Tuesday, July 03, 2012

المسلسلات التركية المدبلجة وأسباب النجاح


يكاد "الدوبلاج" أن يكون هو التقنية الشائعة في أوربا وبقية دول العالم، فالجمهور السينمائي والتليفزيوني في معظم أنحاء العالم لا يفضل في العادة أن يقرأ الترجمة على الشريط كما يحدث في العالم العربي، بينما يشعر المتفرج العربي بالغربة الشديدة أمام طريقة "الدوبلاج"، وهو يظل مشغولا طوال الوقت عن متابعة الأحداث الدرامية بالتأكد من عدم مطابقة الكلمات المنطوقة لحركات الشفاة، وهو ما يعكس في الحقيقة حساسية خاصة لدينا تجاه اللغة، فهي ليست مجرد أصوات تتجمع في مفردات، لكنها كيان حي بكل ما تحمل كلمة الحياة من معنى، أو بكلمات أخرى فإن اللغة تصبح في أحيان كثيرة عند العربي غاية في حد ذاتها، لا وسيلة وأداة للتعبير. وبقدر ما في ذلك من خصوصية تعكس الاعتزاز باللغة، فإن غياب تقنية "الدوبلاج" أدى إلى نوع من انغلاق الفنون الدرامية العربية على نفسها، ليس فقط في عدم تذوق الأعمال الأجنبية التي تم تنفيذها بهذه التقنية مما قلل من انتشارها، وأعاق التأثر الفني بالنواحي الإيجابية فيها، ولكنه أدى أيضا إلى عدم قدرة الفنون الدرامية العربية على الوصول إلى جمهور واسع في أنحاء العالم. وربما لم تشذ عن هذه القاعدة إلا فترة قصيرة في الثمانينات شهدت عرض ما عرف وقتها بـ"المسلسلات المكسيكية"، وإن كانت في الحقيقة تنتمي إلى دول عديدة من أمريكا اللاتينية، غير أن ظاهرة "المسلسلات التركية" التي يشهدها الجمهور العربي الآن على نطاق واسع – برغم اعتمادها على تقنية "الدوبلاج" – تجعلنا نبحث عن الأسباب وراء نجاح هذه الأعمال لدى جمهورنا. وفي الحقيقة أن هذه الأسباب تشير إلى عوامل مهمة في صنع الدراما التليفزيونية الشعبية، وهي العوامل التي أصبحنا نفتقدها بسبب اهتمامنا بالكم دون الكيف، فمع انتشار الفضائيات العربية أصبح من المطلوب ملء ذلك "الفضاء" من وقت المتفرج بالعديد من المواد، بصرف النظر عن جودتها، ولهذا السبب – وأسباب أخرى - دخل إلى هذا المجال كل "من هب ودب"، وليس مهما أن يمتلك الموهبة أو الحرفة، وأصبحنا نرى مؤلفين وممثلين لا علاقة حقيقية لهم بهذا الفن سوى أنه وسيلة لكسب المال والشهرة، كما غاب النقد بمعناه الدقيق، وباتت الصفحات الفنية أقرب إلى العلاقات العامة، فلا تبحث بعد ذلك عن أبجديات الفن، أو الرغبة الحقيقية من الفنان في التأثير في المتفرج. على العكس تماما تبدو المسلسلات التركية تجسيدا لهذين الشرطين المهمين: إجادة الاحتراف، والوعي بأن الهدف هو التأثير في المتفرج. وكانت الإجابة السحرية التي تحقق هذين الشرطين هي: "إعادة خلق الواقع وقد أصبح نقيا مصفى"، الواقع ليس كما هو كائن، وإنما كما يحلم المتفرج أن يكون، واضح المعالم في خيره وشره، وآلامه وآماله، ولأن الواقع قد يجعل التناقضات مشوشة معقدة في الكثير من الأحيان، فإن فضل الفن الشعبي في هذا المجال (خاصة في الميلودراما) هو أن يجعل هذه التناقضات صارخة، كالأبيض والأسود بلا رماديات أو ظلال. ولكي يتحقق ذلك في الميلودراما (وربما في الفن بشكل عام) فلابد أن يكون للعمل الفني بعدان، كأنهما وجها العملة الواحدة: الوجه الأول هو التشابه مع الواقع، والثاني هو الذهاب بهذا الواقع إلى مستوى الحلم، وهذا ما يتحقق تماما في المسلسلات التركية المدبلجة التي شاهدناها مؤخرا على شاشات فضائياتنا، والتي سوف نلقي أولا عليها نظرة عامة قبل أن نضرب أمثلة محددة عليها. هناك في البداية الواقع الخارجي، الذي يتجسد في الشخصيات أو الأماكن التي تدور فيها الأحداث. أرجو أن تتأمل ملامح معظم الممثلين والممثلات في هذه المسلسلات، فلن تجد فيها تلك الرغبة في مسلسلاتنا في البحث عن أي جمال صارخ، إنهم أناس يشبهوننا إلى حد كبير، عاديون في ملامحهم الخارجية، لا يستخدمون أبدا أي "ماكياج" ثقيل، كما يميل الأداء إلى أكبر قدر من البساطة والبعد عن الافتعال. أما عن الأماكن فإنها تعكس ذكاءً إنتاجيا من صناع هذه المسلسلات، فهي تجمع "توليفة" بارعة من الشقق العادية التي يسكن فيها أبناء الطبقة المتوسطة، والقصور الفاخرة، وأحيانا منازل متواضعة للفقراء، وفيها جميعا لا تشعر بتعمد "الغرابة" كما قد تشعر مع معظم ديكورات مسلسلاتنا. من جانب آخر تتفوق المسلسلات التركية في "التصوير الخارجي"، إنها بفضل الكاميرات الخفيفة وأدوات الإضاءة المحمولة تذهب بك إلى المناظر الطبيعية الساحرة، وتأخذك إلى المواقع الحديثة والتقليدية في تركيا، فكأنها تريك الجديد والقديم في "سياحة" تبدو في الخلفية كأنها غير مقصودة، وإن كانت واعية تماما. أما عن الواقع الدرامي، فالأغلب الأعم من هذه المسلسلات تدور في عالم من القضايا الإجتماعية (والسياسية أحيانا)، لكن عرض القضية لا يتم أبدا على نحو تقريري أو مباشر، وليست هناك خطب أو مواعظ، لكن القضية تتجسد من خلال شخصيات درامية وشبكة من العلاقات، وهي تضم الأغنياء والفقراء، والأخيار والأشرار، ودائما هناك أجيال تمتد من الأجداد إلى الأحفاد، ليستطيع المتفرج من خلال هذه التنويعة من الشخصيات أن يجد من يتوحد ويتعاطف معه. وكما في كل الميلودرامات الجماهيرية يتم في النهاية التأكيد على أن الخير سوف ينتصر على الشر، وأن المستقبل للقيم الأخلاقية والتقدمية، وهذه الروح المتفائلة بعد الأحداث الميلودرامية العاصفة هي الأقرب دائما لقلب المتفرج، لأنها تقول له أنه إذا كان في الواقع ظلم فادح، فإن الفن يحمل إمكانية تحقيق نوع من "العدالة الشاعرية" التي تساعد الإنسان على الاستمرار في النضال مع الحياة. أخيرا يأتي المستوى التقني، وسوف أشير في البداية إلى الجهد الأصيل والناجح في "دوبلاج" هذه المسلسلات، وأرجو أن تلاحظ مثلا اختيار أصوات الممثلين والممثلات من العالم العربي، فهي توحي بأنها أصيلة تماما، كما أن اختيار أن تكون لهجة الحوار بالعامية أضفى مصداقية على ما تراه على الشاشة. وفي الحقيقة أن ذلك "الدوبلاج" لم يكن ينجح لولا أن صناع المسلسل انتبهوا إلى استخدام أسلوب مونتاجي شديد الذكاء، يحقق عدة نتائج من خلال تقنية واحدة: ألا تستمر اللقطة أكثر من خمس ثوان. إنها تقنية تضفي حيوية فائقة على إيقاع الأحداث كأنك تشاهد فيلما سينمائيا، ولتقارن ذلك باللقطات الحوارية في بعض مسلسلاتنا التي تمتد عدة دقائق دون أي قطع، أو بأسلوب القطع الممل بين من يلقون سطور حوارهم! من جانب آخر فإن هذا القطع السريع لا يعطي المتفرج الفرصة لإدراك عدم التزامن بين نطق الكلمات وحركة الشفاة، وذلك ذكاء فني يجب الالتفات إليه واستيعابه. أستطيع أن أضرب لك العديد من الأمثلة من المسلسلات التركية التي سبق لك مشاهدتها، لكني على يقين من أنك تستطيع الآن أن تدرك مواطن القوة فيها. هناك على سبيل المثال لا الحصر مسلسل "نور"، هل لاحظت مثلا أن البطلة التي يحمل المسلسل اسمها ليست فائقة الجمال؟ أو ذلك الجو الرومانسي الذي يشيع في عالم من تشابك العلاقات داخل عائلة كبيرة تجمع في صراعاتها بين العديد من المستويات: الخير والشر، والحب والكراهية، والقديم والجديد؟ وهذه المستويات تجدها أيضا في "الحلم الضائع"، ففي مركز العمل تكمن علاقات الحب بين الطبقات والأجيال، وأحلام الشباب في الحياة المعاصرة برغم القيود التي تكبله، وهو حلم "أوروبي" على نحو ما وإن لم يتخل عن الروح الشرقية الخاصة. وأخيرا في "صرخة حجر" تلك البراعة في مزج الميلودراما بالقضية السياسية الفلسطينية (هل يوجد مسلسل مصري واحد حاول أن يتحدث بصدق عن هذه القضية التي هي قضية كل العرب؟!)، وبقدر ما تشيع في المسلسل روح الشجن العاطفي، فإن هذا الشجن يمتد إلى البعد الوطني والقومي، إذ يتشابك الظلم على الأفراد والشعوب معا. ليست هذه محاول للتقييم أو التحليل النقدي للمسلسلات التركية المدبلجة، لكنها الرغبة في الإجابة عن التساؤل حول أسباب نجاحها لدى جمهورنا، وقدر أكبر من الرغبة في أن تستفيد أعمالنا الدرامية من هذا النجاح، بدلا من ذلك التقوقع المريض على الذات، والتصور الوهمي بأننا نصنع فنا، بينما الحقيقة أننا "نعيد تدوير" أفكارنا وأساليبنا، لنبقى "محلك سر"، وربما نعود أيضا إلى الوراء، لأننا لا نتعلم من تجارب الآخرين، ونظل دائما نبدأ تجاربنا من نقطة الصفر! متشور فى يونيو 2010

Tuesday, May 22, 2012

المذكر والمؤنث في السينما


من النمر التي باتت وسيلة سهلة لانتزاع ضحكات مغتصبة من جمهور السينما العربية، حيلة تنكر امرأة في ثياب رجل، وإن كان من الواضح أن الأكثر إثارة للضحك هو العكس: أن يتنكر رجل في ثياب امرأة، ولم يعد الأمر مقتصرا على مجرد نمرة عابرة، بل قد يصبح ذلك هو الجزء الأساسي من الفيلم، كما في الفيلم الذي تعرضه الشاشات هذه الأيام "بنات العم"، وهو بدءا من العنوان يبدو سخرية من عنوان فيلم "ولاد العم" وإن لم تكن هناك صلة بين الموضوعين على الإطلاق، فالحكاية هنا تنطلق من خيال كان منتشرا في أفلام الفيديو خلال الثمانينيات، حين تحدث حادثة ما بلا سبب على الإطلاق، لكنها تقلب الدراما رأسا على عقب، وهي هنا عن ثلاثة بنات يتحولن بين غمضة عين وانتباهتها إلى أولاد، لكنهن تمارسن حياتهن النسوية وهن في هذا الجسد الرجولي. عبثا تحاول أن تسأل نفسك وتجد إجابة: ماذا يريد هذا الفيلم أن يقول؟ فكل ما فيه هو ضحكات مستمدة من الفرجة على رجل يتصرف تصرفات أنثوية!! وذلك بالضبط جوهر إحدى نقاط الضعف في السينما المصرية: البحث عن الأسهل حتى لو كان مبتذلا! ولعلك تذكر محاولات من أسموا أنفسهم "المضحكون الجدد"، حين جلبوا نمرهم المسرحية البدائية إلى السينما، مثل أحمد آدم في "ولا في النية"، أو محمد هنيدي في العديد من أفلامه، عندما يتنكر "البطل" (!) في ثياب امرأة، ويظل يتلوى ويتراقص متصورا أن ذلك سبب كافٍ لضحك من القلب، وإن كان علاء ولي الدين حاول اقتفاء أثر النجم الأمريكي إيدي ميرفي بأن يقوم بأداء أدوار عائلة بأكملها، من بينها الأم، في فيلمه "الناظر". قد يبدو الأمر بالنسبة للكثيرين مستهجنا كمجرد فكرة، لكني أرجو أن نتأمل كيف أن "التوظيف" هو الأهم دائما، لأنه عندئذ يتجاوز السطح ويمضي إلى أعماق غير مرئية ... لك أن تتذكر مثلا كيف أن هذه الفكرة قد استخدمت من قديم في أدبنا الشعبي العربي، ففي سيرة "علي الزيبق" يكون البطل واسع الحيلة قد وصل عند إحدى نقاط الصراع إلى موقف يكاد أن يلقى فيه مصرعه، وفجأة يظهر فارس مغوار ملثم، يحارب بكل ما يملك من قوة ومهارة، حتى إذا انقشع الغبار وخلع الفارس لثامه بان وجهه فإذا به فاطمة أم علي الزيبق!! فكأن السيرة الشعبية هنا تستخدم حيلة التنكر في هيئة الجنس الآخر لتعيد إلى الذاكرة معنى "الأم" الحامية التي تظهر وقت الملمات والشدائد. لكن الاستخدام الأوسع لهذه الحيلة الدرامية جاء مع ما يسمى "المسرحية متقنة الصنع"، والتي تقوم على سلسلة من مواقف سوء التفاهم التي تزداد تعقيدا وتشويقا، ولعل أشهر مثال على هذه المسرحيات "العمة تشارلي"، التي تحكي عن شابين عاشقين يقنعان صديقا لهما بانتحال شخصية عمتهما، واستقبال الفتاتين المحبوبتين لإقناعهما بالزواج من الشابين، وبالطبع سوف يظهر رجل عجوز من أقارب الفتاتين، يخشى الجميع من أن يكتشف الخدعة، لكنه يكون أكثر من يقع فيها حتى أنه يطلب الزواج من "العمة تشارلي"!! ظهرت اقتباسات عديدة عن هذه المسرحية في السينما الأمريكية والعالمية، كما ظهرت في السينما المصرية عدة مرات من أشهرها "سكر هانم" من أداء عبد المنعم ابراهيم. هناك العديد من تنويعات حيلة التنكر في السينما العالمية، سوف نحاول أن نتذكر معا بعضها، ففي "البعض يفضلونها ساخنة" يهرب البطلان توني كيرتس وجاك ليمون من عصابة تطاردهما، ويتنكران في ثياب نساء وينضمان لفرقة موسيقية مؤلفة من فتيات فقط، وهو فيلم يقوم على سلسلة من مواقف سوء التفاهم، ويعتمد على خفة ظل بطليه اللذين كانا شابين آنذاك، ناهيك عن قيام مارلين مونرو بالبطولة النسائية، لكن السينما المصرية تقرر اقتباسه "بالمسطرة"، ودون أي جهد إبداعي، ليقوم بالبطولة ماجد المصري وهاني رمزي، وتحل "ممثلة" تدعى أميرة فتحي مكان مارلين مونرو!! على النقيض تماما يأتي "سايكو" لهيتشكوك، حيث البطل المعقد نفسيا أنطوني بيركنز، إنه فقد أمه التي كانت كل سنده في العالم وتركته وحيدا، وهو ينتقم لنفسه بأن يقتل الشابات الصغيرات اللاتي تقمن في الفندق الصغير الذي يملكه على الطريق، وهو لا يرتكب جريمة القتل الغادرة إلا وهو يرتدي ثياب أمه!! أما في "توتسي" يبحث البطل الممثل الشاب داستين هوفمان عن فرصة عمل، فلا يجدها إلا في دور نسائي بمسلسل تليفزيوني، فيتنكر بدقة في هيئة ممثلة ويحصل على الدور ويحرز فيه نجاحا، حتى أن يصبح محاصرا فيه ولا يستطيع بسهوله منه فكاكا. وفي "مسز داوتفاير" هناك مأساة مغلفة برومانسية رقيقة، فالأب روبين ويليامز فاشل في تحقيق النجاح في العمل الذي يريده لنفسه، لذلك تحصل زوجته على الطلاق وتخطط للزواج مرة أخرى من رجل "ناجح" (إنه الهوس الأمريكي بمعنى النجاح)، فلا يجد الأب وسيلة لكي يكون قريبا من أبنائه الصغار إلا أن يتنكر في ثياب مربية عجوز تدعى "مسز داوتفاير"، ليسدي بهذه الطريقة أيضا النصيحة لزوجته حول اختياراتها. يبدو هذا الفيلم الأخير بالذات تساؤلا مريرا حول هوية "الرجولة" في المجتمع الأمريكي المعاصر، لذلك فإن وسيلة التنكر فيه تصبح مدعاة للرثاء وليس الضحك. لكنك نادرا ما تحصل على هذا العمق في فيلم مصري، فالأغلب الأعم ينتمي إلى دائرة الهزل (أو التعسف في الجدية الزائفة)، ففي "المعلم بلبل" تضطر الراقصة هاجر حمدى للتنكر في هيئة جزار قاسٍ وإن كانت لا تتوقف عن التدلل طوال الوقت، ويرقص اسماعيل ياسين في زي راقصة إسبانية مع عبد السلام النابلسي في "اسماعيل يس بوليس سري" لكي يهربا من عصابة تطاردهما، وهي النمرة التي كررها حرفيا محمد سعد وأحمد حلمي في "55 إسعاف"، وتتنكر نادية الجندي في ثياب رجل في "بونو بونو" كما يتنكر هاني رمزي في ثياب امرأة في "أبو العربي"، ويظل محمد سعد يعيد ويزيد في هذه النمرة في معظم أفلامه. سوف أتوقف معك قليلا عند بعض المحاولات الجادة وتلك التي تبدو جادة، فمن هذا النوع الأخير يمكنك أن تتذكر "حرب الفراولة"، وكيف أن البطلين محمود حميدة وسامي العدل تنكرا في هيئة نساء "بحثا عن السعادة" كما يقول الفيلم، وإن كان يمكنك أن تحذف هذا الجزء تماما لأنه يقوم على تضخيم الفكرة بطريقة تبعدها عن أية ملامح واقعية، وهو الأمر الذي ينطبق أيضا على "هستيريا"، فبرغم نسيجه الأقرب للشاعرية التي يحلو للبعض تسميتها "الواقعية السحرية" تشبها بأمريكا اللاتينية، فإن السيناريو يمضي إلى ذلك التضخيم في صورة الشقيق شريف منير، الذي يتنكر في ثياب وهيئة النساء ويخرج في الليل ليوقع في حبائله بعض الزبائن الذين يهاجمهم ويسرقهم. ولعل ذلك بعض أثر من "السادة الرجال"، وأفكار مختلطة مشوشة عن الفانتازيا، ممزوجة برؤية سوداوية لكل ما في العالم، فالبطلة معالي زايد تقرر التحول إلى عالم الرجولة، الذي يختزله الفيلم للأسف إلى ممارسات أقرب إلى الهزل منها إلى الجد، وإن كانت تؤكد أن "مفيش فايدة" من أن يكون الإنسان رجلا أو امرأة!! الفيلمان الوحيدان اللذان عالجا حيلة التنكر بذكاء حقيقي جاءا من منطلق فكرة ثورية: ليس هناك فرق جوهري بين الرجل والمرأة فيما يتعلق بالقدرة على العطاء في المجتمع. أحد هذين الفيلمين هو "للرجال فقط" حيث البطلتان سعاد حسني ونادية لطفي تقرران التنكر في هيئة شابين، لتحصلا على عمل في موقع للكشف عن النفط قاصر على الرجال فقط. أما الفيلم الآخر فهو (ولا تستغرب!!) "الآنسة حنفي"، فهو يقوم في جوهره على البطل اسماعيل يس الذي يفرض أوامره ونواهيه – لمجرد أنه رجل – على البطلة ماجدة، وفجأة يصاب البطل بمغص ويكتشف الأطباء أنه لابد من إجراء عملية جراحية تحوله إلى امرأة، ليقضي بقية حياته سجينا وراء قضبان الأوامر والنواهي التي سبق له أن فرضها ... يضعك الفيلم في جوهر السؤال الذي يطرحه أي عمل فني جاد: "ماذ لو...؟"، والسؤال هنا: ماذا لو استيقظت من نومك فوجدت نفسك قد تحولت إلى امرأة؟ هل تُبقي على نفس أفكارك عن العالم؟ أم أن عليك أن تغيرها من الآن؟ ومرة أخرى نتأكد أن الحيلة الفنية ليست هي الهدف، وليست هي حكم القيمة على العمل، إنها مجرد وسيلة، قل لي كيف تستخدمها أقل لك كيف سيصبح عملك الفني.

Thursday, May 10, 2012

السينما التسجيلية، تلك السينما المظلومة!!


بين الحين والآخر، يعود على استحياء الحديث في صحافتنا السينمائية عن السينما التسجيلية، التي تبدو شبه غائبة عن الوجود لدينا، وتتراوح إجابات البحث عن أسباب هذا الغياب من جانب إلى آخر، دون أن تتطرق أبدا لجذور المشكلة. هل السينما التسجيلية مشروع خاسر كما يقول بعض النقاد؟ على العكس تماما، فوجود قنوات تليفزيونية وفضائية متخصصة في عرض هذه الأفلام على مدار اليوم يؤكد أن للسينما التسجيلية سوقا رائجة في كل بلدان العالم. هل السبب هو اختفاء ما كنا نعرفه باسم "الجريدة السينمائية" من دور العرض؟ لا، فالحقيقة أن نشرات الأخبار التليفزيونية أصبحت تتفوق اليوم على أية جريدة سينمائية. إذن فلنلق باللوم على ذوق الجمهور المصري والعربي، الذي يقال أنه يفضل الأفلام الروائية، غير أن التجربة تثبت أن هذا الجمهور ذاته ينتظر على أحر من الجمر بعض البرامج التسجيلية التليفزيونية، مثل أفلام الرحلات أو حتى حياة الحيوانات، وهي الأفلام التي تتمتع بالتشويق في تصويرها أو التعليق عليها. أين المشكلة إذن؟! فلنبدأ من جوهر السينما، التي ورثت عن أسلافها السابقين من الفنون قدرة على تسجيل ما يدور أمام الكاميرا، وكان هذا الجانب "الفوتوغرافي" هو سبب افتتان الجمهور بالأفلام عند مولد السينما، هذا الجمهور الذي كان يتجمع في المقاهي حيث تعرض الأفلام آنذاك ليرى أفلاما قصيرة تحمل عناوين "خروج العمال من المصنع" أو "وصول القطار إلى المحطة". وسرعان ما أدركت السينما أن جزءا مهما من قوتها يكمن في أن تحمل المتفرج إلى بلاد بعيدة غريبة، وهكذا أرسل الأخوان لوميير بعثات لتصور أفلاما قصيرة من بلدان الشرق الساحرة. ومع حلول عشرينيات القرن العشرين، ظهر اتجاه قوي لصنع أفلام تسجيلية عن مناطق بعيدة في الزمان أو المكان. كانت تلك هي أفلام روبرت فلاهيرتي على نحو خاص، الذي كان مفتونا بفكرة صمود الإنسان أمام قسوة الطبيعة، ليذهب مثلا إلى القطب الشمالي حيث يصور رجال الإسكيمو في فيلمه "نانوك من الشمال"، أو يرحل إلى الشواطئ الاسكتلندية النائية ليصور "رجل من آران". الغريب في هذه الأفلام أنها لم تكن تسجيلية بالمعنى الدقيق للكلمة، فقد كان فلاهيرتي يغير من بعض الحقائق لكي يؤكد على فكرته، ففي هذا الفيلم الأخير على سبيل المثال جعل أهالي "آران" يتعلمون حرفة صيد أسماك القرش التي كانوا قد توقفوا عنها، لكي يستطيع تصوير مشهد النضال الإنساني مع الطبيعة. وإذا كانت هذه النزعة متهمة بنوع من تزييف الحقائق بما يبعدها عن كونها "تسجيلية" تماما، فهذا بالضبط هو ما جعل منها فنا، فأنت لا تضع الكاميرا فقط أمام الواقع لتحصل على فيلم تسجيلي، بل إنك تتدخل في صياغة هذا الواقع على نحو ما لكي تؤكد فيه على فكرة تتجاوز سطحه الظاهر. وتلك الحرية الإبداعية التي اكتسبتها السينما التسجيلية هي ما صنعت اتجاهات جديدة عديدة، خاصة مع ما يسمى "سيمفونيات المدن"، التي كانت تسجل الوقائع اليومية لمدينة ما، لكن إعادة تنظيم المادة المصورة في المونتاج تحول هذه الوقائع إلى إيقاع ساحر، يبدأ في الصباح الباكر وينتهي مع سكون الليل، على نحو ما صنع والتر روتمان مثلا في "سيمفونية برلين". ثم جاء الاكتشاف الأهم في تاريخ السينما التسجيلية، وهي قدرتها التي بلا حدود على بث الدعاية السياسية بطرق بالغة الرهافة، على نحو ما بدا في فيلم المخرجة الألمانية الشهيرة ليني ريفينشتال التي صنعت فيلما عن دورة برلين للألعاب الأوليمبية في عام 1936، كان يحمل اسم "أوليمبيا"، لكن الفيلم كان في القلب منه دعاية خبيثة ومتوارية لألمانيا النازية، وللفكرة العنصرية القائلة بتفوق الجنس الأوربي الأبيض!! من جانب آخر استخدمت أمريكا السينما التسجيلية خلال الحرب العالمية الثانية، لتصنع سلسلة طويلة من الأفلام التي تبرر بها دخولها الحرب إلى جانب الحلفاء. لكن التأثير الأكبر للسينما التسجيلية باعتبارها فنا جاء في أعقاب الحرب، عندما عانت إيطاليا من فقر إمكاناتها السينمائية على نحو خطير، لكن ذلك كان بمثابة دافع قوي لبدء تيار "الواقعية الجديدة"، الذي يعتمد على التصوير في الشوارع وبممثلين غير محترفين ومن خلال الإضاءة الطبيعية، وهو ما أدى لظهور مجموعة مهمة من الأفلام التي ما تزال حتى اليوم علامات في تاريخ السينما، مثل "سارقو الدراجات". وبدءا من تلك الفترة كادت الخطوط الفاصلة بين ما هو روائي وما هو تسجيلي أن تتلاشى. وحين ظهرت الأفلام التسجيلية في السينما المصرية كانت شبه قاصرة على أفلام الدعاية التجارية أو الاقتصادية، مثل صنع أفلام عن "بنك مصر"، لكن ثورة 1952 أدركت منذ وقت مبكر أهمية هذا النوع من السينما في خلق رأي عام يواكب المشروع القومي، وهو ما ظهر على سبيل المثال في عشرات ومئات الأفلام التي سجلت للمراحل المختلفة من بناء السد العالي، وكان من أشهرها السلسلة التي صنعها صلاح التهامي. كانت تلك أفلاما تقليدية بالمعنى العام للكلمة، فهي تكتفي من الحقائق بسطحها الظاهر، كما أن التعليق المصاحب يحمل دائما وجهة النظر "الرسمية"، وهو الأمر الذي دفع بعض السينمائيين الشبان آنذاك للثورة على هذا الأسلوب في صناعة الأفلام، وهي الثورة التي يمكن أن نلخصها في اتجاهين رئيسيين، الأول هو الاتجاه الواقعي بالغ الرهافة في الإمساك بعوالم الطبقات الفقيرة، كما تجلى في فيلم عطيات الأبنودي "حصان الطين" عن العاملين في صناعة الطوب، والاتجاه الثاني شاعري، يتجسد في أفلام هاشم النحاس التي تحول الواقع إلى قصيدة سينمائية، مثل فيلمه "النيل أرزاق". ظهر عشرات السينمائيين التسجيليين في هذين الاتجاهين خلال السبعينيات بشكل خاص، وكان هذا ناتجا في جوهره عن اهتمام السينمائي الرائد شادي عبد السلام بإنشاء وحدة للأفلام التسجيلية، نشأ فيها جيل كامل من شباب المخرجين. تأمل على سبيل المثال بدايات خيري بشارة آنذاك، في صنع الأفلام التسجيلية التي تركت فيه أثرا قويا حتى عندما تحول إلى صنع الأفلام الروائية، كما يبدو مثلا في فيلمه "العوامة 70" الذي يحكي عن اكتشاف جريمة في مصنع بفضل شريط تسجيلي، أو ذلك المشهد المشحون بالشجن في "آيس كريم في جليم" بينما تطوف الكاميرا في شوارع القاهرة. وهذا ما بدا أيضا في بدايات المخرج داود عبد السيد، الذي كان يستخدم السينما التسجيلية للتجريب، كما في فيلمه "وصية رجل حكيم"، حيث يتناقض تماما – عكس المألوف – شريطا الصوت والصورة!! كادت السينما التسجيلية في مصر أن تتحول في الفترة الأخيرة إلى شرائط ليس فيها من المغامرة الفنية إلا القليل، وأصبح لها "قالب" تليفزيوني ممل ينتقل بشكل عشوائي من الحوارات إلى الأغنيات (!!)، برغم أن هناك محاولات جادة شابة – وإن كانت قليلة متناثرة - لسبر أغوار الواقع المصري، كما في أفلام حنان راضي مثل "أهل الرضا" عن فقراء الشعب المصري وكفاحهم اليومي للبقاء على قيد الحياة، أو فيلم فوزي صالح "جلد حي"، الذي يستدعي إلى الذاكرة محاولات عطيات الأبنودي، عندما يذهب ليسجل وقائع حياة الأطفال في صناعة دباغة الجلود شديدة القسوة. المفارقة الساخرة والمريرة معا تكمن في أن هناك جيلا جديدا يرغب في صناعة سينما تسجيلية مصرية قوية، وأن إمكانات صنع فيلم تسجيلي أصبحت أسهل بما لا يقارن مع أي وقت مضى، مع تقدم تقنيات التصوير والمونتاج. أين المشكلة إذن؟ المشكلة في بناء صناعة السينما المصرية ذاتها، التي ما تزال قاصرة في مفهومها عن "الفيلم"، الذي ينحصر فقط عندها في الأفلام الروائية الطويلة، وهو ما يتأكد مع غياب كامل لأشكال سينمائية مثل سينما التحريك (الكارتون) على سبيل المثال. والمشكلة أيضا في سياق لا يريد كشف الحقائق، وليست فيه الحدود الدنيا لحرية تداول المعلومات، وما تزال هناك قوانين متعسفة تمنع السينمائي المصري من التصوير في أماكن عامة إلا بتصريح خاص، لذلك فإن مشكلات السينما التسجيلية في مصر لا تتعلق باعتبارات تجارية أو بذوق الجمهور، فالمشكلة أعمق وأبعد أثرا، وإن كان التطور التقني سوف يجبر هذا السياق على أن يمنح السينما التسجيلية فرصة الحياة، والتطور.

Saturday, April 28, 2012

نجيب محفوظ قلب الثائر وعقل الصوفى (نشرت فى سبتمبر 2006)


من روايته الملحمية الفريدة "الحرافيش"، تقرأ للأديب نجيب محفوظ هاتين الفقرتين، فى الأولى: "تنساب عربة الزمن مكللة بالزهو والحياء، صلصة عجلاتها المدوية لا يسمعها أحد، الأذن لا تسمع إلا ما ترغب فى سماعه. يتوهم الفحل أنه اقترن بالدنيا قران دوام، ولكن العربة لا تتوقف، والدنيا زوج خئون". فى هذه الفقرة تتدافع الصور البلاغية وتتدفق الواحدة وراء الأخرى، لتلخص حكمة من ينظر إلى الحياة من بعيد، بالكلمات والمعانى التى يصعب – ولا نقول يستحيل – نقلها إلى صورة سينمائية، لكن فلنتأمل فقرة أخرى من نفس الرواية الملحمية: "راحت الكارو تتقدم والظلام يخف، تذوب الظلمة فى ماء وردى شفاف فتكشف عوالم فى السماوات والأرض، تنساب منها ألوان عجيبة متداخلة حتى اصطبغ الأفق بحمرة نقية متباهية، تلاشت أطرافها فى زرقة القبة السماوية الصافية، وأطل من وراء ذلك أول شعاع مغسول بالندى، وتراءى الجبل شاهقاً رزيناً، صامتاً، لا مبالياً...". إنك لا تملك وأنت تقرأ هذه الكلمات إلا أن تسأل نفسك: أى صورة سينمائية عبقرية تلك التى كتبها نجيب محفوظ، صورة تنتظر فناناً سينمائياً يضع يده على ما فيها من جمال تصويرى خالص، لا يخلو – بالإضافة إلى جانبه الحسى – من حالة وجدانية آسية، وفكرة ميتافيزيقية رفيعة؟! هذا هو نجيب محفوظ، الذى نعرف جميعاً أنه أقرب الأدباء العرب على الإطلاق فى علاقته الحميمة بالسينما، ليس فقط من حيث عدد رواياته التى تحولت إلى أفلام، وإنما أيضاً من خلال قيامه بكتابة السيناريو مباشرة للسينما لعشرات الأفلام. لقد كان نجيب محفوظ بلا شك من أغزر أدباء الكلمة والصورة إنتاجاً من ناحيتى الكم والكيف معاً، وبقدر ما عرف الأديب الكبير من "روتينية" فى حياته اليومية، وهو الذى قضى الجانب الأكبر من حياته "موظفاً حكومياً منضبطاً"، مما انعكس حتى على حياته الإبداعية والشخصية من التزام صارم فى مواعيد الكتابة أو التوقف عنها، أو حتى جلساته الدورية مع أصدقائه من "الحرافيش"، فإن ذلك فيما يبدو كان وسيلته للتحكم الواعى (والجمالى إن شئت الدقة) فى وجدانه الذى تضطرم فيه الأفكار والعواطف، بين الإنكار واليقين، أو بين اليمين واليسار، أو بين الانغماس المادى فى الحياة والترفع الصوفى عنها. إن هذا الوجدان الثرى – الجدير بفنان مبدع أصيل – يتجلى فى صور عديدة فى أعماله الأدبية، التى سارت فى "الطريق" الصاعد نحو المعرفة. بدأ طريق نجيب محفوظ الأدبى بروايات تاريخية تحاول أن تفهم الماضى من أجل فهم الحاضر، هذا الحاضر الذى وجد تجسيده الرفيع فى رويات "واقعية" مثل "الثلاثية" وغيرها من روايات اتخذت لعناوينها أماكن بعينها فى قلب "القاهرة القديمة"، فهى فى الحقيقة واقعية على طريقة بلزاك الذى كان يلجأ لما يقترب من "تسجيل" الواقع الهارب قبل أن يصبح ماضياً انقطعت الصلة به. (تأمل على سبيل المثال صورة شاعر الربابة الذى يسامر زبائن المقهى، ثم تنحدر به الأيام فينزوى حين يعتلى المذياع مكاناً عالياً ليصبح شاعر الربابة تاريخاً ذاوياً ذابلاً) . لكن نجيب محفوظ لم يتوقف أبداً عند السطح الخارجى للواقع، فهو يتأمل أيضاً "القاهرة الجديدة" ليضيف إلى "التسجيل" نوعاً من "التعليق الاجتماعى" على الفساد الذى يولد فى أحضان الديكتاتورية والفقر. كما أن أكثر رواياته اقتراباً من النزعة الواقعية تلتقط أيضاً بعض الرموز الكونية فيما يشبه النزعة الصوفية (مثل ذلك الدرويش العجوز فى "الثلاثية"، يختفى ويظهر كما هو رغم تعاقب الأجيال، هرماً لا تدرى إن كانت السنون هى التى تأكله أم أنه الذى يجتر السنين). إن هذا الامتزاج بين الروحى فى قلب المادى، والمادى فى قلب الروحى، يميز معظم أعمال نجيب محفوظ الأدبية، وهذا ما يجعلها جديرة بأن نطلق عليها أدب السينما، أو سينما الأدب. فالصورة البلاغية عنده تمد جذورها فى الواقع المادى، والواقع المادى يحمل دلالات معنوية سامقة فى روحانيتها. وفى كثير من أعمال نجيب الأدبية، تجد مستويات عديدة لقراءة العمل، فإذا كان بطل "السمان والخريف" يجد نفسه وقد تجاوزه الواقع السياسى حيث يضطر للتأمل من "على حافة العالم"، فإن بطل "الشحاذ" يعانى من نفس الأزمة، لكنهما كليهما ينظران للعالم نظرة "صوفية" لا تدرى إن كانت صوفيتها اختياراً أم اضطراراً. وهكذا فإن واقعاً سياسياً محدداً لا يطرح فقط أسئلة سياسية، لكنه يجعلك تسأل أسئلة وجودية عاصفة. ليس غريباً إذن أن تمتزج فى أعمال نجيب محفوظ عناصر تبدو للوهلة الأولى متناقضة، ففيها جميعاً تنصهر السياسة والجنس والميتافيزيقا، لا فرق فى ذلك بين "السراب" الذى ينظر إليها البعض بإعتبارها تتناول الكبت والحرمان الجنسى، أو "القاهرة الجديدة" التى تبدو للوهلة الأولى تعليقاً سياسياً لاذعاً ومريراً على فترة من الفساد السياسى فى تاريخ مصر. ولكن من الغريب – والفريد أيضاً – أن هذا الامتزاج بين عناصر متناقضة، والذى ينبع من رؤية شاملة للتاريخ والحياة الإنسانيين، كان يمثل أيضاً "توليفة" شديدة الجاذبية للمتلقى، فكأن نجيب محفوظ قد اكتشف أن الأسئلة الحقيقية عن "الوضع الإنسانى" – وهو اسم رواية لبلزاك- هى ذاتها عناصر فنية قريبة إلى قلب المتلقى وعقله. إن هذا يلتقى فى حقيقة الأمر مع رؤية الناقد الكبير الدكتور على الراعى فى تقييمه للميلودراما، فإذا كان البعض ينظر إليها بإعتبارها فناً متواضعاً، فإنها فى جوهرها تلمس الأوتار الحساسة فى وجداننا. وليس بعيداً عن الحقيقة أن نقول أن نجيب محفوظ قد اكتشف – ربما بسبب عمله فى السينما - أن "الميلودراما" تحمل فى داخلها عناصر جذب جماهيرية، بالإضافة إلى كونها قادرة على أن تطرح العديد من الأسئلة الصحيحة. فى الكثير من أعمال نجيب محفوظ تتكرر – بالنص أحياناً، وبالمعنى أحياناً أخرى- عبارة "متى يتحقق العدل؟"، وهى فكرة تكمن فى قلب كل عمل ميلودرامى. ناهيك عن شخصيات وأفكار تعاود الظهور فى أعمال نجيب محفوظ: البطل الباحث عن خلاص، الأب المفقود، الأم ذات الماضى غير النقى، الشيخ، العاهرة الفاضلة، الفتوة، المرأة الفاتنة الغاوية، المحبوبة التى تمثل النقاء، المخبر ممثل السلطة، وإلى جانب ذلك كله الرحلة من الفقر إلى الثراء ثم العودة إلى الفقر من جديد، ولقاء الشباب بالكهولة، وصراع دائم لا ينتهى بين الخير والشر، وحيرة لا تزول بين الاختيار والجبر، وانتظار مرير للحظة تقرير المصير. وإذا كنا نتحفظ فى إطلاق أحكام عامة على أعمال نجيب محفوظ، فإن من الأقرب للصواب أن نذكر أن هذا المزيج من الأدب الرفيع، والصورة السينمائية، والنظرة الصوفية، والعناصر الميلودرامية، وتعدد مستويات الدلالة التى تتيح قراءات مختلفة لنفس العمل (تصبح هذه المستويات أكثر غزارة مع أعمال لنجيب محفوظ التى تقترب من النزعة"التفكيكية"، بدءاً من "ميرمار و "المرايا"، وانتهاء بأكثر هذه الأعمال صعوبة مثل "حديث الصباح والمساء" ففيها يترك نجيب محفوظ قارئه لكى يختار "الطريق" الذى يقرأ به الرواية ويفهمها)، نقول أن هذا المزيج قد تحقق على نحو رفيع فى أعمال مثل "الحرافيش" و "ليالى ألف ليلة"، بينما يبدو أقرب إلى "مسودات" لم تأخذ حقها فى النضج، وإن تفاوتت أيضاً بين كثافة "قلب الليل" وتواضع – وربما سذاجة – أعمال مثل "الجريمة" و"الكرنك". إن هذا التفاوت ليس أمراً غريبا فى رحلة أديب بقامة وحجم نجيب محفوظ، كانت الثورة عنده صوفية، والصوفية ثورة، فقد يصل أحياناً إلى اليقين وقد يخطئه أحياناً أخرى، لكن جدوى الرحلة لا يأتى دائماً من بلوغ القصد، وإنما من تصميم دؤوب على السير فى "الطريق".

Wednesday, April 25, 2012

مقالة قديمة عن الأيام الخوالى...... عن أبى وعبد الحليم وعبد الناصر

كان أبى رحمه الله إنساناً بسيطاً، فى عمله وحياته وملبسه ومأكله ومشربه، وعندما يخلو إلى نفسه بعد عناء يوم طويل يجلس إلى جوار المذياع، لا يسمع فيه إلا تلاوة القرآن ونشرة الأخبار وأم كلثوم، ولم تكن له علاقة مباشرة بالسياسة، لكننى أدركت من حرصه على سماع النشرة اهتماماً عفوياً وأصيلاً بأحوال البلاد فى تلك الفترة من بدابة الخمسينات. مازالت أذكر ذلك اليوم، وأنا أراه يستمع إلى خبر عن نجاح الضباط الأحرار فى توقيع اتفاقية الجلاء "بدون قيد أو شرط"، فى تلك اللحظة نظر تجاهى وابتسامة الفرحة تنطلق على شفتيه اللتين كان من النادر أن تزايلهما الصرامة، وفى عينيه التماعة الفخر، وهو يقول لى بينما يشير إلى المذياع: "سامع؟! بدون قيد أو شرط". لا أدرى إن كنت قد فهمت حينئذ معنى الكلمات، لكن من المؤكد أن فرحة أبى وفخره تسللا إلى وجدانى، فى ذلك الزمن الذى غنى فيه محمد قنديل "ع الدوار، راديو بلدنا يجيب أخبار"، وصدح كارم محمود: "أمجاد ياعرب أمجاد، فى بلادنا كرام أسياد" التى صارت شارة وأشارة على الإذاعة التى أطلقها عبد الناصر، وحملت اسم "صوت العرب". كان عبد الحليم حافظ جزءاً من ذلك المناخ، الذى كانت فيه مشاعر "الوطنية" تتخلل كل نواحى حياتنا، ببساطة بالغة ودون زعيق أو افتعال، على عكس ما يردده البعض من اتهامات للأغنيات الوطنية لثورة يوليو بالصراخ والافتعال، لكن السمة الحقيقية لها فى تلك الفترة كانت الصدق فى التعبير، لأن "الوطنية" لم تكن – كما أصبحت فيما بعد – تجارة وشطارة، بل مشروع حياة تسودها العدالة الاجتماعية، لذلك لم يكن غريباً أبداً أن يغنى عبد الحليم حافظ فى بداية حياته بلسان العامل، بكلمات عبد الفتاح مصطفى وألحان عبد الحميد توفيق زكى :"بدلتى الزرقة لايقة فوق جسمى، فى جمال لونها مركزى واسمى، بدلتى الزرقا من نسيج إيدى، لبسها يزينى حتى يوم عيدى"، فكأن تلك الفترة كانت - بعد موجة 1919 وسيد درويش – الموجة الثانية للأغنيات التى تنطق باسم "تحالف قوى الشعب العاملة" الذى ألغاه دستور الاستفتاء، وفى بساطة تلك الكلمات والألحان والأداء عرفت من هو الشعب بالمعنى الحقيقى للكلمة. أقول "عرفت" لأنه لم يكن من بين أفراد عائلتى عامل يرتدى "بدلة زرقا"، لكننى توحدت تماماً مع عبد الحليم حافظ عندما غنى أغنية تحمل عنوان "ذات ليلة" فى عام 1959. كنت عندئذ فى الثانية عشرة من عمرى، وكنت قد أدركت كم عانى أبى من أجل تعليم أخواتى الكبار، وكأنه يناضل لكى يجد لهم مكاناً تحت الشمس، بينما استطاع أن يلقى العبء عن كاهله بتعليمى وإخواتى الأصغر فى ظل "مجانية التعليم" التى أتاحته الثورة له ولكل أفراد الشعب. كانت أغنية عبد الحليم من كلمات مرسى جميل عزيز وألحان كمال الطويل، وتحكى عن طالب يسهر الليالى لكى يشق طريقه لكن الصعوبات الاقتصادية تقف فى وجهه حتى تأتى الثورة فتفتح الأبواب للجميع، كل ذلك بكلمات غاية فى البساطة وألحان تقترب من حافة الدراما وأداء بالغ الصدق: "ذات ليلة وأنا والأوراق والأقلام فى عناق، نقطع الأزمان والأبعاد وثباً فى اشتياق.. ذات ليلة هبت الريح وهزت فى عناد بابيا، أطفأت أمن حياتى أطفأت مصباحيا.....لم أجد ناراً لدى، لم أجد فى البيت شى، غير أم هى لا تملك إلا الدعوات، وأب لم يؤت غيرى للسنين الباقيات، والنهايات السعيدة، أصبحت عنى بعيدة، ذات ليلة وأنا رهن الظنون المجدبة، دقت قلوب طيبة، قالت انهض وتقدم لا تبالى، بالليالى وتصاريف الليالى... قم فباب العلم رحب فى انتظارك، قم وشارك وابن بالعلم الوطن، قلت من أين أتـى هذا الشعاع، قالت الأصداء من قلب شجاع. إنه قلب جمال". بالطبع كان هو جمال عبد الناصر، وليس أى جمال زائف مصطنع، ومع الأغنية كان صوت عبد الحليم يأخذنى من الضياع إلى الأمل إلى الفرحة، لأدرك بحق مدى "النعمة" التى أنعم بها، وأسهر الليالى "وأنا والأوراق والأقلام فى عناق"، وأنظر إلى أبى وهو يسبح بحمد الله. ذهب ذلك كله أدراج الرياح، وأصبحت كلمات مثل "الوطنية" أو "مجانية التعليم" تثير إما الحسرة أو السخرية، وألغيت "المكاسب الاشتراكية" وحلت محلها "البيئة" فى الدستور، وكأنه "دستور بيئة"، واجتمع اللاصقون العرب فى كراسى السلطة لكى يقدموا لإسرائيل عربون محبة تحت اسم "المبادرة العربية" وهم يعلمون أن إسرئيل لن ترضى إلا بالرضوخ الكامل، ولا يعلمون أن اعترافهم بكيان استعمارى أقيم بذريعة دينية يفتح أبواب جهنم أمام كل التيارات السياسية الدينية التى يتصورون أنهم سدوا الطريق فى وجهها بنص دستورى. لذلك كله أحن إلى صوت عبد الحليم، وزمن عبد الناصر، وتلك النظرة من الفرحة والزهو والكبرياء التى رأيتها فى عينى أبى عندما عرف أنه جلاء "بدون قيد أو شرط"، وكم أتمنى قبل أن أموت أن تعرف تلك النظرة طريقها إلى عينى، "ذات ليلة". (نشرت فى أبريل 2007 فى جريدة العربى القاهرية)

Sunday, April 08, 2012

أحزان رمضانية!! نشر هذا المقال فى 21 أغسطس 2011

يأتى شهر رمضان هذا العام بطعم مختلف ... منذ ثلاثين عاما أو يزيد تعود المصريون أن ينظروا إلى هذا الشهر على أنه شهر التليفزيون، وأصبحت الأجيال تُنسب إلى "فوازيرها"، فذاك جيل فطوطة أو نيللى، وهذا جيل شيريهان، وفجأة انقطعت الأجيال أو تمييزها على الأقل بهذه الطريقة، فقد باخت الفوازير إلى درجة أن أحدا لن يتذكر مثلا أنه قد ظهرت فى العام الماضى "واحدة" تدعى ... (نسيت اسمها للحظة ثم تذكرته: مريم فارس)، قدمت فوازير ليست فوازير، ورقصا أشبه بارتعاشات الصرع، وأغنيات أقرب إلى الزار. كان السبب فى فقدان بهجة الفوازير هو أن الحياة اليومية باتت فزورة كبرى، كان خاتمتها الانتخابات التشريعية "بتاعة" أحمد عز، التى فاق التزوير والفُجر العلنى فيها كل تصور، ثم جاءت فزورة "خليهم يتسلوا"، أو بكلمات أخرى: "فيلشربوا من البحر، أو يخبطوا رأسهم فى الحيط"، وكان أن خبطنا رؤوسنا بالفعل، ولكن فى رأس النظام، الذى تهاوى بعد أن خاض دور شطرنج طويلا مع الشعب. نتصور أحيانا أننا قد انتصرنا فى هذه المباراة، والحقيقة أن "الطابية" قد تدخلت بما بدا للحظة أنه لصالحنا، لكن بعد استراحة قصيرة من توتر اللعب أدركنا الحقيقة المرة: الطابية تريد أن تصبح الملك!! لذلك يأتى رمضان هذا العام بطعم مختلف. فى كل صباح رمضانى هناك فرصة أمام ربات البيوت بشكل خاص أن ترين المسلسلات والبرامج التى لم تتمكن من رؤيتها فى الليلة السابقة، لكن فى اليوم الرابع عشر من رمضاننا هذا كانت المحطات تذيع محاكمة حبيب العادلى "المدنية" بتهمة قتل الثوار، فى "شو" إعلامى لطيف يجلس فيه الرجل كأنه فى نزهة قصيرة. فى الوقت ذاته كان هناك حدث مهم يجرى دون أن يدرى به أحد، لأن التليفزيون لم يهتم به حتى كخبر قصير، وهو تحويل أسماء محفوظ للنيابة "العسكرية"، ولأنها غير مشهورة بالمعنى التليفزيونى، ولا يراد أن تكون مشهورة، فقد قامت وسائل الإعلام بأن "كفت على الخبر ماجور"!! من هى أسماء محفوظ؟! فتاة مصرية تشبه أخواتنا وبناتنا، كانت من بين شباب مصر الذى خرج فى يوم 25 يناير، وقامت على أكتافه كل الأمجاد المزعومة التى تشدقت بها فصائل عديدة، مثل حديث عصام العريان عن "خطط" الإخوان المسلمين" للثورة منذ زمن طويل، وهم الذين انتهزوا ومايزالون ينتهزون أى انتصار يحرزه غيرهم. لماذا تم تحويل أسماء للنيابة العسكرية؟ لأنها نبهت إلى أن المجلس العسكرى يرتكب خطأ فادحا بتصرفاته التى يحار فى فهمها كل لبيب، وحذرت من أن سياسة المجلس إياه سوف تؤدى إلى تيارات من العنف. النكتة الأولى هنا هو اتهام الفتاة البريئة بالدعوة إلى العنف، وهى التى بح صوتها ورفاقها من أبناء الشعب المصرى بالهتاف: "سلمية سلمية"، بينما كانوا يلاقون أبشع وسائل العنف على أيدى رجال العادلى، الذى كان يبتسم فى قفص محاكمته فى يوم التحقيق مع أسماء. النكتة الثانية هى أن جلسة محاكمة العادلى "المدنية" انتهت بينما استمر التحقيق "العسكرى" مع أسماء ساعات عديدة. عبثا حاولت أن تقنع المحققين بجدية تحذيرها، الذى لا يعنى أبدا أنها شخصيا سوف تلجأ للعنف، وإنما أن المجلس العسكرى يمارس مرة أخرى سياسة "خليهم يتسلوا"، بما سوف يعيد الدائرة إلى بدايتها (أنظر أعلاه!!)، أو لأن هذه السياسة التى تلعب لعبة خطيرة هى التى تستخدم قوى العنف والإرهاب لتضرب قوى الثورة، وما تزال مظاهرات السلفيين فى الأذهان، ورفعهم صور بن لادن ورايات تنظيم القاعدة وأعلام السعودية، ولم يتم التحقيق مع أحدهم أبدا برغم ارتكابهم ما يرقى إلى الخيانة العظمى، كما لم يتم التحقيق مع ما يسمونهم "البلطجية"، الذين اعتدوا على الثوار تحت سمع وبصر المجلس العسكرى مرتين، مرة فى "الجمل" وأخرى فى "العباسية"، بينما يتم التحقيق مع أسماء لأنها أطلقت نداء على "تويتر"!! أُفرج عن أسماء بكفالة عشرين ألف جنيه فى النيابة العسكرية، فى الوقت الذى كانوا قد أفرجوا عن عائشة عبد الهادى فى النيابة المدنية بنصف هذا المبلغ لاشتراكها فى "معركة الجمل"!! ولم تظهر هيئة سياسية واحدة تعرض دفع الكفالة فقام الشباب بجمعها من بعضهم، وقد فات عليهم – لأنهم مشغولون بالثورة – أن يشاهدوا مسابقة "بيبسى" المحمومة على شاشات التليفزيون، التى تعرض جوائز تكفى للإفراج عن العديد منهم أمام النيابة "العسكرية"، وربما تفادى الثوار أن يستعينوا بـ"بيبسى" حتى لا تثبت التهمة التى أطلقها "واحد" يقال أنه مطرب وملحن، اسمه عمرو مصطفى، ظهر فى العديد من البرامج التليفزيونية الرمضانية هذا العام، ليقول إن هذا البيبسى خطط للثورة تحت شعار "اشرب وعبّر" أو "اتكلم واشرب"، لست أدرى على وجه اليقين، وأن بيبسى حين ذكر احتفاله بمرور 125 عاما على انطلاقه كان يعطى إشارة بدء الثورة لأتباعه فى اليوم 25 من الشهر 1!! جاء ذلك فى أحد البرامج التليفزيونية، بينما كان موقع "يوتيوب" يبث شريطا قصير يؤكد فيه أن كلمة "بيبسى" تعنى "ادفع كل قرش لتنقذ اسرائيل"، مع أن اسم هذا المشروب يعود إلى "إنزيم" يدعى "بيبسين"، كما أنه ظهر قبل أن يكون لكلمة "إسرائيل" أى معنى غير الإشارة لنبى الله يعقوب، ولكى يزداد الأمر "لخبطة" فقد كان هذا الشريط الهزلى لمرشح الرئاسة عن السلفيين حازم أبو اسماعيل، الذى كان "الوحيد" – حتى كتابة هذه السطور – الذى أدان بكلمات بالغة الحدة والوضوح تحويل الشباب الثائر للمحاكمات العسكرية!! حد فاهم حاجة؟!! فى هذا الواقع المضطرب أتى رمضان هذا العام، وكنت لسذاجتى قد توقعت أن يكون رمضان ساخنا، يتحول فيه "الميدان" إلى ساحة للاحتفال السياسى والكرنفالى فى وقت واحد، فإذا بنا نقرر أن نأخذ "أجازة" من السياسة فى رمضان لنجلس أمام شاشات التليفزيون، فى الوقت الذى قرر فيه المجلس العسكرى "احتلال" الميدان، مع أول يوم من الشهر، وأن يُجلى عنه قوات "الأعداء" الذين جاءوا للإفطار فيه، بينما احتلت قوات الثورة المضادة شاشات التليفزيون. جلسنا أمام الشاشات نتلقى برامج غسيل الدماغ، التى تعبث فى عقول ملايين المتفرجين، الذين باتوا أقرب لعدم فهم ما يجرى بسبب التباس المواقف، هل ما حدث ثورة؟ هل قامت الثورة بهدف إقصاء مبارك أو حتى محاكمته، لكى يجلس مكانه "جنرال" من نظامه، لتصدق "نبوءة" عمر سليمان عن الانقلاب العسكرى، ليكون ذلك هو أول انقلاب عسكرى يُعلن عنه قبل وقوعه؟ هل المسألة مجرد تغيير فى الوجوه بينما يبقى الوضع على ما هو عليه، هذا الوضع الذى يعنى أن تظل مصر دولة تابعة، وأن يقوم اقتصادها على الطفيلية التى من توابعها أقصى درجات الظلم الاجتماعى؟ وهل بدأت الديكاتورية حقا مع نظام عبد الناصر الذى يقع ضمن "الستين عاما" التى يذكرونها دائما عندما يتحدثون عن "الماضى"، لتزول الفروق الجوهرية بين نظام ناصر الذى لا يفرق بين الديموقراطية السياسية والاجتماعية، ونظامى السادات ومبارك الذين يقومان على تكوين عصابات النهب المنظم للأوطان؟ وسط هذه "اللخبطة" ظهرت برامج رمضانية تكائرت كأنها الخميرة التى كانت نائمة ثم استيقظت فجأة، وأنا أعترف للقارئ بعجزى عن معرفة إذا ما كانت تلك مصادفة أم تخطيطا منظما، أن يظهر مثلا تامر أمين فى العديد من الشاشات على مدى أيام متناثرة، ليقول أنه وزملاءه فى "البيت بيتك" هم الذين أشغلوا فتيل الثورة، أو أن نرى أسامة سرايا يشرح فلسفته فى الدفاع عن الحزب الوطنى، أو حسام البدراوى يحكى بالتفصيل الممل عن "نضاله" لكى يعود مبارك إلى صوابه، ناهيك عن طلعت زكريا، أو تامر الآخر (حسنى). ولست ضد أن يظهر هؤلاء وغيرهم ليدافعوا عن مواقفهم، لكن ما دام التليفزيون قد قرر أن يأتى هذا العام ببرامج "سياسية" فى قالب ترفيهى، فلماذا لم يستخدم ذلك فى تصحيح بعض المفاهيم بدلا من زيادة تشويهها على طريقة "الليبرالية يعنى أن أمك تقلع الحجاب" (!!!)، ولماذا لا يهدف للتنوير بدلا من ضرب كل الكراسى فى "الكلوبات" بالسخرية الجامحة من أى حديث سياسى جاد، فى عشرات البرامج التى تحاكى بشكل هزلى برامج "التوك شو"، حين يقال لنا مثلا أن الحرية اشتقت اسمها من "الحر"، أى من الجو الحار؟!! من جانب آخر هناك برامج تغذى النزعة العدوانية فى نفوس المشاهدين (ما هى ناقصة!!)، برامج تقول للمتفرج أن يضحك وهو يرى شخصا فى مأزق رهيب، وكأنها فى الحقيقة نوعا من تعويد الناس على العنف الذى استشرى فى الآونة الأخيرة منذ ما أُسمى "الانفلات الأمنى"، وهو اسم الدلع للتفريط الأمنى المتعمد، من السلطات القائمة على شئون البلاد، السلطات السابقة واللاحقة، التى تستخدم هذه الفوضى لتأسيس سلطتها والحاجة للاستعانة بها. ولست أدرى فى الحقيقة أين ذهبت "الدولة"، فالثورة لم تتوجه للحظة لتقويض الدولة أبدا، بل للنظام، فكانت النتيجة أن اختفت الدولة وبقى النظام!! ما الذى يحدث؟ إننى أنظر إلى شاشات التليفزيون وأحاول القراءة، فلا أرى سوى إعادة إنتاج للمرحلة السابقة، كل ما حدث أن مبارك وولديه وراء القضبان، بشكل مؤقت أو دائم؟ حقيقة أم تمثيلية؟ لا يهم، فالمهم ألا يتغير شىء، بل ربما يصير أسوأ، حين تصبح المحاكمات العسكرية هى "العادية"، فخلف كل قيصر يموت قيصر جديد كما قال الرائع الراحل أمل دنقل، لكن هل لن تبقى وراء شهدائنا إلا دمعة سدى؟ هل نصوم طويلا عن السياسة؟ هل نعود إلى الحظيرة؟ تساؤلات تجعل لرمضان هذا العام طعما آخر، كأنها الهزيمة بنكهة الانتصار، وياليتها لا تكون!!

الرمز في فن السينما بين النوافذ المغلقة والأبواب المفتوحة

في الفيلم الكوميدي الأمريكي "كيف تقتل زوجتك"، تزوج البطل جاك ليمون من الزوجة الإيطالية الحسناء فيرنا ليزي، التي قلبت له حياته كرجل أعزب طليق رأسا على عقب، فكانت تحتل السرير بطعامها الإيطالي، وتتفرج ساعات طويلة في التليفزيون على أفلام "الكاوبوي"، وعندما تشاهد معركة طاحنة بإطلاق الرصاص كان يختلط عليها الأمر، فتسأل زوجها: "من الذين يرتدون القبعات البيضاء؟ الأخيار أم الأشرار؟" قد تبدو هذه الجملة مجرد نكتة، لكنها حقيقة سينمائية في كل أفلام "الكاوبوي" حاول بها صناعها إرسال رسالة رمزية إلى المتفرج، تتسلل إلى وعيه دون أن يفكر كثيرا، وتلك هي وظيفة الرمز في الفن بشكل عام، والسينما بشكل خاص. وقد عرض في مصر مؤخرا فيلم لخالد يوسف" يحمل اسم "كف القمر"، يقول صناعه أنه "رمزي"، إذ أنه يحكي عن امرأة تدعى قمر، ويؤكدون في أحاديثهم الصحفية عن الفيلم أنها ترمز إلى مصر، لقد تفرق أبناؤها في البلاد، وعندما يبدو أن وفاتها قد اقتربت تدعو ابنها الأكبر أن يلم شمل أخواته، وتقطع يدها (!!) وتعطيها له كي يجمع الأصابع الخمس، وبالطبع فإن الرمز هنا شديد الفجاجة إلى درجة عدم التصديق، الأمر الذي يجعله أيضا مشوشا وغامضا ولا يوحي بدلالات تتجاوز هذه المعادلة الفجة!! مشكلة الرمز في الفن أن البعض يتصورونه أقرب إلى الرموز والمعادلات الرياضية، س تساوي كذا وص تساوي كيت، بما يحيل الفن إلى كائن ميت، ويجعل العمل الفني قابلا للاختزال في جملة أو اثنتين، لكن الدور الحقيقي للرمز هو أن يجعل العالم الخاص للفيلم أكثر رحابة، أو أنه يراوغ نوعا من الرقابة التي تمنع الإشارة الصريحة لحقيقة ما. تأمل مثلا الرمزية في فيلم واقعي تماما، هو "سارقو الدراجة" لدي سيكا: البطل العاطل وجد عملا يتطلب منه أن تكون لديه دراجة، لكنها تسرق منه فجأة، وهنا تتجول الكاميرا معه بجنون في شوارع المدينة، لترى الدراجات تجري هنا وهناك، فلا تملك إلا أن تقول لنفسك: أليس وراء كل منها قصة مأساوية مشابهة؟ وفي مشهد آخر تذهب الزوجة لتبيع ملاءات السرير بسبب الحاجة إلى المال، فتتصاعد الكاميرا إلى صف طويل من الملاءات، ليدرك المتفرج المعنى الرمزي بأن الفقر يضرب بجذوره في هذا المجتمع. سوف تجد في السينما العالمية العديد من نماذج الرمزية وتنويعاتها، مثل "استعراض ترومان"، الذي قد يعني اسم بطله "الإنسان الحقيقي"، والبطل (جيم كاري) يعيش حياة رتيبة يرضى بها دون تذمر، لكنه يكتشف فجأة أنه يمثل دون أن يشعر في برنامج تليفزيوني يراقبه طوال يومه وليله، إنه إذن يعيش حياة مقررة سلفا بواسطة المخرج، وهو يريد أن يتحرر من هذا المصير. وفي فيلم "فوريست جامب" بطل (توم هانكس) ليست رحلة حياته كلها إلا تلخيصا للتاريخ الأمريكي المعاصر، كما أن "أوديسا الفضاء" يصل به الطموح إلى محاولة تلخيص مسيرة البشر منذ مئات الآلاف من السنين في الماضي والمستقبل. وعلى جانب الرسالة الرمزية غير الواعية، توصل لك الأفلام في أحيان كثيرة أفكارا عنصرية، ولعلك تتذكر أننا في طفولتنا كنا نفرح لأن "طرزان" الأبيض الوسيم يقهر الأفريقيين المتوحشين، لتستقر في أذهاننا ولا وعينا رسالة عن تفوق العنصر الأبيض على كل الملونين، ونحن منهم!! قد تبحث في السينما المصرية طويلا حتى تجد هذا البعد الرمزي الخفي، ولعل السبب الرئيسي في اللجوء إلى الرمز هنا هو الهروب من قيود رقابية وسياسية، لتسريب النقد الحاد إلى الواقع، مثلما هو الحال مع فيلم جلال الشرقاوي "الناس اللي جوه"، الذي حاول تقديم هجاء للواقع الاحتماعي، متمثلا في عمارة آيلة للسقوط، لكن معظم سكانها ينكرون ذلك أو يتجاهلونه، بينما أصحاب البيت (السلطة) لاهية في الاستمتاع بمزاياها. وهو ما تكرر بشكل أنضج في فيلم صلاح أبو سيف "القضية 68"، عن سكان يتصارعون بينما يجب عليهم التوحد أمام خطر داهم يهدد الجميع. وسوف تقابل في هذا المجال صلاح أبو سيف كثيرا، ففيلمه المهم "بين السماء والأرض" يرمز إلى وطن في مرحلة صعود بمجموعة غير متجانسة من الناس يركبون مصعدا، يقف بهم فجأة بين الأدوار، ليتنازعوا طريقة حل هذه الأزمة، بينما يضع المخرج (والمؤلف نجيب محفوظ كاتب السيناريو) عبارات نقدية حادة على لسان مجنون من ركاب المصعد! في نوع آخر من المراوغة بالرمز هربا من الرقابة تجد بعض الأفلام التي تكاد أن تصبح حكاية رمزية خيالية، مثل "عنتر ولبلب"، الذي أدركت الرقابة في بدايات عام 1952 أنه يشير بطرف خفي إلى الصراع العربي الإسرائيلي عندما كان اسمه "شمشون ولبلب" فقررت تغيير اسمه، إن شمشون جاء إلى الحارة الشعبية بهدف احتلالها ماديا ومعنويا، لكن ابن البلد لبلب يقرر مقاومته حتى لا يختطف منه خطيبته، فيدخل معه في مراهنة بالمقالب بأن ينجح لبلب في أن يضرب شمشمون سبع صفعات متوالية. كما أن فيلم "النوم في العسل" يلجأ إلى رمز العجز الجنسي الذي اجتاح الرجال، في إشارة لعجز أكبر عن الفعل أو حتى إبداء الألم من هذا العجز. وأخيرا فإن "مواطن ومخبر وحرامي" يحاول أن يتلمس التقلبات الاجتماعية في الثلاثين عاما الأخيرة، وقلبت كل الموازين، وقد بلغت المأساة حدا – كما تقول كلمات أغنية النهاية – أن القط تزوج من الفأر! وعندما يصبح الرمز أكثر ثقلا، إما أن يصبح الفيلم أكثر عمقا أو يتحول إلى لغز يستعصي على التفسير. ففيلم "البداية" على سبيل المثال يحكي عن طائرة سقطت في الصحراء، فيجد ركابها أن عليهم أن يبنوا من جديد نوعا من الحياة الاجتماعية، وخلال محاولة التكيف مع الظروف القاسية تتكون الطبقات والسلطة والمحكومين، ليصبح الفيلم كله رمزا لتقسيم المجتمع منذ بداية الحياة الإنسانية. بينما يحاول فيلم "الدرجة الثالثة" مرة أخرى مناقشة العلاقة بين السلطة والشعب من خلال نادٍ رياضي، حيث يستولي سكان المقصورة وحدهم على انتصارات النادي، ويحرمون منها مشجعي الدرجة الثالثة الذين لا يمكن لأي نادٍ أن يحقق بدونهم هذه الانتصارات. وفي "إشارة مرور" لمحة من فيلم "بين السماء والأرض"، هذه المرة من خلال مجموعة من البشر اضطرتهم الظروف للتوقف في إشارة مرور، بينما هم في الحقيقة يرمزون إلى المجتمع بشرائحه المختلفة. لكن الرمز يميل إلى الغموض في فيلم "أرض الخوف"، الذي يحاول أن يشير إلى رحلة الإنسان في الأرض، لكن الرسالة لا تصل أبدا للمتفرج، بسبب أن المستوى الواقعي للفيلم (ضابط وسط عصابات المخدرات) يطغى على هذه الرسالة الرمزية. أما "الريس عمر حرب" فيصل إلى أقصى درجات التعسف والالتباس، حتى أن المعنى الذي أدركه المتفرج يتناقض تماما مع المعنى الذي أشار إليه صناع الفيلم في حواراتهم الصحفية. أجمل أنواع الرمز إذن هو ما يتضافر فيه المستوى الواقعي للفيلم مع مستواه الرمزي، وسوف أضرب لك الآن بعض الأمثلة القليلة من السينما المصرية، التي تصل نادرا إلى هذا المستوى. في فيلم "سواق الأوتوبيس" رحلة حياة للبطل الذي يكتشف أن رأسمال أبيه معرض للضياع، ويحاول أن يستجمعه ويبقي عليه بلا جدوى، في إشارة لمرحلة تنذر بانقطاع عن مسيرة التقدم، وكان الأسى المسيطر على الفيلم هو بالفعل مرثية لمرحلة أصبحنا نبكي عليها اليوم. وسوف تجد شيئا قريبا من ذلك في أفلام مثل "الطوفان" و"عودة مواطن" و"كتيبة الإعدام". ولعل مخرجنا الكبير توفيق صالح هو الأكثر براعة في هذا السياق، وكل أفلامه تشير دائما إلى فكرة أكبر من سطح الحدوتة، كما في "المتمردون" أو "صراع الأبطال" أو"السيد البلطي" أو "يوميات نائب في الأرياف"، وفيها جميعا يتجلى الصراع بين التخلف والتقدم في غلالة رمزية راقية رائقة. بدون الرمز يصبح العمل الفني عالما ضيقا مغلقا على نفسه، بينما تنفتح بالرمز نوافذ وأبواب ليعود بنا العمل الفني من جديد إلى عالمنا، لندرك بعضا من حقائقه، التي تفوت علينا في حياتنا اليومية لولا أن أضاءها هذا الرمز الجميل في السينما.