Saturday, May 28, 2011

قل تجار السينما، ولا تقل صناع السينما!!


غريب والله أمر من يعملون بصناعة السينما فى مصر، فهم تارة يلعنون تدخل الدولة باعتباره رجسا من عمل الشيطان، وتارة أخرى يصرخون مطالبين الدولة بالتدخل لإنقاذهم من هذه الأزمة أو تلك.
بالطبع فإنك لا تستطيع أن تفصل ذلك عن مواقف الرأسمالية المصرية من الدولة بشكل عام، ولا عن وعى هذه الرأسمالية المصرية بدورها تجاه المجتمع. فصناع السينما يريدون من الدولة مثلا أن تصوغ لهم قانونا يعفى من الضرائب من يكون رأسماله أكثر من مائتى مليون جنيه، وليذهب المنتج الصغير إلى الجحيم، كما حدث فى قانون ساويريس الشهير، لكنهم لا يريدون منها التدخل لوقف الاحتكار، الذى هو السبب الرئيسى فى أزمتها المزمنة، وإذا كانت أمريكا بجلالة قدرها تمنع السيطرة على الإنتاج والتوزيع والعرض فى وقت واحد، فإن صناع السينما فى مصر يمارسون هذا الاحتكار بدم بارد، ومع سبق الإصرار والترصد، ولا ينوون الإقلاع عنه.
إن شئت الحقيقة فالعيب ليس عيبهم، وإنما عيب الدولة التى لا تقوم حقا بدور الدولة، وإنما "تمثل" هذا الدور، وبالتعبير المصرى فإنها دولة "لابسة مزيكا"، وهى تعمل منذ أربعة عقود الآن لدى هذه الرأسمالية، تصدر القوانين على المقاس لصالحها، وللأسف فإنها تكون أحيانا لتلبية مصالح ضيقة لا تخدم الصناعة ذاتها، وإنما تلبى طلبات تجار يريدون تحقيق الربح بطريقة "اكسب واجرِ"، وأرجوك قل لى أين ذهب ساويريس مثلا من صناعة السينما بعد أن حقق المراد، أو أين يختفى كامل أبو على الذى كان يخطط منذ خمسة شهور فقط للاستيلاء على السينما المصرية، لولا قيام ثورة يناير التى قلبت الموازين، مؤقتا على الأقل؟
وإذا كان هناك من بداية للحل، فهو فى أيدى الدولة، بشرط أن تكون دولة بجد، يعرف رجالها دورهم الحقيقى، ويذاكرون كيف تقوم الدول بتنظيم مثل هذه الصناعات المهمة، ويمكن أن نرسل بعثة للبرازيل مثلا لكى نعرف منهم كيف تغلبوا على أزمة طاحنة فى السينما، كانت فيها البرازيل منذ عقد واحد لا تنتج سوى فيلمين فى العام، وأصبح إنتاجها الآن بالمئات. لا نطلب منكم أيها المسئولون أن تخترعوا العجلة من جديد، فقط عليكم أن تقوموا بدوركم، وأن تؤمنوا حقا بهذا الدور، من أجل أن تعيش صناعة السينما المصرية، وليس من أجل أن يكسب تجار الشنطة الذين لا يعرفون شيئا عن الصناعة، ويتوقفون فيها دائما عند دور السماسرة.

Monday, May 23, 2011

الفيلم الكندي "حرائق"


نيران التعصب والتمييز تهدد الإنسانية

هناك "شيء ما" في التراجيديا الإغريقية يجعلها صالحة حتى اليوم لأن تقدم نواة لأعمال فنية معاصرة، وربما يعود هذا الشيء إلى أنها تمثل حالة من حالات طفولة الفكر الإنساني، فكما أن الطفل لا يرى الحد الفاصل بين ذاته والعالم، فلا يعرف أين ينتهي أحدهما ليبدأ الآخر، وكما يختلط عنده الواقع بالوهم، حيث تصبح "الأسطورة" وعاءً لهما معا، كذلك المأساة الإغريقية التي تعطي تجسيدا لعالم كابوسي خانق لا يستطيع المرء منه فكاكا. ولم يكن غريبا – على سبيل المثال – أن يجد البعض من العلماء في هذه المآسي تفسيرا لأحداث تاريخية، على نحو ما صنع مالينوفسكي مع أسطورة "أوديب"، التي حاول بها أن يقدم نظرية – في الأغلب جانبها الصواب – للعلاقة بين "أوديب وإخناتون" في كتاب يحمل هذا الاسم، أو عنما استخدم فرويد الأسطورة ذاتها ليعطي تفسيره لجانب من السلوك البشري، خاصة في مرحلة الطفولة.
لكن أمام سحر الأسطورة في المآسي اليونانية، وإعادة تناولها في عمل فني معاصر، يجب أن يتسلح الفنان أيضا بقدر كبير من الوعي والانضباط الذاتي، فهناك شعرة رقيقة فاصلة بين سير الأحداث فيها ووقائع صفحات "الحوادث" في الصحف، ومرة أخرى لو أخذت أسطورة أوديب مثالا فإن أحداثها المادية تبدو على قدر كبير من الفجاجة: ابن قاتل لأبيه، يتزوج أمه دون أن يعرف من تكون، وعندما يأتي أوان الكشف تقتل الأم نفسها، ويفقأ الابن عينيه، وتنتقل اللعنة إلى جيل الأبناء الذين يقتل بعضهم بعضا. لن تكتسب هذه الأحداث معنى جادا إلا مع تفسيرها الأعمق، بأنها رغبة الإنسان الدائمة في تحدي الأقدار، فهو الكائن الأقوى والأسمى في هذا العالم الذي نعرفه، لولا أن القدر يقرر أن يعطي الإنسان درسا بأن لقدراته حدودا، وأن عليه أن يتخلى عن غروره، ويتحلى بالتواضع أمام القوة الأقوى والأسمى في عالم "لا" نعرفه.
وعندما تتأمل الفيلم الكندي "حرائق" Incendies (الذي كان من بين المتسابقين على أوسكار أفضل فيلم أجنبي لهذا العام) سوف تكتشف كيف أن التراجيديا الإغريقية ما تزال حتى اليوم صالحة لإعادة الاكتشاف، وأنها تلقي الضوء الساطع على "قدر" أكثر طغيانا بكثير من هذه الآلهة اليونانية، التي تبطش بالإنسان لكي تعلمه الانحناء لها والاستسلام أمام قوتها. إنه القدر الذي يصنعه الإنسان لنفسه، ويصبح معه عبدا لأفكار هو الذي خلقها، وهي الأفكار التي تبدو ملحة اليوم، من خلال كل الحروب الطاحنة التي تندلع فيها "الحرائق"، فلا تبقي ولا تذر حين تأكل في طريقها الأخضر واليابس، باسم "الدين" الذي يتحول على يد الإنسان إلى سلاح يقتل به الآخرين، بدلا من أن يكون – كما يجب أن يكون – رسالة حب وسلام للبشر بلا تفرقة أو تمييز.
سوف تجد هذه المعاني في "حرائق"، دون أن يعمد الفيلم أبدا إلى تقديم الوعظ الأخلاقي، ولكن من خلال حالة كابوسية بالمعنى المجازي للكلمة. ولن أخفي عليك من البداية أن الفيلم يأخذ شكلا من أشكال فيلم التشويق، الذي يبدأ بلغز غامض ويمضي شيئا فشيئا في البحث عن الحل له. ولأن جانبا مهما من متعة الفرجة على الفيلم يأتي من ذلك الغموض، ومن لذة الاكتشاف الصادم حين يأتي أوان كشف الحقيقة، فإنني سوف أحاول ألا أفقدك متعة الفرجة والتعرف بنفسك على حل اللغز، وإن كان ذلك سوف يخلق بدوره حالة من الغموض في حديثنا هنا عن الفيلم، لكن لكي نخلق أيضا حالة من التشويق وأنت تقرأ، فإن الحل سوف تكتشف أنه موجود بين ثنايا هذه السطور، وعليك فقط أن تعيد ترتيب فقرات المقال!!
لابد أن أصارحك أيضا بأن البناء السردي للفيلم يأخذ خطا متعرجا، فهو ينتقل في الزمن بين الماضي والحاضر، وأيضا بين الرؤية الذاتية والسرد الموضوعي للأحداث، وربما كان ذلك بدافع إلقاء مزيد من التعقيد على العلاقات، لكننا سنؤجل تقييم استخدامه حتى ننتهي من استعراض الخطوط الرئيسية. يبدأ الفيلم بمشهد سوف تعرف أنه من نقطة في قلب سير الأحداث وليس من بدايتها الفعلية: نحن في بلد صحراوي بلا اسم (وسوف يظل كذلك طوال الفيلم، لكنه يشير إلى لبنان في الأغلب)، جبل ورمال ونخيل، وبيت حجري في قلب الصحراء، وبداخله مجموعة من الأطفال يمرون بما يشبه طقسا غامضا، يتم خلاله حلاقة شعورهم، وتتوقف الكاميرا عند أحدهم، الذي تتركز على كعبه (الذي سوف يصبح جوهر اللغز كأنه كعب "أخيل") ثلاث نقاط من الوشم، وتقترب الكاميرا من وجهه في حركة "زووم" بطيئة ليبادلها الطفل النظرات القاسية كأنه يتوعد بالانتقام!
بهذا الأسلوب شديد التأمل، بما يعكس غلالة من الحزن الجليل على الأحداث، سوف يمضي مخرج الفيلم دينيس فيينيف، الذي اشترك في كتابة السيناريو له عن مسرحية للكاتب الكندي الفرنسي من أصل لبناني وجدي مراد. لن تجد في الفيلم أبدا حركة كاميرا مهزوزة حتى في المشاهد التي قد يعتبرها السينمائيون الآن فرصة لما يشبه الأسلوب التسجيلي، كما أن الفيلم سوف يحفل بالتفاصيل الصغيرة في رسم ملامح المكان بما يضفي عليه حسا واقعيا تماما، ناهيك عن اختيار الممثلين – الثانويين بشكل خاص – الذين يبدون على الشاشة كأنهم يقومون بتمثيل أدوارهم في الحياة، وهو الاختيار الذي يذكرك بالدعاية الجوفاء في الصحافة المصرية لقيام ممثل مصري بدور هامشي في فيلم هوليوودي، بينما فيلم "حرائق" يحفل بعشرات الممثلين والممثلات العرب الموهوبين وإن كنا لا نعرف حتى أسماءهم. لقد اختار فيينيف هذا الأسلوب الهادئ الذي لا يلفت الانتباه لأي بهلوانيات أسلوبية لأنه لا يريد منك في الحقيقة تفاعلا حسيا مباشرا مع "الأكشن"، بل أنه يسعى إلى أن يُضيِّق على عقلك الخناق كلما مضيت مع الأحداث، إنه يريدك أن "تفكر" في جوهر الأزمة، ربما ليس لكي تجيب على أية أسئلة، وإنما لكي تطرح على نفسك سؤالا حول أمر قد نعتبره بدهيا لكنه ليس في واقع الأمر كذلك.
تحمل كل فقرة من فقرات الفيلم اسما، كأنها قطعة من قطع لغز سوف ترسم لك الصورة كاملة في النهاية. في لوحة بعنوان "التوأمان" سوف نرى نقطة الانطلاق: نحن في كندا مع الفتاة جان (ميليسا ديسورمو بولان) والفتى سيمون (ماكسيم جوديت)، وهما ابنا سيدة تدعى نوال مروان، نعرف أنها هاجرت من موطنها إلى كندا، وأنها ماتت لتوها وتركت وصية مع صاحب العمل جين (ريمي جيرار)، يقرأها على الشابين المذهولين مما جاء فيها، فالأمر لا يقتصر على رغبتها في أن تدفن بطريقة تعلن فيها رفضها للعالم وازدرءها تجاهه، لكنها تريد أيضا من ابنيها مهمة لم يكونا يعلمان شيئا بصددها، إنها تخبرهما أن لهما أبا ما يزال على قيد الحياة، وشقيقا حيا يرزق، وتوصي أن توصل الابنة خطابا للأب، وأن يحمل الابن خطابا للشقيق، بما يعني البحث عنهما والعثور عليهما.
هناك إذن "سر" على الشابين أن يقوما بـ"رحلة" لاكتشافه أو بالأحرى لاستكشافه، ومن خلال قالب الرحلة سوف يمضي جانب من الفيلم مع جان وحدها في البداية، ثم سوف يلحق بها سيمون التي استنجدت به أخته، لكن جانبا آخر سوف يكون رحلة "السارد الموضوعي" (أو صانع الفيلم نفسه) في الكشف لك عما يريد من أحداث. بكلمات أخرى فإن هناك خطين سرديين، الأول يتبع ما تكتشفه جان، ثم جان وسيمون، في رحلتهما في "المكان" عنما يسافران من كندا إلى هذا البلد في الشرق الأوسط، والآخر يسير في "الزمان" خلف صانع الفيلم الذي سوف يمضي في السرد بشكل مستقل عن الشابين في رحلتهما، لنقطع نحن معه شوطا في ماضي الأم نوال، التي سوف نعرف أنها (لبنى عزبل في أحد أفضل أدوارها) قد أصيبت ذات يوم بحالة من الذهول، تفاقمت يوما بعد يوم حتى أصيبت في حادث (لا نراه على الشاشة) لتلقى حتفها بعد أيام، تاركة وراءها هذا السر الغامض الذي يكون على ابنيها – وعلينا – اكتشاف كنهه.
هل هما سران عن الأب والأخ أم أنه في الحقيقة سر واحد؟ ولماذا لم تبح الأم بالسر لابنيها وتوفر عليهما عناء رحلة لم يكن من المؤكد أنهما سوف يصلان فيها إلى الحقيقة؟ وهل يتسق السرد زمنيا من ناحية التواريخ بحيث لا تبقى فيه ثغرات غير منطقية؟ نحن هنا أمام مشكلة جمالية بالمعنى الكامل للكلمة، ولم يقدم فيها الفيلم حلا أكيدا، فإذا لم يكن يسير وفق رحلة الابنين في المكان، وإنما اضطر أيضا لأن يصنع (لنا) رحلة أخرى في الزمان، فإن السرد انتهى إلى التعقيد الذي لا يخدم بالضرورة تصاعد الأحداث إلى ذروة درامية، لكنك تستطيع أن تجيب على ذلك بأن الفيلم ضحى بالمنطق المعتاد كما ضحى بالتراكم والتصاعد الدراميين، من أجل أن يجسد اختناق البطلة نوال في هذا العالم الفني، الذي يلخص بدوره عالما حقيقيا تحكمه الأوهام الميتافيزيقية والسياسية.
مع نوال سوف نعود لبداية المأساة: إنها فتاة مسيحية (لبنانية ربما) أحبت شابا مسلما (فلسطينيا في الأغلب)، ليلقى الحبيب – ابن المخيمات كما جاء في الفيلم - مصرعه على يد أخيها انتقاما لـ"شرف العائلة"، أو قل أيضا لشرف مزعوم لـ"وطن" يريدونه مقتصرا على أبناء دين دون آخر، أو لعرق دون آخر، أو ما شاءوا من تقسيمات غير إنسانية ترى فيها انعكاسا لبعض الظواهر الطائفية التي يحاول البعض في مصر زراعتها الآن!! تكون نوال حاملا وتضع حملها في السر بمساعدة الجدة، التي ترسم فوق "كعب" الوليد ثلاث نقاط لنتذكر أنه لابد الطفل الذي رأيناه في البداية وهم يقصون شعره، والذي سوف نعرف لاحقا أنهم ضموه لمليشيا الوطنيين (يمكنك أن ترى فيهم "الكتائب" اللبنانية) بعد أن أخذوه من الملجأ المسيحي الذي تركته الجدة فيه، كما سوف نرى كعبه شابا وهو "يصطاد" ببندقيته أطفالا يسيرون في الشارع.
لقد أصبح هذا الطفل "وحشا"، فبرغم أن أباه ينتمي إلى الديانة الإسلامية فإن مصيره انتهى إلى أن يحارب في صف المسيحيين المتطرفين، بينما كانت الأم نوال – المسيحية بالولادة - قد اختارت أن تحارب في صف الذين لا يقسمون البشر على الهوية (يشير الفيلم إلى أنهم يساريون)، لأن ما شهدته في حياتها علمها الكثير، وهي تريد أن تعلم "الوطنيين" بعضا مما تعلمت. إنها تشاهد "الحرائق" في كل مكان من حولها، وفي أحد أهم مشاهد الفيلم تسافر في رحلة طويلة من الجنوب إلى الشمال وبالعكس، باحثة عن ابنها في الملجأ الذي أكله الحريق، وتركب متنكرة حافلة للطائفة المسلمة كي تحملها معها في رحلتها، لكن فرقة من الكتائب يوقف أفرادها الحافلة ويمطرون من فيها بطلقات الرصاص، ثم يصبون عليها "البنزين" تمهيدا لحرقها، فتصرخ نوال بأنها مسيحية فيأمرونها بأن تترك السيارة، وتقرر هي في اللحظة الأخيرة أن تأخذ معها طفلة لتنقذها، تشدها من يد أمها لتأخذها في أحضانها، وتبتعد بها قليلا لكن الطفلة تعود باكية إلى الأم فيمطرها الجنود بالرصاص، بينما تندلع النيران في الحافلة لتحرق الجثث ومن بقى فيها على قيد الحياة، ويرتفع على شريط الصوت لحن جنائزي حزين مع صوت بشري كأنه قداس للإنسانية التي تضيع في حمى التعصب.
كل ما في هذا المشهد مصنوع بحرفية بالغة الإتقان، بما يؤكد أن المخرج يستطيع "بناء" المشاهد بطريقة تجعلك تصرخ من الألم بحق، ليست صرخة مفاجأة ودهشة كما يحدث في أفلام الرعب، ولكن صرخة من أن تشهد الإنسانية كل هذا العذاب لسبب واهٍ أو قل بلا سبب على الإطلاق. لقد كان ذلك الحدث في حياة نوال يمثل نقطة تحول، إذ قررت بعده أن تغتال رئيس الكتائب، ليقبضوا عليها وتسجن لخمسة عشر عاما، حيث عُرفت باسم "المرأة التي تغني" (هذا هو اسم الفيلم في بعض البلدان التي وزع وعرض فيها)، فقد كانت تحاول أن تغطي على صرخات التعذيب بالغناء، وهو التعذيب الذي سوف تلقاه قبيل الإفراج عنها على يد أبو طارق (عبد الغفور العزيز)، ذلك الجندي الوحش الذي يغتصب النساء إمعانا في إذلالهن، وسوف يغتصب نوال مرات عديدة (يتجنب الفيلم تماما تجسيد هذا الموقف على الشاشة)، لتصبح حاملا منه فيما يفترض أنه الشقيق المطلوب البحث عنه.
من هو إذن هذا الشقيق؟ وأين هو؟ وما حكاية الأب المجهول في ذلك كله؟ لا تنتظر مني أن أبوح لك بالسر، الذي أرجو أن تعرفه بنفسك عندما تشاهد الفيلم. لكن ما أرجو أن نتوقف عنده هو السؤال الذي طرحه علينا الفيلم: ما هي "الهوية" التي يتحدد بها الإنسان؟ لعلها في نظر البعض قضية وجودية بالمعنى الفلسفي، لكنها في الحقيقة قضية "وجود" بالمعنى السياسي، والفرق بين هذا وذاك هو القدرة على الاختيار، اختيار موقف إنساني وسياسي. هناك من يختارون التمييز وفقا لشهادة الميلاد، والديانة "المفترضة" للأبوين، وهؤلاء يؤمنون بنظرية "الأنا والآخر"، التي لا تسعى لعلاقة تفاعل ناضجة بين الطرفين، وإنما لتعميق الهوة بينها. وهناك من يؤمن بأنه لا فرق بين البشر أجمعين، سواء على أساس العرق أو لون البشرة أو الدين. الفريق الأول يضع نفسه في مواجهة مع كل الآخرين، والثاني يسعى إلى تعاون مثمر وخلاق بين الجميع. ولست في حاجة إلى أقترح عليك اختيارا، لكنى أذكرك فقط أن كراهيتنا لإسرائيل ورفضنا لها لا تقوم كما يزعمون على أساس معاداة السامية (إذا كانت هناك سامية حقا – أكرر، إذا – فنحن ساميون!!)، وليس لأنهم يهود (ربما كان جد أي منا يهوديا، فهل يتنكر له وينكره؟)، وإنما لأنهم من الفريق الذي يقسم العالم حسب الديانة، ونحن مع الفريق الذي يرى في ذلك خيانة للإنسانية، كل الإنسانية.

Tuesday, May 17, 2011

أحبك يا نيويورك


يقولون عن مدينة نيويورك: إما أن تقع في غرامها إلى حد الجنون، أو أن تكرهها كما لم تكره من قبل! هذا ببساطة هو أيضا حال فيلم "أحبك يا نيويورك"، المؤلف من إحدى عشرة قصة تدور جميعها في هذه المدينة التي يصفونها دائما بأنها تجسيد لفكرة "الكوزموبوليتانية"، حيث تجتمع كل الأجناس والأعراق والقوميات والنزعات والأخلاقيات والطبقات، فلا تدري إن كان ذلك يؤدي في النهاية إلى نسيج متناغم واحد، أم أن التنافر يكون هو العنصر الذي يجمع بين هذه المتناقضات.
رأيت فيلم "أحبك يا نيويورك" مرات عديدة، وفي كل مرة أقارنه مع فيلم "أحبك يا باريس"، قرينه السابق في سلسلة أفلام "مدن الحب" المزمع إنتاجها الواحد بعد الآخر (هناك قيد الإنتاج فيلمان عن "ريو" و"القدس")، وأجدني أحب "باريس" أكثر من "نيويورك"، لا أقصد المدينتين وإنما الفيلمين، وأتساءل عن السبب، فالأسماء وراء الفيلم الأمريكي لا تقل لمعانا عن صناع الفيلم الفرنسي. لكن برغم تنوع الأساليب في "باريس"، فقد كانت هناك وحدة فنية خفية تربط بين الفقرات والأفلام القصيرة، أما في "نيويورك" فقد كانت القفزات تأخذك هنا وهناك في نوع من التشتت، لعله كان مقصودا للإيحاء بتلك اللوحة النيويوركية التي تضم شتاتا من البشر، لكن ذلك التشتت قد يترك أيضا أثرا سلبيا على المتلقي عندما يخرج من قاعة العرض، فلا تبقى في ذاكرته إلا القليل من القصص والشخصيات، على عكس "باريس" الذي تصحبك فيه شخصياته لأيام طويلة.
في الفن هناك دائما قاعدة ذهبية (من بين قواعد أخرى عديدة)، فالعمل الفني الناجح هو الذي يكون في مجمله أكبر من مجموع أجزائه. إنك مثلا قد تعجب ببيت أو اثنين من قصيدة، لكن القصيدة تكون أكثر اكتمالا عندما تترك فيك أثرها ككل، وبالمثل فإنك قد تنبهر في السينما من براعة التصوير أو جمال الموسيقى، لكن ذلك ليس هو "الفيلم"، تماما كما أنك قد ترى عيني امرأة فتراهما أجمل عيون في العالم، لكن "وجها" أبسط وأقل جمالا لامرأة أخرى قد يفتنك أكثر لأن فيه روحا ناعمة من التناغم. يمكنك أن تعبر عن هذه الروح بأنها القاعدة الجمالية "الوحدة في التنوع"، وفي "نيويورك" سوف تجد التنوع، لكنك لن تجد الوحدة.
المفارقة الغريبة هنا أنه على النقيض من "أحبك يا باريس"، يوجد في نيويورك مخرج خاص لصنع انتقالات لتجمع بين القصص المختلفة، هو راندي بالسماير، الذي اختار أن تكون هناك فتاة مصورة فيديو (إيميلي أوهانا) تطوف في أنحاء نيويورك، وتظهر بين الحين والآخر لتقابل شخصية من هذه القصة أو تلك على نحو عارض، لكن هذا الخيط بدا مفتعلا تماما بحيث لا تكاد أن تتذكره، والأدق أن نقول أنها حيلة فنية مراهقة وساذجة إلى حد كبير، لا يبقى منها سوى اللقطات العامة للمدينة من زوايا مختلفة، يصنع منها المونتاج المتلاحق شبكة متداخلة، تلك الشبكة التي تزداد تعقيدا مع غياب لوحات تفصل القصص عن بعضها البعض، بما يعبر عن تعقيد المجتمع في نيويورك، تعقيدا يستعصي أحيانا على الفهم، وربما على مجرد التعاطف أيضا.
أرجو ألا تتسرع في حكمك، فالفيلم ليس بهذا الجفاف الذي قد توحي به هذه الكلمات، ومن المؤكد أيضا أن مدينة نيويورك ذاتها ليست بهذه القسوة، ولعل من يحبونها يفعلون ذلك لأنها تحديدا تشبه "الحاوي" أو الساحر الذي يفاجئك بألاعيبه، إنه يستغل فيك الغفلة ومع ذلك فإنك تحب أن تراه!! أليست تلك الازدواجية بدورها من سمات المجتمعات البشرية؟ ألسنا نحب ونكره أحيانا الشخص ذاته في وقت واحد؟ ولعل القصة الأولى في الفيلم تعكس ذلك التناقض الساخر والقاتم، وهي القصة التي أخرجها جيانج وين، هناك "نشّال" شاب (هايدن كريستينسين) يسرق محفظة رجل كهل (آندي جارسيا) يبدو ثريا، ويذهب الشاب إلى حانة ما تزال في النهار خالية من روادها إلا من فتاة جميلة (ريتشيل بيلسون)، ليصطنع الحديث الناعم معها. وهنا يظهر الرجل الكهل، وهو بدوره نشال يستعيد محفظته بالطريقة ذاتها، ليلقن الفتى درسا فكأنه يقول له: إن كنت محتالا فأنا أكثر منك احتيالا، وهو الدرس الذي يبدو أن نيويورك تلقنه لكل ساكنيها!!
تشعر في القصة بروح من الكاتب الأمريكي الشهير في عالم القصة القصيرة "أو هنري"، حيث جملة النهاية تقلب كل العلاقات الدرامية لتلقي ضوءا جديدا ومختلفا عما سبق لك أن رأيته، ولتتأمل أيضا كيف أن القصة تكشف لك عن أن الفتاة بدورها تسعى إلى "سرقة" الرجل الكهل من زوجته. الكل لصوص من نوع ما، والمدينة تحتضنهم جميعا لتسرق منهم حياتهم! سوف تجد تأثير "أو هنري" في قصتين أخريين، تبدوان معا تمرينا على موقف واحد يخرجه إيفان أتّال: رجل وامرأة يخرج كل منهما على انفراد من مطعم مزدحم ليدخنا السجائر على الرصيف، ويتبادلان حوارا، فماذا يمكن لك أن تتخيل هذا الحوار بينهما؟ إليك الإجابتين: في الأولى نرى الرجل (إيثان هوك) يستغل الموقف ليغازل المرأة (ماجي كيو) بعبارات فاضحة تتزايد في جرأتها، بينما تبدو المرأة الصامتة كأنها تشعر بالحرج، وعندما يلوح لك أنه قد كسب معركة الاقتحام تأتيك المفاجأة، حين تخرج له المرأة بطاقة عملها كفتاة ليل، حيث رقم هاتفها وموقعها على "الإنترنيت"، وتقول له أنها تؤجر وقتها بالساعة، وإن كانت لديها أوقات بسعر مخفض، وتتركه وحيدا وقد استولى عليه الذهول!! الإجابة الثانية عن التمرين على هذا الموقف نرى فيها الرجل الكهل (كريس كوبر) الذي يبدو كأنه يقابل المرأة (روبين رايت بين) على رصيف المطعم، يتبادلان الحوار ويقولان أنه ليس هناك من متعة أكبر من أن يلتقي غريبان ليستمتعا باكتشاف كل منهما للآخر، لكننا في النهاية نكتشف بدورنا أنهما زوج وزوجة، قررا للحظة أن يلعبا هذه اللعبة لعلها تبعث فيهما حرارة المشاعر بعد ملل الاعتياد.
اعتياد الغربة، وغربة الاعتياد، هذان هما العنصران اللذان يسودان على أغلب قصص الفيلم، حيث يلتقي الغرباء في كل لحظة فتجمعهما الغربة، بينما يشعر الرفاق بأن العادة قد فصلت بينهما بسور عال يتحايلون لتحطيمه. أليست تلك أزمة وجودية حقيقية في مجتمع يبدو كأنه يحقق للمرء كل شيء فيما عدا إنسانيته؟! سؤال قد يحتاج إلى فنان مرهف ليجيب عنه بعمق وصدق، لولا أن قصصا عديدة في الفيلم تطغى عليها المعالجة التي لا تخلو من الاصطناع، الذي ينعكس في الإبهار الشكلي في أغلب الأحيان، لكنني لا أخفي عليك يا عزيزي القارئ أنني لم أخرج من هذه القصص سوى بالحيرة وعدم الفهم! تأمل على سبيل المثال القصة التي أخرجها ألين هيوز، فيها خطان متوازيان نسمع في كل منهما "مونولوجا" داخليا لشخصيتين: المرأة (دري دي ماتيو) والرجل (برادلي كوبر)، إننا لا نعلم علاقتهما الواحد بالآخر، لكنهما غارقان في الحيرة حول الاستمرار في علاقة ما، ويظل التقاطع بينهما بلا دلالة بالنسبة للمتفرج حتى تجمعهما لقطة نهاية القصة، حين يذوبان في قلبة طويلة ملتهبة، ولا ينقذ هذه الفقرة من الناحية الشكلية إلا الاستغراق في القطع المونتاجي السريع، والكاميرا المتحركة، واللقطات شديدة الاقتراب، والانتقالات السريعة في الزمن، حتى أن الفقرة كلها تبدو فيلما تجريبيا لا يثير فيك أية مشاعر أو افكار.
هناك فيلم تجريبي من نوع مناقض تماما أخرجه أنطوني مينجيلا (الذي فارق الحياة قبل عرض الفيلم، لذلك هناك إهداء له في لوحات النهاية)، وتعتمد هذه الفقرة على الأسلوب بالغ الرصانة والكلاسيكية، "باليتة" الألوان تشبه عملا من أعمال الفنانين التشكيليين الكلاسيكيين ديفيد أو آنجر، و"الكادرات" تبدو كإطار اللوحة، لكن الاغتراب والنزعة التجريبية يأتيان من عالم القصة، التي تحكي عن مغنية (جولي كريستي) كانت في الماضي تنعم بالشهرة، لكنها نجوميتها قد ذوت، إنها تلجأ لفندق عتيق يديره رجل عجوز (جون هيرت) يرمقها بإعجاب، لكن هناك فتى أحدب (شيا لابوف) يقوم على خدمتها. يبدو أنها تنوي الانتحار، لكن الفتى يبعث فيها روحا من التفاؤل، قبل أن يختفي في ضوء النافذة ليسقط منها إلى الشارع ميتا، لكن يظهر الرجل العجوز من الضوء كأن الفتى لم يكن إلا خيالا في ذهن المرأة!! لم أجد في هذه الفقرة أيضا إلا تنويعا على غرام مينجيلا بالغموض الذي قد يتعسف بعض النقاد تفسيره، لكنني أعترف بعدم تذوقه، وعندي أسبابي التي سوف أسردها لك في نهاية هذا المقال.
بقدر أقل من الاغتراب يأتي فيلم فاتح أكين، لكنه لا يخلو بدوره من الغموض المفتعل: هناك فنان عجوز (أوجور يوسيل) يقع في غرام عيني فتاة صينية (شو كي) بائعة في محل، تطارده عيناها حتى أنه يرسمهما في كل ورقة تصل إلى يده. إنه يطلب منها أن تأتي إلى مرسمه لكي يرسمها فتتردد، وعندما تكون قد حزمت أمرها على الموافقة تذهب إلى عنوانه فتكتشف أنه قد مات لتوه!!
وسط هذا الاغتراب المصطنع سوف تجد في الفيلم قصصا أكثر عمقا في التناول، وربما ليس من الصدفة أن تشترك الممثلة ناتالي بورتمان في فقرتين منهما. إنها في الأولى (التي أخرجتها المخرجة هندية الأصل ميرا ناير) "سمسارة" للمجوهرات تتعامل مع محل يديره رجل هندي (إيرفان خان)، وكل منهما ينتمي إلى ديانة مختلفة، إنه من أتباع طائفة سمحت طقوسها لزوجته أن تهجره لتصبح كاهنة بعد أن تحلق شعرها وتتطهر، ويقول الرجل في سخرية مريرة أنها كانت منذ فترة قصيرة زوجة له لكن عليه الآن أن يعبدها. أما الفتاة فيهودية تستعد للزواج حسب الطقوس المتزمتة التي تفرض عليها أن تحلق شعرها (كانت تلك هي الفترة ذاتها التي حلقت فيها بورتمان شعرها لتؤدي أدوارا تقتضي ذلك، في "حرف في يعني الانتقام" و"أشباح جويا")، وتقول أن الطقوس ألزمتها بأن تزيل في عشر دقائق الشعر الذي ربته طوال خمسة وعشرين عاما، لذلك فإنها ترتدي الآن "باروكة"، فيقول لها الرجل الهندي ساخرا أن الباروكة ربما تكون شعر زوجته، فأغلب الشعر المستعار في أمريكا يأتي من المعابد الهندية!!
يقول الرجل والفتاة في نهاية الفقرة أن معتقدات كل منهما تعدهما بوصول "المخلِّص"، الذي يكون عليهما أن يقضيا العمر في انتظاره، في نيويورك!! هنا يأخذ الاغتراب في المكان بعدا ميتافيزيقيا أيضا، كما يأخذ بعدا إنسانيا في الفقرة الأخرى التي اشتركت فيها أيضا ناتالي بورتمان، هذه المرة كمخرجة، وهي فقرة من أكثر أجزاء الفيلم عذوبة: رجل ملون من أصل لاتيني (كارلوس أكوستا) يصحب طفلة شقراء جميلة (تيلور جير) في نزهة في الحديقة، وبكل البراءة من جانب الطفلة والنضج من جانب الرجل تمضي حوارات تلقائية بينهما، تؤكدها تلك اللقطات التي تتأمل الكاميرا فيها جمال الطبيعة من حولهما. إنهما يصلان إلى النافورة، ويجلس الرجل بين الأمهات في انتظار انتهاء الطفلة من لعبها، فتبدين إعجابهن بدوره كجليس أطفال رجل. إننا سوف نعرف أن الرجل ليس في الحقيقة سوى والد الطفلة، التي انشغلت عنها أمها بعلاقة جديدة، وربما لا يعكر جمال هذه الفقرة إلا المباشرة في توصيل تلك المعلومة لنا، بينما كان الأجمل أن يحافظ الفيلم هنا على رهافته في التعبير.
سوف تبتسم في حنان وأنت ترى الفقرة الأخيرة التي كتبها وأخرجها جوشوا مارستون: زوجان عجوزان فيما يبدو أنها رحلة لتدريب ساق الرجل العجوز إلى السير بعد كسرها. الزوجة (كلوريس ليشمان) لا تتوقف عن نصيحته بأن يرفع قدمه عن الأرض، وهو (إيلي والاش) يؤكد لها في ضجر أنه يفعل ذلك بالفعل. في حوارهما يمتزج الملل المتذمر بالحب العميق، وهي سمة رفقة الطريق عبر السنين الطويلة، لا يكاد الواحد منهما أن يلقي باللوم على الآخر لسبب ما حتى يتراجع فيشفق عليه. هل هي السمة التي تأتي من الملل من الحياة ذاتها؟ أم من المصاعب التي تواجههما كل يوم فيشعران بالغربة في زحام مدينة لا تترك مكانا للعجائز؟ أيا كان السبب فهما يصلان أخيرا وبعد رحلة شاقة إلى شاطئ البحر لتحتض هي يده وتلقي برأسها على كتفه، فيقبلها في جبينها. وفجأة يقطع عليهما تلك اللحظة من الصفاء صبيان يلهوان بعنف، ليكون على الزوجين أن يبدآ رحلة شاقة أخرى للعودة من حيث أتيا!!
برغم خبرة صناع هذه الفقرات، التي تراوحت بين السذاجة والنضج، فإنك تستطيع أن تتعلم من بعض أخطائهم التي بدت واضحة في الفيلم. إن أردت أن تصنع فيلما قصيرا عليك أن تمسك بروح اللحظة التي تختصر الزمن كله في دقائق قليلة، وبروح المكان بحيث يجمع بين كونه مكانا محددا وهو أيضا الكون كله. والأهم هو أن تمسك بروح الشخصية، فليس لديك في الفيلم القصير متسع من الوقت لرسمها، ومع ذلك فلابد أن تكون واضحة المعالم للمتلقي (المتفرج)، لكنني في "نيويورك" كدت لا أعرف دوافع العديد من الشخصيات، حتى أنها بدت كعرائس الماريونيت بين يدي صانع الفيلم. لذلك، إذا كان علي أن أقول "أحبك يا نيويورك" ببعض التردد، فالحقيقة أن من المؤكد أنني "أحبك يا باريس" أكثر!!

Friday, April 29, 2011

هل هناك أمل فى إحياء صناعة السينما المصرية من جديد؟


لم أدرِ إن كنت أضحك أم أبكى، عندما قرأت خلال الأيام القليلة الماضية نداء استغاثة ممن يقولون أنهم صناع السينما المصرية، موجها لـ"الدولة" يطالبونها بالتدخل لحماية هذه الصناعة التى يخافون أن تكون على وشك الانهيار، إن لم تكن قد انهارت فعلا. الآن يلجأ أصحاب "الفلوس" فى السينما المصرية إلى الدولة، وهم الذين كانوا يرفعون عقيرتهم دوما بشعار حرية السوق وعدم وجود أى نوع من القيود. إنهم هم أنفسهم من باعوا واشتروا فى تراث السينما المصرية، الذى ذهب معظمه إلى شركتين فقط منذ عقد واحد فقط، والله وحده يعلم إن كان ذلك التراث قد بيع الآن لشركات ونظم أجنبية أخرى يهمها أن تضع قبضتها على كل مقدرات الشعب المصرى.
فى الحقيقة إنه لا يمكننا أن نوجه اللوم كله للمتاجرين بهذه المقدرات، فاللوم الأكبر يقع بلا شك على مناخ سياسى واقتصادى استمر طوال الأربعة عقود الماضية، فإذا كان النظام السياسى المصرى قد روج خلال هذه الفترة لمفهوم أن أوراق "اللعبة" فى يد أمريكا وحدها، وإذا كان العدو الصهيونى قد أصبح صديقا بينما تقطعت صلاتنا بأشقائنا الحقيقيين، وإذا كان الشعار المرفوع هو "اكسب واجرِ" فى كل أمور حياتنا، وإذا اختفى أى ظل لمشروع قومى بالمعنى الكامل للكلمة، وإذا أصبح المواطن المصرى مجرد شبح إنسان "يرضى بالهم والهم مش راضى به" كما يقول المثل الشعبى، فلا تنتظر إلا أن يتفكك الوطن، ويصبح أنقاضا يبيعونها فى "سوق الكانتو"، والتاجر الشاطر هو من يعرف أنه "إذا تهدم بيت أبيك اخطف لك منه قالبا"، وليذهب البيت نفسه فى ستين داهية!!
يضحكنى ويبكينى الآن أن هؤلاء يتباكون على السينما المصرية، وهم الذين أوصلوها إلى ما هى عليه. تأمل ما حدث خلال هذه العقود الأربعة التى نتحدث عنها: فى السبعينيات، وبعد تفكيك تجربة القطاع العام التى ألصقوا بها سلبيات أكثرها مختلق، سادت سينما محمود ياسين وحسين فهمى، لأبطال يسكنون بيوتا خرجت لتوها من مجلات تخصصت فى صور الأثاث الحديث، وهم لا يعملون فى مهنة محددة، وليست لهم أية ملامح سوى أنهم "يحبون على أنفسهم". كان ذلك متسقا تماما مع مفهوم تلك الحقبة فى النجاح، التى لخصها السادات بقوله: "اكسب زى ما أنت عايز ما دام بتدفع لى"!! ثم جاءت الثمانينيات بقدر من التفاؤل فى بداياتها، وظهرت سينما محمد خان وخيرى بشارة ورأفت الميهى وعاطف الطيب وداود عبد السيد. لم تكن تلك السينما سائدة بالمعنى التجارى للكلمة، لكن ما ساعدها على الوجود عامل قد ننساه أو نتجاهل تأثيره، وهو سوق شرائط "الفيديو" المتنامى آنذاك، وكان سببا فى ازدهار كمى فى صناعة السينما المصرية، تجسد فيما نطلق عليه "أفلام المقاولات"، لكن وجود هذين التيارين المتناقضين معا يشير إلى حقيقة بسيطة: لكى توفر الظروف لسينما جادة يجب أن تدور عجلة الانتاج حتى لو جاء أغلب الحصاد متواضعا.
بين نهاية عقدى الثمانينيات وبداية التسعينيات بدأ الانهيار، جاءت أزمة الخليج لتعلن عن شرخ عميق فى التوجهات العربية، اكتمل مع تداعى الاتحاد السوفييتى والكتلة الشرقية مما جعل أغلب المثقفين المصريين يكفرون بكل الأيديولوجيات (مع أن هذا الموقف ذاته نوع من الأيديولوجيا!!)، ووصلت إلينا موجة ما بعد الحداثة التى تقول أنه لا توجد أية حقيقة مؤكدة (لكن لماذا تكون تلك ذاتها حقيقة مؤكدة؟!). لقد كان ذلك كله مناخا ملائما لكى يعلن النظام السياسى المصرى عن حقيقته دون مواربة، باعتباره "سمسارا" لأمريكا وإسرائيل فى المنطقة، وكان الوجه الآخر لذلك سياقا اقتصاديا يفكك كيان "الدولة" ليستولى بضع أفراد على ما تبقى منه. فى ظل هذا المناخ الذى تواقت مع توقف سوق الفيديو، ليبدأ عصر الفضائيات التى تعرض الأفلام المصرية القديمة أو الموجودة بالفعل، تراجع الإنتاج إلى حد كبير، واختفى الفنانون السينمائيون الجادون واحدا وراء الآخر (من يتصور أن آخر أفلام خيرى بشارة التى عرضت تجاريا يعود إلى عام 1995؟!).
منذ ذلك الحين عادت السينما المصرية نصف قرن أو يزيد إلى الوراء، إلى أفلام فوزى الجزايرلى وتوجو مزراحى، إلى كشكش بك وبربرى مصر الوحيد، هذه المرة تحت ذلك الاسم السخيف السقيم: "المضحكون الجدد". وإذا لم يكن فى الإضحاك نفسه ما يعيب، فالعيب كل العيب أن يكون لديك ماضٍ طويل عريق فى اللغة السينمائية ثم تتخلى عنه بإرادتك لكى تتهته وتفأفئ بأفلام تخجل أن تراها، لكن صناعها لم يكن يخجلون أن يصنعوها!! عندما ننظر إلى الأمر اليوم نرى أنهم جزء من تجريف هذا الوطن، ماديا ومعنويا، لا فرق بين بيع مصانع الشعب ليبيعها بعد ذلك من اشتراها أرضا للبناء، أو بيع تراث السينما المصرية لأصحاب قناتين فضائيتين أو ثلاث، أو الدخول لعالم إنتاج أفلام من نوعية "اسماعيلية رايح جاى" وحتى "أبو العربى".
كنا قبل تلك المرحلة ننتظر ظهور مخرجين جدد يضخون دماءً شابة فى جسد السينما المصرية، لكن ما حدث بعدها كان مخيبا للآمال إلى حد كبير، فمعظم من بدأوا أول أفلامهم خلال العقدين الماضيين توزعوا بين اتجاهين: أفلام مغرقة فى التقعر الأجوف، وأفلام أخرى تغرق فى الخفة (لا أقصد خفة الظل)، بل لم يكن غريبا أن يبدأ الواحد منهم بالتعقيد المفرط لينتقل فى فيلمه الثانى إلى النقيض، ويمكنك على سبيل المثال أن تقارن بين فيلمى المخرج أحمد عاطف "عمر 2000" و"إزاى البنات تحبك"، وكان هذا الفيلم الثانى هو أول أفلام السينما المصرية التى تعلن دون مواربة عن "بيزنيس" صاحب الفلوس، حيث تم تصوير الفيلم فى القرية السياحية التى يملكها، بالإضافة إلى تقديم التحية له فى جملة حوار، بتعريف بطلة الفيلم بأنها "بنت كامل بيه أبو على، الراجل الطيب"، وهو إن لم تكن تعلم اسم منتج الفيلم!!
وكان كامل "بيه" أبو على نموذجا حقيقيا لمنتجى هذه المرحلة، كما كانت علاقته بالسينمائيين مثالا على حالة التجريف أو حتى التشويه. وربما كان كامل أبو على فخورا بفيلميه "أبو العربى" و"درس خصوصى"، فهما أبلغ تعبير عن دور المنتجين الجدد، فالفيلم الأول لا يفوت فرصة لكى يحول "حرب أكتوبر" لنكتة سقيمة، ولا أدرى ما يمكن أن يتركه ذلك فى وجدان الجيل الجديد الذى يسمع عنها ولم يحضرها. أما الفيلم الثانى فهو يهيل التراب على "كل" التاريخ النضالى للشعب المصرى، فكأنه محاولة لمسح هذا التاريخ من وجدان أجيال تعلمت أن تكره "الشعارات" الوطنية والقومية، بسبب المهانة التى يعيشها أبناء هذا الجيل فى حياته اليومية، والتناقض الصارخ (وأراه مقصودا) بين الأقوال والأفعال. ولكى يكتمل دور هذا الرأسمال الجديد فصولا، زعم أيضا أنه يصنع أفلاما عن "الفقراء" كتلك التى قدمها أبو على بالتعاون مع خالد يوسف، فى سلسلة "حين ميسرة" و"كلمنى شكرا"، تلك التى تجعلك تتمنى لو اختفى هؤلاء "البشر" الذين لا يستحقون الحياة، لأنهم كما تقدمهم هذه الأفلام مجرد حيوانات ليس فيها إلا كتلة من الغرائز البهيمية. وها هو كامل أبو على ينسحب من صناعة السينما بعد أن كان المسيطر على معظمها فى الفترة الأخيرة، لأنه لم يكن ينتمى بحق لهذه الصناعة ولن يدافع عنها فى محنتها، أما عن أحلام خالد يوسف معه فلعله سوف يجد بديلا، وأتركك ياعزيزى القارئ تعرف هذا البديل بنفسك كما سوف تسفر عنه الأيام القادمة.
هذه هى حكاية صناعة السينما فى العقدين الأخيرين، التى يمكن أن ألخص لك نتائجها فى سطور قليلة: تراجع على مستوى الكم والكيف معا، وسيطرة مفهوم الكسب السريع، وترويج بضاعة لبضع أشخاص يسمونهم نجوما بينما أغلبهم لا يملك أية موهبة، واضطرار معظم الفنانين إما للبقاء فى بيوتهم أو التحلى (وإن كانت كلمة غير دقيقة فى هذا السياق) بقدر من الانتهازية، وغياب متعمد عن تناول قضايا حقيقية تهم المواطن المصرى، والاختفاء وراء بعض البهلوانيات الشكلية السينمائية التى قد تغطى على غياب مضمون جاد، لكنها تفقد بريقها سريعا (وأفلام ساندرا نشأت خير مثال على ذلك).
ما الحل الآن؟ أعود إلى نقطة البداية مع مناشدة بعض "المنتجين" إياهم الدولة للتدخل لمساعدتهم. ياه!! أليست هذه هى "الدولة" التى ألصقوا بها كل عيب، واتهموها بأنها السبب وراء تخريب السينما المصرية حسب أقوالهم. دعنى يا قارئى العزيز أتفق معك على مبدأ: وهو ألا نبدا بمقولات أو مفاهيم جاهزة، يحكمها دائما المصالح الآنية ضيقة الأفق أو قصيرة النظر، كما يحدث مع أصحاب الفلوس الذين يكرهون دور الدولة عندما يعيثون فى الأرض فسادا، ثم يتملقونها لكى تقيلهم من عثرتهم. ولعل البداية هى تحديد معنى الدولة فى هذا السياق تحديدا (فمن المؤكد أنه أشمل كثيرا مما سوف نذكر)، فالدولة ببساطة هى ما لا نستطيع أنا أو أنت بمفردنا أن نقوم به، وهو الدور الذى يوازن بين كل الأطراف حتى لا يطغى طرف على آخر. لذلك فالدولة موجودة بقوة فى كل الأنظمة القوية حتى الرأسمالية منها (على عكس ما يتم الترويج له عندنا)، إنها مثلا موجودة فى قانون الضرائب التصاعدية الذى ترفضه الرأسمالية المصرية برغم أن هدفه تحقيق نوع من العدل الاجتماعى، وموجودة فى قانون منع الاحتكار الذى حاربته رأسماليتنا بشراسة، مع أنه بالنسبة للسينما أحد الأسباب القوية لازدهار صناعة السينما الأمريكية.
ربما لا يعادل دور الدولة فى السينما إلا دورها فى الدفاع عن أرض الوطن، فالسينما أحد الخطوط الدفاعية (والهجومية أحيانا) بالغة الأهمية بالنسبة لوجدان الأمة. وإذا كان علينا أن نبدأ بـ"تشخيص" المرض تمهيدا لعلاجه، فالحقيقة المريرة هى أن السينما المصرية تعانى من حالة هى أقرب للموت الإكلينيكى، أو الحركة بالقصور الذاتى حتى تتوقف أو ترتطم بما يدمرها. أما الأعراض فهى تراجع حاد فى أعداد الجمهور ونوعياته، فالزبون اليوم بدوره عابر سبيل يدخل السينما بالصدفة. والعلاج هنا يبدأ من زيادة عدد دور العرض الصغيرة، المنتشرة فى كل المدن وحتى القرى، وعلى الدولة أن تقوم بتشجيع إنشاء هذه الدور بسن كل التشريعات التى تضمن ذلك. من جانب آخر، فإن إحجام المواطن البسيط عن ارتياد السينما يعود إلى أن ميزانية أسرته لا تكفيه للطعام والدروس الخصوصية والدواء، فكيف له أن ينفق على السينما أيضا؟ والحل هنا هو إصلاح حقيقى للاقتصاد المصرى لكى يعود بالفائدة على حياة المواطن.
ها أنت قد رأيت إن إصلاحا فى جانب واحد فقط يحتاج إلى رؤية أشمل، وهو ما ينطبق على الجوانب الأخرى جميعا، التى يمكن أن نلخصها فى بعض النقاط. لابد أولا من مراجعة سياسة الإنتاج الحالية، حيث تُنفق أغلب ميزانية الفيلم على هذا النجم المزعوم أو ذاك، فاللجوء إلى الأفلام قليلة التكاليف لا يعنى أبدا انخفاضا فى الجودة الفنية، بل ربما كانت الأفلام القصيرة حلا للأزمة الإبداعية، وأرجو أن نتأمل مثلا كيف أن السينما الإسبانية تصنع عشرات من الأفلام القصيرة فائقة الجودة (يشهد على ذلك مهرجان الاسماعيلية)، وهى أفلام تشارك فى إنتاجها "البلديات" التى توازى المجالس المحلية عندنا. كما أرجو أن تقارن ما يصيبنى دائما بالمرارة حين أتذكر أن إسرائيل تقوم بإنتاج عشرة أفلام روائية طويلة كل عام، ينافس ثلاثة أو اربعة منها فى المهرجانات العالمية، ولا تزيد تكلفة الواحد منها عن مليون دولار، ويتم جمع هذا المليون من عدة جهات عالمية من خلال وزارة التعاون الدولى عندهم (أى من خلال الدولة)، وقارن ذلك بالحالة السفيهة التى قامت بها وزارة الثقافة المصرية حين أنفقت عشرات الملايين على فيلم يتيم واحد هو "المسافر"، الذى جاء مخيبا للآمال على كل المستويات.
نحن نحتاج إلى "رؤية"، وإلى "استراتيجية"، وإلى علاقة واضحة وناضجة بين كل أطراف الصناعة السينمائية. وإذا كانت "الدولة" فى المرحلة الحالية فى فترة "نقاهة" أو ولادة من جديد (ونرجو ألا نتأخر طويلا فى هذه الولادة المتعسرة)، فإننا نتمنى أن يبلور أصحاب المصلحة الحقيقة رؤيتهم، وهم ليسوا أصحاب الفلوس وحدهم، فالأهم منهم هم السينمائيون على اختلاف تخصصاتهم. ولا أدرى لماذا تتأخر نقابتهم حتى الآن فى تولى هذا الأمر، بدلا من انخراطهم فى صراعات فردية ضيقة، يستجوب الواحد منهم زميله: "هل أنت مع الثورة؟"، وإن كنت أرجو أن يكون السؤال الأهم الآن: "هل أنت مع السينما؟"!! لقد تأخرنا كثيرا عن مكانة تستحقها مصر فى مجال السينما، والحصول على هذه المكانة لن يتحقق من خلال شعارات براقة، وأكرر مرة أخرى أنه لا يكفى القول بأن "روح" ثورة يناير سوف تنقذ السينما، فلابد أن تسكن هذه الروح "جسدا"، وإلا سوف تبقى هائمة فى حالة هى بين الحياة والموت.

Monday, March 07, 2011

عن أبى وعبد الحليم وعبد الناصر.. "ذات ليلة"



ملاحظة أولية
تعود هذه المقالة إلى تاريخ 29 مارس 2007
ربما فات عليها الزمن
لكننى ما زلت أنتظر
ذات ليلة


كان أبى رحمه الله إنساناً بسيطاً، فى عمله وحياته وملبسه ومأكله ومشربه، وعندما يخلو إلى نفسه بعد عناء يوم طويل يجلس إلى جوار المذياع، لا يسمع فيه إلا تلاوة القرآن ونشرة الأخبار وأم كلثوم، ولم تكن له علاقة مباشرة بالسياسة، لكننى أدركت من حرصه على سماع النشرة اهتماماً عفوياً وأصيلاً بأحوال البلاد فى تلك الفترة من بدابة الخمسينات. مازالت أذكر ذلك اليوم، وأنا أراه يستمع إلى خبر عن نجاح الضباط الأحرار فى توقيع اتفاقية الجلاء "بدون قيد أو شرط"، فى تلك اللحظة نظر تجاهى وابتسامة الفرحة تنطلق على شفتيه اللتين كان من النادر أن تزايلهما الصرامة، وفى عينيه التماعة الفخر، وهو يقول لى بينما يشير إلى المذياع: "سامع؟! بدون قيد أو شرط". لا أدرى إن كنت قد فهمت حينئذ معنى الكلمات، لكن من المؤكد أن فرحة أبى وفخره تسللا إلى وجدانى، فى ذلك الزمن الذى غنى فيه محمد قنديل "ع الدوار، راديو بلدنا يجيب أخبار"، وصدح كارم محمود: "أمجاد ياعرب أمجاد، فى بلادنا كرام أسياد" التى صارت شارة وأشارة على الإذاعة التى أطلقها عبد الناصر، وحملت اسم "صوت العرب".
كان عبد الحليم حافظ جزءاً من ذلك المناخ، الذى كانت فيه مشاعر "الوطنية" تتخلل كل نواحى حياتنا، ببساطة بالغة ودون زعيق أو افتعال، على عكس ما يردده البعض من اتهامات للأغنيات الوطنية لثورة يوليو بالصراخ والافتعال، لكن السمة الحقيقية لها فى تلك الفترة كانت الصدق فى التعبير، لأن "الوطنية" لم تكن – كما أصبحت فيما بعد – تجارة وشطارة، بل مشروع حياة تسودها العدالة الاجتماعية، لذلك لم يكن غريباً أبداً أن يغنى عبد الحليم حافظ فى بداية حياته بلسان العامل، بكلمات عبد الفتاح مصطفى وألحان عبد الحميد توفيق زكى :"بدلتى الزرقة لايقة فوق جسمى، فى جمال لونها مركزى واسمى، بدلتى الزرقا من نسيج إيدى، لبسها يزينى حتى يوم عيدى"، فكأن تلك الفترة كانت - بعد موجة 1919 وسيد درويش – الموجة الثانية للأغنيات التى تنطق باسم "تحالف قوى الشعب العاملة" الذى ألغاه دستور الاستفتاء، وفى بساطة تلك الكلمات والألحان والأداء عرفت من هو الشعب بالمعنى الحقيقى للكلمة.
أقول "عرفت" لأنه لم يكن من بين أفراد عائلتى عامل يرتدى "بدلة زرقا"، لكننى توحدت تماماً مع عبد الحليم حافظ عندما غنى أغنية تحمل عنوان "ذات ليلة" فى عام 1959. كنت عندئذ فى الثانية عشرة من عمرى، وكنت قد أدركت كم عانى أبى من أجل تعليم أخواتى الكبار، وكأنه يناضل لكى يجد لهم مكاناً تحت الشمس، بينما استطاع أن يلقى العبء عن كاهله بتعليمى وإخواتى الأصغر فى ظل "مجانية التعليم" التى أتاحته الثورة له ولكل أفراد الشعب. كانت أغنية عبد الحليم من كلمات مرسى جميل عزيز وألحان كمال الطويل، وتحكى عن طالب يسهر الليالى لكى يشق طريقه لكن الصعوبات الاقتصادية تقف فى وجهه حتى تأتى الثورة فتفتح الأبواب للجميع، كل ذلك بكلمات غاية فى البساطة وألحان تقترب من حافة الدراما وأداء بالغ الصدق: "ذات ليلة وأنا والأوراق والأقلام فى عناق، نقطع الأزمان والأبعاد وثباً فى اشتياق.. ذات ليلة هبت الريح وهزت فى عناد بابيا، أطفأت أمن حياتى أطفأت مصباحيا.....لم أجد ناراً لدى، لم أجد فى البيت شى، غير أم هى لا تملك إلا الدعوات، وأب لم يؤت غيرى للسنين الباقيات، والنهايات السعيدة، أصبحت عنى بعيدة، ذات ليلة وأنا رهن الظنون المجدبة، دقت قلوب طيبة، قالت انهض وتقدم لا تبالى، بالليالى وتصاريف الليالى... قم فباب العلم رحب فى انتظارك، قم وشارك وابن بالعلم الوطن، قلت من أين أتـى هذا الشعاع، قالت الأصداء من قلب شجاع. إنه قلب جمال".
بالطبع كان هو جمال عبد الناصر، وليس أى جمال زائف مصطنع، ومع الأغنية كان صوت عبد الحليم يأخذنى من الضياع إلى الأمل إلى الفرحة، لأدرك بحق مدى "النعمة" التى أنعم بها، وأسهر الليالى "وأنا والأوراق والأقلام فى عناق"، وأنظر إلى أبى وهو يسبح بحمد الله. ذهب ذلك كله أدراج الرياح، وأصبحت كلمات مثل "الوطنية" أو "مجانية التعليم" تثير إما الحسرة أو السخرية، وألغيت "المكاسب الاشتراكية" وحلت محلها "البيئة" فى الدستور، وكأنه "دستور بيئة"، واجتمع اللاصقون العرب فى كراسى السلطة لكى يقدموا لإسرائيل عربون محبة تحت اسم "المبادرة العربية" وهم يعلمون أن إسرئيل لن ترضى إلا بالرضوخ الكامل، ولا يعلمون أن اعترافهم بكيان استعمارى أقيم بذريعة دينية يفتح أبواب جهنم أمام كل التيارات السياسية الدينية التى يتصورون أنهم سدوا الطريق فى وجهها بنص دستورى. لذلك كله أحن إلى صوت عبد الحليم، وزمن عبد الناصر، وتلك النظرة من الفرحة والزهو والكبرياء التى رأيتها فى عينى أبى عندما عرف أنه جلاء "بدون قيد أو شرط"، وكم أتمنى قبل أن أموت أن تعرف تلك النظرة طريقها إلى عينى، "ذات ليلة".

Saturday, February 26, 2011

السينما تريد تغيير النظام



عندما طلب منى صديقى العزيز، وزميلى ورئيسى فى صفحة الفن ماهر زهدى، أن أكتب عن تصورى حول إصلاح حال السينما المصرية، كدت أن أعتذر لأننى كتبت كثيرا عن هذا الموضوع، وكانت المرة الأخيرة فى العدد 1234 من جريدة العربى، الصادر فى 28 نوفمبر الماضى، وبالطبع ذهبت الكلمات أدراج الرياح، وهو ما يجعلنى أشعر بالسأم من التكرار، ولا أريد أيضا من القارئ أن يشعر أنه قد قرأ هذه الكلمات من قبل. حاول صديقى تذكيرى بأن "مصر قبل 25 يناير غير مصر بعد 25 يناير"، ولم أعرف إن كان يجب علىّ أن أضحك أم أبكى، فبرغم ما فى هذا الشعار من بريق، فإنه بمعايير التغير التاريخى لا يعنى شيئا محددا، فلا الشعوب تتغير بين عشية وضحاها، ولا رياح التغيير تمضى دائما كما تشتهى السفن، فالأمر مرهون بإرادة ملاحيها، وبما يأخذونه من وسائل لتوجيه السفينة إلى مرفأها المبتغى.
أقنعنى صديقى ماهر فى النهاية بأن واجبنا الآن أن ندفع بكل ما نملك من قوة فى اتجاه التغيير المنشود، وها أنا أفعل قدر ما أستطيع، لكنى أذكّر قارئى فقط بأن حسن النوايا لا يكفى، وكم من ثورة أسفرت عن أنه لا جديد تحت الشمس، عندما لم تتوفر أدوات التغيير الحقيقى. وما زلت أومن – وأرجو أن يعذرنى القارئ فى هذا التشاؤم فى فترة يسود فيها التفاؤل – أن الثورات بقدر ما تفجر فى الشعوب أفضل ما فيها من نور ساطع، فإنها تفتح أيضا أنفاقا مظلمة لأسوأ ما فيها، فما تزال فى قصة الثورة المصرية فصول وفصول، يكتبها من يملك وضوح الرؤية وقوة العزيمة. وهناك يا قارئى العزيز من يريد سرقة الثورة، وهناك من يريد إعادة عجلاتها إلى الوراء، وهناك أيضا من سوف يركن سريعا ومرة أخرى إلى اليأس من التغيير للأفضل، حين يتأخر قطف الثمار، أو حين تتسلل الثعالب فى الليل لتلتهمها قبل الأوان.
وعندما نتحدث عن إصلاح حال السينما فلابد أن نتأمل الأبنية المادية والمعنوية التى تقوم عليها، وهى الأبنية التى كانت خلال الأربعين عاما الأخيرة جزءا من سياق أشمل، أدى بالسينما إلى ما آلت إليه من تدهور على مستوى الفن والرسالة بل والمتعة أيضا. فالسينما مثل كل النشاطات الإنسانية الأخرى جزء من كل، وهى لا تستطيع أن تفصل نفسها أبدا عن السياق، فإذا كان سياقا يقوم على النزعة الاستهلاكية الفردية (أو ما أسميه دائما نزعة البحث عن الخلاص الفردى والنجاة من الطوفان)، فلا تنتظر أبدا فنا يسعى إلى أن يخاطب "جمهورا" بالمعنى الحقيقى للكلمة. وكلمة الجمهور هنا تعنى وجود البعد الاجتماعى المشترك بين أبناء الوطن، الذين تجمعهم أحلام وآلام متقاربة، وهناك فنون جماعية بطبعها (لا أقول بأبعادها "الأونطولوجية" حتى لا أتلقى اتهامات من أقرب الناس لى – مثل أخى الأكبر - بالتقعر!)، مثل السينما والمسرح، فهى تعتمد فى تلقيها وتذوقها على اجتماع الجمهور معا فى مكان واحد وزمان واحد، وهو الاجتماع الذى لا يقتصر على الوجود الجسمانى فقط، فالأهم هو الوجود النفسى، إننا فى ظلام قاعة العرض نتخلى عن جانب كبير من فرديتنا ونصبح كلا واحدا، نذرف الدموع معا على البطلة فى محنتها، ونشهق من الخوف فى لحظة مفاجئة من فيلم رعب، أو ننتشى بالشجن فى مشاهد النبل الإنسانى العميق.
إن تلك التجربة المشتركة للتذوق لا تتحقق أبدا وسط جمهور لا يشعر أفراده أنهم جزء من كل، وهذا ما حدث ببساطة للسينما والمسرح خلال الفترة الماضية. فى بداية الستينات طمح الفنان المرهف يوسف إدريس لتأسيس "نظرية" مسرحية عربية، أسماها نظرية "التمسرح"، تقوم على ذلك الذوبان الذى يحدث للمتفرجين فى لحظة التذوق. مرة أخرى فإن هذه التجربة لا تحتاج فقط إلى "عمل فنى"، فالأهم أنها تحتاج إلى "شروط" من خارج الفن: شروط اجتماعية واقتصادية وسياسية، وهى فى كلمة واحدة "المشروع القومى" الذى يوحد أبناء الوطن، وفى غياب مثل هذا المشروع لا تنتظر أبدا أن تجد لعملك الفنى "جمهورا". لذلك فالبداية – وما أصعبها من بداية – لإصلاح حال السينما هى ألا يتصور السينمائيون أن الحل يكمن فقط فى إجراءات جزئية أو فئوية خاصة بهم، وإنما يكمن أولا وقبل كل شىء أن يصبحوا هم أنفسهم شركاء فى "همّ" جماعى مشترك، فى مشروع قومى نتوجه إليه فى المرحلة القادمة. ولنسأل أنفسنا: ماذا نريد حقا للوطن؟ وكيف نحققه؟
ثم يأتى دور الأبنية أو المؤسسات القائمة على صناعة السينما، وليس بجديد القول المأثور بأن السينما فن وتجارة وصناعة، لكن تلك الكلمات الثلاث لا تنفصل عن بعضها البعض، وهى فى الحقيقة عناصر من مفهوم واحد لفن مثل السينما. قد يحتاج ذلك للتوقف قليلا أمام "طبيعة وجود" هذا الفن مرة أخرى: فبينما يمكن لمعظم الفنون التقليدية القديمة أن تُنتج وتُستهلك بشكل فردى (يرسم الفنان التشكيلى لوحته فى الاستوديو، ويشتريها الزبون ويعرضها فى منزله)، فلا يمكن صنع الأفلام أو استهلاكها إلا على نحو جماعى (عشرات ومئات يشتركون معا فى صنع الفيلم، وعشرات وملايين المتفرجين يشاهدونها)، لذلك تحتاج السينما إلى "مؤسسات" للإنتاج والتوزيع والعرض، وتلك جميعا تحتاج إلى التمويل، الذى يبحث بالطبع عن الربح.
هنا يأتى دور السياق الاقتصادى: فى الدول الاشتراكية السابقة كانت "الدولة" هى التى تقوم بذلك، وفى العالم الرأسمالى هناك الشركات الكبرى (تدعى الاستوديوهات، وتصنع سينما التيار السائد)، وإلى جانبها شركات صغرى (تدعى السينما المستقلة أو سينما الفن أحيانا)، ومع قيام الرأسمالية بتجديد نفسها عرفت كيف تصوغ علاقة أنضج بين الكبار والصغار، لأن فى ذلك مصلحة للجميع. لكن ماذا تقول عن نظام اقتصادى هو فى حقيقته "لانظام" كما عاشته مصر فى الأربعين عاما الماضية؟ والنتيجة: شركات عشوائية لأناس قادمين من خارج صناعة السينما، يبحثون عن الربح السريع والاندماج اللذيذ مع عالم الفنانين والفنانات. وفى هذا السياق لا تنتظر من هؤلاء البحث الحقيقى عن مصلحة السينما، فهم سيهربون على الفور منها عائدين من حيث أتوا إذا ما أصبحت عبئا على مصالحهم الضيقة. دعنى أضرب لك مثالا (وهناك غيره عشرات الأمثلة): رجل الأموال كامل أبو على ينتج أول أفلامه "إزاى البنات تحبك" من إخراج أحمد عاطف، فيضع صانعو الفيلم على لسان إحدى الشخصيات جملة يقدمون بها البطلة: "بنت كامل بيه أبو على، الراجل الطيب"، فهل رأيت استخفافا أكثر من ذلك؟ نعم ياصديقى، سوف تتوالى الاستخفافات والسخافات، وفى فيلم "كلمنى شكرا" لخالد يوسف نفس طريقة "النقوط" والتحية للمنتج وشركائه، وفى أفلام السبكى سوف يصبح هذا النقوط نمرة ثابتة. لكن الأفدح أننا لم نلتفت إلى دور رجال المال (من أين أتوا به أصلا؟!!) فى تقويض بعض الثوابت الوطنية، ولكامل أبو على دور لا يضاهى فى هذا المجال، ففى فيلم "أبو العربى" تصبح حرب أكتوبر وشهداؤها مادة لعشرات "الإفيهات" السخيفة، وفى "درس خصوصى" ابتذال بلا حدود لـ"كل" التاريخ المصرى بلا مبالغة. وتبشرك الأخبار الفنية بأن السبكى سوف يصنع فيلما عن ثورة 25 يناير يحمل اسم "حظر تجول"، لأن "كله عند منتجى السينما المصريين لحس عقول"!!
كيف يمكن للسينما المصرية أن تخرج من هذا السجن الذى تفرضه قيود "فلوس" المنتجين والموزعين وأصحاب دور العرض، والذين هم بالمناسبة نفس الأشخاص، فى احتكار يضرب عرض الحائط بأبسط قواعد الرأسمالية المنتجة ذاتها؟!
سوف أحاول فى السطور التالية وضع تصور عام فى نقاط محددة، لعلها أن تساعد على نحو ما فى تحديد طريق لمستقبل السينما المصرية:
1) تكوين اتحاد للسينمائيين يجمع كل أطيافهم، يكون هدفه ليس محاولة العثور على فرص عمل فى المناخ السائد، وإنما تأسيس مناخ جديد يقوم على بعض أو كل النقاط التالية.
2) تأسيس كيان تابع للدولة (وليس للحكومة) تكون مهمته بحث وسائل دعم السينما وصنع الأفلام، مثلما هو الحال فى معظم دول العالم، مثل فرنسا وحتى "إسرائيل". وميزانيته الرئيسية تأتى من تذاكر السينما ويجب أن تعود للسينما وليس لنشاطات أخرى مثلما اعتادت وزارة الثقافة فى إنشائها لكنز "على بابا" المعروف بصندوق التنمية الثقافية. ومن بين مهام هذا الكيان البحث عن مصادر أخرى للتمويل، مثل القنوات الفضائية، ووسائل الإنتاج المشترك التى سوف تتطلب جهودا من وزارة التعاون الدولى أيضا.
3) المطالبة بتنقيح كل التشريعات التى تمثل عبئا على صناعة السينما، أو لا تساعدها على النمو، وفى مقدمتها تقديم كل التسهيلات الممكنة للشركات الصغرى للإنتاج السينمائى، ولإنشاء دور العرض الصغيرة (إننا نحتاج إلى الآلاف منها بمعنى الكلمة)، خاصة فى كل الأحياء والمدن الصغرى وحتى القرى. (بالإضافة إلى الفائدة الاقتصادية الأكيدة حيث سيتزايد الطلب على الأفلام ومن ثم إنتاجها، هناك الفائدة الحضارية التى سوف تعيد مصر إلى القرن الواحد والعشرين).
4) إعادة النظر فى قوانين الرقابة الحالية. وهنا أؤكد أن هذا لا يعنى وجود أى شكل من أشكال الرقابة، فوجود مثل هذه المؤسسة يحمى الفنان من أنواع الرقابة العشوائية التى قد تعرضه للمحاكمة أمام ادعاء أفراد أو هيئات، لتصبح الرقابة فى هذه الحالة هى المسئولة أمام مثل هذه الدعاوى. وربما كان أفضل شكل لها هو أن تتشكل من أبناء الصناعة أنفسهم، بطريق الانتخاب الحر، ويصبح من حق السينمائيين إعادة تشكيلها إذا لم يحقق أعضاؤها الهدف من انتخابهم.
5) إلغاء القيود الأمنية تماما على حق السينمائيين فى تصوير أفلامهم فى أى مكان، فتلك القيود لا تتعارض فقط مع مبدأ حرية التعبير التى لا خلاف عليها، لكنها من أسباب تخلف السينما التسجيلية مثلا، فى وقت أصبحت فيه مادة أساسية حتى فى دور العرض التجارية فى كل أنحاء العالم.
6) العمل الجاد على الجانب التثقيفى من صناعة السينما، بما فى ذلك عقد المهرجانات الجادة ذات الرسالة الفنية الواضحة، وإنشاء "سينماتيك" سينمائى متطور للسينما المصرية والعالمية، حيث يمكن مشاهدة الأفلام ومناقشتها جماعيا وعلى نحو منتظم. كذلك وجود إصدارات سينمائية متخصصة من مختلف مستويات التذوق للجمهور العام والخاص معا.
7) أؤكد من جديد أننا قد لا نحصد الثمار قريبا، فالأمل الحقيقى من وجهة نظرى يبدأ مع معهد حقيقى للسينما، تختفى فيه تماما نزعة اختيار الطلاب على أساس الواسطة أو القرابة، لتكون الموهبة هى المعيار الوحيد. ومن المهم أيضا تنقيح مناهج الدراسة بشكل جاد، ليصبح الجانب العملى هو الأغلب، مع استقدام فنانين أجانب من كل دول العالم (أكرر: فنانين)، فدراسة الفن ليست إتقان الأدوات التى تنتهى إلى وجود حرفيين، لكن تفجير الطاقات الإبداعية يحتاج إلى مران طويل بحق، وبشكل أصيل، وهو يحتاج إلى إضافة جادة لدراسة الفنون الأخرى مثل الفن التشكيلى والموسيقى، ناهيك بالطبع عن الدراما (تلك أضعف نقطة عند فنانينا السينمائيين للأسف).
8) الانفتاح على العالم بكل ما نملك من قوة، لقد أصابنى الأسى (وإن لم أشعر بالمفاجأة) من أن يترشح الفيلم الجزائرى "خارج القانون" هذا العام لمسابقة الأوسكار عن أفضل فيلم أجنبى، بينما خرج فيلمنا "رسائل البحر" من التصفية الأولى. ولنكن صرحاء مع أنفسنا: إننا فى أفضل أحوالنا ما نزال أسرى لسينما الستينات والسبعينات الفنية (فيسكونتى أو فاسبيندر مثلا، كما يبدو فى أفلام داود أو يسرى نصر الله)، بينما الفن السينمائى قفز قفزات إبداعية هائلة سواء فى السينما التجارية أو المستقلة. إننا نبدو كمن ينطق لغة قديمة مهجورة فى عالم أصبح يغير أدوات اللغة كل يوم. إن أردت دليلا على ذلك حاول أن تبحث الآن فى صحفنا عن نوعية الأخبار المنشورة حول مسابقة الأوسكار التى تعقد اليوم الأحد 27 فبراير، ولتسأل نفسك عن نوع التغطية التى تقدمها الصحافة الفنية، وبالمرة اسأل نفسك كم فيلما من الأفلام المتنافسة شاهدناها!!
سوف أنهى مقالى بنفس العبارات من مقالى السابق حول هذا الموضوع: لابد أن يدافع أصحاب المصلحة الحقيقية عن أنفسهم، فهذا الجيل الشائخ الشائه الذى يسود اليوم سوف يزول قريبا، ولا يجب أن نترك أمورنا فى أيدى ورثة هذا الجيل الذين سوف يجعلون الشيخوخة المشوهة علامة على مصر فى أدنى مراحل تحللها فى التاريخ المعاصر. هل نريد سينما أفضل، ووطنا أكثر جمالا وعدلا؟ المشوار طويل نعم، لكن إما هذا أو الرضا بالموت ونحن على قيد الحياة!!

السينما تريد تغيير النظام



عندما طلب منى صديقى العزيز، وزميلى ورئيسى فى صفحة الفن ماهر زهدى، أن أكتب عن تصورى حول إصلاح حال السينما المصرية، كدت أن أعتذر لأننى كتبت كثيرا عن هذا الموضوع، وكانت المرة الأخيرة فى العدد 1234 من جريدة العربى، الصادر فى 28 نوفمبر الماضى، وبالطبع ذهبت الكلمات أدراج الرياح، وهو ما يجعلنى أشعر بالسأم من التكرار، ولا أريد أيضا من القارئ أن يشعر أنه قد قرأ هذه الكلمات من قبل. حاول صديقى تذكيرى بأن "مصر قبل 25 يناير غير مصر بعد 25 يناير"، ولم أعرف إن كان يجب علىّ أن أضحك أم أبكى، فبرغم ما فى هذا الشعار من بريق، فإنه بمعايير التغير التاريخى لا يعنى شيئا محددا، فلا الشعوب تتغير بين عشية وضحاها، ولا رياح التغيير تمضى دائما كما تشتهى السفن، فالأمر مرهون بإرادة ملاحيها، وبما يأخذونه من وسائل لتوجيه السفينة إلى مرفأها المبتغى.
أقنعنى صديقى ماهر فى النهاية بأن واجبنا الآن أن ندفع بكل ما نملك من قوة فى اتجاه التغيير المنشود، وها أنا أفعل قدر ما أستطيع، لكنى أذكّر قارئى فقط بأن حسن النوايا لا يكفى، وكم من ثورة أسفرت عن أنه لا جديد تحت الشمس، عندما لم تتوفر أدوات التغيير الحقيقى. وما زلت أومن – وأرجو أن يعذرنى القارئ فى هذا التشاؤم فى فترة يسود فيها التفاؤل – أن الثورات بقدر ما تفجر فى الشعوب أفضل ما فيها من نور ساطع، فإنها تفتح أيضا أنفاقا مظلمة لأسوأ ما فيها، فما تزال فى قصة الثورة المصرية فصول وفصول، يكتبها من يملك وضوح الرؤية وقوة العزيمة. وهناك يا قارئى العزيز من يريد سرقة الثورة، وهناك من يريد إعادة عجلاتها إلى الوراء، وهناك أيضا من سوف يركن سريعا ومرة أخرى إلى اليأس من التغيير للأفضل، حين يتأخر قطف الثمار، أو حين تتسلل الثعالب فى الليل لتلتهمها قبل الأوان.
وعندما نتحدث عن إصلاح حال السينما فلابد أن نتأمل الأبنية المادية والمعنوية التى تقوم عليها، وهى الأبنية التى كانت خلال الأربعين عاما الأخيرة جزءا من سياق أشمل، أدى بالسينما إلى ما آلت إليه من تدهور على مستوى الفن والرسالة بل والمتعة أيضا. فالسينما مثل كل النشاطات الإنسانية الأخرى جزء من كل، وهى لا تستطيع أن تفصل نفسها أبدا عن السياق، فإذا كان سياقا يقوم على النزعة الاستهلاكية الفردية (أو ما أسميه دائما نزعة البحث عن الخلاص الفردى والنجاة من الطوفان)، فلا تنتظر أبدا فنا يسعى إلى أن يخاطب "جمهورا" بالمعنى الحقيقى للكلمة. وكلمة الجمهور هنا تعنى وجود البعد الاجتماعى المشترك بين أبناء الوطن، الذين تجمعهم أحلام وآلام متقاربة، وهناك فنون جماعية بطبعها (لا أقول بأبعادها "الأونطولوجية" حتى لا أتلقى اتهامات من أقرب الناس لى – مثل أخى الأكبر - بالتقعر!)، مثل السينما والمسرح، فهى تعتمد فى تلقيها وتذوقها على اجتماع الجمهور معا فى مكان واحد وزمان واحد، وهو الاجتماع الذى لا يقتصر على الوجود الجسمانى فقط، فالأهم هو الوجود النفسى، إننا فى ظلام قاعة العرض نتخلى عن جانب كبير من فرديتنا ونصبح كلا واحدا، نذرف الدموع معا على البطلة فى محنتها، ونشهق من الخوف فى لحظة مفاجئة من فيلم رعب، أو ننتشى بالشجن فى مشاهد النبل الإنسانى العميق.
إن تلك التجربة المشتركة للتذوق لا تتحقق أبدا وسط جمهور لا يشعر أفراده أنهم جزء من كل، وهذا ما حدث ببساطة للسينما والمسرح خلال الفترة الماضية. فى بداية الستينات طمح الفنان المرهف يوسف إدريس لتأسيس "نظرية" مسرحية عربية، أسماها نظرية "التمسرح"، تقوم على ذلك الذوبان الذى يحدث للمتفرجين فى لحظة التذوق. مرة أخرى فإن هذه التجربة لا تحتاج فقط إلى "عمل فنى"، فالأهم أنها تحتاج إلى "شروط" من خارج الفن: شروط اجتماعية واقتصادية وسياسية، وهى فى كلمة واحدة "المشروع القومى" الذى يوحد أبناء الوطن، وفى غياب مثل هذا المشروع لا تنتظر أبدا أن تجد لعملك الفنى "جمهورا". لذلك فالبداية – وما أصعبها من بداية – لإصلاح حال السينما هى ألا يتصور السينمائيون أن الحل يكمن فقط فى إجراءات جزئية أو فئوية خاصة بهم، وإنما يكمن أولا وقبل كل شىء أن يصبحوا هم أنفسهم شركاء فى "همّ" جماعى مشترك، فى مشروع قومى نتوجه إليه فى المرحلة القادمة. ولنسأل أنفسنا: ماذا نريد حقا للوطن؟ وكيف نحققه؟
ثم يأتى دور الأبنية أو المؤسسات القائمة على صناعة السينما، وليس بجديد القول المأثور بأن السينما فن وتجارة وصناعة، لكن تلك الكلمات الثلاث لا تنفصل عن بعضها البعض، وهى فى الحقيقة عناصر من مفهوم واحد لفن مثل السينما. قد يحتاج ذلك للتوقف قليلا أمام "طبيعة وجود" هذا الفن مرة أخرى: فبينما يمكن لمعظم الفنون التقليدية القديمة أن تُنتج وتُستهلك بشكل فردى (يرسم الفنان التشكيلى لوحته فى الاستوديو، ويشتريها الزبون ويعرضها فى منزله)، فلا يمكن صنع الأفلام أو استهلاكها إلا على نحو جماعى (عشرات ومئات يشتركون معا فى صنع الفيلم، وعشرات وملايين المتفرجين يشاهدونها)، لذلك تحتاج السينما إلى "مؤسسات" للإنتاج والتوزيع والعرض، وتلك جميعا تحتاج إلى التمويل، الذى يبحث بالطبع عن الربح.
هنا يأتى دور السياق الاقتصادى: فى الدول الاشتراكية السابقة كانت "الدولة" هى التى تقوم بذلك، وفى العالم الرأسمالى هناك الشركات الكبرى (تدعى الاستوديوهات، وتصنع سينما التيار السائد)، وإلى جانبها شركات صغرى (تدعى السينما المستقلة أو سينما الفن أحيانا)، ومع قيام الرأسمالية بتجديد نفسها عرفت كيف تصوغ علاقة أنضج بين الكبار والصغار، لأن فى ذلك مصلحة للجميع. لكن ماذا تقول عن نظام اقتصادى هو فى حقيقته "لانظام" كما عاشته مصر فى الأربعين عاما الماضية؟ والنتيجة: شركات عشوائية لأناس قادمين من خارج صناعة السينما، يبحثون عن الربح السريع والاندماج اللذيذ مع عالم الفنانين والفنانات. وفى هذا السياق لا تنتظر من هؤلاء البحث الحقيقى عن مصلحة السينما، فهم سيهربون على الفور منها عائدين من حيث أتوا إذا ما أصبحت عبئا على مصالحهم الضيقة. دعنى أضرب لك مثالا (وهناك غيره عشرات الأمثلة): رجل الأموال كامل أبو على ينتج أول أفلامه "إزاى البنات تحبك" من إخراج أحمد عاطف، فيضع صانعو الفيلم على لسان إحدى الشخصيات جملة يقدمون بها البطلة: "بنت كامل بيه أبو على، الراجل الطيب"، فهل رأيت استخفافا أكثر من ذلك؟ نعم ياصديقى، سوف تتوالى الاستخفافات والسخافات، وفى فيلم "كلمنى شكرا" لخالد يوسف نفس طريقة "النقوط" والتحية للمنتج وشركائه، وفى أفلام السبكى سوف يصبح هذا النقوط نمرة ثابتة. لكن الأفدح أننا لم نلتفت إلى دور رجال المال (من أين أتوا به أصلا؟!!) فى تقويض بعض الثوابت الوطنية، ولكامل أبو على دور لا يضاهى فى هذا المجال، ففى فيلم "أبو العربى" تصبح حرب أكتوبر وشهداؤها مادة لعشرات "الإفيهات" السخيفة، وفى "درس خصوصى" ابتذال بلا حدود لـ"كل" التاريخ المصرى بلا مبالغة. وتبشرك الأخبار الفنية بأن السبكى سوف يصنع فيلما عن ثورة 25 يناير يحمل اسم "حظر تجول"، لأن "كله عند منتجى السينما المصريين لحس عقول"!!
كيف يمكن للسينما المصرية أن تخرج من هذا السجن الذى تفرضه قيود "فلوس" المنتجين والموزعين وأصحاب دور العرض، والذين هم بالمناسبة نفس الأشخاص، فى احتكار يضرب عرض الحائط بأبسط قواعد الرأسمالية المنتجة ذاتها؟!
سوف أحاول فى السطور التالية وضع تصور عام فى نقاط محددة، لعلها أن تساعد على نحو ما فى تحديد طريق لمستقبل السينما المصرية:
1) تكوين اتحاد للسينمائيين يجمع كل أطيافهم، يكون هدفه ليس محاولة العثور على فرص عمل فى المناخ السائد، وإنما تأسيس مناخ جديد يقوم على بعض أو كل النقاط التالية.
2) تأسيس كيان تابع للدولة (وليس للحكومة) تكون مهمته بحث وسائل دعم السينما وصنع الأفلام، مثلما هو الحال فى معظم دول العالم، مثل فرنسا وحتى "إسرائيل". وميزانيته الرئيسية تأتى من تذاكر السينما ويجب أن تعود للسينما وليس لنشاطات أخرى مثلما اعتادت وزارة الثقافة فى إنشائها لكنز "على بابا" المعروف بصندوق التنمية الثقافية. ومن بين مهام هذا الكيان البحث عن مصادر أخرى للتمويل، مثل القنوات الفضائية، ووسائل الإنتاج المشترك التى سوف تتطلب جهودا من وزارة التعاون الدولى أيضا.
3) المطالبة بتنقيح كل التشريعات التى تمثل عبئا على صناعة السينما، أو لا تساعدها على النمو، وفى مقدمتها تقديم كل التسهيلات الممكنة للشركات الصغرى للإنتاج السينمائى، ولإنشاء دور العرض الصغيرة (إننا نحتاج إلى الآلاف منها بمعنى الكلمة)، خاصة فى كل الأحياء والمدن الصغرى وحتى القرى. (بالإضافة إلى الفائدة الاقتصادية الأكيدة حيث سيتزايد الطلب على الأفلام ومن ثم إنتاجها، هناك الفائدة الحضارية التى سوف تعيد مصر إلى القرن الواحد والعشرين).
4) إعادة النظر فى قوانين الرقابة الحالية. وهنا أؤكد أن هذا لا يعنى وجود أى شكل من أشكال الرقابة، فوجود مثل هذه المؤسسة يحمى الفنان من أنواع الرقابة العشوائية التى قد تعرضه للمحاكمة أمام ادعاء أفراد أو هيئات، لتصبح الرقابة فى هذه الحالة هى المسئولة أمام مثل هذه الدعاوى. وربما كان أفضل شكل لها هو أن تتشكل من أبناء الصناعة أنفسهم، بطريق الانتخاب الحر، ويصبح من حق السينمائيين إعادة تشكيلها إذا لم يحقق أعضاؤها الهدف من انتخابهم.
5) إلغاء القيود الأمنية تماما على حق السينمائيين فى تصوير أفلامهم فى أى مكان، فتلك القيود لا تتعارض فقط مع مبدأ حرية التعبير التى لا خلاف عليها، لكنها من أسباب تخلف السينما التسجيلية مثلا، فى وقت أصبحت فيه مادة أساسية حتى فى دور العرض التجارية فى كل أنحاء العالم.
6) العمل الجاد على الجانب التثقيفى من صناعة السينما، بما فى ذلك عقد المهرجانات الجادة ذات الرسالة الفنية الواضحة، وإنشاء "سينماتيك" سينمائى متطور للسينما المصرية والعالمية، حيث يمكن مشاهدة الأفلام ومناقشتها جماعيا وعلى نحو منتظم. كذلك وجود إصدارات سينمائية متخصصة من مختلف مستويات التذوق للجمهور العام والخاص معا.
7) أؤكد من جديد أننا قد لا نحصد الثمار قريبا، فالأمل الحقيقى من وجهة نظرى يبدأ مع معهد حقيقى للسينما، تختفى فيه تماما نزعة اختيار الطلاب على أساس الواسطة أو القرابة، لتكون الموهبة هى المعيار الوحيد. ومن المهم أيضا تنقيح مناهج الدراسة بشكل جاد، ليصبح الجانب العملى هو الأغلب، مع استقدام فنانين أجانب من كل دول العالم (أكرر: فنانين)، فدراسة الفن ليست إتقان الأدوات التى تنتهى إلى وجود حرفيين، لكن تفجير الطاقات الإبداعية يحتاج إلى مران طويل بحق، وبشكل أصيل، وهو يحتاج إلى إضافة جادة لدراسة الفنون الأخرى مثل الفن التشكيلى والموسيقى، ناهيك بالطبع عن الدراما (تلك أضعف نقطة عند فنانينا السينمائيين للأسف).
8) الانفتاح على العالم بكل ما نملك من قوة، لقد أصابنى الأسى (وإن لم أشعر بالمفاجأة) من أن يترشح الفيلم الجزائرى "خارج القانون" هذا العام لمسابقة الأوسكار عن أفضل فيلم أجنبى، بينما خرج فيلمنا "رسائل البحر" من التصفية الأولى. ولنكن صرحاء مع أنفسنا: إننا فى أفضل أحوالنا ما نزال أسرى لسينما الستينات والسبعينات الفنية (فيسكونتى أو فاسبيندر مثلا، كما يبدو فى أفلام داود أو يسرى نصر الله)، بينما الفن السينمائى قفز قفزات إبداعية هائلة سواء فى السينما التجارية أو المستقلة. إننا نبدو كمن ينطق لغة قديمة مهجورة فى عالم أصبح يغير أدوات اللغة كل يوم. إن أردت دليلا على ذلك حاول أن تبحث الآن فى صحفنا عن نوعية الأخبار المنشورة حول مسابقة الأوسكار التى تعقد اليوم الأحد 27 فبراير، ولتسأل نفسك عن نوع التغطية التى تقدمها الصحافة الفنية، وبالمرة اسأل نفسك كم فيلما من الأفلام المتنافسة شاهدناها!!
سوف أنهى مقالى بنفس العبارات من مقالى السابق حول هذا الموضوع: لابد أن يدافع أصحاب المصلحة الحقيقية عن أنفسهم، فهذا الجيل الشائخ الشائه الذى يسود اليوم سوف يزول قريبا، ولا يجب أن نترك أمورنا فى أيدى ورثة هذا الجيل الذين سوف يجعلون الشيخوخة المشوهة علامة على مصر فى أدنى مراحل تحللها فى التاريخ المعاصر. هل نريد سينما أفضل، ووطنا أكثر جمالا وعدلا؟ المشوار طويل نعم، لكن إما هذا أو الرضا بالموت ونحن على قيد الحياة!!