Wednesday, July 24, 2013

الكبير أوي – الجزء الثالث استعراض الممثل الواحد


اعتاد الجمهور العربي منذ عامين، على أن يأتي شهر رمضان بمسلسلاته وبرامجه بالكثير من التوتر المغلف بادعاء الترفيه والتسلية، توتر يتراوح بين المقالب التي تخفي الكثير من الأمراض النفسية، والدراما التي تدور عادة حول قصص مغرقة في فواجعها ومفاجآتها. لكن القليل من هذه "الفرجة" الرمضانية هو الذي يتضمن نوعا من الكوميديا، ومن بينها يتفرد مسلسل "الكبير أوي" (بالنطق المصري للهجة العامية) بإثارة ضحك بريء، وربما كان يفتقد العمق الذي قد يأمل فيه الناقد، لكن من المؤكد أنه قد حقق نجاحا جماهيريا في موسميه الماضيين، في الأغلب لأن المتفرجين يبحثون عن لحظة من خلو البال، كأنهم يبحثون عن إبرة في كوم قش، في هذا الزمن الذي يحفل بالكثير من الهموم. يعتمد "الكبير أوي" على فكرة شهد لها تاريخ الفن عشرات أو ربما مئات التنويعات، وهي فكرة الشبيهين إلى درجة التطابق، لكنها لا تستخدم هنا لحيلة استبدال الواحد منهما بالآخر، ولكن للتناقض بينهما. إنهما العمدة الصعيدي الذي يحمل اسم "الكبير، ويتسم بالخشونة في المظهر وإن كان يخفي تحت السطح رغبة في ممارسة طفولة مفتقدة، أما الآخر فهو "جوني" الأمريكي، وهو شقيق توأم تربى في بلاد الغرب ليصبح الوجه الآخر تماما، وها هو يظهر ليطالب بنصيبه من ميراث أبيه، لكن تحلو له الإقامة في القرية، ليتولد عن ذلك عشرات المفارقات، التي تكشف في العديد من الحلقات عن مزايا كل منهما، مما قد يدعو إلى تكاملهما وليس إلى التنافس بينهما. يأخذ الجزء الثالث هذه المفارقة إلى مدى أبعد في الحلقات الأولى منه، إذ يظهر أخ ثالث (من أم أخرى)، ويحمل الاسم الغريب حزلقوم (ينطق بالعامية المصرية حزلئوم)، وهو نموذج للشاب العادي تماما، كل ثقافته تأتي من الأغنيات الشائعة، ولا يتوقف عن تقليد المشاهير، وهو في نزقه وطيشه يقع في العديد من المآزق، التي يكون على أخويه إنقاذه منها، لكنهما يسعيان في بعض هذه الحلقات المبكرة للتخلص منه، غير أنه كان يعود دائما لهما غير مدرك لتحايلهما ضده، فهو في الحقيقة يحمل في قلبه قدرا هائلا من طيبة القلب التي لا تقل بحال عن خفته، فهو فطري المشاعر والأفكار، سريع البكاء والصفح، ويقع في الأخطاء رغما عنه ليحاول حلها بمزيد من الأخطاء. وسرعان ما سوف يتخلص منه هذا الجزء من المسلسل، بحجة سفره إلى أمه التي تزوجت في الغربة، ولعله سوف يعود في الحلقات الأخيرة. من المؤكد أن قدرا كبيرا ممن عبء هذا المسلسل يعتمد على قدرة ممثله (وصاحب فكرته) أحمد مكي على التقليد وتجسيد شخصيات مميزة متنوعة، بما يسمى في فن التمثيل "الكاراكتر"، التي قد لا تكون واقعية إلا في بعض التفاصيل، لكنها في مجملها أقرب إلى شخصيات أفلام "الكارتون" للأطفال، وهو ما ينعكس أيضا على حبكة كل حلقة، في الحلقات المتصلة المنفصلة، فهي حبكة تشبه "النمر" المضحكة، وهي لا تمضي بمنطق يمكنك أن تصدقه في الواقع، لكنك تتقبله باعتباره جزءا من هذا العالم الكوميدي الطريف. لكن وكما هو الحال في معظم أعمالنا الفنية، انتهى المسلسل في جزئه الثالث إلى أن يصبح استعراض الممثل الواحد، بعد أن كان يحفل بشخصيات عديدة. فقد اختفى على سبيل المثال "توماس" الصديق الأمريكي لجوني، وكان يحمل عبئا دراميا قويا بما يجعل الحكايات تمضي إلى الأمام، لكن اختفاءه هنا (ربما لأسباب إنتاجية) أدى إلى حالة من البطء في تطور الأحداث أحيانا، أو تكرارها في أحيان أخرى. بل إن الأداء الرائع للممثلة دنيا سمير غانم، في دور هدية زوجة الكبير، لم يجد له مساحة كافية، لتتحول الشخصية في معظم الأحيان إلى ظل باهت لا ينقذه إلا براعة الممثلة. كذلك ينطبق الحال على شخصيات أهل القرية، خاصة فزاع (هشام اسماعيل) خفير العمدة، أو هجرس (تُنطق هادريس بلهجة من لهجات الصعيد! ويؤدي الدور محمد سلام)، الذي يقلد الشقيق الأمريكي جوني ويكاد أن يتماهى معه في مفارقات مضحكة. وكانت هناك في حلقات الموسمين الماضيين شخصيات بالغة الطرافة، تظهر أحيانا في بعض النمر، مثل الممرض الذي يدعي أنه طبيب، ويأتي بعائلة خطيبته إلى القرية ليوهمهم بأهميته، ليتضح أن والد الخطيبة ذاته ليس إلا مدعيا يصطنع حكايات وهمية عن بطولاته. وأخيرا كانت هناك مجاميع أهل القرية أنفسهم، الذين كان المسلسل يستخدمهم ببراعة هائلة، كما في تكوين فريق لكرة القدم الأمريكية على سبيل المثال. لقد اختفى كل ذلك، ولم يبق سوى أداء أحمد مكي في الشخصيتين أو الثلاثة، وهو أداء لا شك في إتقانه، لكن المسلسل هنا افتقد كثيرا من حيويته، التي كان يستمدها من تنوع وتعدد الشخصيات. ومن الحق القول إن مسلسلا كهذا يعتمد ليس فقط على أداء الممثل في شخصيات متناقضة، فذلك يحتاج أيضا إلى قدر كبير من إتقان الحرفة، التي تقتضي الجمع بينهم أحيانا، وهو ما يمكن أن يجد لنفسه حلا قريبا باستخدام "الدوبلير"، أو حتى بالمزج الإلكتروني لصورتين أو أكثر في كادر واحد (هناك لقطات تجمع بين الإخوة الثلاثة في بعض المواقف)، لكن الأكثر تعقيدا هو المونتاج بين واحد منهم والآخر، وهذا ما تحقق ببراعة لا يمكن إنكارها، ويشير إلى رسم الكادرات مسبقا قبل تصويرها، بما يطلق عليه "الديكوباج". لكن استخدام الحيل السينمائية والتليفزيونية ليس كافيا لتحقيق مسلسل ممتد ناجح، فلابد من أن تحتوي الحبكة على الثقل والتعقيد اللذين يدفعان المتفرج لانتظار طريقة حلها. غير أن معظم "نمر" هذا الجزء تأتي على نحو متوقع سلفا، وهي تعتمد في الأغلب على وصول غرباء إلى القرية، كلهم متشابهون في الأثر حتى لو بدوا مختلفين، فسوف يكون وجودهم مصدرا للتنافس بين الكبير وجوني، اللذين يجدان نفسيهما في النهاية واقفين على أرض واحدة. تأمل على سبيل المثال حلقة هبوط من يدعون أنهم فريق تصوير فيلم ما، وهم في الحقيقة تجار مخدرات، وبينما يتنافس الكبير وجوني على الحصول على دور "البطولة" المزعوم، يتعاونان معا للإيقاع بهذه العصابة، على نحو يذكرك كثيرا بقصص مجلات الأطفال المصورة، مثل "ميكي" و"توم وجيري". لكن هذه السلبيات لا تخفي أيضا بعض الإيجابيات التي لا يمكن إنكارها، فالمسلسل يخلو تماما من ثرثرة الحوار التي عهدناها في معظم الأعمال التليفزيونية، وهو يقفز في اختصارات عديدة عى ما سبق لنا أن عرفناه. كما أنه يعكس قدرا كبيرا من التأثر بالسينما العالمية وأساليبها، وهو الأمر الذي يمكنك أن تلحظه مثلا في حكاية جوني عن رحلته لاعتناق رياضة اليوجا الروحية، لكن ما نراه على الشاشة يتناقض تماما مع صوته على شريط الصوت، إذ نعرف أنه قد كان في ذلك فاشلا كبيرا. وربما كان الأكثر طرافة هو السخرية من الذات أحيانا، خاصة في حلقة حكاية جوني عن تمثيله في هوليوود لفيلم يدعى "تايتانيك 2"، فإذا بك أمام السبكي أشهر من أنتج الأفلام المصرية الجماهيرية، وقد أصبح مخرجا هوليووديا، يسأل جوني عن مواهبه التمثيلية: "تعرف تهز؟"، في إشارة لنوعية الأفلام التي حفلت بها السينما المصرية مؤخرا. من الحق القول إن أحمد مكي يملك قدرا غير قليل من الثقافة السينمائية والموسيقية الشائعة (ناهيك عما يمكننا أن نسميه "ثقافة الشارع")، وقدرة لا تنكر على تقمص الشخصيات، لكن هذا لا يكفي لصنع أعمال هي في جوهرها فن جماعي، بينما تتحول هنا إلى أن تكون - في التحليل الأخير - استعراض الممثل الواحد.

Friday, July 19, 2013

مقالب تليفزيونية، وأمراض نفسية!!


تعكس نوعية البرامج والمسلسلات التليفزيونية السائدة في فترة ما، نوعا من المزاج العام والذوق الجماعي، فلا يمكن مثلا أن يدعو مسلسل إلى السعادة والاستمتاع بالحياة بينما الناس يعيشون في ضنك بالغ، كما أنه لا يمكنك أن تطلب من الجمهور أن يمارس التسامح بينما كل شيء في المحيط الذي يعيش فيه يدعو إلى التعصب. ومن الصعب أن نحدد بشكل واضح ويقيني إذا ما كانت برامج ومسلسلات التسلية انعكاسا للواقع فقط، أم أنها هي التي تؤثر في هذا الواقع، والأغلب أن فيها العنصرين معا: إنها تحث المتفرج على سلوكيات ما، يكون لديه استعداد لممارستها. لكن ما يحار فيه المرء بحق هو هذا التكاثر الغريب لما يسمى "برامج المقالب"، التي تجتمع أيا كان شكلها على شيء واحد، هناك ضيف سوف يتحول إلى "ضحية" دون أن يدري (ولعل بعضهم يدري، ويمثل دور الضحية)، وسوف يتعرض لأقصى وأقسى أنواع التعذيب أو المهانة، وبالطبع فإن هناك رد فعل واحدا: الخوف خلال الموقف، والغضب بعد أن يدرك المقلب. والمطلوب منا نحن الجمهور أن نضحك من خوفه ورعبه، ونسخر من غضبه، وهو ما يشبه إلى حد ما أدنى أنواع الضحك على الإطلاق، كأن تضحك مثلا على رجل يتزحلق في قشرة موز، أو امرأة تسقط في بركة أوحال! ما الذي يدفعنا إلى الضحك في مثل هذه المواقف السخيفة؟ سوف نؤجل الرد حتى نلقي نظرة على بعض هذه البرامج، التي انهمرت علينا كالمطر بمناسبة المهرجان التليفزيوني السنوي، الذي يبدو بديلا لاحتفالاتنا الشعبية القديمة بهذا الشهر الكريم، غير أننا كنا في الماضي شركاء في الألعاب، بينما نحن الآن مجرد متفرجين مرغمين عليها. تأمل على سبيل المثال برنامجا يحمل اسم "الساحر"، المفترض أنه يدور في "سيرك"، بينما أحد الحواة يقدم ألعابه التي يستخدم فيها "خفة اليد"، أو بعض الحيل الآلية الخفية. وبعد أن يستمتع الجمهور، الذي يغلب عليه الأطفال، يأتي دور النمرة "المقلب"، فالساحر يختار طفلا يصحبه والده للاشتراك في لعبة الاختفاء في الصندوق، حيث يفترض أن يختفي الطفل مرة (في غرفة أسفل الصندوق بالطبع) ثم يعود للظهور. والمقلب هنا هو أن الساحر يدعي عجزه عن استعادة الطفل، ليأتي الأب أو الأم أو كلاهما ليمسكا بخناقه، وقد استولى عليهما "الرعب" بالمعنى الحرفي للكلمة، من أن يكون الطفل قد تعرض لنوع ما من الإيذاء. وبعد أن "نستمتع" قليلا بالفرجة على الوالدين الخائفين، وربما أيضا بعض اللكمات التي يوجهانها للساحر، يظهر الطفل محمولا على "حصان بشري"، ويتعالى التصفيق، على ماذا لا ندري على وجه التحديد! ويصل الرعب إلى مستويات جديدة مع برنامج "في الهوا سوا"، الذي يعتمد باختصار على أن يتوقف "تليفريك" في الهواء، بينما يكون الضيف الضحية حبيسا مع حيوان مفترس!! وهنا يأتي دور الممثل "الكوميدي" إدوار الذي يقدم البرنامج ويصحب الضيف في رحلته، فهو يزيد من جرعة الرعب المجاني بادعاء أن الحيوان على وشك الهجوم، ولا ندري أيضا ماذا يمكن أن تنتظر من أي إنسان في مثل هذا الموقف، سوى أن يستولى عليه الخوف على حياته؟ لكن "ما زاد وغطى" باستخدام التعبير المصري الدارج، هو انتظام الممثل رامز جلال كل عام في تقديم برنامج، أقل ما يوصف به هو السخافة، وهو في عامنا هذا يدعى "رامز عنخ آمون"، وتقوم فكرته على استضافة ممثل أو ممثلة للقيام بجولة سياحية مصورة، بادعاء أنها مساهمة في تنشيط السياحة في مصر، ليمضي الضيف الضحية في دهاليز تزداد ضيقا، بينما يراقبه رامز من أمام كاميرات المراقبة، ليلقي بين الحين والآخر سخرياته من الضيف وخوفه الطبيعي، غير أن الأمر يصل إلى حالة تثير "القرف" حقا، عندما يتم إغلاق حجرة ضيقة تحت الأرض على الضيف، تخرج له فيها الثعابين والخفافيش من بين الشقوق، ويبدو أن مومياء محنطة كأنها دبت فيها الحياة. لا تستغرب بالطبع في هذه الحالات جميعا أن تنتاب الضحية كل مشاعر الفزع والرعب، أو ربما يصاب أيضا بالإغماء، لكن مقدم البرنامج رامز جلال لا يتوقف عن السخرية والضحك! لكن مشاعر الضحية تتحول في برامج أخرى إلى السخط نتيجة الإهانة، ففي "فلفل شطة" هناك مسابقة مزعومة بين ضيفة وممثلة مغمورة تقوم بدور المنافسة، أما موضوع المسابقة فهو "طهي الطعام"، لكن ممثلة دور المنافسة تتعمد إثارة الضيفة بتعليقات خارجة على المألوف، يتعلق معظمها بذوق الملابس والماكياج وما إلى ذلك من أمور "نسائية"، وتظل تلك التعليقات تتصاعد حتى تصل إلى درجة الإهانة، والمطلوب منا أن نراقب الضحية، هل سوف تنتقم لكرامتها، أم تنسحب في هدوء؟ وإذا كانت الإهانة هنا موجهة لسيدة من عامة المتفرجين، فإن برنامج "من غير زعل" يوجه سخافاته إلى واحد من المشاهير، ويعتمد البرنامج على اثنين من المقدمين: المغني الشعبي سعد الصغير، والمذيعة الممثلة ريهام سعيد، والسر في ذلك هو أنهما سوف يتبادلان الأدوار، فإذا كان الضيف رجلا يقوم سعد الصغير بدور المنافس الذي يكيل له الإهانات، التي تتصاعد رويدا حتى تصل إلى ذروة، بينما تلعب ريهام سعيد هذا الدور في حالة إذا ما كان الضيف سيدة، مستغلة أيضا مشاعر الغيرة "الحريمي"!! وبعد أن يتحمل الضيف هذه الإهانات، يصارحانه أن الأمر كان مجرد "مقلب"، ويتبادلون جميعا الأحضان والقبلات، بعد أن كانوا من دقيقة واحدة يتبادلون الشتائم وربما اللكمات!! لعلك قد لاحظت في كل البرامج السابقة أنها تخلو من أي بعد جاد، لكن مهلا، فهناك برنامج مقالب آخر يدعي أن له بعدا سياسيا (!!)، هو "يا ثورة ما تمت"، ويعتمد على استضافة ضيف من أحد أطياف السياسة في مصر، بينما يقوم ممثل مغمور بلعب دور صاحب الاتجاه السياسي المضاد. لكن هدف البرنامج ليس إثارة الأفكار كما قد تتصور للوهلة الأولى، بل إثارة الرعب، فبعد أن يحتدم الجدال بين الطرفين، يقتحم الاستوديو فجأة مجموعة من "البلطجية"، يرغمون الضيف على التوقيع على موقف يناقض مبادئه. ومرة أخرى، ماذا يمكن أن تنتظر من إنسان أن يفعل، وقد فاجأته هذه المجموعة التي تهدد بالعنف؟ كما أن الانطباع الذي قد يبقى في لا وعي المتفرج أن كلا من الموقفين السياسيين ليس في حقيقته إلا نوعا من البلطجة التي لا تستند إلى أي حق أو حقيقة. عبثا تحاول أن تجد "مضمونا" من أي نوع لكل هذه البرامج دون استثناء، لكن لها "تأثيرا" ما في المتفرج بطبيعة الحال. إنها جميع تقوم على مفهوم "التلصص"، كأنك تنظر على شخص ما من ثقب الباب، وهو غير واع أن هناك من يراقبه، لأنه هنا يتصرف بشكل تلقائي تجاه موقف نعرف نحن (بينما لا يعرف هو) أنه موقف زائف مفتعل. وإذا كان التلصص في بعض الأحوال مفيدا لدراسة سلوك الناس وهي على طبيعتها، فإنه في أغلب الأحوال يكون تجسيدا لمرض نفسي يعاني منه الشخص الذي يقوم بالتلصص، وهذا ما تقوم به للأسف هذه البرامج مع جمهورها، أن تزيد هذا المرض عمقا، وتضفي عليه مشروعية، بحجة الضحك!! لكن الضحك الصحي بالفعل هو ذلك الذي يجعلنا نضحك من عيوبنا ونقاط ضعفنا، عندما نراها في الكوميديا الراقية متجسدة في شخص آخر، أما عندما نضحك لأن شخصا غيرنا أصيب بمكروه، ونستمتع كلما زادت أزمته أو خوفه أو إهانته، فهذا ليس إلا تأكيدا على مشاعر العدوانية التي تثيرها هذه البرامج، وتصل إلى درجة الإصابة بمرض "السادية"، الذي لا علاقة له بالترفيه أو التسلية، وإنما يحتاج إلى الذهب فورا إلى طبيب نفسي بحثا عن علاج!!

Monday, July 08, 2013

تأملات نقدية في إعلانات مسلسلات رمضان


الإعلان في أي مجال هو نوع من الوعد، بأن تحصل على منفعة معينة لو استهلكت السلعة المعلن عنها، لا فرق في ذلك بين معجون الأسنان أو السيارة الفارهة، لكن هناك مجالا جديدا للإعلان نشهده كل عام، عندما يقترب شهر رمضان الكريم، وتتسابق القنوات الفضائية في الإعلان عن المسلسلات التي سوف تقدمها. ولعلك تسأل نفسك أولا: ما الذي يدفع المحطات التليفزيونية إلى ذلك؟ إنها في الحقيقة لا تسعى إلى تقديم الترفيه والتسلية لك، بقدر ما تسعى إلى "بيعك" إلى المعلنين، الذين سوف يضعون إعلانات سلعهم – كما هي العادة – بين أوصال المسلسل بعد تقطيعه. وبالطبع كلما زاد عدد المشاهدين، ارتفعت أسهم المحطة في عين المعلنين. وهكذا تكتشف مع إعلانات المسلسلات أن القنوات الفضائية لا تهدف إلى تقديم سلعة، كما هو الحال مع بقية الإعلانات الأخرى، بل هي فقط طريقة لـ"جر الرجل" كما يقول التعبير العامي المصري، الذي يشير إلى نوع مخفف من الاحتيال على الزبون، ليدخل المحل كي يشترى سلعا أخرى. وهنا تختلف إعلانات الأفلام عن إعلانات المسلسلات، فالأولى تقدم سلعا، بينما الثانية ليست إلا واجهة لتقديم سلع، لكن المفترض – برغم اختلافهما – أنهما يتشاركان أيضا في بعض السمات، من أهمها أن يقدم الإعلان "التيمة" أو الفكرة الرئيسية للعمل من جانب، ووجوه من سوف يجسدونها من النجوم من جانب آخر. وبتأمل بعض إعلانات المسلسلات هذا العام، تكتشف أن الأهم عند من صنعوا الإعلان هو صور النجوم والنجمات، وأن هذه الصور ليست في معظمها إلا تنويعات على الصورة النمطية لهذا النجم أو ذاك. إن مصطفى شعبان على سبيل المثال سوف يظهر في إعلان مسلسل "مزاج الخير"، وهو يذكرك كثيرا بالعديد من أدواره في الآونة الأخيرة، التي تعتمد على كون بطله مزواجا تتهافت النساء على إغوائه وإرضائه. فيما يشبه صورة المرآة، نرى في إعلان مسلسل "حكاية حياة"، بطلة غادة عبد الرازق، التي يحوطها الرجال من كل جانب في مراحل حياتها المختلفة، وهي تأسرهم دائما حيثما حلت. وليس غريبا أن تكون مسلسلات غادة عبد الرازق تنويعا تليفزيونيا على أفلام نادية الجندي التي باتت "قديمة"، فالحبكة المصطنعة تقودها دائما من القاع إلى القمة، وتمنحها لحظات من "التمثيل" الذي لن يعني إلا مزيدا من التقلص والمبالغة. في هذا السياق أيضا يأتي إعلان مسلسل "العراف"، الذي يظهر فيه وجه النجم الألمع في تاريخ السينما المصرية عادل إمام مليئا بالغضون والتجاعيد، وكأن الزمن قد رسم على هذا الوجه خريطة حياته، ومن الغريب على عادل إمام أن يخلو الإعلان من "إفيهاته" المعتادة، ويكتسي بدلا منها نوعا من الحزن، كما أن لمحات الإعلان تشير بطرف خفي إلى حكاية رجل له أبناء عديدون، وقرر أن ينتقل من عالم ثرائه إلى عالم الفقراء، ليؤثر فيه ويتأثر به. تلك هي تماما أيضا الحبكة التي تبدو من إعلان مسلسل يسرا "نكدب لو قلنا ما بنحبش"، في عنوان مقتبس عن أغنية لأم كلثوم، فيسرا كما هي العادة تبدو كما لو كانت تدخل عالما متشابكا من العلاقات العاطفية، لتلعب دائما دور حمامة السلام، التي لا تلبث بدورها أن تقع في شباك الغرام. من الصور المكررة لدرجة الإملال تلك التي يقدمها أحمد عيد في إعلان مسلسل "ألف سلامة"، فلأن من المفترض أنه ممثل كوميدي، فلابد أن يلقي بالإفيهات في "كل" المشاهد والمواقف، بطريقة تبدو أقرب إلى فنون الموالد ومسرح الارتجال، بحيث يفقد رسم الشخصية معناه تماما، فالبطل في مثل هذه الأعمال يبدو هزليا وهازلا حتى في المواقف الجادة، وهي المواقف التي تلعب بشكل خاص في منطقة السياسة، حتى يظهر العمل في ظاهره نقديا وجادا، وهو في الحقيقة ليس كذلك. وبنفس القدر من اللعب بالسياسة – وإن كان هذه المرة في عمل أقرب إلى الجدية – يأتي إعلان مسلسل "ذات" الذي طال انتظاره طويلا واعترضته العقبات في تنفيذه، وهاهو يظهر للنور أخيرا، ليحكي عن بطلة رواية الروائي المصري المهم صنع الله ابراهيم، والتي تحمل أيضا هذا الاسم الغريب "ذات". تلك البطلة في الرواية رمز حي متجسد للطبقة الوسطى المصرية، والتغيرات التي حدثت للـ"ذات" خلال السبعينيات والثمانيات، لكن المسلسل يبدو أكثر طموحا، أو قل جموحا فذلك أقرب إلى الدقة، عندما ينزلق إلى ادعاء أن البطلة رمز لمصر منذ ثورة 1952، لذلك فإنه يقع في دائرة التسطيح والأفكار المكررة الجاهزة، التي تنظر إلى هذه الثورة بعين الإدانة المطلقة!! وهناك إعلانات تشير إلى مسلسلات تدور في الماضي القريب، منها على سبيل المثال مسلسل "أهل الهوى"، الذي يحكي عن الموسيقي الأشهر في تاريخ الموسيقى المصرية سيد درويش، ويقوم بدوره هنا حفيده إيمان البحر درويش، الذي سوف يواجه تحديا حقيقيا، بين استنساخ صورة الجد على نحو باهت، وبين الإبداع الفني الجديد. لكن الإعلان يعدك بأن يحكي من بين ما يحكي عن السياق التاريخي، خاصة ثورة 1919، وعن بعض الحكايات الشخصية للفنان، الذي وقع في "الهوى" فكان ذلك إلهاما لفنه، كما سوف يتطرق بالطبع إلى سبب وفاته الذي ما يزال مثيرا للكثير من الشكوك، لكن ربما كان الأهم في هذا العمل الموسيقى التصويرية التي سوف تغلفه، وتقتبس ألحانها الرئيسية من فنان الشعب القدير. لكن هناك أعمالا تشير على نحو مباشر وواضح إلى الحاضر، ويأتي على قمتها مسلسل "الداعية"، الذي يبشرك بأنه يتحدث عن ظاهرة الداعية الديني التليفزيوني، تلك الظاهرة التي تركت تأثيرا قويا في أبناء الطبقة الوسطى والشريحة العليا منها بشكل خاص، مما أدى إلى تغيرات جوهرية في البناء الثقافي للمجتمع المصري في الآونة الأخيرة. ويتطرق المسلسل إلى التساؤل حول صدق هؤلاء الدعاة فيما يدعون إليه، ومدى اتساق أقوالهم مع أفعالهم، وصورتهم العامة مع حياتهم الخاصة، وتلك بالطبع منطقة ملغومة في ظل الأجواء السياسية المعاصرة. ويحاول مسلسل "الركين" أن يسبر أغوار عالم مناقض، هو عالم الطفيليين الباحثين عن أي عمل، ويستغلون الأزمات للحصول على لقمة العيش، وإن كان الإعلان يشير إلى احتمال أن يكون هؤلاء ضحايا لعالم أكبر وأقوى منهم، وهذا بالضبط ما يبدو أيضا أنه ما يعبر عنه مسلسل "فرعون" الذي يدور في أجواء البلطجية، واتصال أعمالهم ببلطجة أعمق وأخطر، بينما يتحدث مسلسل "بدون ذكر أسماء" بدوره عن عالم الفقراء، الذين يتحولون إلى ضحايا ومدانين في وقت واحد، في سياق يتداخل فيه الذئاب والحملان، والملوثون والأنقياء. هناك عملان يتناولان قصة حب، وإن كان لكل منهما دائرة مناقضة تماما، الأول هو "آدم وجميلة"، الذي يظهر من عنوانه كأنه تنويع على "روميو وجولييت"، حيث عذابات الحب النقي، الذي سوف يزيده نقاء أجواء مدينة الإسكندرية. أما العمل الثاني فهو "الزوجة الثانية"، المأخوذ كما قد يعلم الجميع من الفيلم الذي يحمل هذا الاسم، وأخرجه صلاح أبو سيف منذ ما يقرب من نصف قرن، وهو ما سوف يشكل إمكانية للمقارنة بين المعالجتين، وأداء الممثلين في كل منهما، خاصة أن الفيلم أصبح من "فولكلور" السينما المصرية، وتجري على الألسنة بعض الجمل الشهيرة من حواره، وإن كان إعلان المسلسل سوف يشير إلى امتداد المعالجة إلى ما بعد قصة الزوج والزوجة من الفلاحين الفقراء، اللذين يناضلان ضد طغيان العمدة. قد تكون هذه الإعلانات قد نجحت إلى حد ما في الإشارة إلى موضوعها، على نحو قد يجذب المتفرج لانتظارها ومتابعتها، لكن هناك إعلانات أخرى رسبت في هذا الاختبار، حين فشلت تماما في توصيل أي رسالة، لأنها اكتفت بأن تكون مجموعة من "القص واللصق" لمشاهد من هنا وهناك، مثل إعلان مسلسل "خلف الله" من بطولة نور الشريف، أو "الرجل العناب" الذي يبدو سلسلة من النمر الهزلية التي بلا رابط حقيقي. لكن بين هذا النجاح وذاك الفشل في صنع صورة عن مسلسلات رمضان من خلال الإعلانات، سوف ننتظر حتى تأتي المسلسلات ذاتها لكي نستمتع بها، أو نتحمل عذابها!!

Saturday, June 29, 2013

الحقيقة وراء الدعوة إلى سينما أخلاقية


تزايدت الدعاوى في الفترة الأخيرة، والتي وصلت إلى حد رفع قضايا في المحاكم، دفاعا عن "فن أخلاقي"، وهو أمر كما قد يبدو للوهلة الأولى حقا، لكنه في جوهره يخفي قدرا كبيرا من الباطل، لأنه في الحقيقة يهدف إلى فرض رؤية واحدة، ليس للفن فقط، وإنما للحياة أيضا، وهو ما سوف يستتبع بعد ذلك فرض آراء سياسية بعينها، ومصدر الخطر والخطأ في ذلك كله، أنه يتستر وراء الدعوة للأخلاق، التي لا يمكن إلا أن تلقى من الجميع ترحيبا وقبولا. لعلنا ما نزال نذكر كيف خرج علينا، منذ شهور قليلة، واحد يقول إن أدب نجيب محفوظ فاجر وداعر، لأنه يحتشد بالعاهرات. وربما كان ذلك الرجل قد أخذ انطباعه عن أدب محفوظ ليس من خلال قراءة رواياته، وإنما من الأفلام المقتبسة عنها، خاصة "الثلاثية" التي أخرجها حسن الإمام. لكن قبل أن نمضي في المقارنة، أرجو أن نتوقف أولا قبل الفرق بين مصطلحي "الأخلاق" و"الأخلاقي"، فإذا كان الأول يشير إلى معاني وأفكار مطلقة، مثل الحق والخير والجمال، فإن الثاني نسبي، يختلف من زمن إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر، ففي عصور الظلام الأوربية كان "الحق" هو مطاردة كل من يأتي بجديد في مجال العلم، بدعوى أنه يتناقض مع الدين، مثلما حدث مع جاليليلو، الذي اضطر إلى إنكار اكتشافاته عن علاقة الأرض بالشمس. وبالمثل، فإن من "الحق" أيضا أن الأديان لم تحرم الرق بشكل قاطع، وإن وضعت لتحرير العبيد والأرقاء الكثير من المغريات، لكن إذا لم يكن مستهجنا "أخلاقيا" في الماضي أن يمتلك المرء عبيدا، فهذا الأمر يبدو مرفوضا "أخلاقيا" في عصرنا الحديث. وإذا عدنا لمثال العاهرات في أدب نجيب محفوظ، فإن فتاة الليل لم تكن عنده أبدا مادة مثيرة لغرائز القارئ، فهي تتجسد في تنويعات عديدة ذات دلالات مختلفة. إنها في الأغلب تشير إلى عالم ميلودرامي يسكنه البطل، عالم يحتشد بالمتناقضات، ففي "اللص والكلاب" على سبيل المثال تأتي الخيانة من الزوجة والصديق، بينما تعبر فتاة الليل عن الوفاء والتفاني، لأنها في هذا العالم تعرضت – مثل البطل تماما – للظلم الاجتماعي، مما يجعلهما شركاء في المصير أيضا. وسوف تجد معادلا سينمائيا ناجحا لها في الفيلم الذي أخرجه كمال الشيخ، وقامت فيه شادية بدور فتاة الليل، دون أدنى قدر من الابتذال، وسوف يؤثر هذا النموذج بعد ثلاثة عقود، في الشخصية التي أدتها هالة صدقي في فيلم عاطف الطيب "الهروب". تأمل أيضا كيف أن العاهرة تأخذ بعدا فلسفيا غامضا عند محفوظ، ولعل أصدق مثال على ذلك هو رواية "الطريق"، التي تعبر عن حيرة الإنسان في طريقه الصعب لاكتشاف الحقيقة، والصراع بداخله بين اختصار هذا الطريق، والارتباط بزوجة خائنة وقتل زوجها، وبين استكمال البحث اليائس بمساعدة فتاة تمثل البراءة. وربما ضاع هذا المعنى في فيلم حسام الدين مصطفى عن الرواية، وبأداء شادية أيضا، لأنها افقتدت هنا رهافة الكتابة الدرامية لشخصيتها كما في "اللص والكلاب". وبالمثل، ضاع المعنى الرمزي لـ"العوالم" والراقصات في الثلاثية، اللائي كن أقرب لدلالة مرور الزمن أمام عيني البطل أحمد عبد الجواد، ولم يبق منهن في معالجة حسن الإمام السينمائية سوى قدر لا يحتمل من الخلاعة!! بل إن فتاة الليل تأخذ معى سياسيا في "السمان والخريف"، فهي الأصدق والأكثر إيجابية في التفاعل مع العالم، لتُظهر سلبية البطل الذي يكتفي بالتأسي على الواقع الذي طرأت عليه تغيرات سياسية، أقصته إلى الهامش بعد أن كان في مركز الأحداث. المهم إذن ليس "الموضوع"، وهذا في الحقيقة خطأ تقع فيه معظم الكتابات النقدية، التي تتوقف عند سطح العمل الفني، وبكلمات أخرى: ما الذي يتحدث "عنه" العمل الفني. لكن الأهم هو الشكل، الذي يحدد المضمون، إنه الذي يتحدث "فيه" العمل الفني. إن الواقع مليء بالعناصر الواقعية، لكن الفن هو الذي يختار من بينها عناصر بعينها، ويضعها في "إطار" محدد، وينظر إليها من "وجهة نظر" محددة، وذلك وحده – وليس مجرد العناصر الأولية – هو الذي يحدد موقف العمل الفني من الأخلاق. سوف أضرب لك أمثلة تبدو للوهلة الأولى وكأنها تدعو إلى الأخلاق، لكنها في حقيقتها تتاجر بالابتذال، وسوف يأتي على قمة هذه الأمثلة فيلم قريب يدعى "أحاسيس"، الذي يزعم مخرجه هاني جرجس فوزي أنه "يناقش" العلاقات الزوجية، لينتهي بمجموعة من النصائح بعد أن يكون قد أشبع المتفرج مشاهد بالغة الفجاجة، فكأنه يذكرنا بجريدة نشرت صورا فاضحة على صفحتها الأولى، وكتبت تحتها: هذه نماذج من الصور التي ترفض الجريدة نشرها!! كما أن معظم أفلام نادية الجندي تقع في هذه المنطقة، حتى لو زعمت أحيانا أنها تتحدث في السياسة، بعد أن تكون البطلة قد مارست قدرا كبيرا من "الاستربتيز" كأداة للنضال(!!)، لكن دعني أذكرك أن الجمهور كان يسخر من هذه الأفلام بدلا من أن يقع في أسر إغرائها، ولعلك تذكر كيف أن جملة "خالتي بتسلم عليك" (التي استخدمتها البطلة ككلمة سر!!) قد سارت على الألسنة باعتبارها تعبيرا عن الاستخفاف بالعقول. على النقيض تماما هناك من الأفلام من تحدث عن الأخلاق برهافة بالغة، وإن بدا أحيانا كأنه يصور عالما مبتذلا. إن البطلة (نجلاء فتحي) في فيلم محمد خان "سوبرماركت" تبيع نفسها في النهاية لمن يدفع الثمن. لقدد كنا قد شاهدناها طوال الفيلم تناضل من أجل ابنتها الوحيدة، في غمار الطبقة الوسطى التي تزداد كل يوم انسحاقا، لكنها لم تستطع أن تقاوم حتى النهاية، لأن المجتمع كله أصبح "سوبرماركت" كبيرا، كل شيء فيه معروض ومعرض للبيع والشراء. وفي فيلم داود عبد السيد "سارق الفرح" فتاة ليل (عبلة كامل)، ليست إلا وجها من عشرات أوجه بللورة واحدة، هي المجتمع الذي يعيش فيه ملايين المنسحقين المسحوقين، يحاولون اختلاس لحظات من الفرح وسط هذا العالم المتجهم، لكنهم نادرا ما يحصلون عليها. وهناك صورتان للنجمة الراحلة سعاد حسني تصوران هذا الانسحاق، وهي في الأولى تحاول التغلب عليه، في "خللي بالك من زوزو"، ابنة عالم "العوالم" التي تريد أن تتعلم وتذوب في المجتمع، وتحصل على حقها في حياة كريمة. وفي الفيلم رقصة (أو أكثر) ليس فيها ظل من الخلاعة، بل ربما وجدت نفسك متعاطفا مع هذه البطلة التي تستحق مصيرا أفضل، وفي إحدى هذه الرقصات يمكنك أن تتلمس قدرا كبيرا من الحزن، عندما تضطر البطلة، وسط زملائها من الطلبة، إلى الرقص بدلا من أمها التي تعرضت للإهانة. كما أن في فيلم علي بدرخان "شفيقة ومتولي" رقصة بالغة المرارة، تعبر عن انسحاق هذه المرأة وسط مجتمع يسيطر عليه رجال فاسدون، ثم يلقون بمسئولية هذا الفساد عليها!! ولعل ذلك يذكرنا بنموذج مناقض، في فيلم خالد يوسف "دكان شحاتة"، عندما رقصت البطلة (هيفاء وهبي) بأمر من أخيها "المسطول"، فبدلا من أن تتوقف الكاميرا عند خلجات وجه هذه المرأة المنسحقة، إذا بالكاميرا "تتلصص" على مفاتن الممثلة الراقصة، وهذا المثال هو جوهر قضية "الأخلاق" في الفن. فإذا كانت كاميرا خالد يوسف هنا لم تتخذ موقفا محايدا يعبر عن لحظة، هي في جوهرها تحتشد بالعبثية والمرارة، واختارت أن "تستغل" اللحظة الدرامية من أجل نثر توابل جماهيرية، فإن ذلك يضفي على العمل الفني مسحة لا أخلاقية، حتى لو تخفى وراء أهداف أخلاقية. والمعيار هنا وفي كل الأعمال الفنية: ما الذي أريد من المتفرج أن يفهمه ويشعر به؟ والمخرج أو صانع العمل يختار شكل محددا من أجل تحقيق هذا الهدف، وذلك وحده – وليس مادة الموضوع الخام – هو الذي يحدد مدى اقتراب العمل الفني أو ابتعاده عن الأخلاق. كلمة أخيرة: من يملك الكلمة الفاصلة في هذا الأمر؟ والإجابة: لا أحد، والجميع!! نعم، لا يجب أن ينصب أحد من نفسه حسيبا ومحتسبا على الفن، لأنه بذلك يسعى لفرض رؤيته وحده، ولنترك الأمر للجمهور، الذي يجب أن نسعى عن طريق الكتابات النقدية لترقية ذوقه من جانب، وتحسين ظروف معيشته من جانب آخر، فليس من المنطق أن ننادي بالتزام الفن بالأخلاق، بينما يكون الواقع بعيدا تماما عن أي أخلاق!!

Wednesday, June 19, 2013

نحو مشروع سينمائي عربي مشترك بين الواقع والحلم


قد يكون ما تردد في بعض وسائل الإعلام، عن أن تسعة بلدان عربية تفكر في تأسيس مشروع سينمائي مشترك، وهو التفكير الذي بدأ خلال مهرجان "كان" الأخير، قد يكون مجرد أمنية طافت على الألسنة في لحظة من لحظات حلم اليقظة، وربما يكون حقيقة واقعة تكمن وراءها النوايا الطيبة، لكنها في الحالتين، حلما كانت أم حقيقة، تحتاج إلى أن تستند إلى العديد من عوامل التحقق على أرض الواقع، حتى يكتب لها النجاح أولا، ثم الدوام والاستقرار من بعد ذلك. دعنا نبدأ بما هو قائم حاليا من أوضاع السينما في البلدان العربية، وربما كان هناك بعض التجاوز في استخدام كلمة "السينما" ذاتها، لأن الأمر الواقع يقول إنه ربما كان لدينا أفلام في هذا البلد أو ذاك، لكن الحقيقة المريرة هي أنه لا يوجد لدينا "سينما"، والتي تعني مؤسسات راسخة، سواء في البنية التحتية المقصود بها الاستوديوهات والتجهيزات والتقنيات، بالإضافة إلى ما يكفي كل السكان من دور العرض، أو البنية الفوقية التي نعني بها "كوادر" كاملة من الفنانين والفنيين في كل مجال، وشركات التسويق والتوزيع التي تعرف جيدا كيف تنجح في توصيل الفيلم إلى جمهوره في المكان والزمان المناسبين، ثم معاهد تعليمية تواكب آخر ما توصل إليه الفن السينمائي في العالم، هذا الفن الذي لا يخفى على أحد أنه يشهد كل يوم تطورات جمالية وتكنولوجية هائلة، تجعل أغلب ما نصنعه من أفلام أقرب إلى الأعمال البدائية. وقد يقول قائل إن الحاضر والماضي يؤكدان عكس ما ذكرناه الآن، أولا لأن المخرج المغربي عبد اللطيف قشيش فاز بالجائزة الكبرى في "كان"، لكن هل قشيش يخرج أفلاما "عربية" حقا، وهو الذي يقوم في كل أفلامه على تنفيذها في فرنسا؟! وثانيا لأن هناك تراثا كبيرا للسينما المصرية على وجه الخصوص، يشير بحق إلى أنها كانت – إلى حد كبير – تواكب السينما العالمية (الإيطالية على سبيل المثال) في الخمسينيات والستينيات، لكن ذلك ليس الآن إلا ذكرى نعيش أحيانا على حلاوتها، لنستيقظ على الواقع المرير، الذي يشير دون مواربة إلى أن السينما المصرية تخلفت كثيرا حتى عن صناعات سينما بدأت بعدها، كالسينما الكورية على سبيل المثال. من هذا الواقع نريد أن ننطلق، أيا كانت درجة مرارته، بحثا عن إمكانية تحقيق "مشروع سينمائي عربي مشترك"، لنتساءل في البداية: ما هو هذا المشروع؟ يمكننا أن نفترض في الحد الأدنى أنه نوع من الإنتاج المشترك لأفلام، وهو مشروع جدير حقا بالاهتمام، خاصة أن عوامل تحقيقه ممكنة، بل إنه تحقق بالفعل منذ وقت طويل، وليس غريبا أن صناعة السينما المصرية ظلت حتى الخمسينيات تعتمد في الأغلب على تمويل عربي من خارج مصر، كما كانت العديد من شركات الإنتاج السينمائية تحمل أسماء عائلات لبنانية، مثل بيضا وتلحمي وبهنا، وكان لذلك أثره الإيجابي في التوزيع، إذ يسعى المنتج إلى تسويق فيلمه في العديد من البلدان العربية، والأهم أنه كان له تأثيراته الثقافية والاجتماعية والسياسية، فكان الفيلم "العربي" (والمقصود به الفيلم "المصري") يجمع جمهورا من بلدان عديدة بما يحقق نوعا من الوحدة بمعناها الحقيقي. ما تزال البلدان العربية تملك إمكانية هذا الإنتاج المشترك، حين يتوفر التمويل من بلد، والفنانون والفنيون من بلد ثانٍ، ويتم التصوير في بلد ثالث. وهذا الشكل من الإنتاج عرفته السينما الأوربية على سبيل المثال، حين أدركت أنه الوسيلة الأهم لمواجهة المنافسة العنيدة من السينما الهوليوودية، بل عرفته صناعات سينما أسيوية خلال العقود الأخيرة، من أجل صنع أفلام "عالمية" بمعنى الكلمة، فجاء فيلم "غاندي" بإنتاج مشترك مع الهند، و"الإمبراطور الأخير" و"نمر رابض، تنين مختبئ" مع الصين، على سبيل المثال لا الحصر. ولا نذهب بعيدا إذا أشرنا إلى أن هوليوود ذاتها لا تخجل من الإنتاج المشترك، بل تسعى إليه سعيا، حين تبحث عن أماكن ومواقع تصوير رخيصة، بدلا من بناء ديكورات باهظة التكاليف، وبهذه الطريقة في الإنتاج صنعت أفلاما ملحمية مبهرة، مثل "الوصايا العشر" و"كليوباترا" و"بن هور"، وما تزال تصنعه كفيلم "سيريانا" الذي تعتمد حبكته على خطوط درامية عديدة تدور في أماكن مختلفة من العالم. وإذا أردت أمثلة ناجحة قامت بها بلدان عربية بإنتاج سينمائي مشترك مع دول أجنبية، خاصة مع إيطاليا، فيكفي أن أذكر لك مثلا "طوق الحمامة المفقود" للمخرج التونسي ناصر خمير، بلغته السينمائية الفريدة التي تحاول أن تجد مفردات بصرية عربية تضرب بجذورها في التراث، أو فيلم المخرج الإيطالي جيلو بونتيكورفو المشترك مع الجزائر، والذي يحمل اسم "معركة الجزائر"، ويسجل للمراحل الأولى من نضال جبهة التحرير الجزائرية، ورغم أن الفيلم قد مضى عليه أكثر من أربعين عاما، فهو ما يزال يستخدم في كل المعاهد السينمائية العالمية، لتدريس كيفية استخدام أسلوب تسجيلي في فيلم روائي. ولم يكن غريبا أن ذكاء المخرج المصري الأشهر يوسف شاهين قاده في فترة من فترات حياته الفنية للإنتاج المشترك، ليس فقط مع فرنسا في أفلامه الأخيرة، ولكن أيضا مع الجزائر في أفلام مهمة في مسيرته، وربما لولا الإنتاج المشترك ما كان لها أن تتحقق، مثل "العصفور" الذي سجل فيه وجهة نظره عن أسباب هزيمة 1967، وضرورة مواجهة العدو الداخلي والخارجي معا، أو "اسكندرية ليه"، الذي كان باكورة سلسلة أفلام سيرته الذاتية كما يراها أو كما يتمنى أن تكون، كذلك "عودة الابن الضال" الذي يحاول فيه أن يرسم خريطة لقوى الصراع السياسي في قرية مصرية، هي في حقيقتها رمز لمصر كلها، وربما للوطن العربي أيضا. لكن لا يمكن أن تفوتنا الإشارة إلى فيلم إنتاج مشترك، كان مصيره يلخص المخاطر التي تعوق مثل هذا النوع من الإنتاج، وهو فيلم "ناجي العلي" المشترك بين مصر ولبنان، والذي حاول أن يغزل نسيجا متشابكا بين سيرة حياة فنان الكاريكاتير الفلسطيني المناضل، وتاريخ القضية الفلسطينية ذاتها. وبرغم الطموح الفني الهائل في سيناريو بشير الديك، وإخراج عاطف الطيب، وبطولة نور الشريف، فقد واجه الفيلم هجوما بالغ الشراسة من بعض الصحافيين المصريين، ويقول البعض إن وراء هذا الهجوم مصالح ذاتية ومادية، بينما طفت على السطح مبررات سياسية مزعومة، حتى أن مجلس الشعب المصري انشغل بالفيلم، ليستخرج البعض منه اتهامات لـ"مصر" اعتبروها مسئية، وهنا تبدأ المشكلة الكبرى والعائق الأكبر في تحقيق أي مشروع "إنتاج سينمائي عربي مشترك" في هيئة فيلم، بما يطرح مجموعة بالغة الأهمية من الأسئلة: هل تحتمل البلدان التي ينتمي إليها شركاء الإنتاج أي وجهة نظر قد لا تتفق مع وجهة النظر الرسمية؟ وهل يعني هذا أن هناك موضوعات لا يمكن الاقتراب منها، وذلك في الحقيقة يؤدي دائما إلى سينما باهتة تافهة وإن كانت باهظة التكاليف؟ وهل نحن العرب نريد أن نصنع سينما عالمية لأن السينما وسيط فني مهم، أم لأنها أداة دعائية فقط؟ ولعل تلك الأسئلة تذكرنا بسؤال هاملت الشهير: "أكون أو لا أكون"، وترجمته هنا: إما أن نصنع سينما حقيقية، أو فلننفق أموالنا على أي وسيلة ترفيه وتسلية أخرى!! لعل النقطة الجوهرية في تحقيق حلم مشروع سينمائي عربي مشترك تكمن أولا وقبل كل شيء في "الإرادة السياسية"، الإرادة التي تتعامل بنضج مع هذا "الفن" وكل أشكال الإبداع الأخرى، التي لا يمكن أن تفرض عليها رؤية واحدة مسبقة، وإلا سوف يكون المصير مثل مصير بعض أفلام مخرجين بالغي الأهمية، لكنهم صنعوا أفلاما شديدة التواضع، لأنها كانت بوقا للسلطة الحاكمة. لقد صنع المخرج المصري الشهير صلاح أبو سيف للعراق فيلم "القادسية"، الذي أُريدَ به أن يكون دعما لحرب الخليج الأولى، فكانت النتيجة فيلما هزيلا أعيدت كتابة السيناريو الخاص به عدة مرات أثناء التصوير، لإرضاء المسئولين السياسيين. أما المخرج الرائع الذي لم يصنع قط فيلما لإرضاء السلطة، توفيق صالح، مما أدى به للعيش في المنفى لفترة، فقد اضطرته الظروف لصنع فيلم "الأيام الطويلة"، عن سيرة حياة صدام حسين في شبابه، فجاء فيلما يشبه أفلام الواقعية الاشتراكية الدعائية، حيث البطل لا يمكن أن يشعر بالألم أبدا مثل بقية البشر!! ويأخذنا فيلم توفيق صالح إلى تجربة مهمة أخرى له كانت على النقيض تماما، حين صنع في سوريا "المخدوعون" أو "رجال في الشمس" عن إحدى روايات غسان كنفاني، وصنع توفيق صالح الفيلم برؤيته السياسية التي يؤمن بها، وكانت النتيجة أن السلطات آنذاك وضعت الفيلم "على الرف"، ولم تعرضه في المهرجانات العالمية إلا بعد أن ذاع صيته في أنحاء مختلفة من العالم! تلك إذن بعض مخاطر المشروعات المشتركة، إذا اصطدمت لسبب ما مع هذه الجهة أو تلك، ومع ذلك فإن هناك تجارب "فردية" كُتب لها النجاح، على الأقل على مستوى التحقق، فصنع السينمائي الكويتي خالد الصديق فيلم "عرس الزين" في السودان، عن رواية الأديب السوداني الشهير الطيب صالح، وقام المخرج المغربي عبد الله المصباحي بصنع فيلمه "سأكتب اسمك على الرمال" مع الممثلين المصريين مثل عزت العلايلي وناهد شريف ومريم فخر الدين، وحاكاه أيضا المخرج المغربي مؤمن السميحي، بقدر أكبر من الرغبة في صنع فيلم "بالمواصفات الشعبية" للسينما المصرية، في فيلم "سيدة القاهرة"، الذي اشترك في بطولته يسرا وعبد العزيز مخيون. لعلك لاحظت يا عزيزي القارئ أننا حتى هذه اللحظة نتحدث أيضا عن إمكانية صنع "أفلام" بالإنتاج المشترك، وليس "سينما" بمعنى الصناعة المتكاملة. ولعل هذا يعكس قدرا من الشعور بصعوبة تحقيق هذا الحلم في الظروف الراهنة، لكن دعنا نحلم قليلا بتحقيق الحلم. الغريب أن هذا الفيلم قد تحقق بالفعل (وما يزال يتحقق) في مجال الدراما التليفزيونية، ولعلنا نذكر كيف كانت استوديوهات التسجيل العربية في تونس والشارقة في الثمانينات تستضيف الفنانين والمصريين، لصنع مسلسلات بقيت في الذاكرة حتى الآن، وربما كان أهمها "ليلة سقوط غرناطة"، من تأليف الكاتب المصري محفوظ عبد الرحمن، وإخراج المخرج الأردني عباس أرناؤوط، ويسجل المسلسل في كل حلقة منه ساعة من ساعات ليلة سقوط غرناطة، مع إسقاطات رائعة على الواقع المعاصر، لذلك عرض المسلسل في جميع البلدان العربية، ما عدا مصر!! إننا نؤكد مرة أخرى على أن البلدان العربية – مجتمعة وليست متفرقة – تملك إمكانية تأسيس صناعة سينمائية راسخة، فنحن نملك التمويل، ونستطيع شراء آخر ما في العالم من تكنولوجيا، وأن نجلب لفترة من الزمن خبراء لتدريب بعض فنيينا على استخدام هذه التقنيات الجديدة، وبذلك تتوفر البنية التحتية الضرورية، ليبقى الجانب الأهم والأصعب، وهو الجانب الإبداعي، الذي يبدأ بكتابة سيناريوهات قوية بحق، وتكليف مخرجين حرفيين وفنانين لتنفيذها، واختيار فريق الممثلين من كل البلدان العربية. وفي الأغلب سوف يستغرق الأمر وقتا حتى نستطيع بحق أن نقول أننا نصنع فنا سينمائيا جديرا بالمنافسة عالميا، لكن كما يقولون: إنك قد تبدأ متأخرا، لكن ذلك أفضل من ألا تبدأ أبدا. وإذا كانت تلك هي "الشروط" لإقامة صناعة سينما عربية، فيبقى السؤال: لماذا نريد أن نصنع سينما "عربية"؟ أليس في العالم ما يكفي من الأفلام؟ وهل تنقصنا نحن العرب كمتفرجين أفلام من كل الأنواع، تأتينا من كل بقاع الأرض؟ وذلك في الحقيقة هو الهدف الرئيسي من صنع سينما عربية: السينما ليست مجرد وسيلة ترفيه، السينما بين الفنون هي أقواها قدرة للتعبير عن الذات، وفهم هذه الذات. والسينما لغة فكر قبل أن تكون مجرد صور، فهذه الصور في جوهرها تجسيد لفكر، وهي تعكس رؤيتك الحقيقية عن نفسك وعن العالم، ونحن إذا أردنا أن "نكون" على خريطة العالم، والتاريخ المعاصر، فإن علينا أن نقدم لأنفسنا وللعالم "صورنا"، أو قل في الحقيقة رؤيتنا ووجهة نظرنا عن العالم، كيف نراه وكيف نريد أن نتفاعل معه، ونؤثر فيه بدلا من الاكتفاء بالتأثر به. هل هو حلم بعيد المنال؟ سوف أذكرك بحقيقة واحدة، هي أن أوربا حققت هذا الحلم، رغم أنها لا تملك ما تملكه البلدان العربية من إمكانات مادية ومعنوية، ويكفي أن بلداننا تتشارك في لغة واحدة، وثقافة مشتركة، وليست تنويعات هذه الثقافة بين الخليج العربي والمحيط الأطلسي إلا مزيدا من ثرائها، فما الذي ينقصنا؟ لعلنا نهمس بالقول مرة أخرى أنها الإرادة السياسية، على المستوى الفردي والجماعي بالنسبة للبلدان، وإيمان حقيقي بالديموقراطية وضرورة التعاون الوثيق بين أطراف هذا المشروع. الغريب أن العالم المعاصر قدم حلا عبقريا وعمليا لتحقيق مثل هذه المشروعات، والأغرب أن الحل جاء من الوسيط المنافس للسينما: التليفزيون! لقد أصبحت اليوم الشبكات التليفزيونية العالمية، مثل "بي بي سي" البريطانية، و"كانال بلوس" الفرنسية، و"زد دي إف" الألمانية، و"تي في إي" الإسبانية، تشارك في مشروعات سينمائية عالمية، في تعاون وثيق بين وسيطين كانا في الماضي عدوين، ثم اكتشفا أن ضمان استمرارهما ونجاحهما مرتبط ارتباطا وثيقا بالعمل المشترك، فالشبكة التليفزيونية تضمن من جانب حصة لا بأس بها من عائدات فيلم ما، كما أنها تملك حق عرض الفيلم وتوزيعه على الشبكات الأخرى. إن هذا يثير لدينا في النهاية السؤال عن "هدر إمكاناتنا"، فالكثير من شبكاتنا التليفزيونية الفضائية تنفق مبالغ طائلة على برامج أقل ما توصف به أنها متواضعة، والأجدر بها أن تفكر بجدية في المشاركة ليس فقط في إنتاج الأفلام، بل أيضا إنشاء الاستوديوهات وتأسيسها، لتصلح لعملها التليفزيوني والإنتاج السينمائي معا. لذلك قد نرى في التحليل الأخير أن حلم تحقيق مشروع سينمائي عربي ليس مستحيلا، سواء كان فيلما أو حتى صناعة سينمائية، وإذا كان هذا الحلم قد تحقق في أماكن أخرى من العالم، فإن هذا يؤكد أنه ليس وهما أو سرابا، الواحة موجودة في الأفق، لكن الوصول إليها يتطلب شيئا بسيطا وصعبا في آن: الإرادة!

Friday, May 31, 2013

التحليل النفسي للإعلانات في العالم المظلم للا وعي


أصبح من المتعارف عليه الآن، في عالم تسوده السلع الاستهلاكية، ووتنازع فيه بضراوة الشركات التي تنتج هذه السلع، أن الإعلانات تأخذ القدر الأكبر من تكاليف الإنتاج، فإذا كانت سلعة ما تتكلف دولارا واحدا لكي تصبح منتجا نهائيا، فإنها تحتاج إلى ما يزيد على خمسة دولارات لتسويقها، لأن السوق أصبحت أرض معركة مفتوحة، يدافع فيها المنتجون القدامى عما اكتسبوه، بينما يبحث دائما فريق من الجدد عن موطئ قدم في هذا العالم الضاري الذي لا يعرف إلا الهزيمة أو الانتصار. والسلاح الأساسي في التسويق هو "الإعلان"، الذي تراه قد اكتسح كالفيضان حياتنا وبتنا أقرب إلى السباحة فيه، وأصبح الوقت الأكبر من بث محطاتنا التليفزيونية والفضائية مكرسا للإعلان، وأصبحت ما كانت "نكتة" حقيقة واقعة: نحن نتفرج على إعلانات تقطعها في بعض الأحيان برامج أو مسلسلات. والأهم في هذا السياق أن الإعلانات ذاتها أصبحت أرضا زلقة للمنتج والمستهلك معا، فإذا كان عليها أن تجذب المتفرج، فإن عليها أيضا أن "تسرق" انتباهه من الإعلانات الأخرى. وللإعلانات المعاصرة عدة وسائل في هذا السياق، لعل أهمها هو استخدام نجم أو نجمة محبوبين لكي يكونا مرتبطين بالإعلان عن السلعة، فأنت إذا رأيت أحمد حلمي على سبيل المثال قفز في ذهنك على الفور السلعة أو السلع التي يقوم ببطولة الإعلانات عنها، كذلك دنيا سمير غانم مثلا، أو حتى رجاء الجداوي أو عبلة كامل. بل إن بعض الإعلانات التي قدمها ممثلون أو ممثلات مجهولون أصبحت طريقهم إلى الشهرة ثم النجومية في بعض الأحيان، مثل جيهان نصر التي قامت ببعض الأدوار القصيرة في السينما مثل فيلم "الكيت كات"، وإن كان معظمهم لم يثبت موهبته الحقيقية في عالم التمثيل. ووجود النجم في الإعلان له ضرورته، إذ يتيح للمتفرج لحظة من "التوحد" مع هذا النجم، ببساطة إذا استهلك السلعة ذاتها التي يقول النجم أنه يستخدمها، سواء كانت هذه السلعة سيارة أو مشروبا أو خطا تليفونيا. لكن المعلنين أدركوا في الآونة الأخيرة أن وجود النجم وحده لا يكفي، وأن رؤية المتفرج له في عالم بالغ الرفاهية قد لا يكون مؤثرا كما ينبغي، لذلك تزايد في الآونة الأخيرة وجود هذا النجم في سياق "عادي" من حياتنا اليومية، وكثيرا ما تراه وسط عائلة من الطبقة المتوسطة تشبه عائلاتنا، وتحيطه وجوه مألوفة مثل تلك التي نراها في نشاطاتنا المعتادة. الهدف من ذلك كله بطبيعة الحال هو إقناع المتفرج (المستهلك) أن يشتري السلعة المعلن عنها، إذا لمس الإعلان في نفسه وترا أن حياته مع هذه السلعة سوف تكون "أفضل". لكن ما وجه التفضيل؟ ما الذي ينقصنا في حياتنا ونريد تحقيقه (أو تعويضه، وهذا هو الأهم!!)، ويقول لنا الإعلان أن ذلك ممكن فقط مع هذه السلعة بالذات؟ وهنا يبدأ تلاعب الإعلان بلا وعي المتفرج، وأصبح من المتعارف عليه أن السلعة لا تلبي بالضرورة "احتياجا" أصيلا لدى المستهلك، أي أنه ببساطة يمكن أن يعيش بدونها دون أن يشعر بأي فرق أو نقص، ودور الإعلان هو أن "يخلق" لديه هذا الاحتياج، بل قل يخترعه اختراعا، والإعلان في هذا الشأن يشبه "المخدر" الذي قد يتعاطاه المرء، تحت وهم أنه سوف يكون أفضل، لكي ينتهي به الأمر إلى إدمانه والحاجة إليه، لمجرد أن يعيش حياة "شبه عادية"!! لكن الإعلان يشبه المخدر أيضا، الذي لا ينجح الإغواء به إلا مع من يشعرون أنهم في "حاجة" للهروب من واقعهم لسبب ما، بالطبع دون أن يحقق لهم هذا المخدر أي واقع جديد، كذلك الإعلانات، التي تخاطب عن وعي الجانب اللا واعي لدى المتفرج، فالسلعة هنا ليست مهمة في ذاتها، بل الإحساس "النفسي" الذي يقترن بها. تأمل مثلا أفضل الإعلانات التي شاهدناها مؤخرا من الناحية الفنية، تجده يتحدث عن ضرورة وجود الحب الذي يربط بين الناس جميعا على اختلاف أماكنهم وأعمالهم وطبقاتهم، وأكاد أقول إن الإعلان حقق نجاحا لأن الناس في الواقع تشعر بفقدان هذه الرابطة الحقيقية بينهم، ودليلي على ذلك هو ظهور الإعلان ذاته على الإنترنيت، وقد حمل كلمات مناقضة تماما تتحدث عن العدوانية غير المبررة بين الجميع، وكان نجاح المحاكاة الساخرة أكبر بكثير من الإعلان الأصلي، لأنها لمست وترا حساسا لدى المتفرجين. وتقول لك بعض الإعلانات إن تلك العلاقات الاجتماعية التي أصبحت فاترة، مبتورة، قصيرة وعابرة، يمكن أن تكون أقوى إذا تشاركنا جميعا في "الحجم الكبير" من السلعة، فهذا الحجم سوف يعيش معنا زمنا أطول!! لكن تلك المشاعر الإيجابية كادت أن تختفي من الإعلانات (وربما من الواقع أيضا!)، وحل محلها مشاعر بالغة السلبية، تعكس في الحقيقة أمراضا نفسية واجتماعية ليست في حاجة إلى أي سلع، بل هي في حاجة ملحة لعلاج أسبابها. ولعل أهم تلك الأمراض التي تتلاعب بها الإعلانات الآن هو "فقدان الهوية"، والسعي إلى امتلاك هوية بديلة، تكون أقوى وأكثر شراسة، لكي يستطيع المرء مواجهة مصاعب الحياة. وتوحي لك بعض الإعلانات أنك لو شربت هذا المشروب أو أكلت تلك الحلوى لأصبحت في نظر الآخرين أكثر "رجولة"!! أو على العكس، قد ترى العالم في صورة ألطف كثيرا عما هو في حقيقته، فإذا نشأ مثلا نزاع بينك وبين سيدة قاسية في منتصف العمر، لكان عليك أن تأخذ قضمة من السلعة المعلن عنها، فإذا بك أمام فتاة لطيفة رقيقة. والإعلان هنا يساعدك على تحقيق الوهم، وأنت تعرف تماما أنه وهم!! لكن أخطر أنواع هذا الوهم، وأكثرها دلالة وانتشارا هذه الأيام، هو ذلك الذي يرتبط بالعنف والعدوانية، ربما ضد الآخرين، كل الآخرين. يقول لك الإعلان مثلا إن عليك ألا تفرط فيما تملكه من السلعة، وإذا اضطررت أن تعطي منها فبالنزر اليسير، وأن تدافع عنها إلى آخر قطرة دماء، لكي "تنتقم" ممن سلبوك إياها أو بعضا منها! وربما تكون في الواقع شخصا مهذبا متحضرا، وقد يجعلك هذا في نظر الآخرين ضعيفا، فلماذا لا تعوض ذلك بالاشتراك في إحدى شركات الإنترنيت، التي تتيح لك أن تلعب ألعابا لا تنتهي، تتحول فيها إلى مقاتل شرس يدافع عن نفسه بالمدافع الرشاشة سريعة الطلقات؟ أو لعلك لو شربت هذه السلعة لأصبحت فدائيا يربط حول خصره حزاما من علب المشروب، ويهرب من مواجهتك الآخرون! أو ربما تتحول إلى قاتل، يرفع السكين في وجه أحد أقاربه، لكي ينتزع السلعة من بين يديه انتزاعا، لأنه لا يملك مقاومة انجذابه إليها، هذا الانجذاب الذي يتم تصويره في إعلان آخر بشيء يشبه الإدمان على نحو حرفي، حيث يتحول المستهلك إلى لص، وخاطف، ولا يقلل من ذلك التأثير النفسي بالغ السلبية محاولة الإيهام بطرافة الإعلان، الذي تم تصويره بطريقة "الكاميرا الخفية". في أحد الإعلانات التي لا يمكن أن تمر مرور الكرام على التحليل السياسي والنفسي لمجتمعنا المصري المعاصر، هناك أكشاك مزروعة في العديد من أحياء مدينة القاهرة، متفاوتة المستوى والطبقات، وخلف زجاج الكشك تبدو أكوام السلعة المعلن عنها، وتدعوك لافتة للحصول عليها إن استطعت، فإذا بجميع المارة من مختلف الشرائح يتحولون إلى رعاع ودهماء بالمعنى الحرفي للكلمة، ومرة بعد أخرى يحاولون تحطيم الواجهة الزجاجية، بالركل بالأقدام والعصي الخشبية والحجارة وقضبان الحديد، حتى إذا ما كسروا الزجاج سارعوا إلى "نهب" محتويات الكشك نهبا، حتى أصحاب السيارات الفارهة، الذين انخرطوا في تحويل أكوام السلعة إلى حقائب سياراتهم!! قد يقول البعض إن هذه الإعلانات تخاطب أحاسيس وأفكارا هي موجودة بالفعل في المجتمع، لكن ذلك ليس مبررا، فإن تستغل "المرض" لكي تزيده وعمقا، وتجعله أمرا طبيعيا، هو أمر في الحقيقة ليس أخلاقيا بأي حال، لكنه من جانب آخر نذير بأن المجتمع على حافة حالة من الانفجار، هي الأولى بالمواجهة والعلاج، ولتذهب السلع وإعلاناتها إلى الجحيم!!

Wednesday, May 15, 2013

مستقبل السينما الرقمية هل سوف تختفي "الأفلام"؟


أرجو ألا يصدم القارئ عندما تختفي السينما المصرية أو تكاد، عندما نتحدث عن السينما الرقمية، ليس لأن السينما المصرية لا تستخدمها، وإنما لأنها لا تعرف حتى الآن إمكاناتها الحقيقية، ويكاد استخدام التقنيات الرقمية أن يقتصر على مرحلة المونتاج (في حدودها الدنيا) كما سوف يأتي لاحقا، أو لصنع سينما قليلة التكاليف، يطلقون عليها خطأ مصطلح "السينما المستقلة"، كما هو الحال في أفلام مثل "عين شمس" و"هليوبوليس"، وإن كان معظم السينما المصرية "مستقلة" بالمعنى الدقيق للكلمة!! دعنا في البداية نقدم تعريفا بسيطا للسينما الرقمية. هناك العديد من المصطلحات في هذا الفن نشأت لأسباب غريبة، ثم أصبحت واقعا لا نسأل عن سبب وجوده، فمصطلح "سينما" على سبيل المثال هو نطق خاطئ للكلمة الإغريقية "كينما" أي "حركة"، وما تزال هناك بلدان أقرب للنطق الصحيح فتطلق على هذا الفن "كينو"، كما أن مصطلح "فيلم" نشأ عن ذلك الشريط الرقيق من السليولويد، الذي تسجل عليه "كادرات" الفيلم، ويمكن لفه في بكرات تمر أولا من خلال الكاميرا من أجل التصوير، ثم من خلال آلة العرض في مرحلة مشاهدة "الفيلم". وبرغم اختفاء الفيلم (شريط السليولويد) في مشاهدة السينما في التليفزيون مثلا، أو بواسطة شريط فيديو، فإننا ما زلنا نستخدم تعبير "فيلم". لكن شيئا فشيئا تم اكتشاف أن الصورة يمكن تسجيلها وعرضها دون الحاجة مطلقا لأي "فيلم"، إذ تتحول نبضات الضوء إلى كهرباء، يتم تسجيلها على أقراص أو رؤوس صلبة (كما في الكومبيوتر كمثال للتبسيط)، وتستعاد الصورة بعملية عكسية، وبذلك أمكن مشاهدة الأفلام بطرق مختلفة تماما عما عرفناه في دور العرض، ناهيك عن مزايا أخرى عديدة، منها أننا لم نعد في حاجة للبكرات كبيرة الحجم لحفظ الفيلم ونقله، وأنت مثلا يمكنك أن تحمل عشرة أفلام في "فلاشة" صغيرة تضعها في جيبك. كما أن شريط الفيلم كان يتعرض للتلف عندما يمر مرات عديدة في آلة العرض، بينما يتيح التسجيل الرقمي استعادة المشاهدة مئات المرات دون أن تفقد الصورة نقاءها. ولكي نصنع قدرا أكبر من التقريب للتقنية الرقمية، تخيل مثلا أنني أكتب لك هذا المقال بالورقة والقلم، وكان عليّ أن أقدمه للمجلة صحيحا من أي خطأ، فهذا يعني أنني لو أخطأت في حرف واحد لاضطررت للكتابة من أول وجديد!! أما لو كتبته على "الكومبيوتر"، فسوف يمكنني إجراء عشرات التعديلات بالحذف والإضافة، ويظل المقال مرتبا بدون أخطاء. إن تلك المراجعة الفورية هي إحدى مزايا التقنية الرقمية، فعندما كان يتم التصوير على السليولويد، لم يكن أمام المخرج فرصة لمراجعة اللقطات سوى أن ينتظر تحميضها وطبعها، لكنه مع التقنية الرقمية يستطيع مراجعتها في التو واللحظة، وهذا ما دعا مثلا مخرجا مخضرما عُرف بالتدقيق الشديد مثل سيدني لوميت، إلى استخدام التصوير الرقمي في آخر أفلامه "قبل أن يعرف الشيطان بموتك"، وليستخرج من الممثلين إيثان هوك وفيليب سيمور هوفمان أفضل ما لديهما من أداء. ولعل مرحلة التصوير الرقمي بالذات هي التي أتاحت للمخرجين إمكانات هائلة، بالمقارنة مع القدرات المحدودة لشريط السليولويد، منها مثلا أن الكاميرا العادية لا تستطيع استيعاب أكثر من عشر دقائق من التصوير المتصل، وإذا كان فيلم هيتشكوك "الحبل" – الذي تم تصويره بالسليولويد - قد بدا أنه لقطة واحدة متصلة، فإن ذلك قد تحقق بواسطة الخدع، بينما استطاعت السينما الرقمية أن تصنع فيلما مثل "الطوف الروسي"، الذي يمتد أكثر من ساعة ونصف في متحف "الإرميتاج"، ليصبح استعراضا لمجمل التاريخ الروسي في لقطة واحدة متصلة دون قطع واحد، اشترك في تمثيلها مئات الممثلين!! من جانب آخر تمكن فيلم "تايم كود" (شفرة الزمن) من تسجيل أربع لقطات متصلة تدور في وقت واحد في أماكن مختلفة (فيما يشبه شاشات المراقبة)، وعرضها معا ليحقق تشويقا من نوع غريب. وإذا كان التصوير الرقمي يُتهم أحيانا بأنه لا يرقى لدقة التصوير "الفوتوغرافي" على السليولويد"، فإن الدقة التقنية للتصوير الرقمي تتضاعف كل عام، ولن يكون من الغريب أن يتفوق قريبا على التصوير بالسليولويد. بل إن هذا "العيب" التقني تم استخدامه جماليا في العديد من الأفلام، خاصة تلك التي صنعها المخرج مايكل مان، الذي يفضل التصوير في الأضواء المتاحة حتى في ساعات الليل ذات الضوء الشحيح، لذلك ظهرت مدينة سان فرانسيسكو في فيلمه "ضحية المصادفة" بشكل شبحي، يتلاءم تماما مع أجواء قصة مجرم محترف، أخذ سائقا كرهينة ليطوف معه في المدينة، حيث يريد أن ينفذ خمسة اغتيالات في ليلة واحدة، وليلقى المجرم مصرعه في النهاية في قطار الفجر، حيث لا يلتفت أحد لوجوده إذ يتصورونه نائما!! لكن المونتاج الرقمي هو الذي شهد قفزات تقنية وجمالية لم يكن من الممكن تخيلها، لذلك يتم الآن تحويل "كل" أفلام السليولويد بعد التصوير إلى الشكل الرقمي، بهدف إجراء المونتاج عليها، ثم تطبع منها نسخ العرض بالسليولويد مرة أخرى. لقد كان على المونتير والمخرج أن يعلق في غرفته عشرات الشرائط، يراجعها مرة بعد أخرى، ويقطع ويلصق، ثم يعيد القطع واللصق، في عملية بالغة الإجهاد، ولا تتيح إبداعات جمالية كبيرة. أما الآن فهناك أمام المونتير "أيقونات" على شاشة الكومبيوتر، يعرض هذه أو تلك، ويقطع مونتاجيا بينها ويعيد المونتاج، دون أي قص أو لصق، وليجري عشرات التجارب في زمن قياسي، ودون أن يفقد شيئا من مادة اللقطات على أرضية غرفة المونتاج. وفي هذه المرحلة يمكن إجراء كل ما تعرفه من حيل بصرية، حيث تستطيع أن تضيف مثلا ديكورات لمدينة روما القديمة دون أن تبني ديكورات فعلية كما في فيلم "المصارع" مثلا، وأن تجعل عشرة من "الكومبارس" يظهرون كأنهم مئات في فيلم "ملك الخواتم"، وأن تجسد شخصيات وكائنات لا وجود لها كما في "أفاتار"، وأن تجمع بين ممثل ونمر بنغالي على سطح قارب صغير في "حياة باي"، وأن تحول الصور الحقيقية إلى تحريك لكي تضفي عليها جوا كابوسيا كما في "حياة اليقظة". وربما يقول البعض إن المشكلة الحالية هي أن أغلب دور العرض لا تصلح إلا لعرض شرائط السليولويد، لكن تلك مشكلة تقنية شهدها تاريخ السينما مرات عديدة، وكان على دور العرض أن تتواءم مع التجديد عاجلا أم آجلا، حدث ذلك عند الانتقال من السينما الصامتة إلى الناطقة، أو التحول إلى تقنية الشاشة العريضة. لذلك سوف يأتي اليوم الذي تعرض فيه دور العرض جميعا أفلامها بالتقنية الرقمية، عن قريب من خلال أقراص تشبه ما نعرفه من "دي في دي"، ثم من خلال بث الفيلم عن طريق الأقمار الصناعية من الشركة صاحبة الفيلم إلى دار العرض مباشرة!! هل تغيرت السينما حقا مع حلول التقنية الرقمية؟ تتفاوت الإجابات كثيرا حول تلك المسألة، لكن ما نشهده الآن هو مزيد من ازدهار السينما في العالم كله، وليس غريبا أن التقنيات الرقمية قد جعلت حتى الأفلام "الخيالية" أكثر "واقعية" وإقناعا، وهذا هو السبب في التزايد المتسارع لصنع أفلام الخيال العلمي، والكوارث، والرعب، والأفلام التاريخية والحربية، التي لم تعد تحتاج إلى بناء ديكورات ضخمة باهظة التكاليف، فكل شيء أصبح متاحا بواسطة التقنيات الرقمية. وحتى أفلام الأطفال أصبحت أكثر بهجة، تذكر مثلا فيلم "البحث عن نيمو" (الذي سوف يشهد قريبا جزءا ثانيا)، فتلك القصة الخيالية تدور حول رحلة سمكة أب للبحث عن ابنه، ليخوض مغامرات مثيرة في أجواء عالم البحار، هذا العالم الذي لم يكن ممكنا تجسيده بهذا القدر من الإبهار قبل السينما الرقمية. أخيرا: هل يختفي مصطلح "فيلم" لمجرد اختفاء شريط السليولويد؟ لا نظن، فقد أصبحت الأفلام كائنا حيا له وجوده الخاص به، أيا كان شكل تسجيلها أو طريقة تصويرها وعرضها، وسوف تظل الأفلام دائما مصدر متعة للصغار والكبار، وأداة تشكيل للوعي ليس لها نظير.