Friday, October 22, 2010

"فاوست أمريكى: من كوندى إلى كوندى الجديدة"

بمجرد أن تسمع اسم الفيلم التسجيلى البريطانى "فاوست أمريكى: من كوندى إلى كوندى الجديدة"، سوف يتبادر إلى ذهنك على الفور صورة "فاوست" الذى باع روحه للشيطان، تلك الصورة التى أخذت أشكالا فنية عديدة عبر العصور، بدءا من مسرحيات الأخلاق التى كانت تعرض فى الكنائس فى العصور الوسطى، ومرورا بمسرحيات مارلو وجيته التراجيدية، وحتى المعالجات الحديثة التى شقت طريقها إلى السينما على نحو خاص، مثلما هو الحال فى فيلم "المسحور" Bedazzled فى نسختيه الكوميديتين: البريطانية (1967) والأمريكية (2000)، وإذا كان الشىء بالشىء يذكر، فلا مناص من أن نذكر أيضا النسخة الهزلية المصرية التى تحمل اسم "طير إنت" (2000)، وبرغم اختلاف المعالجات الفنية بينها جميعا، فهى ما تزال تطرح نفس السؤال الجوهرى الذى يلمس وترا حساسا فى أعماق كل إنسان: ماذا يفيد الإنسان إن ربح العالم وخسر نفسه؟
لكن فيلم "فاوست أمريكى" لا يتوقف عند هذا السؤال الأخلاقى، فهو ليس أمثولة ولا موعظة تقول للإنسان أن من الخير له ألا يبيع روحه للشيطان مقابل أى ثمن كان، لكن "فاوست أمريكى" فى جوهره "مذكرة ادعاء" بمعنى الكلمة، ضد من يشير إلى أنهم مجرمو حرب تجب محاكمتهم، غير أن ما نؤكد عليه من البداية أن الفيلم يتخذ طريقا مغايرا تماما لأسلوب مايكل مور، بقدر ما يقترب من أسلوب السينمائى التسجيلى الأمريكى المهم إيرول موريس، فالفيلم يبدو محايدا تماما فى وضعه "الحقائق" متجاورة، بدون تدخل واضح من صانع الفيلم الذى لا نكاد نشعر بوجوده، ولا نرى صورته أبدا، وهو لا يحفز من يقوم بتصويرهم على الإدلاء بشهادة تأخذ مسارا مسبقا، وهو بذلك أقرب إلى مدرسة "سينما الحقيقة" cinema verite منه إلى "السينما المباشرة" direct cinema، إنه يترك شخصيات الفيلم تختار الجانب الذى يعبر عن موقفها من مادة الموضوع، لكن هذا لا يعنى بالطبع أنه ليست هناك فى الفيلم "وجهة نظر"، وهى التى تنشأ عن "تجاور" اللقطات والمشاهد والحقائق، هذا التجاور الذى يقود المتفرج – دون أن يشعر – إلى تبنى وجهة النظر التى يطرحها الفيلم.
ووجهة النظر فى فيلم "فاوست أمريكى" هى تقديم هذا الـ"فاوست" للمحاكمة، ليس فقط لأنه باع روحه للشيطان، لكن لأنه لم يشتر السلطة والقوة مقابل روحه وحدها (بالمعنى المجازى للكلمة)، ولكن مقابل أرواح عشرات ومئات الآلاف من الأرواح (بالمعنى الحقيقى للكلمة) لبشر ضاعوا ضحية طموحه المجنون إلى السلطة. فى نفس الوقت فإن الفيلم يضع على طاولة التشريح فترة من أصعب الأوقات التى مرت بها البشرية فى السنوات الأخيرة، فترة امتزجت فيها السياسة بالـ"بيزينيس"، فترة يقولون أنها تشهد وجود ذلك الوهم المسمى "القرية العالمية الواحدة"، تحت الشعار الزائف بالعولمة، بينما ما تزال فى هذه القرية قصور ينعم أصحابها بالرفاهية، وأكواخ يموت قاطنوها من الجوع، وربما كان مصيرهم هو القتل إذا تصور الأغنياء أن الفقراء يمثلون خطرا عليهم، بما يذكر على الفور بالفيلم الروائى الذى نظلمه باعتباره فيلما للرعب، وهو فيلم المخرج جورج روميرو "أرض الموتى".
إذا أردت فيلم رعب تسجيليا بحق (بالطبع دون المؤثرات البصرية والسمعية لأفلام الرعب!) ففيلم "فاوست أمريكى" هو ضالتك المنشودة، الذى يبدو فى الجانب الأكبر منه كأنه تسجيل للرحلة "الأوديسية" التى سارت فيها كوندوليزا رايس، من الأحياء الفقيرة التى ولدت فيها فى النصف الأول من الخمسينات، حتى اعتلائها قمة السلطة التى يمكن أن تصل إليها، وانتهاء بالابتعاد عن الأضواء ولكن فى انتظار مستقبل ما، قد يتراوح – كما يوحى الفيلم – بين عودة "كوندى" إلى رئاسة جامعة ستانفورد، وممارسة الجولف والعزف على البيانو كما تقول هى، وبين محاكمتها وشركائها على ما يعتبره البعض جرائم حرب ارتكبوها مع سبق الإصرار، فى حق كل ما فى التاريخ الإنسانى من مُثُل أخلاقية، والأفظع أنه تم ارتكاب هذه الجرائم باسم هذه المُثُل!!
وفى الفيلم "قصة" كما ينبغى لكل عمل فنى أن يكون، والقصة هنا بالمعنى الأوسع للكلمة، فحتى المقال او الموضوع الإخبارى التقريرى يحتوى على قصة ما: بداية ووسط ونهاية، ويحتوى على بناء درامى، وكل عمل فنى يشبه على نحو ما مذكرة قانونية للادعاء أو الدفاع، يتم فيها ترتيب الحقائق على نحو محدد لكى تقود المتلقى إلى نتيجة محددة، ولعل هذه الأمر بعيد عن تصور البعض منا خاصة عن السينما التسجيلية، لكن "فاوست أمريكى" يضرب لنا مثلا بالغ البساطة والوضوح والتماسك فى كيفية "بناء" فيلم تسجيلى (ومن المؤكد أن هناك ما لا نهاية من الأبنية فى عالم الفن)، سواء على مستوى الشكل أو المضمون أو وجهة النظر.
وإذا كان الفيلم يعتمد فى مادته على لقطات أرشيفية فى الجانب الأكبر منه، مع شهادات لشخصيات عامة وخاصة تعرف طرفا من حياة وأوجه "البطلة" كوندوليزا رايس، لذلك يأتى معظم بناء الفيلم من رؤية كاتبه ومخرجه سيباستيان دوجارت، ومونتيرته ومنتجته ديانا ديشيلليو. ومثل هذه النوعية من الأفلام تجد بناءها النهائى على طاولة المونتاج، حيث يتشارك المونتير والمخرج فى صياغة "الرؤية" الفنية والسياسية، وهى هنا تقوم على فكرة رئيسية: "تجاور الأضداد أو المتناقضات"، فالفيلم فى كل لحظة منه يضع إلى جوار كل لون لونا يصنع معه تناقضا حادا، ويقطع كل خط مع خط آخر يتعامد عليه، فكأنك أمام لوحة من "بوليفونية" من الألحان، لكن من المؤكد أن الجمع بينها سوف يتركك وأنت فى حالة مزاجية وذهنية يغلب عليها مزيج من الأسى والغضب.
فى بداية الفيلم لقطات خاطفة عديدة لشخصيات "شهيرة" فى الثقافة الأمريكية، بوش الكبير والصغير، ونائبهما ديك تشينى، وشوارزينيجر، وأوبرا وينفرى، جميعهم يلقى بكلمات المديح لكوندى، التى جمعت صفتين كانتا – من وجهة نظر الثقافة الأمريكية - كفيلتين بوضع عقبات أمام وصولها إلى ما وصلت إليه: إنها زنجية، وامرأة. هنا لابد أن يتساءل المتفرج: أليس ذلك تأكيدا على أنها استثناء، وأن القاعدة ما تزال هى التمييز بسبب اللون أو الجنس؟ وسوف يجد المتفرج الإجابة المذهلة فى مشاهد لاحقة متناثرة من الفيلم بأن هذا "التمييز" ذاته كان أحد أسباب صعود نجم كوندى!
يعود الفيلم فى بدايته إلى فترة الطفولة، ابنة لأب قس فى كنسية صغيرة فى مدينة صغيرة، كان كل حلمه أن يجنب ابنته خوض آلام فترة الخمسينات والستينات خلال ذروة نضال الزنوج من أجل حقوقهم المدنية، وحركات العنف والعنف المضاد بين البيض والزنوج، والتى وصلت إلى ذروتها باغتيال مارتين لوثر كينج، وحرق بعض أحياء السود، ومن بينها كنيسة قريبة لحى كوندى حيث لقى فيها عشرات الأطفال الأبرياء مصرعهم. أراد الأب أن يبعدها عن "السياسة" (وأنت تعلم ما انتهت هى إليه)، وكانت حجته التى يؤمن بها أنه إذا أراد الزنوج الحصول على حقوقهم فمن خلال تحقيق مستوى أفضل من التعليم والكرامة والكبرياء. فى فترة الصبا تلك كانت كوندى تحلم بأن تكون عازفة بيانو شهيرة، ويعلق أستاذها فى هذا المجال أنها كانت بارعة فى تنفيذ التعليمات التقنية للعزف، لكنها كانت تفتقد "الإحساس العاطفى" بما تعزف. وعندما أدركت هى أنها لن تحقق نجاحا كبيرا فى هذا المجال قررت أن تتوقف عنه "لأنها لا تريد أن تكون رقم 2".
وهنا تبدأ المرحلة الثانية من حياتها، طالبة للعلوم السياسية على يد البروفيسور كوربيل، التشيكى المهاجر الذى ترك تأثيرا قويا فى الأوساط السياسية الأمريكية، لقد كان هو أبو مادلين أولبرايت بقدر ما كان الأب الروحى لكوندى، لكن تأثيره الأهم هو مدرسته فى "السياسة الواقعية"، التى تنادى بأن التاريخ تصنعه القوة، والأمر الواقع يفرض نفسه، بعيدا عن أى حديث عن المثل والمبادئ والأخلاق (ليت بعض سياسيينا يعرفون ذلك!)، وكانت نظريته قد تأكدت – كما يوضح الفيلم فى لقطات أرشيفية – من خلال التدخل العسكرى الأمريكى فى مناطق مختلفة من العالم، ناهيك عن حرب فييتنام المروعة التى سوف يعرض لك الفيلم بضع لقطات شهيرة عن فظائعها.
وفى الوقت الذى تخصصت فيه كوندى فى الشئون السوفييتية، فى ذروة الحرب الباردة خلال السبعينات، عرفت قصة حب خاطفة مع لاعب البيسبول أبتشيرش، الذى تعرفت عليه من خلال عشق أبيها لهذه الرياضة، وبالفعل تتم خطبتهما التى لم تستمر شهورا دون أن تتكلل بالزواج: لقد تلقت كوندى عرضا بالعمل فى إدارة الرئيس (من الحزب الديموقراطى) جيمى كارتر، وهكذا قررت الذهاب إلى واشنطن بعد أن أعادت خاتم الخطبة، ليؤكد لنا الرجل فى شهادته: "لقد فضلت السلطة على الحب".
ربما كانت هذه الجملة هى مفتاح شخصية كوندى، لكن الحقيقة أنها فضلت السلطة على كل ما يمكن للإنسان أن يحنى الجبين له. ففى غضون سنوات قليلة سوف تدرك كوندى أن الحزب الديموقراطى يتراجع، فقررت الانضمام على الفور إلى الحزب الجمهورى (لقد عادت بعد ذلك لفترة قصيرة للديموقراطيين مرة أخرى لتستقر فى النهاية فى أحضان الجمهوريين)، وهى تجد الشجاعة لتبرير كل ما تفعل، فى صفة سوف تصبح ملاصقة لها على الدوام. إنها تقول أن أباها كان جمهوريا لأن الديموقراطيين رفضوا إعطاءه بطاقة انتخاب، لذلك فقد كانت منذ البداية من الجمهوريين!!
فى الحقيقة أنها تتمتع بذكاء "واقعى" بالغ جعلها تدرك أن نجم الحزب الجمهورى فى تصاعد، خاصة فى فترة بارانويا سياسة رونالد ريجان (هل تتخيل أن رئيسا يستخدم اسم فيلم ليصف سياسته؟ هكذا فعل مع "حرب النجوم"!!). هنا كانت فترة صياغة أفكارها وتكوينها النفسى، وما ساعد على ذلك استعدادها الذى سوف يشرحه أحد زملاء دراستها فى مشهد لاحق بأنها كانت على استعداد دائما لتغيير آرائها من أجل إرضاء أساتذتها، وكان من تعاليم أستاذها فى هذه المرحلة، رونالد ريجان، أن القوة هى الهدف: "ليس مهما أن تكون أمريكا محبوبة فى العالم، المهم أن تنتزع الاحترام".
ساعدتها فى تلك الفترة دراساتها السوفيتية على أن تكون طرفا فاعلا فى اللقاء بين غريمى الحرب الباردة، أو بالأحرى فى تقويض المعسكر الشرقى كله. لكن بقدر ما كان ذلك نقطة إيجابية فى إنجازاتها فإنه كان يمثل أيضا تهديدا لانتهاء دورها السياسى بعد انتهاء الحرب الباردة، لكن كوندى عرفت كيف تلحق بالقطار الذى يقف متأهبا للإقلاع: قطار "المحافظين الجدد"، ومجموعة "صناعة الفكر" فى معهد هوفر للجمهوريين، حيث التقت وجورج شولتز، وواينبيرجر، وفى فترة لاحقة مع رامسفيلد وديك تشينى، ولترتبط بعلاقة عمل طويلة الأمد مع جورج بوش الأب الذى سوف يفتح لها طرقا عملية حتى فى فترة كلينتون من الحزب الديموقراطى. وخلال التسعينات لاحت لها فرصة أن تترأس جامعة ستانفورد حيث تعاملت مع زملائها بقدر هائل من القسوة المهنية، ثم فى مجلس إدارة شركة شيفرون للنفط التى كانت سببا فى مجازر عنيفة فى نيجيريا على يد الحكومة لأن أهل البلاد طالبوا بنصيبهم من هذه الثروة النفطية.
تأتى الفرصة الذهبية لكوندى مع استعداد جورج بوش الابن لترشيح نفسه للرئاسة، لقد كان جاهلا تماما فى السياسة الخارجية (هناك عشرات النوادر عن جهله فى هذا المجال، يتضمن الفيلم بعضا منها)، وتم اختيار كوندى لتكون مستشارته ومعلمته فى هذا المجال، لتبدأ بينهما علاقة عمل غريبة. لقد اختارها بوش مستشارة للأمن القومى، ويقارن الفيلم بين تواضع إمكاناتها مع سابقيها مثل كيسينجر، لكنها تكون قد قررت أن تستولى على الرئيس تماما، وفى إشارات يغمز بها الفيلم يقول بوش عنها أنها موعده الغرامى، ويسألها فى إحدى جلسات الأمم المتحدة إن كان يستطيع الذهاب إلى دورة المياه، وهى تشير إليه عند الحديث عنه بوصفه "زوجها"، ومن المؤكد أن الفيلم لا يقصد أبدا إلى التلميح الجنسى، وإن كانت العلاقة أكثر خطرا بكثير لأن آثارها تطال العالم كله.
وفى تطور يشبه المسرحيات التراجيدية تقع أحداث الحادى عشر من سبتمبر عام 2001، لقد كان من الممكن أن تكون الضربة القاضية على كوندى وحياتها السياسية، لأنها – مستشارة الأمن القومى – كانت قد تلقت تحذيرات من وكالة الخابرات المركزية بهجوم إرهابى وشيك، لكنها تجاهلته. وبدلا من الاعتراف بالتقصير بدأت مأساة "الحرب على الإرهاب"، اخترعت فيها أعداء وهميين، وتلاقت أهدافها مع رغبة بوش فى الانتقام من صدام حسين، وأهداف "البيزينيس" القذر عند المحافظين الجدد، حتى أن بوش رفض لمرات عديدة تقارير المخابرات عن أن العراق يخلو من أسلحة التدمير الشامل المزعومة، وهكذا بدأت الحرب التى دمرت وطنا بأكمله، وأعادته عشرات السنين إلى الوراء.
من جانب آخر كانت استراتيجية الحرب المزعومة ضد الإرهاب تتضمن تعذيب المشتبه بهم، بكل الطرق التى لا يمكن تخيل قدر بشاعتها، بحجة استخراج المعلومات منهم. وفى هذا السياق يعرض الفيلم كيف أن النظام الأمريكى يستطيع وقتما يشاء أن يخرق دستوره وكل الاتفاقيات الدولية التى ينادى فى مواقف أخرى بأن تحترمها دول العالم الضعيفة. تأمل على سبيل المثال تعليق بوش على أن اتفاقية جينيف تمنع تعذيب الأسرى وإذلالهم، إنه يقول بصلف: "تلك كلمات غامضة تماما، ماذا تعنى بالضبط؟"!! (يقطع الفيلم هنا مباشرة على أكداس الأسرى العرايا معصوبى الأعين فى سجن أبو غريب). وبينما كانت كوندى قد بررت من قبل الحرب على العراق بوجود وسائل لصنع أسلحة نووية، فإنها بعد فضح الكذبة تتمادى فى الكذب: "لم نخض هذه الحرب لهذا السبب ولكن لأن صدام طاغية وحان وقت التخلص منه"، كما أنها تدافع عن تعذيب المعتقلين فى جوانتانامو التى تراها "ضرورة لأنها جزء من الحرب على الإرهاب، هل تريدون أن يسير الإرهابيون فى شوارعنا؟". وفى أبشع صور خرق كل الأعراف القانونية تخترع كوندى تعبيرا لم يعرفه التاريخ من قبل: extraordinary rendition والذى يعنى تسليم المعتقلين المشتبه فيهم لدول أخرى لتقوم بالتحقيق معهم من خلال التعذيب الوحشى، وتنكر تماما النص القانونى habeas corpus الذى يفرض عدم احتجاز إنسان دون تقديمه للمحاكمة وتوجيه اتهام محدد له وتوفير فرصة له للدفاع عن نفسه.
وصلت كوندى إلى منصب وزير الخارجية، وتمادت فى سطوتها، لتتعاقد مع شركة "بلاك ووتر" (فرق الموت المرتزقة) بحجة توفير الدفاع للدبلوماسيين فى العراق، حيث ارتكب أفراد الشركة – المتمتعين بالحصانة!! – جرائم مروعة، وبينما كان عقد الشركة بمليار دولار فقد كان تعويض الضحية من العراقيين عشرة آلاف دولار! لقد كانت كوندى تبرر ذلك كله بأن ثلاثة آلاف أمريكى ماتوا فى الحادى عشر من سبتمبر، وكان رد محاورها أن نصف مليون أمريكى ماتوا فى الحرب العالمية الثانية لكن ذلك لم يسمح أبدا بتعذيب أسرى الحرب.
لقد عادت كوندى الآن إلى جامعة استانفورد، لكن وسط حملات تطالب بمحاكتها وشركائها على كل جرائم الحرب التى ارتكبوها. وهى وشركاؤها يستطيعون الإنكار تلو الإنكار، لكن هل يصمت العالم على الجريمة، التى يمكن تكرارها لأن المجرمين يفلتون من العقاب بهذه الطريقة؟ ذلك هو السؤال الذى يطرحه الفيلم بشكل غير مباشر، وإذا كان الفيلم ينتهى بالإشارة إلى عنوانه "فاوست أمريكى" بأننا أمام شخصية شكسبيرية تدفع أى ثمن مقابل السلطة، فإن المرء لا يملك أن يتساءل أحيانا: من لعب دور فاوست، ومن كان الشيطان؟ هناك فى الفيلم لقطة فوتوغرافية تكررت مرتين، وهى أيضا "بوستر" الفيلم: جورج بوش فى مقدمة الكادر جالسا على مكتبه، بينما كوندى فى الخلفية تنظر إليه فى دهاء، فربما كانت هى التى لعبت دور الشيطان. بل إن "الفاوستية" هى جوهر "الحلم الأمريكى" الذى يلخصه الفيلم فى تلك العبارة المخادعة على لسان كوندى: "ليس مهما من أين جئت، المهم أن تستطيع أن تحقق ما تريد"، وليس هناك إشارة واحدة على "كيف" تحقق ذلك دون أن تفقد إنسانيتك أو مبادئك الإنسانية. كما تجد فى العنوان الفرعى للفيلم تلاعبا لفظيا ليس غريبا على الإنجليز المغرمين بالتوريات pun، تأمل كيف كتب "كوندى الجديدة" مستخدما neo بدلا من new، والـ neo-con هم المحافظون الجدد.
يبرز الفيلم لغة الخطاب الأمريكى الذى يجافى المنطق أحيانا أو يلوى عنقه، إن كوندى تقول عن منعطفات حياتها أن تلك جزء من خطة إلهية أكبر، وتنسى أنها بالأحرى جزء من خطة سياسية أكبر، فليس هناك مبرر دينى واحد فى أن يضع بوش أمام العالم اختيارين لا ثالث لهما: "إما أن تكونوا معنا أو مع الإرهابيين"، أو أن يكون ثمن "الدفاع عن الطريقة الأمريكية فى الحياة" هو قتل وتعذيب ملايين البشر لأنهم غير أمريكيين ولا يتبعون "الطريقة الأمريكية فى الحياة". وبعيدا عن هذه المبررات المزعومة فإن جوهر السلام الأمريكى Pax Americana هو "القوة"، هو "الصدمة والرعب" كما أطلقوا على الحرب ضد شعب العراق، وليس لذلك علاقة بالحديث المزعوم عن الحرية والديموقراطية. فى نهاية الفيلم يرفع بعض أفراد الشعب العراقى أصابعهم المخضبة بالحبر بعد انتخابات فشلت حتى كتابة هذه السطور فى تشكيل حكومة عراقية، واللقطة التالية مباشرة هى عشرات المواطنين الأمريكيين يرفعون فى وجه كوندى أصابعهم المخضبة باللون الأحمر، فى إشارة إلى جرائم الحرب والتعذيب. هذا هو التجاور ذاته فى المزج بين صورة كوندى الطفلة البريئة وصورة كوندى المرأة الصارمة القاسية. وهو أيضا التجاور بين بوش يقول أن "أمريكا محظوظة لأنها نالت خدمات كوندى"، والفنان السينمائى والناشط السياسى شون بين وهو يؤكد: "مكان هذه المرأة هو السجن". المرأة، الزنجية، التى نسيت زنوج نيوأورليانز فى محنة إعصار كاترينا، ويشير فى الفيلم المخرج الزنجى سبايك لى أنها كانت تتسوق بضائع فاخرة بينما الزنوج يموتون"، حتى أنهم يقولون أمام الكاميرا: "إنها ليست واحدة منا"، والحقيقة أنها لم تعد أيضا واحدة من البشر عندما باعت روحها للشيطان، أو عندما قررت أن تلعب دور الشيطان ذاته!

Monday, October 18, 2010

الجنة "الآن" ، ولكن أين؟!

عندما كنا مانزال فى ريعان الشباب، كانت هناك سينما سياسية ثورية تجتاح العالم كله، وكنا ننتظر أن تتحقق الثورة ويأتى يوم تسود فيه العدالة لكل بنى البشر، لكننا أصبحنا فى الفترة الأخيرة "مابعد حداثيين"، فقد انتهينا ( أو أنهونا) إلى أن مثل هذه الثورات "باطل الأباطيل وقبض الريح"، وإذا كانت التحولات الدراماتيكية فى العالم – كما حدث ويحدث عبر التاريخ الإنسانى كله – قد أفقدتنا بعضا من روح التفاؤل، فقد أسرع إخواننا ما بعد الحداثثين لاستخدام هذه التحولات للوصول إلى مقولة "نهاية عصر الأيديولوجيات" مع أن هذه أيديولوجيا فى حد ذاتها!! كما أكدوا لنا أن هناك "حقيقة" واحدة، هى أنه لا توجد حقيقة على الإطلاق!! ويبدو أن فيلم "الجنة الآن" يسير فى هذا الطريق ما بعد الحداثى، لأنه "يبدو" أنه يثير عشرات الأسئلة دون أن يجيب عن واحدة منها، وإن كان تحت السطح ينحاز إلى إجابة بعينها وكأنها بؤرة الفيلم المختفية.
وبما أننا ذكرنا سينما السبعينات الثورية فقد كان هناك فيلم إيطالى يدعى "ساكو وفانزيتى"، يحكى عن اثنين من العمال، أحدهما أيديولوجى قوى البنية بينما الآخر متردد ذو جسم هزيل، وعندما يتعرضان للاعتقال والتعذيب فإن الفيلم ينتهى إلى تخاذل الأول بينما يزداد صمود الثانى وإيمانه بضرورة الثورة. هذان هما على نحو ما بطلا فيلم "الجنة الآن" اللذان يكلفان بمهمة "انتحارية"، فإذا بالبطل الشجاع يتراجع لكن البطل المهتز يزداد تصميمه على تنفيذ المهمة. فى قلب الفيلم إذن تدور الأحداث حول جدوى العمليات "الانتحارية"، لكن هل عرض الفيلم هذه القضية بالموضوعية ـ ولا نقول الحيادية ـ المفترض أن تتجسد فى الشخصيات التى نراها على الشاشة؟ يقول الفيلم أنه يدور فى مدينة الخليل، ويالهول ما يحدث كل يوم فى هذه المدينة المناضلة منذ عام 1967، لكننا نراها فى الفيلم مدينة هادئة لا يعكر صفوها إلا بعض نقاط التفتيش "اللطيفة" التى تذكرك بلجان المرور عندنا، وإذا أردت أن تغيظ هؤلاء الجنود الإسرائيليين فما عليك إلا أن تفعل مثل بطلة الفيلم التى تحشو حقيبتها بملابس تشكل ألوانها ألوان العلم الفلسطينى! وفى حدوتة الفيلم لن تعرف على وجه اليقين ماهو دافع البطل المقدام للاستشهاد، أما الثانى المتردد فسوف تكتشف أن دافعه أقرب إلى "التطهير النفسى"، فهو يريد أن يمحو عار أبيه الذى "أعدمه" الفلسطينيون لتعاونه مع الاحتلال.
فى الخلفية من الأحداث سوف ترى مجموعة من الشخصيات بلا ملامح، مهمتهم إعداد البطلين للاستشهاد فى مشاهد من المؤكد أنها "فولكلورية" للمتفرج الغربى ( قارن لقطات الغُسل على سبيل المثال كأنه إعداد للدفن)، لكن هؤلاء يفتقدون عن عمد أى دعم درامى لموقفهم مما يجعلهم يبدون وحوشا لا قلوب لها، يدفعون الآخرين للموت بينما يبقون هم على قيد الحياة، وأرجو أن تتأمل كيف تتحول عملية تصوير رسالة الاستشهادى إلى أهله ـ مع توقف الكاميرا عن العمل مرة بعد أخرى ـ على أنها عملية لا تختلف عن تفاهات الحياة اليومية، خاصة فى انهماك المصور فى التهام الشطائر واقتسام الآخرين للسجائر وانصرافهم أحيانا عن "البطل" الذى يأخذ الأمر وحده على محمل الجد والتقديس.
أما "ضمير" الفيلم فيتجسد فى الفتاة الفلسطينية المغتربة (وكأنها تجسيد لصناع الفيلم أنفسهم) التى تؤكد أن "الجنة الآن" وليست ما بعد الموت، وأنه لابد من طريق آخر غير العمليات الاستشهادية لمقاومة الاحتلال، ولم يقل لنا صناع الفيلم إن كانت من بين الاختيارات المطروحة علينا اتفاقية أوسلو أو كامب ديفيد أم شرم الشيخ أم خارطة الطريق؟! الغريب أن فيلما ذا انتماء فلسطينى مثل "الجنة الآن" يغفل تماما السياق شديد القسوة الذى يصنع "العقلية الاستشهادية"، بينما ينجح الفيلم الأمريكى "سيريانا" مثلا فى رسم التفاصيل التى تمتد عبر خريطة الكرة الأرضية لتصنع هؤلاء الاستشهاديين. وأرجو أن تتأمل هذا الابتزاز العاطفى المقتبس عن أفلام التشويق بدءا من هيتشكوك وحتى "ميونيخ" سبيلبيرج، لظهور طفلة تلهو فى المكان المفترض تفجيره، مما يسمح لصانع الفيلم أن يتلاعب بمشاعر وأفكار المتفرجين، لكن لو كان الفيلم منصفا بحق لأظهر جنازات الأطفال الفلسطينيين الذين يلقون مصرعهم كل يوم برصاصات الاحتلال.
هل نحن فى حاجة للاعتذار للعالم عن عمليات استشهادية ليست بأى حال مقتصرة على الفلسطينيين أو المسلمين كما يصور الإعلام الغربى؟ فماذا عن اليابانيين والتاميل وبادرماينهوف والألوية الحمراء؟ بل ماذا عن التفجيرات التى دبرها الصهاينة أنفسهم فى بداية الخمسينات وسط دوائر اليهود فى مصر والعراق لدفعهم للهجرة إلى فلسطين؟ إن هناك خطا رفيعا بين الإرهاب والمقاومة، ونحن لا نطلب ولا نريد من الفيلم أن يعطى المقاومة صفة الانتقام المبرر، لكننا نريد منه أن يجعلنا ويجعل العالم أكثر وعيا بحقيقة الصهيونية والاحتلال الإسرائيلى، وفى هذا السياق فإننا لا نستطيع ـ أيا كانت المبررات أن نقبل وجود هذا الاحتلال كأمر واقع حتى لو أعطانا نموذجا على تحقيق "الجنة الآن" كما ظهرت فى الفاتنات لابسات البكينى على شاطئ تل أبيب!! لكن لأننا نعيش فى عصر مابعد الحداثة المزعوم، فليست هناك من حقيقة واضحة حول أى احتلال، فله كما لكل شئ أسماء مضللة كالعودة إلى أرض الميعاد أو "فرض" الديموقراطية فى الشرق الأوسط، أو الدعوة لتعايش مسنحيل بين العرب والصهاينة (ولا نقول اليهود بأية حال)، ولو كان الفيلم يملك الرؤية الأقرب للموضوعية، واعترف أن "الإسرائيلى" (مرة أخرى نؤكد أننا لا نقول "اليهودى") هو صهيونى الفكر والممارسة، وهو الذى لا يقبل إلا بنفى وجود غيره من البشر، نقول أنه لو اعترف الفيلم بذلك لأضاف إلى عنوانه كلمة واحدة ليصبح عنوانه دعوة لتحقيق "الجنة هنا، والآن"!

Sunday, October 17, 2010

تجربة شخصية مع السينما الهندية

عرف أبناء جيلى السينما خلال خمسينيات القرن العشرين من مصادر ثلاثة، كان الأول بالطبع هو السينما المصرية بكل أنماطها الشعبية، التى كانت تلقى منا هوى خاصا فى دور عرض "الترسو"، حيث تشكل وعينا الأول بهذا الفن، أما المصدر الثانى فكان السينما الأمريكية التى كنا شغوفين بإيقاعها السريع، وإن لم نلتفت آنذاك لما تبثه من أفكار عنصرية، فكنا نصفق لطرزان حين يقتل الأفريقيين، ونبتهج عندما يقضى الكاوبوى على الهنود الحمر.
وفجأة اجتاح دور العرض المصرية فيلم لقى رواجا هائلا، حتى أننا شاهدناه مرات عديدة خلال أسابيع قليلة، وكانت تلك هى بداية تأثير السينما الهندية فى المتفرج المصرى، وصانعى الأفلام المصريين أيضا. كان ذلك هو فيلم "من أجل أبنائى"، الذى عرفت فيما بعد، عندما درست تاريخ السينما، أن عنوانه الأصلى هو "أمنا الهند". إنه يحكى عن امرأة يبدأ بها الفيلم شابة فى مقتبل العمر، فلاحة فقيرة تتزوج من حبيبها الفلاح الفقير، ويتعرضان لظلم رجل ثرى يقرضهما بالربا، ويكاد أن يمتص كل ما تغله أرضهما. يصاب الزوج الشاب إصابة تفقده ذراعيه، ويصبح عالة على الزوجة، فيقرر أن يختفى دون أن يترك أثرا، وتصبح البطلة وحيدة، تعمل مع ابنيها فى المساحة القليلة من الأرض، وتقاوم ... تقاوم ملاحقات الرجل الثرى الذى يعرض عليها أن يخلصها من الفقر، لكنها ترفض أن "تبيع" نفسها، وتقاوم الطبيعة القاسية التى تعصف بالقرية وتدمر الحصاد، وترفض أن تهجر القرية وتقرر أن تبنيها من جديد، فتبث الحماس فى أهل القرية جميعا، وتقاوم الصراع بين ولديها حول رغبة أحدهما فى الانتقام وميل الآخر للتسامح ... وتمضى حياتها فنراها فى نهاية الفيلم عجوزا، قدمت تضحيات هائلة لكنها استطاعت أن تحافظ على كرامتها، وقريتها، ووطنها.
لم نلتفت كثيرا لذلك القدر الكبير من الميلودراما التى سوف نعرف فيما بعد أنها تميز معظم أفلام السينما الهندية، لكن ما توقفنا عنده بحق كان تلك العواطف الجارفة التى تنتقل بين الفرحة والبهجة من جانب، والحزن والفاجعة من جانب آخر، كانت عواطف نقية تجعلنا نرتجف فى الحالين معا، كما توقفنا أيضا عند القيم النبيلة التى يحثنا الفيلم عليها: التضحية، العمل الشاق، الكرامة، التسامح، وحدة الهدف، المقاومة، والأمل فى أن النهاية سوف تكون دائما تعويض الفقير والمضطهد والمحروم بأن يحصل على السعادة يوما ما.
كانت تلك العواطف، وهذه القيم، بالإضافة إلى عوامل أخرى سوف نأتى لها لاحقا، هى العمود الفقرى للسينما الهندية، وفى الحقيقة أنها لم تكن فى الهند مجرد "أفلام" يتسلى بها الجمهور، لكنها كانت "الغذاء الروحى والثقافى" الذى تتغذى عليه أمة تتألف من قارة كاملة، كانت عاملا أساسيا فى اتحاد ما يزيد على مليار من البشر، يتحدثون بما يزيد على عشرين لغة ... وكما ازدهرت السينما الصامتة فى أمريكا، فى الساحل الشرقى والغربى على السواء، لأنها كانت الغذاء الفنى المشترك لملايين المهاجرين الذين وصلوا لأمريكا دون أن يتقنوا اللغة الإنجليزية، فقد كانت السينما أكثر أهمية بالنسبة للهند، لأنها لا تتوجه فى الأساس لمجموعات مختلفة من المهاجرين، لكنها تتوجه هنا إلى شعب يتكون من ثقافات ولغات مختلفة، وكانت السينما بالنسبة لهم بوتقةً للانصهار، وعاملا بالغ الأهمية فى تشكيل ونضج القومية الهندية المشتركة.
ليس غريبا إذن أن تذكر المراجع المعاصرة أن الهند تعتبر الدولة الأولى فى العالم (وليس أمريكا كما قد نتصور للوهلة الأولى) فى انتاج الأفلام، فقد أنتجت فى عام 2009 فقط حوالى ثلاثة آلاف فيلم، من بينها حوالى ألفٌ وثلاثمائة فيلم روائى طويل، ولا تُعرض هذه الأفلام داخل الهند فقط، بل يتم توزيعها فيما يزيد على تسعين سوقا سينمائية، فى أنحاء مختلفة من العالم، كما تشترك بعض هذه الأفلام فى مهرجانات السينما العالمية. وإذا كانت السينما الهندية قد قدمت للعالم نجوما شعبيين مثل نرجس وراج كومار (هل ما نزال نذكر تلك الحفاوة التى وجدها أميتاب باتشان عند حضوره مهرجان القاهرة السينمائى منذ سنوات؟ وهل يعرف البعض منا أن أحد المطربيين الشعبيين المصريين قد اتخذ من اسم "باتشان" اسما للشهرة له؟)، أقول أنه إلى جانب هؤلاء النجوم الشعبيين فقد قدمت السينما الهندية مخرجين تركوا بصماتهم الفنية القوية فى تاريخ السينما العالمية، منذ ساتياجيت راى، ومرينال سين فى الخمسينات، والآن هناك شيكار كابور، وميرا ناير، وديبا ميهتا. ومن الناحية الاقتصادية فإن صناعةالسينما الهندية تشكل وجودا ماليا قويا فى سوق الأوراق المالية، خاصة وأن هناك شركات عالمية قررت أن تدخل إلى هذه السوق المثمرة، فى مساهمات مشتركة مع الهند، مثل شركة فوكس للقرن العشرين، وشركة سونى، وشركة إخوان وارنر.
وكما أن صناعة السينما الهندية تمثل بوتقة لجماهير من ثقافات ولغات مختلفة، فإن "الفيلم الهندى" (الجماهيرى على نحو خاص) كان بدوره بوتقة للعديد من العناصر التى تركت تأثيرها على شكله ومضمونه. كان العنصر الأول هو الملاحم الهندية القديمة، مثل ماهابهارتا ورامايانا، وهناك بعض الدراسات التى تقتفى أثر صورة الآلهة النساء فى هذه الملاحم فى تشكيل صورة المرأة فى السينما الهندية، أما على مستوى الشكل فهذه الملاحم تشبه على نحو ما "ألف ليلة وليلة" فى ثقافتنا، إن السرد لا يمضى فى خط مستقيم أبدا، فهو يعود إلى قصة من الماضى، أو يمضى إلى قصة فرعية ليعود بعد ذلك إلى القصة الأساسية، كما أنه يحتوى على القصة داخل القصة، كأنها طبقات متداخلة من السرد، تأخذ المتلقى إلى متاهة ممتعة من الحواديت، يكاد أن يغيب فيها عن الواقع، ليدخل إلى عالم سحرى غامض.
وهذا العالم السحرى، المفارق للواقع، من أهم سمات السينما الهندية الجماهيرية، وقد جاء ذلك من العنصر المؤثر الثانى، وهو الدراما السنسكريتية التى تعتمد اعتمادا كاملا على عنصر "الفرجة"، وتمزج الدراما والغناء والرقص، ولا يهدف هذا العرض إلى محاكاة الواقع، بل إلى تقديم عالم ذى أسلوبية شديدة الخصوصية. وهنا يمكن لنا أن نتأمل قليلا الفرق بين الأفلام الموسيقية الهندية والأخرى الهوليوودية، فهذه الأخيرة تجعل من موضوعها عالم الاستعراض، لذلك فإن الموسيقى والغناء يأتيان فى العادة من مصدر واقعى، لكن السينما الهندية تصنع عالما تتحدث فيه الشخصيات عن أفكارها ومشاعرها بالغناء، وتعبر فيه عن مواقفها بالرقص، وهو ما ترك تأثيره على العديد من أنماط الأفلام فى دول عديدة (تأمل مثلا دور الأغنية فى السينما الشعبية المصرية)، بل إن فيلما هوليووديا ناجحا معاصرا مثل "مولان روج!" للمخرج باز لورمان يقتبس هذا الأسلوب ليصنع عالما أسلوبيا خاصا. وأرجو أن تتأمل أيضا فيلم المخرج البريطانى دانى بويل "مليونير العشوائيات" الذى فاز منذ عامين بجوائز عالمية بالغة الأهمية، وهو فى جوهره تحية ولاء لتقاليد وحبكات وتيمات السينما الهندية الشعبية.
وهنا يأتى دور العنصر المؤثر الثالث، إن هذا العالم الخاص يمزج الواقعية بالفانتازيا، ولا يجد تناقضا بينهما، وهو ما يعود إلى تقاليد المسرح الهندى المعروف باسم "بارسى" فى القرن التاسع عشر، ومرة أخرى تختلف السينما الهندية عن قرينتها الأمريكية، فليس الأمر متعلقا بما يشبه تقاليد "الفودفيل" الذى تتعاقب فيه النمر التمثيلية والأغنيات والرقصات، فالمسألة فى السينما الهندية ليست فى التعاقب، وإنما فى المزج الكامل، حيث لا تستطيع فى نسيج الفيلم أن تفصل بين المأساة والكوميديا، أو الشاعرية والميلودراما، أو الحديث العادى والأغنية، أنت دائما أمام عالم خاص، تدخل إليه وتترك عالمنا الدنيوى وراء ظهرك، لتخرج إليه بعد أن تشاهد الفيلم وأنت تحمل مشاعر وقيما نقية، وقد لا نشعر فى الحياة العادية أبدا بمثل هذا القدر من النقاء.
وربما دخل فى الآونة الأخيرة عنصر جديد، يُعرف على مستوى العالم باسم "أسلوب إم تى فى"، نسبة إلى أشهر المحطات الفضائية التليفزيونية فى مجال الموسيقى والأغنية، ومن خلال هذا الأسلوب أصبحت الأفلام أكثر سرعة فى إيقاعها، وتستخدم زوايا كاميرا غريبة ... لكن المفارقة هنا أن السينما الهندية كانت فى جذورها تحتوى على بعض عناصر هذا الأسلوب الجديد، فالغناء والرقص هما من المكونات الأساسية للدراما، كما أن السرد يقفز بين الأزمنة والأماكن فى طرفة عين، وإذا كانت السينما الهندية قد عرفت مثل هذا الأسلوب منذ نشأتها، فقد انتقل للسينما العالمية عندما أتاحت الإمكانات الرقمية مثل هذا المونتاج الذى يطلق عليه أهل الصناعة "السرد اللاخطى".
إن ذلك لا يعنى أن السينما الهندية كانت مغلقة على ذاتها، رافضة أن تتأثر بالأساليب السينمائية فى بلدان العالم المختلفة، أو أن تخرج عن تقاليد الفيلم الهندى فى شكله الشعبى النمطى، ولم يكن غريبا أن يتأثر ساتاجيت راى فى الخمسينات بالواقعية الجديدة الإيطالية، خاصة بفيلم فيتوريو دى سيكا "سارقو الدراجات"، ولقد عمل راى مع المخرج الفرنسى الشهير جان رينوار فى فيلمه الذى صوره فى الهند، وكان اسمه "النهر"، وتجلت فيه الواقعية الشاعرية الفرنسية، وكان هذان التأثيران واضحين فى فيلم راى فى منتصف الخمسينيات "الأب بانشالى"، وتبنى هذا الجيل، مع مرينال سين أيضا، وريتويك جاتاك، أسليب الموجة الجديدة الفرنسية، وسينما الفن الأوربية، ودخلت إلى أفلامهم الاهتمامات الاجتماعية والسياسية المعاصرة.
كما شهدت السينما الهندية خلال الأعوام الأخيرة رغبة من صناع الأفلام فى الخروج من "التوليفات التقليدية"، وذلك بسبب الشعور بأن ذوق المتفرج الهندى قد تغير قليلا، فى ظل الانفتاح على مؤثرات جديدة وعديدة، والثورة التكنولوجية العالمية فى مجال وسائط الاتصال والفنون. لقد أصبح متاحا أمام المتفرج الهندى، خاصة من الطبقات الوسطى فى المدن، أن يشاهد أحدث الأفلام من مختلف دول العالم، ويمكن أيضا أن تكون مدبلجة إلى اللغة الهندية. لذلك ظهرت بعض الأفلام التى تحاول اقتفاء أثر صيحات ما بعد الحداثة فى السينما الأمريكية، وكانت أفلام كوينتين تارانتينو من أهم المؤثرات فى هذا المجال، ربما لما تحفل به من مبالغات تذهب بالواقعية إلى ما يمكن أن نسميه ما بعد الواقعية، حيث لغة الشارع هى السائدة، والعنف هو اللغة المشتركة، ناهيك عن دور الجنس فى تشكيل العلاقات، التى تصبح غرائزية إلى أقصى مدى.
تبدو السينما الهندية الآن فى مفترق طرق، على المستوى الثقافى والاقتصادى معا، حيث المنافسة التجارية بالغة الشراسة مع السينما الأمريكية الراسخة من جانب، والسينما الصينية المتنامية من جانب آخر. أما من الجانب الثقافى فهى تحاول أن تقف جنبا إلى جنب مع آخر الصيحات الفنية فى السينما العالمية، لكنها لا تريد أيضا أن تفقد دورها "الوطنى" فى توحيد شبه القارة الهندية، بالتأكيد على العناصر المشتركة الخاصة بالثقافات الهندية، وإعلاء شأن القيم الأخلاقية التى تساهم فى بناء مجتمع معاصر لا يفقد فى نفس الوقت أصالته.
إنها قضية لا تعيشها السينما الهندية وحدها، بل كل صناعات السينما الوطنية، خاصة فى عصر تبدو فيه "العولمة" نعمة ونقمة فى وقت واحد، قضية أن تنفتح على العالم وتحافظ أيضا على هويتك، قضية ألا تكتفى بأن تتأثر بل أن تؤثر أيضا، وتقدم إسهامك للحضارة الإنسانية. وإنى على يقين من أن السينما الهندية لن تفقد أصالتها، ونكهتها. وعلى ذكر النكهة فهناك مصطلح فى السينما الهندية يلخص توليفات الحبكة، فى الأفلام الجماهيرية الهندية، التى تجمع فى الفيلم الواحد بين عدة أنماط فيلمية. كثيرا ما ترى فيلما هنديا فلا تستطيع تصنيفه نمطه، فهو يحتوى على الأكشن، والرومانسية، والكوميديا، والميلودراما، والموسيقى، والغناء، والرقص، والخيال، والواقع، والقضية الاجتماعية. إنهم يطلقون على ذلك النمط الهندى الخاص اسم "ماسالا"، وهى تعنى حرفيا خلطة التوابل فى المطبخ الهندى.
إن ذلك يذكرنى بمصطلح نحته ناقدنا المصرى الراحل سامى السلامونى، حين أطلق لفظ "كشرى" على أفلامنا الجماهيرية فى مصر، لقد كان ذلك استهجانا، لكن للقضية وجهها الآخر، لماذا لا تكون الماسالا السينمائية، والكشرى السينمائى، هما الغذاء الفنى لجماهيرنا، التى لا تعرف الاسكالوب بانيه ولا يجب أن نتركها للهامبورجر، لماذا لا نبدأ من هنا والآن من غذائنا الفنى الخاص لنقدم اسهامنا السينمائى لجماهيرنا ولجماهير العالم فى كل مكان؟

Monday, October 11, 2010

هل الشعب المصرى جاهل حقا بالسينما؟

فى سياق دفاع الممثل عمر الشريف عن فيلم "المسافر"، والرد على من وجهوا بعض الانتقادات للفيلم، ذكرت الصحافة الفنية أن الشريف قال أن الشعب المصرى لا يفهم فى السينما، بدليل أنه – الشعب المصرى يعنى – ظل يحب اسماعيل ياسين عشرين عاما مع أنه – اسماعيل ياسين هذه المرة – لم يكن يعرف التمثيل. وفى سياق آخر حاول عمر الشريف توضيح وجهة نظره، والتخفيف من حدة هجومه على الشعب المصرى، فذكر أنه لم يقل أن الشعب المصرى جاهل فى العموم، ولكن "مش كل الشعب المصرى يفهم فى السينما، ومش كل الشعب المصرى يقدر يعرف ويفهم الدور الذى تقدمه الأفلام المصرية والسينما المصرية" (الدستور، 1 أكتوبر 2010).
أرجو ألا يفهم القارئ أو يفترض مسبقا أن ما سوف يقرأه الآن هو نوع من الهجوم على عمر الشريف، أو الدفاع عن "الشعب المصرى"، الذى نتعامل معه باعتباره كائنا خرافيا له مواصفات جاهزة وثابتة، بحيث أنك عندما تراه لا تملك إلا أن تصيح: "أهو ده الشعب المصرى".
سوف أتوقف أولا عند الأفكار التى تتضمنها عبارات عمر الشريف، الذى اعترف هو نفسه أكثر من مرة أنه اكتشف أنه لم يكن يعرف التمثيل حقا فى بداية حياته، بل أضاف أن التمثيل شىء سهل لا يقارن بمهن وأعمال أخرى مثل الطب أو الهندسة. وتلك "الاكتشافات" والاعترافات العفوية والتلقائية هى ما يعجبنى فيه حقا، لذلك أتصور أنه لا يعتقد أبدا أنه يملك الرؤية القاطعة المانعة حول السينما أو الشعب المصرى، ولعله فى مراجعاته لنفسه أن يدرك حجم التناقضات فى تصوراته عنهما معا.
توحى كلمات عمر الشريف أن هناك شيئا سحريا أو حتى كهنوتيا ما اسمه "السينما"، يفهم فيه البعض ويجهله أكثر الناس، ولهذا الشىء السحرى "دور" يستغلق فهمه على العوام من الناس. وهذا للأسف الشديد مفهوم يحلو لمن يطلقون على أنفسهم "النخبة" أو "الصفوة" ترويجه فى كل الميادين والنشاطات فى حياتنا، لأنهم بالطبع هؤلاء الذين "يفهمون"، أما الغوغاء أو الرعاع فهم فى غيهم يعمهون، ولعل القارئ أن يتفق معى منذ البداية أن تلك آفة تنتشر فقط فى المجتمعات التى تعانى من مرحلة من العشوائية فى تاريخها كما يحدث لنا الآن، مرحلة من الضبابية وعدم القدرة على رؤية الغد، أى غد، فيركن أهل الثقافة والسياسة العاجزون عن الفعل الحقيقى إلى إلقاء تبعة عجزهم عن التفاعل مع الواقع أو التأثير فيه على عاتق "الشعب الجاهل"، وهنا لا أدرى لماذا إذن نطلق تعبير "الصفوة" على هؤلاء الذين يفترض أن يقوموا بدور "الطليعة" كما ينبغى لأى طليعة أن تفعل فى أى مجتمع يريد أن ينفض عن نفسه غبار التخلف، لينطلق نحو مستقبل جديد، لكن "الطليعة" تلك تكتفى هنا أن تقف خارج الملعب، وتكتفى بإطلاق الأحكام على اللاعبين، وهم هنا الشعب المصرى الغلبان.
أولا: هل هناك شىء اسمه "السينما" بالألف واللام، أى أنها وحدها السينما وما عداها يخرج من جنتها؟ سوف أحيل القارئ هنا إلى ما يسود فى الثقافة العالمية الآن فى هذا الصدد، فعندما كانت السينما فى بداياتها عانت كثيرا من الاحتقار من جانب الفنانين والفلاسفة فى مجالات الفنون الأخرى، لأنهم كانوا ينظرون إليها باعتبارها صورة جديدة من الفانوس السحرى أو صندوق الدنيا، أو نوعا من التسلية التى لا ترقى إلى مستوى الفنون التقليدية الأخرى. وصدّق العاملون فى السينما ذلك التصنيف لفترة، وعانوا منه، وكان رد الفعل أن ظهرت أفلام مغرقة فى الغموض والتجريب، لأنها حين تكون غير مفهومة من عامة الناس سوف تصبح "فنا"!! من جانب آخر امتشق فلاسفة السينما أسلحتهم دفاعا عنها، وتباينت وسائل هذا الدفاع، بين رودولف آرنهايم (فى الثلاثينيات) الذى قال أن السينما تستمد قيمتها من قدرتها على تحريف الواقع وتغييره، أو سيجفريد كراكاور (فى الستينيات) الذى رأى أن قيمة السينما الحقيقة تكمن فى قدرتها على نسخ الواقع على نحو لا تستطيعه الفنون الأخرى.
وبرغم حسن نوايا هذا وذاك، وبرغم تعارض أفكارهما بين الشكلية المجردة والواقعية الخالصة، فقد كانت نقطة الضعف عندهما تكمن فى أن كلا منهما كان ينادى: "تلك هى السينما وإلا فلا!"، وبينهما كان أيضا آندريه بازان (فى الأربعينات والخمسينات) والذى جُمعت بعض مقالاته النقدية بعد وفاته لتحمل اسم "ما هى السينما؟". فى كل هذه الاتجاهات كانت النظريات تتضمن "وصفة" إرشادية، تُملى على السينما ما ينبغى أن تكون. لكن ذلك حدث عندما كان كل تطور تقنى فى السينما ينتظر سنوات طويلة حتى يتحقق (مثلا: لقد ظلت السينما صامتة ولم "تنطق إلا بعد ثلاثين عاما من ولادتها)، لكن الثورة التقنية فى العقود الأخيرة باتت تنجز كل يوم ما لا يخطر على بال (على سبيل المثال: التقنيات الكومبيوترية تتضاعف كل عام فى متوالية هندسية عشرة أضعاف، وأصبح من السهل أن تنجز فيلما مغرقا فى "الواقعية" من خلال العالم الافتراضى داخل الكومبيوتر).
كانت النتيجة ببساطة أن الممارسة فى السينما أصبحت تتجاوز النظرية بمراحل، لم تعد السينما تنتظر من يقول لها ماذا "يجب أن تكون"، لأنها أدركت أن الأهم هو أن تبحث عما "يمكن لها أن تفعل"، وبين المفهمومين فارق شاسع. لذلك لا تستغرب أن ترى الآن فيلما ما بعد حداثيا وهو فى نفس الوقت جماهيرى تماما (أرجو إن استطاع القارئ أن يعود إلى فيلم "500 يوم مع سمر" الذى سبق لنا تناوله على هذه الصفحة). من جانب آخر فقد أدرك دارسو السينما ومدرسوها (مع جيمس موناكو وجيرالد ماست وغيرهما منذ السبعينات) أنه لا يوجد شىء اسمه السينما بالألف واللام، هناك عشرات السينمات، سواء من ناحية اللغة أو الشكل الفنى أو التأثير فى المتفرج، بل إن كتابا مهما لديفيد كوك يحمل عنوان "تاريخ للسينما الروائية"، وليس "تاريخ السينما الروائية" (كما أصر ناشر ترجمتى للكتاب)، لأنه ليس هناك تاريخ واحد لهذا الفن، الذى تستطيع أن تتناوله بعشرات المناهج والرؤى وتصل إلى نتائج قد تبدو مختلفة، لكنها متكاملة فى نهاية المطاف.
أعود إلى كلمات عمر الشريف عن أن الشعب المصرى لا يفهم فى السينما فأسأله الآن، وفى ضوء تأكيدنا على أنه لا يوجد شكل واحد للسينما: أى سينما يقصد؟ إننا أحيانا نتصور أن تاريخ (أو تواريخ) السينما قد صنعتها أفلام جودار وأنطونيونى وفيللينى وكل هؤلاء الفنانين الكبار بحق، الذين لا أنكر مطلقا إسهاماتهم الخاصة فى هذا الفن، وإن كنت أؤكد للقارئ أن هؤلاء مجهولون لدى أغلب جماهيرهم فى بلدانهم، لسبب بالغ البساطة، أنهم يصنعون "سينما"، وأن هناك "سينمات" أخرى تنال حظا أكبر لدى المتفرج، ليس لأن أفلامهم تحمل أسرارا غامضة تهم جمهورا خاصا، ولكن لأن للسينما "وظائف" أخرى بالإضافة إلى مخاطبة العقل، وظائف مثل مغازلة المشاعر، أو تفريغ شحنة التوتر الذى نعيشه فى حياتنا اليومية، وإننى أستحلف القارئ أن يجيبنى بصراحة: إذا كنت قد عدت فى المساء متعبا فهل تختار أن ترى فيلما من إخراج يوسف شاهين أم فيلما من "تمثيل" اسماعيل ياسين؟ (أنا شخصيا سأختار الأخير بلا تردد).
لقد وضعت كلمة "تمثيل" بين قوسين لأن عمر الشريف قال أن اسماعيل لم يكن يعرف التمثيل (وسوف نفترض هنا أن هناك شيئا اسمه "التمثيل" وما عداه ليس كذلك)، فهل كان يعرفه – مثلا – لوى دى فينيس أو جيرى لويس أو جين كيلى أو .... وإذا عدنا إلى أن للسينما وظائف عديدة بل متناقضة أحيانا، فمن بين هذه الوظائف صنع من يسمون بـ"النجوم"، وهؤلاء فى جوهرهم ظواهر اجتماعية أكثر منها فنية، ولهم وظائف غير إقناع المتفرج بأنهم يدخلون تحت جلد شخصية فنية متخيلة، إنهم يظهرون على الشاشة ليمثلوا أنفسهم (هل يمكن أن ننكر أن جريتا جاربو كانت لا تتقن فنا تمثيليا، لكنها تملك هالة آسرة من النجومية؟)، وكثير من النجوم تحولوا إلى التمثيل عندما تقدم بهم العمر، مثل بول نيومان وعمر الشريف نفسه على سبيل المثال، والأقل هم الذين جمعوا بين النجومية والتمثيل مثل براندو أو داستين هوفمان أو آل باتشينو أو دى نيرو. ما أريد التأكيد عليه هنا أن الجمهور المصرى لم يرسب فى امتحان مادة فهم السينما عندما أحب اسماعيل ياسين وأفلامه، لكن هذا الجمهور وجد فى هذه الأفلام نوعا من المتعة والتسلية والعزاء، وكلها بعض من وظائف الفن، أى فن.
بل الغريب أننا ننسى حقيقة بدهية تماما، إن الأفلام التى شكلت "صناعة" السينما لم تكن أفلام الفنانين أصحاب التجارب الجريئة الغريبة، بل كانت أفلاما جماهيرية تماما، تكاد أن يُستنسخ الواحد منها من الآخر، وهو ما خلق ما يُسمى "النمط الفيلمى" أو "الجانر"، هل تريد فيلم عصابات؟ هناك توليفة سبق تجريبها ونجحت، فلتسر إذن على منوالها، وهو ما ينطبق على الأنماط الأخرى مثل أفلام الويسترن والكوميديا الرومانسية والأفلام البوليسية، وعبقرية بعض الفنانين الكبار فى تاريخ السينما تأتى من قدرتهم على استخدام التوليفة والخروج عليها فى وقت واحد، أو بأن تحمل تقاليد النمط خطوة فنية إلى الأمام فى لغته السينمائية أو فى مضمونه، وياليت السينما المصرية درست أنماطها الجماهيرية بجدية، فربما استطاعت أن تخلق من أفلام فتوات نيازى مصطفى، أو الكوميديا الموسيقية وحتى الفانتازيا عند عباس كامل أفلاما تقف على أرض جماهيرية صلبة، وتضيف فى نفس الوقت وعيا فنيا وسياسيا أعمق. ومن الحق أن نذكر فى هذا السياق أنه كانت هناك محاولات لم تكتمل أو انحرفت نحو مفاهيم الصفوة إياها، مثل كوميديا شريف عرفة وماهر عواد الموسيقية فى بداياتهما، أو فانتازيا رأفت الميهى فى نهاياته.
إنك إذا تأملت كيف صارت السينما الأمريكية على ما هى عليه من قوة وسطوة فسوف تكتشف أن ذلك كان بسبب السينما الجماهيرية وليست سينما الصفوة، فمنذ البدايات كان السينما (الصامتة آنذاك) هى الفن الذى "يستهلكه" قطاع واسع من المهاجرين الجدد إلى أمريكا ولم يكونوا يتقنون اللغة الإنجليزية بعد، كانت سينما متواضعة تُعرض فى دور عرض أكثر تواضعا لجمهور لا يتوقف عن الصخب، وكانت هى وسيلة التسلية الرخيصة لهؤلاء، وأدرك صناع الأفلام أن عليهم صنع مئات (بالمعنى الحرفى للكلمة) من بكرات الأفلام القصيرة كل أسبوع لكى تُستهلك فى دور العرض البائسة تلك. ومنذ ذلك الحين عرفت "صناعة" السينما الأمريكية أن عليها أن تخاطب "الجمهور"، والأهم أن تعرف من هو هذا الجمهور، واستعانت بمختلف التخصصات لتحدد العلاقة بين البضاعة والزبون، فهناك شرائح مختلفة للجمهور (عمرا وسكنا ووظيفة وحالة اجتماعية بل وعرقا وجنسا أيضا)، لذلك فإنها تحدد متى وأين ولمن تطرح هذا الفيلم أو ذاك. فى مثل هذه الصناعة لا مجال للاستعلاء على الجمهور، بل احترامه أولا، والتلاعب به ثانيا، كما أضيفت أخيرا مساحة للإبداع الفنى المغامر الجديد فى هذه الأفلام الجماهيرية، على نحو ما ترى على سبيل المثال فى أفلام كريستوفر نولان "باتمان يعود" أو "البداية"، وإن كان البعض يرى فى ذلك انتصارا للتيار السائد فى الصناعة السينمائية أكثر من استفادة المبدعين منها.
"احترام الجمهور"، تلك هى كلمة السر فى نجاح أى نشاط إنسانى، حتى لو كان هذا الاحترام يهدف فى التحليل الأخير لاحتواء هذا الجمهور. لكن ما يسود لدى أوساط الصفوة المزعومة لدينا هو إلقاء اللوم على هذا الجمهور (أو الجماهير فى عالم السياسة). لست أخشى أن أعترف أننا لم نبذل جهدا حقيقيا من أجل هذه الجماهير، سواء كنا فى مقاعد السلطة أو المعارضة، إننا نتحدث عنها لكنه حديث يتضمن السخرية منها تارة أو التجارة بها تارة أخرى، لكننا لا نفكر جديا فى أمرها، بل إننا لا نعرف حقا كيف تعيش، أو أننا نعرف و"نستعبط".وسوف أعيد هنا ما سبق أن أشرت إليه مرارا: هل دخول المتفرج المصرى دار العرض السينمائى مرة واحدة كل سبع سنوات يجعل منه "جمهورا"؟ (فى الأسواق السينمائية فى العالم كله تعتبر صناعة السينما ناجحة عندما يدخل المتفرج دار العرض أربع مرات كل عام). هل يوجد عدد كاف من دور العرض للشعب المصرى؟ (هناك 250 دار عرض فقط لثمانين مليونا، وأغلب محافظات مصر خالية أصلا من أى دار عرض). هل هناك فى ميزانية الأسرة المصرية ما يجعلها قادرة على دخول السينما، وهى ممزقة ماديا بين تكاليف الحياة اليومية والدروس الخصوصية، وممزقة جسمانيا ومعنويا بين اضطرار أفرادها للعمل فى أكثر من وظيفة لكى يجدوا فقط ما يكفى لقمة العيش، أو حتى قسط السيارة التى اضطروا لشرائها حفاظا على كرامتهم من وسائل مواصلات لا ترضى جمعيات الرفق بالحيوان؟
للأسف فإن احتقار الصفوة – أو من يفترض أنهم كذلك- للجماهير أصبح "موضة" هذه الأيام، كل من هب ودب، ولديه علاقات خاصة ما تسمح له بأن يمسك قلما ويكتب عمودا فى صحيفة مصحوبا بطلعته البهية، يتصور أنه يستطيع أن يدلى بدلوه فى كل شىء، السياسة والدين والفن وعلم الاجتماع وألف صنف، ومن هؤلاء من أصبحوا "نجوما" تتناسب نجوميتهم مع نجوم العصر الذى سوف ينظر له التاريخ باعتباره عصر انحطاط بالمعنى الكامل للكلمة. من هؤلاء من يروج لمقولة أن "الشعب المصرى" لديه "جينات" السلبية والخوف والعدوانية والـ.... إلى آخر هذه الصفات السلبية. أبسط ما يمكن الرد به على هؤلاء أنهم يرددون مفهوما عنصريا ربما تتردد إسرائيل نفسها عن ترويجه، وأنه مفهوم يفتقد للحد الأدنى من النظرة التاريخية. فالشعب المصرى ليس كتلة مصمتة ذات وجود أزلى أبدى، والتاريخ المصرى البعيد والقريب شهد عصور ازدهار تارة واضمحلال تارة أخرى، وكان الأمر يتعلق دائما بالشروط التى توفرها لهذا الشعب، كأى شعب آخر. إننا ننسى أن الشعوب الأوربية – التى نتصور أن الله سبحانه وتعالى قد خلقها "متقدمة" – دخلت فيما بينها حربين ضاريتين خلال عشرين عاما فقط خلال القرن الماضى، ومات فيها عشرات الملايين، وننسى مثلا حين الحديث عن هزيمة 1967 أن فرنسا احتلت من الألمان خلال الحرب العالمية الثانية، وننسى أن الإسبان تقاتلوا فى حرب أهلية ضارية منذ عقود قليلة مضت، وننسى أن الألمان قد آمنوا بالنازية وهى من أكثر الفلسفات السياسية شذوذا.
ياسادة، شعبنا ليس عبقريا عبقرية خاصة كما يتصور البعض دفاعا عنه، وليس متخلفا غبيا كما يردد البعض الآخر لكى يُبرئوا ذمتهم منه ومن أزماته التى لم يصنعها لنفسه. ياسادة، إنزلوا إلى الشوارع، وطوفوا فى أنحاء القاهرة وانزلوا الصعيد واصعدوا إلى الدلتا، لتروا بأعينكم كيف يضطر الشعب المصرى لتصريف أموره بنفسه بعد أن ضعف دور الدولة واقتصر على حماية كراسى الحكم. أقسم لكم أنه إذا كانت هناك من عبقرية لدى هذا الشعب فهى أنه ما يزال على قيد الحياة رغم كل الظروف التى أدت بشعوب أخرى للانهيار. وبعد ذلك تصفون هذا الشعب بالجهل والتقصير والجبن؟ ياسادة، إن كانت لديكم بقية من عقل وضمير، عليكم أن تعرفوا من الذى يستحق هذه الصفات حقا.

Monday, September 27, 2010

إسرائيل تغسل جريمتها فى فيلم "لبنان" ونحن نغرق فى وحل المسلسلات التليفزيونية

بينما كان الشعب العربى، من المحيط إلى الخليج، مشغولا من قمة رأسه حتى إخمص قدميه، فى متابعة المسلسلات الرمضانية وبرامج حوار "العوالم"، لا يكاد أن يلتقط أنفاسه منها إلا وتطارده الصحف الفنية بأخبار عنها، بينما كان ذلك كله يحدث، كان الكيان الصهيونى "الصغير" المزروع كالخنجر فى قلب الوطن العربى يعرض فى دور العرض السينمائية الجماهيرية فى أمريكا فيلما يحمل اسم "لبنان"، وهو الفيلم الذى يذكر موقع "ميتاكريتيك" المتخصص فى جمع مقالات أشهر النقاد الأمريكيين أن الفيلم حصل على سبعة وثمانين فى المائة من استحسان النقاد، وهى درجة لا يصل إليها إلا القليل من الأفلام فى العالم كله.
ما يعنينا هنا هو حالة الغياب عن العالم – وعن الوعى أيضا – التى نعيش فيها منذ زمن طويل يزيد الآن عن ثلاثة عقود، غياب أشبه بالمؤامرة أو قل أنه مؤامرة بالفعل، أن تغيب مصر عن القيام بدور مؤثر فى صناعة أقدارها، لينفرط العقد من بعدها وتصبح بقية الدول العربية دون تأثير فعال، وإن ظهر لك من بين أبواق السلطة من يقول لك أن مصر حاضرة، بدليل استدعائها بين الحين والآخر لتقوم بمهام توكل إليها، فأرجو أن تذكّره بنوعية هذه المهام، التى تشبه دور الوسيط أو السمسار، وكله بثمنه ... ولتقارن هذا الغياب من جانبنا بالحضور القوى للكيان الصهيونى، الذى يفرض شروطه، ,وإذا كان عاجبكم بقى، بل إن "إسرائيل" ما تزال حتى اليوم ترفض ذلك الشىء الذى لم يحدث من قبل فى التاريخ، ويحمل اسم "المبادرة العربية"، التى تعلن الاستعداد التطبيع الكامل مع العدو من جانب الدول العربية، لكن ماذا يمكن لك أن تتوقع وإسرائيل لا تخشى شيئا على الإطلاق من حكام هذه الدول، فما حاجتها إلى أن تجلس معها وتتفاوض؟
من يريد التفاوض ويملك زمامه لابد أن يملك قوة ما تجعل موقفه التفاوضى قويا، أما وقد ضيع حكام الدول العربية كل مقومات القوة المادية والمعنوية فعلى أى أساس سوف يتفاوضون؟ فى المقابل تعمل "إسرائيل" فى كل لحظة على بناء قوتها على كل المستويات، والسينما أحد أركان هذه القوة، إنها تنتج كل عام حوالى عشرة أفلام فقط، لا تزيد ميزانية الواحد منها عن مليون دولار (أرجو من صناع أفلامنا أن يحسبوا الفرق بين ميزانيات أفلامنا وأفلامهم، ثم يقارنوا الفرق بينها من ناحية التأثير الفنى والسياسى)، بل إن هذه المليون دولار لكل فيلم يتم جمعها من جهات عالمية عديدة، من بينها صندوق دعم السينما الإسرائيلية، ومن هذه الأفلام العشرة، قليلة التكاليف، يبرز فيلمان أو ثلاثة، تطوف العالم وتحصد الجوائز أو الترشيحات، فى الوقت الذى تقدم فيه بالطبع للعالم الرؤية الصهيونية وتكرسها، وأرجو أن تتأمل كيف أن فيلم "لبنان" الذى سوف نتحدث عنه الآن قد تنافس بشدة (داخل الأوساط السينمائية الإسرائيلية) مع الفيلم الإسرائيلى "عجمى" على الوصول إلى مسابقة الأوسكار فى العام الماضى، وكان القرار أن يعطوا الفرصة لفيلم "عجمى" (الذى وصل بالفعل إلى قائمة الأفلام الخمسة التى تتسابق على جائزة أفضل فيلم أجنبى)، والسبب هو أن فيلم "لبنان" قد حصل بالفعل على جائزة الأسد الذهبى فى مهرجان فينيسيا السينمائى، فلماذا لا تعطى "إسرائيل" الفرصة لفيلم ثانٍ لكى يقوم بمهمة الدعاية لها؟
أصبح فيلم "لبنان" متاحا على شبكة الإنترنيت، وبترجمة باللغة العربية أيضا، فماذا ننتظر لكى نرى السبب فى أنهم يحققون كل هذا النجاح وبأقل التكاليف المادية؟ أكرر أننا غائبون عن الوعى، وعن الفعل، وحتى بعيدا عن السينما الإسرائيلية التى يقول البعض منا أن رؤية أفلامها قد تحمل اتهاما بالتطبيع، فهل بدا من جانبنا أى اهتمام كافٍ بالأفلام من بلدان العالم المختلفة التى تفوز بجوائز عالمية؟ هل عرفنا لماذا تفوز؟ هناك ياقارئى العزيز هوة شاسعة بين السينما المصرية المعاصرة والسينما فى العالم كله، ولست أتحدث فقط عن أفلامنا التجارية التى تنتمى إلى تاريخ ما قبل اختراع السينما (بالكثير إنها تشبه صندوق الدنيا)، بل أشير أيضا إلى الأفلام "المثقفة" التى ما تزال تقف عند أنطونيونى وفيسكونتى وأفلامهما منذ نصف قرن ... إننا لم نتوقف فقط عن صناعة الأفلام المعاصرة بحق، لكننا توقفنا أيضا عن مشاهدة الأفلام المعاصرة.
أرجو أن تتاح لك فرصة أن ترى فيلم "لبنان" لتعرف كيف تُصنع الأفلام، بقدر كبير من الفن، وقدر قليل من التكاليف، والأهم هو تضمين "الرسالة"، وهى هنا رسالة سياسية بالقطع، تتخفى تحت نسيج "إنسانى" دفع بعض النقاد الأمريكيين أن يصف الفيلم بأنه "مناهض للحرب"، برغم كونه من ناحية الشكل ينتمى على نحو صريح لنمط "الأفلام الحربية". منذ نزول العناوين يُدخلك الفيلم إلى عالمه الكابوسى: شاشة سوداء تنزل عليها التيترات، وموسيقى تصدر صوتا يشبه الأزيز المتصل، ثم تأتى لقطة البداية، حقل من حقول عباد الشمس، إنه خال تماما بلا حركة، غير أن ريحا تهب من عمق الكادر وتتجه إلى مقدمته لتهتز أعواد الزهور فى موجة متصلة حتى أن المتفرج يشعر أنها سوف تجتاحه أيضا.
تلك اللقطة واحدة من بين لقطات "خارجية" ثلاث فقط طوال الفيلم، أما الفيلم كله فيبدو كأنه مؤلف من لقطات "داخلية"، حيث نجد أنفسنا مع أربعة جنود إسرائيليين شبان داخل دبابة وهم فى مهمتهم لمصاحبة فرقة من المشاة فى حرب لبنان الأولى، نعرف ذلك من العنوان: "6 يونيو 1982 الساعة 3 صباحا، اليوم الأول من حرب لبنان". تأمل اللقطة الأولى لهم – ولنا – داخل الدبابة، هناك ماء فى قاعها (ياعينى إنهم يحاربون بأسلحة قديمة!!)، ونرى فيها صورة منعكسة ومقلوبة لوجه جندى، عندما يضع قدميه على أرضها يهتز الماء فتتشوش الصورة. هذا العالم الكابوسى يقطنه أربعة من الجنود، يقدمهم لنا الفيلم فى لمسات خاطفة لكنها كافية تماما لنعرف عنهم الكثير، فأغلبهم تم استدعاؤه للخدمة العسكرية الاحتياطية على عجل، وبعضهم ينتظر انتهاء خدمته بعد أيام، وبعض ثالث يذهب إلى تلك الحرب فى مهمته الحقبقبة الأولى.
هناك قائد المجموعة عاصى (عيتاى تيران)، والمدفعجى شموليك الذى يقول كاتب الفيلم ومخرجه صامويل موعاز أنه يجسد شخصيته وتجربته الحقيقة خلال الخدمة العسكرية (يقوم بالدور يوعاف دونات)، ثم المسئول عن شحن المدفع هيرتزيل (أوشرى كوهين)، وأخيرا سائق الدبابة إيجال (مايكل موشونوف). سوف تلاحظ على الفور أن وجوه الممثلين الشبان – البارعين بالفعل – تنضح بالبراءة، والخوف، والحيرة، إنهم لا يعرفون لماذا هم هنا، فى جنوب لبنان، داخل دبابة عتيقة الطراز، مكتوب على جدارها الداخلى عبارة تحمل مزيجا من السخرية المريرة واليقين معا: "الرجل مصنوع من الفولاذ، أما الدبابة فهى ليست إلا قطعة من الحديد". تأتى المفارقة الساخرة فى العبارة فى البداية من التناقض مع ما يبدو من هشاشة الجنود، لكنها تصبح حقيقة عندما يعيشون أهوال ساعات قليلة من الحرب فلا يجدون مناصا من أن يصبحوا كالفولاذ بالفعل، لكنه فولاذ صهيونى بطبيعة الحال!
أنت طوال الفيلم داخل هذه الدبابة، لتعيش حالة توحد كامل مع الشخصيات (أرجو أن تقارن هنا أيضا مع أوهام صناع أفلامنا عن أن الفيلم "الحربى لابد أن يحتوى على مشاهد "ملحمية"!!)، وإذا أتيحت لك رؤية العالم خارج الدبابة فمن خلال منظارها (بالطبع يتم تصوير مثل هذه اللقطات خارجيا لكن توضع على فتحة الكاميرا شبكة تمثل أداة تحديد الهدف، فيستمر شعورك بأنك داخل الدبابة). والصلة بين "الأبطال" والعالم الخارجى هى جميل (زوهار شتراوس)، قائد فرقة المشاة التى تحميها الدبابة، فهو يدخل أحيانا إليهم ليوجه إليهم التعليمات أو اللوم، ويقودهم إلى قرية لبنانية يفترض أن الطائرات قد "مسحتها من على الخريطة" كما جاء فى نص الحوار، لكن المهمة لا يمكن أن تكون بهذه السهولة وإلا لم يكن هناك داعٍ بالطبع لصنع أى فيلم!!
سوف أتوقف معك عند بعض اللحظات الفاصلة فى الفيلم لأتركك تشاهده بعدها بنفسك: هناك أوامر بإطلاق النيران على أى هدف يقترب ولا يستجيب للتحذير بالوقوف، وتظهر سيارة مدنية تنطلق نحو فرقة المشاة والدبابة، ويتردد المدفعجى شموليك فى إطلاق القذيفة عليها، إنه يرتعش فتلك هى المرة الأولى التى يصوب فيها إلى هدف حى بعد انتهاء تدريبه على التصويب على براميل، لكن تردده يسفر عن كارثة، فالسيارة تحمل انتحاريين ويؤدى انفجارها إلى موت أحد الجنود، ويتوقف الفيلم ليعرض مشاهد مرعبة لمحاولة إنقاذ الجندى دون جدوى، وتكون النتيجة إدخال جثة الجندى إلى الدبابة لحين قدوم الطائرة المروحية التى سوف تحملها، فيزداد الشعور الكابوسى عمقا. إن هذا التردد من جانب الجندى الإسرائيلى سوف يكون ذريعة لأن يطلق دون تردد قذيفته التالية مباشرة على شاحنة صغيرة يكتشف أنها تحمل دجاجا، وبينما يصرخ سائقها العربى من الألم بعد انفصال ذراعه عن جسده، فإن جميل – قائد الفرقة – يطلق عليه رصاصة "الرحمة" لينقذه من آلامه!!
عندما تصل الفرقة والدبابة إلى القرية يقدم لك الفيلم أطراف الصراع، لتكتشف إن الجيش الإسرائيلى ليس طرفا أصيلا فيه!! تأمل المشهد التالى: يصيح جميل بأن إرهابيين اختطفوا رهائن فى شقة بالدور العلوى لبناية لم يبق منها إلا أطلال، يتوجه منظار الدبابة إلى الشقة، ونرى على الحائط لوحة مائلة متدلية للعذراء مريم والطفل يسوع المسيح. إذن فالرهائن عائلة مسيحية، ويلقى الزوج بنفسه من أعلى هربا لتبقى الزوجة وطفلة صغيرة، وبالضرورة فإن الإرهابيين مسلمون، يهدد الإرهابيون بقتل الرهائن، وتطلق الدبابة قذيفة فى اتجاه الشقة فتدمرها، وتخرج المرأة مذهولة وقد فقدت طفلتها ... إنه مشهد يدمى القلوب بالفعل، الأم الملتاعة (ريموند أم سالم) تهذى وتريد عودة ابنتها، بينما يحاول جميل تهدئتها، وهى فى هذيانها تسير بين النيران فيندلع اللهب غى قميص نومها، ينزعه عنها جميل بقوة فتصبح عارية تماما، لكنه "يسترها" على الفور بملاءة، لتختفى بعد ذلك من الفيلم، لكن بعد أن ترك فى المتفرج أثرا لا يمحى بأن الجيش الإسرائيلى جاء إلى لبنان لـ"ينقذه"، حتى لو كان ذلك يتكلف التضحية!! هل تتصور أن تلك الرسالة هى التى تصل إلى المتفرج فى العالم كله؟!!!
إن ذلك سوف يتأكد عندما يتم أسر جندى سورى (دودو تاسا) ووضعه فى الدبابة أيضا، ليظهر أحد أفراد ميلشيات الكتائب (أشرف برهوم) ليطالب بتسليم الأسير له، وفى حوار بينهما بالعربية (لا يدرك الجنود الإسرائيليين محتواه) يصدر الكتائبى فحيحا وهو يتهدد السورى بأقصى درجات العذاب. وإذا كان الكتائبى يوحى للفرقة الإسرائيلية بأنه سوف يدلها على الخروج من المتاهة التى وصلت إليها فى القرية اللبنانية، فإنه لا يفى بوعده بعد أن يحصل على الأسير، ويترك الفرقة والدبابة فى مكان مجهول، لتبقى فى حالة انتظار أن ترسل لها القيادة من ينقذها. (كأن ذلك ينفى بشكل ضمنى تعاون الإسرائيليين والكتائبيين فى جريمة صابرا وشاتيلا!!). أخيرا تأتى لقطة خارجية: شموليك يفتح غطاء الدبابة وينظر إلى الحقول، ثم اللقطة الأخيرة، نفس حقل عباد الشمس كما فى بداية الفيلم، ولكن تقف الدبابة فى عمق الكادر ساكنة وحيدة فى هذا الفضاء الشاسع.
هذا هو الفيلم الإسرائيلى الثالث فى السنوات الأخيرة عن حرب لبنان الأولى، بعد "بوفورت" (قلعة الشقيف)، و"فالس مع بشير"، تتنوع فيها التجارب الفنية، لكنها تعيد نفس اللحن الذى بدأته السينما الأسرائيلية منذ نهاية الثمانينيات، حين عرفت الصهيونية أن عليها – إلى جانب الأفلام الدعائية المباشرة مثل أفلام ميناجم جولان وجلوباس – أن تقدم أفلاما تختفى فيها الدعاية وراء مزيج من التجريب الفنى المبتكر، ونزعة وجودية تجعل البطل أو الأبطال فى حالة تساؤل أو قلق أو ألم، لكنها فى جوهرها ما تزال تحافظ على الجوهر الصهيونى: اليهود فى "إسرائيل" فى خالة خوف دائم، لأنهم يعيشون فى جزيرة داخل بحر من "الإرهاب" العربى، سواء كان موجها لإسرائيل أو متبادلا بين العرب أنفسهم، والبطل الإسرائيلى وحده هو الذى يعرف القلق، إنه وحده "الإنسان"، لذلك فإن قدره أن يصبح مثل الفولاذ!!
من ناحية الشكل السينمائى، فإنه يؤكد على تجربة الحصار (الحصار هنا ليس حصار العدو الإسرائيلى للبنانيين، وإنما معاناة الإسرائليين أنفسهم من الحصار فى لبنان، لكن الفيلم يتجاهل أن يقول لنا لماذا هم هناك أصلا!!)، فالزمن الفيلمى يقترب كثيرا من الساعات القليلة للزمن الواقعى، والحس التسجيلى الحاد هو أسلوب الفيلم، واللقطات داخل الدبابة قريبة أو متوسطة (أرجو ألا يتصور القارئ أن ذلك يحكمه "التصوير داخل دبابة"، فالتصوير الفعلى يتم بالطبع داخل ديكور يحاكى الدبابة)، وشريط الصوت مؤلف من مؤثرات طبيعية، مثل الصوت المعدنى لحركة الدبابة أو منظارها، وصوت الانفجارات، وحين تظهر الموسيقى ففى شكل أزيز يعمق من الإحساس الكابوسى.
ذلك هو ما يصنعه العدو الإسرائيلى من أفلام، فبرغم القوة المادية والسياسية التى يتمتع بها فى ظل الضعف والهوان العربيين، فإنه ما يزال يضع مشروعه نصب عينيه، ولا يتخلى عنه لحظة واحدة، ويستخدم كل ما لديه من وسائل لتحقيقه، بما فى ذلك صنع أفلام تبهر العالم بفنها الذى لا يمكن أن تتجاهله. قل لى إذن ما هو مشروعنا القومى الآن، وما هى أولوياتنا، وما الذى نساهم به فى العالم، سواء على المستوى السياسى أو الثقافى. لكن الحقيقة أننا غائبون عن العالم وعن الوعى، والله وحده يعلم متى نفيق، وإن كانت مسئولتنا الإنسانية أن نعرف "كيف" نفيق، على الأقل لنسترد إنسانيتنا المهدرة، فى الوطن وخارجه على السواء.

Thursday, September 09, 2010

رسائل البحر تلمس وترا خفيا فى وجدانى، ومع ذلك فإن عقلى يرفضها

فى أحد مشاهد فيلم "رسائل البحر"، يعثر البطل الشاب يحيى (آسر ياسين) على زجاجة قديمة، تتقاذفها أمواج البحر وتدفعها نحو الشاطئ، يحمل يحيى الزجاجة ويدفعه الفضول إلى معرفة سر تلك اللفافة التى تحتويها. وفى تتابع تالٍ من الفيلم يجلس يحيى على أرض غرفته، وقد تناثرت حوله قواميس اللغة اللاتينية، إنه يبحث عن معنى كلمات رسالة البحر فلا يجد لها أثرا فى قواميسه، ثم يحمل الرسالة معه ويعرضها على رفاق الحانة "الخواجات" حيث يقضى بعض لياليه، لكن أحدا لا يتمكن من فك شفرة تلك اللغة الغامضة، وينتقل بعدها يحيى بالرسالة إلى مجموعة من الفتيات من جنسيات مختلفة تعملن فى ملهى ليلى، لكنهن جميعا تنكرن معرفة أى منهن بلغة الرسالة، التى تبقى – حتى بعد أن ينتهى الفيلم – غامضة المبنى والمعنى.
تأملت كثيرا فى هذه الفكرة التى وضعها – مؤلفا ومخرجا – داود عبد السيد فى فيلمه "رسائل البحر"، شعرت أنها تلمس وترا خفيا فى وجدانى، ومع ذلك فإن عقلى يرفضها ... تساءلت: لماذا يبدو يحيى فى حبكة الفيلم منشغلا أحيانا بالرسالة ثم ينساها أحيانا أخرى؟ بالأحرى ما هو المنطق الفنى والدرامى (غير الموجود فى الفيلم) الذى يدفعه للاهتمام بها ثم إهمالها ثم يعود إليه الاهتمام؟ إنها (دراميا) لا تستحوذ عليه، فكيف لها أن تستحوذ علىّ كمتفرج؟ ولماذا – إذا مددنا الخط المنطقى إلى آخره – لا يحمل يحيى الرسالة إلى علماء اللغات، الذين سوف يجدون بالتأكيد للغة الرسالة جذورا؟ أقول أن هناك شيئا مثل الشعر الغامض يسرى فى هذه الفكرة، يقول أن هناك فى هذا العالم رسائل تصل إلينا بين الحين والآخر لكننا نعجز عن قراءتها وفهمها أو حتى رؤيتها، لكن هذا هذا التيار الشعرى لا يمتد إلى عقلى، ليس لأن الفكرة تتناقض مع المنطق، بل الأمر على العكس تماما، فالحقائق العلمية البسيطة تؤكد هذه الفكرة ذاتها، فعلى سبيل المثال نحن نسبح فى بحر من الموجات الكهربية المغنطيسية التى لا نشعر بها، لأننا ببساطة لا نملك بداخلنا "أجهزة" التقاط هذه الموجات، فكم إذن طوفان الرسائل التى تعبر بنا ونعبر بها، دون أن نعرف حتى بوجودها؟
أقول أن فكرة داود عبدالسيد تجمع بين الشعر والعلم، والميتافيزيقا وممارسات حياتنا اليومية، لكن ذلك لم يكن كافيا لكى "أدخل" إلى عالم الفيلم وأعيش فيه، لقد رأيت الفيلم وأعجبت به، وظلت آثار منه تعيش معى أياما بعد مشاهدته، ومع ذلك فقد كنت أشعر خلال بعض لحظات مشاهدته بإحساس من الاغتراب تجاه ما أراه، إن مايحدث لشخصيات الفيلم يبدو كأنه يحدث لشخصيات لا يهمنى أمرها، لا فرق عندى بين أن يجد يحيى حلا لشفرة الرسالة أو لا يجدها، وذلك فى رأيى أخطر ما يعانى منه عمل فنى ما، حتى لو كانت فكرته بعمق "رسائل البحر". ظللت أبحث عن السبب فى ذلك المزيج الغامض من الإعجاب والفتور، واكتشفت أن داود عبدالسيد لم يمنح الفكرة الشعرية كل ما كانت تحتاجه من دفقة (أو دفقات) وجدانية طوال الفيلم، لقد تعامل معها بعقله أكثر مما ينبغى، إنه يعرف أن الفكرة فى حد ذاتها تنبض بالحياة، لكنه لم يتركها تنمو بحرية، لقد كان يدفعها دفعا إلى حيث يريد ... وإذا عدت للمشهد الذى بدأت به هذا المقال فسوف تجد أن داود عبدالسيد "أعجبه" أن يجلس يحيى على الأرض بين الكتب والقواميس، وأن تنتقل الرسالة من يد إلى يد، لقد رأى هذه اللقطات بعين عقله، لكنه لم يتساءل كثيرا عما إذا كانت سوف تجد طريقها إلى عقل المتفرج.
أستطيع أن أملأ صفحات طويلة لأعبر عن إعجابى بالفيلم وصانعه، كما فعل الكثيرون من الزملاء النقاد، وأستطيع أيضا بكلمات قليلة أن أصف الفيلم بالغموض والتعالى كما فعل زملاء آخرون، لكن هذا أو ذاك لا يجيب عن تساؤلى: كيف يمكن لفيلم واحد أن يكون فى أجزاء منه قصيدة شعر، وفى أجزاء أخرى بناء عقليا باردا يكاد أن يخلو من الروح، بل الأغرب أن يجمع مشهد واحد أحيانا بين هذين النقيضين؟ تأمل على سبيل المثال المشهد التالى: فتاة بسيطة تدعى بيسة (مى كساب) تجد الراحة فى الحديث إلى بطلنا يحيى، فتحكى له عن تجربة حبها الأول فى "برمهات" ("يعنى إيه برمهات؟" هكذا كان يجب أن يقول يحيى بتركيبته الدرامية كما صوره الفيلم، وأعتقد أن معظم المتفرجين لا يعلمون أيضا، إنه باختصار شهر بداية الربيع)، وهنا تنطلق الفراشات الملونة لتطير هنا وهناك فى "طبع مزدوج" بالكومبيوتر على الشاشة. صورة جميلة، أليس كذلك؟ لكن من حقك أن تسأل: من أين أتت الفراشات؟ خاصة أن ذلك الخيال البصرى ليس "أسلوب" الفيلم من أوله إلى آخره، لكن مرة أخرى: "أعجبت" صانع الفيلم هذه الصورة، فوضعها هناك، لقد تدخل بعقله لكى يصنع التأثير الوجدانى فى المتفرج، فكانت النتيجة أن عقل المتفرج هو الذى أطل برأسه متسائلا، ولم يتحرك وجدانه.
قل باختصار أن فيلم "رسائل البحر" يريد أن يكون قصيدة شعر، أو سيمفونية بصرية وسمعية، وهو كذلك بالفعل، لكنه لم يتبع دائما المنطق الفنى للشعر أو الموسيقى، بل اتبع منطقا ذهنيا تماما فى بناء عناصره. إن فى الفيلم روح الشعر والموسيقى، لكن هذه الروح وجدت نفسها سجينة فى جسد غير متوافق معها. فلنبدأ بشخصيات الفيلم التى سوف نراها معا تبعا لظهورها فى البناء الدرامى: فى القلب من هذا البناء نجد البطل الشاب يحيى، إنه يعانى من التلعثم فى النطق لذلك لم ينجح كطبيب وهو الآن يعيش على صيد السمك بسنارته، والفيلم يؤكد دائما أنه "يرمز" إلى البراءة فى عالم صعب معقد وملوث. تأتى ثانيا الفتاة كارلا (سامية أسعد) التى تنحدر من أصل إيطالى، وهناك ذكريات طفولة مشتركة بينها وبين يحيى، لكنها تشعر الآن أنها قد تجاوزت هذه المرحلة، وتكاد أن تكون لها ميول جنسية مثلية، وهى "ترمز" أيضا إلى علاقة ثقافية مع الحضارة الغربية باتت على وشك الانقطاع. ثم يظهر الرجل مفتول العضلات قابيل (محمد لطفى)، وهو "يرمز" مباشرة إلى القوة الجسمانية العاتية التى تسببت فى الماضى فى حادثة قتل، لذلك فإن شعوره بالخطيئة يجعله يقرر ألا يستخدم هذه القوة الباطشة مرة أخرى، ولأنه مصاب بورم فى المخ يستلزم إجراء عملية جراحية سوف تفقده الذاكرة، فإنه يخشى من علاجه لأنه قد يتضمن عودته للقتل مرة أخرى. الآن يحين دور المرأة الجميلة نورا (بسمة)، التى ظهرت لأول مرة فى حياة يحيى فى ليلة ممطرة (فى لقطة ذكرتنى ألوانها الحمراء والسوداء المشبعة بفيلم روبرت رودريجيز "مدينة الخطيئة"، برغم تباعد عالمه عن "رسائل البحر")، إنها تأخذ يحيى تحت مظلتها وتسير معه إلى منزله، لتبدأ معه علاقة حميمة طويلة لكنها تظل بالنسبة له سرا غامضا، يتكامل – ويتناقض – مع سر غامض آخر، حين يقضى يحيى بعض لياليه واقفا فى الشارع أمام نافذة مضاءة تغطيها الستائر، ويأتى من خلالها صوت عزف بيانو رقيق (دائما لمقطوعات لشوبان)، وهنا أيضا "ترمز" نورا إلى شعاع النور السجين، ومصدر الألحان العذبة الذى يُخفى وجوده. وأخيرا يأتى الحاج هاشم (صلاح عبدالله)، وهو "رمز" صرف، إنه قاتل الحياة من أجل تراكم الثروة، وهو يصطاد السمك بالديناميت، ويطرد يحيى من منزل الاسكندرية لكى يبنى مكانه مركزا تجاريا.
شخصيات رئيسية خمس، تدور حولها خيوط فيلم "رسائل البحر"، لكنها مرة أخرى نتاج ذهنى خالص يصعب أحيانا أن تصدق وجودها فى لحم ودم، وكل منها يمثل "فكرة" لكنها لا تنصهر معا – كما ينبغى لها أن تكون – فى عالم فنى واحد، لقاؤها وحتى تاريخها المشترك هو بمحض الصدفة، أو لأن صانع الفيلم يريد لها ذلك ... كان من الممكن على سبيل المثال أن يلتقى يحيى مع قابيل كما كان من الممكن ألا يلتقيا، وهو ما ينطبق على علاقات كل الشخصيات الأخرى، ونحن الآن نتحدث عن منطق الحتمية الدرامية فى بناء ذى مظهر واقعى تماما، وإذا كان لك أن تقارن ذلك مع "البحث عن سيد مرزوق" فقد كان منطق الحلم شبه السيريالى هناك هو الذى يقود العلاقات المتغيرة دوما. وحتى لو حاولت أن تتعسف لهذه الرموز أو أشباه الرموز وعلاقاتها تفسيرا فإن ذلك لن يؤدى بك إلى أى مكان، إنها تظل ألحانا جميلة منفصلة، لكنها لا تنجح فى أن تخلق معا سيمفونية متكاملة. لا يكفى للرمز فى الفن أن يكون عنصرا فى معادلة جبرية، كما أن الإيحاء الفنى أعمق كثيرا إذا قارنته بمتعة الرياضة الذهنية، ناهيك عن أن الشخصية الواقعية وما ترمز له يجب أن يظلا جنبا إلى جنب دون أن يطغى أحدهما على الآخر أو يتناقض معه، وأعتقد واثقا أن ذلك هو السبب فى أن رواية نجيب محفوظ "الحرافيش" أهم ألف مرة من "أولاد حارتنا".
فى الجانب الإيجابى، فإن غلبة العنصر الذهنى فى الفيلم كان وراء اختيارات تقنية وجمالية، صنعت بعضا من اللحظات والمشاهد التى يمكن تدريسها بالمعنى الحرفى للكلمة. تأمل على سبيل المثال مشهد "النوة"، الذى يبدأ بالقيظ تحت الشمس الحارقة، ثم تتجمع فجأة بعض الغيوم التى تحجب الشمس، ويرتفع كيس بلاستيكى مع الريح إلى السماء، وتتمايل أشجار النخيل تحت تأثير العواصف، وتترتفع الأمواج لتتلاعب بمركب صيد فى البعيد، ويلمع البرق وسط السحاب، ويلطم الموج حافة صخور الشاطئ، ويهرب الصيادون بينما يبدأ هطول المطر ويتزايد، ويقصف الرعد ويخطف البرق الأبصار ... ويقف يحيى وحده أمام هذا البحر الذى هاج فجأة، متسائلا عن تقلب المصائر والأقدار، وعن البحر الذى يعطى من لا يحتاج ويحرم المحروم.
أعترف لك ياعزيزى القارئ أننى شعرت بالرجفة فى هذا المشهد، وكنت أتمنى طوال الفيلم لو حصلت على مثل هذه "المشاعر"، لولا أننى كنت أستيقظ من حالة النشوة على تدخل صانع الفيلم تدخلا مباشرا وسافرا، ولعل المثال الواضح لهذا التدخل أن كل الشخصيات تنطق بكلماته وتعبيراته الشاعرية "المثقفة"، وليس بكلماتها كشخصيات فنية، لا فرق فى ذلك بين كارلا الإيطالية وبيسة القادمة من الأحياء الشعبية. غير أننى أرى أن الاضطراب الأساسى فى الفيلم يأتى مما يطلق عليه "استراتيجيات السرد"، التى سوف أتوقف معك هنا للحظات لكى نتأملها. ففى كل عمل فنى يحتوى على مادة روائية يكون هناك أمامك اختياران رئيسيان (بالإضافة إلى اختيارات فرعية أخرى): أن تحكى الحدوتة من وجهة نظر الراوى المحايد، الذى يعرف كل شىء عن الشخصيات حتى تلك التى لا تعرفها الشخصيات نفسها، والراوى يختار ما يخبرك به كمتلقى والوقت الذى يخبرك فيه به. أما الاختيار الثانى فهو أن نعرف الحدوتة من خلال إحدى الشخصيات، إننا نرى العالم والأحداث من خلال عينيها، ونحن لا نعرف إلا ما تعرفه هذه الشخصية (فى بعض الأعمال نرى وجهات نظر متعددة من خلال عيون العديد من الشخصيات، مثل رواية "ميرامار" أو فيلم "راشومون"). والهدف من الاختيار بين هذا وذاك فى استراتيجيات السرد هو تحديد أين يقف المتلقى من الأحداث والشخصيات، والغاية النهائية هى تقرير إذا ما كان المتلقى سوف يقف متأملا محايدا أو أنه سيتعاطف أو حتى يتوحد مع شخصية بعينها. هذا هو الجانب الذى اضطرب فيه "رسائل البحر"، إنك تظل تسمع تعليقا من خارج الكادر بصوت يحيى، فنحن إذن لا نرى إلا ما يراه (لذلك لم نعرف مثله الشخص الذى يعزف البيانو خلف النافذة المضاءة)، وفجأة يذهب الفيلم إلى كارلا ليوضح لنا علاقتها المثلية التى لا يعرفها يحيى، ثم ينتقل الفيلم إلى تعليق من خارج الكادر بصوت نورا هدفه الوحيد هو "المعلومات"، وأخيرا ينفصل السرد عن الشخصيات فى مشهد (لا ندرى من أى وجهة نظر يأتى) نعرف فيه من يعزف البيانو. أعتقد أن ذلك الاضطراب فى السرد كان السبب فى عدم وصول رسالة واضحة إلينا، ولا ينفى الوضوح الذى أقصده أهمية الغموض الساحر المطلوب فى عمل فنى راقٍ، وذلك المزيج من الوضوح والغموض هو المعادلة الصعبة أمام أى فنان يريد أن يترك أثرا عميقا فى المتلقى، ولا تكفى لحل تلك المعادلة الصعبة كلمات نورا (أو بالأحرى كلمات صانع الفيلم) ردا على تساؤل يحيى عن فحوى الرسالة فى الزجاجة: "مش مهم، ممكن تبقى قصيدة شعر، صلاة راهب، حد بيهزر"، لأن هناك فرقا فى الإبداع والتلقى بين الهزار والشعر والصلاة، فلكل نوع من هذه الرسائل مرسِل ومرسَل إليه، ولسنا مضطرين أن نعانى لفك شفرة رسالة لنكتشف فى النهاية أنه "حد بيهزر"!
فى التحليل الأخير، فإن فيلم "رسائل البحر" برسائله العديدة كان أشبه بمشاهد منفصلة، ولكل منها جماله الخاص، لكنها فى الرؤية الكلية تفتقد البؤرة الدرامية التى تجعل المشاهد والرسائل تنبع من هذه البؤرة وتلتقى فيها. أرجو أن تتامل على سبيل المثال أى "نوكتورن" لشوبان من تلك الليليات التى حفل بها الفيلم فى مشاهد العزف على البيانو، إن المقطوعة تبدو ارتجالا حرا لكنها فى الحقيقة تنويعات مختلفة على لحن واحد. وهذا هو ما افتقدته فى الفيلم، لم أجد ذلك اللحن الأساسى الذى يربط الأجزاء معا، لذلك جاء الفيلم فى محصلته النهائية أقل من أجزائه، وبرغم الرسائل والمشاهد فائقة البراعة فإننى لم أعثر أبدا على التيار الذى يجمعها معا.

Friday, September 03, 2010

تأملات فى أحوال السينما التسجيلية فى مصر


هل تذكر النكتة البايخة التى تتحدث عن الرجل الأمريكى الذى أراد أن يفحم رجلا مصريا فى المقارنة بين أحوال الديموقراطية فى البلدين، فأكد الأمريكى أنه يستطيع أن ينتقد رئيس الولايات المتحدة كما يشاء، فأجابه المصرى : "وماذا فى ذلك؟ وأنا أيضا أستطيع أن أنتقد رئيس الولايات المتحدة كما أشاء"؟ أرجو ألا يخشى القارئ انزلاقنا إلى السياسة، أولا لأننا أكدنا ـ ضمانا للسلامةـ على بواخة النكتة، وثانيا لأننا هنا فى الصفحات الفنية حيث نتخفف من أعباء السياسة بعيدا عن وجع الدماغ، لكن هذه النكتة سوف تقفز إلى راسك عندما نتذكر أنه منذ عام مضى كنا مشغولين بفيلم تسجيلى أمريكى هو "فهرنهايت911" من إخراج الفنان السينمائى المشاغب مايكل مور، يتحدث عن الانتخابات الرئاسية الأمريكية بقدر هائل من السخونة جعلت الدم يغلى فى عروقنا، وكان هذا الفيلم واحدا من العديد من الأفلام التسجيلية الأمريكية التى تناولت هذا الحدث بوجهات نظر مختلفة، لكن المأساة أن الانتخابات الرئاسية المصرية ـ التى تحدث لأول مرة فى تاريخنا ـ قذ مرت دون أن يفكر أحد سينمائيينا فى توثيق هذا الحدث، من خلال التيار المهم داخل أى صناعة سينما فى العالم كله، والذى يحمل اسم السينما التسجيلية التى يبدو أننا حذفناها من حساباتنا لتضيع فى زوايا النسيان.
فى الحقيقة ولكى نكون منصفين فإننا نتذكر السينما التسجيلية مرة كل عام، وهاهى سنوية السينما التسجيلية تحل هذه الأيام فى مهرجان الاسماعيلية، وفى الاسماعيلية نرى بعض الأفلام القليلة التى صنعناها طوال اثنى عشر عاما كاملة، ونمنح بعضها الجوائز، وننسى الأمر بعدها ونعود للحديث عن "عوكل" وأقرانه من الأفلام، التى يبدو أن صناعة السينما المصرية لا تتصور أنه يوجد غيرها لمخاطبة الجماهير، وإن كان غياب السينما التسجيلية على هذا النحو المثير للدهشة والأسى يشكل أحد الأعراض التى تشير إلى مرض عضال ـ ولا نقول أزمة حتى لا نثير حساسية البعض من هذه الكلمة ـ وهذا المرض يجب تشخيصه بدقة لنجيب على السؤال الجوهرى حول إذا ماكنا نعرف "ما هى السينما" أصلا، وهو السؤال الذى يطرح بدوره العديد من الأسئلة الأخرى : لمن نتوجه بالأفلام؟ ولماذا؟
الغريب فى الأمر أن كل من يشتغل بفن السينما يعرف ـ أو ينبغى أن يعرف ـ أن السينما كانت نقطة تحول فى تاريخ الفنون، فقد كانت الأب الشرعى لما يعرف باسم الفنون "التسجيلية" أو "التوثيقية" التى تعتمد على أدوات تقنية فى صناعتها وتذوقها، وتقوم على تسجيل الواقع حتى لو تلاعبت به، فالسينما فى جوهرها تبدأ دائما بعملية "تسجيل" مايدور أمام الكاميرا سواء كان واقعا حقيقيا أو متخيلا ، كما أن المتفرجين حين رأوا القطار فى فيلم الأخوين لوميير يتحرك لأول مرة على الشاشة فى اتجاههم أصابهم الرعب خوفا من أن يدوسهم لأنهم تصوروه للحظة قطارا حقيقيا.وماتزال هذه الحقيقية قائمة بعد ما يزيد من قرن كامل على اختراع ما نعرفه باسم فن السينما حتى عندما قام الكومبيوتر بخلق واقع افتراضى، فالمتفرج فى ظلام قاعة العرض ـ حتى فى الأفلام الروائية، بل فى الأفلام الروائية على نحو خاص ـ يذوب فى تلك الكتلة الإنسانية التى نطلق عليها "الجمهور" ليستقر فى وعيه ولاوعيه أن الفيلم الذى رآه ليس إلا امتدادا للعالم الواقعى، ويتبنى وجهة نظر البطل والنجم عن الحياة.
إن هذا التداخل بين الواقع والسينما هو الذى جعل السينما التسجيلية رافدا مهما فى صناعات السينما طوال تاريخها، وداخل هذا الرافد يوجد تنوع أسلوبى قد تستغرب وجوده للوهلة الأولى، فالفيلم التسجيلى ليس هو تلك الجريدة السينمائية التى يظل فيها صوت التعليق يزن بشرح ما تراه على الشاشة . لقد أخذ فلاهرتى الكاميرا فى العشرينات إلى القطب الشمالى ليقدم مايشبه الدراسة العلمية عن الإسكيمو فى فيلم "نانوك من الشمال"، وعلى الجانب الآخر تماما انشغل ماكلارين فى الستينات بتسجيل حركات راقصى الباليه فى "أداجيو" ويحولها إلى موسيقى بصرية، كما كان يوريس إيفنز يصنع أفلاما هى مزيج من الشهادة السياسية وقصائد الشعر. كانت هذه الأفلام يتم صنعها بجهد فائق حين كانت التقنيات ما تزال فى مهدها، أما اليوم فالأمر يختلف تماما مع التقنيات المعاصرة التى تسمح للفنان أن يحمل كاميرا لا تزيد عن بضع مئات من الجرامات، ويقوم بمونتاج الفيلم على كومبيوتر منزلى، ليصنع فيلمه التسجيلى ويشترك فى عشرات المهرجانات السينمائية عبر الكرة الأرضية، وهكذا أصبح الفيلم التسجيلى قادرا ليس فقط على غزو شاشات التليفزيون الفضائى، لكنه كسب أرضا لا يستهان بها حين استولى من السينما الروائية على نصيبه من شباك التذاكر، وليس ببعيد أن يبدأ منذ أسابيع وعلى استحياء عرض الفيلم التسجيلى الفرنسى "مسيرة البطاريق" فى بضع عشرات من دور العرض الأمريكية، لينافس بعد أيام قليلة على المركز الأول محتلا الألاف من دور العرض التجارية.
إن شئت الدقة فقد ذاب الخط الفاصل بين السينما الروائية ـ أو المتخيلة كما تعنى كلمة الرواية فى الإنجليزية ـ وبين السينما التسجيلية، وربما جاء التأثير الأهم للسينما الروائية الهوليودية علينا من أنها تبنت حتى فى أكثر أفلامها جموحا فى الخيال أسلوبا ذا طابع تسجيلى، كشوارع المدينة المستقبلية فى فيلم الخيال العلمى "تقرير الأقلية"، أو تضفى بهذا الأسلوب التسجيلى صدقا على وقائع تاريخية غير مؤكدة مثل الهولوكوست فى "قائمة شيندلر" ـ وليس غريبا أن يكون هذان الفيلمان من إخراج سبيلبيرج سيد صناعة السينما الهوليودية! ـ أو أن يتحول فنان سينمائى مهم مثل هيرتزوج تحولا كاملا إلى السينما التسجيلية، ففى أفلامه التى تعرض الآن فى أمريكا مثل "رجل الدببة" و"الماسة البيضاء" يكتشف هيرتزوج الجانب الخفى من النفس البشرية التى تتحدى الطبيعة والمجهول، بعد أن حاول اكتشافها فى أفلام روائية ضخمة مثل "غضب الرب" و "نوسفيراتو"، أو أن يعود بيرجمان فى فيلم "ساراباند" بعد عشرين عاما كاملة ليتقصى ماحدث لأبطال فيلمه "مشاهد من زواج" وكأنهم يعيشون فى واقع الحياة، مثلما فعل الأمريكى الشاب لينكليتر بين فيلميه "قبل الشروق" و "قبل الغروب" الذى سجل فيهما بأسلوب تسجيلى خالص علاقة بين فتاة فرنسية وفتى أمريكى التقيا على نحو عابر، وماطرأ على هذه العلاقة فى الفترة التى تفصل بين الفيلمين، أو أن يقوم المخرج المبتدئ مورجان سبورلوك فى فيلمه "إجعلنى ساندويتش سوبرسايز" بإجراء تجربة على نفسه يسجلها بالصورة والصوت ليرصد التشوهات الصحية التى عانى منها بعد شهر كامل من اعتماده على طعام النفايات الأمريكى!
ترانا هل نتحدث عن فجوة هائلة لا يمكن تجاوزها بين صناعتنا السينمائية ومثيلاتها فى العديد من دول العالم؟ أم أن عبور هذه الفجوة سيمثل الجسر الذى يمنح السينما المصرية الانفراجة للخروج من أزمتها؟ دعنا نوجز النقاط الأساسية ولنتفق بعدها أو نختلف : فالسينما للجماهير بكل شرائحها واهتماماتها وليست لزبائن المولات فقط ، والسينما يجب أن تتحدث لنا وعنا بأكبر قدر من الصدق والمصداقية حتى فى الأفلام الروائية وفى أكثرها سخرية وضحكا وهزلا، والعقلية "التوثيقية" يجب أن تزداد عمقا لدى صناع الأفلام عندنا، وهو ما يدعو المسئولين ـ الذين لا يسألهم أحد! ـ للتخلى فورا عن كل القوانين المتخلفة التى لا مثيل لها فى الدنيا وتحظر على السينمائى أن يحمل كاميرته بحرية ويسجل بها كل ما يراه فى واقعه سعيا لتفسيره وتغييره. وإذا كنا بدأنا بالحديث عن السياسة من بعيد، فإن ما يدمى القلب حقا هو أن يقوم مذيع تليفزيون إسرائيلى مرموق، وعلى حسابه الخاص، بصنع فيلم تسجيلى عن وجهات النظر المختلفة فى الانسحاب الإسرائيلى من قطاع غزة يتحدث فيه المستوطنون الصهاينة عن "مأساتهم" ـ!!ـ بينما لا نكاد نتذكر فيلما تسجيليا مصريا معاصرا عن المأساة الحقيقية التى يعيشها الشعب الفلسطينى فى حياته اليومية التى تمنح مادة ثرية لعشرات الأفلام. هل تذكر الآن النكتة التى بدأنا بها؟ فلتكن الخاتمة عن نكتة أيضا وعن فيلم تسجيلى أمريكى يعرض حاليا يدعى "الأستقراطيون"، ويسجل لنكتة واحدة يستخدمها عشرات الممثلين الكوميديين فى عروضهم، ليقول لك ان المهم ليس النكتة وإنما فن الإلقاء، ولك أن تتصور أن نكتة أمريكية واحدة صنعت فيلما تسجيليا، بينما النكتة المريرة أنه لا توجد عندنا سينما تسجيلية حقيقية مع أن واقعنا يزخر بملايين النكات!!