Wednesday, August 10, 2011

مسلسل "سمارة" استنساخ نادية الجندي ونبيلة عبيد!!


"سمارة، زهرة برية نشأت وترعرعت في جو أسود رهيب"، هكذا كان صوت المذيع والمخرج المصري ديمتري لوقا يعلن بعد ظهيرة كل يوم، في الخامسة والربع تماما، ويتجمع المصريون حول أجهزة المذياع في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي حتى تكاد الشوارع أن تخلو من المارة. كانت تلك هي الفترة التي بدأت فيها تقاليد المسلسل الدرامي الإذاعي المصري، التي أصبحت اليوم من بين ذكرياتنا الفولكلورية، وبعد القليل من المسلسلات ذات الطابع البوليسي أو النفسي، مثل "حب وإعدام" و"هل أقتل زوجي؟" و"العنب المر"، جاء مسلسل "سمارة" الذي كتبه محمود اسماعيل، وقامت ببطولته سميحة أيوب ومحسن سرحان، ليؤسس تقاليد مسلسلات العصابات على الطريقة المصرية، التي انتقلت فيما بعد للسينما ثم التليفزيون.
من المفارقات المهمة أن نمط دراما رجال العصابات الأقدم في أمريكا كان وما يزال يضع المجرم في القلب من الحبكة، ولا تحتل المرأة فيه إلا مكانا هامشيا، لكن الدراما المصرية جعلت في الكثير من الحالات البطلة هي الأهم، وكانت في البداية نموذجا للنقاء الذي اضطرته الظروف لأن يتلوث، وفيها قسوة ظاهرة لكن قلبها يفيض بالرقة عندما تجد من يدرك فيها هذا البعد، وهي باختصار ليست "الفاتنة القاتلة" على الطريقة الأمريكية، لكنها الضحية، أو "الزهرة البرية التي نشأت وترعرعت في جو أسود رهيب"!
لا ندري على وجه الدقة السبب وراء اتجاه صناع الدراما التليفزيونية المصرية للعودة إلى "سمارة"، وإن كنا نستطيع أن نخمنه، فقد مر أكثر من نصف قرن حتى لا يكاد أغلب الجمهور اليوم أن يعرف من هي "سمارة" كما كانت لدى الجيل الأقدم. دعنا نؤكد من البداية أننا لسنا ضد إعادة "تيمة" ما عشرات المرات، إذا كانت تُقدم في كل مرة ومعها تفسير فني جديد، يلقي الضوء "المعاصر" على حكاية قديمة، وربما كان أشهر "المقتبسين" هو شكسبير، الذي صنع معظم مسرحياته عن قصص سابقة عليه، ومع ذلك استحق أن يكون المؤلف الدرامي الأول في تاريخ الإنسانية.
فلنفترض أنه سحر الحدوتة إذاً هو الذي حدا بكاتب السيناريو والحوار مصطفى محرم، والمخرج محمد النقلي، أن يعيدا روايتها، ويضعاها كما ورد في صدر الحلقة الأولى في "القاهرة 1945"، ليبدآ كل حلقة لثوانٍ بالأبيض والأسود لينتقلا بعد ذلك للألوان. وبرغم الحلقات الثلاثين الممتدة عبر شهر كامل، يدور المسلسل في عالم درامي ضيق خانق، بين الحي الشعبي الذي تقيم فيه سمارة (غادة عبد الرازق)، والحي الراقي الذي أتى منه البطل كمال (أحمد وفيق)، وإذا كان من الخيال الجامح أن تلتقي مثل هاتين الشخصيتين في الواقع، فإن المسلسل يجمعهما في علاقة غرامية مشبوبة، تظل تراوح مكانها طوال الوقت دون أن تتحرك قيد أنملة، لكنها تتيح للبطلة أن ترقص وتمثل وتضحك وتبكي.
يجب أن تصدق منذ اللحظة الأولى أن سمارة تملك من الجمال ما يجعل "كل" الرجال يقعون في حبها، بل إن من يخطبونها يلقون مصرعهم بشكل غامض، وسوف نعرف أن وراء هذه الجرائم رجلين مزواجين من "أهل الحتة"، الأول هو المعلم سلطان (حسن حسني)، تاجر المخدرات الكبير الذي يتخفى وراء تجارة الفاكهة، ويتعامل مع رجل غامض يطلقون عليه "البك الكبير" هو الذي يجلب المخدرات إلى البلاد، أما الثاني فهو المعلم فتوح (سامي العدل) الذي بدا صبيا للأول، ثم تحول بدوره إلى تجارة المخدرات أيضا وراء قناع تجارة الخضروات.
وسوف يظل سلطان وفتوح غريمين في حب سمارة، وإن كانت تجمعهما الجريمة. وبينهما تقف بطلتنا تغازل هذا مرة وذاك مرة، بدافع من أمها (لوسي) النهمة إلى المال بأي ثمن، ويصطنع لها المسلسل قصة في الماضي إذ عشقها والد سمارة (زكي فطين)، ابن الحسب والنسب، الذي ترك أسرته من أجل محبوبته الراقصة وضيع عليها ثروته، وأصبح اليوم مدمنا على الخمر، مستذلا مهانا من الأم التي لا تتورع عن أن تتخذ لنفسها رجلا آخر تعيش في حماه، مثل المجرم العريق في الإجرام صالح أبو شفتورة (ضياء عبد الخالق)، الخارج لتوه من السجن، ويذكرنا اسمه بالاسم المستعار الذي اتخذه ضابط الشرطة المتنكر في المسلسل الإذاعي القديم: سيد أبو شفة!!
على الجانب الآخر من هذا العالم الدرامي يقيم الأغنياء من رجال السياسة، الذين يتحدثون عن الفضيلة وإن كان يجب أن تتوقع أن يسفروا عن نقيضها. وفي القلب من هذه الطبقة يوجد عبد المجيد بك (عبد الرحمن أبو زهرة) صاحب المركز المرموق في حزب الشعب، الذي يرأسه فهمي باشا (عمر الحريري)، لكن ما يهمنا أن عبد المجيد هو والد كمال، الأستاذ في الجامعة، والمشغول ببحث عن تأثير البيئة في سلوك البشر، والذي يذهب إلى الحي الشعبي الذي تقيم فيه سمارة، لأنه الحي المشبوه الذي مُنعت نساؤه من ممارسة الرذيلة، ليذهب بطلنا ليدرس كيف ترك ذلك تأثيرا على أبناء الحي، أو بالأحرى بناته.
تأتي هذه المعلومة في سياق الحوار مرة أو مرتين، لكنك لن تراها أبدا مجسدة على الشاشة، فكمال لن ينشغل لحظة واحدة بهذه الدراسة المزعومة، والسبب: أنه وقع في حب سمارة في اللحظة التي وقعت عليها عيناه!! تأمل كيف يعبر المسلسل عنها: تقع سمارة أمام سيارة كمال، فتصرخ وتولول، وينزل هو ليرى ما حدث، وفجأة ينطلق سهم "كيوبيد" ليصيب القلبين، وتصدح الموسيقى معلنة عن ميلاد الحب، فقد قررت سمارة أن تعشق هذا الفتى، كما سوف ينسى هو خطيبته ويهجرها من أجل سمارة.
أرجو ألا تسيء الظن ببطلنا، فهو لن ينسى دراسته، لكنه سوف يجعل سمارة موضوعا لها، لينتقل المسلسل في بعض الحلقات لاقتباس "بيجماليون" أو "سيدتي الجميلة"، حين يأخذ كمال محبوبته إلى صالون التجميل، ويعلمها كيف تتخلى عن تعبيراتها السوقية لتستخدم قواعد المجتمعات الراقية، ويذهبان إلى منزل أسرته حيث تقنعهم بالفعل أنها زميلته في الجامعة. لكن المسلسل لا يكتفي بهذا الاقتباس وحده، ولك أن تتخيل مثلا أنه سوف يمضي أيضا لتقليد "خللي بالك من زوزو"، حين تقرر سمارة أن تصارح أسرة حبيبها بحقيقتها، فتفاجئ الجميع برقصة "هز بطن" مثيرة، وبرغم أن الموقف يشي بأنه دليل على شعور سمارة بالهوان، فلن تتوقف إلا بعد أن تؤدي الرقصة كاملة!!
بكلمات أخرى أوضح فإن المسلسل لا يدور حول شخصية فنية تدعى "سمارة"، بل حول غادة عبد الرازق، الممثلة والمؤدية التي قررت أن تكون النسخة الجديدة القديمة من نادية الجندي ونبيلة عبيد، في دور المراة التي تجسد "ملكة النحل" القاتلة، يسعى إليها كل الرجال، وفي الوصول إليها هلاكهم، كما أن الدراما المصنوعة تمنحها دائما فرصة للانتقال من الحضيض إلى القمة لكي تعود إلى الحضيض في النهاية، وهو ما يمنح النجمة فرصة لاستعراض "الإمكانيات"، خاصة النواح والعويل من جانب، والدلال والرقص من جانب آخر.
ترك هذا الاصطناع في الكتابة أثره الفادح على التمثيل، ليأتي في أسوأ حالاته على الإطلاق، ولن تصدق مثلا أن لوسي التي قدمت أفضل أدوارها مع داوود عبد السيد في "سارق الفرح"، أو أسامة أنور عكاشة في "أرابيسك"، هي ذاتها التي تؤدي هنا بشكل مفرط في المبالغة: تنطق ببطء وصخب وتشيح بالأيدي وتنظر بتحديق، ولن يفلت أي من الممثلين الآخرين من هذا الأسلوب، فهم يقفون في صف واحد كأنهم على خشبة مسرح، وينتظر أحدهم في صمت وسكون حتى يأتي دور سطر حواره فإذا به يتحرك وينطق فجأة!!
كانت "سمارة" القديمة رمزا للبراءة التي وضعتها الظروف في "جو أسود رهيب"، لذلك أصبحت "فولكلورا" لأن المتلقي تعاطف معها وأراد لها أن تنجو من هذا السياق، وحتى عندما ماتت في نهاية المسلسل الإذاعي أحب الجمهور أن تنجو ليظهر لها جزء ثان. أما الحال في المسلسل التليفزيوني، فالبداية والنهاية هي "الفرجة" وليس التعاطف، وتلك من آفات الدراما المصرية في الفترة الأخيرة، لذلك إذا ماتت سمارة في نهاية الحلقات لن يتأثر المتفرج، ولن يشعر بالحنين إلى أن تنجو مثل هذه البطلة من الموت!!

Saturday, August 06, 2011

مسلسل "دوران شبرا" عن دراما التشابه والاختلاف


من الرموز الشائعة في عالم السرد الروائي والدرامي في مصر في الفترة الأخيرة رمز "العمارة"، أو البناية التي تضم قطاعات مختلفة من الناس، حتى أنها تصبح تجسيدا لوطن كامل في لحظة معينة. ولعل شهرة رواية علاء الأسواني "عمارة يعقوبيان" كانت دافعا لظهور مزيد من هذه الأعمال، وإن لم تكن "يعقوبيان" هي الأولى في هذا المجال، وربما لا يتذكر المتفرج مثلا فيلم جلال الشرقاوي في النصف الثاني من الستينيات "الناس اللي جوه"، الذي كان بدوره نوعا من المحاكاة لمسرحيتي نعمان عاشور "الناس اللي تحت" و"الناس اللي فوق". ومنذ سنوات قليلة ظهرت رواية نعيم صبري "شبرا"، لتعرض في نسيج رقيق كيف أن المصريين المسلمين والمسيحيين يتعايشون معا عبر الأجيال.
وإذا بدا لك للوهلة الأولى أن هناك تشابها بين هذه الرواية ومسلسل "دوران شبرا"، الذي كان اسمه "شبرا" فقط قبل أن يغير صناعه اسمه حتى لا تثبت شبهة التشابه، فإن هذا لا يبخس المسلسل حقه أبدا، فهو بكتابة عمرو الدالي، وإخراج خالد الحجر، يدرك جيدا ما هي صنعة الدراما، التي تبدأ بخلق شخصيات من لحم ودم، لا تقع في الإطار النمطي للأخيار والأشرار، وهي تتلاقى وتتباعد، تتحالف وتتصارع، وتغير من مواقفها مع تغيرات الأحداث، وبذلك فإنها تظل تشد المتلقي إليها دائما، وهي سمة من النادر أن تتحقق في الآونة الأخيرة في الدراما المصرية، التي فقدت للأسف أهم الأبجديات الدرامية.
دعنا في البداية نتوقف قليلا عند "جغرافية" العمارة القديمة في حي شبرا القاهري: هناك بدروم تسكن فيه عائلة من يحرسون العمارة، وفي القلب منها المرأة الشابة عزة (حورية فرغلي) التي سوف نعرف على الفور أنها تحملت عشر سنوات من غياب زوجها ناصر (هيثم زكي) في السجن، ظلت خلالها تعمل خادمة لدى سكان العمارة، لتربي أيضا الفتى يوسف شقيق زوجها الذي أصبح الآن صبيا يافعا، ولتتلقى دائما تبكيت أمها مبروكة (حنان يوسف)، التي تبيع الخضار أمام باب العمارة. أما في الطابق الأول فهناك شقتان متجاورتان، لامرأتين تقتربان من خريف العمر، الأولى هي المسيحية لولا (دلال عبدالعزيز)، زوجة عزيز (سامي العدل) صاحب محل العطور، وأم ابنها الوحيد أشرف (أحمد عزمي) الذي يتلقى منها التدليل على الدوام. أما الشقة الثانية فتسكنها المسلمة أم سامي (عفاف شعيب)، وأولادها سامي الذي يعمل في إحدى دول الخليج وعاد لتوه منها خاوي الوفاض، وهاني موظف البنك الذي يجتهد للبحث عن شقة ليتزوج من زميلته، وعماد (محمد رمضان) الذي يبدو عابثا لكنه في الحقيقة يبحث لنفسه عن مكان تحت الشمس التي لا يكاد يراها، لأنه يعمل عملا ليليا في "سوبرماركت"، بمرتب لا يكفي نزواته العابرة، ويحلم بالسفر ليحقق الحرية التي يحلم بها. وإلى جانب هاتين العائلتين هناك رفعت (بطرس غالي)، الأرستقراطي العجوز الذي يعيش وحيدا، حتى تأتيه في الأجازة حفيدته نورا لتقضي الصيف معه. وفي الأعلى يقيم المدرس زيدان (زكي فطين)، الأعزب الذي يخفي عن جيرانه استقباله في منتصف الليل بعض فتيات الشوارع.
برغم الاختلاف بين أفراد هذه "الشريحة" من المجتمع المصري، سواء في الطبقة أو الديانة أو العمر أو حتى النظام الأخلاقي، فإنهم جميعا يكونون نسيجا واحدا، وهو ما يعبر عنه المسلسل بالعديد من الطرق. تأمل مثلا كيف أن صلاة الصبح تربط الشخصيات معا في لقطات تنتقل بينهم كأنها لقطة واحدة متصلة، لا فرق بين أبناء دين وآخر، أو قارن كيف أن أغنية تنطلق من المذياع تربط بين أحد المشاهد والمشهد التالي له حتى لو تغيرت الشخصيات. وربما سوف تتكرر كثيرا تلك العادة في المجتمعات المصرية التقليدية (وحي شبرا من أهم هذه المجتمعات) عندما تنفتح البيوت على بعضها في الأتراح والأفراح.
تمضي الأحداث بتلقائية ونعومة لأنها أحداث الحياة اليومية، المعتادة منها والاستثنائية. يخرج ناصر من السجن مثلا، وهو الذي كان شقيا "بلطجيا" لكنه قرر التوبة خلال سجنه، إنه يحلم بحياة كريمة يكسب فيها رزقه بعرق جبينه، لكن الواقع لا يتركه في حاله، ليجد نفسه ممزقا من ناحية بين سلطة يجسدها ضابط المباحث عمر (أحمد كمال)، الذي يريد أن يعمل ناصر لديه مرشدا، مع تهديد أمين الشرطة رضا الذي يحمل ثأرا قديما لأن ناصر ضربه "علقة" قبل أن يدخل السجن، ومن ناحية أخرى هناك حسن ماريكا، زميل ناصر القديم الذي يريد أن يعود لمشاركته طريق الخروج على القانون. اختيار صعب يعيشه ناصر، ولا يجد من يحميه سوى الجماعات الدينية التي لا يعرف هدفها الحقيقي، لكنها تتيح له على الأقل ما يكفيه لكي يعيش حياة كريمة.
قصة ناصر تلك تمثل نموذجا للدراما المكتوبة والمنفذة بشكل جيد، فالصراع بداخل الشخصية وخارجها معا، وسوف يحملها المسلسل (كما سوف تحمل المسلسل) إلى مستويات جديدة من الصراع، حين يقرر ناصر أن يخوض التجربة المريرة والخطيرة للتلاعب بأطراف الصراع. كما أن قصة الشاب أشرف بدورها تمثل نواة درامية أخرى: إن أباه عزيز سوف يلفظ أنفاسه الأخيرة في صباح عادي من الأيام العادية، بينما هو يضحك على نكتة ألقاها عليه صبي المقهى، وهو الموت الذي سوف يجعل الابن أشرف يواجه الحياة بجدية ربما للمرة الأولى في حياته، ليكتشف أن أباه مدين بمبلغ كبير للبنك، فيقرر أن يحول محل العطور لنادٍ إلكتروني بإيعاز من ماجدة، الشابة التي تغريه بالزواج منها واحتوائه بما يجعل أمه – لولا – تشعر بالأسى من هذا المصير.
إنك لا تستطيع أن تلوم الأم لولا على مشاعرها، لكنك أيضا لا تستطيع أن تلوم الابن أشرف على تصرفه، بل إنك لا تشعر بالكراهية تجاه ماجدة، فهي شخصيات درامية كاملة، وكل منها لديها دوافعها التي لا يساورك الإحساس بالشك في صدقها. إن هذا يمتد أيضا لعائلة أم سامي وأبنائها الثلاثة، الذين سوف يتواجهون في لحظة صراع قاسية على الشقة، التي يبدو بيعها للجميع كأنه الحل الوحيد لمشاكلهم أو أنها سبب مشاكلهم، ومن المشاهد عميقة التأثير في المسلسل ذلك المشهد الذي تلجأ فيه أم سامي للمسجد، وتبحث جارتها لولا عنها فيه حتى تجدها، لتبدو لك المرأتان وجهين لعملة واحدة، فليس هناك في الحقيقة أي اختلاف بينهما على عكس ما يبدو على السطح: نفس السعادة، ونفس الشقاء.
التشابه والاختلاف في آن هو سر حيوية مسلسل "دوران شبرا"، ففيهما يتحقق الصراع الدرامي بشكل راقٍ. كما أن المسلسل يحتفظ ببعض الشخصيات التي تبدو ثانوية، حتى يأتي أوان استخدامها بشكل أكثر درامية، فتكتشف أنها في الحقيقة شخصيات رئيسية على نحو ما، ولعل شخصية سمية، شقيقة عزة الأصغر، تجسد هذا الدور، فهي تظهر في الحلقات الأولى بشكل عابر، لكنها تصبح محور بعض اللحظات والصراعات، إنها تحاول التلاعب بطريقتها بمراهقي الحي، الذين يغازلونها ولا تصدهم ربما سعيا إلى هدية تافهة أو نزهة عابرة، لكن ذلك قد يجر الأحداث إلى صراع أعمق وأكثر شراسة وعنفا. وبنفس القدر تلعب نورا، حفيدة رفعت الزائرة من فرنسا، دورا مهما في حياة الصبي يوسف (شقيق ناصر)، لكن صداقتهما البريئة تشعل نارا بين الفرقاء، كما تثير لدى المتفرج أسئلة جوهرية حول ما يجمع أو يفرق بين أبناء الوطن الواحد.
بين المستوى الواقعي لمسلسل "دوران شبرا"، والمستوى الرمزي له، علاقة وثيقة، والعمارة هنا هي الوطن، في لحظة فارقة من حياته، حيث الكل في مفترق طرق، تبدو مسالكهم متباعدة مشتتة، لكنها في الحقيقة طريق واحدة، لكن إداركها يعتمد على قدرتنا على فهم أن ما يوحدنا أعمق ألف مرة مما يبدو أن يفرِّق بيننا.

Wednesday, July 20, 2011

أسطورة البطولة المطلقة



شاعت في الفترة الأخيرة في الصحافة الفنية المصرية تعبيرات غريبة، إن كانت قد فاتت على صحافي مبتدئ فلا ندري كيف فاتت على الصحافيين الكبار، مثل تعبير "السيرة الذاتية"، التي يقصدون بها الأعمال التي تتناول سيرة حياة أحد المشاهير، أما "الذاتية" فلا تطلق إلا على من يكتب سيرة حياته بنفسه. وبالمثل أصبح تعبير "البطولة المطلقة" شائعا بدرجة تثير الضحك، وهو تعبير لا يمكن ترجمته إلى أي لغة في العالم، فهل يعنون به أن الممثل الفلاني أو الممثلة الفلانية سوف تمثل الفيلم وحدها، بدون أبطال آخرين أو شخصيات ثانية أو ثانوية، أو ربما أيضا بدون ديكور أو "أكسسوار" ما دامت البطولة "مطلقة"؟!!
يتجاهل هذا التعبير – ولعله يجهل – أن السينما، كأي نشاط في الحياة، لا تعتمد أبدا على أي وجود "مطلق" لشخص ما، ولا يمكن لجسد أن يعيش بنوع واحد من الخلايا أيا كانت درجة أهميتها. ودائما ما كانت الأدوار الثانية والثانوية في الأفلام عميقة التأثير على البناء الكلي للفيلم، ناهيك عن أن هناك أفلاما – ربما توقفنا عندها في مقال لاحق – تقوم على عدم وجود "بطولة" من أي نوع لشخصياتها. تعال نتذكر مثلا عبد الوارث عسر في دور الأب لعبدالحليم حافظ في "الوسادة الخالية"، دور قصير لكنه يجعل قصة الحب تقف على أرض الواقع الخاص بالطبقة المتوسطة آنذاك، و"التيمة" الرئيسية للقصة هي ذلك بالتحديد: أنه لا وجود حقيقيا لأي قصة حب إذا لم تضرب بجذورها في واقع الحياة.
أعرف أنك تملك ياعزيزي القارئ عشرات الأمثلة على هذه الأدوار الثانية المهمة، مثل حسين رياض في "شارع الحب"، أو زكي رستم في "الفتوة"، أو فريد شوقي في "السقا مات" أو "خرج ولم يعد"، أو صلاح منصور في "الزوجة الثانية"، ومئات الأدوار الأخرى. إننا نتحدث هنا عما يسمى "الأدوار المساعدة"، التي أصبحت من الأهمية بحيث يخصصون لها جوائز خاصة في المهرجانات العالمية. وفي الأغلب الأعم فإنها الأدوار التي تصبح نمطية، وتلتصق بالممثل من فيلم إلى آخر، مثل دور الأب والأم والحماة والصديق (السنّيد) والطبيب والشرير والراقصة، إلى آخر هذه الشخصيات، لكن قيمة الممثل الحقيقية تأتي من قدرته على تقديم تنويعه الخاص لهذه الشخصية النمطية، وخروجه أحيانا منها لكي يؤدي أدوارا أكثر عمقا ورحابة.
من بين من قاموا بالدور النمطي لشخصية تلقي بظلال قاتمة على الحبكة صلاح نظمي مثلا، فهو "العزول" بين الحبيبين، وعندما تقدمت به السن قدم فيلم "الجحيم" في دور الزوج الثري الذي تعتبره الزوجة وعشيقها عقبة في طريقهما فيقرران التخلص منه. لكن تأمل كيف أخذ عادل أدهم هذه الشخصية نفسها لتصبح أكثر تأثيرا، في بعض الأحيان من خلال المبالغة الكاريكاتورية المقصودة، وأحيانا أخرى بإضفاء ملامح إنسانية مرهفة عليها. من جانب آخر كان أشهر أشرار السينما المصرية هو محمود المليجي، الذي تكفي نظرة عينه، ورفع حاجبه، لترتعد فرائص ضحيته، لكن انظر كيف أنه قام بأدوار بالغة الرهافة والقوة معا في "الأرض" مثلا، حتى أن الفلاح محمد أبو سويلم أصبح "فولكلورا" لدى جمهور السينما العربية، ورمزا لمقاومة الرجال للظلم والقهر. هل أذكرك أيضا بممثل اسمه "عدلي كاسب"؟ تراه في فيلم "السفيرة عزيزة" في دور الجزار الذي يسيطر على شقيقته (سعاد حسني) طمعا فيما ورثته، حتى أنه يكاد أن يمنعها عن الزواج من الجار الطيب حبيب القلب (شكري سرحان)، ففي هذا الدور يصبح عدلي كاسب كالعاصفة الهوجاء التي لا تبقي ولا تذر، لكنه يظهر على العكس تماما في أفلام كوميدية مثل "عائلة زيزي" أو "سر طاقية الإخفاء".
هؤلاء الممثلون الذين يجري تصنيفهم على أنهم ممثلو الأدوار الثانية هم الرصيد الحقيقي الذي تملكه أي صناعة سينما، وبدونهم تصبح الأفلام "استعراض الشخص الواحد" كما هو الحال اليوم في صناعة السينما المصرية. وبقدر اتساع قاعدة هؤلاء الممثلين في الماضي ضاقت رقعتهم اليوم بشكل لا يصدق، إن أردت مثلا واحدا لشخصية أكبر في العمر فلن تجد سوى حسن حسني، وأحيانا صلاح عبد الله، وهما لا يفعلان سوى إلقاء سطور الحوار بطريقة هزلية وبدون الإحساس بأي شخصية فنية مرسومة لدوريهما، ليس لأنهما يفتقدان موهبة وحرفة التمثيل، فحسن حسني هو الذي أدى دور "رُكْبة" في فيلم داود عبد السيد "سارق الفرح"، ذلك الرجل الأعرج الذي يتمنى أن يطير في أجواز الفضاء، وصلاح عبد الله هو "المخبر" في فيلم داود أيضا "مواطن ومخبر وحرامي"، ليصبح معادلا لسلطة ثقيلة اليد بليدة الفكر.
بل إن أهمية أصحاب الأدوار الثانية تأتي أيضا من أنها مرحلة التكوين لقطاع كبير من الممثلين والممثلات، وربما كان النموذج الأهم هو فريد شوقي، الذي بدأ رحلة حياته في أدوار بلا اسم، حيث كان يطلق عليه فقط "رجل العصابة"، وعبر سنوات أثبت أنه قادر على أداء أدوار أكثر تركيبا، ليصبح في مرحلة لاحقة "ملك الترسو" بتعبيرات تلك الأيام. كذلك اسماعيل ياسين الذي استمر عشر سنوات في أدوار صغيرة قبل أن يصبح أول ممثل مصري تكون له سلسلة أفلام تحمل اسمه الحقيقي. وهو الأمر الذي ظل القاعدة لسنوات طويلة في السينما المصرية، فقد انتقلت شادية مثلا من دور الأخت أو الصديقة إلى أدوار البطولة، كذلك فؤاد المهندس ومحمد عوض اللذين كانت لهما أفلامهما الخاصة بهما، بعدما كانا مجرد مضحكين صغيرين في عشرات الأفلام. وحتى السبعينيات كان نور الشريف أو عادل إمام يقومان بهذه الأدوار الثانية، قبل أن يصبح الأول بطلا في عشرات الأفلام الجادة، ويحتل الثاني قمة الأفلام الكوميدية التي ما يزال يتشبث بها. لكن ما الذي حدث في الفترة الأخيرة؟
إن شئت الحقيقة فإن ما حدث في السينما كان انعكاسا لما يحدث في المجتمع ككل، فإذا لم تكن القيمة الوحيدة للإنسان مستمدة مطلقا من موهبته أو مهاراته، بل من السلطة التي يملكها، سلطة الحكم أو سلطة المال، وحيث تختفي كل المعايير الحقيقية والعادلة التي تسمح بالصعود الاجتماعي لمن يستحق ذلك بالفعل، فقد ظهر السعي إلى تلك الأسطورة التي تحمل مصطلح "البطولة المطلقة". ومثلما تجد في واقع الحياة "أبطالا مطلقين" ظهروا فجأة على سطح عالم السياسة والمال، بدون أن تعرف من اين أتوا بما يملكون، فإن الكثيرين من العاملين في مجال السينما تملكتهم هذه الرغبة أيضا في الصعود بأي ثمن.
بالأمس حاول ممثل مثل طلعت زكريا أن ينتقل من صفوف الممثلين الثانويين إلى صفوف البطولة، وليس في هذا أي عيب، لكن المشكلة تأتي من استخدام وسائل بعيدة تماما عن الفن والموهبة، ولعلك تعرف ما آلت إليه محاولاته الآن. وفي سياق قريب تجد محاولات الصعود من رامز جلال، وماجد كدواني، وخالد سرحان، وعشرات غيرهم، وكانت جميعا محاولات فاشلة.
السبب ليس أنهم أقل في إمكاناتهم ممن أصبحوا أبطالا لأعمال فنية، لكن السبب يكمن في السياق العام، سياق يقلل من أهمية الأدوار الثانية والثانوية برغم أهميتها. تأمل مثلا كيف أن ميريل ستريب، الممثلة والنجمة، لا ترفض أدوارا مساعدة في أفلام مثل "ساعات" أو "اقتباس"، كذلك فرانسيس ماكورماند في "تربية أريزونا"، أو صامويل جاكسون في "قصة شعبية رخيصة"، أو جورج كلوني وبراد بيت ومات ديمون في سلسلة أفلام "عصابة أوشان".
كلمة السر هنا هي أنه لا يوجد شيء اسمه "البطولة المطلقة"، وفي الحياة والفن توجد أعمال حقيقية يقوم فيها كل منا بدوره، لا فرق بين دور كبير أو صغير، وقد تتغير الأدوار من وقت إلى آخر، ليس المهم من قام بالبطولة، لكن المهم أن ينجح العمل ككل، وهذا ما يجب أن نسعى إليه، أن تكون لدينا أفلام، وأن يكون لدينا وطن.

Saturday, July 09, 2011

رمضان هذا العام بدون مولد المسلسلات وذلك أفضل جدا!!



هل يمكن أن تتصور أن رمضان سوف يأتي هذا العام بدون المسلسلات والبرامج إياها؟ ربما يبدو ذلك للبعض نوعا من افتقاد شهر رمضان للبهجة التي اعتادوا عليها، لكن إجابتنا عليهم ببساطة أن أشكال البهجة الرمضانية تتغير عبر الزمن، وأبناء الجيل القديم يتذكرون - بقدر كبير من الحنين - كيف كانوا بقضون ليالي رمضان في السهر والسمر، الذي يشتركون فيه بنشاطات فنية عفوية يؤدونها، كما أن أجيالا لاحقة لديها ذكرياتها مثلا مع فوازير نيللي أو شيريهان، ولم يحدث شيء عندما اختفى كل ذلك، فقد ظل رمضان يأتي، وظل الشعب العربي قادرا على ابتداع أشكال جديدة من البهجة والاحتفال.
نستطيع الآن أن نقول - ونحن نتأمل عاما مضى - أن شهر رمضان الماضي كان يؤذن بأن هناك تغييرا قادما لا محالة، وعلى هذه الصفحات من العام الماضي تساءلنا: هل لم يبق في بلادنا غير "العوالم" والراقصات اللائي نصنع لهن برامج حوارية في كل القنوات دون استثناء، حيث تتهم فيها الواحدة الأخرى فترد عليها تلك باتهام أفظع؟ كانت سياسة الإلهاء المتعمد هي السائدة منذ عام واحد فقط، وتجلت في عدة ممارسات كان هدفها سياسيا محضا، مثل التغطية على تزوير لم يسبق له مثيل في اتساعه وفجاجته للإرادة الشعبية في الانتخابات المصرية، تمهيدا لتزوير أعمق كانوا ينوون إجراؤه، واستخدم شهر رمضان آنذاك للتعمية عن كل ذلك، فتزايدت البرامج التي تقوم في شكلها ومضمونها على "الردح"، بالإضافة بالطبع للمسلسلات الهزيلة التي تعتمد على نجوم مرحلة كانت قد أصيبت بالشيخوخة لكنها تقاوم الأفول!!
يسرا، نور الشريف، ليلى علوى، يحيى الفخراني، غادة عبد الرازق، سمية الخشاب، وعشرات آخرون من النجوم وأشباه النجوم، كانوا يحاصرونك في المسلسلات التي صنع أغلبها على عجل لتلحق بالمولد الرمضاني. ونحن لسنا هنا في مجال التقييم النقدي للفرق الهائل بين الموهبة الحقيقية بين نجم وآخر، ومن المؤكد أن من بين هؤلاء من يتمتع بموهبة فنية أصيلة، لكن الطبيعة الخاصة للعرض في شهر رمضان كانت تفرض حتى على الموهوبين أن يعتمدوا فقط على صورتهم الجماهيرية. ومثل الزعماء الذين يظهرون في الشرفات فتستولي على الجماهير نوبة من التصفيق والهتاف، تصور أشباه النجوم بدورهم أن مجرد ظهورهم يكفي، بلا حاجة لأي جهد فني، وأنت تعرف بالطبع أن بعضهم أطلق على نفسه صفة الزعامة، لكن تلك بداية النهاية، ومثل السياسة عندما يتساءل الناس عما يمنحه لهم القائد السياسي الذي يتصرف باعتباره "نجما"، فإن المتفرجين يتساءلون أيضا عندما يرون النجم – الذي يتصور نفسه زعيما - إذا ما كان يمثل لهم أم يمثل عليهم!
كان إذن رمضان الماضي علامة على نهاية مرحلة، وربما جاء رمضان الحالي علامة على مرحلة جديدة، كان أول أماراتها الدالة اختفاء معظم نجوم المرحلة السابقة، وهو الاختفاء الذي يكمن وراءه سبب مزدوج، فأجورهم الباهظة التي يدفعها لهم المنتجون، ويستردونها من المعلنين، الذين يمتصونها بدورهم من المستهلكين، هذه الأجور تبدو هذا العام مستحيلة، لأن هناك توقعات بتراجعات المعلنين، الذين يخشون من تدني نسبة المشاهدة. أما السبب الآخر فهو أن هؤلاء النجوم، الحقيقيين منهم والمصطنعين، باتوا أقرب التصاقا في لاوعي الجمهور بمرحلة الإلهاء التي ولت، وببساطة لم يعد أحد يصدقهم، وما نزال في انتظار أن تثمر المرحلة اللاحقة وتسفر عن نجومها.
تأمل على سبيل المثال إذا ما ظهرت يسرا في مسلسل جديد، ترى هل سوف يتعلق بها الجمهور كما كان يفعل من عشر سنوات خلت؟ هناك كثير من الشك في ذلك، لأنها اربطت في الأذهان بمرحلة تزايد فيها الكذب على الناس، الكذب الصريح إلى درجة الوقاحة، ولأن يسرا أيضا مضت إلى استسهال أداء شخصيات مرسومة على نحو باهت. مرة أخرى قد يحتج البعض بأن يسرا موهبة لا شك فيها، ومرة أخرى نؤكد أن الموهبة لابد أن تتجسد في جهد وعطاء فنيين، وهي لم تفعل ذلك في السنوات الأخيرة لأن السياق كله كان يكرس لأن يحصل على النجومية من يضحك على الناس. ولعل هذا الأمر يبدو أكثر وضوحا مع نور الشريف، وهو بدوره لا شك في موهبته وقدراته، لكن تأمل مسلسل "الدالي" بأجزائه، وحاول أن تعثر فيه على أصالة فنية، وأعتقد أنك لن تجد الكثير.
سوف يكون لنور الشريف جزء ثالث من "الدالي" في رمضاننا هذا، لكن ما نتوقعه أنه سوف يكون مثل الجزأين السابقين امتدادا للمعالجة الفاترة لفكرة فيلم "الأب الروحي"، سلسلة من القتل والمونولوجات الزاعقة والعلاقات الميلودرامية، منبتة الصلة عن واقعنا، والمتفرج يعلم الآن أن الفساد المستشري في واقعه أكثر عمقا من ذلك الذي يصوره "الدالي"، فما حاجته إذن للفرجة عليه؟ إن هذا ينطبق أيضا على غادة عبد الرازق، التي لا تقف فقط عند حدود محاولة إحياء بطلات نادية الجندي ونبيلة عبيد، الفاتنات القاتلات، لكنها أيضا تبعث مسلسلات قديمة من قبورها، مثل "سمارة" بصفاتها الفولكلورية التي لا يمكن للجيل الجديد أن يصدقها أبدا.
مثل الظل الشاحب تمضي سمية الخشاب أيضا في إثر نادية الجندي ونبيلة عبيد، ولا أدري كيف يتصور المنتجون أن يصنعوا لها "وادي الملوك"، ليكون نسخة أخرى من مسلسلات "أشباه" الصعايدة وتهريب الآثار، تلك التي شاهدناها عشرات المرات، أو يكون لها مسلسل آخر يدعى "كيد النسا"، في عصر تقف فيه المرأة المصرية بجوار الرجل في الثورات العربية، تتلقى الضربات وتدافع عن نفسها ليس بـ"كيد النساء" أبدا، وإنما بالتحيز للحرية والكرامة والعدل!!
ومن بقايا المسلسلات القديمة، يأتي محمد هنيدي في مسلسل "رمضان مبروك"، وهاني رمزي في "عريس دليفيري"، وكل منهما قد تجمد عند ذات الحركات والإيماءات التي يتصورونها تثير الضحك، بينما هي أقرب لتجسيد البلاهة والبلادة، اللذين لم يعد لهما مكان في عقل المتفرج العربي الآن. ماذا عن تامر حسني أيضا؟ ربما يكون له مسلسل "آدم"، لكن هناك شكا كبيرا في أن يظل له جمهور واسع بعد موقفه السلبي من ثورة يناير والثوار.
ولعل الموقف الغامض لمسلسل عادل إمام يعبر عن الحالة الراهنة في صناعة الإعلام العربي، إنه مسلسل يدعى "ناجي عطا الله" ويمكن أن يحمل أي اسم آخر، وقيل الكثير عن حبكته الهزلية التي تحكي عن سرقة هذا "البطل" لمصرف إسرائيلي، وسوف يقول عادل إمام أن في ذلك تعبيرا عن المقاومة، بالسرقة كما كان بطل "السفارة في العمارة" يقاوم بمعاشرة بنات الليل!! لكن التوقف المفاجئ عن التصوير، بعد إنفاق نفقات باهظة في الإنتاج (لقد كان أجر عادل أمام وابنيه المخرج رامي والممثل محمد مثار لغط كبير)، هذا التوقف يعني أن صناع العمل يستشعرون خطرا حقيقيا.
الأمر ببساطة هو أن هناك تغييرا في مزاج المتفرج المصري والعربي، وهو لم يعد يستمتع باجترار حواديت ملفقة بأداء بليد فاتر، يعتمد فيه النجوم وأشباههم على أن الجمهور سوف "يبلع" كل ما يقدم له. كما أن المتفرج سوف يشعر بالإهانة عندما يجد أن برامج الإشاعات الفاضحة تستهين بعقله على نحو ما صنعت في رمضان الماضي. وربما سوف يتحول المتفرج قليلا إلى برامج "التوك شو" السياسية، لكنه وقد أصابته التخمة منها لم يعد مفتونا بها كما كان من شهور مضت. إنه لا يريد الحديث عن التغيير، بل إنه يريد أن يراه ويلمسه ويعيشه، وهو في الأغلب سوف يبدأ هذا التغيير بنفسه، عندما يخرج إلى الساحات في ليالي رمضان، يناقش أحواله ويستطلع مستقبله، وينتظر العيد الذي سوف يكون طعمه هذه المرة بالتأكيد مختلفا.

Thursday, July 07, 2011

النقابات الفنية في مصر البحث عن معنى



وسط الفورة التي خلقتها الثورة المصرية منذ يناير الماضي، تصاعدت مطالب مشروعة للعديد من النقابات الفنية في مصر لتحسين أدائها، وقيل الكثير عن ولاء من يتولون أمور هذه النقابات للسلطة السابقة، مثل أشرف زكي نقيب الممثلين، أو مسعد فودة نقيب السينمائيين. وربما كان الرد الجاهز عند هؤلاء أن علاقتهم الجيدة بالسلطة هي التي تتيح لهم تسيير أمور النقابة، وبرغم أن هذا القول يعكس مفهوما مغلوطا لمعنى ودور أي نقابة، التي يجب أن تستمد قوتها وتأثيرها الحقيقيين من استقلالها الكامل عن أية سلطة رسمية، بل الوقوف أحيانا في وجه هذه السلطة، فإن المطالبين بتغيير النقباء الحاليين يرتكبون الخطأ ذاته حين يلجأون لوزير الثقافة لكي "يأمر" بإجراء الانتخابات في بعض هذه النقابات!!
إنك إن تأملت الأمر لوجدت أن ذلك ينزع عن النقابة الفنية أبسط مهامها وحقوقها، فليست هناك سلطة لوزير على نقابة شكلها أبناء مهنة ما لترعى حقوقهم وتدافع عنها، وعلى سبيل المثال فإن من المفترض أو من الواجب ألا يكون لوزير الصحة تدخل في نقابة الأطباء، ولا لوزير العدل القدرة على فرض رأي على نقابة المحامين. وإذا كانت نقابة السينمائيين مثلا تريد إجراء انتخابات – حتى قبل موعدها – فإنه يكفي أن يكون هناك اجتماع عام لأبنائها يقررون فيه ذلك، لكن اللجوء إلى وزير الثقافة (ولا داعي للإشارة إلى أنه لم يثبت حتى القدرة على التحكم الجاد في شئون وزارته) لكي يكون حَكَما في شئون النقابة، فهذا يثبت أن مفهوم النقابة نفسه يعاني تشوشا في ذهن أغلب أعضائها.
لماذا – مثلا - لم نسأل أنفسنا يوما ما هو الدور الحقيقي للنقابة والنقيب، أو لماذا لم نتأمل الحصاد الذي جلبه شخص ما خلال فترة توليه المسئولية؟ وما زالت هذه النقابات في مصر تعمل بدوافع شخصية تماما، وانظر مثلا كيف كان يوسف شعبان عاملا مشتركا في كل مسلسلات التليفزيون عندما كان نقيبا للممثلين، ثم غاب عن الأضواء أو كاد حين ترك المنصب، وهو ما حدث وسوف يحدث مع أشرف زكي، لتدرك أن هذا كان في جانب منه تأكيدا على علاقة النقيب بالمنتجين الذين يمولون هذه المسلسلات، فلا تسأل عندئذ إذا كان سوف يقف بحق إلى جانب أبناء النقابة الذين قد تتعارض مصالحهم مع هؤلاء المنتجين أنفسهم.
وحتى لا يصبح حديثنا مجردا أو نظريا، سوف أتوقف بك الآن عند أحد الأمثلة المهمة، وهو "نقابة ممثلي الشاشة" في أمريكا، وأرجو أن تقوم بالمقارنة بنفسك مع ما يحدث عندنا. لكن دعني في البداية أضع معك تعريفا بسيطا لفكرة النقابة، فكل عمل يتألف من عامل وصاحب عمل، ومن يملك سلطة الأمر والنهي في هذه العلاقة يكون دائما هم من يملك المال، وإذا اعترض العامل مثلا على أجره المتواضع فإن صاحب العمل يمكنه أن يصرفه لأنه يعرف أن هناك "طابورا" طويلا من العمال العاطلين الذين بنتظرون فرصة للعمل، وسوف يرضون بالأجر الهزيل. ماذا إذن لو كان هناك تجمع ما يجمع بين هؤلاء العمال، يضع حدا أدنى لا يمكن للأجر أن يقل عنه؟ عندئذ لن "يزايد" أبناء المهنة الواحدة على تقليل أجورهم، ولن يجد صاحب العمل فرصة للضغط على العامل لكي يقبل بشروط متدنية، وتلك ببساطة هي المهمة الأولى للنقابة.
الهدف الرئيسي إذن لنقابة الممثلين هو تحسين أوضاع الممثلين، لا فرق في ذلك بين نجم أجره وصل إلى الملايين، و"كومبارس" صامت لا يجد سوى قوت يومه، بل إن هذا الأخير هو الأهم، ففي نقابة ممثلي الشاشة في أمريكا (التي تضم ممثلي السينما والتليفزيون) هناك مائتا ألف ممثل، وهو ما يعني أن الممثل الصغير معرض دوما لشروط عمل متدنية، لأن هناك مئات غيره ينتظرون عملا إذا أبدى هو تذمرا. لكن تأمل كيف سارت الأمور في عام 2000، حين قررت النقابة إضرابا عن العمل تماما، كان الأطول في تاريخها إذ استمر ستة أسابيع كاملة، وكان من المثير أن النجوم جميعا، وعلى رأسهم جورج كلوني ومورجان فريمان وجيف بريدجز وجوليا روبرتس، أعلنوا عن تضامنهم مع الممثلين الصغار، ووقفت شركات الإنتاج عن العمل، حتى رضخ المنتجون للمطالب.
أعتقد أنك سوف تبتسم عندما تعرف هذه المطالب، التي سوف تبدو لنا – بالمقارنة مع الحال عندنا – نوعا من الرفاهية الزائدة: لقد كان الممثلون (خاصة ممثلي الإعلانات!!) يرون أن جزءا كبيرا من حقهم يضيع عندما يصورون إعلانا، يأخذون عنه أجرا واحدا، بينما يذاع الإعلان على شاشات التليفزيون وقنوات "الكيبل" وعبر الإنترنيت آلاف المرات، لذلك فإنهم رأوا أن من حقهم أجرا عن كل مرة يذاع فيها الإعلان، وحصلوا على هذا الحق بالفعل!!
حدث ذلك لأن النقابة وأبناءها وقفوا صفا واحدا، كبيرهم وصغيرهم، ولأن النقابة تدرك أن دورها هو الضغط لصالح أبنائها لتحسين ظروفهم. لكن النقابات الفنية المصرية تتعامل مع هذا الأمر كأنه من باب "الصدقات" (!!)، وأرجو أن تتأمل على سبيل المثال كيف تنشر هذه النقابة أو تلك أخبارا عن معاش أو نفقات علاج للممثل أو الفنان كأنه نوع من المعونة. وقد تكون النقابة "معذورة" لقلة مواردها، لكنها ليست معذورة أبدا في فهمها القاصر لدورها وسلطاتها، ومعظم هذه النقابات تعتمد على اشتراكات الأعضاء الهزيلة، أو الرسوم الباهظة التي تفرضها على الممثلين من غير أعضائها، لكنك لا تدري أبدا لماذا لم يضع من يديرونها في حسابهم أن يخوضوا حربا عادلة بحق، للحصول على "حق الأداء العلني" الذي أصبح جزءا من "الاتفاقية العالمية لحماية الملكية الفكرية" (التريبس)، وهي الاتفاقية التي تستخدمها الدول الكبرى الآن في مفاوضاتها للضغط على الدول الصغرى في الأمور السياسية.
والأمر ليس مجرد شعارات مرفوعة يستخدمها شخص ما لأغراض انتخابية، ثم ينساها أم يتناساها، لكنه يحتاج بالفعل إلى من يدرسون هذا الأمر وغيره داخل النقابات ويصبحون متخصصين فيه وتصبح تلك مهمتهم. وإذا كان هذا غائبا عن نقابة الممثلين أو السينمائيين في مصر، فالأمر أفدح فيما هو أبسط من ذلك. فمن يسمى "المستشار القانوني" للنقابة يقتصر دوره على المنازعات أمام المحاكم، لكن هناك دورا أسبق يجب التوقف عنده، وهو أن تضع النقابة أبناءها في موقف قانوني قوي منذ البداية، لا أن تتركهم لأصحاب شركات الإنتاج "وكل واحد ونصيبه"!! هل تدري نقابة الممثلين المصرية مثلا أن هناك صيغة تعاقد واحدة تضعها نقابة ممثلي الشاشة الأمريكية بحيث لا يمكن الخروج عليها؟ والأهم هو ما تتضمنه هذه العقود.
إنها تشترط مثلا منع التعاقدات الإجبارية طويلة الأجل، لأن ذلك يجعل الممثل في موضع "العبودية" أمام الشركة المنتجة. وبالإضافة إلى تحديد الحدود الدنيا للأجور فإن هناك تحديدا لساعات العمل اليومية والأجازات الأسبوعية الإجبارية، وما يخرج على ذلك يستحق أجرا مضاعفا. وتصل التفاصيل إلى تحديد ساعات الراحة، وتناول الطعام، وتوفير الشركة المنتجة للمأكل والمشرب، وأماكن الراحة وتغيير الملابس وتحضير الماكياج، والاستعداد بوسائل العلاج المناسبة في موقع التصوير، ناهيك بالطبع عن تدبير وسائل الوصول لهذا الموقع.
تتابع نقابة ممثلي الشاشة في أمريكا أبناءها وترعى مصالحهم على نحو فيه أبعاد سياسية واقتصادية ناضجة، فهي تشترط عدم التمييز بين الممثلين على أساس الجنس أو العِرْق أو نوع العمل أو درجة الشهرة، وهي تقيم دورات تدريبية لأعضائها الجدد، وتقيم صلات دائمة بوكلاء الفنانين وشركات الإنتاج حتى تدبر عملا (أو حتى اختبار أداء) لكل أعضائها. وهي في النهاية تقيم حفلا سنويا توزع فيه الجوائز على من يستحق من الممثلين، وتصبح هذه الجوائز في الأغلب مؤشرا على النتائج المقبلة للأوسكار.
وإذا كنا قد ضرينا مثلا بنقابة ممثلي الشاشة في أمريكا، فلكي نقول ببساطة أنه ليس علينا أن نخترع العجلة من جديد، كما نفعل للأسف في الكثير من أمور حياتنا. لن يستغرق الأمر إلا بعض الوقت في الدراسة الجادة لتجارب الآخرين، مثل ضرورة أن تكون هناك مثلا نقابات فرعية للتخصصات السينمائية المختلفة (مديري التصوير، فناني المونتاج، مصممي الديكور، إلخ)، بدلا من الوضع الغريب الذي يضم في نقابة السينمائيين المصريين من لا يمكن جمعهم في نقابة واحدة. والمحك في هذا كله ليس أن يطمح هذا الشخص أو ذاك إلى أن يكون نقيبا، أو أن يستخدم عبارات رنانة لا تعني في النهاية شيئا محددا، بل أن نطرح جميعا شكل النقابة، ودورها، ومعناها، للمناقشة، وهذا ليس لمجرد إصلاح الأحوال المالية لأبناء هذه النقابة أو تلك، بل حتى يكون لدينا سينما بحق، وفنون بالمعنى الجاد للكلمة.

Friday, July 01, 2011

من قتل سعاد حسني؟


أرجو ألا يتصور القارئ أن ما سوف يقرأه الآن هو تحقيق صحفي عن "مصرع" سعاد حسني، مثل تلك التحقيقات التي يقرأها في الصحافة الفنية من هذا الموسم كل عام، وكانت لها هذا العام مناسبة خاصة هي رحيل نجمة السينما المصرية منذ عشر سنوات تماما. الحقيقة أن سعاد حسني كان مقررا لها أن ترحل معنويا قبل رحيلها الجسماني، وهي التي اختفت عن الأنظار أو كادت في السنوات العشر الأخيرة من حياتها، لذلك من الأجدى أن يتحول سؤال "من قتل سعاد حسني؟" إلى "من قتلوا سعاد حسني؟"، و"ماذا قتل سعاد حسني؟".
مثل كل فنانات الأداء في العالم بدأت سعاد حسني مشوار الفن وهي طفلة صغيرة، وربما لم يتح للبعض فرصة للظهور إلا متأخرا، لكن سعاد جاءتها الفرصة مبكرا، ولعلها لم تكن تعي بعد ما هو الفن عندما ظهرت في البرنامج الإذاعي للأطفال "بابا شارو"، لتغني "أنا سعاد أخت القمر"، كما كان من المحتمل أن تختفي بعد أن تكبر مثلما يحدث لمعظم النجوم والنجمات من الأطفال، لكنها عادت للظهور مع أول أفلامها على الشاشة الفضية "حسن ونعيمة" (1959) من إخراج بركات.
وجه بالغ البراءة يعبر عن الفلاحة الشابة نعيمة، التي عشقت المغني القروي حسن، وبرغم حب الفلاحين للغناء فإنهم ينظرون إلى من يمارسه كمهنة باعتباره شاردا "بلا وطن"، وفي الفيلم يرد حسن على هذه التهمة: "أنا فنان، كل البلاد أوطاني". كانت تلك هي الفترة من حياة مصر والوطن العربي التي يعاد فيها النظر في العديد من التقاليد القديمة، وكأنها رحلة الخروج من الشرنقة لتطير الفراشة في أجواء العالم الحر. وكانت صورة سعاد، وأداؤها الساذج الذي لم يكن يعرف آنذاك أسرار حرفة التمثيل، تأكيدا على أنها سوف تمثل بحق روحا جديدة في السينما المصرية والعربية، وهو ما تأكد مع فيلمها الثاني، في فقرة من "البنات والصيف" (1960) في القصة الثالثة التي أخرجها عز الدين ذو الفقار، وفيها قامت بدور شقيقة عبد الحليم حافظ، التي تشجعه على أن يصرح بحبه لابنة الجيران زيزي البدراوي.
يقول البعض من النقاد اليوم أن هذا الدور لسعاد قد نجح لأنها كانت تقف في صف عبد الحليم، بينما لم يكتب لزيزي البدراوي نفس القدر من النجاح لأنها كانت ترفض حبه (!!)، وفي الحقيقة أن ذلك اختزال مخل للواقع. لقد ظهر في تلك الفترة ذاتها العديد من الوجوه الجديدة من الفتيات، وسوف نضرب فقط بعض الأمثلة هنا: زبيدة ثروت، ومديحة سالم، وإيمان، وكريمان، وليلى طاهر، وماجدة الخطيب، وآمال فريد، فلماذا حققت سعاد حسني كل هذا النجاح وفشلت فيه أخريات (نستثني نادية لطفي لموهبتها الحقيقية)؟
كان دور سعاد في "البنات والصيف" هو ابنة الطبقة المتوسطة، وكانت تلك الفترة بدورها تعطي دورا كبيرا في التطور الاجتماعي لتلك الطبقة، لتتزامن رحلة الممثلة والطبقة الصاعدتين. الآن، وعندما ترجع بذاكرتك إلى ذلك التاريخ، سوف تتأكد من أن سعاد عندما تظهر على الشاشة كانت تبعث قدرا كبيرا من الألفة والحميمية، والشعور بأنك تعرفها على نحو ما، لعلها الأخت أو ابنة الجيران أو الزميلة أو الصديقة، التي تجمع على نحو مصري وعربي خالص، بين "الشقاوة" المحببة إلى النفس، والمشبعة بالحيوية والتلقائية، وبين الخجل والحياء الرقيق.
ظلت سعاد حسني طوال الستينيات نموذجا تقلده بنات الطبقة المتوسطة، في ملابسها وزينتها وطريقة كلامها، وفي عشرات الأفلام تبلورت شخصية الفتاة خفيفة الظل، التي تتعامل مع الحياة بإيجابية دون ابتذال، وربما تكررت الشخصية معها حتى أصبحت نمطا جاهزا، بين "السبع بنات" و"شقاوة بنات"، و"الساحرة الصغيرة"، و"الثلاثة يحبونها"، و"صغيرة على الحب"، و"حلوة وشقية"، وفي عنوان هذا الفيلم الأخير تدرك ملامح الشخصية على الفور. لكن لسعاد وجها آخر، هو الذي أعطاها قدرة أكبر على الاستمرار، وهو امتلاكها موهبة "التمثيل" بكل ما في الكلمة من معنى، والأهم هو إرادتها الحديدية سعيا للإجادة الفنية.
عندما عادت سعاد لعالم القرية مرة أخرى في فيلم صلاح أبو سيف "الزوجة الثانية" (1967)، تؤكد لنا هذه الحقيقة، فما أبعد الفرق بين "نعيمة" العاشقة الساذجة، وهذه "الزوجة الثانية"، فهي هذه المرأة الناضجة التي تعمل في "التراحيل" مع زوجها الفقير، وعندما يطمع فيها العمدة الفظ ويشتهيها يجبر الزوج على تطليقها لكي يتزوج هو منها، وهنا يتجلى للزوجة الثانية وجه آخر ينضح بالمرارة والهوان بسبب مواجهة لم تخترها، فتلجأ إلى قدرتها الفطرية على استخدام دلالها الأنثوي، لتنتصر أخيرا على العمدة الطاغية.
ورويدا رويدا تتسلل ظلال قاتمة على الحياة الفنية لسعاد حسني، وربما كان هذا انعكاسا لحالة الانكسار التي أصابت الحلم المصري والعربي بعد 1967، وتجلت في عودة السينما المصرية إلى الرومانسيات المتشائمة. في فيلم "نادية" (1969)، حيث تقوم سعاد بدورين لشقيقتين متشابهتي الملامح: الأول لفتاة عابثة مقبلة على الحياة، بينما الدور الآخر للشقيقة الرصينة التي تفضل الوحدة والانزواء. ينتهي الفيلم بموت الفتاة "الشقية"، ليبدو أن سعاد، والمجتمع كله، يدخلان إلى مرحلة جديدة.
فهي تنال عقابا صارما على شخصيتها العابثة في "غروب وشروق" (1970)، حيث تحاول أن تُبقي على بعض من جاذبيتها وقدرتها على التلاعب بقلوب الرجال، إلا أن ذلك يؤدي إلى مصرع زوجها، لتضطر إلى قبول الزواج من كهل تجاوز مرحلة الشباب، لكن الزواج هذه المرة لا يمثل مشهد النهاية التقليدية السعيدة في الأفلام المصرية، بل البداية لعلاقة متوترة يخيم عليها الألم والقلق. كانت سعاد في مرحلتها الأولى هي مركز "الفعل" الإيجابي للدراما، ففتاة الشاشة الشابة مثل فتاة الواقع آنذاك كانت تبحث لنفسها عن مكان تحت الشمس، لكن مع تواري الحلم لم يعد لها سوى أن تمثل "رد الفعل"، وهو ما تجسد في سلسلة أفلام "زوجتي والكلب"، و"الاختيار"، و"الحب الذي كان"، و"غرباء"، و"أين عقلي".
ونؤكد أن "الموهبة" الحقيقية هي التي أمدت سعاد حسني بالقدرة على الاستمرار في فترة تراجع خلالها دور "فتاة الشاشة"، وأصبح مجرد فتاة جميلة تشبه نجلاء فتحي أو آثار الحكيم أو ميرفت أمين، إنها "موضوع" لمشاعر البطل، وعندما تصبح "ذاتا" فإنها تتحول إلى امرأة غاوية على طريقة ناهد شريف، التي "تطورت" فيما بعد إلى نبيلة عبيد ونادية الجندي!! ربما ظلت سعاد (ومعها نادية لطفي) قادرة على التجدد... إلى حين. حتى في فيلم "خللي بالك من زوزو" الذي بدا أنه محاولة الفتاة التي كانت تمثلها طوال العقد الماضي للبقاء على قيد الحياة، فإنه في الحقيقة كان يخفي الوجه الآخر من الصورة: من السطح ترى الفيلم تنويعا على شخصية البنت الشقية، مع مسحة أكثر إيجابية ونضجا في التعامل مع الحياة، لكن حلمها بدا في التحليل الأخير (وفي الجانب اللاواعي من الفيلم) مختزلا في الاقتران بفتى الأحلام الثري الذي يمكن أن ينقذها من الوضع الاجتماعي المتدني الذي تعيش فيه.
حتى ذلك الدور التابع للرجل، في عالم ميلودرامي تشحب فيه ملامح الواقع الحي، أصبح أكثر ذبولا مع تحول المجتمع المصري خلال السبعينيات إلى "الانفتاح" وأحلامه الفردية الزائفة، وهو ما تبدى في ""أميرة حبي أنا" و"المتوحشة". بدءا من تلك المرحلة لم يكن أمام سعاد سوى اختيار التخلي بإرادتها عن هذا العالم المصطنع، والدخول في مغامرات فنية محدودة تكون أكثر تعبيرا عن الواقع وآلياته، مثل "شفيقة ومتولي" و"أهل القمة" و"الجوع" لعلي بدرخان، و"حب في الزنزانة" لمحمد فاضل، و"موعد على العشاء" لمحمد خان.
يقول البعض أن فشل "الدرجة الثالثة" كان من بين أسباب انعزال سعاد، وربما كان في ذلك بعض الحقيقة، لكن النجاح والفشل واردان في عالم السينما، خاصة في صناعة سينمائية راسخة. إن موهبة مثلها لم تكن تتوارى أبدا لمجرد فشل أحد أفلامها، أو لأنها أصبحت أكبر سنا، وتأمل كيف أن لورين باكول مثلا ما تزال تظهر في الأفلام الأمريكية، أو أن ميريل ستريب تحصد الجوائز وتنتزعها من الممثلات الشابات. لكن هناك في مسيرة سعاد حسني عامل تدهور السينما المصرية، المرتبط بدوره بانحدار شامل في المجتمع، لذلك لم يكن لها دور بعد "الراعي والنساء"، قبل عشر سنوات تماما على رحيلها. تأمل دورها هنا، للأرملة المحرومة في صحراء الحياة القاحلة، وعبر الأحداث تراها تضحك أو تبكي، وفي الحالتين تلتمع عيناها ببريق ساحر، وتتورد وجنتاها بدماء السعادة أو تحتقنان من الألم، لكنك تشعر دائما أن هناك حزنا خفيا يسكن في أعماقها، قد يكون سببه الأسى على الماضي الجميل والخوف من المستقبل المجهول.
إنه حزن وأسى وقلق سعاد حسني وليس حزن سيندريلا كما أطلقت عليها الصحافة الفنية، لكنها مثل سيندريلا عاشت قلق الانسحاب من الأضواء والعودة إلى الظل، عندما تسمع على حين غرة دقات الساعة الثانية عشرة، التي تؤذن بأن الفرصة السحرية قد أوشكت على الانتهاء.
وكانت الساعة قد دقت قبل عشر سنوات من الرحيل عن الحياة. ربما دعانا هذا إلى التساؤل: ماذا يمكن أن تسمي السياق الثقافي والسياسي الذي يجعل موهبة مثل سعاد تنزوي عن العالم طوال تلك السنوات؟ وإذا كانت هناك شكوك حول جريمة وراء مصرعها، فالجريمة الأكبر هي غياب الوطن الذي يرعاها، والسينما التي تضعها في دائرة الأضواء، ووجودهما ليس مرتبطا بظهور "فارس الأحلام" الذي ينقذ سيندريلا وحدها، بل يعطي الفرصة لكل سيندريلا تستحق مكانا تحت شمس الحياة.

Monday, June 20, 2011

فيلم "خارجون على القانون" هل تصنع الميزانيات الباهظة أفلاما حقيقية؟


إحساسان متناقضان يسيطران عليك وأنت تشاهد فيلم "خارجون على القانون"، الذي كان يمثل الجزائر في مسابقة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي هذا العام، وهو إنتاج جزائري مشترك مع فرنسا وبلجيكا وتونس وإيطاليا، بالإضافة إلى جهات أخرى. الإحساس الأول هو الإعجاب الشديد بالمستوى الحِرَفي للفيلم، والذي لا تصل إليه أغلب الأفلام المصرية التي ما تزال تقف عند مستوى التمثيليات التليفزيونية. وفي الحقيقة أن الجزائر عرفت في مجال السينما كيف تستفيد إلى أقصى حد ممكن من الإنتاج المشترك، سواء على مستوى توفير الميزانيات العالية أو تبادل الخبرات الفنية، وهو ما انعكس منذ فترة طويلة مع دخولها إلى المهرجانات السينمائية العالمية، الذي بدأ في منتصف السبعينيات بفيلم الاخضر حامينا "وقائع سنوات الجمر"، وانتهاء بأفلام المخرج رشيد بوشارب، الذي لم يكن "خارجون على القانون" أول أفلامه المهمة، فقد سبق أن وصل فيلمان آخران له للأوسكار.
نأتي إلى الإحساس الثاني المناقض، فطوال مشاهدتك للفيلم تشعر كأنك منفصل عنه على نحو ما، قد تنبهر بلا شك للحظات لكنه انبهار فيه قدر غير قليل من الاغتراب، وليس حميميا بما يكفي لكي تقيم علاقة وثيقة مع ما تراه على الشاشة. كان هذا هو السؤال الذي استولى عليّ خلال المشاهدة: لماذا هذا التناقض؟ وكيف لم يستطع الفيلم التواصل مع جمهوره برغم كل تلك الإمكانات التقنية والإنتاجية المتاحة له؟ وفي الحقيقة أنه سؤال لا ينفصل كثيرا عن قراءتنا في مقال سابق للفيلم الإسرائيلي "مدير شئون العاملين"، الذي لم تبلغ ميزانيته المليون دولار، لكنه لمس أوتارا بالغة الرهافة، بينما تعامل "خارجون على القانون" مع أوتار صادحة صارخة تتناسب مع ميزانية فاقت العشرين مليونا، ولم يحقق مثل هذا التواصل.
اسمح لي أولا بأن أشير إلى أن "تيترات" الفيلم تذكر عنوانه بالعربية (إلى جانب العنوان الفرنسي) باسم "خارج على القانون" بصيغة المفرد، بينما كل المراجع الإخرى تذكره بصيغة الجمع، وقد فضلت هذه الأخيرة لسبب جوهري، هو أن الفيلم يضع في مكان القلب منه ثلاثة إخوة، ويمضي لكي يتعقب سيرة حياتهم عبر مرحلة طويلة من الزمن، وقد اضطر كل منهم للخروج على القانون بطريقته، وإن كان خروجا على قانون ظالم، يجعلك – كما يفترض الفيلم – تتعاطف معهم ومع قضيتهم على الفور.
ربما تكمن مشكلة تناقض الفيلم في هذه الجملة الأخيرة، وهي مشكلة تقع فيها أغلب أفلامنا العربية على نحو غريب، إنها "تفترض" مسبقا أن المتفرج سوف يمنح تعاطفه مع الشخصية أو الشخصيات الرئيسية. لكن لتحقيق هذا التعاطف، والذي يصل أحيانا لدرجة التوحد مع البطل أو الأبطال (حتى لو كان مجرما)، فإن هناك شروطا أساسية أصبحت مدونة في كل كتب تعليم السينما. وقد يكون السبب في افتقادنا لها، نحن السينمائيين العرب، هو أن خبرتنا في السينما تكاد أن تقتصر على "الحِرَفية" واستخدام الأدوات السينمائية، بينما تكون خبرتنا بالـ"دراما" بالغة الخفوت، ولعل السبب هو أن الفنون الدرامية، وعلى رأسها المسرح، باتت في الآونة الأخيرة في حالة تراجع بعدما شهدت ازدهارا في الستينيات، ورأيي أن ذلك التراجع يعود إلى سيادة أنظمة "ديكتاتورية" صريحة، لا تخجل من أن تعلن عن ديكتاتوريتها، بينما المسرح هو في جوهره فن "ديموقراطي" بمعنى الكلمة، لأنك تعيش مع جمهور تراه بجوارك في الصالة في حالة "حية" من التفاعل مع ممثلين على المنصة، وإذا فقدت هذا التفاعل في الحياة فإن من العبث أن تبحث عنه وتجده في الفن!
تقول الدراما أنك لكي تحقق التعاطف أوالتوحد مع شخصياتك الرئيسية، فإن عليك أن تستغل قسم "العرض" في بناء القصة في الاقتراب من هذه الشخصيات، وتتوقف عند رسم ملامحهم الإنسانية، والأهم هو أن تجعل المتلقي يرى العالم "من خلال وجهة نظرهم"، بالمعنى المجازي والحرفي معا. وهناك مثال شهير على ذلك يدرسونه في كتب السينما، هو المشهد الافتتاحي من فيلم ستيفن سبيلبيرج "إنقاذ الجندي رايان"، فلمدة نصف ساعة كاملة تكون أنت كمتفرج مع الجنود الأمريكيين في زوارقهم وهم يستعدون للنزول على شواطئ نورماندي، وعندما تسقط القنابل فوق رؤوسهم فإنها تسقط فوق رأسك أيضا وتصيبك بالدوار، وإذا سقطوا في مياه البحر أخذتك الكاميرا معهم تحت سطح الماء، بينما لا ترى جنديا واحدا من جنود "الأعداء"، وهكذا يجعلك الفيلم ودون أن تشعر تقف مكان هؤلاء "الأبطال" الأمريكيين وحدهم.
ولأن "خارجون على القانون" يريد أن يحكي طرفا غير يسير من رحلة نضال الشعب الجزائري نحو الاستقلال عن الاحتلال الفرنسي، فقد كان من المأمول أن يحقق هذا التوحد الوجداني – والسياسي بالضرورة – مع أبطاله الجزائريين، لكن دعنا نتأمل كيف عالج موضوعه. يستخدم الفيلم العناوين المكتوبة بين فقراته ليوضح زمان ومكان الحدث، وفي مشهد ما قبل العناوين يقول أننا في الجزائر في العام 1925، ووسط صحراء شاسعة يغلب عليها السطوع تحت الشمس الحارقة، هناك رجل وامرأة وثلاثة أطفال يعملون في الأرض، التي تنبت بصعوبة بالغة، ومن الأفق يظهر الحاكم الجزائري يخبر الأب بضرورة الرحيل عن الأرض التي ليست لديه أوراق بملكيتها. ومع موسيقى عميقة الشجن (هي من بين العناصر البارزة في الفيلم)، نرى الأسرة تستعد للرحيل، وتجمع الأم حفنة من تراب الأرض تلفها في كيس، سوف تحتفظ به طوال حياتها، وسوف نراها في مشهد متأخر من الفيلم، عندما تمرض وتشعر بقرب النهاية، توصي أحد أبنائها بأن يدفنها في بلادها، وإذا اضطر أن يدفنها في بلاد غريبة فليضع معها تلك الحفنة من تراب الوطن.
ينتقل الفيلم إلى يوم 8 مايو 1945، وهناك لقطات تسجيلية في باريس، لفرحة الشعب الفرنسي بانتصاره على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، واللقطات بالأبيض والأسود، وقد تم (بواسطة التقنيات الكومبيوترية) تلوين العلم الفرنسي الذي يحمله المحتفلون في الشوارع. في الواقع أن هذه المشاهد – من الناحية الأسلوبية – هي البداية الحقيقية للفيلم، الذي يتنهي بلقطات مشابهة في 5 يوليو 1962، والشعب الجزائري يحتفل باستقلاله عن فرنسا، والأعلام الجزائرية هنا أيضا هي العناصر الوحيدة الملونة في الصورة، فكأن الفيلم يريد أن يصنع توازيا بين نضال الفرنسيين في الحرب العالمية، وبين نضال الجزائريين في حرب استقلالهم عن الاحتلال الفرنسي، ليصبح السؤال: لماذا تنكر فرنسا الحرية على بلدان تحتلها، وهي التي ذاقت مرارة الصراع وحلاوة الانتصار من أجل هذه الحرية؟
لم يكن مشهد ما قبل العناوين إذن إلا "شرحا" للعلاقات بين أفراد أسرة جزائرية فقيرة سوف نمضي معهم طوال الفيلم، وقد انتقلنا الآن إلى ذلك اليوم الذي شهد احتفالات الفرنسيين بانتصارهم، لكنه شهد أيضا مذابح عديدة في أنحاء الجزائر، حين خرج أبناء البلد مطالبين بالاستقلال، ومن بينهم أهل "سطيف" حيث تسكن الأسرة الآن. لقد كبر الإخوة الثلاثة، وذهب الأكبر مسعود (رشدي زيم) مجندا في القوة الأفريقية التابعة للجيش الفرنسي إلى فييتنام، وأصبح الأصغر سعيد (جميل دبوز) صعلوكا يرتزق بإقامة مباريات الملاكمة، بينما الأوسط عبد القادر (سامي بو عجيلة) هو المثقف الذي تدفعه مشاعره الوطنية للاشتراك في المظاهرة الحاشدة، التي يطلق عليها الفرنسيون الرصاصات العشوائية، فيلقى الأب (أحمد بن عيسى) مصرعه، ويلقى القبض على عبد القادر، ويبقى سعيد مع أمه (شافية بو دراع) التي سوف يرحل معها إلى فرنسا.
تظل الأحداث تنتقل في المكان والزمان، فهناك مثلا مشهد يحمل عنوان "سطيف خريف العام 1954"، يحكي عن قيام "شخص" جزائري بإطلاق النار على مقهى يجلس فيه فرنسيون فيلقى العديدون منهم مصرعهم، وقد وضعت كلمة "شخص" بين قوسين لأن الفيلم لا يقول لنا عنه أو عن الفرنسيين "الضحايا" شيئا على الإطلاق، لذلك من المتوقع أن المتفرج الغربي سوف ينظر له على أنه "إرهابي"، بما قد يضعف الرسالة المفترضة للفيلم. كما سوف يقرر سعيد أن يقتل الحاكم الجزائري للمنطقة (الذي تسبب في نزوحهم عن أرضهم في مشهد ما قبل العناوين)، برغم أن ذلك يتناقض تماما مع شخصيته كما رسمها الفيلم، مبتعدا عن السياسة وباحثا عن خلاصه الشخصي.
نحن الآن في فرنسا في شتاء عام 1955، في حي نانتير الذي يحتشد بأكواخ المهاجرين الفقيرة، وقد وصل إليها سعيد والأم، ويعيشان في فقر مدقع، بينما عبد القادر سجين سياسي سوف يفرج عنه قريبا، ويخطط للانضمام لحركات المقاومة الجزائرية. أما مسعود فيعود من حرب فرنسا في فييتنام وقد فقد إحدى عينيه. عندما يجتمع شمل الأسرة من جديد، يكون سعيد قد انخرط في العمل قوادا أحيانا، ومنظما لمباريات الملاكمة أحيانا أخرى، لأنه قد حدد طريقه بأن يصبح ثريا، وبذلك - كما يتصور ويصور للآخرين - ينتصر على الفرنسيين أنفسهم. أما مسعود وعبد القادر فيبدآن في تكوين تنظيم سري يكون نواة لـ"جبهة التحرير الوطني"، يلقى صعوبة في البداية في أن ينضم له آخرون، كما أن هناك مجموعة أخرى تدعو لمنهج إصلاحي هي "الحركة الوطنية الجزائرية"، ويتجسد الصراع بين الحركتين في ممارسة الإهانة التي يلقاها عبد القادر ومسعود على يدي زعيم التنظيم الآخر، يردان عليها بقتل الخصم خنقا بحبل سوف يحمله مسعود في جيبه طوال الفيلم، وبدءا من تلك اللحظة ينتقل الفيلم إلى طابع سينمائي مختلف تماما.
كانت المعالجة حتى ذلك المشهد تبدو أقرب لفيلم سياسي تاريخي، لكنها تنقلب فجأة لنمط أفلام العصابات، مما جعل الكثيرين من النقاد الأمريكيين – ومعهم الحق – يقيمون تشابها بين "خارجون على القانون" و"الأب الروحي"، لأن الفيلم الجزائري يصبح سلسلة من عمليات القتل المتبادلة، خاصة عندما يظهر رجل الأمن الفرنسي الكولونيل فيفر (بيرنار بلانكان)، ويقرر إنشاء منظمة سرية تدعى "اليد الحمراء"، تمارس عمليات إرهابية مضادة ضد الجزائريين الذين ينفذون عملياتهم في فرنسا. وتتصاعد التوترات مع استغراق عبد القادر في نزعته الانتقامية، وشعور مسعود بالحيرة والألم في ممارسته القتل، وانخراط سعيد في افتتاح ملهى ليلي أو تنظيم مباراة بين ملاكم جزائري وبطل فرنسا في الملاكمة، بينما منظمة "اليد الحمراء" تزرع المتفجرات في حي المهاجرين الجزائريين الفقراء.
تأتي ذروة الفيلم في ربيع عام 1960مع مشهد يستمر سبع دقائق كاملة: مسعود وعبد القادر يهربان أسلحة من ألمانيا، وعندما يعرف سعيد أن هناك كمينا يترصدهما يهرع إليهما، ليشهد معركة حامية الوطيس بإطلاق الرصاص، يموت مسعود على إثرها، وتنهمر دموع سعيد. ينتقل الفيلم إلى ذروة أخرى، في باريس يوم 17 أكتوبر من عام 1961، لقد قرر المهاجرون الجزائريون إشعال المظاهرات المطالبة بالاستقلال في كل أنحاء فرنسا، لتحدث مذبحة بالمعنى الحرفي للكلمة، ويموت عبد القادر أمام عيني سعيد، الذي تنهمر دموعه مرة أخرى. لا ندري إن كانت هناك دلالة رمزية لأن يكون سعيد هو الوحيد الباقي على قيد الحياة بينما يموت أخواه، لكن الواضح أن الفيلم اختار أن يتوقف طويلا عند مشاهد تبادل إطلاق الرصاص، والموت بين أذرعة الأشقاء، بتصور أنها سوف تجلب التعاطف لأبطال وقضية الفيلم.
كانت مجزرة باريس في 17 أكتوبر 1961 محورا للدراما في عمل مرهف هو فيلم "المُخَبَّأ" للمخرج مايكل هانيكه، وبرغم أن المجزرة لم تظهر على الشاشة أبدا، وبرغم أن هذا الفيلم يستخدم ما يسمى أسلوب "المينيماليزم" (أي أقل الإمكانات والتقنيات السينمائية)، فإن شعور الذنب من هذه المجزرة كان يثقل روح البطل تماما، ويلقي بظلاله الكثيفة على حياته حتى الآن. لكن "خارجون على القانون"، الذي بدت نفس الحادثة هي هدفه، لم يجعلنا نشعر بخطرها، وهنا أعود لما بدأت به المقال: لماذا لم يحقق الفيلم تأثيره برغم إمكاناته الهائلة؟ لا تستغرب يا عزيزي القارئ إن قلت لك أن هذه الإمكانات ذاتها كانت السبب وراء هذا الإخفاق، فقد اهتم صناع الفيلم بـ"تنفيذ" اللقطات المبهرة ببراعة لا شك فيها، لكن هذا لا يكفي في الفن الحقيقي أبدا.
هناك أزمة لدى معظم السينمائيين العرب تدفعهم إلى إتقان المشاهد المبهرة، ربما ليثبتوا لأنفسهم أنهم ليسوا أقل من أقرانهم الغربيين، وإن كان هذا فهما خاطئا تماما، وسوف أذكرك بما قلناه عن الأفلام الإسرائيلية ذات الميزانيات المتواضعة خلال العقد الأخير. تأمل مثلا كيف أن رشيد بوشارب مهتم بالكادرات ذات المسحة الفوتوغرافية (لقد كانت تلك أيضا "عقدة" يوسف شاهين)، بقدر اهتمامه باللقطات العامة لأنها توحى بقدرة أكبر على التنفيذ، وهناك على سبيل المثال لقطة لا أدري إن كانت مصنوعة للفيلم أم أنها مأخوذة عن فيلم آخر، للطائرات وهي ترمي بجنود المظلات فوق غابات فييتنامية، فالحقيقة أنها لا ضرورة لها على الإطلاق سوى أنها "مبهرة". وقارن ذلك أيضا بلقطة لمجموعة فرنسية تساعد الجزائريين وتجمع لهم الأموال، وتراهم الكاميرا من لقطة عامة جدا وهم على خشبة مسرح وهم يعدون تلك الأموال، بينما كان من الطبيعي أن يتم ذلك في غرفة صغيرة بعيدة عن الأنظار.
باختصار فإن الفيلم اهتم بالخطوط العريضة للعالم الأكبر (ماكرو)، وأهمل تماما الخطوط التفصيلية المرهفة للعوالم الصغرى (ميكرو)، وسوف ترى الشخصيات جميعا بملامح نمطية يمكن أن تلخصها في كلمة أو اثنتين، وهو ما انعكس أيضا على الشحصيات الثانية والثانوية، مثل زهرة (لويزا نهار) زوجة مسعود، أو هيلين (سابرينا سيفيكو) الفرنسية التي أحبت عبد القادر. والأهم هو وقوع الجميع – نتيجة هذا التنميط – في أداء مسرحي، مثل مشهد إعدام أحد الثوار، وبدلا من التناول المرهف والإنساني لهذا المشهد ينخرط الجميع في غناء النشيد الوطني الجزائري.
هناك فرق جوهري بين السينمائي الذي يجيد حِرْفته والسينمائي "الفنان"، الأول يكتفي بالتنفيذ الذي يبهرك وأنت تشاهد الفيلم، لكنك تنسى الفيلم تماما بعد أن تغادر قاعة العرض. أما الفنان فهو الذي يترك فيك أثرا لمدة طويلة، ويجعلك تعيد التفكير فيما كنت تتصور أنك واثق منه. الأول يتوقف عند السطح من الشخصيات والأحداث والمضمون، أما الثاني فيجعلك تنفذ إلى ما بين السطور، لترى ما لم تره من قبل، وتكوِّن رؤية جديدة لحدث قديم، رؤية ليست جاهزة أو مفترضة مسبقا. ونرجو من فنانينا السينمائيين أن ينضموا لهذا الفريق الأخير، لأننا في أمس الحاجة إلى أن يعرف العالم بقضايانا، وليس فقط أن يعرف أننا نصنع أفلاما ملحمية. والأمر لا يحتاج إلى ميزانيات باهظة كما في حالة "خارجون على القانون"، بل إنه يحتاج إلى أن نكون أبسط، وأعمق، وأكثر فنا بالمعنى الحقيقي لكلمة فن.