Saturday, September 21, 2013

مسلسل "الزوجة الثانية".... ظل باهت للفيلم، والواقع أيضا


عندما يقرر صناع الدراما التليفزيونية "إعادة صنع" عمل سينمائي ما، فلابد أن هناك سببا قويا يدفعهم إلى ذلك، لكن تجارب المسلسلات المصرية في الاقتباس عن أعمال سينمائية سابقة أتت جميعها مخيبة للآمال، لسبب رئيسي هو تصور صناعها أن مجرد النجاح الجماهيري للفيلم سوف يضمن بالضرورة نجاح المسلسل، لكن ذلك تحديدا هو جوهر الفشل، ففي كل لحظة من هذا المسلسل أو ذاك لا يتوقف المتفرج عن مقارنته بالفيلم، وتكون النتيجة دائما لصالح هذا الأخير، وهذا بالضبط هو ما حدث مع مسلسل "الزوجة الثانية". لقد تم عرض فيلم "الزوجة الثانية" عشرات المرات على مختلف القنوات التليفزيونية الفضائية، ولم يعد نجاحه مقتصرا فقط على الجيل الذي شهده في السينما في النصف الثاني من الستينيات، بل أصبح بالنسبة لأجيال عديدة جزءا من "فولكلور" جديد، وجرت على الألسنة عبارات مثل "الدفاتر دفاترنا"، في إشارة للتزييف الذي يأخذ شكلا قانونيا، أو "الليلة يا عمدة"، تلميحا إلى العناد الذي يتسبب عن غيرة متأججة. لكن صناع مسلسل "الزوجة الثانية": ياسين الضو وأحمد صبحي كاتبين للسيناريو، وخيري بشارة مخرجا، لم يتوقفا بالتأمل عند السبب الحقيقي للفيلم، أو قل الأسباب العديدة لهذا النجاح، والتي سوف نتناولها لاحقا بشيء من التفصيل. دعنا نبدأ أولا بالحبكة الرئيسية للقصة، التي كتبها للفيلم أحمد رشدي صالح: عمدة لا يعرف طمعه حدودا، ويستولي على كل ما تصل إليه يداه، حتى نصيب أخيه من الميراث، لكنه زوجته التي لا تختلف عنه كثيرا لا تنجب، ليدرك العمدة أن كل شيء سوف يؤول بعد وفاته إلى الآخرين، لذلك فهو يريد ابنا يرثه. غير أن تلك الرغبة تتلاقى مع رغبة أخرى أكثر عمقا، وهي اشتهاؤه لفلاحة فقيرة جميلة لكنها متزوجة، فيدفع زوجها إلى تطليقها بالقوة، ويتزوجها في الليلة ذاتها. وتعرف الفلاحة بالصدفة أن مثل هذا الطلاق أو الزواج غير جائز شرعا، وأنها ما تزال زوجة لزوجها الفلاح الفقير، فتقرر ألا يمس العمدة شعرة منها، بينما تحمل من زوجها، فتؤدي هذه الصدمة بالعمدة إلى الشلل ثم الموت، وترث البطلة وابنها كل شيء بحكم القانون الذي أراد العمدة في البداية التلاعب به. لديك هنا بطلة تثير تعاطفك بكل ما تملك من مشاعر وأفكار، سواء في مرحلة القهر والفقر، أو في مرحلة التحايل على الواقع المرير. ولعلنا جميعا نتفق على أن جانبا كبيرا من نجاح الفيلم يعود إلى قيام سعاد حسني بتجسيد دور البطلة فاطمة، لكن ذلك ينسحب في الحقيقة على كل ممثلي الفيلم الذي أخرجه صلاح أبو سيف، وهو الذي عرف عنه التدقيق الشديد في اختيار وإدارة ممثليه، صلاح منصور في دور العمدة، وسناء جميل في دور زوجته، وشكري سرحان في دور الزوج المقهور، وحتى الشيخ الذي يضفي غطاء "شرعيا" مزيفا على كل التصرفات الظالمة، وقام بتجسيده حسن البارودي. لكن الأهم من ذلك كله هو "إحساس" صلاح أبو سيف بأجواء الأحداث، التي لا تدور في "ديكور" مصطنع، وتأكيده على عنصر "المفارقة"، في المرارة التي يشعر بها العمدة، لأنه يترك ميراثه بعد رحلة طويلة من جمعه بكل الوسائل، إلى وليد ليس في الحقيقة هو ابنه!! سوف تضيع هذه المفارقة الجوهرية تماما في المسلسل التليفزيوني، ليس فقط بسبب "مط" الأحداث بشكل متعسف لتصل إلى ثلاثين حلقة، وإنما للانعطافات التي أخذ فيها كاتبا السيناريو أحداث القصة، وغياب إحساس المخرج بأجواء الريف الحقيقية، وهو ما سوف يتأكد لك على الفور مع اختيار الممثلين (أو قل عدم اختيارهم)، فقد جاءت مثلا الممثلة آيتن عامر بطلة للمسلسل لأنها شقيقة زوجة المنتج (!!)، لكن ذلك ينسحب أيضا على بقية الأدوار، ولتتأمل على سبيل المثال علا غانم في دور الزوجة الأولى، التي ترتدي ملابس فاضحة وتظهر بها أمام الجميع، وتتحدث بلهجة أقرب إلى الغانيات، وإن كان المسلسل سوف "يحشر" أيضا الغانية راوية (إيناس عز الدين)، التي تكسب عيشها من تزويج الفلاحات صغيرات السن إلى عجائز أثرياء، ولن يعرف المتفرج أبدا سبب وجودها، سوى أنها تشتهي الزوج الفلاح أبو العلا (عمرو واكد)، وتنتظر تطليقه لزوجته فاطمة، حتى تأخذه إلى عالم الصفقات المالية الرابحة، في تحول في السرد يأخذ الحبكة بعيدا تماما عن جوهرها!! ليس الأمر هنا هو الالتزام بالحبكة الأصلية للقصة أو الابتعاد عنها، وإنما تحقيق التوحد، أو التعاطف على الأقل، مع هؤلاء الأبطال المضطهدين، وهو ما افتقده المسلسل خاصة في نصفه الثاني، ليضاف عنصر جديد إلى المقارنة بين سعاد حسني وآيتن عامر، وهو تحول البطلة فاطمة في المسلسل إلى الشراسة والعدوانية، التي تصل أحيانا إلى درجة السوقية التي تثير نفور المتفرج بدلا من أن تثير شفقته. إن ذلك يمتد إلى بقية الشخصيات، فمرة أخرى في مسلسل "الزوجة الثانية" تشاهد مزيدا من "فلاحي التليفزيون"، الذين يعيشون في ديكورات مرسومة، ويتحدثون بلهجة مصطنعة، دون أن تجد سببا واحدا، أو إضافة ذات مغزى، تبرر إعادة صنع فيلم "الزوجة الثانية" في شكل المسلسل التليفزيوني. ومن الحق القول إن المشاهد الصادقة الوحيدة في المسلسل كانت تلك التي تتسم بصبغة تسجيلية، خاصة في شكل الأفراح الريفية البسيطة، لتتذكر كيف أن المخرج خيري بشارة بدأ حياته السينمائية مخرجا بالغ التميز للأفلام التسجيلية، لكنه عندما يتحول إلى الدراما يفقد جزءا لا يستهان به من الإحساس بالواقع، فكما كانت جماليات الصعيد في فيلمه "الطوق والإسورة" لا تعكس الحرارة الخانقة في هذا العالم، فهو هنا أيضا يرى عالم الفلاحين من على السطح، أو بالأحرى ليس بعيني الواقع وإنما من خلال التراث التليفزيوني عن هذا العالم. تأمل على سبيل المثال تلك المشاهد الحوارية الطويلة بين الشخصيات، لا تفعل فيها شيئا سوى أن تقف أو تجلس كأنها على خشبة مسرح، ناهيك عن الاسترسال أيضا في "مونولوجات" طويلة" تخلط بين عالم "هاملت" وعالم قرية مصرية صغيرة فقيرة! وفي مثل هذا العالم سوف يعود "فلاحو التليفزيون" إلى تقمص الأدوار البلهاء، التي تخلط بين التخلف العقلي وما يفترض أنه الكوميديا، فالخفير حسان (هشام اسماعيل، الذي حل محل دور عبد المنعم ابراهيم) يتبادل حديثا طويلا مع أوزة، وتظل جميع الشخصيات طوال حلقة كاملة تتحدث عن انتظار تركيب "تليفون" في مكتب العمدة، في حوار أقرب إلى التهريج المفتعل. كما يفتقد العمدة عتمان هنا (عمرو عبد الجليل) قدرا كبيرا من المصداقية التي تمتع بها عمدة الفيلم، فهو ما يزال في ريعان شبابه وليس رجلا يقترب من شيخوخته. الصدق الواقعي والفني، هذا باختصار ما افتقده مسلسل "الزوجة الثانية"، فلم يأت فقط ظلا باهتا للفيلم، وإنما لأي واقع حقيقي أيضا، فأنت لن تصدق قدر الفقر الذي يعيش فيه أبو العلا وزوجته فاطمة، ولن تشعر بذل القهر الذي يدفع هذا الرجل لتطليق زوجته، ولن تتعاطف مع فاطمة التي لا تملك لضعفها سوى أن تتحايل على كل هذا الهوان. وإن أردت مثالا على خطأ (يكاد أن يصل إلى درجة الخطيئة) في ابتعاد المسلسل عن القصة الأصلية، فسوف تجده في المرض الذي أقعد أبو العلا عن العمل، مما اضطر فاطمة للعمل في بيت العمدة حيث اقتربت الفريسة من شبكة الصياد: في الفيلم يجتاح القرية وباء الكوليرا، أما في المسلسل فإن أبو العلا يصاب في خناقة عارضة!! وذلك ليس إلا مثالا على عدم إدراك صناع المسلسل لأهمية السياق الدرامي الذي تدور فيه الأحداث، بقدر عدم إدراكهم للسياق الواقعي ذاته، فجاء معظم ما فيه مزيفا، ليستحق كل هذا الانتقاد المرير الذي ناله من بين كل مسلسلات رمضان.

Tuesday, September 17, 2013

الموسيقى في السينما.... عندما يتحول الصخب إلى الصمت!!


من الأخطاء الشائعة في الحديث عن تاريخ السينما أن نستخدم تعبير "السينما الصامتة"، لوصف تلك المرحلة التي استمرت حوالي ثلاثة عقود من بداية السينما، ولم يكن ممكنا خلالها تسجيل الصوت، بحيث يسمعه المتفرج متزامنا ومتطابقا مع الصورة. لكن لم يكن ممكنا أيضا ترك هذا المتفرج في صمت مطبق، خاصة أن آلات العرض الأولى كانت تُصدر صوتا مزعجا، ومن هنا نشأت الحاجة إلى مصاحبة موسيقية من نوع ما، ربما تأتي في دور العرض الرخيصة من آلة "فونوغراف"، أو أن تأتي دور العرض الفاخرة بفرقة موسيقية كاملة، أو حتى عازف لآلة الأورج أو البيانو، لتملأ الموسيقى هذا الصمت. لكن هذه الموسيقى لم تكن أيضا مجرد احتياج تفرضه ظروف العرض، فقد كانت الموسيقى المسرحية قد بلغت درجة عالية من النضج، ورثته عنها السينما على الفور. فللموسيقى فى الفنون الدرامية وظائف بالغة الأهمية، حتى أنه لا يمكن لك – إلا فيما ندر – أن تتخيل فيلما يخلو من الموسيقى، التي تعزز اللحظات الدرامية بقوة. ففي النسخة الأخيرة من فيلم "البؤساء" على سبيل المثال، يلتقي البطل السجين السابق مع سجانه بعد سنوات طويلة، ويحاول البطل أن يتخفى ويهرب من هذا الماضي، لكن المتفرج يعرف أن ذلك مستحيل، عندما يرتفع على شريط الصوت لحن كنا قد سمعناه في مشاهد السجن السابقة. وكثير من الأفلام العالمية ارتبط بالموسيقى التصويرية لها، مثل "الطيب والشرس والقبيح" أو "من أجل حفنة دولارات" أو "الأب الروحي"، حتى أن الموسيقى فيها اشتهرت لدرجة انتقالها إلى العديد من الأفلام المصرية. ولا يمكن أن تنسى أيضا أغنية فيلم "تايتانيك" أو "الحارس الشخصي" أو بعض أفلام "جيمس بوند"، وهي أغنيات تم تأليفها خصيصا لهذه الأفلام، كما قد تستعين السينما أحيانا ببعض المؤلفات العالمية الشهيرة، مثلما فعل المخرج الألماني فريتز لانج في فيلمه "إم"، حين جعل البطل قاتل الأطفال يهمس لنفسه دائما بلحن من متتالية "بيرجنت" لإدوارد جريج، وعندما يعلو اللحن معزوفا على آلات الأوركسترا فإن المتفرج يتوقع على الفور وجود القاتل. وأخيرا فقد استخدم هيتشكوك الموسيقى على نحو متفرد في مشهد القتل من فيلمه "سايكو"، فبدلا من أن نسمع الصرخات بينما تنهال الطعنات، هناك نغمات صارخة من آلات وترية تضفي على المشهد مزيدا من الكابوسية. تلك وغيرها استخدامات "جمالية" للموسيقى في السينما، غير أن السينما المصرية لم تتقنها إلا في حالات نادرة، خاصة أن لهذه السينما سمة ظلت ملازمة لها، وهي وجود الأغنية التي تقطع سير الدراما أحيانا، أو تخرج على الأسلوب الفني ذاته، فليس من المنطقي مثلا في فيلم "واقعي" كفيلم "العزيمة" أن تصعد البطلة (فاطمة رشدي) إلى سطح منزلها، لتغني أغنية حزينة دون أن ندري من أين تأتي هذه الموسيقى!! وإلى جانب الأغنيات، أضاف المخرجون "توليفة" من مقطوعات شهيرة، أصبحت من "أرشيف" الموسيقى التصويرية التي تكررت في الأفلام المصرية حتى الخمسينيات، ولعل أشهر هذه المقطوعات "صور في معرض" للمؤلف الموسيقي موسورسكي، أو باليه "جيانه" لخاتشادوريان، أو "شهر زاد" لكورساكوف، ولعلك تلاحظ أنها مؤلفات موسيقية روسية، لذلك كان طابعها الشرقي ملائما لذوق المتفرج العربي. وبعد سنوات طويلة، أدرك مخرجو السينما المصرية أهمية وجود موسيقى تصويرية في الأفلام، لكن الارتباط مرة أخرى بالأغنية دفعهم إلى أن يبحثوا عن هذه الموسيقى لدى المطربين الملحنين المشهورين، مثل محمد عبد الوهاب أو فريد الأطرش أو محمد فوزي، الذين جاءت ألحانهم مجرد "نقلات" موسيقية لا تدرك تماما الطابع الخاص للموسيقى السينمائية. وهنا يأتي دور واحد من أهم وأغزر من ألفوا الموسيقى للسينما المصرية، وهو فؤاد الظاهري، والذي تتراوح الأفلام التي اشترك فيها بين واقعية "شباب امرأة"، ووطنية "بورسعيد" أو "رد قلبي"، وتجريبية "باب الحديد"، وكوميدية "الزوجة 13"، لكن برغم الفوارق الهائلة بين عالم كل من هذه الأفلام، فقد اعتمد الظاهري على أسلوب واحد، وهو انفجار الموسيقى العاطفية الجياشة في اللحظات الميلودرامية، وربما لن تجد عنده أبدا موسيقى مرهفة في لحظة درامية رقيقة، بل إن اعتمد على تكرار بعض ألحانه التي انتقلت من فيلم إلى فيلم، سواء كانت تنويعات على "تيمات" فولكلورية أو شعبية مثل "يمامة بيضا" أو "آه يازين"، أو ألحانا من عمل أثير لديه يحمل عنوان "الأرض الثائرة"! وإلى جانب الظاهري، كان هناك العديد من الموسيقيين الأقل شهرة وإن لم يكونوا أبدا أقل موهبة ودراسة، مثل عازف الكمان الشهير أنور منسي الذي وضع موسيقى فيلم "غروب وشروق"، أو المؤلف الموسيقي عبد الحليم نويرة صاحب موسيقى فيلم حسين صدقي "خالد بن الوليد"، أو فيلم "سيد درويش"، وكان نويرة واحدا ممن يجيدون تقديم تنويعات على الألحان، أو مثل سليمان جميل الذي ألف موسيقى فيلم "الحرام". لكن تأثير هؤلاء توارى إلى جانب صخب موسيقى الظاهري، وربما كان الوحيد الذي استطاع إضافة لمسه مغايرة هو أندريا رايدر، الذي منعته جذوره الأجنبية من غزارة تأليف ألحان مصرية وشرقية صميمة، لكن ذلك النقص ذاته هو الذي ألجأه لأسلوبه الخاص، الذي اعتمد على تقديم تنويعات بالغة التباين على لحن أو لحنين طوال الفيلم كله. إنه في فيلم "حكاية حب" على سبيل المثال يعتمد على حزن لحن أغنية "في يوم في شهر في سنة"، وعاطفية لحن أغنية "بتلوموني ليه"، ليقدم منهما نسيجا يغلف كل اللحظات الدرامية على اختلافها، كما فعل في فيلم "الخطايا" مع لحني "الحلوة" و"لست أدري"، أو الفيلم الذي قامت ببطولته نجاة "غريبة"، مع لحني "عيد ميلادك يامنى" و"وحديا". ومن نفس النقطة بدأ علي اسماعيل، الذي قدم تنويعات لحنية في فيلم "يوم من عمري" على أغنيات مثل "ضحك ولعب" أو "بأمر الحب"، لكنه عبر أفلام فرقة رضا مثل "أجازة نص السنة" أو "غرام في الكرنك"، استطاع تطوير أدواته، التي بلغت ذروتها في فيلم يوسف شاهين "الأرض"، الذي لا يمكن أن تنسى فيه تنويعاته على لحني "أرضنا وعطشانة" أو "نورت ياقطن النيل"، في لحظات مفعمة بالألم أو الأمل. ويمكنك أن ترى مثيلا لهذه المسيرة مع محمد نوح، الذي فهم تماما معنى الموسيقى السينمائية مع فيلمي يوسف شاهين "اسكندرية كمان وكمان" و"المهاجر". لكن هذا التقدم نحو موسيقى سينمائية أكثر نضجا شهد تراجعا في السبعينيات، بسبب استخدام الآلات الموسيقية الإلكترونية استخداما مفرطا، والاستعانة ببعض العازفين المشهورين عليها، مثل مجدي الحسيني وهاني مهنا وعمر خورشيد، الذين كانت وظيفتهم هي "ملء" شريط الصوت بأي موسيقى. وبرغم أن مؤلفا موسيقيا مثل جمال سلامة قد درس التأليف والتوزيع الموسيقيين، فإنه أعاد في تلك الفترة أسلوب فؤاد الظاهري الصاخب مرة أخرى، ولا يمكن لك أن تجد فرقا بين موسيقى أي من أفلامه العديدة التي قامت ببطولتها نبيلة عبيد أو نادية الجندي. وعندما جاءت الثمانينيات بجيل جديد من السينمائيين، ظهر أسلوب أكثر رهافة في الموسيقى السينمائية، يمكنك أن تجده مثلا في أفلام المخرج محمد خان التي كتب موسيقاها كمال بكير، أو مؤلفات راجح داود الموسيقية لأفلام داود عبد السيد. وتميزت أيضا موسيقى مودي الإمام في أفلام المخرج شريف عرفة بنوع من دعم المونتاج الإيقاعي، ظل علامة مسجلة منذ "الدرجة الثالثة" و"اللعب مع الكبار"، وانتقل إلى جيل جديد من المؤلفين الموسيقيين مثل خالد حماد وعمرو اسماعيل. لكن واقع الموسيقى السينمائية اليوم في السينما المصرية قد عاد للأسف إلى مراحل بدائية، فقد تسمع على شريط الصوت في أحيان نادرة موسيقى تدعم اللحظة الدرامية، كما عند ياسر عبد الرحمن أو عمر خيرت أو الراحل عمار الشريعي، لكنك في الأغلب الأعم لن تجد سوى حالة من الصخب السمعي الذي يتماشى مع الصخب البصري، حتى أن سؤالا مهما يغيب عن صناع معظم سينمائيي السينما المصرية الآن، هذا السؤال ليس هو "أين أضع هذه الموسيقى؟"، بل أيضا "أين يجب أن تغيب الموسيقى؟"، فعندما تصبح الموسيقى موجودة في كل لحظة، يمكن لك أن تتأكد من أنها تفقد تأثيرها. ويبدو أن السينما المصرية قد عادت "صامتة" برغم كل هذا الصخب على شريط الصوت!!

Saturday, September 14, 2013

مسلسل "اسم مؤقت".... دليلك إلى خداع المتفرج في تسع وعشرين حلقة


تسيطر مؤخرا على الدراما المصرية، التليفزيونية والسينمائية، بل أيضا على معظم الإعلانات التجارية، تيمة واحدة غريبة، خاصة في مجتمع عُرف عنه الاستقرار والثبات لمئات السنين، لدرجة اتهامه أحيانا بأنه يستعصي على التطور والتغيير. تلك التيمة هي ضياع هوية البطل الدرامي، التي تصل إلى درجة الخلل العقلي، وشاع في سطور حوار هذه الدراما تعبير "الانفصال عن الواقع"، ولعل ذلك كله يشير إلى حالة من القلق الاجتماعي والسياسي، حيث يبدو مظهر الأشياء غالبا مناقضا لجوهرها، لكن الحقيقة أنه يعكس أيضا أمرا أكثر بساطة بكثير، وهو ضعف الكتابة الدرامية إلى درجة لا تُصدق!! كنا قد أشرنا في مقال سابق إلى مسلسل "حكاية حياة"، وربما سوف نأتي لاحقا إلى مسلسل "نظرية الجوافة"، وها نحن الآن بصدد مسلسل يدعى "اسم مؤقت"، وفي كل هذه المسلسلات تحتشد الأحداث بخليط عجيب غريب ومتشابك من الخيوط، وتظهر شخصيات وتختفي أخرى، وبينما ينتظر المتفرج أن يقدم صناع هذا العمل أو ذاك حلا للعقدة الدرامية وكل هذا التعقيد، إذا بهم يقولون له إن كل ما رآه ليس هو الحقيقة، وإنه ناتج عن خيال شخص مريض، يعيش بعيدا عن الواقع في عالم وهمي، وذلك بالضبط هو جوهر الخلل في هذا النوع من الدراما، إنه يقوم على خداع المتفرج، وهروب كاتب السيناريو من تقديم تفسير درامي مقنع لثلاثين حلقة من الغموض، الذي سوف يكتشف المتفرج أخيرا افتعاله وتعسفه. وقد نحتاج في البداية أن نشير إلى بعض الأعمال المسرحية والسينمائية العالمية التي بدأت تيمة ضياع الهوية والبحث عنها، وربما كان مفهوما تماما أن يثور هذا السؤال بعد أن عاشت أوربا أهوال الحرب العالمية الثانية، فعلى رغم ما تدعيه من حضارة وتمدن، شهدت هذه الحرب أقصى درجات الوحشية، بما استدعى السؤال: من نحن حقا؟ وكانت البداية في مسرحية جان أنوي الفرنسية "مسافر بلا متاع"، حول شخص فقد الذاكرة، ليطوف دون جدوى بين عائلات مختلفة باحثا عن حقيقته، وعندما يصل أخيرا إلى عائلته الحقيقية، يكتشف أن له ماضيا بغيضا، فيقرر أن يتحرر من هذا الماضي لكي يبدأ حياته من جديد بهوية جديدة. وفي تنويع أمريكي على الفكرة ذاتها، جاء فيلم "هوية بورن" بأجزائه اللاحقة، التي تتحدث جميعا عن بطل فقد ذاكرته، لكنه يكتشف أيضا أن ماضيه ملوث بعمليات إجرامية، لأنه أحد العملاء الخطرين لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، التي تحاول قتله حتى لا يفشي أسرارها، ليخوض معها حربا باحثا لنفسه عن هوية جديدة. لكن المعالجة الأقرب إلى مسلسل "اسم مؤقت" كانت مع الفيلم الأمريكي "المجهول"، لبطل يفقد ذاكرته في حادث، وعندما يحاول أن يستعيد هويته وماضيه ينكره الجميع، على نحو بالغ الكابوسية، ليكتشف في النهاية أن الهوية التي يبحث عنها ليست إلا هوية مزيفة، عاشها في مهمة قذرة للمخابرات الأمريكية. ونحن أيضا مع "اسم مؤقت" مع بطل يدعى يوسف رمزي (يوسف الشريف)، نراه في اللقطات الأولى وقد وصل لتوه من لندن بعد سنوات طويلة من الغياب عن مصر، ويتعرف في الطائرة على المضيفة الجميلة هالة (شيري عادل)، التي سوف تصبح حبيبته في قادم الأحداث، كما سوف يذهب إلى منزله، حيث تستقبله أمه الحنون (صفاء الطوخي). وتنمو العلاقة الدافئة من جانب يوسف تجاه هالة، بينما تمضي الأحداث أيضا هنا وهناك في أي اتجاه، لتحكي مثلا عن علاقة حب قديمة بين يوسف ومطربة شهيرة، تنتهي إلى مصرعها على يد زوجها الغيور. لابد أنك قد شعرت بتلميح ما حول حادثة شهيرة مشابهة، كما سوف تشعر بتلميحات أخرى حول ملابسات اقترنت بالسباق حول الترشح للانتخابات الرئاسية، مثل خيانة رجل السياسة لزوجته التي وقفت معه طويلا، أو علاقة الحب التي أعلنها رجل سياسة آخر في إحدى الصحف، أو تزوير رجل ثالث (أو قل إخفائه) لحقيقة حصوله على جنسية أجنبية. ما هي علاقة ذلك كله ببطلنا يوسف؟ إنه سوف يكون الراعي الرسمي لأحد هؤلاء المرشحين (زكي فطين)، ليقطع ذلك السياق كله، ويتقاطع معه، حادث عارض، يفقد فيه يوسف ذاكرته، وعندما يحاول أو يستعيد بعضا من هذه الذاكرة، بمساعدة الحبيبة هاله، يقولون له إن هناك شخصا آخر باسم يوسف رمزي، هو الراعي للحملة الانتخابية إياها. كان يكفي لهذا الـ"يوسف" أن يطلب من هالة مثلا أن تساعده في إثبات دخوله من المطار، فلابد أنهم سجلوا هناك هويته، لكن هذا "الحل" لن يرد على ذهن يوسف (بالأحرى لن يرد على ذهن صناع المسلسل)، لأنه سوف ينهي هذه الدراما المصطنعة في الحلقة الثانية!! وبدلا من ذلك يدخل العمل إلى متاهة درامية بالمعنى الحرفي للكلمة، حيث تحدث عمليات القتل العشوائي لأي شخص بمنتهى السهولة، وينجح يوسف دائما في التغلب على مطارديه بمهارات لا يقول لنا المسلسل من أين اكتسبها، ليظل دائما في حالة هروب، من جانب جهة لا يعلمها ولا نعلمها في الأغلب، ولن يفيدنا حتى أن علمناها سوى أن تزيد الأمر ارتباكا. هناك مشكلة سوف تشعر بها كمتفرج طوال الحلقات، أن الممثل يوسف الشريف لن ينقل لك أبدا إحساس الشخص الباحث عن هويته، الهارب من مطاردته، فهو "يتمتع" بثبات غريب في تعبيرات الوجه وإيماءات الجسد، بينما المكسب الحقيقي هنا هو عشرات الممثلين المساعدين الشباب، من الرجال والنساء على السواء، ذوي الوجوه العادية والأداء الطبيعي، بما يشعرك أنك قد قابلت هذه الشخصيات في حياتك اليومية، فيما عدا ممثلا واحدا قام بدور ضابط شرطة، بدا كأنه قادم من عالم الرسوم المتحركة اليابانية، حيث لا تبدو على الوجوه أي نوع من المشاعر. من جانب آخر، عمد إخراج أحمد نادر جلال إلى استخدام أسلوب شبه سينمائي، أصبح تقليدا متبعا هذه الأيام، بالتصوير بكاميرا رقمية خفيفة (أو أكثر من كاميرا لنفس المشهد أحيانا)، تتعمد الحركة الدائمة حتى لو لم تكن مطلوبة، بما يجعل "الكادر" أحيانا مهتزا أو غارقا في الظلام، مع قطعات مونتاجية سريعة بين الكاميرات، لكنك سوف تلاحظ أيضا آفة لا يلتفت لها معظم المخرجين التليفزيونيين، وهي أن الموسيقى لا تتوقف لحظة واحدة، حتى أنها تفقد في النهاية معنى وجودها ذاته!! غير أن المشكلة (أو الخدعة) الأهم في مسلسل "اسم مؤقت" تأتي في شكل ذلك التحذير المكتوب في بداية كل حلقة: "أي تشابه بين الشخصيات والأحداث مع الواقع لا يتحمل مسئوليته صناع المسلسل، وإنما يتحمل مسئوليته من شوهوا هذا الواقع". فهذه الكلمات تعطيك وعدا بأنها سوف تقدم لك الواقع أيا كانت درجة مرارته وقسوته وتشوهه. لكن ما رأيك حين تعرف في الحلقة الأخيرة أن كل ما رأيته لم يحدث (!!)، بل هو تهاويم مريض نفسي، هو بطلنا ذاته، الذي قتل زوجته هالة، وتعالجه الطبيبة التي أعطاها في خياله دور الأم؟ ناهيك عن استخدام شخصيات متناثرة أخرى من حياته، ليلعبوا أدوارا في قصته المتخيلة، لكنك لن تعرف أبدا ما علاقة الانتخابات الرئاسية ومرشحيها بكل هذه الخيالات المريضة!! تقول الطبيبة (صفاء الطوخي مرة أخرى بالطبع) لبطلنا الذاهل إن كل ما حكاه ليس إلا خيالا وخبالا، وأن كل المؤامرات التي شهدناها ليست إلا نتاجا لهذا الخيال، وسوف يزيد إلى ذلك المؤلف محمد سليمان عبد الملك بعضا من التفلسف حول "البوابة بين الحقيقة والوهم"، لنرى البطل في اللقطات الأخيرة قعيدا على كرسي متحرك في مصحة للأمراض النفسية والعقلية، دون أن تكون هناك إشارة واحدة إلى ذلك كله في التسع والعشرين حلقة، يمكن أن يشعر المتفرج من خلالها أن أحدا لم "يضحك عليه". وقد نصدق في النهاية أن كل ذلك الخلط ناتج عن خيال مريض، لكننا لا يمكننا أن نقبل أن يأتي كل هذا الخلط في مسلسل يفترض أن صناعه يتمتعون بالعقل!!

Sunday, September 08, 2013

مسلسل "حكاية حياة".... ثرثرة درامية في ثلاثين حلقة


أسوأ ما يمكن أن يقع فيه مسلسل تليفزيوني، مؤلف من ثلاثين حلقة كاملة، أنه يكفيك أن تشاهد الحلقتين الأولى والأخيرة، لتعرف جوهر الدراما في العمل، أما الحلقات الثمانية والعشرون الأخرى فليست إلا حشوا ولغوا، يمكنك أن تحذف معظم شخصياته وأحداثه، دون أن تفتقد شيئا على الإطلاق. لكن ولأن ذلك هو الشكل السائد فيما يسمونه "الدراما الرمضانية"، فإن هذا ما حدث مع مسلسل "حكاية حياة"، الذي يبدو أنه مصنوع خصيصا لكي تقوم "النجمة" غادة عبد الرازق ببطولته، حيث يكون لها "الماكيير" ومصمم الملابس الخاصان بها، حتى ترتدي أفخر الثياب، وتظهر في أجمل الصور، برغم أنها تقوم بدور "حياة"، التي تعاني في حياتها أشد المعاناة. ولا أخشى يا عزيزي القارئ من أكون أفشي لك هنا سرا، لو حكيت لك "لغز" المسلسل، فلابد أنك تعرفه الآن بعد عرضه كاملا، لكننا سوف نحاول أن نتذوق معا تلك النوعية من الأعمال الدرامية. وفي الحقيقة أن المسلسل ليس نوعية واحدة، فهو في جوهره ثرثرة تشبه تماما ما يسمى "أوبرا الصابون" الأمريكية، مثل مسلسلات امتدت شهورا أو حتى أعواما، وتقوم على سلسلة من العلاقات المتشابكة التي تحوطها الفضائح داخل عائلة واحدة، مثلما كان الحال في "الجريء والجميلات" أو "فالكون كريست". لكن القوسين اللذين يحيطان بهذه الحكايات في "حكاية حياة" يتمثل في غموض يحيط بالبطلة حياة، يبدأ به المسلسل واضحا تماما في حلقته الأولى، ليقدم لك الحل في الحلقة الأخيرة، فيما يشبه الانقلاب الدرامي. نحن أولا مع هذه الـ"حياة" التي تعيش في مصحة للأمراض العقلية، أقرب إلى الفنادق الفاخرة، وهي تعاني من أن شقيقها يوسف (أحمد زاهر) وشقيقتها ندا (روجينا) قد أدخلاها هذه المصحة منذ ثلاثة عشر عاما، بادعاء أنها مضطربة نفسيا، إذ قتلت أمها في لحظة اكتشفت فيها أنها تخون أباها، وها هي حياة الآن تؤكد أيضا أن الشقيقة ندا قد سرقت زوجها يحيى (خالد سليم)، بل نسبت أيضا ابنها أدهم (أحمد مالك) لنفسها، وهي التي لم تره منذ كان طفلا، ولابد أنه قد أصبح الآن على أعتاب الشباب. هذا وحده كابوس حقيقي بالنسبة لأي إنسان، لكنه يكتمل أيضا في قتامته عندما ترى أجواء المصحة النفسية بالغة الفساد، فهناك الطبيبة سلوى (نهلة سلامة)، الجديرة بأن تكون هي ذاتها مريضة بسرقة الرجال من زوجاتهم، ولا تراها تمارس الطب بقدر ما تراها تشرب الخمر في الحانات، وتتبادل حوارا مبتذلا مع صديقتها الوحيدة (نهى العمروسي)، التي ليس لها دور في الدراما إلا أن تشرح لنا القدر الهائل من وضاعة هذه الطبيبة. من ناحية أخرى، هناك الممرض عزت (سناء شافع)، الأقرب إلى مصاصي الدماء، تتهمه بطلتنا حياة باغتصابها وتعذيبها بجلسات الكهرباء، ونحن نصدقها لأننا نرى مشاهد عديدة له وهو يحيك المؤامرات الخسيسة، كأنه عضو في عصابة للمافيا وليس ممرضا في مستشفى. لكن هناك شخصا وحيدا واحدا يتعاطف مع حياة، هو الدكتور هشام (طارق لطفي)، وإن كنا لن نعرف أبدا سر هذا التعاطف، غير أنه كطبيب يرى أن حياة صادقة فيما تقوله، بينما يرى الجميع يؤكد أنها مريضة نفسيا، وبالطبع فإن هذا التعاطف سوف يصل إلى درجة الحب، الذي سوف يفقد هشام بسببه وظيفته وأسرته، والسبب؟ إنه يصدق حياة، بينما يكذبها الآخرون، كل الآخرين. الأهم هو أن الدكتورة سلوى إياها تغلي من الغيرة من حياة، وتعرب عن رغبتها في اصطياد الدكتور هشام، وتزداد هذه الرغبة لأنه "نظيف" كما تقول، أي أنه الرجل الوحيد (!!) الذي لم يسل لعابه عندما حاولت إغراءه. لعلك لا تصدق وجود هذه "المصحة" الكابوسية، لكن أرجوك أن تنتظر لترى ما هو أغرب، متمثلا في عائلة حياة ذاتها، وهنا سوف تتداخل العلاقات التي سوف نحاول أن نفك خيوطها المتشابكة، فالشقيق الأكبر يوسف متزوج من امرأة أقل ما يقال عنها أنها فاسقة، وهو يعلم تماما تصرفاتها الوضيعة، ولا يتوقف عن الشكوى منها، لكنه لا يأخذ خطوة جادة واحدة تجاهها، بينما هو نفسه غارق في خياناته الزوجية. أما الشقيقة ندا، فنحن قد عرفنا من قبل أنها "سرقت" زوج حياة وابنها، وهي تتسلط عليهما بدرجة لا تثير نفور الشخصيات داخل الدراما فقط، بل أيضا نفور المتفرج، خاصة مع أداء روجينا للدور، الذي فهمت أنه لامرأة لا تتوقف عن الصراخ لحظة واحدة. وهناك في الخلفية الخالة العجوز نجوى (سميرة محسن)، وهي أم يحيى التي تبدو بدورها كأنها خرجت لتوها من عالم أفلام الرعب، وإن كنت لن تدري أبدا إذا ما كان لها دور في هذه "الدراما"، سوى أن تزيد الغموض المفتعل أحيانا. ويعود المسلسل بين الحين والآخر لحادث مصرع الأم، نراه بأعيننا وليس مجرد حكاية على لسان حياة، فهي خائنة على فراش الأب، وقد أمسكت بها حياة متلبسة، ليتطور الأمر إلى اشتباك بالأيدي، تسقط الأم على إثره من الشرفة، وتقول حياة إن ذلك كان قضاء وقدرا، بينما يؤكد الجميع أنها هي التي دفعت الأم إلى حتفها. نسيت أن أقول لك إن هناك أخيرا شخصية المرأة إكرام (رزان مغربي)، زميلة حياة وصديقتها في المصحة، وسوف تساعدها بعد خروجها منها، لتكتشف أن إكرام ليست إلا قوادة محترفة تلجأ إلى الدخول إلى المصحة، كلما كادت الشرطة أن تقبض عليها متلبسة بارتكاب جريمتها!! ما هي "حكاية حياة" إذن وسط كل هذه الفوضى الدرامية؟ الحكاية ببساطة هي رسم عالم غرائبي، يحتشد بقدر لا يحتمل من التوابل، التي تتناثر فيها أحيانا مشاهد جنسية موحية أو ألفاظ بذيئة، أو مشاهد أخرى بهدف الابتزاز العاطفي المجاني للمتفرج، في لقاءات حياة مع ابنها أدهم، ونقول إنه مجاني لأننا سوف نعلم في الحلقة الأخيرة أن حياة مريضة نفسية بالفعل، وأنها توهمت خيانة أمها لأبيها، وأنها هي التي دفعتها من الشرفة لتموت بلا ذنب جنته، وأن أدهم هو ابن شقيقتها وليس ابنها!! في هذا النوع من الحكايات يقول صناع الدراما للمتفرج في المشهد الأخير: "ضحكنا عليك"!! وهي ظاهرة تكررت مؤخرا في السينما والمسلسلات التليفزيونية، مثل "ملاكي اسكندرية" أو "أهل كايرو". وفي الحقيقة أنها ظاهرة مقتبسة برعونة عن موجة سادت في العقد الأخير في السينما الأمريكية، فيما يعرف بالانقلاب الدرامي، الذي ينجح أحيانا ويفشل في أحيان أخرى. وربما كانت بداية هذه الموجة الأخيرة في فيلم "الحاسة السادسة"، لطفل يقول إنه يرى الموتى، ويعالجه طبيب نفسي سوف نعرف في المشهد الأخير أنه من هؤلاء الموتى. ولعل ذروة هذه الموجة جاءت مع الفيلم الأمريكي "عقل جميل"، حول عالم الرياضيات الذي لا يتخذ أصدقاء سوى زميل غرفته أيام دراسته في الجامعة، ولعبقريته يتصل به أحد عملاء المخابرات، لنعرف أيضا أن الصديق والعميل لم يكونا إلا أوهاما تتجسد لهذا البطل المضطرب نفسيا. وبرغم أن مثل هذه النوعية من الأفلام لم تصنع في الأغلب عملا فنيا حقيقيا، لأن الأعمق والأصعب هو أن تكشف منذ البداية عن التناقض الدرامي، لنعيش مع البطل صراعه مع أوهامه، بدلا من تأجيل الكشف عن السر إلى لحظة النهاية، نقول إنه برغم ذلك، فإن الأفلام الأمريكية تعي تماما أصول السرد وقواعده، فمع مشاهدتك الثانية للفيلم، وبعد أن تكون قد عرفت السر، تجد نفسك مندهشا لأنه قد فاتت عليك مفاتيح هذا السر. ففي "عقل جميل" مثلا سوف تكتشف أن كل مشاهد الصديق المتوهم كانت مع البطل وحده، فليس له وجود خارج عالم هذا البطل. يسمون ذلك "السرد الذاتي"، أي أن تروي الحكاية من منظور الشخصية، أما المنظور الموضوعي فهو من خارجها، لذلك فإنه "حدث بالفعل" داخل الدراما وليس وهما. ذلك هو ما لم يدركه نص المؤلف أيمن سلامة، ولا إخراج المخرج محمد سامي، فقد اختلط لديهما السرد الذاتي بالسرد الموضوعي، ليدرك المتفرج أنهما لم يكونا يقدمان "رؤية" الشخصية المضطربة نفسيا، بل كانا يخدعان المتفرج!! وكان يكفي لتحقيق هذا الخداع الحلقتان الأولى والأخيرة، بدلا من ذلك اللغو الدرامي المتلعثم، الذي كان مزيته الوحيدة هو جلب القدر الأكبر من الإعلانات، لأنه من بطولة نجمة هذا الزمان، غادة عبد الرازق!!

Monday, September 02, 2013

مسلسل "الداعية"... هل هناك من حل لكل هذا التناقض؟


مسلسل "الداعية" من المسلسلات المصرية القليلة التي لا تهدف فقط إلى الترفيه عن جمهور المشاهدين، بل يرمي من اللحظة الأولى لتقديم "رسالة"، تبدو ملحة تماما بالنسبة للمجتمع المصري في اللحظة الراهنة، خاصة في سياق أصبح لظاهرة "الدعاة" الدينيين، الذين يتوجهون لجمهور الشباب من الشريحة العليا من الطبقة الوسطى، تأثيرات سياسية عميقة. فبقدر ما أن لهؤلاء الدعاة تأثيرا أخلاقيا، فإن لهم أيضا تأثيرات سياسية، إذ يصنعون قطاعا لا يستهان به من المتشددين، الذين لا يكبلون المجتمع فقط عن التقدم، بل يريدونه أن يعود قرونا إلى الوراء. ورسالة مسلسل "الداعية" ليس أبدا نقد أو نقض هذه الظاهرة بشكل مطلق، وإنما السؤال الأكثر جوهرية: هل هناك حقا أي تناقض بين الدعوة الدينية والحياة العصرية، بكل ما فيها من مكتسبات حضارية وثقافية وفنية؟ وهذه الدراسة لإمكانية وجود "تناقض" ترتكز هنا على بضع قواعد أساسية في أي درما ناجحة، تلك القواعد هي التناقض بين الشخصيات والأفكار بين مواقف تبدو متصارعة، والتغير أحيانا من موقف إلى آخر في شكل تحول درامي، وهذان المبدآن: التناقض والتغير، هما مصدر الحيوية في الأغلب، والضعف أحيانا، فيما أنجزه مسلسل "الداعية"، وفيما لم ينجح تماما في إنجازه. هناك في البداية عالم الداعية الشاب يوسف (هاني سلامة)، الذي حقق شهرة كبيرة وسط عالم الإعلام (والإعلان أحيانا)، بمظهره الأنيق، وحديثه الناعم، لكنه يخفي تحت السطح تشددا يتناقض تماما مع هذا المظهر. لا يقول لنا المسلسل كيف أصبح يوسف تلك الشخصية، وإنما هو أمامنا كشخصية جاهزة، خاصة أن هناك بينه وبين أبيه عبده (أحمد راتب) تناقضا يكاد أن يكون جذريا، فالأب بوهيمي تماما في حياته، ويحمل بعض "موتيفات" من الشيخ حسني في فيلم "الكيت كات" لداود عبد السيد، فهو ما يزال يقيم فقيرا في حي شعبي، ويعيش اللحظة مستمتعا بحياته، غارقا طوال نهاره في النشوة التي يشعر بها كفنان في صناعة "الأويما" (النحت والحفر على الخشب)، والانخراط في الغناء حتى في أكثر اللحظات قتامة، بينما يقضي ليله وسط دخان المخدرات الأزرق، كأنه يهرب من خوفه مما يخفيه له الغد من آلام، ناتجة عن عدم قدرته على تلبية الاحتياجات المادية البسيطة له ولزوجته الشابة. قد يخدم وجود مثل هذه الشخصية التأكيد على اختلافها الجذري عن الابن يوسف، بل إنه يثير التعاطف الإنساني أكثر، لكن هذا الاختلاف يبقى دون تفسير مقنع في الأغلب. على النقيض يعيش الابن يوسف فيما يشبه القصر الفاخر، وقد استطاع كأخ أكبر أن يربي شقيقاته الثلاث وشقيقه الأصغر الوحيد، وهو يبدو وسطهم مسيطرا ماديا ومعنويا، خاصة على الأخت الكبرى خديجة (ريهام عبد الغفور)، المستسلمة دائما لأحكامه، بينما تبدو الشقيقتان الأخريان أكثر ابتعادا عنه وتمردا عليه، فلكل منهما عالمها الخاص الذي تحاول بطريقتها أن تدافع عنه، كما أن الشقيق الأصغر المراهق لا يجد من يفهم احتياجاته في هذه السن الخطرة. يتأكد التناقض أيضا مع وجود حسن (أحمد فهمي) زوج خديجة، وهو بدوره داعية لكنه مغمور تماما، لذلك فإنه يعاني من عدة مشاعر مختلطة، فهو يشعر بالغيرة من نجاح يوسف، كما يعاني أيضا من الإحساس بالدونية في منزل شقيق زوجته، حيث لا يملك في أغلب الأحيان التحكم في أسرته ذاتها. وسوف يلعب المسلسل على التناقض بين يوسف، الذي يبدو في البداية متشددا في أفكاره وسلوكه، وحسن الأكثر انفتاحا وتسامحا، لينتهي هذا التناقض في النهاية – كما سوف نرى – إلى انقلاب في المواقف، حين يسعى حسن بدوره إلى الشهرة، التي ترتكز على التشدد، بينما يصبح يوسف أكثر قبولا لمباهج الحياة. هذا الموقف الأخير ليوسف سوف يأتي من التناقض الرئيسي في المسلسل، بينه وبين جارته نسمة (بسمة)، عازفة الكمان البارعة في إحدى فرق دار الأوبرا، وابنة العائلة ذات التاريخ النضالي اليساري، والمنخرطة دائما في الاشتراك في الفاعليات السياسية التي شهدتها مصر في الآونة الأخيرة، وإن بدا ذلك أحيانا على الشاشة مفتعلا وسطحيا، ربما للمشاهد التقريرية للمناظرات السياسية، وربما أيضا للأداء التمثيلي لبسمة، الذي لا يعرف التنوع والتنويع، وإنما يظل واحدا في مختلف المواقف. وبالطبع سوف تبدأ العلاقة بين يوسف وبسمة متوترة أو حتى عاصفة أحيانا، لكنها تنتهي إلى الوفاق الكامل، وبالطبع فإن السبب هو الحب الدافئ الذي يولد في قلبيهما، ومرة أخرى فإن المسلسل لا يهتم بتفسير هذا التحول بقدر ما "يستخدمه" لأهداف الرسالة التي يسعى إليها. في مشاهد قليلة تذكرنا بموتيفة من فيلم "رسائل البحر" لداود عبد السيد أيضا، يسترق يوسف السمع في الليل إلى النغمات الآتية من نافذة جارته نسمة التي تعزف على كمانها (كانت بسمة هي العازفة أيضا في "رسائل البحر")، ولسبب غامض ما تحرك الموسيقى وجدانه، وشيئا فشيئا يدرك أن في الحياة ما هو أكثر وأغنى كثيرا من آرائه التي يوزعها على الناس، وعندما يضع قدميه تماما في عالم نسمة تكون أفكاره قد تغيرت، ليعلنها على جمهوره الذي يشعر بنوع من الصدمة، لكن الخطر الأكبر يأتي من ذلك القطاع الذي كان "يستخدم" يوسف لأهداف سياسية، متمثلا في التيار اليميني المتشدد، بالإضافة إلى رجال عالم "البيزينس" والإعلانات، الذين كانوا يستغلون تشدد يوسف وسخونة آرائه في برامج جماهيرية تتناثر فيها إعلاناتهم. وفي نهاية غريبة على الدراما العربية (وإن كان لها تنويعات في السينما العالمية، لعل من أهمها فيلم "الأبواب المنزلقة")، يقترح المسلسل على المتفرج نهايتين متناقضتين: ففي مشهد يذكرك كثيرا بفيلم "لينكولن"، تعزف نسمة في حفل موسيقي يحضره يوسف وقد ملأته السعادة، وهناك في إحدى المقصورات رجل يحمل مسدسا كاتما للصوت، يطلق رصاصة على يوسف الذي يقع صريعا، ويبقى في كرسيه دون أن يشعر به أحد بينما ينصرف الجمهور بعد انتهاء الحفل (هل يذكرك هذا بمصرع شخصية توم كروز في فيلم "ضحية المصادفة"؟). تلك هي النهاية الأولى، لكن المسلسل يقترح عليك نهاية أخرى ويترك لك الاختيار بينهما، فيعود الشريط حرفيا إلى الخلف، ليتم القبض على حامل المسدس، ويقف يوسف بعد انتهاء العزف مصفقا لنسمة في بهجة غامرة. يحاول المسلسل أن يضع "تيمته" الرئيسية تلك على خلفية ثرية بالتفاصيل، ربما بدت أحيانا بعيدة في موضوعها، لكن ما يبرر وجودها بحق الأداء البارع لكل فريق التمثيل، خاصة من الشباب، وهو ما يشهد للمخرج الشاب محمد العدل بإدراكه لأهمية إدارة الممثل، وسوف ترى مثلا من أحمد فهمي في دور حسن زوج الشقيقة حضورا مختلفا تماما عن كل محاولاته الباهتة السابقة، ويكاد لا يشذ عن ذلك سوى البطلين هاني سلامة وبسمة، صاحبي الأداء الرتيب، وإن كان وجودهما مهما لتسويق المسلسل!! يرسم سيناريو مدحت العدل إذن الكثير من التفاصيل، التي تضفي حيوية على موضوع قد يقع في التنميط، فعلى النقيض من عالم يوسف بين وجهاء المجتمع من أصحاب القنوات الفضائية، أو المتاجرين بالدين، هناك عالم الفقراء، الذين يسعون من أجل رزق يبدو كأنهم أحيانا ينتزعونه من بين أنياب بعضهم البعض، ومشاعر وطموحات إنسانية مشروعة، تنكسر على صخرة الفقر والعوز. وهو ليس أبدا عالما "فولكلوريا" سعيدا أو وحشيا دمويا كما قد نراه في أغلب أعمالنا الدرامية، لكنه عالم حقيقي، يجعلك تتساءل لماذا لا يصبح أفضل في ظروفه لكي تتحقق لأبنائه حياة كريمة يستحقها البشر؟ لذلك كله يمكنك أن تغفر لمسلسل "الداعية" بعض نقاط الضعف هنا أو هناك، وتفهم أن وراءه على الأقل رسالة نبيلة، تقول إن من الممكن أن يتلاقى تراثنا مع حاضر المدنية، وإن الدين لا يمكن أبدا اختزاله في مجموعة من الأوامر والنواهي، بل إنه في جوهره يسعى إلى تحقق أكثر القيم الإنسانية سموا وأخلاقية.

Saturday, August 10, 2013

مسلسل "موجة حارة".... وحوش آدمية في غابة درامية


يُحكى أن رجلا مسافرا بالباخرة، تعطلت رحلته ذات ليلة في ميناء فرنسي بسبب قسوة العوامل الجوية، واضطر لقضاء ليلته في حانة في الميناء، حيث وجد الرواد يشربون النبيذ، وتقوم على خدمتهم نادلة شقراء، وعندما عاد إلى بلاده سألوه عن فرنسا، فقال إن جوها عاصف لا يتوقف فيه المطر، وكل الرجال الفرنسيين يحتسون الخمر، وكل النساء الفرنسيات شقراوات. ومن المؤكد أن الرجل قد تصور أنه كان دقيقا في وصفه، لأن ذلك هو "الواقع" الذي رآه. تلك بالضبط هي مشكلة "الواقع" و"الواقعية" في الفن، وربما ليست هناك كلمات أكثر مراوغة وغموضا منهما، لذلك لا تصدق كثيرا تلك العبارة التي تتصدر مسلسل "موجة حارة"، وتتحدث عن قسوة الواقع، فيما يشبه الاعتذار والتبرير لكل تلك الفجاجة التي يحتشد بها. ولأننا في عالم النقد الفني والصحافة الفنية في وطننا العربي نميل إلى التعميم والآراء المسبقة، فسوف تقرأ كثيرا قدرا هائلا من المديح للمسلسل،لا لشيء سوى أنه مأخوذ عن رواية "منخفض الهند الموسمي"، لكاتب الدراما التليفزيونية البارع أسامة أنور عكاشة، ولأن كاتبة السيناريو هي مريم نعوم، التي اشتهرت بعد نجاح معقول لفيلمها الأول "واحد صفر"، لمجرد أنه مختلف عن الأفلام السائدة. وفي الحقيقة أنه ليست كل أعمال أسامة أنور عكاشة على مستوى واحد، والأدق أن نقول أنه يتميز بحق وسط كتاب الدراما التليفزيونية، لكن أعماله الأدبية متوسطة القيمة، لأنه افتقد فيها رهافة رسم الشخصيات كما فعل في مسلسلاته، ومال إلى نوع من الميلودراما الصارخة التي انعكست أيضا في الأفلام القليلة التي كتبها، مثل "كتيبة الإعدام" أو "دماء على الأسفلت". ومن الحق القول أيضا أن أسامة عكاشة كان يبحث في الميلودراما عن قالب "جماهيري"، يحتشد "بالدم والدموع" بتعبير الدكتور علي الراعي، لكي يقترب من جمهور يسعى إلى التوابل اللاذعة، وهي المحاولة التي شاركه فيها منذ أكثر من عقدين المخرج عاطف الطيب، وكاتب السيناريو بشير الديك. لكن المفارقة تبدأ عندما تصبح الميلودراما غاية وليست وسيلة، فيبدو العالم الذي يتم تصويره بالغ القتامة، يزعم أنه يقترب من المناطق المظلمة من الواقع، وهو في الحقيقة يغرق في كهوف لا علاقة لها بالواقع، إلا التشابه السطحي، الذي يذكرك مثلا بصفحات الحوادث في الصحف، فهي مأخوذة من الواقع، لكن هل هي الواقع؟! وبالطبع، كلما كانت الحادثة أكثر سخونة وغرابة وابتعادا عن المألوف، فإن القراء يتسابقون لقراءتها، ولا تسأل بعد ذلك إن كانوا قد أصبحوا أكثر اقترابا من "فهم" الواقع، وإدراك أبعاده. ولأن كاتبة السيناريو (وصاحبة ورشة الكتابة) مريم نعوم تميل بدورها إلى تصوير "واقع" أقرب إلى الكوابيس، خاصة في أبعاده السياسية (مسلسل "ذات" مثال شديد الوضوح على ذلك)، فقد وجدت ضالتها في نسيج رواية "منخفض الهند الموسمي"، التي يعبر اسمها عن "موجة حارة" تجتاح البلاد والعباد، كان أسامة أنور عكاشة يريد بها الإشارة إلى واقع خانق، فانتهى العالم الفني في الرواية والمسلسل معا إلى أجواء مغلقة، قد تأخذ من الواقع المصري المعاصر بعض الظواهر الخارجة عن المألوف، لكنها لا ترى في هذا الواقع إلا تلك الظواهر الشاذة، والأهم أنها لا تشير من قريب أو بعيد إلى السياق الذي صنعها، بما قد يوحي في النهاية إلى الانطباع بأنه لا سبيل لتغيير مثل هذا العالم. تأمل هذا العالم الميلودرامي المتشابك في المسلسل، إلى درجة تصعب على التصديق، وربما قد لا تجدها إلا في بعض أفلام حسن الإمام، أو الأفلام الهندية التجارية. هناك في البداية صراع محتدم بين ضابط مباحث الآداب سيد العجاتي (إياد نصار) وصاحب شركة السياحة والقواد حمادة غزلان (سيد رجب)، وكالعادة فإن الضابط يظل مستحوذا عليه ضبط القواد في حالة تلبس، لكن هذا الأخير يستطيع دائما الهروب بجريمته، لأنه يرتكبها خلف نشاطات أخرى، أو لأن له علاقات "بالناس اللي فوق"، دون أن يتطرق المسلسل إلى هذه العلاقات. وبرغم أن المسلسل يبدأ بمصرع فتاة مجهولة في مصعد العمارة الموجود فيها شركة غزلان للسياحة، فإن هذا الخط يتم نسيانه إلى حد كبير، لكنه يكون على الأقل مصدرا لشك الضابط مرة أخرى في القواد، ومعاملته معاملة قاسية، فيقرر الأخير أن ينتقم من الضابط، فما هي يا ترى وسيلة الانتقام؟ كالعادة في الميلودراما الصارخة يحاول القواد استدراج زوجة الضابط شاهندة (رانيا يوسف)، التي تعاني من الحرمان العاطفي بسبب غياب زوجها طوال الوقت في عمله، وليس لها من صديقة سوى ليلى (درة) زوجة الضابط كمال (خالد سليم) زميل سيد في العمل، التي سوف نكتشف في حلقات لاحقة أنها على علاقة شائنة مع عشيق، وتبرر ذلك بأنها تحب الزوج لكن مرتبه "ما يأكلش عيش حاف" (هكذا!!). تتردد شاهندة على صالون للتجميل، تديره امرأة هي زوجة سرية للشيخ سعد العجاتي (سيد فؤاد)، عم ضابط الشرطة، والذي يحترف الدعوة الدينية في التليفزيون، لكنه لا يعلم أن زوجته تلك قوادة شريكة لحمادة غزلان في مهنته الحقيرة!! أما حمادة غزلان نفسه فهو متزوج من الزوجة الثانية الشابة نوسة (هنا شيحة)، صاحبة العلاقة الشاذة مع امرأة عجوز كانت رفيقتها في السجن!! وسوف يعاقب القدر الميلودرامي حمادة غزلان عندما يعلم أن ابنته تزوجت عرفيا من شاب، فيثور لكرامته لأنه يعتبر تلك العلاقة نوعا من الدعارة(!!)، كما أن صديقه المنحرف محسن العرايشي، الذي يسميه المسلسل بعد حلقتين أو ثلاث محسن السواحلي (مدحت صالح)، يستدرج ابن غزلان لعالم الخمر والمخدرات، فيكاد الرجل أن يشرف على الانهيار. هناك خطوط درامية فرعية تبدو تقليدية تماما في معالجتها، فالشقيق الأصغر نبيل العجاتي يحب جارته بثينة، لكن أمه دولت (معالي زايد) ترفض الزواج رفضا قاطعا لأن ابنا متوفيا لها كان يحب الفتاة نفسها (ما يذكرك على نحو ما بثلاثية نجيب محفوظ)، ولأن نبيل ثوري فلابد أنه يعلق على حوائط غرفته صور جيفارا ومانديلا وغاندي (ولا تسأل عن العلاقة بين الثلاثة)، ولا يسمع سوى أغنيات الشيخ إمام. كل تلك العلاقات المتشابكة نراها في أجواء صارخة الوحشية على الدوام، وحوارات تمتلئ تارة بالدموع وتارة أخرى بمونولوجات طويلة تشرح لنا ما خفي من أحداث. ومن الحق القول إن مجموعة الممثلين جميعا قدموا أداء لعله هو الذي أنقذ المسلسل من عدم تصديق المتففرج له، وربما عاد ذلك أيضا إلى إخراج محمد ياسين الكلاسيكي تماما، البعيد عن المبالغات الأسلوبية. أين جوهر الضعف في هذا العالم؟ إنه يكمن دائما في فقدان "السياق"، فكأن الأحداث تقع خارج الزمان والمكان، والإشارات إلى أي منهما تبدو متعسفة تماما، مثل صورة لحسني مبارك على الحائط، أو خطاب يذاع له في التليفزيون (في وقت الفجر!!). فخارج هذا العالم "الواقعي" الضيق يوجد واقع أكثر صدقا، يمثل النسيج الذي يمكن للأحداث أن تقع فيه، واقع مؤلف من ملايين الناس الساعين وراء لقمة العيش، في ظروف تزداد صعوبة، وربما ارتكبوا جرائم صغيرة، دون اضطرار لاحتراف البغاء، او ارتكاب جريمة تليق بعنوان عريض في صفحة الحوادث. قارن مثلا بخطوط درامية قريبة من تلك التي رأيناها في المسلسل، في فيلم "أهل القمة" المأخوذ عن رواية قصيرة لنجيب محفوظ ومن إخراج علي بدرخان، فهناك ضابط يرعى أسرته الصغيرة في شقة متواضعة، ومعه شقيقته الصغرى التي لا تشعر بالراحة من معاملة زوجة شقيقها، ولا يملك الضابط ما يمكن له به أن يقتني مكانا أكبر، وعندما يظهر في الأفق لص كان له تاريخ مع الضابط، وقد تحول في زمن الانفتاح إلى رجل أعمال، تمضي الشقيقة معه، ويبقى البطل عاجزا أمام التغيرات الاحتماعية والاقتصادية الجارفة. تلك شريحة مأخوذة من الواقع، تقول لنا لماذا تتصرف الشخصيات على هذا النحو أو ذاك، وتضعها في سياقها الأكبر، والأهم أن تخبرنا أن من الممكن لتلك الشخصيات أن تكون أفضل لو تحسنت الظروف. لكن عندما تصور عالما وحشيا منزوعا من سياقه، فكأنك تقول أن هذا الواقع أزلي أبدي، وليست تلك هي الواقعية بأي حال.

Thursday, August 08, 2013

مسلسل "بدون ذكر أسماء"... محاولة الطفو في بحار الغرق


لأعمال المؤلف وحيد حامد الدرامية، السينمائية والتليفزيونية، نكهة خاصة لا يمكن أن تخطئها العين، في براعته الشديدة في رسم الشخصيات، وإدارة حوار متدفق بينها. وأيا ما كان موقفك السياسي من بعضها، حين يبدو انحيازه الصارخ لطرف دون آخر، فإنك لا تملك في أغلب الأحوال إلا أن تعترف بامتلاكه الحرفية الدرامية، فهو الذي ساهم مثلا في صنع صورة نجومية عادل إمام الجماهيرية مع مسلسل ""ابراهيم الطاير"، الذي كان علامة على مرحلة بأكملها، أصبح فيها "الفهلوي" رمزا للتفاعل مع مجتمع تسوده التناقضات، ثم حمل هذه النجومية إلى آفاق جديدة منذ فيلم "اللعب مع الكبار"، حين أصبح عادل إمام شخصية مؤثرة في مجريات السياسة آنذاك!! لكن برغم أن وحيد حامد هو مؤلف مسلسل "بدون ذكر أسماء"، فإن ما يبهرك بحق هو إخراج تامر محسن له، فهناك حالة فريدة من الواقعية الصادقة في كل التفاصيل، يندر أن تجدها في مسلسلاتنا (الرمضانية بشكل خاص)، والتي تغرق في الأغلب الأعم في عوالم "منزوعة الدسم" إن جاز التعبير، سواء دارت في أجواء العاطفة الرومانسية أو في قصور الطبقة الثرية، أو كان يغلب عليها طابع "الأكشن" المتأثر مباشرة بالسينما الأمريكية. لكنك مع مسلسل "بدون ذكر أسماء" سوف تشاهد عالما مصريا خالصا، حتى لو بدا مبالغا فيه في بعض الأحيان، أو كأنه يستعير بعضا من تقاليد الرواية الواقعية الإنجليزية، خاصة روايات تشارلز ديكنز. وتكاد خيوط الدراما في المسلسل أن يشكل كل منها قصة منفردة، تصلح أن تكون موضوعا لمسلسل منفصل، وربما كان هذا هو السبب في أن الملل لا يتسرب إليك وأنت تتابع الشخصيات العديدة، وحكاياتها بالغة الثراء، وإن كانت غارقة في مستنقع الفقر المدقع لعالم الطبقة (أو بالأحرى الطبقات) الفقيرة، التي تتراوح بين دنيا الشحاذين، والباعة المتجولين، وأبناء الفقراء الطامحين إلى أن يجدوا لأنفسهم موطئ قدم تحت شمس الحياة. وأرجو أن تلاحظ أن المسلسل يبدأ بعنوان "القاهرة 1984"، وهو ما تؤكده أيضا براعة المخرج في اختيار طابع لوني ينتمى إلى تلك الفترة، لكن هذه العنوان يثير في نفسك السؤال والإجابة معا، فواقعنا الراهن امتداد لهذا التاريخ الذي مضى عليه حوالي ثلاثة عقود، وكهول الحاضر الذين يصنعون القرارت الآن هم الشباب المحبط الحائر الذي كانوه في الماضي. سوف نتتبع بعض الخيوط الرئيسية هنا، لنقترب من تلك التفاصيل المرهفة، فهناك في البداية عائلة عم ربيع (عبد العزيز مخيون)، بائع البسبوسة على عربة على الرصيف، والذي يعيش برغم فقره بأخلاق نقية، أورثها لابنتين وابن ذكر وحيد هو عاطف (أحمد الفيشاوي)، الذي يحلم بأن يقترب من عالم نجوم كرة القدم، وتقوده الصدفة إلى التقاط صورة لبعضهم، تحقق له مكانة مفاجئة في عالم التصوير الصحفي، مما يجعله موضع مؤامرات من "الكبار"، لولا أن سيدة غامضة ذات نفوذ (شيرين رضا) تظلل عليه برعايتها. لكننا نظل أيضا مع العائلة، والأب الذي يشعر بالمرارة من جموح ابنه الذكر الوحيد، كما يعاني من تسلط السلطة عليه من جانب، مجسدة في ضابط الشرطة الذي يريد من الجميع الإذعان له، ومن جانب آخر من تزايد سطوة شيخ الجامع شفيع (أحمد حلاوة)، الذي يبث الأفكار السلفية حيث ذهب، ويبدو الجميع راضين بأحكامه. (تلك في الحقيقة ثنائية السلطة الفاسدة والتطرف الديني التي تغلب على معظم أعمال وحيد حامد). وسوف تقود سطوة الشيخ السلفي إلى زواج الابنة الكبرى نوارة (حورية فرغلي) من فني إصلاح التكييف معتمد (وليد فواز)، الذي سرعان ما يحول – تحت وطأة أفكاره الدينية المتطرفة – نضارتها إلى الذبول، وهو الأمر الذي جعل الابنة الصغرى تختار طريقا أكثر نضجا للارتباط بشريك حياتها القادم. من خط عائلة عم ربيع، يولد خط آخر مختلف تماما، فالشاب الصعلوك رجب الفرخ (محمد فراج، الذي يمثل هذا الدور اكتشافا حقيقيا له) على علاقة صداقة وثيقة بعاطف، وبرغم مظهره البائس فهو يملك أخلاقيات الرجولة النبيلة، لكن عمله الحقيقي هو أن يكون "فتوة" يحمي مجموعة من الشحاذين، التابعين للمعلمة أصيلة (فريدة سيف النصر، في ثوب مختلف تماما عن كل صورها السابقة)، ويسميها أتباعها "العجة" لضخامة جثتها، وتكاد أن تكون رمزا أكثر من كونها شخصية حقيقية، فهي تجمع بين القسوة والطيبة، حتى أنها تقرر أن تتزوج من رجب زواجا صوريا حتى يرث ممتلكاتها بعد وفاتها، وهي الممتلكات التي يأتي على قمتها أراضٍ في مناطق حيوية من المدينة. ومن بين الشحاذين – الذين نطلق عليهم أحيانا "أبناء الشوارع"، ذلك المصطلح الذي يخلو من الفهم والرحمة – نتوقف عند الفتاة مبسوطة (روبي)، في ملابسها المهلهلة ووجهها الذي لم يعرف الماء والصابون منذ شهور، وتبيع الفل في إشارات المرور، وتصادف المغنية نعناعة (صفوة) في سيارتها، وسوف تساعدها هذه على الهروب من المعلمة، ويبدو أن أمامها حياة جديدة تماما كراقصة، لكنك لا تدري إن كانت أكثر شرفا من حياتها كشحاذة. وأخيرا يأتي الخط الدرامي لمهندس شاب، هو ابن لحلاق الحمير في القرية، ويلجأ لأحد المسئولين الكبار لكي يتوسط له في إيجاد عمل، لكن الأمر ينتهي به متورطا مع المسئول في قضايا أكبر وأخطر من أحلامه، لكنها أكثر ربحا، وتلتقي كل هذه القضايا في حروب إقليمية كما هو الحال في أفغانستان ولبنان. هناك خطوط وخيوط درامية صغرى عديدة، تتناثر هنا وهناك لتقيم روابط بين هذه الخيوط التي تبدو متباعدة، لكن يجمعها جميعا (وتلك براعة الكتابة بلا جدال، ويفتقدها الكثيرون من مؤلفي الدراما التليفزيونية) وجود "تيمة رئيسية، هي الغرق في بحر الفقر، ومحاولة الطفو اليائسة البائسة، والسباحة بحثا عن بر للأمان. وبلا شك فإن وحيد حامد يملك ناصية الحوار تماما، حتى لو تناثرت فيه بين الحين والآخر بعض الأقوال الحكيمة التي يمكن أن تنسبها للمؤلف وليس الشخصية التي تتفوه بها. لكن ما يثير الإعجاب بحق هو تنفيذ المخرج تامر محسن لها، فالحوار في تمثيلياتنا يدور في الأغلب بين شخصيات تجلس على "الكنب" (الأرائك)، أو وهي سائرة في النادي مثلا، لكن في مساسل "بدون ذكر أسماء" تبدو كل الشخصيات في حركة عمل أو طقوس يومية وهي تتبادل الحوار، ولتتأمل مثلا مشهدا يذهب فيه الأب ربيع إلى الضابط، يرجوه العفو عن ابنه الطائش، بينما يقوم حلاق بحلاقة ذقن الضابط، بما يجعله أكثر استهانة بمشاعر الأب. أو لك أن تتأمل أيضا مشهدا يثور فيه الأب على ابنه، فتشعل الأم (وهي التي بلا حوار في المشهد) عودا من البخور لتبعد عنهما وساوس الشيطان. غير أن أكثر العناصر براعة في التنفيذ الإخراجي هو ذلك الحس البصري الفائق، ويكاد أن يكون سينمائيا، فبينما تغلب الديكورات على معظم أعمالنا الدرامية، يتم تصوير أغلب المشاهد في مواقع حقيقية تماما، وهناك مشاهد في شوارع وسط المدينة المزدحمة، في أسلوب تسجيلي خالص، ولابد أن هذه المشاهد اعتمدت على تلقائية الممثلين من جانب، وحيوية المصور من جانب آخر. كما أنك سوف تجد تأثرا واضحا بالتقنيات السينمائية، في أحجام "الكادرات"، وزوايا التصوير، وتغيير البؤرة داخل اللقطة الواحدة، والتكوين البصري الذي يوصل معنى دراميا، واستخدام الكاميرا المتحركة عند الحاجة إليها وليس بشكل مستمر مثل "الموضة" الأخيرة في مسلسلاتنا. وربما حلا للبعض البحث عن "أسماء" حقيقية وراء الشخصيات الدرامية، كما في رواية "الشطار" لخيري شلبي أو "عمارة يعقوبيان" لعلاء الأسواني على سبيل المثال، لكن هذا هو ما لم يرده وحيد حامد مؤلفا أو تامر محسن مخرجا، فقد صنعا لوحة دقيقة رقيقة، وإن كانت مليئة بالمرارة، للماضي الذي صنع الحاضر الذي نعيش فيه، ونخشى أن يمتد تأثيره إلى المستقبل.