Monday, April 25, 2016

سينما الكوميديا السوداء


ضحكات ممتزجة بالدموع                                           


على الخط الفاصل بين التراجيديا والكوميديا، أو بين المأساة والملهاة، يقع نوع من الفن يجمع بينهما، وهو "الكوميديا السوداء"، التي وجدت تجليات عديدة في الوسائط الفنية المختلفة، من الأدب إلى المسرح إلى السينما، وهو نوع فني يحتاج إلى قدر كبير من الرهافة، وإلا تحول إلى نوع من التهريج السقيم، أو السخرية المجانية من كل شيء.
في الكوميديا التقليدية نرى مسحة من السخرية من الشخصيات، على نحو ما نرى مثلا في شخصيات "البخيل" أو "محدث النعمة" أو "المريض بالوهم"، لكن مصائرهم تنتهي دائما في الكوميديا إلى تنوير الشخصية، وتخلصها من صفاتها السلبية، لتعيش بعد ذلك "في التبات والنبات". لا تعرف الكوميديا السوداء مثل هذه النهايات السعيدة، بل إنها تنتهي إلى نهاية قاتمة، لأنها في جذورها تعكس رؤية متشائمة حول المصير الإنساني، أو بكلمات أخرى "مفيش فايدة"!!
لذلك تتسم الضحكات في الكوميديا السوداء بقدر هائل من المرارة، واليأس من إصلاح الأخطاء، وربما أيضا انتصار الشر على الخير. وهي بهذه المرارة قد تطيح بكل الأصنام التقليدية التي يخشى الفن عادة من الاقتراب منها، وتتناول موضوعات لا يمكن اعتبارها "مسلية" أو "مضحكة" بأي حال، مثل الموت، أو القتل، أو الاكتئاب، أو الخوف، أو الهزيمة. وقد يصل بها الحد إلى أن تقف على حافة ما يسمى "الكوميديا المقرفة" أو المثيرة للغثيان، التي تخصص فيها مثلا الأخوان بوبي وبيتر فارلي، وتزعم أنها تثير الضحك من خلال اللغة السوقية، والحديث عن السوائل البشرية، كما في فيلم "هناك شيء حول ماري" من بطولة كاميرون دياز.
لكن النزعة العبثية في الكوميديا السوداء الراقية لا تلجأ إلى مثل هذه الضحكات الرخيصة، بل إنها تسعى بما فيها من قتامة وعبثية إلى إثارة ذهن المتفرج، بما يدفعه إلى طرح الأسئلة حول كل ما اعتبره أمرا مفروغا منه في حياته، وهي تخلط بين الأماكن والأزمنة، بما يعطيها أيضا صبغة سيريالية، تشعر معها أحيانا كأنك في حلم، وفي أحيان أخرى كأنك في كابوس. ولعل أشهر من تخصصوا في هذا النوع من الكوميديا فرقة "مونتي بايثون" (ومعناها "الثعبان الأقرع")، الذين عملوا في كل المجالات مثل المسرح والتليفزيون والسينما، وحتى الكتب أيضا، وتميزت الكوميديا االسوداء عندهم بتخطي كل الحواجز، والسخرية من الذات أحيانا، وأشهر أفلامهم في هذا المجال كان "حياة برايان".
وليس غريبا أن يأتي بعض ممثلي هذا النوع من الكوميديا من عالم "الاستانداب كوميدي"، حيث يقف المؤدي ساعات طويلة أمام جمهور متنوع، ليثير الضحك من أنفسهم. وفي هذا المجال يبرز الممثل والمؤلف الزنجي ريتشارد برايور، الذي شارك ميل بروكس في كتابة فيلم "السروج الملتهبة"، الساخر من أفلام الويسترن وبطولة "الشجيع" الأسطورية الزائفة، لكن أهم أعماله في الفن والحياة معا كان الانتقاد المرير للعنصرية الأمريكية ضد الزنوج، وللتناقضات الاجتماعية الظالمة، ولم يكن يتورع عن استخدام الألفاظ السوقية أحيانا.
بقدر أكبر من الرهافة، تميل معظم أفلام الأخوين كوين إلى الكوميديا السوداء، في محاكاتها الساخرة لأنماط فيلمية تقليدية، فهما في "تربية أريزونا" يحكيان قصة زوجين لصين يحاولان سرقة طفل من رجل ثري رُزق عددا كبيرا من التوائم، وفي "فارجو" قصة بوليسية تدور في أقصى الشمال الأمريكي وسط الثلوج، لكنهما يجعلان الشرطي هنا زوجة حاملا في شهورها الأخيرة. ولعل أرقى الأمثلة على الكوميديا السوداء هو فيلم المخرج ستانلي كوبريك "دكتور سترينجلاف، أو كيف توقفت عن القلق وأحببت القنبلة"، ويصور فيه مخاوف الجانبين الأمريكي والسوفييتي من اندلاع حرب نووية بينهما، لكن عالما مجنونا (بيتر سيلرز) يريد تجريب نظام الدفاع النووي، بينما يوجد أيضا جنرال أمريكي يعاني عجزا جنسيا، ويجد النشوة في ركوب قنبلة والانطلاق بها، بما يعني أن الحرب قد وقعت بالفعل.
من بين العديد من الأفلام الأخرى نذكر مثلا فيلم شارلي شابلن "مسيو فيردو" الذي يخلق الكوميديا من قصة حياة سفاح، أو فيلم هيتشكوك "المشكلة مع هاري"، حيث جثة ترفض أن تُدفن، كذلك الفيلم الذي قدم محاكاة لفيلمه القاتم "غريبان في قطار"، هذه المرة باسم "إرمِ ماما من القطار"، وكان من إخراج داني دي فيتو. تلك الكوميديا القاتمة من الصعب أن توجد في السينما المصرية، لأن الجمهور المصري والعربي لا يعرف سوى الكوميديا الصريحة والميلودراما الفاقعة، لكن توجد بعض الاستثناءات التي برزت في السنوات الأخيرة.
يأتي على رأسها رأفت الميهي، الذي تتردد في أفلامه عبارات يائسة مثل "في مجتمع غير علمي مش ممكن تلاقي حل علمي"، أو "ما حدش فاهم حاجة خالص"، ولعل اللقطة الأخيرة من فيلم "سمك لبن تمرهندي" تلخص هذه الرؤية، لرجل يحمل على كتفيه رأس حمار!! وفي هذا الفيلم حبكة عن شرطي دولي يدعى "ملاك" (يوسف داود)، ويطارد البطلين (محمود عبد العزيز ومعالي زايد) بحجة أنهما متمردان، ويصمم على إجرائهما عملية لغسل الدماغ، وفي المستشفى نشاهد كيف يأكل الأطباء أجساد المرضى بعد شيها!! وفي "الأفوكاتو" محامٍ يدعى حسن سبانخ (عادل إمام)، يكتشف أنه يجب عليه أن يصبح "فهلويا" لكي يستطيع تحقيق نجاحه، فيسعى للدخول إلى السجن حيث يجري صفقاته التي تتلاعب بالقانون.
كما أن أفلام كاتب السيناريو ماهر عواد تتسم بهذه المسحة القاتمة، فهو في "الدرجة الثالثة" يقدم اثنين من مشجعي الدرجة الثالثة (أحمد زكي وسعاد حسني) يطالبان بحق جمهور هذه الدرجة في الكأس التي فاز بها فريقهم، لأنه الجمهور الحقيقي الذي يتحمل الصعاب، ويخرج دائما خاوي الوفاض. لكن أفلامه الأخيرة تبلغ درجة من السخرية تكاد أن تطيح بكل شيء، أو بالمعنى ذاته، فهو في "يا مهلبية يا" يسخر من "كل" النضال الوطني باعتباره "لعب عيال"، كما يجعل مركز المقاومة ناديا ليلا تملكه البطلة الراقصة (ليلى علوي)، حيث تصبح "فلسطين هي النادي الليلي المجاور"!!
إن هذا يؤكد مرة أخرى على ضرورة التناول المرهف للكوميديا السوداء، فقد تنتقل فجأة إلى اللا معنى، والتشكيك في كل شيء بما يجعل الوجود الإنساني ذاته أمرا مشكوكا فيه. إن هذا الخط المرهف الذي وقع من فوقه ماهر عواد هو نفسه الذي ارتبك عليه كاتب السيناريو والمخرج محمد أمين، فهو في فيلم "فيلم ثقافي" يقدم قصة طريفة لثلاثة شبان يبحثون عن مكان يشاهدون فيه فيلما فضائحيا، لكنه يستخدم هذه الحبكة لكي يطوف بكل طبقات وشرائح المجتمع، لكي يؤكد في النهاية على أن الحرمان الذي يعاني منه الشباب يعود إلى أسباب اجتماعية. إنه على النقيض في "ليلة سقوط بغداد" يعزو الغزو الأمريكي للعراق إلى حرمان الشعب العربي من حرية الجنس وتعاطي المخدرات (!!)، ليصبح الفيلم كله سلسلة من "الإفيهات" السوقية التي تخلو تماما من أي بعد سياسي حقيقي، قد يلقي ضوءا على الواقع المرير.
أخيرا هناك مخرج ننساه كثيرا، برغم إسهاماته بالغة الأهمية في عالم تمصير الكوميديا ذات الطابع الشعبي، والسابقة لزمانها، وهو عباس كامل الذي كان يسخر من السينما المصرية ذاتها في أفلامه. وهو في فيلمه الأخير "كان وكان وكان" يكاد أن يقدم مرثية لنفسه. يحكي الفيلم عن بطل (فؤاد المهندس)، أديب وفنان مغمور، يضطر إلى أن يبيع مؤلفاته لأسماء كبيرة مقابل مبالغ زهيدة، وبينما يرتفع نجمهم في سماء الأدب والفن يظل هو مجهولا، حتى يأتي يوم يتصور الجميع أنه قد مات غرقا، فيقيمون له حفلات التأبين، التي يفرح بها ويريد الإعلان عن أنه ما يزال حيا، لكنهم ينصحونه بالبقاء في عداد الموتى، لكي يضمن الشهرة التي لم يحصل عليها قط في حياته!!
 ضحكة مبللة بالدموع، هذه هي الكوميديا السوداء الراقية، التي لا تنجح كثيرا لدى جمهورنا العربي، ربما كما قلنا لأنه يفضل الكوميديا الصريحة، وربما لأن حياتنا الحقيقية ذاتها ملأى بالضحكات المبللة بالدموع!
 

Sunday, April 24, 2016

المجرم بطلا مأساويا



من الأنماط الفيلمية الشهيرة ذلك النمط الذي يثير كثيرا من التساؤل، وهو أفلام رجال العصابات، التي يقوم ببطولتها نجوم مشهورون، يُفترض أن يتوحد معهم المتفرج، أو يتعاطف معهم على الأقل، ليثور السؤال: هل من الممكن أن يكون المجرم بطلا مأساويا؟
لعل الإجابة تكمن في تأمل الفترات التي تتزايد فيها الأفلام من هذا النمط، وربما كانت البداية الحقيقية والواضحة – بعد عدة محاولات قليلة متناثرة – هي نهاية العشرينيات وبداية الثلاثينيات من القرن العشرين في السينما الأمريكية. لقد كانت تلك هي حقبة ما عرف باسم "الكساد الكبير"، عقب انهيار مدمر في سوق الأوراق المالية، أُغلقت المصانع والمتاجر على أثره، وباتت البطالة شبحا يهدد الجميع. وكان أمام هوليوود حل من اثنين: إما أن تقدم أفلام تسلية هروبية، تحتشد بالرقصات المبهرة والغناء، أو أن تصنع أفلاما عن عالم المجرمين، الذين ولدتهم الظروف الاقتصادية الصعبة، وعملوا في تجارة المخدرات وتهريب الخمور.
وهكذا ظهرت أفلام مثل "القيصر الصغير" من بطولة إدوارد جي روبينسون، و"عدو الشعب" من بطولة جيمس كاجني، و"الوجه ذو الندبة" من بطولة بول موني (وهو الفيلم الذي أعيد صنعه في الثمانينيات من بطولة آل باتشينو). وأصبح هؤلاء الممثلون نجوما يتمتعون بشعبية جارفة، إذ أنهم يجسدون رد فعل متمردا على السياسات الحكومية العاجزة، عندما استفادوا من هشاشة النظام الاقتصادي والاجتماعي. ولأن هذه الأفلام كانت تصور رحلة صعود "البطل" من الفقر والهامشية إلى الثراء والشهرة، فقد خلقت موجة من الرفض من جانب مؤسسات دينية وأخلاقية، لكن هوليوود – بخبثها المعهود – وجدت الحل: أن يموت هذا البطل في النهاية، كعلامة على انتصار الخير على الشر، ولكن بعد أن يكون المتفرج قد شاركه طوال ساعتين المتعة في ارتكاب جرائمه!!
وفي الأربعينيات ازدهر نمط يسمى "الفيلم نوار"، يدور في أجواء كئيبة قاتمة، عن بطل مناقض هذه المرة، إذ أنه يمثل القانون الذي يحارب الجريمة، لكنه يجد الفساد والشر قد استشريا إلى درجة الطوفان، إشارة لحالة من التشاؤم، لكنها كانت إشارة غير مباشرة، لذلك لم تثر احتجاجات كموجة الأفلام السابقة، لكن ازدهرت معها شهرة نجوم جدد، عُرفوا بشخصية المخبر الخاص الذي يحقق في جريمة، وكان على رأسهم آنذاك همفري بوجارت، غير أن هذا البطل يقع في براثن امرأة فاتنة قاتلة، تكون في العادة سببا في نهايته المأساوية، وجسدت هذه الشخصية نجمات مثل لورين باكال وريتا هيوارث وباربرا ستانويك.
بين الستينيات والسبعينيات عادت موجة جديدة من أفلام الجريمة، مثل "الحي الصيني" الذي كان نموذجا للفيلم نوار الجديد، وكان من بطولة جاك نيكولسون وفاي دوناواي، لكن الفيلم الذي دشن مرة أخرة صورة المجرم كبطل كان "بوني وكلايد" من بطولة وارين بيتي وفاي دوناواي أيضا، ففي نهاية هذا الفيلم مشهد بالغ الإبهار، حين يموت البطلان وسط الرصاص في تصوير بالحركة البطيئة، فكأنهما يرقصان رقصة الموت الأخيرة. واعتبر النقاد هذا الفيلم إشارة لثقافة جديدة بين الشباب، تدعو للتمرد على المؤسسات القائمة، العاجزة عن تقديم حلول حقيقية.
عادت أفلام الجريمة بين الحين والآخر، وكان أشهرها سلسلة أفلام "الأب الروحي"، الذي يصور قصة صعود المافيا في أمريكا. ولعل الجزء الثاني هو أكثرها تأثيرا وتعقيدا، أذ يحكي في مونتاج متوازٍ طوال الفيلم عن الأب (روبرت دي نيرو)، والابن (آل باتشينو)، وكل منهما يمثل رحلة صعود وهبوط في عالم الجريمة. بينما يأتي فيلم مثل "الطريق إلى الهلاك" في بداية القرن الحادي والعشرين، عن أب مجرم (توم هانكس)، يقرر التوبة والهروب بابنه من هذا العالم الشرير، لكنه يعيش رحلة مريرة قاسية، لأن الأشرار لا يريدونه أن يكون شاهدا عليهم.
أنت مع هذه الأفلام أمام عدة مفارقات، أن تصور بطلا شريرا يتعاطف معه المتفرج، وأن تجعل لشره جذورا في سياق اجتماعي ظالم، وأن تعاقبه في نهاية الفيلم بالموت. وربما كانت هذه العناصر موجودة في أفلام رجال العصابات التي صنعتها السينما المصرية، لكنك سوف تكتشف أن هذه السينما لم تستطع أن تتخلص من الحبكة بالغة الميلودرامية، والتي تبتعد عن الخط الرئيسي لتدخل منعطفات لا علاقة لها بالفكرة الرئيسية.
وكان أول هذه الأفلام هو "عدو المجتمع" (1947) لابراهيم عمارة، والذي يحكي عن البطل (عباس فارس) الذي تحول إلى عالم الجريمة تحت ضغط الحاجة، ويدخل السجن ليخرج منه تائبا باحثا عن زوجته وابنه، وعندما يكون على وشك العثور عليهما تقتله العصابة انتقاما منه. لكن هذه الحبكة تكتسي بظلال أفلام الرعب التي تثير السخرية أكثر مما تثير من الخوف، في فيلم عز الدين ذو الفقار "أجازة في جهنم" (1949)، إذ يوهم البطل المجرم التائب بقية أفراد العصابة أنهم انتقلوا إلى الآخرة!!
وجاءت ذروة هذا النمط من الأفلام في السينما المصرية مع الخمسينيات، التي يمكن اعتبار نموذجها الأهم هو فيلم نيازي مصطفى "حميدو" (1953)، عن البطل (فريد شوقي) الصياد الفقير، الذي تغريه ثروة الاتجار في المخدرات، حتى أنها تنزع عنه إنسانيته، ويُغرق حبيبته (هدى سلطان) في البحر، خوفا من أن تفشي سره، قبل أن ينتهي صريعا على يد الشرطة. أتت بعد ذلك أفلام مثل "ريا وسكينة" (1953) لصلاح أبو سيف، و"الوحش" (1954) لأبو سيف أيضا، وفيهما كليهما يلعب أنور وجدي دور ضابط الشرطة، الذي يواجه العصابات والمجرمين، ولعل تلك كانت أول مرة لبطولة ممثلات في أدوار المجرمات (زوزو حمدي الحكيم ونجمة ابراهيم في الفيلم الأول)، كما كان الفيلم الثاني تدشينا لصورة محمود المليجي كما عرفتها السينما المصرية آنذاك، في دور الرجل الأكثر شرا، والذي سوف يواجهه البطل الأقل شرا فريد شوقي في العديد من الأفلام، مثل "سواق نص الليل" (1958) و"سوق السلاح" (1960).
لقد بدت السينما المصرية في تلك الفترة كأنها تبحث عن معادل مصري لأفلام الجريمة والويسترن (الكاوبوي) معا، خاصة في اللقاء الأخير بين البطل وخصمه، أو في وجود امرأة (في الأغلب كانت هدى سلطان) حائرة بين الرجلين، لكنها تتمنى لو هربت من عالم الشر. كما أن السينما المصرية عرفت توليفة جديدة، مجسدة في بطولة المعلمة زوجة زعيم العصابة (كانت في الأغلب أيضا تحية كاريوكا)، التي تقع في فيلم حسن الصيفي "سمارة" (1956) في حب ضابط المباحث (محسن سرحان) الذي نجح متنكرا في التسلل إلى العصابة، فتبدو أنها تبحث عن طريق للخروج من ظلمات الشر إلى نور الخير، لولا أنها تلقى مصرعها في النهاية. ومن الغريب أن تقدم السينما المصرية محاكاة شبه هزلية للفيلم في فيلم "عفريت سمارة" (1959)، إذ يصبح شبحها بعد موتها رفيقا لضابط المباحث، في سعيه للإيقاع بالعصابة، تماما كما تحول فيلم "ريا وسكينة" إلى "اسماعيل ياسين يقابل ريا وسكينة" (1955)!!
كانت المحاولات المتناثرة للسينما المصرية في العقود التالية تقليدا لأفلام التشويق في هوليوود، لعل من أهمها كان "الرجل الثاني" (1959) لعز الدين ذو الفقار، فهو فيلم جيد من الناحية الحرفية، ويحتشد بالنجوم، لكنه يخلو من أي بعد اجتماعي، بل يعمد مرة أخرى إلى خلق علاقة غرامية بين رجل المباحث المتنكر (صلاح ذو الفقار)، والمرأة الفاتنة (صباح)، ويزيد هذه العلاقة اشتعالا أنه متنكر في هيئة شقيقها. كما قام المخرج طارق العريان بتمصير فيلم "الوجه ذو الندبة" في فيلمه "الإمبراطور" (1990) من بطولة أحمد زكي، الذي لم يصدقه الجمهور، لأنه كان فيلما مستوردا في كل تفاصيله.
وإنك لو تأملت أفلام رجال العصابات المعاصرة فسوف تجد عجبا، والغريب أن معظمها من بطولة أحمد السقا، فمرة أخرى يتم استيراد حبكة أمريكية عن سلسلة من الانقلابات الدرامية بين عصابتين في "حرب أطاليا" (2005)، أو يجعل المجرم من نفسه بديلا للقانون في "الجزيرة" (2007)، أو يتحول البطل إلى بلطجي بالمعنى الكامل للكلمة في "ابراهيم الابيض" (2009)، متذرعا بحجة الانتقام لأبيه بالتسلل إلى عالم العصابة التي قتلته،
وهي حبكة ترددت كثيرا في أعمال نجيب محفوظ، مثل "الحرافيش". لكن الفيلم الذي لا يمكن أن ينسى بحق فهو المأخوذ أيضا عن رواية لنجيب محفوظ، وهو فيلم كمال الشيخ "اللص والكلاب" (1962)، الذي كان دراسة بالغة الجدية في العالم النفسي لشخص بريء (شكري سرحان)، تحول إلى الجريمة بإغراء كلمات الصحفي المثقف (كمال الشناوي)، وعانى من خيانة زوجته وصديقه، ليصبح أصدقاء الماضي كلابا تنبح عليه وهم الذين شاركوا في صنعه، وربما كانت تلك هي المرة الوحيدة التي كان فيها المجرم بطلا مأساويا بحق في السينما المصرية.                                          

Friday, March 18, 2016

فيلم "الأمير الصغير"... الرحلة الدائمة للبحث عن الطفولة

لعلك سوف تسأل نفسك بعد أن تشاهد فيلم التحريك "الأمير الصغير" The Little Prince، هل هو فيلم موجه للأطفال حقا؟ فالفيلم يكاد أن يخلو من الألاعيب السينمائية التي تشد انتباه الأطفال في هذه النوعية من الأفلام، مثل مشاهد المطاردات التي تشبه ركوب أرجوحة مدينة الملاهي، أو النكات السطحية التي لا تتطلب التفكير كثيرا، بل هو على العكس من ذلك كله، فيلم متأمل ذو إيقاع متمهل، يحتشد بالكثير من الفلسفة الصافية، لذلك كله أنصحك أن تصحب طفلك وهو يشاهد الفيلم، لتشرح له تلك الأبعاد التي هي من المؤكد أبعد من إدراكه.
ليس هذا عيبا في الفيلم، لكن سببه الوحيد أنه فيلم تحريك فرنسي، يختلف تماما عما اعتدناه مع أفلام الأسلوب الأمريكي. كما أنه يعتمد على قصتين في وقت واحد، يغزلهما معا طوال الوقت، مما قد يثير بعض الغموض لدى المتفرج. ولعل من المهم في البداية أن نشير إلى أن "الأمير الصغير" رواية قصيرة كتبها الأديب والطيار الفرنسي المغامر أنطوان دي سانكسبيري، ويعتبرها الفرنسيون أفضل عمل أدبي لديهم طوال القرن العشرين، وترجمت إلى لغات عديدة، وحققت أرقام مبيعات قياسية، ومع ذلك كله فليس الفيلم نسخة سينمائية من الرواية، بل هو عمل يستخدم الرواية كرواية باعتبارها أحد خيطين سرديين، يكون فيهما الخط الرئيسي هو قصة يفترض أنها الواقع، لذلك استخدم الفيلم أسلوبين مختلفين في التحريك: محاكاة الواقع في القصة الأشمل، والتحريك كادرا وراء كادر للقصة الداخلية لما يبدو أنها عرائس مصنوعة من الورق.
في تجربة واقعية خلال الثلاثينيات كان الطيار دي سانكسبيري – في محاولة منه لتحقيق رقم قياسي في سرعة الطيران - قد تعرض للسقوط بطائرته في الصحراء الكبرى فى أفريقيا، ليضل فيها الطريق أياما حتى أنقذه أحد البدو من الموت، لكن التجربة المريرة جعلته يعيد النظر في الكثير من أساسيات الحياة. وبعدها بسنوات، خلال بداية الأربعينيات، ومع سقوط فرنسا في أيدي النازيين، اختار دي ساكسبيري منفى اختياريا في أمريكا الشمالية، حيث كتب هذه الرواية القصيرة، وزودها برسوم ملونة بسيطة، لكن الرواية كانت في الحقيقة تأملا منه للحياة، والكون. ويمكنك أن تلخص الرواية في كلمات بسيطة: طيار هائم على وجهه، يقابل فتى صغيرا في الصحراء يقول أنه أتى من كوكب آخر، ليتعلم الرجل على يد الطفل الكثير من دروس الحياة.
كان من الصعب تماما تحويل هذه الرواية إلى فيلم، لذلك فليس لها – رغم شهرتها الفائقة – إلا نسخة سينمائية واحدة بالتمثيل الحي وليس بالتحريك، تعود إلى عام 1974، لم تترك أثرا كبيرا في تاريخ السينما، ذلك لأن الرواية خالية من الأحداث، مليئة بالأفكار المجردة. ومن هنا بدأ كاتبا السيناريو إيرينا برينيول وبوب بيريشيتي، والمخرج مارك أوزبورن، فكرة أن يدور فيلم التحريك ليس عن الرواية ذاتها، بل عن الأثر الذي يمكن أن تتركه في الأطفال.
لذلك يتشابك الواقع مع الخيال في الفيلم، فقصته الرئيسية عن طفلة، هي مثل كل الشخصيات هنا بلا اسم محدد (تقوم بصوت الشخصية ماكيني فوي، في النسخة الناطقة بالإنجليزية المعروضة لدينا)، تتعرض لسيطرة كاملة من أمها (صوت راشيل ماكادامز)، التي تخطط لمستقبل الابنة بالمسطرة والقلم، وتضع لكل خطة بدائل، ولكل منها توقيتها الدقيق، وحلمها أن تلتحق الابنة بمدرسة ذات سمعة وشهرة، مما يشكل ضغطا عصبيا شديدا على الطفلة، التي تكاد ألا تعيش طفولتها.
ولأن الأم تفشل في العثور على منحة دراسية مجانية للطفلة، فإنها تضطر لبيع المنزل، والحياة في منزل يبدو متقشفا تماما، بل قل إنه يخلو من الحياة. وذات يوم تعرف الطفلة بوجود جار عجوز (صوت جيف بريدجز)، لديه طائرة قديمة في فنائه الخلفي، ويحاول أن يطير بها، لكنه يخفق مسببا بعض الأضرار، التي لا تثنيه أبدا عن تكرار المحاولة. إن الرجل العجوز يبدو وحيدا، يبتعد عنه الجيران، وهو يبحث عن صديق، يحكي له بعض حكاياته، فيلقي بورقة من رواية "الأمير الصغير" لتسقط أمام الطفلة، التي تخاف في البداية، ثم تطمئن عندما يعطيها العجوز كمية كبيرة من العملات المعدنية، تعويضا عن الزجاج الذي كسره بمروحة طائرته، لتجد الطفلة بين العملات تمثالا صغيرا للأمير الصغير، المرسوم في الورقة التي ألقى بها العجوز إليها.
يدفع الفضول الفتاة الصغيرة إلى أن تتسلل إلى منزل الرجل العجوز، فإذا به على النقيض تماما من منزلها، ربما قد تبدو الفوضى سائدة، لكن المكان يتنفس بالحياة. ومن هنا يبدأ تداخل القصة شبه الواقعية للطفلة، مع القصة الخيالية للأمير الصغير، وكل منهما يستخدم أسلوبا مختلفا في التحريك. يحكي لها الطيار العجوز أن الأمير الصغير (صوت بول رود) قد جاء من كوكب بعيد، حيث ترك وردة يانعة كانت صديقته ليطوف في الدنيا الواسعة، ويمر بعوالم مختلفة، لا يأتي اختلافها من أشكال الكائنات الفضائية التي عهدناها في الأفلام، وإنما من "الأخلاقيات"، فهذا هو كوكب الرجل المغرور المتباهي بنفسه، كأن الكون قد خلق من أجله وحده، وذاك كوكب رجل الأعمال، الذي لا تعني له الحياة شيئا إلا تراكم الثروة، وأخيرا يصل إلى الأرض، إلى الصحراء الكبرى، حيث الطيار في شبابه قد انقطعت به السبل، وبدا أنه على حافة الفناء.
يقضي الطيار الشاب والأمير أياما في الصحراء، تبدو خلالها براءة الأمير الطفل كأنها بوابة سحرية لإثارة الكثير من الأسئلة، فعندما يطلب من الطيار أن يرسم له خروفا لا يقتنع بأي رسم منها، ويقنع برسم لصندوق مغلق يتخيل أن الخروف بداخله، قائلا: "إن ما هو جوهري غير مرئي للعين، بالقلب فقط يمكنك أن ترى الأشياء على حقيقتها"، فكأنها إشارة لخيال الطفولة، الأكثر ثراء من جفاف الواقع. ولأن الأمير لابد أن يرحل يوما، عائدا إلى كوكبه ووردته، فإن الطفلة تصاب بالصدمة، وتعلن رفضها لقصة الأمير الصغير، وتعود إلى حياتها المعتادة، كما رسمتها أمها تماما، خالية من الخيال.
لكن عندما يسقط الرجل العجوز مريضا، ويُحمل إلى المستشفى وحيدا، تدرك الطفلة أنه بحاجة حقيقية إلى صديق، فتقرر أن تبحث بنفسها عن الأمير الصغير. وهنا يتضح المعنى الأهم في الفيلم كله، إنه يتحدث عن التحول من الطفولة إلى النضج، وما نفقده خلال هذا التحول، الذي يأتي على شكل رحلة بحث، تقوم بها الطفلة، تنتهي بها إلى كوكب رمادي تماما، كل ما فيه ينضح بالكآبة، يمتلكه رجل الأعمال الذي قرر أن يشتري كل النجوم، وشرطي الكوكب هو الرجل المغرور الذي يشعر بالسعادة المريضة وهو يسجل المخالفات للناس ويقبض عليهم، أما الأمير الصغير فقد أصبح فتى، يعمل عامل نظافة!!
لا يقتصر الأمر فقط على العمل المتواضع الذي انتهى إليه الأمير، لكنه نسي أيضا ماضيه، وكوكبه الذي جاء منه، ووردته التي تركها فيه. وفي مشهد التشويق الوحيد القصير في الفيلم، ينجح الأمير والطفلة في الهرب من الكوكب الرمادي، والعودة إلى كوكب الأمير، الذي تحول بدون وجوده إلى أعشاب جافة، وذبلت وردته، ما كاد أن يمسك بها حتى تفتت بين أصابعه. لكنه مع شروق الشمس على الكوكب يعود طفلا مرة أخرى، ليبقى السؤال حول إذا ما كان قد غادر الكوكب، وغادر الطفولة معا، وهل لابد أن يعود إليهما؟
لكل منا كوكب طفولته، الذي كان فيه خياله يُكمل صورة الواقع، هذا الخيال الضروري للحياة، حتى لو فرضت علينا هذه الحياة رحلة في أرض قاحلة. ولا يخلو الفيلم والرواية من روح صافية، حين يبدو كأنه يشير بطرف خفي إلى أن النضح يحتم علينا أحيانا أن نقبل صاغرين برحيل الآخرين، كل أنواع الرحيل، لكنه يذكرك أن ذلك يشبه أن تترك صَدَفة، أو قشرة قوقعة، لتبدأ رحلة جديدة، فالحياة والموت لا يتوقفان أبدا عن إثارة الخيال، حول الترحال والسؤال.