Monday, March 13, 2017

الإعلانات في السينما، والسينما كإعلان



على طريقة "امسك حرامي"، يحلو لبعض النقاد والصحفيين السينمائيين أحيانا تصيد بعض الملاحظات في الأفلام، ويصنعون بعدها من الحبة قبة، ومن هذه الملاحظات ما يرد على لسان ممثل ما كلام عن سلعة محددة، فيسارع البعض باتهام صناع الفيلم بالترويج الإعلاني لهذه السلعة. هل يمكن أن يكون هذا اتهاما بالمعنى الحقيقي للكلمة؟ من المؤكد أن الشخصيات داخل الفيلم سوف تركب سيارة ما، وتستخدم الهاتف، وترتدي ملابس، وترتاد المحلات، وتتناول المشروبات والمأكولات، وتتفرج على التليفزيون، فهي لا تعيش في عالم تجريدي، لذلك كله لا يمكن أن تتصور أنه عالم يخلو من السلع والبضائع التي نستعملها جميعا في حياتنا اليومية.
أعرف وأعترف أن هناك في المنطق السابق قليلا من المغالطة، وأكاد أسمع القارئ يقول: ولماذا سلعة ذات علامة تجارية محددة، وليست علامة أخرى؟ وذلك بلا شك هو بيت القصيد، لماذا مثلا تتوقف الكاميرا في لقطة قريبة من فيلم "تقرير الأقلية" نرى فيها النجم توم كروز يتحدث في هاتف محمول من "ماركة" معينة؟ والغريب أيضا أنه فيلم خيال علمي تدور أحداثه بعد خمسين عاما من الآن!! وإذا أردت مزيدا من أفلام الخيال العلمي التي تتضمن إعلانات فهناك "أنا إنسان آلي" حيث يرتدي ويل سميث نوعا محددا من الأحذية الرياضية الشهيرة، ويقول لك الفيلم أنها تساعده على الجري بسرعة فائقة، كما أن ثلاثية "ماتريكس" تحتشد بمشاهد المطاردات بسيارات ذات علامة تجارية واضحة.
أما الأمثلة من السينما المصرية فهي بدورها عديدة، فمنذ بداياتها كانت أفلامنا "تحشر" الإعلانات حشرا مضحكا، بل كانت هناك عادة في "تيترات" الأفلام لوحة خاصة تقول لك بوضوح: "الأثاث من المحل الفلاني"، ولا مانع أيضا – كما في فيلم "ليلى بنت الريف" أن تذكر لك زوزو شكيب اسم هذا المحل في جملة مقحمة على الحوار، وفي فيلم "سي عمر" يدخل نجيب الريحاني صيدلية تبدو لافتتها واضحة تماما للعيان. أما السينما المصرية المعاصرة فيمكنك أن تدخل في سباق مع نفسك وأنت تشاهد أي فيلم من إخراج طارق العريان، الذي يضرب رقما قياسيا في هذا المجال، سواء في "تيتو" أو "السلم والثعبان". أما أطرف المواقف هنا فهو فيلم أحمد مكي الأخير "سينما علي بابا"، فقد انهالت عليه القضايا المرفوعة ضده من جهات عديدة، لأنه استخدم أسماء بعض الأدوية لتحملها شخصيات ذات سمات عدوانية، أو لأنه ذكر اسم "محل كشري" في سياق يدعو للسخرية!!
الحقيقة أن العلاقة بين السينما والإعلان علاقة وثيقة وقديمة، وهي تتلخص في التمويل، فإذا كان البطل سوف يشعر في مشهد ما بالاضطراب، ويخرج علبة سجائر من جيبه ليدخن إحداها، فلماذا لا يتفق صناع الفيلم مع شركة السجائر على إظهار العلامة التجارية الخاصة بها، مقابل أن تدفع الشركة مبلغا محددا، وإن لم توافق فسوف يذهب المنتج لشركة سجائر أخرى؟ (سوف نتوقف عند هذا المثال لاحقا بتفصيل أكثر). فالسينما في جانب مهم منها عملية تجارية تهدف للربح، والفيلم الذي لا يغطي تكاليفه ويحصد قدرا من الأرباح لن يمكن منتجه من صنع فيلم آخر. ومن هنا تبدأ في صناعات السينما الراسخة تخصصات في التسويق، الذي يستخدم الإعلان داخل الفيلم بطريقتين، يمكن أن نسمي الأولى الإعلان من المنبع، والأخرى الإعلان عند المصب. ومثال شركة السجائر هي النموذج على الطريقة الأولى، أما الثانية فهي الأهم والتي تكاد أن تكون غائبة تماما عن صناعات السينما في بلادنا، وهي خلق "سلع مرتبطة" بالفيلم (وهذه هي الترجمة العربية الدقيقة لوصفها)، وقد لا يصدق القارئ مثلا أن هذه السلع تحقق ربحا أكبر من الفيلم ذاته، فالملابس التي تشبه ما ارتاده أبطال سلسلة "حرب النجوم" تباع في كل المحلات الأمريكية على نطاق مذهل، والنماذج المصغرة من شخصيات أفلام التحريك (مثل وودي أو باز من سلسلة أفلام "قصة لعبة") تستخدم لترويج بعض المأكولات حيث تباع إلى جانبها، وكل أفلام الأكشن الأمريكية تتحول على الفور إلى لعبة فيديو مستقلة، يشعر فيها المستخدم أنه يعيد إخراج الفيلم بطريقته!
ذلك واقع لا يمكن تجنبه في صناعة وتجارة مثل السينما، وإن كان الأخطر هو نوع آخر خفي من الإعلان، ليس عن سلعة بعينها، بل عندما يصبح الفيلم كله هو هذا الإعلان. تأمل مرة أخرى البطل الذي يدخن سيجارة كلما استولى عليه القلق: إن الفيلم – دون أن تشعر – يقول لك أن هذا هو السلوك "الطبيعي"!! أنت هنا أمام "ترويج" طريقة في الحياة، وكل السينما في الحقيقة تقوم بهذا الأمر. في الخمسينيات كانت السينما الأمريكية تقول لك أن النساء نوعان: رقيقة حالمة مثل دوريس داي، وفاتنة عاصفة مثل مارلين مونرو، وعليك أن تختار الأولى كزوجة، لكن لا مانع من الأخرى كنزوة!! وإذا مددت الخط إلى آخره فلن تجد وجودا لفتاة مستقلة وحرة ولها اختياراتها، وترفض أن تكون تابعة للرجل، وكل النماذج التي ظهرت على هذا الشكل كان الفيلم يعاقبها في النهاية على تمردها، وهكذا كانت السينما تروج وتصنع إعلانات خفية عن النموذج التي تريد به تشكيل وعي جماعي واجتماعي بطريقة سابقة التجهيز.
لا شك أن ذلك يتم عمدا في صناعات السينما القوية، كالسينما الأمريكية التي تستعين بخبرات السياسيين وعلماء الاجتماع لصياغة المفاهيم، وإن اضطرت أحيانا أن تأخذ طريقا عكسيا، عندما تروج لمفهوم طارئ وجد انتشارا بين الجماهير، فقد كان جيل الخمسينيات الشاب المتمرد الذي ظهر في أمريكا، ويرفض أن يصدق حقيقة تضحيات الجيل السابق في الحرب العالمية الثانية التي يسمع عنها ولم يشارك فيها، هذا الجيل يجد تجسيدا في صورة مارلون براندو أو جيمس دين، لكن هذا البطل المتمرد في السينما يكتشف أن تصرفه سوف يؤدي به إلى الهلاك، وهكذا "تروج" السينما وتعلن عن ضرورة عودة الابن الضال مرة أخرى إلى القطيع.
في هذا العقد ذاته، يمكنك أن تجد السينما المصرية "تقلد" قرينتها الأمريكية، فثنائية "الملاك – الشيطان" التي تجسد المرأة على الشاشة تراها في صورتي فاتن حمامة وهند رستم، والفتى المتمرد تجدها مثلا في أحمد رمزي ثم حسن يوسف. لكن أكثر صور الإعلانات السياسية خبثا في السينما هي التي تتسلل إليك دون أن تنتبه لها، وليس أكثر وضوحا على ذلك من أفلام جيمس بوند، حيث يصب هذا الفيلم أو ذاك فى لاوعيك صورة محددة عن "الرجولة"، التي تمزج بين العنف البارد والجاذبية الجنسية معا، مع إضفاء ظلال عنصرية تجعلك تكره شعوبا بأكملها، وحسب تاريخ إنتاج كل فيلم سوف تجد "الأشرار" ينتمون إلى قومية بعينها، هم أحيانا الروس، أو اليابانيون، أو الصينيون، وهم مؤخرا العرب والمسلمون!
الإعلان هنا ليس عن سلعة، بل السلعة هي نمط الحياة، وطريقة التفكير، والموقف السياسي، لقد تحول الفيلم كله في هذه الحالة إلى إعلان مدته ساعتان، والأهم أنك تدخل بغرض التسلية وتقضي وقتا لطيفا في قاعة العرض، بينما لا تدرك أنك تتعرض – بالمعنى الحرفي للكلمة – لعملية غسيل مخ، وتخرج بعدها بمفاهيم تم زرعها في عقلك ووجدانك، وتصبح مادة طيعة في أيدي من يقررون لك مصيرك. والحل؟ قدر غير قليل من الوعي ونحن نتفرج على الأفلام، ليس فقط لننتبه إلى السلع الاستهلاكية التي يتم الإعلان عنها هنا وهناك بطريقة صريحة، ولكن الوعي بالرسائل الغامضة والخفية التي تشكل بها الأفلام حياتنا دون أن نشعر، فتلك هي الإعلانات الأهم والأخطر على الإطلاق.

Sunday, February 12, 2017

السينما المصرية بين الأعراض الحادة والأمراض المزمنة



                       
 ينتاب السينمائيون المصريون بين الحين والآخر أعراض قلق جارفة، حين تبدو صناعة السينما وكأنها وصلت إلى ما يبدو أنه طريق مسدودة، بسبب عوامل تختلف من فترة إلى أخرى، فيرتفع صياحهم الصاخب مطالبين "الدولة" بأن تتدخل لحمايتهم ومساعدتهم، وبجرد أن تزول الأزمة، يعودون إلى الشكوى من أن الدولة تتدخل بطريقة تعوق حرية إنتاجهم، ويطلبون منها أن ترفع أيديها عنهم!! حدث هذا عدة مرات، ويحدث الآن، بعدما وصلت صناعة السينما إلى درجة توقف الكثير من الاستوديوهات والعاملين فيها عن العمل، وسوف تنعقد المؤتمرات، وتتوالى الاقتراحات، وربما تحدث انفراجة على نحو ما، لكن ذلك كله سوف ينتهي إلى استمرار الصناعة في مسارها السابق، حتى تطل الأزمة برأسها من جديد.
والسبب؟ هو أن هناك نقاط ضعف جوهرية في بنية السينما المصرية ذاتها، صناعة وفنا، وتلك للأسف هي النقاط التي لا تتم مواجهتها ومعالجتها أيا كانت تكاليف هذا العلاج، لكن أي ثمن سوف يكون ضئيلا أمام منح هذه السينما فرصة حياة متجددة. وسوف يظل التاريخ يذكر كيف أن السينمائيين المصريين عانوا في بداية الستينيات، بسبب بعض الظروف السياسية التي أدت إلى شبه مقاطعة للأفلام المصرية، وعندما لجأوا إلى الدولة، واجتمعوا مع الزعيم جمال عبد الناصر نفسه، قرر القائد تأسيس قطاع عام يرعى أعمالهم إنتاجا وتوزيعا، وكانت تلك من أكثر فترات تاريخ السينما المصري ازدهارا، لكن بمجرد أن تراجعت الأزمة، اعترض هؤلاء السينمائيون أنفسهم وقوفهم على وجود القطاع العام وتدخل الدولة، ليعاودوا صنع أفلام السبعينيات التي كانت من أسوأ فترات هذه الصناعة وأكثرها رداءة!!
ومن هذه التجربة في القطاع العام – التي لم تنجح في خلق بنية صناعية راسخة لأسباب بيروقراطية، ولأنها أديرت من خلال بعض العاملين في القطاع الخاص ذاته – يمكنك أن تتأكد أن معظم السينمائيين المصريين لا يسعون إلى تأسيس صناعة حقيقية، وإنما مجرد خلق فرص للكسب السريع، بأي شروط ممكنة في المدى القصير. وإذا اقتربنا من أزمة السينما المصرية في الآونة الأخيرة، فإن معظم شكاوى صناعها جاءت مركزة على "القرصنة" التي لا تتيح لهم كسب ما يعوضون به تكاليف الإنتاج، أو رداءة دور العرض بما لا يشجع قطاعا كبيرا ومهما من الجمهور للذهاب إلى مشاهدة الأفلام.... لكن لم يتحدث أحد مثلا عن ارتفاع أجور النجوم بشكل مفرط، بحيث تبتلع جزءا كبيرا من ميزانيات الإنتاج، دون أن ينعكس ذلك على جودة الإنتاج ذاته، كما لم يتحدثوا عن "الاحتكار"، الذي يجعل معظم دور العرض مملوكة لموزعي الأفلام أنفسهم، مما يعطيهم سلطة مطلقة على اختيار أفلام وإهمال أفلام أخرى. لم يتحدث صناع السينما عن هاتين النقطتين وغيرهما، لأن مواجهتها بواسطة الدولة سوف تحرم الكبار منهم من مزايا لا يرضون بالتنازل عنها لصالح السينما!
وفي الحقيقة أن تلك النقاط وحدها ليست أيضا سبب الأزمة، فيمكنك أن تتعقب أسبابا أخرى قد تبدو بعيدة، لكنها ذات تأثير كبير. وربما كان أولاها هو تقلص ميزانية الأسرة المصرية التي تخصصها للإنفاق على الترفيه، وهو ما يجعل هذه الأسرة تنتظر حتى عرض الأفلام في التليفزيون. وقد تجد سببا آخر في تدني مستوى الأفلام وظروف عرضها في معظم دور العرض، حتى أن هذه الأخيرة أصبحت تندرج تحت "سينما الترسو" بصرف النظر عن مظهرها، ومرة أخرى سوف تحجم الأسر من الطبقة الوسطى عن الانخراط في هذه الأجواء. وقد ترتب على ذلك أن الأفلام ذاتها باتت تتوجه إلى "جمهور الترسو" فقط، وأصبح من سمات الفيلم المصري وجود مشاهد ثابتة تنتقل من فيلم إلى آخر، مثل نمر الأغاني الصاخبة والأفراح الشعبية، التي تشترك هذه النوعية من الجمهور في الصخب معها خلال العرض!
ولأننا نعشق اختراع العجلة من جديد، فإننا لا نتعلم من تجارب صناعات السينما التي عاشت ظروفا مماثلة وواجهتها، لتصبح من أقوى صناعات السينما في العالم وأكثرها رسوخا. فقد كانت دور العرض الأمريكية في الفترة المبكرة تقتصر على درجة "الترسو"، فيما سمي آنذاك باسم "النيكلوديون" (أي دار العرض التي تدخلها بنيكل واحد)، وتدخلت الدولة بإغلاق هذه الدور واحدة بعد الأخرى، لتقوم الصناعة بتحسين مستوى دور العرض، التي تحولت خلال عقد واحد إلى ما أطلق عليه "قصور السينما الفاخرة"، التي جذبت جماهير الطبقة الوسطى فتدفقت عليها بأعداد هائلة، أعادت الانتعاش للصناعة من جديد.
وفي واحدة من أشهر القضايا الأمريكية، أقامت الدولة ذاتها دعوى قضائية عرفت باسم "قضية باراماونت"، ومضى سير القضية أعواما حتى صدر الحكم فيها في الأربعينيات، وكانت القضية متعلقة بإلزام الشركات التي تنتج الأفلام بعدم امتلاك سلاسل توزيع أو دور عرض، لأن ذلك يمنحها سلطة احتكار تعوق الصناعة ولا تشجعها. فهل يقبل السينمائيون المصريون بمثل هذه الحلول من جانب الدولة: أن تفرض الدولة شروطا معينة لدور العرض وظروف المشاهدة، وأن تنكسر الحلقات الاحتكارية التي تكاد أن تخنق السينما المصرية؟
ذلك جانب مهم من القضية، أن يقبل صناع السينما أنفسهم بتنظيم الصناعة وليس مجرد تسهيل أمورهم، فقد كانت الرؤى قصيرة النظر، التي تسعى للربح السريع وحده، وراء الأزمة دائما. وهذه الرؤى هي التي تجعل البعض يأتون من خارج صناعة السينما ليجربوا حظهم في اغتنام الأرباح، وعندما تتقلص هذه الأرباح يهربون إلى صناعة أو تجارة أخرى، وهو ما يبدو لك واضحا إذا ما تتبعت أسماء العاملين في إنتاج الأفلام المصرية، فنادرا ما تجد شركة تستمر أكثر من عشر سنوات، أو أن تجد لها أسلوبا فنيا تتميز به، ليكون قدر السينما المصرية أن تبدأ دائما المرة بعد الأخرى مع مغامرين جدد، يستحوذون على الإنتاج ودور العرض، لتعاود الأزمة دورتها.
لقد كان السعي إلى الربح السريع وحده وراء تناقص هائل في عدد دور العرض، فأغلق العديد منها أبوابه أو هدم لبناء أنشطة أخرى، بينما كان من المفترض أن تزيد مع تزايد عدد السكان، وأن تنتشر مع اتساع رقعة العمران. كما أنه السبب في ظاهرة "المواسم" السينمائية المحدودة، بدلا من تغطية العام كله بأفلام تناسب ذوق الجمهور مع اختلاف الزمان والمكان، ولعلك تتذكر كيف أن مفهوم "أفلام الصيف" كان مسيطرا على الصناعة تجارة وفنا، وكيف ظهرت ظاهرة أطلق عليها أيامها "المضحكون الجدد"
.
تلك هي بعض مظاهر الأزمة، التي هي في جوهرها انعكاس لمفهوم "السوق" الذي يفهم منه صناع أفلامنا أكثر وجوهه بدائية، متمثلا في الكسب السريع، لكن عندما تأتي إلى ما يجب صنعه إزاء ضبط هذه السوق فسوف يظهرون أنيابهم. هذه هي الأزمة الحقيقية، أننا نأخذ من الأنظمة (في الاقتصاد أو السياسة على السواء) جوانب انتقائية من هنا وهناك، دون أن نأخذ جوهرها أو نتعلم من تجاربها السلبية والإيجابية. وبداية الخروج من هذه الأزمة هو الإجابة عن سؤال بسيط وصعب في آن: لمن نصنع الأفلام؟ ولماذا؟  

Friday, May 20, 2016

قبل الشروق، والغروب، ومنتصف الليل


أفلام ثلاثة عن جوهر الشعر فى الحياة                                                   


من مآسى المناهج الدراسية التى تعلمنا بها السينما، واختفت من العالم كله الآن، لكنها ما تزال تلقى بثقلها علينا، تلك التقسيمات والتعريفات العشوائية لما أسميناه "أنواع السينما" أو تصنيفاتها، وكان من أهم هذه التصنيفات التفريق الحاد بين ما هو روائى وغير روائى، وهذا الأخير تندرج تحته السينما التى عرفناها بالتسجيلية. لكن مع نظريات السينما المختلفة فى العالم كله خلال العقد الأخير، كادت هذه التقسيمات أن تختفى فى تعريفاتها التقليدية، مع التأكيد على عنصر جوهرى فى كل سينما وأى سينما، هو أن لها قدرة على "التسجيل".
إن كل ما تراه على الشاشة يحيلك إلى حقيقة "واقعية" ما، حتى لو بلغت أقصى درجات الخيال، ومن هنا أدرك بعض السينمائيين أنه حتى السينما الروائية تكتسب سمة تسجيلية وواقعية، ونحن جميعا نستخدم شخصيات سينمائية رأيناها على الشاشة كأننا عرفناها حقا فى واقع الحياة. لكن أرجو منذ البداية ألا يختلط الأمر بالنسبة إليك مع المشروعات السينمائية المقصود منها أن تلد حلقات ممتدة، مثل سلسلة "جيمس بوند"، أو أن يتم استثمار نجاح فيلم ما لصنع حلقة تالية، على طريقة "عفريت سمارة"!
إننى أعنى هنا هو أن شخصيات سينمائية يصبح لها وجود واقعى، لذلك فإنها يمكن أن تعاود الظهور بعد سنوات كأنها عاشت تلك السنوات فى الحياة، واكتسبت خبرات جديدة، بما يجعلها تتساءل عن حصاد الماضى وتوقعات المستقبل. لكن ذلك لن يتحقق أيضا إلا إذا كانت هذه الشخصيات السينمائية قد رُسمت برهافة واقعية بالغة، وهذا ما حدث مع "ثلاثية" المخرج الأمريكى ريتشارد لينكليتر، الذى لم يكن فى ذهنه عند بدايتها أن تصبح كذلك، فبعد تسع سنوات من الفيلم الأول سأل نفسه عما يمكن أن يكون قد حدث لشخصيات الفيلم ليصنع فيلما ثانيا، وبعد تسع سنوات أخرى طرح السؤال مرة أخرى ليصنع فيلما ثالثا.
تبدأ الحكاية فى عام 1995، مع فيلم "قبل الشروق": الفتى الأمريكى جيسى (إيثان هوك) والفتاة الفرنسية سيلين (جولى ديلبى) يتقابلان فى قطار خلال رحلة إلى فيينا، التى يتوقفان فيها بشكل عابر، ويمضيان الليلة يتجولان خلالها، قبل أن يفترقا على محطة القطار قبل الشروق، وقد تواعدا على اللقاء فى المكان ذاته بعد ستة شهور، دون أن يتبادلا معلومات أخرى عن كل منهما. لقد كان من الممكن للفيلم أن يكون فيلما رومانسيا آخر يشبه كثيرا من الأفلام، لكن كتابة لينكليتر للسيناريو (بالاشتراك مع الكاتبة كيم كريزان) أضفت حياة حقيقية على الشخصيتين، وتركت المتفرجين يتساءلون عما إذا كان سوف يتحقق هذا اللقاء.
سوف نعرف فى الفيلم الثانى "قبل الغروب"، بعد تسع سنوات، أن اللقاء لم يتحقق بسبب وفاة جدة سيلين المفاجئة، مما منعها من الحضور، وها هما اليوم يلتقيان مرة أخرى فى باريس، وقد أصبح جيسى كاتبا للروايات، وليس أمامه سوى ساعات قليلة قبل عودته إلى أمريكا، لذلك فإن لقاءه مع سيلين، التى عرفت بأخباره من الصحف، لن يستغرق أيضا سوى نهار يوم واحد، يقضيانه هذه المرة متجولين فى أنحاء باريس، ليحكى كل منهما للآخر عما حدث له خلال الأعوام التى انقضت، ثم يفترقان قبل الغروب. أما فى الجزء الثالث "قبل منتصف الليل"، فيأتى أيضا بعد تسع سنوات أخرى وقد تزوجا، وهما يقضيان معا أجازة فى جزيرة يونانية، ليتوقف الفيلم بهما أمام فترة ما بعد الظهيرة من أحد الأيام، حيث يتبادلان مراجعة للماضى، تبدو فيها سيلين وكأنها تشعر أن جيسى قد فتر حبه لها، وتقرر الفراق، لولا أن يبدى لها عاطفة دافئة وصادقة، تجعلهما يتوافقان مرة أخرى قبل أن يحل منتصف اللسل.
فى هذه الأفلام جميعا تكتسب الشخصيتان حياة حقيقية، حتى أن الممثل إيثان هوك والممثلة جولى ديلبى سوف يشتركان فى كتابة سيناريو وحوار الجزأين الثانى والثالث، وتصبح الثلاثية (ولا ندرى إذا ما كان هناك فيلم رابع بعد تسع سنوات قادمة) تسجيلا لمراحل مختلفة من الحياة، من ريعان الشباب حتى تجاوز مرحلة منتصف العمر. لكن الأهم فى هذه الأفلام، بالإضافة إلى هذه السمة التسجيلية فى فيلم روائى، هو أن الحياة لا تكشف عن نفسها من خلال أحداث درامية عنيفة على الطريقة الأمريكية، بل إن الأفلام تكتسب مسحة أوربية تذكرك كثيرا بأفلام الفرنسى إيريك رومير التى تعتمد تماما على الحوار (دون أن يتهمها البعض على طريقة بعض نقادنا بأنها ليست سينما "خالصة")، كما تذكرك أيضا بأفلام فرنسى آخر هو فرانسوا تروفو، الذى صنع سلسلة من الأفلام تكاد أن تشكل سيرة ذاتية له، مع الممثل جان بيير لو، منذ مراهقته حتى تجاوزه مرحلة الشباب.
أخيرا، ومن المفارقات الساخرة المريرة، أن الفيلم الثانى "قبل الغروب" لم يتكلف سوى مليونين من الدولارات، أى أقل كثيرا من أفلام عادل إمام أو محمد سعد أو من شئت من "نجومنا" (أضع الكلمة بين قوسين لتحفظى عليها)، ناهيك عن أن الأفلام الثلاثة تم تصويرها فى مشاهد خارجية، وبتتابع كتابتها فى السيناريو حتى يمسك الممثل بالشخصية، ومن خلال اللقطات الطويلة زمنيا (زاد بعضها عن عشر دقائق)، مما يعنى تمكنا هائلا من الممثلين لتفاصيل الشخصيتين، وقدرتهما على الارتجال "داخل الشخصية"، وقدرة المخرج أيضا على اقتناص لحظة الارتجال.
ربما تنبعث حالة من الشجن بسبب تلك الهوة التى لا يمكن تخيل فداحتها، بين إدراك هذه الإمكانية الحقيقية للسينما، وبين ما نفعله نحن بها، لأننا ما زلنا نتعامل معها كأنها أشبه بصندوق الدنيا، أو عروض الأراجوز.