Monday, January 11, 2016

السينما بين المجرم والفتوة




لم تتوقف السينما المصرية طويلا أمام الطريقة التي يتم بها "صناعة المجرم"، بقدر ما توقفت عند "الأكشن" ومعارك إطلاق الرصاص ومطاردات السيارات، لكنها بدت أقرب للتعاطف الصريح مع شخصية أخرى تبدو بدورها متعلقة على نحو ما بالعالم الإجرامي، وهي شخصية "الفتوة"، ولعل ذلك يعود إلى تراث قديم وعريق في أدبنا الشعبي، فعالم الشطار والعيارين يمتد بجذوره في ذاكرتنا الجماعية، وهؤلاء هم الخارجون على القانون عندما يكون القانون ظالما، وأفعالهم الإجرامية تبدو كأنها الوسيلة لإعادة الحق إلى نصابه.
 من هنا نبدأ بالتمييز بين المجرم والفتوة، فإذا كان الأول يمثل خروجا على القانون لتحقيق حلم فردي خاص بالمجرم ذاته، فإن الفتوة يخرج على القانون لأنه يسعى لخير الآخرين المستضعفين، وبينما يعتمد المجرم في الأساس على قوته البدنية العنيفة، فإن الفتوة يملك أولا قوة ذهنية ونفسية وأخلاقية تجعله شخصا "أكبر من الواقع" بالتعبير الدرامي، حتى أنه يكتسب أحيانا ظلالا فلسفية كأنه يمثل "العدل" المفقود الذي يحلم به الفقراء. وفي الوقت التي تسير فيه رحلة المجرم بشكل نمطي من الصعود إلى الهبوط، ويسود فيها الشر، فإن رحلة الفتوة قد تبدأ بالفشل بما يستلزمه الاستعداد لمواجهة الخصوم، ونادرا ما يلجأ فيها الفتوة للشر، وهي تنتهي في الأغلب نهاية متفائلة تعلن انتصار الخير.
من السهل إذن أن يتوحد المتفرج مع الفتوة بينما يجد صعوبة في التعاطف مع المجرم. لكن الفتوة لم يظهر في السينما المصرية إلا في منتصف الخمسسينيات، عندما بدا أن هناك أملا في أن يجد المواطن العربي لنفسه مكانا تحت شمس الحياة، وانتزاع هذا المكان بالقوة إن لزم الأمر، غير أن أشكال الفتوة في السينما قبل ذلك كانت تنتمي إلى ملاحم قديمة وظيفتها إثارة الحنين إلى ماضٍ قديم، مثل سلسلة أفلام "عنتر بن شداد"، ولم يبدُ أن هناك صورة أكثر معاصرة للفتوة إلا مع سيناريو نجيب محفوظ لفيلم "فتوات الحسينية" (1954)، ومن الجدير بالذكر هنا أن الفتوة ظهر في أفلام محفوظ قبل أن يظهر في أدبه.
بحث نجيب محفوظ في الأنماط السينمائية عن معادل هوليوودي للفتوة، ووجده في نمط أفلام "الويسترن" أو ما نطلق عليها أفلام "الشجيع"، فهي بدورها تتحدث عن بطل فرد، يحمل قيمة أخلاقية متحضرة، تختفي تحت مظهره الخشن وسرعته في إطلاق الرصاص، وهذا البطل "الكاوبوي" أقرب إلى أن يكون أسطورة منه إلى كونه حقيقة تاريخية، فإذا كان "الغرب" الأمريكي قد تم غزوه واستيطانه بإبادة الهنود الحمر، الشعب الأصلي لأمريكا، فقد تحولت عملية الإبادة إلى "حدوتة" متخيلة، بطلها يذهب إلى أرض برية، ومدن حدودية، يسود فيها اللا قانون، عناصرها الدرامية صحراء قاحلة، وهنود يختبئون خلف التلال، ومدينة صغيرة يتجمع فيها شذاذ الآفاق، وحانة تبدو كأنها مكان اجتماع سكان المدينة من المجرمين، ولا يخلو الأمر من امرأة أرغمتها الظروف على الحياة في هذا المستنقع، ليأتي البطل لينقذها وينقذ معها الفقراء، ويتخلص من الأشرار البيض والهنود على السواء، ويسود العدل أخيرا ليرحل البطل فوق حصانه عند الغروب كأنه ذاهب إلى مدينة أخرى ليكمل مهمته الأخلاقية السامية.
الفتوة هنا فارس جوال يحمل ظلالا من أسلاف قدامى، والفرق هو أنه يستخدم مسدسا وليس سيفا. وظهرت لهذا الفارس نسخ سينمائية عديدة، بدءا من جون وين وجاري كوبر اللذين تكاد نجوميتهما تقتصر على أداء شخصية الشجيع الرومانسي، لكن الصور التالية جاءت أقرب إلى "الواقعية" إن جاز التعبير، خاصة مع كلينت إيستوود في أفلام الويسترن الإيطالية من إخراج سيرجي ليوني، ففي أفلام مثل "من أجل حفنة دولارات" أو "الطيب والشرس والقبيح" تزداد الحبكة تعقيدا، ولا يكاد البطل أن يخلو بدوره من منافع انتهازية، كما ساعدت السينما ذات الشاشة العريضة آنذاك على الاهتمام باللقطة القريبة (كلوزاب) التي لم يكن لها وجود من قبل في هذا النمط من الأفلام، بما أتاح اقترابا أكثر من العالم النفسي للشخصيات.
ومع إيستوود مخرجا هذه المرة أصبح نمط الويسترن أكثر قتامة في عالمه، كما في فيلم "الذي لا يمكن غفرانه"، حيث تمتزج خيوط الخير والشر، كما ظهرت أفلام "ويسترن" تعيد إلى الهنود الحمر حقا مغتصبا، كما في فيلم "الرقص مع الذئاب"، من تمثيل وإخراج كيفن كوستنر.
   في أفلام فتوات نجيب محفوظ أصبحت المدينة الحدودية حارة شعبية تكاد أن تكون عالما مستقلا بذاته، وهناك دائما الحانة أو "البوظة" حيث تحدث المواجهات بين الفتوة والأشرار، وما تزال هناك امرأة تكون في الأغلب مغنية الحانة التي تضطر مرغمة على البقاء في هذا العالم، لكن الفتوة سوف ينقذها في النهاية عندما يتخلص من الأشرار ويعيد العدل إلى الحارة. وهذا عالم ليس له زمن محدد، خاصة أن الفتوة يحارب فيه مستخدما سلاحا شبه أسطوري هو "النبوت"، ويقول محفوظ أنه استمد هذه الصورة من أيام طفولته في بداية القرن العشرين، قبل أن تمد "الدولة" سطوتها على كل البلاد، وعندما كانت هناك "حارات" منزوية لها قانونها وفتوتها الخاصان بها.
اكتمل هذا العالم الأسطوري عند محفوظ مع ملحمته الروائية "الحرافيش"، التي تمتعت بخمسة أو ستة معالجات سينمائية، منها "التوت والنبوت"، و"المطارد"، و"الحرافيش"، و"أصدقاء الشيطان"، و"الجوع". وكان هذا الفيلم الأخير هو المعالجة الأرقى سينمائيا، أولا لأنه أعاد صهر العديد من خيوط العمل الأدبي، وثانيا لأنه تأمل فكرة "الفتوة" ذاتها، وقال إنها لا تكفي ولا ينبغي لها أن تكفي لإقامة العدل، لأن الفتوة العادل سوف يتحول حتما بسبب سلطته المطلقة إلى طاغية ظالم، لذلك أعاد الفيلم حق إقامة العدل للجماهير ذاتها.
على هامش فتوات نجيب محفوظ وأشباههم، ظهر فتوات آخرون كانوا يعتمدون فقط على القوة البدنية، مما أبعدهم عن فكرة القوة النفسية والأخلاقية، ومن هذه النوعية ظهر عادل إمام في ثوب "شمس الزناتي"، المقتبس عن فيلمين أمريكي وياباني، ويحكي عن قرية تعيش تحت وطأة عصابة شريرة، فتستعين بمجموعة من المقاتلين المأجورين!! كما أدى بعض نجوم رياضات القوة الجسمانية رغبة في اصطناع أفلام على مقاسهم، مثل يوسف منصور في رياضة "الكونج فو"، في أفلام بالغة التواضع تقلد سينما هونج كونج وتايوان، ومثل الشحات مبروك بطل كمال الأجسام، الذي لن يبقى له في ذاكرة السينما إلا فيلم "المرشد" عن سيناريو وإخراج ابراهيم الموجي، الذي حاول أن يُضمّن الفيلم الجماهيري رسالة سياسية عن ضرورة توحد المقهورين ضد السلطة الطاغية.
فيلم واحد وحيد اهتز فيه الخط الفاصل بين الفتوة والمجرم، هو "الجزيرة"، يلعب فيه أحمد السقا دور فتوة القرية الذي تتلاعب به الشرطة، لكنه يقرر الاستقلال عنها، ويعلن جملته الشهيرة: "من النهارده مفيش حكومة... أنا الحكومة". وبرغم أن الفيلم دار في خطوط درامية عديدة، بين حواديت الانتقام وقصة الحب على طريقة روميو وجولييت، ناهيك بالطبع عن "الأكشن" الذي يعشقه أحمد السقا، فقد أشار الفيلم إلى الحقيقة البسيطة والمريرة في آن واحد، فإذا كان المجرم صنيعة نظام اجتماعي خانق، يعد بحلم الصعود لكنه لا يتيحه، فيمضي المجرم في طريقه الخاص، فإن الفتوة بديل عن غياب الدولة ذاتها، ووجوده ليس دليلا على العدل بل على افتقاده. فهل يغيب الفتوة في السينما يوما لأننا استطعنا الاستغناء عنه في الواقع والحياة؟

قائمة ترجمات أحمد يوسف



كتب صدرت للمترجم عن المركز القومي للترجمة:
فن الإخراج السينمائى، تأليف سيدنى لوميت
موسوعة تاريخ السينما (أوكسفورد)، (جزء 2 و3)، مجموعة من المؤلفين
الفيلموسوفي، نحو فلسفة للسينما، دانييل فرامبتون
فكرة الإخراج السينمائى، كيف تكون مخرجا عظيما، كين دانسايجر
فن التمثيل السينمائي، كاثى هاس
تقنيات مونتاج السينما والفيديو، التاريخ والنظرية والممارسة، كين دانسايجر
كتابة سيناريو الأفلام القصيرة، بات كوبر وكين دانسايجر
تقنيات وجماليات الإخراج السينمائي، مايكل رابيجر
أساسيات الإخراج السينمائي، شاهد فيلمك قبل تصويره، نيكولاس تى بروفيريس
الصورة الشريرة للعرب في السينما الأمريكية (جزء 2)، جاك شاهين
موسوعة الفلسفة والسينما (روتليدج)، مجموعة من المؤلفين
لقطات وطلقات في المرآة، أفلام الجريمة والمجتمع، نيكول رافتر
موسوعة السينما (شيرمر)، (جزء 2)، مجموعة من المؤلفين

تحت الطبع بالمركز القومي للترجمة:
موسوعة السينما (شيرمر)، (جزء 1، 3، 4)، مجموعة من المؤلفين
كيف تقرأ فيلما، الفن والتكنولوجيا واللغة والتاريخ والنظرية، جيمس موناكو
تاريخ للموسيقى السينمائية، جيمس فيرزبيسكى
التاريخ يذهب إلى السينما، دراسة التاريخ فى السينما، مارنى هيوز وارينجتون
مائة عام من السينما الإسبانية، مجموعة من المؤلفات
السينما الإيرانية، تاريخ سياسى، حامد رضا صدر

وصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب:
تاريخ للسينما الروائية (جزء 1)، تأليف ديفيد كوك
                                                   


Saturday, January 09, 2016

فيلم "القداس الأسود".... فيلم عن الذئاب الجائعة المنفردة



يبدو عنوان هذا الفيلم للوهلة الأولى ملتبسا، لولا العودة إلى قواميس اللغة الإنجليزية المدققة، فاسم الفيلم Black Mass يشير إلى طقس شبه ديني من العصور الوسطى، أقرب إلى عبادة الشيطان، فهو "القداس الأسود" الذى لا يتوجه كما ينبغي إلى الله، وإنما إلى معبود زائف آخر. ولعلك لن تفهم المقصود بهذا العنوان إلا إذا دخلت إلى هذا العالم الفيلمي، الذي يحتشد بالظلام، ليس فقط على مستوى الدراما بل على مستوى الصورة أيضا، فإذا كانت الأحداث تدور في الحي الجنوبي من المدينة الأمريكية بوسطون، حيث تسود الجريمة بكل أشكالها، فإنك نادرا ما ترى المدينة في ضوء النهار، وكل شيء يسبح في بحر من الظلمات الداكنة.
إنه الجانب الآخر من الحياة الأمريكية، أو فلتقل إنه ما يدور تحت السطح الذي قد يظهر للعيان كأنه يعكس بريق الحياة المليئة بالمتعة، لكن هناك في الأعماق بحرا ليس فيه إلا الدماء، ولعل من النقاط المحورية لفهم الفيلم أن تتذكر أن القتلى العديدين في هذه الغابة الوحشية مدفونون تحت جسر بوسطون ذاته! لكن "القداس الأسود" ليس أيضا مجرد فيلم من الأفلام التي تدور عن عالم العصابات، بل هو من الأفلام المصنوعة بجهد فني حقيقي في كل عناصره، وربما سوف يكون ذلك سببا في ترشيحه لجوائز أوسكار عديدة، أو هذا ما نتوقعه على الأقل.
الخطوط العامة للحبكة في "القداس الأسود" لا تختلف كثيرا عن نمط أفلام العصابات: صعود مجرم صغير لكي يعتلي مكانا خطرا في عالم الجريمة، ثم نهايته التقليدية بالقبض عليه، لكن بين هذه البداية والنهاية لوحة بالغة الدقة في تفاصيلها، لمعارك الغابة البشرية التي تحدد معنى "النجاح" في المجتمع الأمريكي، فليس المهم هو المبادئ أو الأخلاق، بل المال والرفاهية والثراء، أيا كانت طريقة تحقيقها. في أحد مشاهد الفيلم نرى المجرم يعطي ابنه درسا في التعامل مع الحياة: "ليس المهم ما تفعله، بل متى وأين تفعله، ومع من وكيف تفعله. إن لم ير الناس ما فعلته، فإنه لم يحدث قط". فليفعل كل فرد ما يشاء في مثل هذا المجتمع لتحقيق مراده، حتى بأن يدوس على الآخرين أو حتى يقتلهم، بشرط أن يكون حريصا على أن يتم ذلك في الخفاء. 
يعتمد بناء الفيلم على أسلوب الشهادات التي تأتي على لسان شركاء الجرائم، وقد أصبحوا شهودا على زعيم عصابتهم، ومن شذرات هذه الحكايات نتعرف عليه، وهو بالمناسبة شخصية حقيقية وليست خيالية. إنه جيمس هوايتي بالجر (جوني ديب، في دور يجدد مكانته في عالم التمثيل، بعد عدة أدوار اتسمت بالنمطية)، المجرم الصغير، البار بأمه حتى أنه "يغش" في لعب الورق معها، حتى يجد مبررا لمنحها المال، وهو شقيق بيللي (بيندكت كمبرباتش) صاحب السمعة الطيبة، حتى أنه أصبح نائبا للولاية، والشقيقان صديقان قديمان لجون كونوللي (جويل إيدجرتون) الذي أصبح اليوم ضابطا في المباحث الفيدرالية.
لعل الثلاثة أصدقاء القدامى، الذين تفرقت بهم سبل الحياة إلى كسب العيش بوسائل مختلفة أو حتى متناقضة، لكن علاقات الغابة الاجتماعية تقربهم من بعضهم مرة أخرى، لعل ذلك يذكرك بخط مماثل في فيلم كلينت إيستوود "النهر الغامض" (الذي يدور أيضا في بوسطون)، فقد تختلف المصائر، لكن الظلام يجعلها تتلاقى مرة أخرى. ويتجسد الظلام هنا في أن الضابط جون يريد من المجرم جيمس – أو جيمي، أو هوايتي – أن يساعده في القبض على المافيا الإيطالية بالمدينة، حتى ينال الترقيات أحيانا، والرشاوي أحيانا أخرى، مقابل أن يسمح له بارتكاب الجرائم التي تكون سببا في صعود "العصابة الأيرلندية" بديلا عن الإيطالية.
سوف يغرقك الفيلم بحق في تفاصيل دقيقة عن هذا العالم المتشابك، لكنه لا يثير الملل أبدا، رغم تكرار بعض أحداثه، خاصة فيما يتعلق بالوشاة من عصابة جيمي، وعقابه لهم بقتلهم الواحد بعد الآخر بدم بارد، لكن هذه التفاصيل تستدعي إلى ذهنك على الفور، بتلك الرهافة في تنفيذها، أفلاما مماثلة في عالمها وأسلوبها لمارتين سكورسيزي أو ديفيد فينشر، بذلك الظلام الذي يخيم على كل شيء، والقتامة في حياة من يتصورون أنهم ناجحون سعداء، فليس السطح اللامع لأسلوب الحياة الأمريكي سوى وهج الشمس ينعكس على بركة من الأوحال الأخلاقية، بالمعنى الاجتماعي للكلمة، حيث هناك قانون أساسي يحكم العلاقات: البقاء للأقوى.
سوف يبدأ كل شيء في الانهيار مع وصول وكيل نيابة جديد، يثيره بقاء جيمي هوايتي متسيدا عالم الجريمة، دون أن يتم القبض عليه أبدا، ومن هنا يسرع تساقط أعوان جيمي، الذين يحكون تفاصيل جرائمه، على أمل أن ينالوا عقوبة مخففة لتحولهم إلى شهود. ويضطر جيمي للاختفاء عن الأنظار لستة عشر عاما كاملة، يقضيها كذئب جائع وحيد، حتى يتم القبض عليه في النهاية، ويحكم عليه بالسجن مدى الحياة، وينتهي الفيلم بلقطات تسجيلية، عليها آثار "خربشة" الزمن، تصور قصاصات متناثرة من حياة جيمي هوايتي الحقيقية، فكأن الفيلم يقول لك: ليس ما رأيته خيالا سينمائيا، بل هو جزء من واقع الحياة في مثل هذا المجتمع.
في الحقيقة أن هوايتي لم يكن هو الذئب الجائع الوحيد في هذا العالم، فإذا كانت حياته الشخصية تتداعى بعد موت ابنه بمرض مفاجئ، وانفصال زوجته عنه، بينما تتصاعد نجوميته كمجرم، فإن الشقيق بيللي يلقى رفضا من زوجته أن يكون شريكا في تلك الشبكة السوداء، تماما كما أن زوجة الضابط جون تواجهه بأن ترقياته وماله جاءت عن طريق التحالف مع المجرمين. إنهم جميعا، حتى الذين يبدون كما لو كانوا قد حققوا النجاح، ذئاب جائعة منفردة، تشعر في أعماقها بالتعاسة، وربما أيضا الجوع إلى حياة تستحق أن تعاش.
سوف يدهشك هذا التناقض الكامل في حياة هؤلاء الذئاب بين المظهر والجوهر، وهوايتي هو أكبر مثال على ذلك التناقض، حين يتحدث عن "ميثاق الشرف". ولعلك تذكر مثلا ثلاثية "الأب الروحي"، ففيها بعض من هذا التناقض. إن هوايتي قاتل بارد، حتى أنه يكاد أن يستمتع بخنق ضحاياه بنفسه، لكنه ينهار عندما تخبره زوجته أنها قررت أن تنزع أجهزة الإبقاء على الحياة عن ابنهما الميت إكلينيكيا. وهو يعلم معاونيه الولاء، ويثير فيهم الخوف من انتقامه إذا شعر أنهم خانوه يوما، ومع ذلك فإنه أصبح زعيما للعصابة الأيرلندية بالوشاية عن المافيا الإيطالية. وهو يغرق في عالم قذر أخلاقيا، لكنه يوبخ أحد معاونيه لاتساخ أظافره وأصابعه. وهو يتعامل بقسوة مفرطة مع خصومه أو من يشك فيهم، لكنه يتسم بالطيبة مع جيرانه. وهو الأب الحنون الذي يبحث عن دفء الحياة الأسرية، لكنه أيضا ذئب جائع وحيد في ظلام المدينة. وهو لا يعرف دينا أو أخلاقا، لكنه يختلي بنفسه في الكنيسة باحثا عن عزاء.
لكن التناقض الأكبر، الذي يشكل جوهر فيلم "القداس الأسود"، هو بين المجرم والضابط، فمن المفترض أن كلا منهما يقف على طرف مناقض من القانون، لكن الحقيقة أن الخط الفاصل بينهما قد ذاب، فالضابط هو نفسه الذي أسهم في صناعة مجرم بهذه الخطورة. ذلك هو الجانب "الأسود" بحق في حياة الليل في المدن الأمريكية، وشغل كثيرا من السينمائيين الأمريكيين: شوارع نيويورك عند سكورسيزي، وشوارع لوس أنجلس المتلألئة بالأضواء في فيلم مايكل مان "ضحية بالصدفة"، وشوارع مينيسوتا الثلجية في فيلم الأخوين كوين "فارجو"، وهو ما يتجلى في فيلم "القداس الأسود" في تلك اللقطات الساكنة المتتالية، للشوارع الخالية لمدينة بوسطون في الليل، وعلى شريط الصوت موسيقى تثير الأسى والحزن.
إنه فيلم عن الذئاب الجائعة المنفردة، حتى وهي وسط زحام الناس، لكن الذئب الأهم جوني ديب ربما يفوز بجائزة الأوسكار عن هذا الدور، وإن كان في الحقيقة يستحق أن يفوز بها.
                                                   


فيلم "طرقات على الباب"... توليفة من العنف والرعب وأشياء أخرى!



تتمتع أفلام الرعب الأمريكية بسحر جماهيري خاص، أثار حيرة الكثيرين من النقاد والباحثين، فما الذي يدفع متفرجا للدخول إلى قاعة عرض مظلمة، يفترض أنه سوف يقضي فيها ساعتين من اللهو البريء، لكي يشعر في النهاية بالخوف والفزع؟ وتراوحت الإجابات تبعا لمجال من يقوم بالبحث، والغريب أنها كلها إجابات صحيحة، فالبعض يقول إن لدى كل إنسان رغبة "مازوكية" عميقة تستعذب تعذيب النفس، وكأنه يقوم بعملية "تطهير" بالمعنى الذي قصده أرسطو، وهذه الأفلام تحققها له، بينما يقول البعض إنها أفلام تسود في مجتمعات تبدو في ظاهرها هادئة مطمئنة، لكن تحت سطحها تكمن مخاوف هائلة عميقة، وهذه الأفلام توقظها.
لكن صناع الأفلام الأمريكيين استغلوا هذا النمط من الأفلام في أغلب الأحيان، ليصنعوا أفلاما تجارية ذات مظهر يبدو مثقفا متفلسفا، وهذا ما حدث في فيلم "طرقات على الباب" Knock Knock، والذي مزج الرعب بالعنف والجنس أيضا، في محاولة لتقديم وجبة شهية – وإن كانت تشبه ما يسمى "طعام النفايات" في الوجبات السريعة – يمكنك أن تستخرج منها بعض المعاني، أو تجد عناصر هنا وهناك من البراعة السينمائية، لكن القليل هو الذي سوف يتبقى في ذهنك بعدها، سوى درس أخلاقي لا أعتقد أنه كان من نوايا صناع الفيلم، لكن التوليفة هي التي قادتهم إلى ذلك.
والمخرج إيلي روث يعشق هذه النوعية من الأفلام، وهو يعرف يقينا أنه يصنع أفلاما تجارية، أو ما يسمى بشكل أكثر دقة "أفلام استغلال الموضوعات الخاصة"، مثل العنف أو الجنس أو العنصرية (الزنوج). وفي معظم هذه الأفلام هيكل عظمي لحبكة واحدة: مكان منعزل لأناس يعيشون حياة هادئة، وفجأة يحدث اقتحام من أناس آخرين هم على العكس تماما، متوحشون غوغائيون أو حتى قتلة. وهذا بالضبط هو ما يحدث في فيلم "طرقات على الباب".
تأتي المشاهد الأولى لتعبر عن تلك الحياة المستقرة لأسرة تبدو من الشريحة العليا للطبقة الوسطى الأمريكية، فالأب إيفان (كيانو ريفز) والأم كارين (إجناسيا ألاماند) يبدوان عاشقين كأنهما ما يزالان في مرحلة توهج الحب الأولى، لكنك سوف تعرف على الفور أنهما أب وأم لطفل وطفلة جميلين، وأن الأم سوف تذهب بالطفلين إلى الشاطئ لقضاء أجازة عيد الأب، بينما – وتلك هي المفارقة – سوف يبقى الأب وحيدا فى المنزل، لأنه ما يزال يعاني من آلام في كتفه، لكن الحقيقة أن الحبكة تختلق ذلك اختلاقا، فكل ما تريده هو أن يبقى الأب في المنزل وحيدا، ليمر بتجربة الرعب العبثية التي ما تزال في رحم الغيب، لينقلب يوم عيده جحيما بالمعنى الحرفي للكلمة.
لكن هذا الجحيم يبدأ مثل نار هادئة دافئة، فبينما هو يكمل بعض أعماله، ويستمع إلى موسيقى يعشقها، ينصت فإذا بطرقات على الباب: "طق طق"، "من بالباب؟"، هكذا يقول، كأنها لعبة يمارسها أطفال، لكنه عندما يفتح الباب يجد فتاتين جميلتين بلل المطر ملابسهما، يقولان أنهما ضلا الطريق إلى غايتهما، ويطلبان منه مساعدتهما، فيدعوهما إلى الدخول لاستخدام الهاتف، لكن ترحيبه يصل أيضا إلى الدعوة لأخذ ملابسهما لتجفيفها. على سطح الدراما هناك قدر من البراءة، يتجلى في بساطة ومرح الفتاتين، وفي معرفتك السابقة إن الزوج يعشق زوجته، لكن تحت السطح يتسلل إلى وجدانك سؤال: أليس هذا الموقف مشحونا ضمنا بإغراء خفي؟ ألا يدرك إيفان أنه يقف على حافة هاوية، سوف ينزلق منها لو تقدم خطوة واحدة؟ لكن الأسئلة هنا لا تجديك نفعا، فالحبكة تريد أن تمضي في طريقها المرسوم، بصرف النظر عن أي منطق واقعي.
سرعان ما سوف تتحرر الفتاتان من تكلف التهذيب، وتعرفان نفسيهما: جينيسيس (لورينزا إيزو، زوجة المخرج إيلي روث، وممثلته في العديد من أفلامه)، وهي تبدو أكبر سنا وخبرة وسيطرة على الأمور، بينما الأخرى التي تبدو صغيرة السن بيل (أنا دي أرماس) تتصرف كأنها مراهقة تلهو دون إدراك. وتقولان – كذبا - إنهما مضيفتان، اعتادتا السفر من مكان إلى مكان، وأنهما لا يقيمان وزنا لعمق العلاقات، فحياتهما لا تسمح لهما إلا بلحظات عابرة من المتعة. وهنا تبدآن في إيقاع إيفان في حبائلهما، فهي ليست إلا ليلة في غياب الزوجة والأسرة، ليقع إيفان في الفخ.
إن كان هناك في الفيلم ما يمكن أن تقول عنه إنه بارع في تنفيذه، فهو بلا شك أن الجزء الأكبر منه ومن الدراما يحدث في هذا المكان المغلق، وبثلاث شخصيات فقط، كما تتجلى البراعة في تصاعد الأحداث شيئا فشيئا من الهدوء الظاهر إلى الفوضى الكاملة. لكن ذلك لا يخفي أيضا قدرا من الافتعال سوف نتحدث عنه لاحقا، ففي الصباح التالي تبدأ الفتاتان في العبث بمحتويات المنزل، وإشاعة الفوضى فيه، ليستيقظ إيفان على بداية الكارثة، فيأمرهما بالرحيل فورا وإلا سوف يبلغ الشرطة، فيردان بأنهما ما تزالان مراهقتين وأن ذلك سوف يعرضه لتهمة اغتصابهما، وهي الحجة التي سوف نعرف في النهاية أنها كذبة، استخدماها لتهديده بما يسمح لهما بمزيد من التدمير لحياته.                                 
إنه التدمير الذي تحطمان فيه التماثيل التي صنعتها الزوجة، وتقتلان مساعد الأسرة الزنجي ويدفنانه في حديقة المنزل، وتعذبان إيفان بشكل جنسي مريض، وتصوران علاقته بهما ويبثانها على الإنترنيت، وتحفران حفرة كبيرة تضعانه فيها ولا تتركان سوى رأسه خارجها، وترحلان كأنهما سوف تبحثان عن ضحية جديدة، بينما تعود الأسرة لتجد هذه الفوضى، لينتهي الفيلم بجملة قد تبدو طريفة لكنها ساذجة، تأتي على لسان الابن حين يقول" "يبدو أن أبي أقام حفلة كبرى"!!
يذكر موقع "قاعدة معلومات السينما العالمية" imdb أن فيلم "طرقات على الباب" إعادة صنع لفيلم من عصر أفلام مقاولات الفيديو، هو "لعبة الموت" (1977)، لكن عندما يتأمل المرء الفيلم لا يجد سببا لصنعه، سوى أنه تنويع آخر على سينما مزج العنف والرعب والجنس. وربما يدعونا الفيلم إلى مقارنته في بعض خطوطه بأفلام أخرى، تتراوح بين الرومانسية الخالصة والعنف المفرط. لقد تحدث مثلا فيلم "هرشة السنة السابعة" من بطولة مارلين مونرو عن زوج مخلص ذهبت أسرته للمصيف، وبقى هو وحيدا، لتسكن في الشقة العلوية امرأة جميلة خفيفة الظل، ليستيقظ داخل الزوج إحساس بالرغبة في الحب من جديد، لكن الفتاة في الحقيقة تتلاعب به في براءة ممزوجة بالإغراء، كانت جديرة بمارلين مونرو. بينما كان فيلم بالغ العنف مثل "البرتقالة الآلية" لستانلي كوبريك يصور هجوم الغوغاء على الطبقة الوسطى، وتدمير حياتها الهشة، التي تخفي تحت سطح الثقافة والحضارة قدرا كبيرا من الهشاشة والخواء.
ليس هناك في "طرقات على الباب" معنى أعمق من ظاهره، وهو لم يهتم أصلا بذلك، كما لا يهتم بتفسير الكثير من الجوانب، التي بدت مثل الثقوب في الدراما. إنك لن تعرف أبدا من تكونان هاتان الفتاتان، من أين جاءتا وإلى أين سوف تذهبان، وكيف لهما أن تعرفا تفاصيل حياة إيفان وعلاقته بطفليه، ولماذا تفعلان أصلا كل ما تقومان به من تدمير، ناهيك عن أنه إذا كان إيفان قد فتح لهما الباب لأول مرة، فكيف تأتى لهما معاودة الدخول إلى المنزل بعد أن طردهما، كما يظل هناك سؤال بدهي، يتعلق بما يسمى "الاقتصاد في الشخصيات"، فما هي ضرورة وجود مساعد الأسرة الزنجي، الذي يمر بالصدفة، ويموت قتيلا بالصدفة؟
كل العناصر في الفيلم مهما بلغ إتقانها ليس لوجودها مبرر سوى أن تكون أداة لإضافة مزيد من الرعب المصطنع، تماما مثل حركة الكاميرا فوق المدينة لتنتهي إلى داخل منزل إيفان، كأنها روح غامضة محلقة مخيفة، دون أن تكون "من وجهة نظر" ما قد تفيد الدراما. وإن كنت تبحث عن تلخيص لمثل هذا الفيلم، فهي نصيحة للمتفرج ألا يفتح باب منزله للغرباء أثناء الليل، وألا يخون زوجته أيا كانت الإغراءات، والأفضل ألا يرد أصلا على أي "طرقات على الباب"!!