Wednesday, January 08, 2014

فيلم "المواطن".... فيلم لا يحمل رائحة الوطن


من حق أي فنان عربي أن يطلق على نفسه "عالميا" لأنه استطاع الحصول على دور ما في فيلم أمريكي، أو قد يصل الأمر به أيضا للاستئثار بدور البطولة، كما حدث مع الممثل المصري خالد النبوي في فيلم يدعى "المواطن"، وقد تهلل بعض مطبوعات الصحافة العربية الفنية للحدث، حتى قبل أن يشاهد البعض الفيلم، أو قبل أن يبحثوا عما إذا كان لصانعيه – كتاب سيناريو أو منتجين أو مخرج – وجود حقيقي في السينما الأمريكية. وذلك في الحقيقة انعكاس لإحساس جارف بالرغبة في إثبات الذات، وسط صناعة سينمائية عالمية تجاوزت بمراحل واسعة السينما المصرية صناعة وفنا، أو كأننا نتعلق بالقشة في محاولة للنجاة من الغرق. ولسنا هنا في سياق تأكيد أو نفي موهبة خالد النبوي في التمثيل، فالتمثيل يكاد أن يكون أكثر العناصر السينمائية التي يختلف فيها المتفرجون والنقاد، تبعا للتجاوب أو النفور العاطفي تجاه الممثل أو الممثلة. لكننا سوف نحاول أو نلقي الضوء على الفيلم سواء من ناحية الشكل أو الرسالة، خاصة أنه قد يبدو للوهلة الأولى دفاعا عن "الشخصية العربية"، التي واجهت وما تزال تواجه هجوما شرسا من السينما الأمريكية، بل كل وسائل الإعلام هناك، وهو ما يتأكد على سبيل المثال في كتاب الباحث الأمريكي من أصل لبناني جاك شاهين "العربي الشرير في السينما الأمريكية"، الذي أحصى فيه – حتى عام 2000 – حوالي تسعمائة فيلم أمريكي تعاملت مع الشخصية العربية بشكل سلبي. وقد تكون الملاحظة الأولى هي الشكل بالغ التقليدية للفيلم، الذي يلجأ إلى "فلاش باك" طويل جدا ليحكي حكايته، من خلال وعي بطله ابراهيم جراح (خالد النبوي)، الذي يقف في المحكمة ليواجه رفض الحكومة الأمريكية لطلبه بالحصول على الجنسية، لكن الفيلم يقع في الخطأ البدائي لمثل هذا البناء، وهو أن يتضمن مشاهد لم يكن البطل طرفا فيها، وبالتالي لا يمكن أن تنبعث من ذاكرته. وبعد أن يقضي الفيلم الوقت الأكبر من عرضه في رواية قصة ابراهيم منذ لحظة وصوله إلى أمريكا، وقد تنقل قبلها بين عدة بلدان عربية منطلقا من موطنه لبنان، غير أنه لم يجد فيها مستقرا، يعود الفيلم إلى مشهد المحاكمة التقليدي، حيث يتنافس وكيل النيابة والمحامي على طريقة الأفلام العربية، لكن ما يحسم القضية هو استرسال البطل ابراهيم في "خطبة" طويلة أخرى، يبدو فيها ليس مدافعا عن نفسه فقط، وإنما عن الدستور الأمريكي أيضا أكثر من الأمريكيين أنفسهم، ليحصل على حق المواطنة بعد تلك الرحلة من المعاناة التي تبدو طويلة. من جانب آخر يأتي الفيلم متناقضا تماما مع "الرسالة" التي يفترض أنه يسعى إليها، وهي زيف "الحلم الأمريكي"، لكن المفارقة أن يؤكد صحة هذا الحلم في المشهد الأخير، وقد امتلك البطل الذي أتى إلى أمريكا خاوي الوفاض سيارة فارهة ومنزلا فاخرا، تنتظره على أعتابه زوجته الجميلة وطفله الرقيق! غير أن المثير للدهشة حقا أن تحقيق هذا الحلم يأتي من خلال بناء الفيلم في سلسلة من "المصادفات" التي لا تنتهي (على طريقة الأفلام العربية أيضا)، وقد تسأل نفسك: ماذا كان يحدث لو لم تقع هذه المصادفة أو تلك؟ لكن صناع الفيلم لم يسألوا أنفسهم هذا السؤال أبدا، لأنهم مشغولون على الدوام بتلفيق مجموعة من المآزق التي يقع فيها البطل، الذي لابد له أن تنتهي رحلة معاناته عند السيارة الفارهة والبيت الفاخر. "حدوتة" الفيلم باختصار هي أن ابراهيم يصل إلى مطار نيويورك، متوقعا اتنظار ابن عمه له، لكنه يجد نفسه وحيدا أمام سلطات الجوازات التي تجري له تحقيقا مطولا. وهو يبحث عن فندق رخيص يقيم فيه، وبالمصادفة وفي دقيقة وصوله ينقذ الفتاة الأمريكية دايان (أنييس بروكنر) من صديقها الذي يعاملها بعنف، لتأخذه (وتأخذنا معه) في جولة سياحية في الدينة، وسوف تمتد العلاقة بينهما طوال الفيلم، دون أن تعرف أنت كمتفرج طبيعة هذه العلاقة، لكي يتزوجا في النهاية، ويعيشا في التبات والنبات. وبالمصادفة أيضا تقع أحداث الحادي عشر من سبتمبر في اليوم التالي لوصوله، لنراه مشتركا على نحو بالغ التعاطف مع الضحايا، مع لمسات عابرة من مظاهر العداء للعرب والمسلمين بعد هذا الحادث، ويتم القبض عليه ليظل مسجونا ستة شهور، حتى يفرج عنه لأنه لا دليل ضده على اشتراكه في أعمال إرهابية. ومن الغريب أنك لن تجد لفترة السجن تلك أي أثر إنساني أو درامي على بطلنا، الذي يتعرف بالصدفة أيضا على رجل هندي أو باكستاني يدعى "مو" (ربما اختصارا لاسم محمد)، ويعمل لديه في محطة الوقود والمحل الصغير الذي يملكه. وبالصدفة مرة ثالثة يقابل في مركز تعليم الإنجليزية للأجانب فتاة لبنانية تدعى "بَهَا"، ويعجب بها حتى أنه يطلبها للزواج، لكن سرعان ما تختفي الفتاة من حياته ومن الفيلم، وكأن وجودها كان مجانيا وبلا ضرورة درامية. هل تريد صدفة رابعة؟ إنه ينقذ أمريكيا "يهوديا" كادت أن تودي بحياته مجموعة من الشباب الأمريكي المتعصب، ليرد له الشاب جميله بتشغيله في محل بيع السيارات الذي يملكه والده بالغ الثراء. ولك أن تتخيل أنه عندما واجه رفض منحه الجنسية الأمريكية، أصبح "بطلا" تُنظم المظاهرات من أجله أمام المحكمة، والسبب هو هؤلاء الذين ساعدهم بالصدفة والذين حشدوا المتظاهرين!! وفي التحليل الأخير فإن الفيلم يأتي كتقليد باهت لقصاصات سينمائية أمريكية، كما في مشهد المحاكمة والمظاهرات، أو للأفلام المصرية التي يقوم بناؤها على منطق الصدفة، أو وجود شخصيات وأحداث يمكن أن تحذفها دون أن يحدث أي فرق. وربما كان الأهم في ذلك كله هو الإيقاع بالغ الرتابة للفيلم، وفقدان المتفرج من الحد الأدنى للتعاطف مع البطل، ولا نطمح للتوحد معه. ولا يملك المرء أمام سذاجة فيلم "المواطن"، بكل الدعاية الصاخبة التي صاحبته، إلا أن يقارنهما بفيلمين آخريين عن نفس التيمة، لكنهما كان أكثر نضجا بكثير، دون أن يعرف المتفرج العربي عنهما شيئا، لمجرد عدم وجود "نجم" (أو هكذا يُفترض) مثل خالد النبوي يدفع هذه الدعاية دفعا. ولم يكن غريبا أن تكون "الممثلة" (بمعنى الكلمة) الفلسطينية هيام عباس موجودة في هذين الفيلمين. الأول هو "الزائر"، من إخراج وسيناريو توماس ماكارثي، عن الأستاذ الأمريكي الكهل الذي يعود إلى شقته التي يملكها في نيويورك، ليجد أن هناك محتالا أجرها لشاب سوري وزوجته، وهو في البداية يصمم على طردهما، لكنه يعطيهما فرصة لأيام معدودة لتدبير أمورهما، لتنمو حالة من الدفء الإنساني بينهم، وقدر أكبر من التفهم لشخصية العربي كإنسان محب للحياة. الفيلم الآخر هو "أمريكا" (هذا بالضبط نطقه وليس "أميركا")، سيناريو وإخراج شيرين دبس، الذي يحكي عن الأم منى فرح (نسرين فاغور)، الفلسطينية التي تعاني في بلادها من حصار المحتلين، فتقرر قبول "اليانصيب" الأمريكي للرحيل إلى هناك مع ابنها، لتنضم إلى بقية العائلة التي سبقتها. وبحس تسجيلي بالغ الرهافة، تعيش فيه الكاميرا مع الشخصيات لحظاتهم الحميمة البسيطة، ونرى منى وهي تبحث عن عمل، حتى تجده في مطعم، لكنها لا تستطيع أن تصارح الأسرة لأنها تحس بأن ذلك يمس كرامتها، غير أن ذلك لا يحميها وابنها من المطاردات العنصرية اليومية. من أجمل مزايا فيلم "أمريكا" أن بطلته الممثلة نسرين فاغور تتمتع بجمال بالغ البساطة، وهي تميل إلى البدانة، وكثيرا ما تتحدث عن رغبتها (كشخصية في الفيلم) في أن تبدأ نظام حمية غذائية للتقليل من وزنها، لكنها تتمتع بروح بالغة الدفء تجعلك تحبها وليس أن تتعاطف معها فقط. إنها ليست "نجمة" بالمواصفات العقيم للسينما المصرية، لكنها ممثلة حقيقية، في فيلم ناضج، يجعلك تعيش مع شخصياته ذكريات الحنين للوطن الأم، وهم يتشممون "الزعتر" الذي جلبته منى معها. وعلى النقيض، أتى "المواطن" فاترا، ولا يحمل أي عبق ولو عابر من الحنين لأي وطن!!

Monday, January 06, 2014

المدن في السينما


منذ مولد السينما في نهاية القرن التاسع عشر، أصبحت "المدن" جزءا لا يتجزأ من العالم السينمائي، لأسباب عديدة تتعلق بالسينما والمدينة معا. فقد كانت تلك هي الفترة التي شهدت ولادة المدن باعتبارها مراكز حضرية رئيسية، وكانت دور العرض السينمائية تتركز في وسط المدن، لكن الأهم على الإطلاق أن السينما كانت الوسيط الفني الجديد القادر على اقتناص روح المدينة وتسجيلها على الفيلم، تلك الروح التي تبدو متغيرة على الدوام، يتفاوت إيقاعها بين الصباح والمساء، مما يخلق سيمفونية بصرية كاملة. وبالفعل كانت أفلام المدن في بدايتها تشبه الأعمال الموسيقية في إيقاعها، مثل "برلين: سيمفونية مدينة"، أو فيلم "الرجل والكاميرا السينمائية"، وهي أفلام تسجيلية اعتبرت في حينها أعمالا تجريبية رائدة. لكن سرعان ما أصبحت المدينة خلفية تدور عليها الأحداث الدرامية، سواء ذات الصبغة السياسية مثل "روما مدينة مفتوحة" و"سارقو الدراجة" و"ماسحو الأحذية"، وهي الأفلام التي تجعلك تعيش في أجواء روما المدمرة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، أو حتى الأعمال الذاتية مثل "روما فيلليني" الذي يبدو أقرب إلى صورة المدينة في عيني صانع الفيلم، أكثر مما هي في واقع الحياة. وفي الآونة الأخيرة، ظهر فيلمان عالميان يفترض أنهما جزءان من سلسلة سوف تكتمل عن المدن، وهما "أحبك يا باريس" و"أحبك يا نيويورك"، لكن كلا منهما يقوم بناؤه على مجموعة من الأفلام القصيرة للعديد من المخرجين، حيث تصبح المدينة أشبه بالبلورة التي يمكن أن تراها في أشكال مختلفة من زوايا مختلفة، بعضها يسوده الحنين والشجن، وبعضها الآخر يحتشد بقدر غير قليل من السخرية والهجاء... بعضها عن شباب يتلاقى في المدينة لكي يعيش مستقبلا جديدا، وبعضها الآخر عن شيوخ يودعونها وقد وصلوا إلى نهاية رحلة الحياة... بعضها يعبر عن حقيقة، وبعضها الآخر ليس إلا وهما خياليا صرفا. لكن نادرا ما كانت المدينة تحتل مكانا مهما في دراما السينما المصرية، حيث يمكن أن تدور الأحداث في أي مكان دون أن تشعر أن هناك شيئا مفتقدا. غير أن الأعمال القليلة التي كانت فيها المدينة خلفية مهمة للأحداث تركت أثرا باقيا في السينما المصرية، ولعل أول هذه التجارب كان فيلم "حياة أو موت"، عن فتاة صغيرة تخوض ما يشبه الرحلة القاسية في زحام القاهرة، وهي تحمل الدواء لأبيها المريض، بينما تحاول الشرطة اللحاق بها لأن "الدواء فيه سم قاتل"، تلك الجملة التي أصبحت من "فولكلور" السينما المصرية. وهناك أفلام ارتبطت على نحو قوي بالمدينة التي تدور فيها الأحداث، مثل "بور سعيد" الذي أنتجه فريد شوقي لكي يسجل أحداثا روائية عن مقاومة بطولية، للمدينة التي واجهت عدوانا ثلاثيا، لتبقى في الذاكرة العربية رمزا للصمود. وكانت نفس المدينة – بور سعيد – هي المسرح الذي تدور فوقه ملحمة "القبطان"، الذي يمتزج فيه الواقع والخيال، الحقيقة والرمز، العام والخاص، لكي تصبح المدينة بوابة يطل منها صانع الفيلم سيد سعيد ليس فقط على التاريخ، وإنما أيضا على الحضارة التي جمعت بين الشرق والغرب، بل على الوجود الإنساني ذاته. ولعل الإسكندرية تحتفظ لنفسها بمكان مهم بين أفلام المدن، وكثيرا ما تشاهد في أفلامنا المصرية شاطئ البحر بأمواجه التي تتلألأ بالأضواء عند الغروب، لكن القليل أيضا من هذه الأفلام هي التي يصبح فيها للإسكندرية وجود درامي مؤثر، ولعل الأقرب للذاكرة أفلام يوسف شاهين التي تحمل اسم المدينة ذاتها، مثل "اسكندرية ليه"، و"اسكندرية كمان وكمان"، و"اسكندرية نيويورك"، لكنها أيضا كمعظم أفلامه هي "اسكندرية ذاتية" إن صح التعبير، إنها المسرح الذي تدور فوقه الأحداث دون أن تكون جزءا من الأحداث ذاتها. والغريب أن هذا ينطبق أيضا على أفلام لا يمكن أن تصفها سوى بالهزل، مثل "بلطية العايمة" أو "صايع بحر"، فعلى الرغم من تصوير مشاهد من هذه الأفلام في أحياء حقيقية، فإن الشخصيات والقصص والحبكة ليست إلا تقليدا باهتا لما يمكن أن تراه في أي أفلام تدور في أي مدن أخرى. ولعل غياب المدينة يلعب أيضا دورا في بعض الأفلام، ففي "الطوق والإسورة" و"عرق البلح"، يصبح للقرى النائية في الصعيد حضور قوي، يكاد أن يكون خانقا، وهو ما يصنع نسيجا لا ينفصم مع النهايات المأساوية للأحداث. أما في فيلم "البداية"، فقد أراد صلاح أبو سيف أن يضع شخصياته في مكان معزول، حتى يدفعهم لتكوين "مجتمع" جديد، يدرس من خلاله صانع الفيلم كيف تتولد الفوارق الطبقية، واحتكار السلطة، واستغلال جهل البسطاء. وهذا الاهتمام السياسي والاجتماعي بالمكان يعود إلى واحد من أفلام صلاح أبو سيف الأولى، وهو "الأسطى حسن"، الذي يتحدث عن اثنين من الأحياء المتجاورة في القاهرة: بولاق والزمالك، لا يفصل بينهما سوى جسر صغير، لكنه يعبر عن تفاوت طبقي هائل، كان يشغل اهتمام أبو سيف في معظم أفلامه، حتى لو اصطبغت كثيرا بالميلودراما الفاجعة. لكن هناك مخرجا واحدا هو الأهم بين صناع السينما المصرية، التي تشكل المدن بالنسبة له "شخصية" من شخصيات الفيلم، وليست مجرد خلفية للأحداث. ذلك هو محمد خان، صاحب الذاكرة البصرية القوية اتي تمسك بروح المكان، على نحو لا يباريه فيه مخرج آخر. تأمل مثلا "موعد على العشاء"، حيث تصبح برودة المدينة الساحلية معادلا لفتور العلاقة بين الزوج والزوجة، وكيف أن البحث عن الدفء الإنساني يحدث دائما في مشاهد داخلية. وعلى النقيض، يصبح المشهد الخارجي المفتوح للمدينة ذاتها، في فيلميه "أحلام هند وكاميليا" و"فارس المدينة"، تعبيرا عن الرغبة في العثور على "بداية جديدة"، تنقذ الشخصيات من الأزمة الخانقة التي يعيشونها. كما تصبح مدينة "المنيا" في شمال صعيد مصر بطلة في فيلمين من أفلامه، لأنها المدينة الصغيرة التي تحتضن شريحة مميزة من أبناء وبنات الطبقة الوسطى، يكاد عالمهم أن تقف حدوده عند الرحلة اليومية إلى العمل أو المدرسة، لكن الاضطرار إلى تركها يشكل صدمة للبطلة، تتسم بالمأساوية في "زوجة رجل مهم"، وعلى النقيض تبدو بمثابة البوابة التي تنفرج قليلا لكي يتسع العالم في "شقة مصر الجديدة". وهي الصدمة التي شكلت وعي البطل القادم من الريف في "مستر كاراتيه"، وهو يحاول التواؤم مع روح مدينة القاهرة، لكنها التجربة التي تنتهي إلى الفشل، لكي يعود إلى القرية، تلك التي وجد فيها بطل "خرج ولن يعود" ملاذا من الشعور بالضياع في المدينة الكبيرة. ذلك هو الضياع الذي عاشه بطل أول أفلام محمد خان في "ضربة شمس"، وهو من أهم الأفلام التي تم تصويرها في أماكن حقيقية في شوارع القاهرة المختلفة، ويبدو هذا البطل مضطرا للهاث في سباق دُفع إليه دفعا، في مدينة تشبه الغابة في علاقاتها، وهو ما تكرر أيضا في فيلم "يوم حار جدا"، حين تصبح أجواء شوارع القاهرة المزدحمة خانقة لبطل يبحث عن صورة قديمة لعلاقات سابقة، فإذا هو يرتطم بما لم يكن يتخيله، من مؤامرة زوج على قتل زوجته حتى يرثها. ولعل هذا يذكرك أيضا بالبحث عن ماضي المدينة والوطن كله في فيلمه "عودة مواطن"، للبطل الذي عاد وهو يحلم أن يلم شمل الأسرة في منزل من ضاحية حلوان التي كانت في يوم ما هادئة، لكنه يكتشف أن حلمه لم يكن إلا وهما وسرابا. ومن الحق القول إن بعض الأفلام التي صنعها رفاق من جيل محمد خان، لم تكن تخلو أيضا من ذلك الإحساس بالمكان. وإذا كان فيلم عاطف الطيب "ليلة ساخنة" يدور في ليلة واحدة في مدينة القاهرة، التي تكشف تحت سطحها عن أهوال، فإنها الليلة ذاتها التي يقضيها أبطال فيلم خيري بشارة "إشارة مرور"، وقد اضطروا لأن يعيشوا حالة حصار في وسط المدينة، وهي أيضا الليلة التي تكتسي برداء سيريالي لا يخلو من رمزية في فيلم داود عبد السيد "البحث عن سيد مرزوق"، حيث يجد البطل نفسها يمضي في تيار لا يملك مقاومته في أنحاء مختلفة من المدينة، بحثا عن شخص يبدو متحكما في مصيره، وكأن "سيد مرزوق" نفسه ليس إلا هذه المدينة التي تشبه أحيانا حورية فاتنة ساحرة، وتشبه في أحيان أخرى وحشا له عشرات الرؤوس... وليس هناك وسيط فني آخر لا يستطيع أن يقتنص هذين الوجهين المتناقضين سوى السينما، التي اقترنت منذ بدايتها بروح المدن.

Sunday, December 22, 2013

"زوجة رجل مهم"... يكفى عنوان الفيلم


من أجمل وأعمق الأفكار التى قرأتها لناقد سينمائى كانت إجابة على سؤال من قارئ, موجة إلى روجر إيبرت الناقد السينمائى الأمريكى الأشهر, حين سأله القارئ: "لماذا تكتب نقداً للأفلام؟", فأجابه إيبرت ـ وهو من هو بين النقاد الأمريكيين ـ إجابة على قدر كبير من البساطة والعمق: "إننى أكتب نقداً للأفلام لكى أفهمها", وهذا حقيقى تماماً بالنسبة للناقد الجاد الذى لا ينصب نفسه أبداً "قاضياً وجلاداً" على العمل الفنى, ولا يقوم بعميله "تشريح" الفيلم وبالطبع فإنه لا يستطيع أن يقوم بذلك إلا بعد أن يقوم "بقتل" الفيلم وتحويله إلى جثة هامدة يمكن تشريحها. العمل الفنى يا قارئي العزيز كائن حى, تستطيع أن تحبه أو تكرهه دون أن يلومك أحد, فهكذا نتعامل نحن جميعاً مع الحياة, كل من وجهة نظره، ولكن أرجوك ألا تصدر حكماً أخلاقياً قاطعاً مانعا، أبديا وأزليا،ً على أى عمل فنى, ونحن نحب ـ الحب بمعناه الحقيقى ـ من خلال "التفاصيل العادية", ولعل هذا يذكرنى بجزء من حوار على لسان الشخصية التى يقوم بها روبين ويليامز فى فيلم "ويل هانتينج الطيب", بأنك تكتشف أحياناً عمق حبك لامرأة برغم- بل الأحرى بسبب- كل التفاصيل الصغيرة التى قد يراها الآخرون نقائص. تداعت هذه الأفكار إلى ذهنى وأنا أشاهد الآن فيلم "زوجة رجل مهم" بعد حوالى عقدين من عرضه الأول, شاهدته من قبل مرات عديدة لكن فات علىَّ إدراكى الكامل العديد من التفاصيل, لكن الآن وأنا أنوى الكتابة عنه بدأت فى "فهمه" على نحو أكثر عمقاً, وتذكرت ـ لأننى لم أكتب عنه فى وقت عرضه, فحينها لم يكن هناك أمامى مجال للنشرـ كيف تعرض هذا الفيلم للظلم مرتين: الأولى حين تم التعامل معه باعتباره "حدوتة" (وهذه للأسف سمة لصيقة بالأغلب الأعم من الكتابات النقدية فى مصر), انتهى فيها معظم النقاد إلى أن الفيلم يرفع عن "النظام" تهمة إساءة السلطة أحياناً, بينما الفيلم على العكس تماماً يدين النظام فى هذا المجال على نحو أكثر قوة وعمقاً بكثير إذا ما قارنته بأفلام معاصرة مثل "هى فوضى" و"حين ميسرة" و"خارج على القانون" و"الجزيرة", والتى تأتى فى موجة تبدو للوهلة الأولى نقداً للأجهزة الأمنية, لكنه النقد الذى يبدو سطحياً تماماً إذا دخلت إلى عمق "حدوتة" فيلم "زوجة رجل مهم". أما الظلم الثانى الذى تعرض له الفيلم أن القليل جداً من الكتابات هى التى تناولت تقنياته وجماليته, التى يمكن اعتبارها النموذج الأرقى للأسلوب السينمائى الخاص بمحمد خان, الذى يعتمد على البلاغة السينمائية التى تقوم عنده على عنصرين مهمين: المجاز البصرى metaphor , والحذف البلاغى Ellipsis. وقد يندهش القارئ أن يقرأ الآن أننى لم أقابل محمد خان طوال حياتى- حتى كتابة هذه السطور- إلا مرات قليلة عابرة (جداً!!), لم نتبادل فيها إلا كلمات قليلة (جداً!!), بل ربما لم يتذكرنى هو فى بعض هذه المرات, ومع ذلك فقد حدثت مصادفة غريبة- لا أدرى ظروفها, وربما سقطت هى الآن من ذاكرته- حين فاجأنى محمد خان بالاتصال بى عبر الهاتف (لماذا أنا بالتحديد؟ ومن أين جاء برقم هاتفى الذى لا يعرفه إلا قليلون يعدون على أصابع اليدين؟ لا أدرى!!), كان صوت محمد خان غاضباً من قراءة مقال لأحد النقاد المشهورين (جداً), وكان المقال عن فيلم "مستر كاراتيه", وشكا لى خان قول الناقد أن "المونتيرة أحسنت صنعاً عندما حذفت المشهد الفلانى..", ليتساءل خان من أين للناقد أن يعرف أن المونتيرة هى التى "حذفت", وأن ما رآه الناقد على الشاشة هو "البناء الفيلمى" ذاته, وساعتها خشيت أن أقول لخان أن معظم من يمارسون النقد ليست لديهم دراية كافية بالتقنيات والجماليات وأساليب السرد السينمائية, وحاولت أن ألتمس للناقد الكبير العذر بأنها ربما كانت جملة من "كليشيهات" النقد لدينا, على طريقة "أبدع المصور", و"تفوق الممثل على نفسه", و"المونتاج ذكى وبارع". لماذا هذه المقدمة الطويلة قبل الدخول إلى عالم فيلم "زوجة رجل مهم"؟ أصارحك القول ياقارئى العزيز أنها بسبب النشوة الحقيقية التى شعرت بها وأنا أشاهد المشهد الافتتاحى للفيلم, والذى أعدت مشاهدته مرات عديدة وكأننى "سَّميع" شعر "بالسلطنة" لتجويد المطرب فوجد نفسه يصيح: "الله! أعد يا سيدى والنبى!". أرجو أن تتأمل وتشاهد معى هذا المشهد شديد البلاغة والمشحون بقدر هائل من الشجن: عنوان على الشاشة: شتاء 1962, واللقطات الأولى تبدو وكأنه قد نزع عنها الألوان de-saturated حتى كادت أن تكون بالأبيض والأسود, لتبدأ الألوان فى التزايد تدريجياً مع تقدم المشهد, فتاة صغيرة (جيهان نصر فى براءة لم تظهر بها على هذا النحو فى أى فيلم آخر), إنها بملابس المدرسة, تحتضن الكتب فى صدرها, وتسرع نحو دار للعرض السينمائى لتشاهد فيلم "بنات اليوم" مع زميلاتها والجمهور, بينما يجلس عامل العرض يقرأ فى جريدة تحمل فى "المانشيت" الرئيسى لها اسم عبد الناصر, وكعادة دور الدرجة الثانية أو الثالثة ينقطع شريط الفيلم فيصفر الجمهور (مثلما حدث فى "أحلام هند وكاميليا"), ليسرع العامل بإصلاح العطل, وتذوب فتاتنا فى مشهد قراءة عبد الحليم للأغنية التى كتبتها ماجدة: "أهواك", ويبدأ حليم فى عزفها على البيانو وغنائها بصوته الشاب, بينما تسقط دمعة على خد الفتاة, وعندما يصل لحن الأغنية إلى اللازمة الموسيقية التى تنتقل إلى درجة موسيقية أعلى وشجن أعمق, يٌستكمل الغناء على حليم فى التليفزيون, وعنوان مكتوب على الشاشة: "ربيع 1975", والفتاة أصبحت الآن أكبر وأنضج (ميرفت أمين فى قمة بهائها، باستخدام فلاتر التصوير والإضاءة, وأرجو أن تقارن هذا البهاء الذى كانت عليه فى بداية الفيلم بانطفائها فى نهايته، لكن إذا دققت قليلا فسوف تجد الإثنى عشر عاما أكثر مما ينبغى كزمن حقيقى). إن هذه "النقلة" ليست فقط حيلة فنية للانتقال الزمنى, لكن اختيار محمد خان للمقطع الذى يحدث فيه الانتقال يعبر عن إحساس موسيقى بالغ الرهافة يشعر ـ حتى لو لم يكن عليماً بتفاصيل اللغة الموسيقية ـ بمعنى النقلات المقامية واللحنية. إن المشهد لا ينتهى فالفتاة التى تحمل اسم منى (وليبحث القارئ عن دلالة الاسم, الذى تكرر فى فترة مقاربة فى فيلم "الصعاليك" لداود عبد السيد) تخشى أن ينتهى الشريط الذى تسجل عليه الأغنية قبل استكمالها, فتجرى إلى المحل المفتوح المقابل لتشترى بعض الشرائط, وهناك يراها ضابط المباحث هشام (أحمد زكى, وأرجو أن تلاحظ الفارق الكبير جداً بين أدائه هنا وأدائه فى نفس العام فى "أحلام هند وكاميليا", وهو مالا يعبر فقط عن "موهبة" أحمد زكى, وإنما أيضاً قدرة محمد خان على إدارة الممثلين), ويسأل هشام- بطريقة تحقيقات رجل المباحث- صاحب المحل عن الفتاة, فيعرف أنها ابنة مهندس الرى الذى انتقل حديثاً إلى المنيا. هل كانت "المونتيرة" وراء هذا الحذف البلاغى؟! أترك الإجابة للقارئ, لندخل قليلاً فى "الحدوتة" وتفاصيلها السينمائية, التى قد تبدو للوهلة الأولى غريبة على أبطال وبطلات محمد خان, لكننا فى النهاية سوف ندرك أنها تدور حول نفس البطل (وإن يكن هنا فى تنويع مختلف) ونفس "التيمة" المحورية التى تؤرق هذا البطل, ولعلها تؤرق محمد خان ذاته. وعندما تكتمل لك ملامح الشخصيتين الرئيستين (منى وهشام) كلما تقدمت بك الأحداث, وتجمعت لديك معلومات نثرها خان وكاتب السيناريو رؤوف توفيق، سوف تعرف أن الفتاة ولدت ونشأت وشاهدت أفلام عبد الحليم الأولى فى المنصورة, لذلك فهى تحمل قدراً من الرهافة والرومانسية (لعل هذا تحيز لمسقط رأسى ومرتع طفولتى حتى شبابى المبكر فالبطلة قد ولدت فى نفس زمان ومكان ولادتى) خاصة بين أبناء الطبقة المتوسطة, بينما جاء هشام من بين فلاحى الصعيد الذين يعيشون على بضع أفدنة, لكنه بمجرد أن أصبح ضابطاً تنكر لأصوله وانسلخ عن طبقته, لأنه- وهذه هى القراءة المباشرة للفيلم ـ أصبح من "السلطة". لكن القراءة المتأملة لشخصية هشام تقول أنه ذلك البطل الذى لا يشغله سوى عمله- كمعظم أبطال خان الآخرين ـ حتى أنه لا تصبح لديه حياة شخصية حميمة, وتفانيه فى عمله كضابط مباحث ناجح جعله يحمل فى كل حركاته وسكناته ملامح "المحقق" الذى يضع الآخرين فى موقع الفريسة التى يطاردها حتى يمسك بها, وهذا ما فعله مع منى ذاتها, يستعرض أمامها قدراته على الأمر والنهى, فبمجرد إشارة من إصبعه يظهر "مخبر" لكى يتغير لها ولأسرتها طبق اللحم النيئ, ويظهر على الفور رجال "البلدية" يرصفون الشارع الذى يسكنون فيه, ويذهب مع مدير الأمر شخصياً (عثمان عبد المنعم, ولتتأمل وتتعجب من مقارنة دوره هنا مع دوره فى "أحلام هند وكاميليا" أو العديد من أفلام خان الأخرى!) لخطبة منى كأنه "أمر" موجه إلى الأب (على الغندور). فى بداية مشهد الخطبة لفتة عابرة لا أدرى إن كانت عفوية أو مقصودة, لكنها تجسد الحس "التسجيلى" عند خان، هذا الحس الذى سوف يتخلل معظم مشاهد "زوجة رجل مهم" والعديد من أفلامه (على سبيل المثال وليس الحصر: سوق الحمام فى "عودة مواطن"), إن المشهد يبدأ بطائرة ورقية تسبح فى الفضاء, لتتحرك الكاميرا حركة بانورامية إلى الأب والأم جالسين فى "غرفة الجلوس" مع مدير الأمن الذى جاء بصحبة هشام, وإنى استبعد أن يطلب محمد خان من فريق الإنتاج تحضير هذه الطائرة الورقية لتضمينها فى المشهد, والأقرب إلى الاحتمال هو أنه "اقتنصها" بعينه الفاحصة المتأملة اللاقطة للتفاصيل فى موقع التصوير, سواء انطلاق الطائرة الورقية فى عنان السماء فى تلك المرحلة من التطور الدرامى, فى مجاز للانطلاق العفوى عند الفتاة منى, كما تتبدى هذه التفاصيل فى لقطة قريبة لأذنها وقرط متواضع يزينها وهى تسمع كلمات هشام المعسولة, لتقارنها فى مشاهد لاحقة فى الفيلم بلقطة قريبة لأذنها فى قرط ثمين, وهو يداعبها ويسألها عن زملاء الجامعة, لنعرف فيما بعد أنه كان يستنطق منها ـ دون أن تدرى ـ معلومات تمكنه من القبض على من يتصور ـ أو يصورهم ـ أنهم "ضد النظام". عشرات التفاصيل الأخرى ربما سوف تجد بعضها فى هذا الكتاب فى الجزء الخاص بمحاولة البحث عن ملامح عامة لمجمل أعمال محمد خان, لكن ما يهمنا هنا هو أن البطل هشام سوف ينتقل من المنيا إلى القاهرة مكافأة له على إتقانه لعمله, وسوف يأخذ منى معه إلى شقة أعدها مسبقاً لتكون مسكن الزوجية حتى قبل أن يختار لنفسه عروساً, ويؤكد لمنى فى حسم: "أنا متأكد أنها ها تعجبك", عندما نراها نجد أن اللون الأبيض يغلب عليها تماماً حتى أنها تكاد أن تخلو من روح الحياة, بينما تتوزع المرايا فى كل مكان التى يرى فيها هشام نفسه كأنه طاووس معجب بجماله (أو بالأحرى سلطته), وفى تطور العلاقة بينهما سوف تمر منى بتجربة الإجهاض (إنه زواج عقيم لا ينجب علاقة حميمة), وتشعر يوماً بعد الآخر أنها فى سجن, خاصة عندما تقارن نفسها بجارتها سميحة (زيزى مصطفى) التى تحكى فى طرافة حقيقية عن قدرتها فى أية لحظة على تغيير أثاث بيتها, حتى أن زوجها رجل الأعمال صفوت (خيرى بشارة- مرة أخرى فى دور فيه بعض ظلال "الغلاسة", على الأقل من وجهة نظر هشام!) عاد ذات يوم من عمله فلم يجد أثاث الشقة فصرخ "اتسرقنا"! إن السجن يضيق على منى عندما تجد نفسها أيضاً "أداة" فى يد هشام لكى تتقرب إلى زوجة رئيسه فى العمل العميد يسرى (حسن حسنى), أو عندما يجبرها على حضور حفلات رجال الأعمال وأعضاء مجلس الشعب فى الوقت ذاته, وهم يتحدثون فى سخرية عن السد العالى وإنجازات عبد الناصر, بينما يتشدقون بمزايا "الانفتاح" والاستثمار وتصفية القطاع العام, وهنا نشير لمن انتقد الفيلم باعتباره يبرئ "النظام" بتصوير هشام على أنه شخص "منحرف" وحالة فردية, نشير إلى أن الفيلم يقدم "السياق" الاقتصادى والاجتماعى الذى تكاد ملامحه وآثارة تمتد حتى "هنا والآن", كما أن "النظرية الأمنية" التى يتفوه بها هشام هى ذاتها التى زالت سارية المفعول حتى كتابة هذه السطور, إنها نظرية "حماية البلد", والتى ينقدها الفيلم على لسان الكاتب الصحفى مجدى عز العرب (محمد دردير) المتهم بخيانة النظام والكتابة فى صحف خارجية (فى الحقيقة أنه ممنوع من الكتابة فى مصر, بتعليمات شفهية كما يحدث دائماً), إن الرجل يواجه هشام- كأنه يواجه أصحاب النظرية الأمنية جميعاً: "مين اللى فهمك أصلاً أنك أكتر وطنية منى اللى قبضت عليهم, الحرب اللى أنت بتتكلم عليها مش موجودة إلا فى تفكيرك وتفكير اللى زيك, اخترعتوها عشان توقعوا الناس فى بعض وتلخبطوا الحاكم وتشغلوا الناس بأعداء وهميين", وهى كلمات تختفى وراء حدوث دراما الفيلم فى السبعينات, لكن المتفرج عندما يراها الآن يدرك أنها ما تزال تنسحب على اللحظة الراهنة, تماماً كتجاوز جهات أمنية فى إجراءات القبض على مشتبه بهم, ليس مهماً أن يكون بعضهم خارج البلاد أو يعملون "مرشدين" لدى الأمن ذاته (!!), أو مثل الإعلام: "مش عايزين الناس تفكر فى اللى حصل", كما قالت الجارة سميحة تعليقاً على إذاعة مسرحية "مدرسة المشاغبين" فى نفس وقت حظر التجول فى أعقاب مظاهرات 18و 19 يناير 1977. وإذا كان الفيلم يمضى إلى قيام السلطات بفصل العميد يسرى وهشام على تجاوزاتهما, فإنه لا ينفى أيضاً فى هذه التفاصيل العديدة عن "النظام" كله نوعاً من الانحراف عن "خدمة الشعب" لمصلحة "السلطة", تلك السلطة التى هى محور أزمة هشام, فعندما ضاعت منه بدأ كأن وجوده كله قد ضاع, ليدخل فى "تمثيلية" يقنع بها منى- ونفسه أحياناً- أنه مايزال يملك القوة على الأمر والنهى, لكن "الزمن تغير" به (وليس بالوطن), وهنا نرى أزمة بطل محمد خان: الزمن!! فالزمن هو التيمة المحورية خلف كل تلك "الحدوتة", فقيام منى بتسجيل أغنيات عبد الحليم بتنويه بصوتها بمكان وزمان تسجيلها هو نوع من الحفاظ على "الذاكرة": "كل أغنية مرتبطة بمكان اتنقلت فيه, بمناسبة خاصة بيًّا", وعندما يموت حليم فى ربيع 1977ـ بعد شهور قليلة من أحداث يناير وفصل هشام من الخدمة ـ تسمع أغنية "أنا لك على طول خليك ليًّا" لكنها تدرك أن الزمن الحاضر يهرب دائماً ليصبح ماضياً, على عكس هشام الذى يريد "تثبيت"fixation الماضى, يريد الحفاظ على سطوته وحب منى له حتى أن ممارسة الجنس معها تشبه الاغتصاب, ويذكرها بالأيام الخوالى عندما كانت كل الأبواب تفتح له بإشارة منه وإعجابها بذلك: "مش إنتى اللى كنتى بتقولى كده؟", فترد فى لقطة قريبة على شفتى كل منهما (وكأنه تأكيد على هذه التيمة المحورية): "كنت عيلة", يقول هشام: "وعايزك تفضلى دائماً عيلة", لكن منى: "أنا كل يوم بااكبر وباافهم". هشام إذن فى حقيقته "دون كيشوت" آخر من بين "دون كيشوتات" عديدين فى أفلام محمد خان, ذلك "المجنون" الذى يعيش فى "فروسية" الماضى, ولا يعترف بحقائق الحاضر الجديدة فيمضى نحو النهاية المأساوية, وكل الفرق فى بطل "زوجة رجل مهم" هو إن محمد خان جعل بطله هذه المرة "فارساً" من فرسان السلطة, بدلاً من أن ينتمى إلى حضيض المجتمع أو أحراش عالم رجال الأعمال, وانتماء هشام إلى السلطة ورجال المباحث والشرطة والأمن هو الذى جعل معظم الكتابات النقدية لا تلمس أنه ليس إلا تنويعاً- بمعنى من المعانى- على بطل محمد خان الدائم, فى حربه ضد الزمن. وسوف يدهشك فى أفلام محمد خان الأخيرة- كما سوف ترى- مثل "بنات وسط البلد" و"فى شقة مصر الجديدة" أن بطل محمد خان قد تغير (هل خان نفسه هو الذى تغير؟!), فأصبح هذا البطل أقرب إلى الامتثال وليس التمرد, تاركاً نفسه يسبح مع الزمن وتغيراته, لا ينظر إلى الماضى (إن بطل "فى شقة مصر الجديدة" لم يحاول أبداً أن يعرف محتويات الشقة, بل إنه يتصور أن فيها- فى الماضى؟!- "عفاريت"!!), كما أن البطل الذى لا يلتفت إلا على عمله تاركاً المرأة والعائلة والاستقرار تأتى فى المرتبة الثانية تحول إلى البحث عن هذا الاستقرار, فالمرأة بدورها أصبحت أكثر قوة حتى فى ضعفها, ولم يكن غريباً أن يعمل بطل "بنات وسط البلد" فى مهنته" الشيف", ليقوم هو "بالطبيخ" بينما حبيبته تدخن سيجارة! ليس غريباً أيضاً أن يكون إهداء الفيلم إلى "زمن" عبد الحليم, كأفلام أخرى مهداة إلى "أزمنة" أخرى, وكل أفلام خان- أو معظمها- تشبه شرائط منى التى تسجل عليها مكان وزمان الأغنية, وفى كل فيلم لخان تستطيع أن تجد هذا الزمن, الذى يستطيع- كفنان- أن يقوم باقناصه وتثبيته على شريط السليولويد, تاركاً فيه أيضاً بعضاً من روحه وذكرياته الخاصة وقت صناعة الفيلم, لكنه- كفنان أيضاً- يستطيع أن يتجاوز هذا الزمن إلى زمن آخر, قافزاً بحرية بين الماضى والمستقبل, لكنه- مثل بطله - يبدو أن عشقه الأول لعمله, لفنه, وقد يحمل له ذلك قدراً من الإشباع والسعادة والمتعة, لكن هل يمكنك أن تنكر أن فى القلب من معظم أعماله تسرى روح من التشاؤم والسخرية المرة... وهل نقول أيضاً: الاكتئاب؟!

Thursday, December 05, 2013

السينما المصرية بين الأعراض الحادة والأمراض المزمنة


ينتاب السينمائيون المصريون بين الحين والآخر أعراض قلق جارفة، حين تبدو صناعة السينما وكأنها وصلت إلى ما يبدو أنه طريق مسدودة، بسبب عوامل تختلف من فترة إلى أخرى، فيرتفع صياحهم الصاخب مطالبين "الدولة" بأن تتدخل لحمايتهم ومساعدتهم، وبجرد أن تزول الأزمة، يعودون إلى الشكوى من أن الدولة تتدخل بطريقة تعوق حرية إنتاجهم، ويطلبون منها أن ترفع أيديها عنهم!! حدث هذا عدة مرات، ويحدث الآن، بعدما وصلت صناعة السينما إلى درجة توقف الكثير من الاستوديوهات والعاملين فيها عن العمل، وسوف تنعقد المؤتمرات، وتتوالى الاقتراحات، وربما تحدث انفراجة على نحو ما، لكن ذلك كله سوف ينتهي إلى استمرار الصناعة في مسارها السابق، حتى تطل الأزمة برأسها من جديد. والسبب؟ هو أن هناك نقاط ضعف جوهرية في بنية السينما المصرية ذاتها، صناعة وفنا، وتلك للأسف هي النقاط التي لا تتم مواجهتها ومعالجتها أيا كانت تكاليف هذا العلاج، لكن أي ثمن سوف يكون ضئيلا أمام منح هذه السينما فرصة حياة متجددة. وسوف يظل التاريخ يذكر كيف أن السينمائيين المصريين عانوا في بداية الستينيات، بسبب بعض الظروف السياسية التي أدت إلى شبه مقاطعة للأفلام المصرية، وعندما لجأوا إلى الدولة، واجتمعوا مع الزعيم جمال عبد الناصر نفسه، قرر القائد تأسيس قطاع عام يرعى أعمالهم إنتاجا وتوزيعا، وكانت تلك من أكثر فترات تاريخ السينما المصري ازدهارا، لكن بمجرد أن تراجعت الأزمة، اعترض هؤلاء السينمائيون أنفسهم وقوفهم على وجود القطاع العام وتدخل الدولة، ليعاودوا صنع أفلام السبعينيات التي كانت من أسوأ فترات هذه الصناعة وأكثرها رداءة!! ومن هذه التجربة في القطاع العام – التي لم تنجح في خلق بنية صناعية راسخة لأسباب بيروقراطية، ولأنها أديرت من خلال بعض العاملين في القطاع الخاص ذاته – يمكنك أن تتأكد أن معظم السينمائيين المصريين لا يسعون إلى تأسيس صناعة حقيقية، وإنما مجرد خلق فرص للكسب السريع، بأي شروط ممكنة في المدى القصير. وإذا اقتربنا من أزمة السينما المصرية في الآونة الأخيرة، فإن معظم شكاوى صناعها جاءت مركزة على "القرصنة" التي لا تتيح لهم كسب ما يعوضون به تكاليف الإنتاج، أو رداءة دور العرض بما لا يشجع قطاعا كبيرا ومهما من الجمهور للذهاب إلى مشاهدة الأفلام.... لكن لم يتحدث أحد مثلا عن ارتفاع أجور النجوم بشكل مفرط، بحيث تبتلع جزءا كبيرا من ميزانيات الإنتاج، دون أن ينعكس ذلك على جودة الإنتاج ذاته، كما لم يتحدثوا عن "الاحتكار"، الذي يجعل معظم دور العرض مملوكة لموزعي الأفلام أنفسهم، مما يعطيهم سلطة مطلقة على اختيار أفلام وإهمال أفلام أخرى. لم يتحدث صناع السينما عن هاتين النقطتين وغيرهما، لأن مواجهتها بواسطة الدولة سوف تحرم الكبار منهم من مزايا لا يرضون بالتنازل عنها لصالح السينما! وفي الحقيقة أن تلك النقاط وحدها ليست أيضا سبب الأزمة، فيمكنك أن تتعقب أسبابا أخرى قد تبدو بعيدة، لكنها ذات تأثير كبير. وربما كان أولاها هو تقلص ميزانية الأسرة المصرية التي تخصصها للإنفاق على الترفيه، وهو ما يجعل هذه الأسرة تنتظر حتى عرض الأفلام في التليفزيون. وقد تجد سببا آخر في تدني مستوى الأفلام وظروف عرضها في معظم دور العرض، حتى أن هذه الأخيرة أصبحت تندرج تحت "سينما الترسو" بصرف النظر عن مظهرها، ومرة أخرى سوف تحجم الأسر من الطبقة الوسطى عن الانخراط في هذه الأجواء. وقد ترتب على ذلك أن الأفلام ذاتها باتت تتوجه إلى "جمهور الترسو" فقط، وأصبح من سمات الفيلم المصري وجود مشاهد ثابتة تنتقل من فيلم إلى آخر، مثل نمر الأغاني الصاخبة والأفراح الشعبية، التي تشترك هذه النوعية من الجمهور في الصخب معها خلال العرض! ولأننا نعشق اختراع العجلة من جديد، فإننا لا نتعلم من تجارب صناعات السينما التي عاشت ظروفا مماثلة وواجهتها، لتصبح من أقوى صناعات السينما في العالم وأكثرها رسوخا. فقد كانت دور العرض الأمريكية في الفترة المبكرة تقتصر على درجة "الترسو"، فيما سمي آنذاك باسم "النيكلوديون" (أي دار العرض التي تدخلها بنيكل واحد)، وتدخلت الدولة بإغلاق هذه الدور واحدة بعد الأخرى، لتقوم الصناعة بتحسين مستوى دور العرض، التي تحولت خلال عقد واحد إلى ما أطلق عليه "قصور السينما الفاخرة"، التي جذبت جماهير الطبقة الوسطى فتدفقت عليها بأعداد هائلة، أعادت الانتعاش للصناعة من جديد. وفي واحدة من أشهر القضايا الأمريكية، أقامت الدولة ذاتها دعوى قضائية عرفت باسم "قضية باراماونت"، ومضى سير القضية أعواما حتى صدر الحكم فيها في الأربعينيات، وكانت القضية متعلقة بإلزام الشركات التي تنتج الأفلام بعدم امتلاك سلاسل توزيع أو دور عرض، لأن ذلك يمنحها سلطة احتكار تعوق الصناعة ولا تشجعها. فهل يقبل السينمائيون المصريون بمثل هذه الحلول من جانب الدولة: أن تفرض الدولة شروطا معينة لدور العرض وظروف المشاهدة، وأن تنكسر الحلقات الاحتكارية التي تكاد أن تخنق السينما المصرية؟ ذلك جانب مهم من القضية، أن يقبل صناع السينما أنفسهم بتنظيم الصناعة وليس مجرد تسهيل أمورهم، فقد كانت الرؤى قصيرة النظر، التي تسعى للربح السريع وحده، وراء الأزمة دائما. وهذه الرؤى هي التي تجعل البعض يأتون من خارج صناعة السينما ليجربوا حظهم في اغتنام الأرباح، وعندما تتقلص هذه الأرباح يهربون إلى صناعة أو تجارة أخرى، وهو ما يبدو لك واضحا إذا ما تتبعت أسماء العاملين في إنتاج الأفلام المصرية، فنادرا ما تجد شركة تستمر أكثر من عشر سنوات، أو أن تجد لها أسلوبا فنيا تتميز به، ليكون قدر السينما المصرية أن تبدأ دائما المرة بعد الأخرى مع مغامرين جدد، يستحوذون على الإنتاج ودور العرض، لتعاود الأزمة دورتها. لقد كان السعي إلى الربح السريع وحده وراء تناقص هائل في عدد دور العرض، فأغلق العديد منها أبوابه أو هدم لبناء أنشطة أخرى، بينما كان من المفترض أن تزيد مع تزايد عدد السكان، وأن تنتشر مع اتساع رقعة العمران. كما أنه السبب في ظاهرة "المواسم" السينمائية المحدودة، بدلا من تغطية العام كله بأفلام تناسب ذوق الجمهور مع اختلاف الزمان والمكان، ولعلك تتذكر كيف أن مفهوم "أفلام الصيف" كان مسيطرا على الصناعة تجارة وفنا، وكيف ظهرت ظاهرة أطلق عليها أيامها "المضحكون الجدد"، الذين اختفوا أو كادوا مع انحسار هذا الموسم بسبب انتقال شهر رمضان إليه، لتقتصر السينما المصرية الآن على موسمي عيد الفطر وعيد الأضحى، بأفلام هي في أغلبها لا تحقق للمتفرج سوى أن يذهب إلى "الملاهي" عندما يشاهد أحد هذه الأفلام. تلك هي بعض مظاهر الأزمة، التي هي في جوهرها انعكاس لمفهوم "السوق" الذي يفهم منه صناع أفلامنا أكثر وجوهه بدائية، متمثلا في الكسب السريع، لكن عندما تأتي إلى ما يجب صنعه إزاء ضبط هذه السوق فسوف يظهرون أنيابهم. هذه هي الأزمة الحقيقية، أننا نأخذ من الأنظمة (في الاقتصاد أو السياسة على السواء) جوانب انتقائية من هنا وهناك، دون أن نأخذ جوهرها أو نتعلم من تجاربها السلبية والإيجابية. وبداية الخروج من هذه الأزمة هو الإجابة عن سؤال بسيط وصعب في آن: لمن نصنع الأفلام؟ ولماذا؟ قد يبدو أن السينما المصرية قد عرفت لمن تصنع الأفلام، ولماذا، لكن هل كان ذلك حقيقيا؟ للأسف سوف تكون الإجابة بالنفي، ليس لأن هذه الصناعة كانت تفشل دائما في العثور على إجابات، فقد شهدت فترات ساطعة من النجاح، ولكن لأنها لم تكن مرنة بما يكفي لكي تتفاعل مع الظروف المتغيرة من فترة إلى آخرى، ولأنها لم تكن في الأغلب مستعدة لدفع تكاليف هذا التغير، وكان هذا وراء ظاهرة عدم استمرار شركات إنتاجية سينمائية مصرية عبر مرحلة طويلة من الزمن. تُصنع الأفلام لجمهور، لكن جمهور الأربعينيات على سبيل المثال كان في العالم العربي يمتد من المحيط إلى الخليج، لذلك كانت الأفلام المصرية تتوجه إلى هذا الجمهور العريض، ولعلك تذكر كيف أن معظم هذه الأفلام كانت تتضمن "استعراضا" يطوف البلدان العربية المختلفة. وفي الستينيات، أصبح للعديد من الشعوب العربية أفلامها التي تنتجها بأنفسها، كما شهدت صناعة السينما المصرية بعض القيود في توزيعها، لذلك كاد الجمهور أن يقتصر على الطبقة الوسطى المصرية، لكن اتساع هذه الطبقة آنذاك ساعد على استمرار الصناعة قوية راسخة. أما لماذا تُصنع الأفلام، فقد تتراوح بين الدعوة إلى قيم ثقافية حديثة تتخلص من أسر الماضي، كما حدث للسينما المصرية في بداياتها، أو الدعاية لشكل اجتماعي جديد، سواء كان اشتراكيا في الستينيات أو انفتاحيا استهلاكيا في السبعينيات.... وأخيرا: كيف تُصنع الأفلام؟ إما عبر منتجي القطاع الخاص الذين قد يعرفون حجم مسئولياتهم أو قد لا يعرفونها، أو عبر القطاع العام، أو بين خليط من هذا وذاك. لكن ما الذي يجعل الأمر يبدو اليوم وقد وصل إلى حافة أزمة خطيرة؟ وهل يعكس إنتاج السينما المصرية هذه الأزمة حقا؟ ولنبدأ بهذا السؤال الأخير، فقد وصل إنتاج هذه السينما في العام 2013 إلى حوالي ثلاثين فيلما، وهو رقم أفضل بكثير مما كانت تنتجه في أواخر القرن العشرين بمتوسط خمسة عشر فيلما، لكنه بالطبع أقل من الستين الذي بلغته خلال الستينيات عندما كان جمهورها من الطبقة الوسطى، وأقل من المائة الذي بلغته في الثمانينيات في ذروة فترات ازدهار شرائط الفيديو. وما تزال السينما المصرية تصنع غالبا أفلاما كوميدية، مثل "على جثتي" و"سمير أبو النيل" ونظرية عمتي"، والقليل من الأفلام البوليسية التي عادت على استحياء مثل "مصور قتيل" و"الحفلة"، وبعض أفلام "الفنانتازيا" على الطريقة المصرية (التي تجعل الخيال مساويا لعدم وجود أي منطق فني) كما في "فبراير الأسود" أو "هاتولي راجل"، ناهيك بالطبع عن أفلام توليفة الرقص والغناء (وهي التوليفة التي لا يكاد فيلم مصري أن يخلو منها حاليا) مثل "8 في المائة" أو "عش البلبل"، وأخيرا أفلام البلطجية التي تحصد أغلب الإيرادت مثل "قلب الأسد" و"القشاش". وإلى جانب ذلك كله، تتوارى أفلام تسمي نفسها "مستقلة" وإن كانت التسمية الدقيقة أنه "مختلفة"، مثل "الشتا اللي فات" و"هرج ومرج" و"عشم" و"فرش وغطا". وإذا كانت تلك النظرة السريعة على إنتاج السينما المصرية مؤخرا يشير إلى رقم ليس سيئا، وإلى تنوع ما حتى لو كان محدودا، فأين إذن تكمن الأعراض الحادة للأزمة؟ إنها في تناقص عدد الجمهور بشكل عام، خاصة بالنسبة لمن يصنع أفلاما لا تتوجه إلى جمهور "الترسو" الحالي. وإذا كانت أيضا تلك هي الأعراض، فما هو الأفق الذي ينتظر السينما المصرية إن لم تعالج أسباب هذه الأعراض؟ ولا يمكنك أن تنكر أولا أن الحالة السياسية المضطربة في الآونة الأخيرة لا تشجع قطاعا كبيرا من الجمهور على الذهاب إلى دور العرض، خاصة أن هناك عددا هائلا من القنوات التليفزيونية الفضائية أصبحت تتيح عرض الأفلام بعد عام أو عامين من عرضها التجاري، ناهيك عن ظروف اقتصادية واجتماعية أخرى، مثل صعوبة الانتقال إلى السينما أو ارتفاع أسعار التذاكر. والحل مرة أخرى يكمن في مدى مرونة صناعة السينما المصرية، وقدرتها على الاستجابة لهذه الظروف. ولعل من أهم مظاهر هذه المرونة هو تخفيض ميزانيات الأفلام وأجور نجومها، والاستعداد لكسر حلقات الاحتكار التي تقيد المنتجين الصغار وتمنعهم من المنافسة، والتفكير الجاد في بناء دور عرض في الأحياء تكون قريبة من سكانها، حتى وإن كانت بسعات صغيرة، وتخفيض سعر التذكرة حتى يصبح ممكنا للعائلة أن تذهب للفرجة دون تكاليف باهظة، والأهم من ذلك كله، وهذا هو الأمر الذي تجاهلته السينما المصرية طويلا، هو تقديم نوع من الفرجة السينمائية التي لا يتيحها التليفزيون. لقد كان هذا هو التحدي الذي واجهته السينما الأمريكية مثلا في الخمسينيات، فأدخلت تقنيات الشاشة العريضة والألوان والصوت المجسم، وصنعت أفلاما لا يظهر بهاؤها إلا على الشاشة الكبيرة، لكن السينما المصرية لا تبدو راغبة في أن تدفع "تكاليف" تأسيس صناعة قوية، وإنما حصد أكبر قدر من الأرباح السريعة من الصناعة الراهنة. بل إن ذلك المنافس القوي، التليفزيون، قد يكون سبب الأزمة والطريق إلى حلها في آن، وعلى شركات الإنتاج السينمائي أن تدخل في شراكة قوية مع الشبكات التليفزيونية، يتم بمقتضاها وضع جدول يرتب فترات العرض بين الشاشتين الكبيرة والصغيرة، وسوف يدهشك أن أهم الأفلام العالمية الآن تُصنع بالاشتراك مع شبكات تليفزيونية (مثل آرتيه الفرنسية، أو زد دي إف الألمانية، أو تي في إي الإسبانية)، وهو أمر ليس هناك مبرر لغيابه عن وعي منتجي السينما والتليفزيون معا. وإذا كان ذلك هو المطلوب من صناع الأفلام ومنتجيها، فإن هناك دورا مهما للدولة في تنظيم ذلك كله، وليس مجرد مساعدة المنتجين على حصد أرباح أكثر. ورغم ادعاء البعض بأن "القرصنة" سبب أساسي في تدهور صناعتنا السينمائية، ومطالبة الدولة بإيقافها، فذلك مستحيل في الواقع العملي، وحتى الأفلام الأمريكية تتعرض جميعها للقرصنة بمجرد طرح قرص "الدي في دي" في الأسواق، لكن هوليوود تحافظ على هذه السوق الأخيرة بأن يتضمن القرص موادا إضافية تشجع المستهلك على اقتنائه، مثل اللقاءات الفنية المهمة مع الممثلين والمخرجين وكتاب السيناريو، وأرجو أن تقارن ذلك باللقاءات التي تتم مع فنانينا في برامج التليفزيون، والتي تفتقر إلى الحد الأدنى من الجدية والعمق. وعودا على بدء، فإن دور الدولة هو أن تقوم بما لا يمكن للقطاع الخاص وحده أن يقوم به، فمن الأمور الفاضحة الفادحة غياب أي مطبوعة سينمائية جادة لنشر هذه الثقافة بين عدد كبير من الناس، وكانت مثل هذه المطبوعات موجودة حتى عشر سنوات مضت، ولم يستطع القطاع الخاص تحمل خسائرها، بينما كانت الدولة تصدر العديد منها حتى منتصف السبعينيات. ومن الأمور التي تحمل مفارقة مريرة وجود العديد من المهرجانات السينمائية، دون هدف سينمائي ثقافي واضح، لذلك تنتهي إلى أن تكون أقرب إلى "الموالد"، التي تقام وتنفض دون أثر يذكر. ناهيك عن المستوى المتواضع الذي انتهت إليه المؤسسات التعليمية السينمائية، بينما كانت هناك برامج جادة لتبادل الخبرات، ترسل فيها البعثات إلى الخارج، ويأتي الخبراء لنقل خبراتهم إلى الأجيال الجديدة من السينمائيين المصريين. أخيرا قد يكمن جانب من الحل بعيدا عن كل تلك المسارات التقليدية، وهذا ما يتم تطبيقه على سبيل المثال في البرازيل، التي عاشت السينما فيها أزمة مماثلة منذ عقد من الزمن، وتحملت "وزارة التعاون الدولي" الجانب الأكبر من المواجهة، وقامت باتصالاتها لتجمع ميزانيات الأفلام من دول عديدة، في نوع راقٍ من الإنتاج المشترك. لكن المعيار في ذلك ليس أن تجمع ميزانية كبيرة لصنع فيلم واحد، وإنما ميزانيات صغيرة لعشرات الأفلام، وإذا كان الأمر سوف يتم على نحو ما انتهى إليه فيلم "المسافر"، الذي أنتجته الدولة، وتكلف أكثر من عشرين مليون جنيه، ليحقق فشلا فنيا وتجاريا ذريعا وغير مسبوق، لمجرد تحقيق نزوة بصنع فيلم ذي مقاييس "عالمية"، فسوف تتكرر المأساة، لأننا في التحليل الأخير لم نعرف لمن ولماذا نصنع الأفلام!

Monday, December 02, 2013

لماذا يغيب الزعماء عن السينما المصرية؟


في كل صناعات السينما الراسخة، تشكل حياة الزعماء السياسيين مادة خصبة للأفلام، ليس فقط لأن الاهتمام بهم يعكس اهتماما بالتاريخ، وإنما أيضا لأن السينما تستطيع أن تصنع من هذه المادة التي تبدو جافة قصصا "مسلية" وأعمالا ترفيهية، ولأن "الأبطال" – من كل الأنواع – هم مركز التوحد الإيجابي أو السلبي للمتفرج مع الفيلم، وبالطبع سوف يتعمق هذا التوحد مع بطل يستمد وجوده من حقيقة تاريخية. وربما اختلف تناول حياة هؤلاء الزعماء في السينما تبعا للهدف الكامن وراء صنع الفيلم. ولعل المثال الصارخ على ذلك هو أن يعود ميل جيبسون إلى حقبة تاريخية بعيدة، لنضال الاسكتلنديين ضد الانجليز، في الملحمة السينمائية التي نالت نجاحا جماهيريا كبيرا "القلب الشجاع"، وكان هدف جيبسون – أسترالي الأصل – هو تصوير النزعة الاستعمارية الانجليزية، التي خنقت إلى حد كبير وجود هوية أصيلة للبلاد التي استعمروها، بما في ذلك أستراليا. بينما جاء فيلم "لينكولن" من إخراج ستيفن سبيلبيرج، وهو الفيلم الذي حصد جوائز أوسكار عن عام 2012، ليحيي من جديد ذكرى مؤسس الأمة الأمريكية، بتفاصيل عديدة ما تزال أمريكا تحاول الإبقاء عليها حتى اليوم. وقد تكون حياة زعيم سياسي ما مادة لصنع ملحمة مأساوية، على نحو قصة آخر أباطرة الصين في فيلم بيرناردو بيرتولوتشي "الإمبراطور الأخير"، أو لعل هذه الحياة تمثل قصة مفرطة في العاطفة الجياشة مثلما هو الحال في فيلم ألان باركر "إيفيتا"، عن حياة إيفا بيرون، زوجة الزعيم الأرجنتيني خوان بيرون. كما تبرز في هذا السياق أفلام ملحمية أخرى، نالت نجاحا نقديا وجماهيريا كبيرا، مثل فيلم ريتشارد أتينبرو "غاندي"، عن حياة الزعيم الهندي الذي ترك أثرا عميقا في النضال السياسي السلمي، ودفع حياته ثمنا لذلك، بينما دفع جيفارا حياته على النقيض ثمنا للنضال العسكري ضد أمريكا، وجاءت عنه أفلام عديدة كان آخرها فيلم ستيفن سوديربيرج "تشي". من جانب آخر قد تكون سيرة حياة السياسي مثار انتقاد بالغ المرارة، كما في فيلم أوليفر ستون "نيكسون"، عن الرئيس الأمريكي الذي انتهك القانون في فضيحة ووترجيت، وفيلم ستون الآخر "دابليو" عن الرئيس الأمريكي السابق جورج دابليو بوش" ونزواته السياسية والعسكرية، أو كما في "آخر ملوك اسكتلندا" من إخراج كيفين ماكدونالد، عن رئيس جمهورية أفريقيا الوسطى الأسبق عيدي أمين، المعروف عنه قسوته المفرطة في التعامل مع الخصوم. لكن المخرج الزنجي الأشهر سبايك لي يخلد ذكرى واحد من أهم زعماء حركة تحرير الزنوج في أمريكا، في فيلم "مالكولم إكس"، ليكون هذا الفيلم دراسة عميقة لفترة مهمة من نضال حركات الحصول على الحقوق المدنية والسياسية في أمريكا، وهو نضال لم يخلُ من آثار دامية، في بلد يرفع شعار الديموقراطية، ويزعم الرغبة في بسطها بالقوة العسكرية على العالم كله!! أرجو ألا تشعر بالصدمة عندما نتذكر معا أفلام نادية الجندي، وكيف ظهر فيها الزعماء السياسيون كمجرد "كومبارس"، مثل أنور السادات في فيلمي "الجاسوسة حكمت فهمي" أو "امرأة هزت عرش مصر"، فليس أمثال السادات (من وجهة نظر نادية الجندي) هم من صنعوا جانبا مهما من تاريخ مصر الحديث، وإنما بطلات نادية الجندي ونضالهن بمفاتنهن و"كيد النسا"!! لكن من الغريب أن يكون هذا هو حال بعض أفلام السينما الجادة أيضا، مثل "اسكندرية ليه"، حيث يظهر من يمثلون بعض أعضاء حركة "الضباط الأحرار" – الذين سوف يقومون بثورة 1952 فيما بعد – في خلفية الأحداث، باعتبارهم مجموعة من مراهقي السياسة، التي يمارسونها في نضال هو أقرب إلى "البلطجة"!! وفي زمن السينما المصرية المبكر، لم تطرق الأفلام سيرة حياة الزعماء التاريخيين إلا نادرا، وهي تذهب للماضي البعيد تارة في "شجرة الدر"، ليس لدراسة الفترة التاريخية ذاتها وإنما لتكرار بعض المفاهيم الشعبية الرائجة، عن تلك المرأة التي مارست السياسة بالدهاء وسط العديد من الرجال. لكن السينما المصرية لم تتناول قبل ثورة 1952 حياة زعيم سياسي واحد إلا في فيلم "مصطفى كامل"، الذي ظل حبيس العلب فترة طويلة، لأن سلطات الاحتلال رأت فيه خطرا، وإن جاء الفيلم مبالغا في النزعة الخطابية، التي تجعل البطل التاريخي "أكبر من الواقع" كثيرا، مما قد يبعد المتفرج عن التوحد معه. وربما كان حظ هؤلاء الزعماء في السينما أفضل قليلا بعد الثورة، لكنه أتى خاليا من الصدق إلى حد ما، وإن عمد إلى شكل من أشكال الإبهار الملحمي. وهكذا جاء "رد قلبي" على سبيل المثال، بالشاشة العريضة والألوان في بداية الخمسينيات، في فترة كانت هذه التقنيات جديدة حتى في هوليوود، لكن الفيلم لا يسمي أبطالا بأسمائهم الحقيقية، ويلجأ إلى رواية يوسف السباعي المفرطة في ميلودراميتها العاطفية، عن الحب الذي اشتعل لهيبه بين ابنة الباشا الجميلة، وابن "الجنايني" الذي سوف يكون أحد أعضاء جماعة الضباط الأحرار، ويبدو كأنه قد اشترك في الثورة لكي يفوز بقلب حبيبته سليلة العائلة الأرستقراطية! وفي هذا السياق أيضا يأتي "الناصر صلاح الدين"، بذات الإمكانات الإنتاجية المبهرة، لكنه خلا من الصدق التاريخي، ليبدو كأنه إسقاط فيه بعض الاصطناع على شخصية الزعيم جمال عبد الناصر. وهكذا اختارت السينما المصرية طريقا بدت ملتوية للحديث عن الزعماء السياسيين، وحتى الآن لا يعرف المتفرج ما هي الأسماء الحقيقية لأبطال أفلام مثل "في بيتنا رجل" أو "لا وقت للحب"، وهي أفلام أكثر نضجا بالتأكيد من سابقاتها، لكنك لا تدري أبدا لماذا أخفت أسماء هؤلاء الأبطال. وفي حالات نادرة، كانت السينما المصرية تتناول أبطالا عربا من خارج مصر، ولم يكن ذلك إلا في مرحلة ازدهرت فيها النزعة القومية، ليأتي فيلم "جميلة"، عن تلك البطلة الجزائرية التي أصبحت أيقونة للمقاومة ضد المستعمر، أو فيلم "عمالقة البحار"، عن ضابط البحرية السوري جول جمال، الذي ضحى بحياته من أجل الدفاع عن مصر خلال العدوان الثلاثي. وفي فترة متأخرة جدا عادت السينما المصرية بفيلم عن عبد الناصر وآخر عن أنور السادات، وكان هذا الفيلم الأخير "أيام السادات" أقرب لاستعراض الممثل أحمد زكي لقدراته في "التقليد"، بينما لم يترك الفيلم ذاته أثرا حقيقيا على فهم المتفرج للرجل أو الرئيس، لأنه في مجمله كان من وجهة نظر السادات نفسه عن نفسه، وليس دراسة فنية أو سياسية للفترة ورجالها. ومن الغريب أن أحمد زكي كان قد سبق له تجسيد شخصية عبد الناصر في فيلم "ناصر 56" بقدر كبير من النجاح، وكان السبب في هذا النجاح هو سيناريو محفوظ عبد الرحمن، الذي ابتعد عن تصوير حياة هذا الزعيم "من الجلدة للجلدة"، بل اختار شهورا قليلة من حياته السياسية، منذ تأميم قناة السويس الذي أثار عدوانية القوى المستعمرة. إنك هنا أمام "بطل" بمعنى الكلمة، ليس لأنه أكبر من الواقع، وإنما لأنه جزء من هذا الواقع، يتفاعل معه بكل لحظات الألم والانتصار. ولن يغيب عن ذهن المتفرج مشاهد قلق الزعيم في وحدته، وحيرته بين أن يخوض الحرب أو يتراجع عن قرار التأميم، لتزوره أم ريفية عجوز، هي في الحقيقة من بنات خيال المؤلف، لكنها تجسد الكتلة الرئيسية من الشعب المصري، وتحثه على مواصلة النضال. لم يستمد فيلم "ناصر 56" قيمته من قامة الزعيم وحده، بل من التناول الفني الناضج لهذه الشخصية، ويمكنك أن تقارن هذا الفيلم بآخر تناول حياة الرجل في فيلم "جمال عبد الناصر"، للمخرج والمنتج أنور القوادري، الذي جند إمكانات هائلة لفيلمه، لكنه انتهى إلى شحوب الصورة، لأنه لم يتمتع بالصدق أو النضج. لكن ذلك العدد القليل جدا من الأفلام التي تناولت صورة الزعماء السياسيين على الشاشة المصرية، يشير مرة أخرى إلى أن صناع أفلامنا يرون هذا الفن مادة للتسلية وحدها، ولا يلتفتون إلى أهمية الرسالة التي تحملها هذه الأفلام، حتى أن بعض المؤلفين والمخرجين يسخرون من مجرد تعبير "الرسالة" في أحاديثهم الصحفية، وفي هذه السخرية ذاتها رسالة واضحة تماما بأن السينما المصرية ما تزال تعيش مرحلة الطفولة، ولا يبدو في الأفق أي طريق للنضج!!

Friday, November 22, 2013

"ضربة شمس"...البذور السينمائية لسينما محمد خان


عندما تتأمل الآن فيلم "ضربة شمس" بعد ما يزيد على ربع قرن من عرضه، وحوالى عشرين فيلماً لصانعه محمد خان، فإنه يمكنك أن تجد فيه البذرة الجنينية الأولى لعالم محمد خان، التى سوف ينبت منها ويتفرع عنها العديد من الأفلام. وفيلم "ضربة شمس" على بساطته الظاهرة يحتوى على عشرات التيمات والموتيفات التى سوف يولد منها أفلام مستقلة بذاتها، وإن أردت تلخيص "الحدوتة" ـ التى سوف تتجمع أمامك على الشاشة كأنها قطع اللغز المتناثرة التى لن تفصح عن الصورة الكاملة إلا فى النهاية ـ فهى أن شمس (نور الشريف) كان قد بدأ حياته مصوراً فى القسم الفنى فى صحيفة، وهو الآن يعمل فى قسم الحوادث، لذلك فإنه على علاقة وثيقة بالضابط مراد (حسين الشربينى) الذى "يستخدم" شمس أحياناً (دون علمه) فى بعض القضايا، مثلما يحدث عندما يرسله ـ بطريق غير مباشر ـ لتصوير أحد الأفراح حيث سوف تجتمع عصابة لتهريب الآثار. ولأن شمس يجرى دائماً وراء "الصورة" التى تمسك بلحظات تبدو عابرة، فإنه ينجح فى التقاط صورة لأحد أفراد العصابة جميل (توفيق الدقن) الذى تحول إلى مرشد، وهو يدس ورقة إلى الراقصة نوال (نجوى فؤاد) يخبرها فيها بموعد العملية القادمة للعصابة القاتلة. بعد انتهاء الفرح يلاحظ شمس أن جميل قد ركب سيارة مع سيدة فاتنة غامضة (ليلى فوزى)، وبعد ساعات يعلم مراد أن جميل مات منتحراً، وهو مما يثير اهتمام شمس وفضوله، ليحاول أن ينبه الضابط مراد إلى أن ما جرى لجميل هو عملية قتل، لكن مراد لا يسمع له مما يدفع شمس إلى قبول دخول المخاطرة التى وجد نفسه متورطاً فيها، ومن خلال هذه "المغامرة" التى تمزج بين نمط genre "فيلم الرحلة" ونمط فيلم التشويق البوليسى، يسبق شمس دائما كلاً من العصابة والشرطة بخطوة واحدة، لكنه يدفع ثمناً باهظاً يكاد أن يكلفه حياته وحياة حبيبته سلوى (نورا)، كما يسقط ضحايا خلال هذه الرحلة من بينهم فتحى (فاروق فلوكس) زميل شمس فى الجريدة الذى يقع صريعاً برصاصات كان المقصود بها شمس، تماماً كما حدث لعضو العصابة محسن (مجدى وهبه) الذى حاول أن يسمم شمس الذى أدرك الفخ فى اللحظة المناسبة ليشرب محسن الشراب المسموم. وهكذا تمضى المطاردة التى تكاد أن تدور فى كل أنحاء القاهرة من شمالها إلى جنوبها، حتى تنتهى عند الفجر بخروج شمس وسلوى مثخنين بالجراح، ناهيك عن أسى شمس من إدراكه أن الضابط مراد كان يستخدمه كمجرد أداة، وتكون آخر لقطات الفيلم لهما يسيران فوق جسر المشاة فى ميدان التحرير الذى يكاد أن يخلو من السيارات والمارة، وتنطلق صوت يشبه آلة "الفاجوت" الموسيقية بلحن الآذان، الذى يقطعه على نحو مفاجئ أصوات متداخلة مزعجة لنفير السيارات. كثيراً ما يصرح محمد خان فى حواراته الصحفية بإعجابه الهائل بفيلم "المغامرة" لمايكلانجلو أنطونيونى، لكن خان فى أول أفلامه الروائية "ضربة شمس" يبدو أكثر تأثراً بفيلم آخر لأنطونيونى هو "تكبير" (الذى نعرفه فى مصر أحياناً باسم "انفجار")، خاصة فيما يتعلق بما تستطيع الكاميرا أن تفعله من تسجيل الأحداث بشكل خاطف على نحو يسمح بالتدخل فى مسيرة هذه الأحداث ومصائر الشخصيات الفاعلة فيها. إن شمس يلتقط صورة لورقة المرشد جميل بينما تحرقها الراقصة نوال، وهو ما يصفه شمس مرات عديدة فى انبهار: "كلمة فى ورقة قبل ما تتحرق بجزء من الثانية"، أو أيضاً قدرة الكاميرا على "عشق التفاصيل والحاجات المستخبية ورا عيون الناس"، ولتلاحظ كلمة "التفاصيل"، فتلك التفاصيل سوف تكون أهم ملامح العالم الفنى لمجمل أفلام محمد خان، خاصة تفاصيل الحياة اليومية العادية. وفى الوقت الذى نرى فيه شمس كثيراً ممسكاً بالكاميرا كأنه يمسك ببندقية (بما يذكرك بأحد شعارات المخرج الفرنسى جودار)، فإن كاميرا سعيد شيمى، وخلفه محمد خان، تبدو بدورها مصوبة تجاه الواقع الذى قد يمر علينا دون أن نلحظ تفاصيله، وهى التفاصيل التى سوف تصبح جوهر سينما محمد خان، لتكشف عما تحت السطح الساكن للواقع. لذلك لم يكن غريباً أن تنطلق الكاميرا ـ على نحو غير مسبوق بهذه الكثافة فى السينما المصرية ـ فى الشوارع، حتى أنه يمكنك أن تعتبر فيلم "ضربة شمس"، مثل العديد من أفلام خان الأخرى، "وثيقة" للعصر الذى تم تصويرها فيه (ويمكنك أن تقارن فى هذا السياق أفلاماً مثل "يوم حار جداً")، شوارع "وسط البلد"، وميدانى باب اللوق والتحرير قبل أن تتغير ملامحهما، و"مترو حلوان" القديم (من الطريف أن يكون "الكمسارى" فى المترو كمسارياً حقيقياً، كان يعرفه كاتب هذه السطور لإقامته فى حلوان وركوبه المترو خلال فترة قريبة من صنع الفيلم!)، وركاب ساعات الصباح الأولى المستغرقين فى نومهم، والذين قد تجد فيهم مجازاً بصرياً ودرامياً عن غياب "الناس" عن الجريمة التى تحدث، ومن المفارقات ذات الدلالة أن يكون الراكب المستيقظ الوحيد "أعمى"! إن أردت أن تحصى عدد الأماكن التى يوثق لها فيلم "ضربة شمس" الذى تم تصويره فى نهاية السبعينات فسوف تحتاج لعشرات السطور، غير أن ما يهمنا الآن هو أن الفيلم "يوثق" للعديد من تيمات وموتيفات محمد خان فى الكثير من أفلامه التالية، وأهمها هنا هو البطل، اللامنتمى فى الظاهر، يعشق فتاته سلوى لكنه يتردد فى الارتباط بها لأنه لا يريد أن تسجنه قيود الأسرة، لكن عشقه الأكبر للكاميرا لأنه من خلالها تستطيع "العين تشوف وتلاقى حاجة جديدة"، بل إنه يصرح بأن الكاميرا بالنسبة له أهم من سلوى ذاتها، لكنه مثل معظم أبطال خان "يتورط" بإرادته، يدفعه إلى ذلك مزيج من النزعة الاحترافية وأخلاقيات تعلى من شأن الإنسان، وهذا البطل لا يختلف قيد أنملة عن محمد خان نفسه التى "تبدو" الكاميرا للوهلة الأولى عنده موضوعية محايدة، فإذا بها تريد أن تقترب من البشر بل أن تحتضنهم أيضاً، لأنها تكتشف عن "كل" متكامل، أو كما يقول شمس: "كنت باشوف حتة من الصورة بالكاميرا، أول مرة أشوفها كاملة، كنت باشوف العالم بشكل تانى، يظهر كنت غلطان"، وهو الاكتشاف الذى يقوده إلى "ما كنتش فاكر إن فيه مجرمين بالشكل ده"، فترد عليه سلوى: "لأنك ما كنتش بتشوفهم إلا بعد ما يتقبض عليهم"، أو بالأحرى فإن الكاميرا يجب أن تقوم بالإمساك بالعالم والقبض عليه (capture التى تعنى أيضاً الالتقاط) خلال حركة هذا العالم فى تغيره الدائم الذى لا يتوقف، وهى المهمة الجمالية (والسياسية بالمعنى الأشمل للكلمة) التى لم يتخل عنها خان فى معظم أفلامه. من جانب آخر فإن البطلة سلوى تمثل إلى حد كبير معظم بطلات محمد خان، الذى سوف تكتشف رحلتك مع أفلامه أنه من أكثر مخرجى السينما المصرية وصانعيها حباً وتعاطفاً وفهماً للمرأة، التى تظهر فى الأغلب الأعم من أفلامنا باعتبارها "موضوعاً" وليست "ذاتاً"، لكن معظم بطلات خان تبحثن عن تحقق هذه الذات، كما تقول سلوى: "عايزة أكون جنبك مش وراك"، وهى تصطدم بالقيود والقيم الذكورية (العادية والمعتادة) لكنها لا تتخلى عن رجلها وعن حبها، لتقوم بدور كبير فى رحلة البطل من اللاانتماء إلى الانتماء، لذلك لم يكن غريباً أن ينتهى فيلم "ضربة شمس" بسلوى وهى تسير جنباً إلى جنب شمس، بل أن تسنده أيضاً. وكما يوجد فى عالم محمد خان رجال ينتمون إلى معسكر "الأشرار"، فإنه هناك أيضاً نساء شريرات، تتمثلن هنا فى المرأة الفاتنة الغامضة (ليلى فوزى) التى لم تنطق طوال الفيلم بكلمة واحدة، لكنها تظهر دائماً وكأنها "أيقونة" ساحرة وفتاكة معاً، أو كأنها سليلة المرأة الفاتنة القاتلة femme fatale فى نمط "الفيلم نوار"، وفى اختيار الممثلة ليلى فوزى لهذا الدور إدراك من صانع الفيلم لما يمكن أن يمثله هذا الجمال الخارق، الذى لعب دور القدر الغاشم الملتف حول رقبة البطل كأنه ثعبان ماكر فى فيلم "من أجل امرأة" (1959) من إخراج كمال الشيخ، وهو الفيلم المأخوذ عن الفيلم نوار الأمريكى "تأمين مزدوج". هناك موتيفات عابرة سوف تعاود الظهور فى أفلام خان التالية، لعل أهمها موتيفة تحول الواقع اليومى العادى شيئاً فشيئاً إلى "كابوس"، أو كما تقول سلوى وهى تحذر شمس من المضى فى مخاطرته فى مطاردة العصابة: "أنا خايفة الحكاية تتقلب كابوس"، وهو ما يحدث بالفعل، أو موتيفة الحديث الخاطف عن أخت شمس المغتربة منذ زمن التى ربما سوف تشعر بالصدمة إذا عادت واكتشفت أن شمس باع شقة أبيهما وأمهما ليأخذ شقة أخرى، تلك الموتيفة التى سوف تصبح الموتيفة الرئيسية لفيلم "عودة مواطن"، أو قراءة خاطفة لصفحة الحوادث عن زوجة اعترفت بقتل زوجها بالسم انتقاماً لسبب لا نعلمه، وربما سوف نعلمه بالتفصيل فى فيلم "موعد على العشاء"! عشرات التفاصيل التى أعشقها فى هذا الفيلم وربما سوف تجد لها ذكراً فى فصل آخر من فصول هذا الكتاب الصغير، هى تفاصيل أضفت على الفيلم حيوية ودفئاً مصريين برغم غرابة وتغريب مادة الموضوع، التى استغرقت ـ ربما أكثر مما ينبغى أحياناً ـ فى تشويق المطاردات، بإغراء التصوير فى الأماكن الطبيعية خلال النهار أو الليل، وهو الإغراء الذى سوف يتحول لدى خان إلى عشق حقيقى، ساعده بدوره على أن ينتقل من الإعجاب بأنطونيونى أو جودار (هل أذكر أيضاً فيلم "على آخر نفس"؟) إلى الانتماء القريب من الاكتمال للواقع المصرى، بكل تفاصيله الخارجية وجوهره على السواء.

Wednesday, November 20, 2013

من مقدمة كتابى "محمد خان... ذاكرة تتحدى النسيان"


فى المشهد الأخير من آخر أفلام محمد خان ـ حتى كتابة هذه السطور ـ تظل البطلة نجوى (غادة عادل) تردد بينها وبين نفسها رقم هاتف الفتى يحيى (خالد أبو النجا) حتى لا تنساه، وأى لقاء قادم محتمل بينهما ـ ولعل فى قصتهما بقية آتية ـ يعتمد على ذاكرتها، تلك "الذاكرة" التى سعى محمد خان فى كل أفلامه إلى أن يحتفظ بها على شرائط سينمائية، ذاكرة للمكان والزمان والمجتمع والاقتصاد والثقافة، والأهم أنها ذاكرة للإنسان فى كل هذه السياقات، كيف يشعر الناس ويفكرون ويحلمون ويتصارعون، بل كيف يتحدثون ويستخدمون تعبيرات الجسد وإيماءاته فى التعبير عن ذلك كله. وبقدر أهمية الذاكرة فإن من المهم أيضاً أن تبقى هناك مساحة للنسيان، نعم النسيان، فبدونه سوف يتوقف الإنسان عن الحركة مع العالم الذى لا يتوقف عن التغير، وأرجو أن يتحملنى القارئ لو ذهبت للحظة قصيرة بعيداً عن أفلام محمد خان لكى نتمهل ونتأمل هذه الفكرة، التى جسدها على نحو رائع فيلم التحريك "البحث عن نيمو" الذى صنعته مجموعة شركة "بيكسار" الأمريكية، التى تتبنى ـ من وجهة نظرى ـ موقفاً "يسارياً" بالمعنى الواسع للكلمة، واليسارية هنا تعنى المحاولة الدائمة لتجاوز الواقع الراهن نحو مستقبل أكثر جمالاً وعدلاً. ففى فيلم "البحث عن نيمو" تجد السمكة الأب الذى فقد ابنه فى المحيط الواسع، ولأن "ذاكرة" الأب تجعله لا يستطيع أن ينسى أبداً آلامه عندما فقد زوجته وبقية أطفاله فى هجوم سمكة متوحشة، فإن بحثه عن الابن يصطدم دائماً بتلك الذكرى المؤلمة، حتى أنه يميل أحياناً إلى التراجع عن مهمته خوفاً أو يأساً. وهنا يظهر دور سمكة صديقة، يقابلها بالصدفة ليجدها تعانى من حالة فقدان جزئى للذاكرة، فهى سرعان ما تنسى ما حدث لها منذ دقائق معدودة أياً كان حجم الألم الذى عانت منه، لذلك فإنها تبدأ من جديد، بذاكرة بيضاء مستعدة للكتابة عليها مرة أخرى وثالثة وعاشرة، وفى كل مرة تنمحى الذاكرة وتبدو كأنها قد ولدت ثانية فى اللحظة الراهنة. وفى هذا الجمع بين الأب وصديقته، الذاكرة والنسيان، تأكيد شديد الذكاء من صناع الفيلم على أن رحلة "البحث عن نيمو" ما كان لها أن تكتمل لو كان كل منهما بمفرده، فالأب وحده سوف تعجزه الذاكرة المؤلمة الآتية من الماضى عن أن يمضى نحو المستقبل، والصديقة وحدها بنسيانها السريع سوف تسير على غير هدى وبلا هدف، لذلك فإن الذاكرة هى التى تضعنا على خريطة الماضى والحاضر والمستقبل، والنسيان هو الذى يجعلنا نحطم أسوار الماضى لنكمل طريقنا نحو المستقبل، أو فلتقل صنع حاضر جديد. إن هذا الجمع بين الذاكرة والنسيان، أو بالأحرى التفاعل والصراع بينهما، أراه جوهر رحلة محمد خان السينمائية، متجسداً فى العديد من أبطاله تارة، وفى قدرة خان أيضاً على أن "يولد من جديد" مع كل فيلم، حاملاً معه ذاكرة من أفلامه السابقة، لكنه يحمل أيضاً ذاكرة بيضاء جديدة قادرة على الدهشة واكتشاف التفاصيل ـ كأنه لم يرها من قبل ـ لكى يتمكن من اقتناصها و "طبعها" على شريط الذاكرة الجديدة. يروِّج بعض النقاد إلى فكرة أن محمد خان وأبناء جيله من المبدعين السينمائيين ينتمون إلى ما يسمى "الواقعية المصرية الجديدة"، وهو ما أراه تبسيطاً يتجاهل من جانب الفوارق الهائلة فى أسلوب كل منهم وطريقته فى استخدام التقنيات والجماليات، كما يتجاهل من جانب آخر دقة مصطلح "الواقعية" التى أصبحت كلمة فضفاضة منذ أن أطلق عليها جارودى "واقعية بلا ضفاف"، وإذا كان جارودى يقصد "الهدف السياسى" فإنه يبتعد عن "الهدف الجمالى"، فالسياسة فى الفن هى فى حقيقتها "سياسة الفن"، أو بكلمات أخرى أكثر وضوحاً "علاقة الفنان بمادة موضوعه" (مرة أخرى فهى ليست علاقة سياسية وإنما علاقة جمالية)، حيث على الفنان أن يحدد ـ عن وعى أحياناً، وأحياناً بشكل حدسى ـ مكانه (ولا أقول موقفه) من العالم الذى يقوم بتصويره. وإذا أخذت مثالاً يمكن أن يوضح هذه "العلاقة" على نحو أكثر اقتراباً من القارئ، فلتتصور روائياً يريد أن يحكى لنا عن شخصيات بعينها، إن "سياسة الفن" هنا هى التى سوف تحدد له إذا ما كان سوف يأخذ مكان الراوى المحايد، أو ما يطلقون عليه كلى الوجود كلى القدرة Omnipresent, Omnipotent ، فهو يعلم كل شئ عن الشخصيات مسبقاً، وكل ما يفعله هو أن يصفها لنا ويحكى لنا عن أفعالها وانفعالاتها وتفاعلها مع العالم من حولها (تأمل فى ذلك على سبيل المثال قصة تشيكوف القصيرة "موت موظف")، أو ربما يضع الكاتب نفسه مكان إحدى شخصيات الرواية ليتحدث بضمير المتكلم، ليجعلنا نرى العالم من خلال هذه الشخصية وحدها ( كما فى "زوربا اليونانى" لكانتزاكس)، أو قد يختار الكاتب أسلوب "تعدد الأصوات" لكى نسمع ونرى الأحداث ذاتها من وجهات نظر متعددة (كما فى رواية نجيب محفوظ "ميرامار")، أو ربما يجمع بين ذلك كله فى مزيج هارمونى متآلف (والنموذج الأشهر على الانتقالات فى أسلوب السرد والقفز بين الضمائر هو ثلاثية نجيب محفوظ) حتى يتشابك ضمير الغائب مع ضمير المتكلم فى سلاسة لا يكاد القارئ أن يشعر بها. نحن فى "سياسة الفن" لا نتحدث إذن عن "واقعية" فضفاضة (فكل المدارس الفنية واقعية بمعنى ما)، والهدف من هذا الكتاب الصغير هو محاولة تلمس المدرسة الأسلوبية التى يقف على أرضها محمد خان، لكننا بالطبع لا نريد أيضاً "سجن" خان داخل مدرسة أسلوبية بعينها من المدارس الفنية الموجودة فى الكتب، فقد يضع الفنان قدماً على أرض مدرسة فنية وقدماً أخرى على مدرسة ثانية أو ثالثة أو عاشرة، وبالمقارنة مع الرواية فإن تحديد المدرسة الأسلوبية يصبح أكثر صعوبة فى الفن السينمائى (على سبيل المثال، فإن الأفلام التى تتخذ "ضمير المتكلم" فى "كل" لقطاتها تكاد أن تعد فى تاريخ السينما كله على أصابع اليد الواحدة، بينما يحتل هذا الأسلوب مكاناً كبيراً فى فن الرواية)، وفى معظم الأحوال فإن فنان السينما ينتقل من مدرسة فنية إلى أخرى بحرِّية (إن كان ذلك يتم على نحو واعٍ فإنه يصنع أسلوباً متفرداً، أما إذا تم بشكل عشوائى فإنه لا ينتج إلا خليطاً مشوشاً)، بل ربما استعار الفنان السينمائى أساليب من الفن التشكيلى والمسرح والرواية، لذلك تصبح المهمة أكثر صعوبة لكى نحاول "وصف" المدرسة الأسلوبية التى يغلب طابعها على أفلام محمد خان، وإن كان هذا هو المسعى الحقيقى وراء كتابة سطور هذا الكتاب الصغير. وسوف يجد القارئ أننا اعتمدنا فى خوضنا هذه "الرحلة" مع أفلام خان (وكل فيلم لمحمد خان هو "رحلة" بمعنى من المعانى) على الأفلام الروائية الطويلة، لأنها أولاً أكثر اتساعاً فى أفقها بحيث تشتمل على العناصر التى تشكل عالم محمد خان الفنى، ولأن أفلامه الروائية القصيرة تأتى فى سياق "دعائى" لمؤسسة ما، برغم تأكيدنا على أنها لا تخلو من "لمحات" أصيلة من أسلوب محمد خان. كما لا يفوتنى الاعتذار للقارئ عما قد يجده من تكرار بعض الأفكار فى سياق تناولنا لفيلم بعد آخر، وهو التكرار الذى يعود إلى محاولة التأكيد على فكرة بعينها، بقدر ما يعود أيضاً إلى أن بعض أفلام خان تعتبر "تنويعات على لحن واحد"، وهو ما لا يقلل من شأنها أبداً، ولمن يشاء أن يدرك قدر "التنويعات" فى الفن أرجوه أن يعود إلى كل اللوحات التى اعتمدت عبر العصور على "تيمة" واحدة، مثل "صلب المسيح" أو طقوس العمل أو المشاهد العائلية الحميمة أو صور الزعماء والملوك، أو إن شاء فليستمع إلى مقطوعة يوهانس برامز العظيمة "تنويعات على لحن لهايدن". لكن الاعتذار الأهم الذى أعرف أهميته (الحقيقية أو المزعومة) عند مثقفينا ونقادنا السينمائيين هو أن من المؤكد أن كثيراً من الأفكار التى سوف ترد فى هذا الكتاب الصغير سوف يختلف معها البعض ، بينما الحقيقة أن هذا الاختلاف أمر شديد الحيوية فى الفن كما هو فى الحياة، وأى ناقد ليس إلا بشراً، له أفكاره ومواقفه ورؤيته للعمل الفنى، والتى لابد أن تختلف عن رؤية ناقد آخر لنفس العمل، بل إننى أضيف "المشاعر" أيضاً لهذه العوامل التى تتحكم فى "استقبال" الناقد للعمل الفنى، حتى أن بعض النقاد الأمريكيين يذكرون فى مراجعاتهم النقدية مكان وظروف مشاهدتهم للفيلم (لذلك فإننى على سبيل المثال لا أرى الأفلام فى العروض الخاصة التى تكون أقرب فى أجوائها لحفلات أعياد الميلاد والأفراح!)، ومشاهدة الفيلم فى سينما "أوديون" تختلف عن مشاهدة نفس الفيلم فى "سيتى ستارز"، بل إن من المؤكد أن مشاهدتى لفيلم بعد عشر سنوات سوف تختلف عن مشاهدتى الأولى له، لذلك كله، وإذا كنت أختلف مع نفسى، أرجو أن يقبل الآخرون احتمال اختلافى معهم. لقد تعودنا فى مراجعاتنا النقدية على طرق سهلة، إحداها هى أن ننتقد "حدوتة" الفيلم ذاتها، كأن نحكم مثلاً على رجل فى الفيلم تقدم للزواج من عروس ليست مناسبة له، أما الطريقة الثانية فهى الاستلطاف أو عدمه، فذلك فيلم خفيف الظل وآخر "دمه تقيل"، أما الطريقة الثالثة ـ وهى الأخطر من وجهة نظرى ـ فهى تلك التى تدعى "العلم" وتنادى بأن "الناقد قاضٍ" (يا نهار أسود! فكأن الفيلم وصاحبه متهمان ينتظران الحكم بالبراءة أو تحويل الأوراق إلى المفتى!)، وهى تتناول الفيلم بالتشريح بالمعنى الحرفى للكلمة، وتتكرر فيها عبارات بعينها مثل "أما التصوير ﻔ..."، و"أما المونتاج ﻓ..."، وأكاد أجزم بأن ممارسى هذه المدرسة لا يعلمون شيئاً حقيقياً ذا بال عن التصوير أو المونتاج أو قل أنهم أصلاً لا يحبون فن السينما! الحقيقة ـ أو هكذا أراها كذلك ـ هى أن أى عمل فنى هو "كائن حى"، ولكل كائن خصوصيته، وعلى الناقد ـ أو المتلقى بشكل عام ـ أن يتفاعل ويتحاور بحق مع هذا الكائن حتى "يفهمه" قبل أن يقول لنا "رأيه" فيه (قال لك أنا أعرف فلان، قال لك عاشرته؟ قال لك لأ.. يبقى ما تعرفوش)، وبالطبع فإن هذه "العِشرة" خبرة إنسانية، ويجب علينا فى تعاملنا مع العمل الفنى ألا "نقتله" حتى نضعه على منضدة التشريح النقدى، لذلك فإننى لا أرى هناك أى "وصفة" أو "فورمولا" جاهزة بعينها لكتابة مقالة نقدية، فكل مقالة تأخذ بناءها من العمل الفنى ذاته، و"السَّميع" الجيد من وجهة نظرى هو الذى يقول "الله!" عندما يصل إلى السلطنة، يقولها على نفس النغمة والمقام الموسيقيين اللذين يغنى بهما المطرب. ربما قد طالت هذه المقدمة أكثر من اللازم، لكننى سعيت فيها إلى أن "أُدَوْزِن" كما يقول "آلاتية" الفرقة الموسيقية، أى أن أعد نفسى للمقام الذى سوف يعزف عليه محمد خان أفلامه، لكننى أعيد القول بأننى أكدت بهذه المقدمة أيضاً حلمى بأن يتسع صدر القارئ للاختلاف، وإذا كان هذا الاختلاف عميقاً بينى وبينه فعليه أن يلجأ إلى "النسيان"، ويبدأ بنفسه من جديد رحلة البحث فى الذاكرة السينمائية عند محمد خان.