Monday, September 27, 2010

إسرائيل تغسل جريمتها فى فيلم "لبنان" ونحن نغرق فى وحل المسلسلات التليفزيونية

بينما كان الشعب العربى، من المحيط إلى الخليج، مشغولا من قمة رأسه حتى إخمص قدميه، فى متابعة المسلسلات الرمضانية وبرامج حوار "العوالم"، لا يكاد أن يلتقط أنفاسه منها إلا وتطارده الصحف الفنية بأخبار عنها، بينما كان ذلك كله يحدث، كان الكيان الصهيونى "الصغير" المزروع كالخنجر فى قلب الوطن العربى يعرض فى دور العرض السينمائية الجماهيرية فى أمريكا فيلما يحمل اسم "لبنان"، وهو الفيلم الذى يذكر موقع "ميتاكريتيك" المتخصص فى جمع مقالات أشهر النقاد الأمريكيين أن الفيلم حصل على سبعة وثمانين فى المائة من استحسان النقاد، وهى درجة لا يصل إليها إلا القليل من الأفلام فى العالم كله.
ما يعنينا هنا هو حالة الغياب عن العالم – وعن الوعى أيضا – التى نعيش فيها منذ زمن طويل يزيد الآن عن ثلاثة عقود، غياب أشبه بالمؤامرة أو قل أنه مؤامرة بالفعل، أن تغيب مصر عن القيام بدور مؤثر فى صناعة أقدارها، لينفرط العقد من بعدها وتصبح بقية الدول العربية دون تأثير فعال، وإن ظهر لك من بين أبواق السلطة من يقول لك أن مصر حاضرة، بدليل استدعائها بين الحين والآخر لتقوم بمهام توكل إليها، فأرجو أن تذكّره بنوعية هذه المهام، التى تشبه دور الوسيط أو السمسار، وكله بثمنه ... ولتقارن هذا الغياب من جانبنا بالحضور القوى للكيان الصهيونى، الذى يفرض شروطه، ,وإذا كان عاجبكم بقى، بل إن "إسرائيل" ما تزال حتى اليوم ترفض ذلك الشىء الذى لم يحدث من قبل فى التاريخ، ويحمل اسم "المبادرة العربية"، التى تعلن الاستعداد التطبيع الكامل مع العدو من جانب الدول العربية، لكن ماذا يمكن لك أن تتوقع وإسرائيل لا تخشى شيئا على الإطلاق من حكام هذه الدول، فما حاجتها إلى أن تجلس معها وتتفاوض؟
من يريد التفاوض ويملك زمامه لابد أن يملك قوة ما تجعل موقفه التفاوضى قويا، أما وقد ضيع حكام الدول العربية كل مقومات القوة المادية والمعنوية فعلى أى أساس سوف يتفاوضون؟ فى المقابل تعمل "إسرائيل" فى كل لحظة على بناء قوتها على كل المستويات، والسينما أحد أركان هذه القوة، إنها تنتج كل عام حوالى عشرة أفلام فقط، لا تزيد ميزانية الواحد منها عن مليون دولار (أرجو من صناع أفلامنا أن يحسبوا الفرق بين ميزانيات أفلامنا وأفلامهم، ثم يقارنوا الفرق بينها من ناحية التأثير الفنى والسياسى)، بل إن هذه المليون دولار لكل فيلم يتم جمعها من جهات عالمية عديدة، من بينها صندوق دعم السينما الإسرائيلية، ومن هذه الأفلام العشرة، قليلة التكاليف، يبرز فيلمان أو ثلاثة، تطوف العالم وتحصد الجوائز أو الترشيحات، فى الوقت الذى تقدم فيه بالطبع للعالم الرؤية الصهيونية وتكرسها، وأرجو أن تتأمل كيف أن فيلم "لبنان" الذى سوف نتحدث عنه الآن قد تنافس بشدة (داخل الأوساط السينمائية الإسرائيلية) مع الفيلم الإسرائيلى "عجمى" على الوصول إلى مسابقة الأوسكار فى العام الماضى، وكان القرار أن يعطوا الفرصة لفيلم "عجمى" (الذى وصل بالفعل إلى قائمة الأفلام الخمسة التى تتسابق على جائزة أفضل فيلم أجنبى)، والسبب هو أن فيلم "لبنان" قد حصل بالفعل على جائزة الأسد الذهبى فى مهرجان فينيسيا السينمائى، فلماذا لا تعطى "إسرائيل" الفرصة لفيلم ثانٍ لكى يقوم بمهمة الدعاية لها؟
أصبح فيلم "لبنان" متاحا على شبكة الإنترنيت، وبترجمة باللغة العربية أيضا، فماذا ننتظر لكى نرى السبب فى أنهم يحققون كل هذا النجاح وبأقل التكاليف المادية؟ أكرر أننا غائبون عن الوعى، وعن الفعل، وحتى بعيدا عن السينما الإسرائيلية التى يقول البعض منا أن رؤية أفلامها قد تحمل اتهاما بالتطبيع، فهل بدا من جانبنا أى اهتمام كافٍ بالأفلام من بلدان العالم المختلفة التى تفوز بجوائز عالمية؟ هل عرفنا لماذا تفوز؟ هناك ياقارئى العزيز هوة شاسعة بين السينما المصرية المعاصرة والسينما فى العالم كله، ولست أتحدث فقط عن أفلامنا التجارية التى تنتمى إلى تاريخ ما قبل اختراع السينما (بالكثير إنها تشبه صندوق الدنيا)، بل أشير أيضا إلى الأفلام "المثقفة" التى ما تزال تقف عند أنطونيونى وفيسكونتى وأفلامهما منذ نصف قرن ... إننا لم نتوقف فقط عن صناعة الأفلام المعاصرة بحق، لكننا توقفنا أيضا عن مشاهدة الأفلام المعاصرة.
أرجو أن تتاح لك فرصة أن ترى فيلم "لبنان" لتعرف كيف تُصنع الأفلام، بقدر كبير من الفن، وقدر قليل من التكاليف، والأهم هو تضمين "الرسالة"، وهى هنا رسالة سياسية بالقطع، تتخفى تحت نسيج "إنسانى" دفع بعض النقاد الأمريكيين أن يصف الفيلم بأنه "مناهض للحرب"، برغم كونه من ناحية الشكل ينتمى على نحو صريح لنمط "الأفلام الحربية". منذ نزول العناوين يُدخلك الفيلم إلى عالمه الكابوسى: شاشة سوداء تنزل عليها التيترات، وموسيقى تصدر صوتا يشبه الأزيز المتصل، ثم تأتى لقطة البداية، حقل من حقول عباد الشمس، إنه خال تماما بلا حركة، غير أن ريحا تهب من عمق الكادر وتتجه إلى مقدمته لتهتز أعواد الزهور فى موجة متصلة حتى أن المتفرج يشعر أنها سوف تجتاحه أيضا.
تلك اللقطة واحدة من بين لقطات "خارجية" ثلاث فقط طوال الفيلم، أما الفيلم كله فيبدو كأنه مؤلف من لقطات "داخلية"، حيث نجد أنفسنا مع أربعة جنود إسرائيليين شبان داخل دبابة وهم فى مهمتهم لمصاحبة فرقة من المشاة فى حرب لبنان الأولى، نعرف ذلك من العنوان: "6 يونيو 1982 الساعة 3 صباحا، اليوم الأول من حرب لبنان". تأمل اللقطة الأولى لهم – ولنا – داخل الدبابة، هناك ماء فى قاعها (ياعينى إنهم يحاربون بأسلحة قديمة!!)، ونرى فيها صورة منعكسة ومقلوبة لوجه جندى، عندما يضع قدميه على أرضها يهتز الماء فتتشوش الصورة. هذا العالم الكابوسى يقطنه أربعة من الجنود، يقدمهم لنا الفيلم فى لمسات خاطفة لكنها كافية تماما لنعرف عنهم الكثير، فأغلبهم تم استدعاؤه للخدمة العسكرية الاحتياطية على عجل، وبعضهم ينتظر انتهاء خدمته بعد أيام، وبعض ثالث يذهب إلى تلك الحرب فى مهمته الحقبقبة الأولى.
هناك قائد المجموعة عاصى (عيتاى تيران)، والمدفعجى شموليك الذى يقول كاتب الفيلم ومخرجه صامويل موعاز أنه يجسد شخصيته وتجربته الحقيقة خلال الخدمة العسكرية (يقوم بالدور يوعاف دونات)، ثم المسئول عن شحن المدفع هيرتزيل (أوشرى كوهين)، وأخيرا سائق الدبابة إيجال (مايكل موشونوف). سوف تلاحظ على الفور أن وجوه الممثلين الشبان – البارعين بالفعل – تنضح بالبراءة، والخوف، والحيرة، إنهم لا يعرفون لماذا هم هنا، فى جنوب لبنان، داخل دبابة عتيقة الطراز، مكتوب على جدارها الداخلى عبارة تحمل مزيجا من السخرية المريرة واليقين معا: "الرجل مصنوع من الفولاذ، أما الدبابة فهى ليست إلا قطعة من الحديد". تأتى المفارقة الساخرة فى العبارة فى البداية من التناقض مع ما يبدو من هشاشة الجنود، لكنها تصبح حقيقة عندما يعيشون أهوال ساعات قليلة من الحرب فلا يجدون مناصا من أن يصبحوا كالفولاذ بالفعل، لكنه فولاذ صهيونى بطبيعة الحال!
أنت طوال الفيلم داخل هذه الدبابة، لتعيش حالة توحد كامل مع الشخصيات (أرجو أن تقارن هنا أيضا مع أوهام صناع أفلامنا عن أن الفيلم "الحربى لابد أن يحتوى على مشاهد "ملحمية"!!)، وإذا أتيحت لك رؤية العالم خارج الدبابة فمن خلال منظارها (بالطبع يتم تصوير مثل هذه اللقطات خارجيا لكن توضع على فتحة الكاميرا شبكة تمثل أداة تحديد الهدف، فيستمر شعورك بأنك داخل الدبابة). والصلة بين "الأبطال" والعالم الخارجى هى جميل (زوهار شتراوس)، قائد فرقة المشاة التى تحميها الدبابة، فهو يدخل أحيانا إليهم ليوجه إليهم التعليمات أو اللوم، ويقودهم إلى قرية لبنانية يفترض أن الطائرات قد "مسحتها من على الخريطة" كما جاء فى نص الحوار، لكن المهمة لا يمكن أن تكون بهذه السهولة وإلا لم يكن هناك داعٍ بالطبع لصنع أى فيلم!!
سوف أتوقف معك عند بعض اللحظات الفاصلة فى الفيلم لأتركك تشاهده بعدها بنفسك: هناك أوامر بإطلاق النيران على أى هدف يقترب ولا يستجيب للتحذير بالوقوف، وتظهر سيارة مدنية تنطلق نحو فرقة المشاة والدبابة، ويتردد المدفعجى شموليك فى إطلاق القذيفة عليها، إنه يرتعش فتلك هى المرة الأولى التى يصوب فيها إلى هدف حى بعد انتهاء تدريبه على التصويب على براميل، لكن تردده يسفر عن كارثة، فالسيارة تحمل انتحاريين ويؤدى انفجارها إلى موت أحد الجنود، ويتوقف الفيلم ليعرض مشاهد مرعبة لمحاولة إنقاذ الجندى دون جدوى، وتكون النتيجة إدخال جثة الجندى إلى الدبابة لحين قدوم الطائرة المروحية التى سوف تحملها، فيزداد الشعور الكابوسى عمقا. إن هذا التردد من جانب الجندى الإسرائيلى سوف يكون ذريعة لأن يطلق دون تردد قذيفته التالية مباشرة على شاحنة صغيرة يكتشف أنها تحمل دجاجا، وبينما يصرخ سائقها العربى من الألم بعد انفصال ذراعه عن جسده، فإن جميل – قائد الفرقة – يطلق عليه رصاصة "الرحمة" لينقذه من آلامه!!
عندما تصل الفرقة والدبابة إلى القرية يقدم لك الفيلم أطراف الصراع، لتكتشف إن الجيش الإسرائيلى ليس طرفا أصيلا فيه!! تأمل المشهد التالى: يصيح جميل بأن إرهابيين اختطفوا رهائن فى شقة بالدور العلوى لبناية لم يبق منها إلا أطلال، يتوجه منظار الدبابة إلى الشقة، ونرى على الحائط لوحة مائلة متدلية للعذراء مريم والطفل يسوع المسيح. إذن فالرهائن عائلة مسيحية، ويلقى الزوج بنفسه من أعلى هربا لتبقى الزوجة وطفلة صغيرة، وبالضرورة فإن الإرهابيين مسلمون، يهدد الإرهابيون بقتل الرهائن، وتطلق الدبابة قذيفة فى اتجاه الشقة فتدمرها، وتخرج المرأة مذهولة وقد فقدت طفلتها ... إنه مشهد يدمى القلوب بالفعل، الأم الملتاعة (ريموند أم سالم) تهذى وتريد عودة ابنتها، بينما يحاول جميل تهدئتها، وهى فى هذيانها تسير بين النيران فيندلع اللهب غى قميص نومها، ينزعه عنها جميل بقوة فتصبح عارية تماما، لكنه "يسترها" على الفور بملاءة، لتختفى بعد ذلك من الفيلم، لكن بعد أن ترك فى المتفرج أثرا لا يمحى بأن الجيش الإسرائيلى جاء إلى لبنان لـ"ينقذه"، حتى لو كان ذلك يتكلف التضحية!! هل تتصور أن تلك الرسالة هى التى تصل إلى المتفرج فى العالم كله؟!!!
إن ذلك سوف يتأكد عندما يتم أسر جندى سورى (دودو تاسا) ووضعه فى الدبابة أيضا، ليظهر أحد أفراد ميلشيات الكتائب (أشرف برهوم) ليطالب بتسليم الأسير له، وفى حوار بينهما بالعربية (لا يدرك الجنود الإسرائيليين محتواه) يصدر الكتائبى فحيحا وهو يتهدد السورى بأقصى درجات العذاب. وإذا كان الكتائبى يوحى للفرقة الإسرائيلية بأنه سوف يدلها على الخروج من المتاهة التى وصلت إليها فى القرية اللبنانية، فإنه لا يفى بوعده بعد أن يحصل على الأسير، ويترك الفرقة والدبابة فى مكان مجهول، لتبقى فى حالة انتظار أن ترسل لها القيادة من ينقذها. (كأن ذلك ينفى بشكل ضمنى تعاون الإسرائيليين والكتائبيين فى جريمة صابرا وشاتيلا!!). أخيرا تأتى لقطة خارجية: شموليك يفتح غطاء الدبابة وينظر إلى الحقول، ثم اللقطة الأخيرة، نفس حقل عباد الشمس كما فى بداية الفيلم، ولكن تقف الدبابة فى عمق الكادر ساكنة وحيدة فى هذا الفضاء الشاسع.
هذا هو الفيلم الإسرائيلى الثالث فى السنوات الأخيرة عن حرب لبنان الأولى، بعد "بوفورت" (قلعة الشقيف)، و"فالس مع بشير"، تتنوع فيها التجارب الفنية، لكنها تعيد نفس اللحن الذى بدأته السينما الأسرائيلية منذ نهاية الثمانينيات، حين عرفت الصهيونية أن عليها – إلى جانب الأفلام الدعائية المباشرة مثل أفلام ميناجم جولان وجلوباس – أن تقدم أفلاما تختفى فيها الدعاية وراء مزيج من التجريب الفنى المبتكر، ونزعة وجودية تجعل البطل أو الأبطال فى حالة تساؤل أو قلق أو ألم، لكنها فى جوهرها ما تزال تحافظ على الجوهر الصهيونى: اليهود فى "إسرائيل" فى خالة خوف دائم، لأنهم يعيشون فى جزيرة داخل بحر من "الإرهاب" العربى، سواء كان موجها لإسرائيل أو متبادلا بين العرب أنفسهم، والبطل الإسرائيلى وحده هو الذى يعرف القلق، إنه وحده "الإنسان"، لذلك فإن قدره أن يصبح مثل الفولاذ!!
من ناحية الشكل السينمائى، فإنه يؤكد على تجربة الحصار (الحصار هنا ليس حصار العدو الإسرائيلى للبنانيين، وإنما معاناة الإسرائليين أنفسهم من الحصار فى لبنان، لكن الفيلم يتجاهل أن يقول لنا لماذا هم هناك أصلا!!)، فالزمن الفيلمى يقترب كثيرا من الساعات القليلة للزمن الواقعى، والحس التسجيلى الحاد هو أسلوب الفيلم، واللقطات داخل الدبابة قريبة أو متوسطة (أرجو ألا يتصور القارئ أن ذلك يحكمه "التصوير داخل دبابة"، فالتصوير الفعلى يتم بالطبع داخل ديكور يحاكى الدبابة)، وشريط الصوت مؤلف من مؤثرات طبيعية، مثل الصوت المعدنى لحركة الدبابة أو منظارها، وصوت الانفجارات، وحين تظهر الموسيقى ففى شكل أزيز يعمق من الإحساس الكابوسى.
ذلك هو ما يصنعه العدو الإسرائيلى من أفلام، فبرغم القوة المادية والسياسية التى يتمتع بها فى ظل الضعف والهوان العربيين، فإنه ما يزال يضع مشروعه نصب عينيه، ولا يتخلى عنه لحظة واحدة، ويستخدم كل ما لديه من وسائل لتحقيقه، بما فى ذلك صنع أفلام تبهر العالم بفنها الذى لا يمكن أن تتجاهله. قل لى إذن ما هو مشروعنا القومى الآن، وما هى أولوياتنا، وما الذى نساهم به فى العالم، سواء على المستوى السياسى أو الثقافى. لكن الحقيقة أننا غائبون عن العالم وعن الوعى، والله وحده يعلم متى نفيق، وإن كانت مسئولتنا الإنسانية أن نعرف "كيف" نفيق، على الأقل لنسترد إنسانيتنا المهدرة، فى الوطن وخارجه على السواء.

Thursday, September 09, 2010

رسائل البحر تلمس وترا خفيا فى وجدانى، ومع ذلك فإن عقلى يرفضها

فى أحد مشاهد فيلم "رسائل البحر"، يعثر البطل الشاب يحيى (آسر ياسين) على زجاجة قديمة، تتقاذفها أمواج البحر وتدفعها نحو الشاطئ، يحمل يحيى الزجاجة ويدفعه الفضول إلى معرفة سر تلك اللفافة التى تحتويها. وفى تتابع تالٍ من الفيلم يجلس يحيى على أرض غرفته، وقد تناثرت حوله قواميس اللغة اللاتينية، إنه يبحث عن معنى كلمات رسالة البحر فلا يجد لها أثرا فى قواميسه، ثم يحمل الرسالة معه ويعرضها على رفاق الحانة "الخواجات" حيث يقضى بعض لياليه، لكن أحدا لا يتمكن من فك شفرة تلك اللغة الغامضة، وينتقل بعدها يحيى بالرسالة إلى مجموعة من الفتيات من جنسيات مختلفة تعملن فى ملهى ليلى، لكنهن جميعا تنكرن معرفة أى منهن بلغة الرسالة، التى تبقى – حتى بعد أن ينتهى الفيلم – غامضة المبنى والمعنى.
تأملت كثيرا فى هذه الفكرة التى وضعها – مؤلفا ومخرجا – داود عبد السيد فى فيلمه "رسائل البحر"، شعرت أنها تلمس وترا خفيا فى وجدانى، ومع ذلك فإن عقلى يرفضها ... تساءلت: لماذا يبدو يحيى فى حبكة الفيلم منشغلا أحيانا بالرسالة ثم ينساها أحيانا أخرى؟ بالأحرى ما هو المنطق الفنى والدرامى (غير الموجود فى الفيلم) الذى يدفعه للاهتمام بها ثم إهمالها ثم يعود إليه الاهتمام؟ إنها (دراميا) لا تستحوذ عليه، فكيف لها أن تستحوذ علىّ كمتفرج؟ ولماذا – إذا مددنا الخط المنطقى إلى آخره – لا يحمل يحيى الرسالة إلى علماء اللغات، الذين سوف يجدون بالتأكيد للغة الرسالة جذورا؟ أقول أن هناك شيئا مثل الشعر الغامض يسرى فى هذه الفكرة، يقول أن هناك فى هذا العالم رسائل تصل إلينا بين الحين والآخر لكننا نعجز عن قراءتها وفهمها أو حتى رؤيتها، لكن هذا هذا التيار الشعرى لا يمتد إلى عقلى، ليس لأن الفكرة تتناقض مع المنطق، بل الأمر على العكس تماما، فالحقائق العلمية البسيطة تؤكد هذه الفكرة ذاتها، فعلى سبيل المثال نحن نسبح فى بحر من الموجات الكهربية المغنطيسية التى لا نشعر بها، لأننا ببساطة لا نملك بداخلنا "أجهزة" التقاط هذه الموجات، فكم إذن طوفان الرسائل التى تعبر بنا ونعبر بها، دون أن نعرف حتى بوجودها؟
أقول أن فكرة داود عبدالسيد تجمع بين الشعر والعلم، والميتافيزيقا وممارسات حياتنا اليومية، لكن ذلك لم يكن كافيا لكى "أدخل" إلى عالم الفيلم وأعيش فيه، لقد رأيت الفيلم وأعجبت به، وظلت آثار منه تعيش معى أياما بعد مشاهدته، ومع ذلك فقد كنت أشعر خلال بعض لحظات مشاهدته بإحساس من الاغتراب تجاه ما أراه، إن مايحدث لشخصيات الفيلم يبدو كأنه يحدث لشخصيات لا يهمنى أمرها، لا فرق عندى بين أن يجد يحيى حلا لشفرة الرسالة أو لا يجدها، وذلك فى رأيى أخطر ما يعانى منه عمل فنى ما، حتى لو كانت فكرته بعمق "رسائل البحر". ظللت أبحث عن السبب فى ذلك المزيج الغامض من الإعجاب والفتور، واكتشفت أن داود عبدالسيد لم يمنح الفكرة الشعرية كل ما كانت تحتاجه من دفقة (أو دفقات) وجدانية طوال الفيلم، لقد تعامل معها بعقله أكثر مما ينبغى، إنه يعرف أن الفكرة فى حد ذاتها تنبض بالحياة، لكنه لم يتركها تنمو بحرية، لقد كان يدفعها دفعا إلى حيث يريد ... وإذا عدت للمشهد الذى بدأت به هذا المقال فسوف تجد أن داود عبدالسيد "أعجبه" أن يجلس يحيى على الأرض بين الكتب والقواميس، وأن تنتقل الرسالة من يد إلى يد، لقد رأى هذه اللقطات بعين عقله، لكنه لم يتساءل كثيرا عما إذا كانت سوف تجد طريقها إلى عقل المتفرج.
أستطيع أن أملأ صفحات طويلة لأعبر عن إعجابى بالفيلم وصانعه، كما فعل الكثيرون من الزملاء النقاد، وأستطيع أيضا بكلمات قليلة أن أصف الفيلم بالغموض والتعالى كما فعل زملاء آخرون، لكن هذا أو ذاك لا يجيب عن تساؤلى: كيف يمكن لفيلم واحد أن يكون فى أجزاء منه قصيدة شعر، وفى أجزاء أخرى بناء عقليا باردا يكاد أن يخلو من الروح، بل الأغرب أن يجمع مشهد واحد أحيانا بين هذين النقيضين؟ تأمل على سبيل المثال المشهد التالى: فتاة بسيطة تدعى بيسة (مى كساب) تجد الراحة فى الحديث إلى بطلنا يحيى، فتحكى له عن تجربة حبها الأول فى "برمهات" ("يعنى إيه برمهات؟" هكذا كان يجب أن يقول يحيى بتركيبته الدرامية كما صوره الفيلم، وأعتقد أن معظم المتفرجين لا يعلمون أيضا، إنه باختصار شهر بداية الربيع)، وهنا تنطلق الفراشات الملونة لتطير هنا وهناك فى "طبع مزدوج" بالكومبيوتر على الشاشة. صورة جميلة، أليس كذلك؟ لكن من حقك أن تسأل: من أين أتت الفراشات؟ خاصة أن ذلك الخيال البصرى ليس "أسلوب" الفيلم من أوله إلى آخره، لكن مرة أخرى: "أعجبت" صانع الفيلم هذه الصورة، فوضعها هناك، لقد تدخل بعقله لكى يصنع التأثير الوجدانى فى المتفرج، فكانت النتيجة أن عقل المتفرج هو الذى أطل برأسه متسائلا، ولم يتحرك وجدانه.
قل باختصار أن فيلم "رسائل البحر" يريد أن يكون قصيدة شعر، أو سيمفونية بصرية وسمعية، وهو كذلك بالفعل، لكنه لم يتبع دائما المنطق الفنى للشعر أو الموسيقى، بل اتبع منطقا ذهنيا تماما فى بناء عناصره. إن فى الفيلم روح الشعر والموسيقى، لكن هذه الروح وجدت نفسها سجينة فى جسد غير متوافق معها. فلنبدأ بشخصيات الفيلم التى سوف نراها معا تبعا لظهورها فى البناء الدرامى: فى القلب من هذا البناء نجد البطل الشاب يحيى، إنه يعانى من التلعثم فى النطق لذلك لم ينجح كطبيب وهو الآن يعيش على صيد السمك بسنارته، والفيلم يؤكد دائما أنه "يرمز" إلى البراءة فى عالم صعب معقد وملوث. تأتى ثانيا الفتاة كارلا (سامية أسعد) التى تنحدر من أصل إيطالى، وهناك ذكريات طفولة مشتركة بينها وبين يحيى، لكنها تشعر الآن أنها قد تجاوزت هذه المرحلة، وتكاد أن تكون لها ميول جنسية مثلية، وهى "ترمز" أيضا إلى علاقة ثقافية مع الحضارة الغربية باتت على وشك الانقطاع. ثم يظهر الرجل مفتول العضلات قابيل (محمد لطفى)، وهو "يرمز" مباشرة إلى القوة الجسمانية العاتية التى تسببت فى الماضى فى حادثة قتل، لذلك فإن شعوره بالخطيئة يجعله يقرر ألا يستخدم هذه القوة الباطشة مرة أخرى، ولأنه مصاب بورم فى المخ يستلزم إجراء عملية جراحية سوف تفقده الذاكرة، فإنه يخشى من علاجه لأنه قد يتضمن عودته للقتل مرة أخرى. الآن يحين دور المرأة الجميلة نورا (بسمة)، التى ظهرت لأول مرة فى حياة يحيى فى ليلة ممطرة (فى لقطة ذكرتنى ألوانها الحمراء والسوداء المشبعة بفيلم روبرت رودريجيز "مدينة الخطيئة"، برغم تباعد عالمه عن "رسائل البحر")، إنها تأخذ يحيى تحت مظلتها وتسير معه إلى منزله، لتبدأ معه علاقة حميمة طويلة لكنها تظل بالنسبة له سرا غامضا، يتكامل – ويتناقض – مع سر غامض آخر، حين يقضى يحيى بعض لياليه واقفا فى الشارع أمام نافذة مضاءة تغطيها الستائر، ويأتى من خلالها صوت عزف بيانو رقيق (دائما لمقطوعات لشوبان)، وهنا أيضا "ترمز" نورا إلى شعاع النور السجين، ومصدر الألحان العذبة الذى يُخفى وجوده. وأخيرا يأتى الحاج هاشم (صلاح عبدالله)، وهو "رمز" صرف، إنه قاتل الحياة من أجل تراكم الثروة، وهو يصطاد السمك بالديناميت، ويطرد يحيى من منزل الاسكندرية لكى يبنى مكانه مركزا تجاريا.
شخصيات رئيسية خمس، تدور حولها خيوط فيلم "رسائل البحر"، لكنها مرة أخرى نتاج ذهنى خالص يصعب أحيانا أن تصدق وجودها فى لحم ودم، وكل منها يمثل "فكرة" لكنها لا تنصهر معا – كما ينبغى لها أن تكون – فى عالم فنى واحد، لقاؤها وحتى تاريخها المشترك هو بمحض الصدفة، أو لأن صانع الفيلم يريد لها ذلك ... كان من الممكن على سبيل المثال أن يلتقى يحيى مع قابيل كما كان من الممكن ألا يلتقيا، وهو ما ينطبق على علاقات كل الشخصيات الأخرى، ونحن الآن نتحدث عن منطق الحتمية الدرامية فى بناء ذى مظهر واقعى تماما، وإذا كان لك أن تقارن ذلك مع "البحث عن سيد مرزوق" فقد كان منطق الحلم شبه السيريالى هناك هو الذى يقود العلاقات المتغيرة دوما. وحتى لو حاولت أن تتعسف لهذه الرموز أو أشباه الرموز وعلاقاتها تفسيرا فإن ذلك لن يؤدى بك إلى أى مكان، إنها تظل ألحانا جميلة منفصلة، لكنها لا تنجح فى أن تخلق معا سيمفونية متكاملة. لا يكفى للرمز فى الفن أن يكون عنصرا فى معادلة جبرية، كما أن الإيحاء الفنى أعمق كثيرا إذا قارنته بمتعة الرياضة الذهنية، ناهيك عن أن الشخصية الواقعية وما ترمز له يجب أن يظلا جنبا إلى جنب دون أن يطغى أحدهما على الآخر أو يتناقض معه، وأعتقد واثقا أن ذلك هو السبب فى أن رواية نجيب محفوظ "الحرافيش" أهم ألف مرة من "أولاد حارتنا".
فى الجانب الإيجابى، فإن غلبة العنصر الذهنى فى الفيلم كان وراء اختيارات تقنية وجمالية، صنعت بعضا من اللحظات والمشاهد التى يمكن تدريسها بالمعنى الحرفى للكلمة. تأمل على سبيل المثال مشهد "النوة"، الذى يبدأ بالقيظ تحت الشمس الحارقة، ثم تتجمع فجأة بعض الغيوم التى تحجب الشمس، ويرتفع كيس بلاستيكى مع الريح إلى السماء، وتتمايل أشجار النخيل تحت تأثير العواصف، وتترتفع الأمواج لتتلاعب بمركب صيد فى البعيد، ويلمع البرق وسط السحاب، ويلطم الموج حافة صخور الشاطئ، ويهرب الصيادون بينما يبدأ هطول المطر ويتزايد، ويقصف الرعد ويخطف البرق الأبصار ... ويقف يحيى وحده أمام هذا البحر الذى هاج فجأة، متسائلا عن تقلب المصائر والأقدار، وعن البحر الذى يعطى من لا يحتاج ويحرم المحروم.
أعترف لك ياعزيزى القارئ أننى شعرت بالرجفة فى هذا المشهد، وكنت أتمنى طوال الفيلم لو حصلت على مثل هذه "المشاعر"، لولا أننى كنت أستيقظ من حالة النشوة على تدخل صانع الفيلم تدخلا مباشرا وسافرا، ولعل المثال الواضح لهذا التدخل أن كل الشخصيات تنطق بكلماته وتعبيراته الشاعرية "المثقفة"، وليس بكلماتها كشخصيات فنية، لا فرق فى ذلك بين كارلا الإيطالية وبيسة القادمة من الأحياء الشعبية. غير أننى أرى أن الاضطراب الأساسى فى الفيلم يأتى مما يطلق عليه "استراتيجيات السرد"، التى سوف أتوقف معك هنا للحظات لكى نتأملها. ففى كل عمل فنى يحتوى على مادة روائية يكون هناك أمامك اختياران رئيسيان (بالإضافة إلى اختيارات فرعية أخرى): أن تحكى الحدوتة من وجهة نظر الراوى المحايد، الذى يعرف كل شىء عن الشخصيات حتى تلك التى لا تعرفها الشخصيات نفسها، والراوى يختار ما يخبرك به كمتلقى والوقت الذى يخبرك فيه به. أما الاختيار الثانى فهو أن نعرف الحدوتة من خلال إحدى الشخصيات، إننا نرى العالم والأحداث من خلال عينيها، ونحن لا نعرف إلا ما تعرفه هذه الشخصية (فى بعض الأعمال نرى وجهات نظر متعددة من خلال عيون العديد من الشخصيات، مثل رواية "ميرامار" أو فيلم "راشومون"). والهدف من الاختيار بين هذا وذاك فى استراتيجيات السرد هو تحديد أين يقف المتلقى من الأحداث والشخصيات، والغاية النهائية هى تقرير إذا ما كان المتلقى سوف يقف متأملا محايدا أو أنه سيتعاطف أو حتى يتوحد مع شخصية بعينها. هذا هو الجانب الذى اضطرب فيه "رسائل البحر"، إنك تظل تسمع تعليقا من خارج الكادر بصوت يحيى، فنحن إذن لا نرى إلا ما يراه (لذلك لم نعرف مثله الشخص الذى يعزف البيانو خلف النافذة المضاءة)، وفجأة يذهب الفيلم إلى كارلا ليوضح لنا علاقتها المثلية التى لا يعرفها يحيى، ثم ينتقل الفيلم إلى تعليق من خارج الكادر بصوت نورا هدفه الوحيد هو "المعلومات"، وأخيرا ينفصل السرد عن الشخصيات فى مشهد (لا ندرى من أى وجهة نظر يأتى) نعرف فيه من يعزف البيانو. أعتقد أن ذلك الاضطراب فى السرد كان السبب فى عدم وصول رسالة واضحة إلينا، ولا ينفى الوضوح الذى أقصده أهمية الغموض الساحر المطلوب فى عمل فنى راقٍ، وذلك المزيج من الوضوح والغموض هو المعادلة الصعبة أمام أى فنان يريد أن يترك أثرا عميقا فى المتلقى، ولا تكفى لحل تلك المعادلة الصعبة كلمات نورا (أو بالأحرى كلمات صانع الفيلم) ردا على تساؤل يحيى عن فحوى الرسالة فى الزجاجة: "مش مهم، ممكن تبقى قصيدة شعر، صلاة راهب، حد بيهزر"، لأن هناك فرقا فى الإبداع والتلقى بين الهزار والشعر والصلاة، فلكل نوع من هذه الرسائل مرسِل ومرسَل إليه، ولسنا مضطرين أن نعانى لفك شفرة رسالة لنكتشف فى النهاية أنه "حد بيهزر"!
فى التحليل الأخير، فإن فيلم "رسائل البحر" برسائله العديدة كان أشبه بمشاهد منفصلة، ولكل منها جماله الخاص، لكنها فى الرؤية الكلية تفتقد البؤرة الدرامية التى تجعل المشاهد والرسائل تنبع من هذه البؤرة وتلتقى فيها. أرجو أن تتامل على سبيل المثال أى "نوكتورن" لشوبان من تلك الليليات التى حفل بها الفيلم فى مشاهد العزف على البيانو، إن المقطوعة تبدو ارتجالا حرا لكنها فى الحقيقة تنويعات مختلفة على لحن واحد. وهذا هو ما افتقدته فى الفيلم، لم أجد ذلك اللحن الأساسى الذى يربط الأجزاء معا، لذلك جاء الفيلم فى محصلته النهائية أقل من أجزائه، وبرغم الرسائل والمشاهد فائقة البراعة فإننى لم أعثر أبدا على التيار الذى يجمعها معا.

Friday, September 03, 2010

تأملات فى أحوال السينما التسجيلية فى مصر


هل تذكر النكتة البايخة التى تتحدث عن الرجل الأمريكى الذى أراد أن يفحم رجلا مصريا فى المقارنة بين أحوال الديموقراطية فى البلدين، فأكد الأمريكى أنه يستطيع أن ينتقد رئيس الولايات المتحدة كما يشاء، فأجابه المصرى : "وماذا فى ذلك؟ وأنا أيضا أستطيع أن أنتقد رئيس الولايات المتحدة كما أشاء"؟ أرجو ألا يخشى القارئ انزلاقنا إلى السياسة، أولا لأننا أكدنا ـ ضمانا للسلامةـ على بواخة النكتة، وثانيا لأننا هنا فى الصفحات الفنية حيث نتخفف من أعباء السياسة بعيدا عن وجع الدماغ، لكن هذه النكتة سوف تقفز إلى راسك عندما نتذكر أنه منذ عام مضى كنا مشغولين بفيلم تسجيلى أمريكى هو "فهرنهايت911" من إخراج الفنان السينمائى المشاغب مايكل مور، يتحدث عن الانتخابات الرئاسية الأمريكية بقدر هائل من السخونة جعلت الدم يغلى فى عروقنا، وكان هذا الفيلم واحدا من العديد من الأفلام التسجيلية الأمريكية التى تناولت هذا الحدث بوجهات نظر مختلفة، لكن المأساة أن الانتخابات الرئاسية المصرية ـ التى تحدث لأول مرة فى تاريخنا ـ قذ مرت دون أن يفكر أحد سينمائيينا فى توثيق هذا الحدث، من خلال التيار المهم داخل أى صناعة سينما فى العالم كله، والذى يحمل اسم السينما التسجيلية التى يبدو أننا حذفناها من حساباتنا لتضيع فى زوايا النسيان.
فى الحقيقة ولكى نكون منصفين فإننا نتذكر السينما التسجيلية مرة كل عام، وهاهى سنوية السينما التسجيلية تحل هذه الأيام فى مهرجان الاسماعيلية، وفى الاسماعيلية نرى بعض الأفلام القليلة التى صنعناها طوال اثنى عشر عاما كاملة، ونمنح بعضها الجوائز، وننسى الأمر بعدها ونعود للحديث عن "عوكل" وأقرانه من الأفلام، التى يبدو أن صناعة السينما المصرية لا تتصور أنه يوجد غيرها لمخاطبة الجماهير، وإن كان غياب السينما التسجيلية على هذا النحو المثير للدهشة والأسى يشكل أحد الأعراض التى تشير إلى مرض عضال ـ ولا نقول أزمة حتى لا نثير حساسية البعض من هذه الكلمة ـ وهذا المرض يجب تشخيصه بدقة لنجيب على السؤال الجوهرى حول إذا ماكنا نعرف "ما هى السينما" أصلا، وهو السؤال الذى يطرح بدوره العديد من الأسئلة الأخرى : لمن نتوجه بالأفلام؟ ولماذا؟
الغريب فى الأمر أن كل من يشتغل بفن السينما يعرف ـ أو ينبغى أن يعرف ـ أن السينما كانت نقطة تحول فى تاريخ الفنون، فقد كانت الأب الشرعى لما يعرف باسم الفنون "التسجيلية" أو "التوثيقية" التى تعتمد على أدوات تقنية فى صناعتها وتذوقها، وتقوم على تسجيل الواقع حتى لو تلاعبت به، فالسينما فى جوهرها تبدأ دائما بعملية "تسجيل" مايدور أمام الكاميرا سواء كان واقعا حقيقيا أو متخيلا ، كما أن المتفرجين حين رأوا القطار فى فيلم الأخوين لوميير يتحرك لأول مرة على الشاشة فى اتجاههم أصابهم الرعب خوفا من أن يدوسهم لأنهم تصوروه للحظة قطارا حقيقيا.وماتزال هذه الحقيقية قائمة بعد ما يزيد من قرن كامل على اختراع ما نعرفه باسم فن السينما حتى عندما قام الكومبيوتر بخلق واقع افتراضى، فالمتفرج فى ظلام قاعة العرض ـ حتى فى الأفلام الروائية، بل فى الأفلام الروائية على نحو خاص ـ يذوب فى تلك الكتلة الإنسانية التى نطلق عليها "الجمهور" ليستقر فى وعيه ولاوعيه أن الفيلم الذى رآه ليس إلا امتدادا للعالم الواقعى، ويتبنى وجهة نظر البطل والنجم عن الحياة.
إن هذا التداخل بين الواقع والسينما هو الذى جعل السينما التسجيلية رافدا مهما فى صناعات السينما طوال تاريخها، وداخل هذا الرافد يوجد تنوع أسلوبى قد تستغرب وجوده للوهلة الأولى، فالفيلم التسجيلى ليس هو تلك الجريدة السينمائية التى يظل فيها صوت التعليق يزن بشرح ما تراه على الشاشة . لقد أخذ فلاهرتى الكاميرا فى العشرينات إلى القطب الشمالى ليقدم مايشبه الدراسة العلمية عن الإسكيمو فى فيلم "نانوك من الشمال"، وعلى الجانب الآخر تماما انشغل ماكلارين فى الستينات بتسجيل حركات راقصى الباليه فى "أداجيو" ويحولها إلى موسيقى بصرية، كما كان يوريس إيفنز يصنع أفلاما هى مزيج من الشهادة السياسية وقصائد الشعر. كانت هذه الأفلام يتم صنعها بجهد فائق حين كانت التقنيات ما تزال فى مهدها، أما اليوم فالأمر يختلف تماما مع التقنيات المعاصرة التى تسمح للفنان أن يحمل كاميرا لا تزيد عن بضع مئات من الجرامات، ويقوم بمونتاج الفيلم على كومبيوتر منزلى، ليصنع فيلمه التسجيلى ويشترك فى عشرات المهرجانات السينمائية عبر الكرة الأرضية، وهكذا أصبح الفيلم التسجيلى قادرا ليس فقط على غزو شاشات التليفزيون الفضائى، لكنه كسب أرضا لا يستهان بها حين استولى من السينما الروائية على نصيبه من شباك التذاكر، وليس ببعيد أن يبدأ منذ أسابيع وعلى استحياء عرض الفيلم التسجيلى الفرنسى "مسيرة البطاريق" فى بضع عشرات من دور العرض الأمريكية، لينافس بعد أيام قليلة على المركز الأول محتلا الألاف من دور العرض التجارية.
إن شئت الدقة فقد ذاب الخط الفاصل بين السينما الروائية ـ أو المتخيلة كما تعنى كلمة الرواية فى الإنجليزية ـ وبين السينما التسجيلية، وربما جاء التأثير الأهم للسينما الروائية الهوليودية علينا من أنها تبنت حتى فى أكثر أفلامها جموحا فى الخيال أسلوبا ذا طابع تسجيلى، كشوارع المدينة المستقبلية فى فيلم الخيال العلمى "تقرير الأقلية"، أو تضفى بهذا الأسلوب التسجيلى صدقا على وقائع تاريخية غير مؤكدة مثل الهولوكوست فى "قائمة شيندلر" ـ وليس غريبا أن يكون هذان الفيلمان من إخراج سبيلبيرج سيد صناعة السينما الهوليودية! ـ أو أن يتحول فنان سينمائى مهم مثل هيرتزوج تحولا كاملا إلى السينما التسجيلية، ففى أفلامه التى تعرض الآن فى أمريكا مثل "رجل الدببة" و"الماسة البيضاء" يكتشف هيرتزوج الجانب الخفى من النفس البشرية التى تتحدى الطبيعة والمجهول، بعد أن حاول اكتشافها فى أفلام روائية ضخمة مثل "غضب الرب" و "نوسفيراتو"، أو أن يعود بيرجمان فى فيلم "ساراباند" بعد عشرين عاما كاملة ليتقصى ماحدث لأبطال فيلمه "مشاهد من زواج" وكأنهم يعيشون فى واقع الحياة، مثلما فعل الأمريكى الشاب لينكليتر بين فيلميه "قبل الشروق" و "قبل الغروب" الذى سجل فيهما بأسلوب تسجيلى خالص علاقة بين فتاة فرنسية وفتى أمريكى التقيا على نحو عابر، وماطرأ على هذه العلاقة فى الفترة التى تفصل بين الفيلمين، أو أن يقوم المخرج المبتدئ مورجان سبورلوك فى فيلمه "إجعلنى ساندويتش سوبرسايز" بإجراء تجربة على نفسه يسجلها بالصورة والصوت ليرصد التشوهات الصحية التى عانى منها بعد شهر كامل من اعتماده على طعام النفايات الأمريكى!
ترانا هل نتحدث عن فجوة هائلة لا يمكن تجاوزها بين صناعتنا السينمائية ومثيلاتها فى العديد من دول العالم؟ أم أن عبور هذه الفجوة سيمثل الجسر الذى يمنح السينما المصرية الانفراجة للخروج من أزمتها؟ دعنا نوجز النقاط الأساسية ولنتفق بعدها أو نختلف : فالسينما للجماهير بكل شرائحها واهتماماتها وليست لزبائن المولات فقط ، والسينما يجب أن تتحدث لنا وعنا بأكبر قدر من الصدق والمصداقية حتى فى الأفلام الروائية وفى أكثرها سخرية وضحكا وهزلا، والعقلية "التوثيقية" يجب أن تزداد عمقا لدى صناع الأفلام عندنا، وهو ما يدعو المسئولين ـ الذين لا يسألهم أحد! ـ للتخلى فورا عن كل القوانين المتخلفة التى لا مثيل لها فى الدنيا وتحظر على السينمائى أن يحمل كاميرته بحرية ويسجل بها كل ما يراه فى واقعه سعيا لتفسيره وتغييره. وإذا كنا بدأنا بالحديث عن السياسة من بعيد، فإن ما يدمى القلب حقا هو أن يقوم مذيع تليفزيون إسرائيلى مرموق، وعلى حسابه الخاص، بصنع فيلم تسجيلى عن وجهات النظر المختلفة فى الانسحاب الإسرائيلى من قطاع غزة يتحدث فيه المستوطنون الصهاينة عن "مأساتهم" ـ!!ـ بينما لا نكاد نتذكر فيلما تسجيليا مصريا معاصرا عن المأساة الحقيقية التى يعيشها الشعب الفلسطينى فى حياته اليومية التى تمنح مادة ثرية لعشرات الأفلام. هل تذكر الآن النكتة التى بدأنا بها؟ فلتكن الخاتمة عن نكتة أيضا وعن فيلم تسجيلى أمريكى يعرض حاليا يدعى "الأستقراطيون"، ويسجل لنكتة واحدة يستخدمها عشرات الممثلين الكوميديين فى عروضهم، ليقول لك ان المهم ليس النكتة وإنما فن الإلقاء، ولك أن تتصور أن نكتة أمريكية واحدة صنعت فيلما تسجيليا، بينما النكتة المريرة أنه لا توجد عندنا سينما تسجيلية حقيقية مع أن واقعنا يزخر بملايين النكات!!

Monday, August 30, 2010

أفلام التحريك بين الحواديت والرسائل الأخلاقية والسياسية





ظلت أفلام التحريك – التي نسميها أحيانا على نحو خاطئ افلام الكرتون – مصدرا للمتعة السينمائية الخالصة عند الأطفال, في تلك الشرائط القصيرة التي كانت تعرض قبل أفلام الكبار الروئية الطويلة, وأصبحت شخصيات مثل " ميكي ماوس " و" توم وجيري " تمثل بالنسبة للطفل كائنات حقيقية يصدق وجودها, ففي عالم سينما التحريك تكتسب الحيوانات والدمى وحتى الجمادات ملامح إنسانية في الشكل والسلوك, تتصارع وتتصالح وتخوض مغامرات تنقل الطفل إلى عالم يمزج بين الواقع والخيال, لكنها كانت في كل الحالات تخاطب في الطفل الجانب المطمئن المتفائل حين تجعله يعيش في عالم سينمائي لا يعرف معني الخوف أو الألم, فقد يسقط القط "توم" من علو شاهق لتتناثر شظاياه لكنه في المشهد التالي يظهر صحيحا معافي دون خدش واحد, ليستمر من جديد في مطاردة الفأر " جيري ", فهي دائما شخصيات لا تعرف التجارب القاسية المؤلمة التي يحتشد بها الواقع الحقيقي.

كانت هذه الأفلام الأولى للتحريك تتعامل فقط مع الجانب الخيالي الخصب في وجدان الطفل, في حكايات – أو بالأحرى " نمر" – ينتصر فيها الخير دائما على الشر, والضعيف على القوي, حتى لو تحدثت أحيانا وبرفق بالغ عن بعض الأحاسيس الحزينة مثل شعور " البطة السوداء " بالغربة عن رفاقها والاضطهاد من الكبار, أو فقدان الفيل الصغير " دامبو" لأمه, لكن سرعان ما كانت سحابات الحزن تنقشع, لتنتهي الحدوتة دائما على نحو مغرق في التفاؤل, ليخرج الطفل من قاعة العرض وقد أفرغ – بتوحده مع هذه الشخصيات – توتراته البسيطة, مستعدا ليمارس طفولته البريئة مع العالم الواقعي من جديد.

ولشركة " ديزني" الفضل في تحويل هذه الأفلام القصيرة إلى أفلام روائية طويلة مع " الأميرة البيضاء والأقزام السبعة" (1937) , كما كان لها الفضل أيضا بعد حوالي ستة عقود في إعادة نمط فيلم التحريك الروائي الطويل في العديد من الأفلام كان أشهرها " الملك الأسد" (1994) , وبين هذين الفيلمين كانت رحلة طويلة لفن التحريك سواء على مستوى الشكل حين أصبح من الممكن استخدام تقنيات الكومبيوتر التي تتيح بالضغط على بعض الأزرار تنفيذ ما كان فنانو التحريك يستغرقون شهورا طويلة في تحقيقه , او على مستوى المضمون عندما تحولت هذه الأفلام من إعادة إنتاج قصص الأطفال المعروفة إلى كتابة سيناريوهات مبتكرة لا صلة بينها وبين الحواديت التقليدية . ومع الإيرادات الضخمة التي حققها " الملك الأسد" عرفت السينما الأمريكية أن نمط فيلم التحريك الروائي الطويل يمكن استثماره ليحتل مكانا ثابتا كل عام بين الأنماط الأخرى , وأن هذا الاستثمار قد يصل إلى مدى أبعد مع تسويق البضائع المرتبطة بهذا الفيلم أو ذاك : القمصان والدمى والحقائب والدفاتر وألعاب الفيديو وشرائط موسيقى الفيلم , لكن الأهم هو إدراك صناع هذه الأفلام أنه يمكن لهم توسيع قاعدة الجمهور الذي يراها بحيث تصلح للصغار والكبار معا , وهو ما يعني أن فيلم التحريك – الذي يبدو في ظاهره موجها للمتعة الطفولية – يحمل مستويات عديدة من التفسير والتحليل , حين تكون عناصر التسلية والامتاع في حقيقتها وسائل لبث " رسائل" موجهة لوعي الطفل ولاوعيه في وقت واحد , وهي الرسائل التي تتفاوت بين الإيحاء للطفل – والمتفرج الكبير أيضا – بأنه " ليس في الإمكان أبدع مما كان" , وبين مساعدة الطفل على إدراك حقائق الحياة الحقيقية , وامتلاك حاسة نقدية تجاه الواقع من أجل تطويره وتغييره . انتقلت إذن أفلام التحريك الروائية الطويلة من عالم البراءة الفنية إلى عالم فني أكثر تعقيدا يقتضي أن ننظر إلى هذه الأفلام وقد تخلينا عن افتراض نواياها الطيبة التي تزعم أنها تسعى إلى التسلية وحدها , فهي التسلية التي لا تتخلى لحظة واحدة عن ترسيخ متعمد لمفاهيم ومواقف محددة في وجدان الأطفال .

من البراءة إلى الدهاء

يمكنك أن تجد نموذجا مجسدا للفارق الهائل بين أفلام التحريك الروائية القديمة والجديدة إذا ما قارنت بين فيلمي شركة " ديزني" : "الأميرة البيضاء والأقزام السبعة" و "الملك الأسد" , فالفيلم الأول كان مايزال واقفا على أرض تقنيات التحريك التقليدية من خلال أسلوب الرسم "الكادر الجديد بعد الكادر السابق" , وإن كان الفيلم قد حقق قفزة إلى الأمام مع استخدام الألوان والمنظور اللذين يوحيان بعالم ثلاثي الأبعاد حين تتحرك الكائنات والأشياء في مقدمة الكادر على نحو أسرع من تلك التي تقبع في خلفيته , ومع إتقان تحديد الملامح "الإنسانية" الواضحة لكل شخصية تعيش في أماكن تحاكي الواقع في تفاصيله . لكن "الأميرة البيضاء" ظل ملتصقا بحواديت الأطفال التقليدية , وهو الذي يعتمد على إحدى حكايات "الأخوين جريم" الشهيرين, التي تدور عن عالم خيالي وسحري تعيش فيه شخصيات مثل الأميرة الجميلة المضطهدة , التي تأكل تفاحة مسحورة فتنام في تابوت زجاجي نوما طويلا لن يوقظها منه إلا فارس الأحلام , وتقطن ذلك البيت الصغير حيث يدور في فلكها أقزام سبعة خفيفو الظل , بينما تطاردها زوجة الأب الشريرة بمرآتها السحرية , لتنتهي الحدوتة بطبيعة الحال إلى انتصار الخير على الشر .
في "الملك الأسد" لن يفاجئك فقط أن يكون فن التحريك التقليدي قد استعان ببعض تقنيات الكومبيوتر لكي يزيد من " واقعية" ما نراه على االشاشة , لكن المفاجأة الحقيقية هي أنه لا يعتمد على أية حدوتة معروفة للأطفال , بل إنه يستعير بعض خيوطه الدرامية من مآس إغريقية قديمة مثل "ألأوريستية" أو من التراجيديا الشكسبيرية "هاملت" , حيث يكون على البطل أن ينتقم لمصرع أبيه الملك على يد العم الخائن !! قد نتصور للوهلة الأولى – وهذا صحيح إلى حد بعيد – أن تلك الإحالات الى الأغريق أو شكسبير سوف تفوت على الإدراك "الواعي" لمعظم الأطفال , لكن ما يجب ألا نتجاهله أن الرسائل المتضمنة داخل هذه الحدوتة سوف تستقر في "لا وعي" المتفرج الطفل . في المشهد الافتتاحي من "الملك الأسد" الذي يدور في غابة افريقية سوف نشهد ولادة "الطفل" الشبل سيمبا لأبيه الملك الأسد موفاسا , لتحتفل كل حيوانات الغابة بهذا الحدث وتغني أغنية "دائرة الحياة" فرحة بمولد الطفل الذي سوف يحق له وحده أن يرث أباه على عرش الغابة .
إن الشبل سيمبا يستغرق في العالم اللاهي للطفولة منصرفا عن "حقائق" العالم الذي يعيش فيه , مستهترا كأي طفل بالأخطار أو غير مدرك لها , متصورا أن كل حيوانات الغابة تحبه وتحنو عليه , لكن العم الشرير سكار – الذي يغار من شقيقه الملك – سوف يدبر لاغتيال الشقيق ويوهم الطفل سيمبا بأنه كان السبب في خطأ غير مقصود وراء مصرع الأب , فتجتاح نفس الطفل مشاعر الذنب وينفي نفسه بعيدا عن المملكة ليعيش في مقبرة جرداء للأفيال , لكنه سوف يعرف الحقيقة عندما يظهر له شبح الأب مرددا – كما في "هاملت" تماما – ضرورة أن يسعى الإبن للانتقام له . سوف يتوحد المتفرج الطفل بالطبع مع الشبل سيمبا في رحلته للانتقام وإعادة "الحق" إلى نصابه , لكن القراءة المتأنية للدلالات المتضمنة سوف تقود لا وعي الطفل إلى العديد من "الحقائق" أو التي يفترض الفيلم أنها حقائق , ولتتأمل تلك الدلالات – التي أشارت إلى بعضها الناقدة الأمريكية كارين شوالم – من أن الحياة في العالم الإنساني تطابق "عالم الغابة" بكل ثوابته : إن الطبيعة تفرض سلما هرميا محددا لا يمكن تغييره أو تجاوزه , حيث " سلسلة تغذية" حيوان بالتهامه حيوانا أضعف هي قانون ازلي أبدي وينطبق بشكل ضمني على البشر أيضا , وأن القوة هي المعيار الوحيد الذي يحتم أن يكون الأسد حاكما على الغابة من أعلى التل, بينما يجب على كل الحيوانات الأخرى أن تقبع في قاع الوادي لتقوم بدور الأتباع المخلصين فتلك هي "دائرة الحياة التي تحركنا جميعا" , أو فلتقل بكلمات أكثر وضوحا : الحل الأمثل هو الإبقاء على الوضع السائد.

مجموعة " بيكسار " والرسائل التقدمية


هاأنت ترى إذن أن فيلما مثل " الملك الأسد" قام بالعكس تماما من الفرضيات الأولى لفن التحريك , فبدلا من أن يضفي على الحيوانات ملامح إنسانية فإنه أكد على أن الحياة الإنسانية تدخل في إطار قوانين "الطبيعة" التي تشمل الحيوان والإنسان معا . وسوف تتراوح منذ ذلك الحين أفلام التحريك الروائية الطويلة التي تنتجها السينما الأمريكية بين رسالتين متناقضتين , حين تخصصت شركة " دريم ووركس" في صنع الأفلام ذات الاتجاه المحافظ والرسائل الرجعية, بينما نشأت مجموعة "بيكسار" – التي انضوت في البداية تحت جناح شركة "ديزني" ثم استقلت مؤخرا عنها – لتحمل في كل أفلامها رسائل تقدمية تدعو إلى إعادة النظر في "الوضع السائد" وضرورة تغييره .
كانت مجموعة " بيكسار" هي أول من قام بإنجاز فيلم روائي طويل يعتمد كلية على تقنيات الكومبيوتر لصنع أفلام التحريك ثلاثية الأبعاد , في فيلم "قصة لعبة" (1995) , وفيه تكتسب الدمى التي يلهو بها الأطفال حياة حقيقية وملامح إنسانية تتنوع في أشكالها وصفاتها وأخلاقياتها , حيث نرى الدمية راعي البقر وودي الذي كان طوال ست سنوات هو اللعبة المفضلة لدى صاحبه الطفل , لكن وودي يفاجأ ذات يوم بقدوم الدمية التي تعمل بالبطاريات بازلايت يير , لينشأ بينهما صراع حول مكانة كل منهما عند صاحبه , لكن هذا الصراع سوف يقودهما إلى العالم الحقيقي حيث يواجهان أخطارا مشتركة , ليكون عليهما تجاوز خلافاتهما والتكاتف معا , لتتأكد قيمة ورسالة الصداقة الحميمة, وتصالح القديم مع الجديد .
في الجزء الثاني " قصة لعبة2" (2001) سوف يصبح الإبهار التقني المتزايد أمرا عاديا ومألوفا , لكن مجموعة " بيكسار" سوف تهتم بالمضمون الأكثر نضجا بقدر اهتمامها بالشكل . إن الدمية راعي البقر وودي يصيبه التلف فيضعه صاحبه الطفل على الرف إلى جانب الدمى القديمة الأخرى التي نراها وهي تأسى لحالها , ويصبح وودي مهددا بالبيع لتاجر الدمى التالفة الذي يقوم بترميمها تمهيدا لبيعها إلى أحد المتاحف اليابانية , ليتحول الفيلم كله إلى الرحلة الصعبة التي يخوضها رفاق وودي من أجل استعادته وإنقاذه من هذا المصير , وهي رحلة حافلة بالمغامرات بدءا من عبور الشارع وسط السيارات المسرعة , وحتى إنقاذ وودي قبل ثوان قليلة من صعوده في صندوق إلى الطائرة التي سوف تحمله إلى المنفى . وهكذا فإن الفيلم يحتشد بالعديد من القيم الأخلاقية والرسائل السياسية : إن علينا أن نقبل أحيانا – من أجل مزيد من النضج – فكرة التغير , فالطفل قد يهمل دميته عندما تتغير اهتماماته , لكن الدمية يمكن أن تجد العزاء في إمكانية أن تصبح مصدر سعادة لطفل آخر , وأن من المهم الحفاظ على التراث وعدم بيعه للأجانب في مقابل المال , وإن لم يكن كل ما في التراث جميلا فهناك دمية راعي بقر عجوز يرضخ للأمر الواقع ويقاوم وودي ويتحايل لكي يأخذه معه إلى المتحف الياباني , وأن تحقيق الحلم – باستعادة وودي – لن يأتي عن طريق أية بطولات فردية , وإنما من خلال تكاتف الدمى جميعا من أجل هدف واحد .
سوف تتردد فكرة البطولة الجماعية في كل أعمال مجموعة "بيكسار", ففي فيلمهم التالي "حياة حشرة" (1998) نرى حكاية النملة الذكر فليك الذي يؤرقه أن " قانون الطبيعة" – الذي كرسه فيلم ديزني "الملك الأسد" – يفرض دائما على النمل صغير الحجم أن يكدح طوال العام لتأتي حشود الجراد لتلتهم ما قام " شغيلة" النمل بجمعه, لذلك يحاول فليك ان يخترع أشياء تساعده ورفاقه في الدفاع عن أنفسهم , لكن محاولاته تبوء بالفشل , وتحفز الجراد على الانتقام . وفي محاكاة ساخرة عن فيلم " الساموراي السبعة" يأخذ فليك إذنا من ملكة النمل بالذهاب إلى المدينة لاستئجار محاربين محترفين يدافعون عن النمل , لتقوده قدماه إلى مجموعة من الحشرات المختلفة الذين يقبلون بالمهمة من أجل المال , لكن الحقيقة سوف تتكشف أنهم ليسوا إلا حشرات هاربة من السيرك , ويدرك فليك الحقيقة : إن على النمل أن يدافع عن نفسه بتجميع كل الجهود , وأن ذلك لن يأتي عن طريق البطولات الفردية أبدا , وان كونك صغير الحجم لا يعني أنه ليس أمامك إلا أن تستسلم لطغيان كبار الأحجام .
وعن الكبار المخيفين سوف يدور فيلم " شركة الوحوش المحدودة" (2001) , فالوحوش التي تظهر للأطفال خلال الليل لتثير رعبهم تعيش في مدينة مغلقة تبدو كأنها شركة رأسمالية عملاقة – يشير أحد النقاد الأمريكيين إلى تشابهها مع مدينة نيويورك في لحظات الذروة !! – حيث يعمل االوحوش الذين ينتقلون في الليل لغرف نوم الأطفال لإفزاعهم , وحين يصرخ الأطفال من الخوف تقوم الوحوش بتجميع هذه الصرخات في "أنابيب" خاصة, فمن هذا الصراخ يستمد الوحوش طاقة مدينتهم . تأمل هذه الفكرة اللامعة في أن الوحوش تريد أن يبقى "الصغار" خائفين مرتعدين فتلك هي مادة الحياة التي يعيش عليها الوحوش "االكبار" , لكن المفارقة الأكثر دلالة – وخفة ظل أيضا – هي أن الوحوش في حقيقتهم يخافون من الأطفال , لتبدأ حبكة الفيلم مع الطفلة الصغيرة "بو" التي تعلقت بفراء الوحش الأزرق طيب القلب سوليفان , لتتسلل دون أن يعلم إلى مدينة الوحوش , وعندما يكتشفون أمرها تعلن حالة الطوارئ وتظهر إدارة "سي دي إيه" – يشير بعض النقاد الأمريكيين إلى تشابهها مع "سي آي إيه" ! – والتي تعني " فريق الكشف عن الأطفال وآثارهم" للبحث عن الطفلة وتطهير المدينة من آثارها. وبينما تبدو كل الوحوش الأخرى مهتمة ومهمومة بالعثور على الطفلة والتخلص منها , فإن الوحش سوليفان سوف يبدي تعاطفا وحبا أبويا تجاهها , ليكتشف – وياللمفاجأة ! – أن ضحك الأطفال يخلق طاقة أكبر بكثير من تلك االتي يخلقها صراخهم , وهو الأمر الذي سوف يجعل الوحوش في نهاية االفيلم يغيرون من سياساتهم تجاه الصغار , فيبعثون بوحوش صغيرة لطيفة لتدغدغ الأطفال وتضحكهم للحصول على الطاقة !
إن الرسالة الأخلاقية والسياسية هنا تؤكد على "التفاعل" وليس الصراع , بين الصغار والكبار أيا كان المستوى الذي تتحدث عنه , وهي الرسالة التي سوف تصبح أكثر تعقيدا ونضجا مع فيلم "البحث عن نيمو" (2003) الذي يحكي عن الأب السمكة مارلين الذي يفقد زوجته وأطفاله بسبب هجوم مباغت من أسماك متوحشة كبيرة , ولا يبقى له سوى إبن وحيد بزعنفة ضامرة هو نيمو – ذلك هو إسم قائد الغواصة الخيالية في "عشرون ألف فرسخ تحت الماء" – ويكرس الأب حياته لرعاية إبنه حتى أنه يطارده في كل مكان حتى لا يغيب عن بصره , ويمنعه من الذهاب إلى المدرسة خوفا عليه من تجارب الحياة , لذلك ينشأ التوتر بين الأب الخائف عصبي المزاج والإبن الذي يريد أن يمارس حياته " كإنسان" طبيعي .
إن ذلك يدفع نيمو للهرب من رقابة أبيه أحيانا لكي يثبت لأصدقاء طفولته أنه يستطيع أن يجاريهم في جرأتهم , فيسبح بعيدا حيث يتم اصطياده عن طريق غواصين , لينتهي به المطاف حبيسا في حوض صغير للأسماك في عيادة طبيب للأسنان . ويدءا من تلك اللحظة يكون على الأب أن يتخلى عن تردده وخوفه من مواجهة المخاطر, ليمضي في رحلة طويلة بحثا عن إبنه نيمو , بينما يكون على نيمو أن يجد وسيلة للهرب من حوض الأسماك لكي يعود إلى المحيط . تامل استحالة أن يجد الأب إبنه في هذا البحر الواسع أو أن يعود الإبن من الحوض إلى البحر, لكن الفيلم يعلم الأطفال – ويعلمنا – أنه ليس هناك مستحيل إذا ما كان علينا أن نحصل على حريتنا . وإذا كان الفيلم لا يتخلى لحظة واحدة عن عنصر الإمتاع من خلال الطيف اللوني الواسع للكائنات البحرية , أو إضفاء ملامح شكلية ونفسية إنسانية على كل منها ( مثل محاولة أسماك القرش أن تتخلى عن أكل اللحم لتصبح نباتية! ), أو من خلال مشاهد المطاردات والتشويق العديدة , فإنه لا ينسى أن يؤكد على القيم الأخلاقية التي يريد توصيلها إلى المتفرج الطفل : إن كل التضحيات تهون إلى جانب الحصول على الحرية , وأن الإنسان – المجسد أمامنا على الشاشة في صورة سمكة – يمكن أن يقهر الخوف والتردد كما في حالة الأب , وأن يقهر العجز الجسماني للزعنفة الضامرة كما في حالة الإبن , وأن على الجيل الأكبر أن يتخلى عن بعض نزعاته المتسلطة حتى ينمو الأبناء ليصبحوا قادرين على مواجهة العالم , وأن الجيل الأصغر سوف يدرك يوما أن حرص الآباء عليهم لم يكن قهرا لكنه حب حقيقي , لكن الأهم هو تلك القيم السياسية التي تتجسد في أن تنوع أسماك المحيط يجب ألا يعني الصراع بينها بل التفاعل والتكامل , وأن الأهداف لا يمكن الوصول إليها على نحو فردي , فالإبن نيمو ليس بطلا فرديا على الطريقة الهوليوودية , وجهوده للحصول على حريته والعودة إلى المحيط تأتي من اشتراك كل الأسماك الأخرى السجينة معه داخل حوض الأسماك الضيق .


النزعة الفردية الهروبية عند " دريم ووركس"

وإذا كانت مجموعة "بيكسار" تؤكد دائما على هذه البطولة االجماعية, وعدم خداع المتفرجين من الأطفال والكبار, بل مساعدتهم على مواجهة المواقف الجادة في الحياة على مختلف مستوياتها , فإن أفلام التحريك الروائية الطويلة التي تصنعها شركة " دريم ووركس" تفعل العكس تماما , فهي تغرس في وجدان الطفل مفهوم البطولة الفردية , وتعمد إلى تعقيد الحبكة وتحميلها بإشارات وإحالات إلى العديد من أفلام الكبار , وتختار نجوما مشهورين لأداء أصوات كائنات التحريك الخيالية , مما يقود المتفرج في النهاية إلى عالم سحري هروبي يحتشد بالعديد من القيم السلبية المحافظة .
ففي العام 1998 الذي قدمت فيه مجموعة " بيكسار" فيلم "حياة حشرة" , أتى من " دريم ووركس" فيلم "النملة زي" , الذي يحتشد بالتعقيد والتفلسف بدءا من عنوانه بالإنجليزية , الذي يعني عند نطقه " النمل" أو "النملة زي" , بل إن الحرف "زي" نفسه يشير في اللغة اليونانية إلى معنى الحياة بقدر إشارته للحرف الهجائي الذي يقبع في نهاية الأبجدية ! يحكي الفيلم عن النملة الذكر " زي" (صوت وودي ألين) الذي نراه في المشهد الافتتاحي مسترخيا على سرير طبيب نفسي وهو يشكو من أنه لا يستطيع التواؤم مع الحياة في مستعمرة االنمل , وعلى عكس بطل " حياة حشرة" الذي كان يحاول أن يحث كل النمل على عدم الاستسلام للضعف والهوان أمام الجراد , فإن كل ما يبحث عنه "زي" هو الفردية والاختلاف عن بقية النمل , أو كما يقول لطبيبه النفسي : " إنني أعاني من أنني الأخ الأوسط لخمسة ملايين من الأشقاء ... هل من المفروض علي أن أصنع كل ما أصنعه من أجل الآخرين والمستعمرة؟ ماذا عن احتياجاتي أنا؟ ". وبالصدفة يقابل " زي" الأميرة النملة بالا ( صوت شارون ستون ) في أحد المراقص , وبينما تنخرط جموع النمل في رقصة ميكانيكية فإن " زي " يرقص بطريقته العفوية الحيوية , مما يجعل الأميرة تفتتن به , ولأن " زي " يريد أن يبدو أمامها بطلا فإنه يحتال حتى ينتحل شخصية ضابط في الجيش , لكن حيلته تنقلب عليه عندما يجد نفسه مساقا وسط الحشود إلى حرب دموية طاحنة ضد النمل الأبيض المفترس , وهي الحرب التي تحاكي مشهدا عنيفا مماثلا في " إنقاذ الجندي رايان " , وهو ما ليس غريبا على أية حال فهو الفيلم الذي أخرجه سبيلبيرج أحد الشركاء الرئيسيين في شركة " دريم ووركس " , وهكذا فإن الرسالة المتضمنة في " النملة زي " تتحدث عن التفرد والبطولة – حتى لو كانت زائفة – وهو ما يكرس القيم السائدة بالفعل في الثقافة الأمريكية الراهنة بدلا من إعادة النظر فيها و تغييرها .
في فيلمي " شريك "(2001) و " شريك2 " (2004) سوف تصبح الرسالة الأخلاقية والسياسية أكثر غموضا والتباسا , مع مزيد من الاقتباس عن عشرات الأفلام الروائية للكبار , والسخرية الجامحة من الشركة المنافسة ديزني سواء في شخص مديريها المسئولين أو شخصياتها الكارتونية ! يحكي الفيلم عن الغول شريك قبيح الشكل الذي يريد أن يعيش وحده في مستنقع بعيدا عن العالم , وهو يستمتع بقبحه وفرديته ويدافع عنهما لكنه يجد نفسه مضطرا – في مقابل استعادة وحدته – أن يقبل مهمة إنقاذ الأميرة الحسناء ( صوت كاميرون دياز) من التنين الذي سجنها في قلعته . لقد كانت الأميرة تنتظر أن يأتي فارس أحلام وسيم لكي يحررها ويتزوجها , لكن أملها خاب عندما رأت مخلصها الغول , وإن كانت العاطفة المشبوبة سوف تدب بينهما , ليصبح السؤال الأخلاقي المحوري أمام الطفل : هل سوف تقبل الأميرة الجميلة الزواج من الغول القبيح طيب القلب ؟ أو بكلمات أخرى : هل من الممكن قبول الاختلاف بين الأعراق والثقافات ؟ أن معالجة قديمة لحدوتة " االجميلة والوحش " جعلت من الحب قوة دافعة ليستعيد الوحش هيئته البشرية الكامنة بداخله , كما أن مجموعة " بيكسار" لم تكن لتفكر أصلا في أن تجعل من هذه الشخصية الفردية المتوحدة بطلا للأطفال , لكن معالجة " شريك " بجزئيه سوف تذهب في اتجاه آخر تماما , فالأميرة تقبل أن تتحول إلى غولة قبيحة الشكل لكي تتزوج من حبيبها ! على السطح قد يبدو الفيلم منحازا إلى الجانب الأضعف – أو بالأحرى الأكثر قبحا في الطبيعة الإنسانية ! – لكن الحقيقة أنه يؤكد على أنه ليس هناك إمكان تفاعل بين الثقافات , فالاختيار الوحيد الممكن هو أن تذوب ثقافة في ثقافة أخرى , وليبق الغول غولا إلى الأبد , ولتذهب الأميرة وحدها إليه وتتحول إلى غولة , ليعيشا معا في مستنقعه البعيد , ومن المؤكد أن المتفرج الطفل لن يتوحد لحظة واحدة مع هذا االغول , خاصة عندما يرى أمامه على الشاشة حمامة بيضاء تموت من الرعب عندما ترى الغول القبيح !
وأخيرا يأتي فيلم شركة " دريم ووركس " الذي يحمل إسم " حكاية سمك القرش " (2004) , الذي سوف يذهلك أنه موجه للأطفال رغم أنه يعتمد في حبكته على فيلم " الأب الروحي " , فهناك عصابة من أسماك القرش تفرض سيطرتها على عالم البحر : الأب القاسي دون لينو ( صوت روبرت دي نيرو , الذي أثار اعتراض الأمريكيين من أصل إيطالي بسبب أدائه لصوت هذا الدور ! ) , وهو الأب ذو القلب المتحجر رئيس عصابة المافيا لكنه يحمل أخلاقيات النزاهة القديمة , وابنه فرانكي التابع المخلص لأبيه ووريثه المأمول لاستمرار عمل العصابة , والإبن الثاني ليني الذي قرر أن يكون نباتيا ( فيما يشبه السرقة عن أحد أفكار "البحث عن نيمو" ) . إن الأب يأمر الإبن المطيع بأن يأخذ الإبن المتمرد إلى عالم البحر الواسع في رحلة يتعلم فيها هذا الأخير كيف يكون سمكة قرش حقيقية , لكن الأقدار تؤدي إلى مصرع فرانكي , وتنسب التهمة خطأ إلى السمكة الصغيرة الذكر أوسكار ( ويل سميث ) الذي يعمل في مغسلة للحيتان , وهكذا يتحول أوسكار – الذي تكبر شهرته كلما كبرت الكذبة – إلى بطل في أعين الأسماك الصغيرة , فيتخلى عن حبيبته الوفية (رينيه زيلويجر) ليخونها مع العشيقة الحسناء ( أنجلينا جولي ) .
في هذا الفيلم يتجسد تماما كيف يمكن لرسائل مغرقة في سلبيتها أن تتسلل إلى أحد أفلام التحريك الروائية الطويلة الموجهة للأطفال , فكيف يمكن لطفل أن يستوعب الصراع النفسي داخل السمكة أوسكار بين الوفاء لحبيبته الطيبة أو نزواته الجنسية مع عشيقته ؟ وكيف لهذا الطفل أن يتوحد مع " بطل " مزعوم زائف ؟ لكن هذا هو مايريده الفيلم وشركة " دريم ووركس " , كما يريد أن يضع المتفرج الطفل في هذا الصراع المقتبس عن " الأب الروحي " , الذي يدور بين " أخلاقيات " المجرمين التقليديين , وأقرانهم الجدد , وعلى الطفل أن يختار بين هذين النوعين من الإجرام , وياله من اختيار !!

الفرسان الثلاثة للسينما المصرية فى المرحلة الكلاسيكية




كانت السنوات بين عامى 1952 و 1970 هى الفترة الى قدمت أهم الأفلام لأهم مخرجى هذه المرحلة الكلاسيكية، ولأن السينما تعكس الواقع (حتى لو لم تكن تعى ذلك) فإن هذا الواقع قد تجلى فى صور عديدة، نستطيع أن نضرب عليها بعض الأمثلة إذا توقفنا عند ثلاثة مخرجين وأعمالهم فى تلك الفترة، هم يوسف شاهين، وصلاح أبو سيف، وتوفيق صالح.

يوسف شاهين ؛ المتمرد

اعتـادت معظـم الكتابـات النقديـة على وصف سينــما يوســف شاهيـن بأنهــا”سيــرة ذاتيــة”، وتلك نصف الحقيقة فقط، أما الجانب الأخر من الحقيقة ( والذي أراه أكثر أهمية حتى في السيرة الذاتية الخالصة ) أن أفلامه كانت”صورة للواقع في مرآة الذات”، ويمكنك أن تقول أن أي عمل فني هو كذلك بالفعل، لكن النتيجة تتفاوت طبقا لتحدب أو تقعر المرآة، أو استوائها إذا ما أراد الفنان أن يكون – بقدر ما يستطيع – موضوعيا محايدا.
وإذا كان يوسف شاهين قد حاول الحديث عن نفسه، فإنه – مثل معظم من صنعوا سيرا ذاتية – لم يكن صادقا كل الصدق، إنه لم يتحدث عن نفسه كما كانت بالفعل بقدر ما تحدث عنها كما يحلم بها أن تكون. إن أردت اقترابا من عالم يوسف شاهين، من خلال الأفلام التي صنعها في المرحلة الكلاسيكية من تاريخ السينما المصرية، فيمكنك أن تلخص في أنه يصور واقعا خانقا ( برغم رحابته الظاهرة )، ويحاول البطل التمرد عليه والخروج منه.
وعندما أراد يوسف شاهين أن يسجل بعضا من سيرته الذاتية في فيلمه”حدوتة مصرية”( 1982 )، تحت اسم”يحيى مراد”، قام بتغيير بعض الحقائق التاريخية، فهو على سبيل المثال يقول أن فيلمه”ابن النيل”( 1951 ) عرض في مهرجان كان عام 1955، وكان الفيلم الذي عـرض هو”صـراع في الـوادي”( 1954 )، كما أن شاهيــن يتجاهــل أفـلام”صـراع في المينــاء”و”ودعت حبك”( 1956 ) و”أنت حبيبي”( 1957 )، ليقفز مباشرة إلى”باب الحديد”( 1958 ). ولم يكـن ذلك محـض مصادفـة بالطبــع، فالفيلمـان :”ابـن النيـل”و”بـاب الحديـد”، يقدمان بطلا واحدا وإن تغيرت ملامحه، حتى أنه يمكنك أن تقول أن”قناوى”ليس إلا”حميدة”بعد أن”نجح”في تحقيق حلمه بالذهاب إلى القاهرة، ونضع فعل النجاح بين قوسين لأنه انتهى إلى مأساة دامية.
إن”حميدة”في”ابن النيل”يعيش في قرية نائية في أقصى الصعيد، إنه لا يرى في الريف أي نوع من الجمال، والحياة فيه ليست إلا يوما مملا طويلا ممتدا بلا نهاية. لذلك يسمع حميدة صفير القطار الذاهب إلى القاهرة كأنه يسمع نــداء غامضـا يدعـــوه – كالنداهة – إلى عالـم سحــري، يتسامى في خياله فوق الحياة العادية. لذلك فإنه يترك القرية هاربا من أسر علاقته بالمرأة التي أحبته، ومن كل القيود التي تشده بأغلالها إلى الواقع اليومي الذي اعتاده الآخرون ورضوا بقبوله أو الإذعان له. يفر حميدة إلى القاهرة ليضيع في زحامها، ويفشل مرة أخرى في أن يحقق ذاته، ويكتشف أنه لا مفر من النكوص.
أما”قناوى”فإنه كسلفه حميدة يهرب من بلدته في الصعيد، ليستقر في”باب الحديد”، في القاهرة، لكنه أيضا لا يجد لأزمته الذاتية حلا في هذا الواقع الجديد، بل تأخذ هذه الأزمة شكلا أكثر حدة، فاغترابه عن الواقع من حوله يزداد عمقا بسبب ساقه العرجاء. ( قام يوسف شاهين فى”حدوتة مصرية”بإلقاء الضوء على هذا الملمح من الشخصية بقوله :”كل واحد فينا أعرج بطريقته”، وكأن الساق العرجاء ليست إلا معادلا موضوعيا للاختلاف عن الآخرين، هذا الاختلاف الذي يرفضه الآخرون ! ). وأرجو أن تتأمل كيف أن قناوى يصنع لنفسه عالما”طوباويا إذ يعلق صور نجمات السينما على جدران كوخه، فالسينما ملجأه وملاذه، وحين يخرج من عالمها ليحاول التفاعل مع الواقـع – مجسدا في”هنومــة”– فإنه يواجـه بالرفـض، مما يدعـوه للانتقـام الدامـي، وحين يساق في أخر الفيلم – في مشهد يذكرني كثيرا بالمشهد الأخير من الفيلـم الامريكـى”سانصــيت بوليفـارد”( 1950 ) – مقتـادا إلـى مستشفــى المجــانيـن، فإنـه يصــرخ :”هاأوريـكــم”، وبالفعل قام يوسـف شاهيـن في أفلامـه التاليـة بتنفيـذ وعـده وانتقامـه، بأن”أورانا”أفلاما تتحدث دائما عن واقع يخنق الذات.
وبقدر إعجاب شاهين بشخصية قناوى، حتى انه قام بتمثيلها بنفسه، فإنه كان يرى أوجه النقص الخطيرة فيها ( وفيه ؟ )، وأرجو أن تلاحظ الحبكة الفرعية ( أو الخلفية بكلمات أدق ) التي تدور عليها قصته قناوى، لقد كان رئيس الحمالين في محطة”باب الحديد”يسعى لإنشاء نقابة، ويخوض صراعات عاتية، لقد كان الواقع يموج بتغيرات هائلة، لكن قناوى ظل لاهيا عنه بصور نجمات السينما وعشقه من طرف واحد تجاه هنومة. وليس غريبا أن تصبح هاتان الحبكتان،الرئيسية والفرعية، هما محور أهم أفلام شاهين – من وجهة نظري –”إسكندرية كمان وكمان”( 1990 )، إذ يبدو يحيى مشغولا بفتاه الذي هجره، وكان يجد فيه صورته الشابة في الفن والحياة، بينما في الخلفية يدور إضراب الفنانين الشهير، مطالبين بنقابة ديموقراطية. وفى هذا الفيلم الأخير صرخت نبقة في يحيى الاسكندرانى :”إنت تعمل عننا روايات وبس، وكلها كدب في كدب، زى المرهم الأسود اللي كنت حاطه على وشك يوم”باب الحديد”، لكن إحنا الزفت بحق وحقيق”!
كأن ذلك اعتراف من يوسف شاهين بأنه لم يكن صادقا مع الواقع الخارجي لأنه كان مهتما بواقعه الداخلي الذاتي، ومن نفس الفيلم أيضا نقتبس اعترافا أخر، انه يقول لامرأة بسيطة أن ( أحسن أفلامي” إسكندرية ليه”، هو اللي أخذ جوايز )، فتهز رأسها في استهانة قائلــة : ( لأ، أحسن أفلامك”الأرض”... ). وبالفعل كان”الأرض”تتويجا للمرحلة الكلاسيكية من تاريخ السينما المصرية، وهو الفيلم الذي ما يزال يحتل القمـة في معظم استفتـاءات النقـاد المصرييـن، لأنه حدوتة إنسانية بسيطة وعميقة في آن واحد، تصور نضالا تاريخيا من خلال شخصيات تكاد أن تتوحد معها في ألامها وأحلامها، لأن هذه الأحلام لم تكن الهروب من الواقع أو التمرد الذاتـي عليـه، وإنما الانطلاق من هذا الواقع لتحقيق واقع أكثر جمالا وعدلا.

صلاح أبو سيف ؛ الحكواتى

كلما جاء ذكر صلاح أبو سيف وردت إلى الذهن على الفور صفة”الواقعية”، بسبب المفهوم الشائع – الذي نراه غير دقيق – عن أبو سيف والواقعية معا، فالواقعية أكثر دقة وحدة من أسلوب أبو سيف، وعالم أبو سيف أكثر اتساعا من أن يقتصر على الواقعية وحدها. لذلك اخترت الملمح الرئيسي عنده كبؤرة لأعماله في المرحلة الكلاسيكية أو المرحلة اللاحقة لها، وهو قدرته الرائعة على السرد السينمائي على نحو يصل إلى المتفرج العادي والمثقف على السواء، وهو من أجل هذا السرد يستعين بالكثير من عناصر الحدوتة الشعبية ليدفع الحبكة إلى الإمام، مثل الاراجوز في”الوحش”( 1954 ) أو شاعر الربابة في”الفتوة”( 1957 )، كما لابد أنك قرأت كثيرا عن "المجاز" عند أبوسيف وتشبيهاته التى ينثرها فى أفلامه ، مثل إعـلان المشـروب الغـازي”كبيـرة ولذيـذة”، وبغل السرجة في”شباب امرأة”( 1956 )، أو مثل قرني الثور المعلقتين على الجدار في”القاهرة 30”( 1966 )، وإن كان هذا التشبيه الأخير قد شاهدته في فيلم تجارى إيطالي حوالي تلك الفترة ذاتها. لكن ما أريد أن أشير له هنا أن أبو سيف لم يكن يتردد عن استخدام التعبيرية – نقيض الواقعيــة – عندما يضطـر إلى ذلك، ففي فيـلم”أنا حـرة”( 1959 ) يصــور”الضمير”في مشهد حلم، إنه يأتـي كظـل غامــض ينبثـق من الخلفيـة ويمتد حتى مقدمـة الكـادر، حتى لو كان تنفيذ المشهد يحاكى مشهــدا من فيـلم هيتشكوك”إني اعتـرف” ( 1953 )، كما أن الموسيقى مأخوذة من الفيلم الامريكى”تأمين مزدوج”( 1944 ). ( قارن أيضا المشاهد التعبيرية للحظات القتل فى "ريا وسكينة"، أو لحظة فقدان نفيسة بكارتها في”بداية ونهاية”).
إن أهمية صلاح أبو سيف من وجهة نظري تنبع من اهتمامه بالتفاصيل الصغيرة و الرقيقة التي أضفت على أفلامه”مظهرا”واقعيا، لكن الأهم هو أنه كان واعيا كل الوعي بضرورة أن يترك أثرا باقيـا و عميقـا على المتلقــي، وهو في سبيـل ذلك يستعيـن بكل التوابــل السينمائيـة الجماهيــريـة، الأغنية والرقصة والخناقة التي تمزج بين العنف والكوميديا، وحتى المشاهد الجنسية الساخنة. وإنني أعتقد أن هناك في هذا المجال تأثيرا جدليا بين نجيب محفوظ و صلاح أبو سيف، اللذين اشتركا معا في صناعة بعض من أهم أفلام تلك الفترة، وعندهما تجد عناصر الميلودراما ( وليس في الميلودراما أي عيب كما يتصور البعض، وليرجع القارئ إلى دراسات الدكتور على الراعي في هذا السياق )، كما تجد المصادفة، والشخصيات النمطية مثل المومس الفاضلة، والشيخ الغامض صاحب الأسرار، والفتوة الذي يتصارع بداخله الخير والشر.
أن تكون”واقعيا”بالمعنى الدقيق للكلمة قد يعنى – في الكثير من الحالات، خاصة في سياق تاريخي غير مستقر – أن تتصادم أحيانا مع الواقع، لذلك تريد أن تكشف عنه لكي يتغير. وعلى العكس كان أبو سيف يسعـى إلى نــوع من”الحـل الوسـط”سواء مع الواقـع أو مع جمهـور السينـما، فلم يكن يفكر مرة واحدة في أي من أفلامه إلا وكان الجمهور في مقدمة حساباته، كما أنه نادرا ما كان يحاول نقض الأفكـار والمفاهيـم السائـدة في عصره. إنه يريـد تطويـرها لا تغييـرها، وإن كانت هناك استثناءات نادرة مثل”بين السماء والأرض”( 1959 )، أو الفيلم المشابهة له في المرحلة اللاحقة”البداية”( 1986 ). ولعل هذا هو السر في أن صلاح أبو سيف كان وما يزال أكثر اقترابا من الجمهور البسيط، على نحو لم يستطع تحقيقه فنانون آخرون لا يقلون عنه موهبة وأصالة، كما أن معظم أفلام أبو سيف لم تكن في جوهرها نقدا للواقع”المعاصر”، بل كانت تميل في الأغلب إلى أن ترفع الشعارات الصريحة التي تعلن عنها السلطة السائدة، ولعل المقارنة بين تفسير رواية نجيب محفوظ “القاهرة الجديدة”وتحويلها إلى فيلم ”القاهرة 30”( 1966 ) يشير إلى ذلك بوضوح. ( هل كان يملك الجرأة الفنية على تحويل زمن الرواية إلى الواقع الراهن ؟! ).
لم يكن غريبا أن يختفى – أو يكاد – انتقاد الواقع الراهن السائد في معظم أفلام أبو سيف، فكانت معظم أفلامه ذات المضمون”الثوري”تدور في أطار الإحالـة إلى”عهـد بائـد”، مثل”الوحـش”و”الفتوة”و”بداية و نهاية”و”القاهرة 30”و”الزوجة الثانية”، وحتى”المواطن المصري”( 1991 ). كما أتت أفلام أخرى له لتشيد بالعمل الوطني والفدائـي في فتـرة سابقـة تجاوزهـا العصـر، مثل”لا وقت للحب”، وأن ترفع أفلام مثل”هذا هو الحب”و”أنا حرة”و”الطريق المسدود”شعارات الدعوة لحرية المرأة في سياق يرحب بهذا الشعار. ( قارن ذلك بفيلم ”وسقطت في بحر العسل”( 1977 )، كان السياق السياسي والاجتماعي والثقافي قد تغير، فبدت المرأة في هذا الفيلم وكأنها قد عادت بإرادتها عشرات السنين إلى عصر الحريم ! ).
لقد كان”الوحش”مرتبطا في عملياته الإجرامية بالإقطاع، كما كان”الفتوة”صنيعة لفساد القصر”الملكي”، و قصة السقوط الاجتماعي في حضيض الفقر في”بداية و نهاية”مرتبطة بمجتمع”ما قبل الثورة”، والانحراف الأخلاقى في”القاهرة 30”ليس إلا نتيجة للحياة الحزبية المهترئة في العهد البائد، والعمدة الظالم في”الزوجة الثانية”ينتمي إلى ماضي الظلم والهـوان... إن مثـل هذه المعالجـات”شبـه الواقعيــة”لا تتيـح للمتلقـي أن يفهـم واقعـه المعاصـر، وبالتالي فإنه لن يسعى إلى تغييره. لكن”اللمسات الواقعية”في التفاصيل الصغيرة تملأ أفلام صلاح أبو سيف : قضبان ديكور الحديد المشغول في قصر المرأة الثرية في”الأسطى حسن”( إنها قد ترمز أيضا إلى حصار البطل الفقير عندما يدخل هذا العالم )، وتلك اللحظات الحميمة في”هذا هو الحب”للأم وهى تتأمل المطر من وراء زجاج النافذة، وذلك الأب الحنون، الموظف متواضع الحال في”الوسادة الخالية”، والمشهد الافتتاحي من”شباب امرأة”لمسيرة أقدام عارية خشنة، وحبل ممتد، وسيقان جاموسة، وأيدي تتداول تبادل الجاموسة والنقود، ويد تحنو على رقبتها كأنها لحظة وداع، لنعرف أن الأم الفلاحة تبيع جاموستها لكي يستطيع ابنها أن يذهب لاستكمال تعليمه في القاهرة.
وجهة نظري الخاصة أن صلاح أبو سيف كان”انتقائيا”، يأخذ من كل مذهب فني ( ومن كل من ساعده طوال حياته الفنية ) أفضل العناصر التي يصهرها في عالمه، وبهذا المعنى فإن صلاح أبو سيف كان”واقعيا”في حياته الفنية أكثر مما كان في فنه... إنه تجسيد لحكمة”ابن البلد”في قدرته على التفاعل مع العالم الذي يعيش فيه، وإيجابيته في التعامل والتكيف مع الواقع، وليس تغييره.

توفيق صالح ؛ خارج السياق، وفى القلب منه!

برغم أن أفلام توفيق صالح”المصرية”( إنتاجا ) لا تتجاوز الخمسة أفلام ( وجميعها تم صنعها في هذه المرحلة الكلاسيكية )، فإنني أعترف أنه من الصعب تلخيص عالمه الفني في هذه المساحة المحدودة، لكنني سوف أحاول. إن شئت نقطة انطلاق إلى هذا العالم فهي أن توفيق صالح من أكثر أبناء جيـله هما و اهتمامـا بالواقع، إنه يحـاول دائمـا الاقتـراب منه إلى أقصى حد ممكــن، وفهمه، والبحث عن إيجابياته وسلبياته، وإثارة الرغبة دائما لتغيير هذا الواقع نحو الأجمل، والأعدل.
حتى وهو يعالج سينمائيا الرواية الأدبية”يوميات نائب في الأرياف”( 1968 ) لتوفيق الحكيم، والتي تدور - بالمصطلحات التقليدية – في”العهد البائد”، فإن توفيق صالح ينهى فيلمــه بأن كلمـات مثل”الشعـب”أو”العدالــة”ما تزال غامضــة. وفى معالجـة أخرى، عـن”المتمردون”( 1968 ) لصلاح حافظ، تبدو مصحة الأمراض الصدرية، المعزولة عن العالم، أشبه بالمعتقل الذي ينفى فيه النظام المختلفين معه وعنه ( حتى لا يصيبوا الآخرين بالعدوى، التي تعنى هنا التمرد على الواقع الراهـن )، كما أن عالـم المصحـة – الذي يبدو في الظاهـر عالمـا دراميـا مغلقـا – هو في حقيقة عالم مصغر ( ميكروكوزم ) للعالم خارجه، أو بالأحرى للنظام الاجتماعي الذي يكرس الفوارق بين الطبقات. وفى”السيــد البلطــي”( 1968 ) يدور الصـراع حول تياريـن : الالتصاق بموروثات الماضي، والانطلاق نحو المستقبل، أو أنه يدور بكلمات أدق حول ضرورة التقدم والتطور. أما في”صراع الأبطال”( 1962 ) فإن نضال طبيب شاب ضد تفشى وباء الكوليـرا في قريــة صغيـرة يكشــف لـه – ولنـا – أنه ليـس نضـالا”طبيـا”، وإنمـا هـو نضــال”سياسي”، من أجل الحصول على حرية الوطن والمواطن، وعلى الحق في حياة كريمة لا تعرف الفقـــر والجهــل والمـرض والظلــم الاجتماعــي. وما دمنا نمضـى مع أفلامــه من أخرهــا إلى أولهـا، فسوف ننتهـي إلـى”درب المهابيل”( 1955 )، وفيه أقسى وأصدق صورة سينمائية لما يمكن للفقر أن يصنعه في نفوس البشر، إنه ينزع عنهم حتى إنسانيتهم ويحولهم إلى وحوش.
أهم ما في المعالجة السينمائية عند توفيق صالح هو وعيه الدائم بشكل التأثير في المتفرج، ليس على طريقة صلاح أبو سيف الذي يميل إلى”تدليل”هذا المتفرج سواء في الشكل أو المضمون، بل يأخذ هذا التأثير عند توفيق صالح شكل الاستفزاز، إنه يدفع المتفرج دائما إلى التساؤل حول ما يراه على الشاشة، وبالتالي التساؤل حول الواقع الذي تطرحه هذه الصورة السينمائية للواقع. وفى كل أفلام توفيق صالح هناك ملامح تتكرر، تبدو شديدة الاقتراب من”الواقعية”بتعريفها الدقيق الذي طرحناه في بداية هذا البحث، حيث الشخصيات تعيش في”سياق”ذي أبعاد متكاملـة، والواقع الفيلمي يشير إلى واقع أكثر امتدادا و عمقا، ويكاد صانع الفيلم أن يختفي ليترك المتفرج أمام الواقع ( الفيلمي و الحقيقي ) وجها لوجه.
إن هذه الملامــح السينمائيــة تتجلــى في العناصــر التاليـة ( قد لا أستطيــع إحصاءها كاملـــة، وليسامحني القارئ، عن إغفال بعضها ) : المكان واضح المعالم تماما، يبذل فيه توفيق صالح جهدا فائقا لكي يصبح كالبلورة التي يتكثف فيها الواقـع بكل أبعاده، والزمـان محـدد تمامـا، تكاد أن تضع له قوسي البداية والنهاية دون عناء، ومع ذلك فإنك ترى ما قبل البداية وما بعد النهاية، لأن هذا الزمان ليس إلا لحظة من زمان أكبر كان وما يزال مستمرا، أما الحدث فهو شديد الكثافة ( إلى حد يشكل إرهاقا على المتفرج في بعض الأحيان )، ولا يترك توفيق صالح سيناريوهات أفلامه دون أن يعالجها بنفسه، لأنه يريد لها أن تتصاعد دائمـا نحو ذروة دراميــة”تتصادم”فيها أطراف الصراع، كأنه يدرك أن هذا الصدام هو الطريق الوحيد لحل تناقضات الواقع.
وأرجو أن تتوقف قليلا عند البطل فى أفلام توفيق صالح، الذي يخطئ بعض النقاد – للأسف – بوصفه أنه ينتمي إلى”الواقعية الاشتراكية”، فالحقيقة أن الأمر على العكس تماما : البطل عند توفيق صالح يريد التغيير ويسعى إليـه، لكنه هو نفسـه يحتوى على صراعـات ذاتيـة داخليـة، إنه يحارب التخلف أحيانا لكنه لا يزال يحمل بعض أثار هذه القيم المتخلفة، وهو يناضل ضد الديكتاتورية لكنه يمارسها عندما تؤول المسئولية إليه، وهو يحارب الأسطورة لكنه ما يزال واقفا في أسرها وسحرها. وهذا الصراع الداخلي هو الذي يجعل الدراما أكثر عمقا، وقل أيضا أكثر واقعية. وليست هناك”نهاية سعيدة”في أفلام توفيق صالح، لأنه ليست هناك حلول توفيقية أو تلفيقية لتناقضات الواقع، ليخرج المتفرج وهو يطرح على نفسه عشرات الأسئلة باحثا لها عن إجابات.
لقد كان توفيق صالح هو الأقرب إلى قلب الواقع، وهو فى نفس الوقت على اليسار منه، لقد كان مع الثورة، لكنه كان يرى سلبياتها أيضا، ويتمنى لو استطاعت أن تتجاوز هذه السلبيات. بكلمات أخرى فإنه كان "يحب" الثورة، ولأنه الأكثر صدقا فى حبها من أعماقه فإن ككل محب عاشق كان قاسيا وقاطعا فى رغبته أن تمضى الثورة نحو مستقبل أكثر جمالا وعدلا .... لكن الثورة ذاتها كانت تمضى نحو منعطف خطر، فمنذ السبعينات وحتى اليوم وهى تعيش انقلابا حقيقيا وكاملا عليها، ولتتأمل حالنا على المستوى الداخلى والخارجى لتدرك أن الزمان دار دورة كاملة، ليعود من جديد إلى النقطة التى اندلعت فيها الثورة!

Friday, August 27, 2010

الحلم بالتغيير الحقيقى يبدأ بالمناضلين ومعرفة معنى النضال




هذا ليس زمن الكتابة، أكرر لنفسى هذا القول منذ سنوات ومع ذلك لا أزال أكتب! لعلها حلاوة الروح مثل انتفاضة الذبيح قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، أو لعله الخوف من الشعور القاتل بالوحدة وسط الزحام، فلا أجد مفرا من أن أهمس بالنداء فربما استأنست برجع صدى همساتى ... لكن المؤكد ياعزيزى القارئ أننى أدرك تماما أن كلماتى لن تغير فى الواقع الكئيب شيئا، لأن هذا ليس زمن الكتابة.
أعرف وأعترف أن هناك العشرات – بل المئات – من أصحاب الأقلام يملأون أعمدة الرأى، التى أصبحت "موضة" فى صحفنا جميعا دون أن تقوم هذه الصحف بمهمتها الحقيقية، ودائما هناك أعلى كل عمود صورة الكاتب مبتسما (لا أدرى لماذا) كما قد ترانى هنا، وتلك "موضة" أخرى تنفرد بها الصحف المصرية، لكن هل تساءلنا حقا إذا ما كانت كل هذه الكتابة تساهم ولو بأقل من القليل في صنع مستقبل أفضل؟ مستقبل أفضل للكاتب وحده؟ ربما، وأستطيع أن أدلك على مناضلين عديدين قفزوا إلى لجنة السياسات وأصبحوا أبواقا لها. لكن لمصلحة الوطن بحق؟ أشك. فى الماضى القريب كان من يكتبون يقرأون لبعضهم البعض دون أمل فى أن تصل كلماتهم للمرسل إليهم الحقيقيين، أما اليوم فقد توقفنا حتى أن نقرأ لبعضنا البعض، لكننا مستمرون فى الكتابة. إثبات موقف؟ يمكن. حلم بالتغيير؟ جائز. انتهاز للفرص ليحمل البعض اسم "كاتب"؟ لا شك. الدخول فى اللعبة لعل "البلية" تلعب ويحدث التغيير المستحيل فيجد الكاتب مكانا جديدا فى الواقع الجديد؟ عشم إبليس فى الجنة. اختلفت الدوافع، وكل من يشترك فى مولد الكتابة له حلمه الخاص، الخاص جدا، وهذا ما يؤكد مرة أخرى أننا لسنا فى زمن الكتابة.
هل تأملنا يوما وجوه الناس، ملايين الناس، المكدودة المتعبة فى كل شرائحها، وتساءلنا إذا ما كان هناك عشرة منهم قد قرأوا ما نكتب، وهل اقتنعوا بهذه الكتابة؟ ربما تجد جانبا من الإجابة فى تعليقات القراء على بعض المواقع الإلكترونية، وسوف تكتشف أن الكتابة الأكثر شهرة هى تلك التى تستغل – عمدا – قضايا ملتهبة لتزيدها التهابا (لقد أصبحت مدرسة هالة سرحان وتلاميذها وتلميذاتها هى الأكثر نجاحا!!)، ويفرح الكاتب بتكاثر عدد التعليقات التى يمسك بها القراء بخناق بعضهم البعض، فى حوار يفتقد إلى أبسط قواعد الموضوعية والفهم، ولن تدرى إن كان الكاتب قد حقق هدفه بهذه الطريقة، كما سوف تفاجأ بالأخطاء الإملائية والنحوية للقراء على نحو فادح فاضح يعكس غياب غياب الحد الأدنى من التعليم - فكيف الحال بالثقافة؟ - وإن أكثر من يسمون أنفسهم كُتَّابا فى الآونة الأخيرة لا يصيبهم الأرق أبدا لأنهم لا يعرفون اللغة العربية بحق، وإن نصبوا من أنفسهم أحيانا خطباء سياسيين فى موالد لجنة السياسات، أو وعاظا دينيين فى زوايا وكتاتيب الجرائد.
ومع ذلك فإن تلك الشريحة من قراء المواقع الإلكترونية ليست إلا نقطة فى بحر، هذا البحر العميق اللاهى عن أمثالنا ممن يلعبون على شاطئ الكتابة، وسوف أحكى لك تجربتى: إننى أذهب لمشاهدة الأفلام بحثا فى الأغلب عن الاستمتاع الفنى، وأحيانا أحب الكتابة عنها، لكننى أنظر حولى فى قاعة العرض وأبحث عن جمهور "حقيقى" فلا أجد، لقد جاءوا هنا للهو، ولاستكمال "فسحتهم" فى "المول"، إنهم يضحكون على ما لا أضحك منه (وربما أكشر أيضا!)، ويثرثرون عندما تكون هناك مشاهد تحتاج إلى تأمل، فهل لهؤلاء أكتب؟ ماذا أكتب؟ ولماذا؟ إننى لم أجد خلال السنوات الأخيرة اتفاقا فى الرأى بينى وبين هذا "الجمهور" ولو لمرة واحدة، وأنا هنا أضع كلمة الجمهور بين قوسين لأننى ما أزال أؤكد أن السينما لدينا ليس لها جمهور، فإذا كانت الإحصائيات (الصادرة بالمناسبة عن مؤسسات رسمية) تشير إلى أن معدل الذهاب إلى دور العرض فى مصر لا يتعدى مرة واحدة كل سبع سنوات (!!)، فهل نظل نتحدث بثقة أن لدينا صناعة سينما، بينما الحقيقة كلها أن لدينا أفلاما مصنوعة بالحد الأدنى من الفن، يطرحونها فى دور العرض لتحصد "الغلة" الأولى، ثم تباع إلى الفضائيات التى تعرضها فى أكثر الظروف سوءا، بشريط الرسائل النصية التى يتبادل فيها المشاهدون والمشاهدات عبارات الغزل، وبعشرات الإعلانات التى "تبهدل" أى بناء درامى، فيزداد ذوق "الجمهور" وعاداته فى المشاهدة سوءا، دون أن يعترض صناع هذه الأفلام على تلك الطريقة فى العرض، وإن كان "المخرج" المنتشر – بذكائه فى الإعلان عن نفسه بكل الوسائل وليس أبدا بأية موهبة يملكها – قد اعترض فقط على حذف إحدى القنوات للمشاهد الجنسية الصريحة من فيلمه.
إننى لا أفكر لحظة واحدة فى ألقى بالمسئولية على الناس، فهم لا يذهبون إلى دور العرض لأنهم لا يكادون أن يكملوا الشهر خبزا حافا، ولا يبقى لديهم ما يكفى لنوع من الترفيه مثل السينما، فى ظل الدروس الخصوصية، وصعوبة الانتقال التى تجعل المرء يحمد ربه على أنه وصل سالما – بالصدفة – إلى منزله ليستلقى أمام التليفزيون، ناهيك عن أن الأغلب الأعم من الناس يمارسون عملين أو ثلاثة فى اليوم الواحد حتى يستطيعوا توفير حد الكفاف لأسرهم. لا يمكن فى ظل هذه الظروف أن أطالب "الجمهور" بأن يرتفع ذوقه، أو يتنوع على أقل تقدير، قكل ما يبقى له من جهد ذهنى لا يكاد أن يكفى إلا أن يحملق كالمخدر فى شاشة التليفزيون، يتفرج على أكثر البرامج سفاهة، وأبشع التمثيليات تفاهة، فهل لهؤلاء أقول أن المسلسل الدرامى "سقوط الخلافة" عمل راقٍ بينما هم يرون فى فجاجة "عايز أتجوز" و"الكبير قوى" فنا رفيعا؟
السينما والتليفزيون – مثلهما مثل كل الفنون الأخرى – هما فى جانب منهما ظاهرة "اجتماعية" (وأقصد بهما أنها تشمل الأبعاد الاقتصاية والسياسية والثقافية والدينية)، ولا يمكن أن أفصلهما عن سياقهما، كما يجب علىّ أن أضع الكتابة الصحفية السائدة عنهما فى سياقهما أيضا، كتابة هى فى معظمها استهلاكية لا تختلف عن آراء هؤلاء المنومين مغناطيسيا أمام الشاشة، وهى بعض الأحيان دعائية إعلانية، صريحة أو خفية، أما القليل جدا منها الذى تنوى أن تكون كتابة جادة فهى لا تحمل العنوان الذى تريد أن تصل إليه، وإذا حملت عنوانا فإنه لا يستدل عليه!
هذا ليس زمن الكتابة، ليس لأن الناس غير مستعدين لأى حوار عقلى ووجدانى حقيقى مع الكاتب، ولكن لأن الناس غير مؤهلين لذلك بسبب ظروفهم، تلك الظروف التى لم يصنعوها لأنفسهم، وإنما مارسها "ضدهم" نظام يعمل منذ أكثر من ثلاثة عقود بنظرية "عوامل التعرية" التى تثلم كل يوم قليلا من وجدانهم وإحساسهم بالحياة والمعنى والهدف، نظام يريدهم ويريدنا قطعانا يسوقونها للحرث والحلب والذبح، ويضع على أعينهم قناعا يمنع عنهم النظر من حولهم ليدركوا أن العالم أكبر من الدائرة الخانقة التى يعيشون فيها، وأن فى هذا العالم إمكانات حقيقية للخروج من الأزمة، أية أزمة، باتباع المنهج العلمى وترتيب الأولويات، لكن المفارقة شديدة المرارة أن الشعب المصرى اليوم، فى ظل ثورة المعلومات الهائلة فى العالم كله، يعيش معزولا عما حوله، راضيا بجهله وربما فخورا به أيضا، ويكتفى بالقول الرائج الذى يروجه النظام بأن "مصر فوق الجميع"، بينما المصريون يعانون فى مجالات الصحة والتعليم والسكن والعمل والثقافة معاناة تجعلهم فى مرتبة أدنى من هؤلاء الجميع!!
لكننى لا أستطيع أيضا أن ألوم النظام وحده على هذه الجريمة، فنحن جميعا شركاء فيها. منذ أيام استمعت بالصدفة إلى صحفى لا تربطنى به إلا روابط الود، علا نجم صديقنا وأصبح فى الأعوام الأخيرة من "نجوم الإعلام" (أرجو أن يدرك القارئ أن مفهوم النجومية والإعلام لدينا له مواصفات متعلقة بالفلوس فقط). استطاع صديقنا الصحفى فى البداية استخدام علاقته الوثيقة بالفنانين والفنانات الذين أصبحوا ضيوفا على برامجه التليفزيونية، ثم انتقل لدور "الإله فوق الآلة" كما فى المسرحيات الإغريقية، يهبط من السماء فى نهاية المسرحية حاملا لواحد من "الغلابة" شقة أو بعضا من المال. قال صديقنا أنه لاحظ فى الآونة الأخيرة "تغيرا" سلبيا فى الشعب المصرى الذى أصبح عدوانيا، والدليل على ذلك كما يقول صاحبنا أنه عندما كان يمنح الفائز فى برنامجه خمسين ألفا من الجنيهات لإجابته على سؤال فى المعلومات "العامة جدا"، فإن "الجماهير" كانت تنقضّ على صاحب النصيب وكل منهم يصرخ: "عايز حقى"، ورأى الصديق أن ذلك يحتاج إلى عالم اجتماع ليفسر هذه الظاهرة.
وأنا أسأله بصدق: ألا تدرك التفسير حقا، أم أنك تتجاهله؟ إنك ياصديقى لست إلا أحد أدوات النظام فى تعرية هذه الجماهير من كل القيم الإيجابية. إنك لا تضيف لهم ببرامج الفنانين ما يجعلهم أقدر على فهم واقعهم والقدرة على تغييره، وأنت ببرامج الشقق والفلوس تزرع بداخلهم قيمة "الحظ"، وأن تحقيق الاحتياجات الأساسية لكل إنسان فى أى نظام ليس مسئولية الدولة والوطن والحكومة لكى يكونوا جديرين بهذه الأسماء، لكن النجاح يصبح مرهونا بفرصة فردية تماما، تعتمد على الصدفة أو التسول، أو كما يحدث الآن على العدوانية وانتزاع "الحق" بالذراع وربما بالسكين أيضا.
صديقى هذا يعرف أنه جزء من النظام، ويعيش عليه ويتعايش معه، ومع ذلك فإنه يعلن أنه ضد هذا النظام أحيانا، وهكذا يفوز بالحسنيين معا، مكاسب النظام وود المعارضة، تلك المعارضة التى تعارض النظام فى الصباح وتلتقى معه فى المساء فى حفلات الزفاف وأعياد الميلاد، كما تشهد صفحات "المجتمع" المستفزة والتى لا تخلو منها جريدة معارضة واحدة، دون أن تفسر لنا لماذا تنعم تلك "الصفوة" بما لذ وطاب بينما عشرات الملايين لا يجدون اللظى. وصديقى ليس وحده، فهو خيط فى نسيج كامل من الذين يطلقون على أنفسهم "الصفوة المثقفة"، الذين يطفون على السطح دائما فى كل الظروف مهما علا الفيضان، يعلنون نقدهم للوضع السائد بينما هم يستفيدون منه فى كل لحظة، وربما هم فى قرارة أنفسهم لا يرغبون فى تغييره حقا حتى لا تبور بضاعتهم، ولكى لا يتحلل هذا "الجيتو" الذين يعيشون فيه، يتبادلون فيه المجاملات، ويوزع أرباع الموهوبين ألقاب النجومية على أنصاف الموهوبين، فى السياسة والفن والأدب، وهى مجالات تشهد انحدارا حقيقيا حتى فى صفوف من يزعم أنه ضد النظام، بل إن بعضهم قد يركب موجة معارضة النظام لكى يستر نقص موهبته. هؤلاء هم "نجوم" عصرنا من بين الموالين للنظام ومعظم المعارضين له، نجومية الذى يستظل بالنعيم ويتحدث عمن يكتوون بالنار وهو يتعامى عن معاناتهم الحقيقية، وكيف له أن يعرف مرارة من لا يجد كساء يستر به جسده بينما "النجم" يظهر على شاشة التليفزيون فى بدلة تلمع تحت الضوء؟ لذلك لا تستغرب أن يتحدث هؤلاء بكلمات غائمة عائمة مثل "التغيير"، تغيير ماذا وإلى ماذا ولماذا (والأهم كيف) فهذا كله لا يهم، لذلك سوف يعتلى جمال مبارك كرسى السلطة ليس لأنه أقوى حقا بأنصاره من سماسرة السياسة ورجال الأعمال، وإنما لضعف الكثيرين ممن يعارضونه.
كنت أحلم منذ سنوات بجمعية وطنية تضم المئات من مثقفينا الحقيقيين فى كل المجالات، جمعية وطنية تقدم رؤية واضحة للوضع السائد وكيفية تغييره، على غرار ورقة الدكتور محمد غنيم التى يمكن أن تكون نقطة بداية ونواة لأجندة مثل هذه الجمعية، لكن "النضال" يدور الآن فى إطار عدد محدود لا أشكك فى صدق نوايا معظمهم، لكنهم بعيدون عن الجماهير، على مستوى العقل والعاطفة والفعل، وهذا "الفعل" النضالى الحقيقى والصادق هو الحل الوحيد فى زمن لم يعد أبدا زمن الكتابة.

Wednesday, August 25, 2010

تأملات ناقد مقهور عن السينما التسجيلية والسياسة والنضال


خلال نشاطات مهرجان الإسماعيلية الدولى العاشر للأفلام التسجيلية والقصيرة، وفى الندوة التى أقيمت حول الفيلم اليابانى التسجيلى الطويل "أيها المارينز عودوا لبلادكم" من إخراج فوجيموتو يوكيشا، تقدم واحد من الرعيل الأول للنقاد السينمائيين المصريين، وأبدى اعتراضه لأن الفيلم ليس "سينما" لابد لها أن تحتوى على تقنيات وجماليات وأبعاد من ذلك النوع الذى يستغلق على الجمهور "العادى" فهمه، حتى تتاح للناقد "الأخصائى" أن يفحص الفيلم ويكتب "الروشتة" التى يجب على المشاهدين إتباعها للفرجة على الفيلم، وأعتقد أن ناقدنا الرائد كان يتحدث عن سينما بعينها فى رأسه، وليست "السينما" بالألف واللام، فإحدى مشكلاتنا المستعصية أن أغلب أساتذتنا قد توقف بهم الزمن عند كتاب قرأوه فى بداية حياتهم هو فى الأغلب الكتاب الوحيد الذى قرأوه أو حتى سمعوا عنه ، وكان هذا الكتاب عن فيرتوف أو إيزنشتين مثلا، وبالكثير جان لوك جودار، ونسوا أن السينما ليست إلا وسيطا فنيا، يمكن – ومن حقه وواجبه – أن يستخدم أدواته لكى يصنع عشرات الأشكال والمضامين، مثلما تستطيع اللغة المكتوبة أن تنتج قصيدة أو ملحمة أو قصة قصيرة أو رواية أو مقالا أو تحقيقا صحفيا أو بحثا أو حنى معادلة رياضية، كذلك فإن السينما تمتد رقعتها إلى مالا يمكن أن نحدده فى شكل فنى معين ذى مواصفات جاهزة.
وإذا كان مصطلح "الفيلم الأنثروبولوجى" على سبيل المثال كان أعجوبة عندما ظهر إلى الوجود خلال الستينات والسبعينات مع مخرجين جاءوا من ميدان علم الاجتماع مثل جان روش، فى فترة كان تحقيق مثل ذلك النوع من "التوثيق والتسجيل" صعبا باستخدام شرائط السليولويد والكاميرات المعقدة ومونتاج الموفيولا، فإن "الفيلم-البحث" أصبح إحدى المنتجات المهمة فى عالم السينما التسجيلية العالمية المعاصرة، ليس فقط بسبب تقنيات الكاميرا الرقمية الخفيفة والمونتاج على أجهزة كومبيوتر منزلية، وإنما لأن ابتكار هذه التقنيات جاء فى نفس الوقت الذى احتشد فيه العالم بعشرات المشكلات الملحة خلال العقد ونصف العقد الأخيرين، بعد توالى كوارث مايسمى "النظام العالمى الجديد" الذى أنتجته السياسة الأمريكية المعاصرة الحمقاء، لكن الأهم من ذلك كله هو ظهور "نوعية" جديدة من السينمائيين، يدركون أهمية السينما كوسيط إعلامى جماهيرى، فدخلوا الساحة وقد عقدوا العزم على كشف مايقوم به الإعلام الرسمى هنا وهناك من التجهيل والتعتيم.
هل كان ظهور هؤلاء السينمائيين الجدد سببا فى زيادة الوعى الاجنماعى والسياسى لدى قطاع مهم من الجماهير التى تحركت لتمارس حركات نضالية حقيقية؟ أم أن ظهور هذا النوع من السينمائيين كان نتيجة وجزءا من تزايد هذا الوعى الاجتماعى؟ قد تكون هناك علاقة جدلية، فكلاهما سبب ونتيجة، كما أن وجود الوسائط الجماهيرية القادرة على تسجيل حركات النضال وتعزيزها ونشرها كان فى حد ذاته باعثا على "وعى جماعى" عالمى بالأخطار المحدقة بنا، وكان هذا الفيلم اليابانى "أيها المارينز عودوا لبلادكم" أحد تجليات هذا النضال، حين يحمل صانع الفيلم كاميرته "ليسجل" حركة نضالية محدودة لبضع عشرات من الناس العاديين ضد الاحتلال الأمريكى لقواعد عسكرية تقع بين اليابان وكوريا الجنوبية، تتخذها لتدريبات عسكرية لقاذفات القنابل التى يؤكد الفيلم أنها سوف تذهب بعد ذلك لكى تقتل شعب العراق ولبنان، حتى ينجحوا بعد سنوات فى تحقيق أهداف نضالهم. وعبر هذه السنوات الطويلة كان السينمائى يسجل الوقائع اليومية لهذا النضال، مثله مثل الآخرين، عليه أن يخوض نفس الأخطار التى قد تهدد حياتهم، وهو لا يعلم إن كان ذلك سوف يتيح له فى نهاية المطاف أن يصنع فيلما، وبعد ذلك نقول أنه لا يصنع سينما؟!
كان "الفيلم-البحث" هو أحد الظواهر المهمة فى مهرجان هذا العام مثل الفيلم الفنلندى الفرنسى السويسرى المشترك "إرهاب أبيض" للمخرج دانييل شفايتسر، الذى ذهب إلى عدة بلدان تمتد من الولايات المتحدة حنى روسيا وعبر عدة بلدان أوروبية، ليسجل ظاهرة تصاعد "النازية الجديدة" التى تنتشر بين الشباب وتتذرع بضلالة الدفاع عن أسطورة "نقاء الجنس الآرى"، فى تناقض كامل مع أبسط مناهج العلم ومبادئ الأخلاق "الإنسانية"، ليدرك المتفرج أن "العولمة" بشكلها الأمريكى الراهن ليست إلا أكذوبة تخفى وراءها النزعة الإمبراطورية الأمريكية، التى تفرخ كل يوم تلك النزعات اليمينية المتطرفة، سواء كفعل مشارك أو رد فعل مناهض لهذه العولمة المزعومة، وبذلك تقسم العالم إلى مايطلقون على أنفسهم "الجنس الأرقى والأنقى" وآخرين لا يصلحون إلا عبيدا!! هناك أيضا الفيلم الأرجنتينى الرائع "أُعدموا فى ميدان فلوريستا" الذى يحكى كيف بدأت انتفاضة شعبية أطاحت برئيس الجمهورية الديكتاتور بعد صدامات مفرطة فى العنف، على إثر قيام أحد رجال الشرطة فى عام 2001 بقتل ثلاثة شبان فى مقتبل حياتهم دون سبب وهم يقضون وقتا طيبا فى مقهى ميدان فلوريستا، ومن هذا الحدث تولد وتنمو حركة سياسية يسجلها الفيلم بصبر بالغ وحساسية إنسانية مرهفة عبر سنوات، مما يجعلك تفكر كثير وتبكى كثيرا وتشعر بالمرارة العميقة.
هل هى المرارة من أن نقادا مصريين آخرين اعترضوا على هذه الأفلام لأنها ليست تسجيلية؟ هل تعرف لماذا هى ليست تسجيلية من وجهة نظرهم؟ لأنهم يقولون أن الفيلم التسجيلى يجب أن يتراوح بين عشر دقائق وعشرين دقيقة – هكذا يمكن تعريف الأنماط الفيلمية بالمتر!! – وجهل هؤلاء السادة أن الفيلم التسجيلى الطويل ،الذى يعرض فى دور العرض الجماهيرية، أصبح أحد الأنماط الفيلمية المهمة، وبالصدفة فإن قاعات العرض الأمريكية – نكرر: الأمريكية – تعرض هذا الأسبوع وحده أربعة أفلام تسجيلية طويلة كلها تتمتع بوعى سياسى ناضج، مثل فيلم "العراق للبيع: حول من أصبحوا أثرياء بفضل الحرب" من إخراج روبرت جرينوالد، الذى يفضح تحالف شركات المقاولات والسمسرة التى يملكها عسكريون سابقون مع قادة البنتاجون لكسب عمليات "البيزنيس" فى العراق، بل إن بعض هذه الشركات الخاصة تزعم أنها متخصصة فى "المحققين والمترجمين" الذين أرسلتهم لسجن "أبو غريب" مما أدى إلى موت المئات من العراقيين الذين لا علاقة لهم بالمقاومة. ومثل فيلم "تعتيم أمريكى" من إخراج إيان إينابا الذى يتهم الإدارة والإعلام الأمريكيين بسرقة نتائج الدورتين الأخيرتين من الانتخابات الرئاسية، أو فيلم "الحقيقة من على أرض الواقع" من إخراج باتريشيا فاولكرو الذى يسجل شهادات قدامى المحاربين الذين يؤكدون على تزييف حقائق التجنيد والتطوع فى الجيش، وتحويل الجندى الأمريكى إلى "أداة للقتل" بلا عقل ولا قلب، كما يحكى الفيلم عن تجارب حقيقية فى التعامل بعنف وحشى مع النساء والأطفال فى العراق، والقبض العشوائى على الأبرياء الذين قيدوا أحدهم من يديه أياما طويلة حتى أصيبت بالغرغرينا وانتهت إلى بترها، وبعد التحقيق اكتشفوا براءة الرجل!!
قلت أن هناك مرارة تغص بها النفس حين نقارن بين أحوالنا وأحوالهم، فنحن فيما يبدو لم يفهم أغلبنا ماذا تعنى السينما التسجيلية وكيف أصبحت متاحة للجميع بأبسط التكاليف والتقنيات لنصنع عشرات أو مئات الأفلام، ولن نحتار طويلا فى اختيار موضوعات الأفلام فنحن نعيش وسط ذلك الطوفان الكاسح من القهر الذى نعانيه وبذلك فإن السينما عندئذ سوف تؤدى جانبا مهما من دورها. كما أننا لم نبذل جهدا فى أن نرسخ من خلال مهرجان السينما التسجيلية هذا المفهوم الذى يمكن أن يكون مجسدا فى بانوراما حقيقية تجمع عشرات الأفلام التسجيلية التجارية خلال العام الذى مضى حتى نفتح الطريق أمام هذا النوع من السينما الذى مازلنا نجهله ونستهجنه لأننا "مثثقفون" توقفوا عن النمو. كما أننا فى النهاية لا نملك ولو حركة سياسية واحدة فكرت أن تجعل السينما أحد وسائطها للتوثيق ونشر الوعى النضالى.
فى "فلوريستا" بالأرجنتين مات ثلاثة شبان على يد شرطى فتغير النظام السياسى، بينما ينتهك عندنا عرض الرجال والنساء على نحو روتينى ثم تمضى بنا الحياة كسابق عهدها ونقول تلك الكلمة المقيتة: "عادى"!! هناك قام السينمائيون والسياسيون من أجل تعميق الوعى الجماعى بعمل مشترك فى وحدة لا تنفصم باعتبار السينما سلاحا للنضال، فهل نعرف نحن حقا معنى النضال؟!
ملحوظة:
هذا المقال أهديه ممتنا للصديق العزيز جدا أحمد غريب رد الله غربته
وتعود كتابة هذا المقال إلى أربع سنوات مرت، وللأسف ما نزال نقف عند نفس النقطة.
والأغرب أن هناك "ناقدا" مصريا كتب مقالا نظريا يؤكد فيه أن السينما التسجيلية فى العالم قد ماتت!!
ترى من الذى مات؟؟؟؟؟