيونية، فهي تعطي دائما فرصة للممثلين أن يقوموا بأفضل أدوارهم، بفضل رسم تفاصيل الشخصيات، كما تمنحهم أحيانا "المونولوجات" التي يسترسلون فيها كأنهم على خشبة مسرح، لكنه مسرح بالغ الإقناع، لأنه مسرح الحياة. ولعل أكبر مثال على ذلك هو مسلسل "الشهد والدموع"، الذي امتد بين عامي 1983 و1984، فالممثلون جميعا يظهرون كأنهم شخصيات نعرفها أو نحب أن نعرفها على الأقل. وفي "الشهد والدموع" يبدو لأول مرة في دراما عكاشة قدر كبير من التأثر بالروائي العظيم نجيب محفوظ، خاصة في الثلاثية "بين القصرين" و"قصر الشوق" و"السكرية".
تمتد الدراما هنا كما في الثلاثية في أجواء القاهرة من بداية القرن العشرين حتى الزمن المعاصر، لتحكي عن رضوان (حمدي غيث)، الأب الذي لا يخلو من لمسات تجعله قريبا من السيد أحمد عبد الجواد، كما تحكي عن ابنيه حافظ (يوسف شعبان) وشوقي (محمود الجندي)، يبدو كلاهما على طرف نقيض من الآخر، فالأول تطغى عليه النزعة العملية ويساعد أباه في التجارة، بينما الآخر يهوى الموسيقى والحياة الأقرب إلى الصعلكة. لكن الشخصية الأبرز هنا هي زينب (عفاف شعيب، في أفضل أدوارها على الإطلاق)، ابنة العامل البسيط التي تتزوج من شوقي، وتصبح أرملة في شبابها، لتصبح رحلة "الشهد والدموع" هي رحلة كفاحها لتربية أبنائها، الذين يمثلون – كما في الثلاثية – جيلا جديدا، يكاد أن يكرر رحلة الصراع بين شقيقين مرة أخرى.
وفي "الشهد والدموع" مثال واضح على موهبة الكتابة الدرامية التليفزيونية، حيث تمتد براعة رسم الشخصيات إلى ما يمكن اعتبارها شخصيات ثانوية، لكنها هي التي تضفي مصداقية على أجواء الزمان والمكان، مع إتقان إخراج اسماعيل عبد الحافظ، الذي لا يعتمد على أي إبهار تقني، بقدر ما ينجح تماما في اختيار الممثلين وإدارتهم، بالإضافة إلى تصوير بعض من الطقوس الاجتماعية التي كادت أن تختفي، وتزيد حنين المتفرج إلى الماضي، مثل طقس "السبوع"، الذي تحتفل فيه الأسر المصرية بمرور أسبوع على ميلاد الطفل.    
ولعل المسلسل الأطول عند عكاشة والدراما التلفزيونية المصرية كلها هو "ليالي الحلمية"، الذي امتد عرضه في عديد من الأجزاء بين عامي 1987 و1995، وأصبح مع الأيام "فولكلورا" تليفزيونيا له مذاق خاص، حيث كان الخط الدرامي الرئيسي هو الصراع بين سليل الأرستقراطية الغابرة، الرجل المزواج سليم البدري (يحيى الفخراني)، والعمدة القروي الذي يصبح عدوه اللدود سليمان غانم (صلاح السعدني)، وهو الصراع الذي لا يتضمن فقط رغبة كل منهما في الانتصار على الآخر، بما يمثل صراعا بين النزعتين المدنية المتحررة والقروية المحافظة في الوجدان المصري، لكنه يتضمن أيضا إشارة إلى إمكانية وجود كليهما معا، حتى لو تنافسا على الفوز بقلب المرأة المتصابية نازك السلحدار (صفية العمري).
وهنا أيضا يمتد الصراع إلى الأجيال الجديدة، ليرسم التغيرات التي تطرأ على الجوانب الاجتماعية والأخلاقية، كما يشير إلى صعود طبقات في ظل ما سمي "الانفتاح"، دون أن يعني ذلك ترقي أخلاقيات هذه الطبقات، وإنما طغيان قيمها على المجتمع كله. وتعطي الدراما مساحات هائلة للممثلين لأفضل أداء وأكثره رهافة، فالرائعة محسنة توفيق هي أنيسة، الأم بالتبني للابن علي، لكنها تشهد في أسى القسوة التي أصبح يتسم بها، لأنه لا يريد أن يظل ضعيفا في نظر الآخرين. وفي دور إنعام سالوسة لحظات درامية عميقة التأثير، فعندما كانت تتقبل كأم العزاء في استشهاد ابنها، تنطلق في زغرودة تعبر بها عن ألمها، كما لم تظهر لوسي في أدوار أفضل من تلك التي منحتها لها دراما عكاشة، في "ليالي الحلمية" و"أرابيسك".
كان جوهر "أرابيسك" هو البحث عن الهوية المصرية، لكنه لم يكن مسلسلا ممتدا، بينما كان هذا البحث عن الهوية هو محور مسلسل "زيزينيا"، الذي امتد عرضه بين عامي 1997 و2000. وإذا كان البحث في "أرابيسك" يدور في أجواء قلب قاهرة المعز، فإنه في "زيزينيا" يأخذ مجالا أكثر اتساعا، لأنه عن مدينة الاسكندرية "الكوزموبوليتانية"، أي التي جمعت بين ثقافات مختلفة وصهرتها معا في مزيج متفرد، نراه هنا في شخصية بشر (يحيى الفخراني)، والذي حمل أيضا اسم بوتشي، المنحدر من أب مصري وأم إيطالية، لذلك فهو موزع بين هذين العالمين، لكنه أكثر ارتباطا بالعنصر المصري، الذي يتمثل في زوجة أبيه الطيبة آمنة (هدى سلطان)، والجارة اللعوب عايدة (آثار الحكيم في الجزء الأول، وهالة صدقي في الثاني)، ذات الجاذبية الطاغية، والتي تصبح مركزا لاهتمام تنويعات عديدة من الرجال.
مرة أخرى يسجل "زيزينيا" رحلة الصعود لشخصيات وطبقات جديدة، في منحنيات درامية قد تنتهي – كعائشة في ثلاثية نجيب محفوظ – إلى غير ما كانت تنبئ به البدايات، في إشارة لا تخلو من أسى لتشتت المصائر. وهي المصائر التي نراها أيضا في آخر أعمال عكاشة من نوعية الدراما الممتدة، في مسلسل "المصراوية"، الذي تعددت أجزاؤه بين عامي 2007 و2011. ومسرح المصائر هنا هو قرية في شمال مصر، حيث الأم وسيدة العائلة (سميحة أيوب) تعد ابنها الأكبر فتح الله (هشام سليم) ليكون العمدة، بينما ينازعه أشخاص آخرون من العائلة. ومثل سليم البدري تتعدد زيجات فتح الله، لتشمل جنسيات وأعراقا عديدة، كأن ذلك يشير إلى تعدد عناصر تكوين الشعب المصري، التي امتزجت في بوتقة متفردة حقا.
لم تكن مسلسلات أسامة أنور عكاشة، العادية منها أو متعددة الأجزاء، مجرد استهلاك لأشكال درامية تملأ مساحات المشاهدة على شاشات الفضائيات، ولا استعراضا فارغا لبهلوانيات تقنية تهتم بالشكل دون المضمون، لكنها كان تحمل هما واهتماما ظلا يسريان في أعماله، ويعبران عن نفسيهما في البحث عن الهوية، وإثارة الحنين إلى الماضي من أجل إثراء الحاضر. ومن المؤكد أن ذلك نوع فني وفكري عميق، تصبح معه المسلسلات الطويلة أو ذات الأجزاء ضرورة وليست أقرب إلى "المقاولات" التليفزيونية، التي سادت وسودت شاشاتنا في الفترة الأخيرة.

Saturday, April 12, 2014

مسلسلات المقاولات من تسعين حلقة!!

لا أحد ينكر أن ظهور المسلسلات التركية على شاشاتنا الفضائية كان له تأثير كبير، خاصة مع تقنية "الدوبلاج" باللهجة السورية، فقد بدا أن صناع مسلسلاتنا يكتشفون – وإن لم يكن ذلك حقيقيا -  قالب الحلقات الطويلة التي تمتد إلى العشرات أو حتى المئات، وهي ظاهرة ليست في الواقع جديدة، فقد سبق لمحطاتنا التليفزيونية أن أذاعت مسلسلات من أمريكا اللاتينية، عرفت باسم "المكسيكية". لكن كان للدراما التركية سحرها الخاص، خاصة مع تنوع المناظر الطبيعية – السياحية في الأغلب – حيث تدور العديد من المشاهد، مما حقق للمتفرج متعة بصرية لا يجدها في العادة في التنويعة المصرية على هذا النوع من الدراما.
تعود ظاهرة المسلسلات ذات الحلقات الممتدة إلى ما يعرف باسم "أوبرا الصابون" في التليفزيون الأمريكي، والتي بدأت في الإذاعة برعاية معلنين منتجين للصابون (ومن هنا جاء اسمها)، ثم انتقلت بعد ذلك إلى التليفزيون، وتوجهت في الأساس لربات البيوت خلال الفترة الصباحية. وكان ذلك سببا في اكتسابها لسمات خاصة بها تختلف عن بقية أنواع المسلسلاـت، وإن انتقلت بعد ذلك إلى الفترة المسائية، ومعها نفس الخصائص الأساسية لأوبرا الصابون.
من أهم هذه الخصائص أن تدور حول علاقات عاطفية بالغة الرومانسية، مع أجواء لأسر متداخلة ومصائر متشابكة، بما يسمح للعديد من الخطوط الدرامية (أو الميلودرامية إن شئت الدقة) أن تتفرع وتتباعد وتتلاقى، كأنها تتتبع مصائر الشخصيات التي تقع تحت تأثير تغيرات مفاجئة بين الحين والآخر. إن أردت مثالا شهيرا على مسلسلات أوبرا الصابون يمكنك أن تجده في "دالاس" أو "الجريء والجميلات"، اللذين كانا يعتمدان على رسم الشخصيات المتنوعة، لكنها تنقسم دائما بين أخيار من جانب وأشرار من جانب آخر، وأن تحتوي على الكثير من المشاهد الحوارية، التي تكشف للمتفرج بين الحين والآخر عن مفاجآت غير متوقعة.
وفي هذا النوع من الدراما، يمكن للحلقات أن تمضي بلا نهاية، بشرط دقة رسم تفاصيل الشخصيات، والعرض من خلال "مواسم" تسمح باختفاء شخصيات وظهور أخرى، ليس دائما بسبب الخضوع لمقتضيات الحكاية، بقدر ما هي أمور إنتاجية، فعندما يضطر أحد الممثلين للغياب المؤقت أو الدائم، "يخترع" له كاتبو الحلقات سببا يتراوح بين السفر الطويل والموت، ولا بأس أحيانا من عودته بمفاجأة ميلودرامية أخرى إلى الحياة، إذا عاد هذا الممثل للانضمام لفريق العمل!!
ونجاح هذه المسلسلات يكمن في جذبها للمتفرج (أو بالأحرى المتفرجة)، وإثارة الاهتمام بمصائر الشخصيات، التي تتبادل علاقات حب سرية أو من طرف واحد في أغلب الأحوال، بما يسمح بالكثير من التنهدات والدموع. لكن هناك عنصرا اجتماعيا مهما آخر يشترك في تحقيق هذا النجاح، هو خلق مزيج من الواقع والخيال، فالشخصيات تشبهنا إلى حد ما، لكنها تعيش عالما من العواطف النقية التي لا تتحقق أبدا في الحياة اليومية، وكان ذلك هو سر نجاح واحدة من أوائل التجارب العربية في هذا المجال، وهو مسلسل "روبي"، الذي يمثل جسرا بين الدارما التركية والعربية، مع وجود "خلطة" البطلة اللبنانية (سيرين عبد النور) والبطل المصري (أمير كرارة)، مع السحر الخاص للطبيعة في لبنان، والأجواء التي تسمح بقدر معقول من التحرر، لكن المسلسل ظل شديد الاقتراب من أجواء أوبرا الصابون، في تناول علاقات عاطفية متشابكة، يغلب عليها الحرمان والكتمان، ونهايات لم تكن البدايات تنبئ عنها، ناهيك أيضا عن شخصيات تعاني من أمراض مزمنة، تدفع الدموع في أعين المتفرجات أنهارا.
ظهرت في الآونة الأخيرة مسلسلات مصرية تحاول أن تحاكي هذا النمط التلفزيوني الدرامي، خاصة في مسلسلي "آدم وجميلة" و"زي الورد"، والطريف أنهما من تأليف شخص واحد هو فداء الشندويلي، وإن كان الأول من إخراج أحمد سمير فرج، والثاني من إخراج سعد هنداوي. في "آدم وجميلة" حكاية تشبه "الحواديت"، حيث هناك علاقة حب ممتدة من أيام الطفولة بين آدم (حسن الرداد) وجميلة (يسرا اللوزي)، يتباعدان فيها ويلتقيان بطريقة تغلب عليها المصادفات، لكن الأغرب أن ينتهز صناع المسلسل الفرصة للمط والتطويل كلما لاحت الفرصة، فعندما يلتقي البطلان بعد غياب طويل، لا يتعرف آدم على جميلة لكنها تتعرف عليه دون أن تبوح له، ويشعر هو بعاطفة جارفة من الحب لا يدري لها سببا، ليستغرق حلقات أخرى في مزيد من البحث عنها!!
يمتد هذا المط والتطويل إلى ظاهرة كادت أن تتحول إلى مرض في العديد من مسلسلات الدراما التليفزيونية المصرية، وهي الاهتمام بما يسمى "الزمن الدرامي الضعيف"، فإذا أراد صناع المسلسل الإشارة لوصول شخصية ما، فهم يتبعونها في السيارة، وبعد النزول منها، والسير مسافات طويلة من أبواب وردهات، حتى تستقر الشخصية أخيرا في مكان الحدث، وتلك لقطات تستهلك جزءا كبيرا من الزمن، لكنها جديرة بحق ليس فقط بحذفها في المونتاج، وإنما عدم كتابتها وتمثيلها أصلا!!
وهنا يكمن عيب خطير في مسلسلاتنا، وهو البطء الشديد الباعث على الملل، وإن كانت هناك محاولة للتغطية عليه بالكثير من الموسيقى المؤثرة. إنه البطء الذي تراه هنا مثلا في مشهد بالغ الطول لولادة الأم لطفلتها جميلة، تتعالى فيه الصرخات والآلام دون أن تدري لذلك دلالة درامية ما. لكن المهم أن الطفلة سوف تصبح نسخة من أمها عندما تكبر (في توفير نفقات لممثلة تقوم بدور الأم!)، وتصبح يتيمة الوالدين لتتربى بعيدا عن صديق طفولتها آدم، وتنتقل إلى الإسكندرية (في فرصة لاستخدام مناظر طبيعية)، لتدور الحلقات التسعون جميعا بعد آلام الفراق الطويل حول عودة الحب بين البطلين، ولا مانع أيضا من شراكة ناجحة في عالم "البيزنس"، ومثل "حواديت" الأطفال، يكون المشهد الأخير لهما وقد "عاشا في التبات والنبات، وأنجبا صبيانا وبنات"!
يتمتع "زي الورد" بفرصة أفضل، لأنه يتضمن عددا أكبر من الخطوط الدرامية والشخصيات مختلفة المصائر، وإن كان ذلك يتم في نوع من التلفيق في أغلب الأحوال. وهنا يحاول المخرج سعد هنداوي إضفاء لمسة خاصة، باستخدام المجاميع والتصوير في الأماكن الواقعية في الريف والأحياء الشعبية، وتناول حياة الطبقات المتوسطة والفقيرة. لكن "الحدوتة" تقع هنا أيضا في فخ الميلودرامية الزاعقة، فالبطل علي (يوسف الشريف) ملاكم هاوٍ في الصعيد، يحلم بالشهرة والانتقال إلى الطبقة الأعلى، ويبدو ساخطا على حياته بطريقة تثير استياء أمه، التي تفاجئه (وتفاجئنا) وهي تحتضر على فراش الموت بأن الابن علي ليس ابن الرجل الذي رباه صغيرا، وإنما هو ابن رجل الأعمال (صلاح عبد الله) الذي أغوى الأم في شبابهما، لأنه كما تشير الدراما زير نساء حتى في شيخوخته.
ينتقل على للعمل لدى أبيه دون أن يفصح عن حقيقته (لن ندري لماذا!!)، ويستخدمه الأب مثل كل رجال أعمال الدراما التليفزيونية في مهام مشبوهة، وهنا تتقاطع حياة علي مع البطلة ياسمين (درة)، التي يتزوجها سرا ليصبحا مطاردين من شقيقها ضابط الشرطة (ولن ندري لماذا أيضا). وتتفرع الحكاية إلى عدد لا يحصى من علاقات حب – من طرف واحد دائما – بين شخصيات ليس لوجودها أي ضرورة درامية.
أرجو ألا تصدق ما تحاوله بعض هذه المسلسلات من الإشارة لفساد رجال الأعمال أو ممارسات الشرطة، فهي ليست جادة في ذلك، وأشرار هذه المسلسلات يمكنهم أن يمارسوا أي عمل آخر دون فرق، لكن لعلك لاحظت واحدة من أهم سمات هذه الدراما، وهي الفقر الشديد في الكتابة، فهي في الحقيقة يمكن تلخيصها في نصف ساعة (بدون أدنى مبالغة)، بما يجعلها نوعا من "المقاولات الدرامية"، لصنع عدد أكبر من الحلقات بنفس الممثلين، مع استعارة المفاجآت الدامية على طريقة الأفلام الهندية. لذلك فإن هذه المسلسلات تفتقد إلى أهم شروط نجاح الحلقات الطويلة، وهو القدرة على رسم شخصيات ذات مصداقية جارفة. والمفارقة هنا أن ذلك كان يتحقق بالفعل منذ سنوات في الدراما التليفزيونية المصرية، مع عديد من المسلسلات التي كتبها الراحل أسامة أنور عكاشة، الذي اقتفى طريق الروائي العظيم نجيب محفوظ في ثلاثيته الشهيرة. ولعل دارما عكاشة تحتاج منا إلى إعادة قراءتها المرة بعد الأخرى، لنعرف كيف نصنع مسلسلات ذات حلقات يمكن أن تمتد بلا نهاية.
    

Monday, April 07, 2014

أخلاقيات المسلسلات التليفزيونية

حتى وقت قريب، كان من المستحيل في المسلسلات التليفزيونية أن ترى شخصية درامية ما تدخن سيجارة، ولم يكن ذلك في أغلب الأحوال ميثاقا مكتوبا أو ناتجا عن رقابة متزمتة، ولكنه كان بسبب إحساس صناع هذه المسلسلات بالمسئولية الأخلاقية الضمنية تجاه جمهورهم. وكانت السينما لا تشعر بهذا القيد بدرجة كبيرة، لذلك كان من السهل على المخرج، حين يريد من الممثل التعبير عن التوتر، أن يطلب منه تدخين سيجارة وراء أخرى، ولعله يذهب ببطله أيضا إلى إحدى الحانات، لكي يتجرع الخمر "حتى ينسى" (!!)، ولا مانع أيضا أن تكون تلك فرصة لرقصة أو أغنية على الأقل!
كان الفارق الأساسي – وما يزال – هو أنك تذهب للسينما بإرادتك، وتختار الفيلم الذي تسعى إليه بقدميك، بينما تقتحم المسلسلات التليفزيونية عليك حياتك دون استئذان، كما أنها لا تعرف التفرقة بين شرائح المتفرجين، خاصة عندما تصبح المسلسلات (وحاليا برامج التهريج أيضا) مادة أساسية لعشرات القنوات التليفزيونية، لا يكاد أحدها أن ينتهي حتى يبدأ الآخر، وعندما تمسك بالريموت لكي تغير المحطة ففي الأغلب سوف تجد نفسك تنتقل إلى مسلسل آخر، ولا حيلة لك في الاختيار بين هذا وذاك، في معظم الأحوال.
وللأسف أصبح من المعتاد اليوم في مسلسلاتنا أن تدخن الشخصيات سجائرها بنهم بالغ، ولا مانع أيضا من تدخين أشياء أخرى، وتظهر هذه الشخصيات وهي تتجرع الخمر في حياتها اليومية، بدلا من أن تشرب شايا أو قهوة أو مشروبا لطيفا، بل ربما كان الأخطر أن تمارس سلوكيات كانت مستهجنة في مجتمعاتنا، مثل حديث الأبناء للوالدين باستهتار ومزاح ثقيل، يصل أحيانا لدرجة عدم الاحترام والعدوانية التي لا تخلو من الصفاقة. وإذا تأملت أكثر في الأجواء الاجتماعية التي يتم تقديمها في معظم المسلسلات، فسوف تكتشف أنها تقول لك دائما إن كل شيء قابل للمساومة بالمال أو الإغراء الحسي، بما يشير إلى أنه لا وجود لقيمة تدعى "الشرف" الإنساني الذي هو قرين كل "حضارة" حقيقية، وليس مجرد "المدنية" التي يتم التعبير عنها بالملابس الأنيقة أو الأشياء الاستهلاكية العصرية.
إن ذلك يفتح في الحقيقة بابا واسعا أمام مناقشة علاقة الفن بالواقع، لكن دعنا أولا نلقِ نظرة على هذا "الواقع" كما تقدمه معظم مسلسلاتنا التليفزيونية. إنه الواقع الذي يبادل فيه الناس السباب والشتائم في كل مناسبة، أو توصف الشخصيات بأحط الألفاظ وأكثرها سوقية. ومن الغريب أن لفظا كان – وما يزال – يعتبر في العامية المصرية وصفا بالغ القبح مثل "وسخ" (وإن لم يكن ذا دلالة قبيحة مماثلة في مجتمعات أخرى)، أن يتردد على الألسنة بسهولة مفرطة، وهو ما يبدو واضحا، على سبيل المثال لا الحصر، في مسلسل "تحت الأرض" و"نيران صديقة"، تماما مثل شخصيات مسلسل "حكاية حياة" الذي يتردد فيه كثيرا وصف عائلة البطلة (غادة عبد الرازق) بأنها "واطية"!
والعائلات في معظم المسلسلات التليفزيونية تتبادل ممارسات بالغة السوء، لا فرق بين أم وابنة أو أخ وأخته، فكلهم يبغضون بعضهم ويدبرون المكائد المتبادلة، على نحو ما ترى مثلا في مسلسل "الشك" و"حياة حياة"، بل قد تكون هناك في هذا المسلسل الأخير إشارات مكشوفة لعلاقات محرمة، حين يبدو الابن وهو يشعر بالانجذاب نحو من تفترض أنها أمه، ولن يقلل من هول تلك التلميحات أننا سوف نعرف أنها في الحقيقة خالته.
 وإذا كان هذا هو الحال بين أفراد الأسرة، فإنه يصبح أكثر وضوحا بين الأصدقاء أو زملاء العمل، الذين يعيشون خيانات زوجية بين بعضهم البعض في مسلسل "تحت الأرض"، بل يصل الأمر إلى أن تصبح هذه الخيانات متبادلة بعلم أطرافها (!!)، كما في مسلسلات "نيران صديقة" و"حكاية حياة" و"رقم مجهول" مثلا، وتسير الحياة "طبيعية" تماما في ظل هذه الخيانات، وكأنها شيء عادي تماما!
وليس غريبا والحال كذلك أن تجد دورا هنا وهناك لشخصية امرأة تمارس الغواية كأنها تتنفس، مثل شخصية رانيا يوسف في "نيران صديقة"، أو شخصية نهلة سلامة في "حكاية حياة"، في دور طبيبة مستشفى الأمراض النفسية والعقلية، التي تبدو أقرب لفتاة ليل بالمعنى الكامل والصريح للكلمة. وفي هذه الأجواء تنتشر على نحو غريب "خلطة" الجمع بين "البيزينيس" والجنس والإغراء، على نحو ما يبدو واضحا تماما في مسلسل "تحت الأرض".
وكنتيجة أخرى لسهولة التقنيات التليفزيونية الرقمية المعاصرة، بدا أنه من السهل أيضا تنفيذ مشاهد "الأكشن" والعنف المفرط، فمسلسل "تحت الأرض" على سبيل المثال يكاد أن يعتمد تماما على مشاهد القتل والتفجيرات، كما أن مسلسل "طرف ثالث" يحتوي على الكثير جدا من مشاهد مطاردات السيارات، التي كان من المستحيل تنفيذها للتليفزيون بالتقنيات القديمة. وليس الأمر هنا هو مجرد "القدرة" على تنفيذ مشهد بطريقة السينما، وإنما أن هذا العنف يدخل بيوتنا بالرغم منا، ويراه أطفالنا في لحظات استرخائهم، ليصبح في حد ذاته مصدرا لـ"متعة" مريضة، كما أنه يتحول إلى ممارسة يومية قد تتسلل دون وعي إلى سلوكياتهم.
وبرغم أن مسلسل "بدون ذكر أسماء" يعتبر من الناحية الفنية الأفضل بين مسلسلات الموسم الأخير، فإنه لم يخلُ أيضا من مشاهد عديدة لعنف الشوارع، حيث تستخدم الأسلحة البيضاء كطريقة للتفاهم بين الجميع!! وفي هذا المسلسل أيضا تجسيد لملمح آخر من ملامح مسلسلاتنا المعاصرة، فهو يختار أن يصور "حضيض" المجتمع، على نحو قد لا تعرفه إلا في روايات تشارلز ديكنز في النصف الأول من القرن التاسع عشر على سبيل المثال، ليبدو العالم السفلي للمدينة أشبه بمعرض للتشوهات الاجتماعية. وفي مقابل عالم الفقر المدقع ذاك، هناك في مسلسلاتنا تصوير لعالم الثراء الفاحش، الذي يتجسد دائما في شخصيات تسكن قصورا فاخرة، وتركب سيارات فارهة، كما في مسلسل "اسم مؤقت" مثلا، وأن يصبح مصدر الخلافات الزوجية هو الاختيار بين عمرو دياب أو تامر حسني، كما في مسلسل "نيران صديقة"!!
قد يدهشك – ومعك الحق – أنه لا وجود للطبقات المتوسطة في مسلسلاتنا، وليس هناك اهتمام بالتعبير عن آمالها وآلامها، وأحلامها وكوابيسها، التي تعيشها في ظل واقع حقيقي مضطرب، تكاد فيه هذه الطبقة أن تغرق، بينما هي في كل المجتمعات الطبقة الحاملة للقيم الاجتماعية السائدة، والتي تمثل للطبقة الدنيا أملا في الترقي، كما تمارس نوعا من الكبح للسلوكيات المترفة للطبقات الثرية، وليس هناك دليل على غياب الطبقة المتوسطة أكثر وضوحا من المسلسلات التي قامت يسرا ببطولتها في الأعوام الأخيرة، فجميعها يدور في "يوتوبيا" منبتة الصلة عن الواقع، مثل ذلك المطعم الافتراضي في مسلسلها الأخير "نكدب لو قلنا ما بنحبش"، حيث جميع الشخصيات – دون استثناء – تعيش مشكلات عاطفية ليس بينها وبين الواقع صلة من قريب أو بعيد.
الصلة مع الواقع، تلك هي المشكلة حقا، والتي تعيدنا إلى السؤال التقليدي: هل الفن انعكاس للواقع، أم تعبير عنه؟ وفي الحقيقة أنه سؤال مراوغ، فالفن شيء بين هذا وذاك، وفي الحالتين توجد هذه الصلة بينه وبين الواقع. فحتى أفلام الخيال العلمي على سبيل المثال تعبر عن شخصياتها الافتراضية من خلال مفردات واقعية (عيون، أيدي، أقدام....)، كما أنها تحكي عن صراع الخير والشر كما نعرفهما في حياتنا، أو قل إنها تحكي عن "قيم" أخلاقية واجتماعية هي جوهر هذه الحياة.
ولكي نجعل الأمر أكثر بساطة، دعنا نتصور أنك تريد أن تعرض على الشاشة مشهدا للقتل، فهل ينبغي عليك أن تختار صورة الدماء وهي تتدفق من الضحايا، أم أن من الممكن تجسيد قسوة الفعل يالإشارة إلى آثاره؟ وإذا كان هذا الاختيار متاحا في السينما، فإنه ليس كذلك – ولا ينبغي له أن يكون – في التليفزيون. وربما يقول لك البعض إن العنف مثلا منتشر في المجتمع في لحظة ما، لكن هل دور الفن – خاصة التليفزيون – أن يجعل منه عنفا "عاديا"، ليصبح جزءا من سلوكيات وأخلاقيات المشاهدين، خاصة الأطفال منهم؟
وإذا كان بعض صناع مسلسلاتنا يستعرضون مهاراتهم في محاكاة السينما، التي قد تتناول جوانب غير سوية من الحياة اليومية، فإننا نطلب منهم – إلى جانب هذه المهارة – القليل من الأخلاق أيضا!