Saturday, January 09, 2016

فيلم "طرقات على الباب"... توليفة من العنف والرعب وأشياء أخرى!



تتمتع أفلام الرعب الأمريكية بسحر جماهيري خاص، أثار حيرة الكثيرين من النقاد والباحثين، فما الذي يدفع متفرجا للدخول إلى قاعة عرض مظلمة، يفترض أنه سوف يقضي فيها ساعتين من اللهو البريء، لكي يشعر في النهاية بالخوف والفزع؟ وتراوحت الإجابات تبعا لمجال من يقوم بالبحث، والغريب أنها كلها إجابات صحيحة، فالبعض يقول إن لدى كل إنسان رغبة "مازوكية" عميقة تستعذب تعذيب النفس، وكأنه يقوم بعملية "تطهير" بالمعنى الذي قصده أرسطو، وهذه الأفلام تحققها له، بينما يقول البعض إنها أفلام تسود في مجتمعات تبدو في ظاهرها هادئة مطمئنة، لكن تحت سطحها تكمن مخاوف هائلة عميقة، وهذه الأفلام توقظها.
لكن صناع الأفلام الأمريكيين استغلوا هذا النمط من الأفلام في أغلب الأحيان، ليصنعوا أفلاما تجارية ذات مظهر يبدو مثقفا متفلسفا، وهذا ما حدث في فيلم "طرقات على الباب" Knock Knock، والذي مزج الرعب بالعنف والجنس أيضا، في محاولة لتقديم وجبة شهية – وإن كانت تشبه ما يسمى "طعام النفايات" في الوجبات السريعة – يمكنك أن تستخرج منها بعض المعاني، أو تجد عناصر هنا وهناك من البراعة السينمائية، لكن القليل هو الذي سوف يتبقى في ذهنك بعدها، سوى درس أخلاقي لا أعتقد أنه كان من نوايا صناع الفيلم، لكن التوليفة هي التي قادتهم إلى ذلك.
والمخرج إيلي روث يعشق هذه النوعية من الأفلام، وهو يعرف يقينا أنه يصنع أفلاما تجارية، أو ما يسمى بشكل أكثر دقة "أفلام استغلال الموضوعات الخاصة"، مثل العنف أو الجنس أو العنصرية (الزنوج). وفي معظم هذه الأفلام هيكل عظمي لحبكة واحدة: مكان منعزل لأناس يعيشون حياة هادئة، وفجأة يحدث اقتحام من أناس آخرين هم على العكس تماما، متوحشون غوغائيون أو حتى قتلة. وهذا بالضبط هو ما يحدث في فيلم "طرقات على الباب".
تأتي المشاهد الأولى لتعبر عن تلك الحياة المستقرة لأسرة تبدو من الشريحة العليا للطبقة الوسطى الأمريكية، فالأب إيفان (كيانو ريفز) والأم كارين (إجناسيا ألاماند) يبدوان عاشقين كأنهما ما يزالان في مرحلة توهج الحب الأولى، لكنك سوف تعرف على الفور أنهما أب وأم لطفل وطفلة جميلين، وأن الأم سوف تذهب بالطفلين إلى الشاطئ لقضاء أجازة عيد الأب، بينما – وتلك هي المفارقة – سوف يبقى الأب وحيدا فى المنزل، لأنه ما يزال يعاني من آلام في كتفه، لكن الحقيقة أن الحبكة تختلق ذلك اختلاقا، فكل ما تريده هو أن يبقى الأب في المنزل وحيدا، ليمر بتجربة الرعب العبثية التي ما تزال في رحم الغيب، لينقلب يوم عيده جحيما بالمعنى الحرفي للكلمة.
لكن هذا الجحيم يبدأ مثل نار هادئة دافئة، فبينما هو يكمل بعض أعماله، ويستمع إلى موسيقى يعشقها، ينصت فإذا بطرقات على الباب: "طق طق"، "من بالباب؟"، هكذا يقول، كأنها لعبة يمارسها أطفال، لكنه عندما يفتح الباب يجد فتاتين جميلتين بلل المطر ملابسهما، يقولان أنهما ضلا الطريق إلى غايتهما، ويطلبان منه مساعدتهما، فيدعوهما إلى الدخول لاستخدام الهاتف، لكن ترحيبه يصل أيضا إلى الدعوة لأخذ ملابسهما لتجفيفها. على سطح الدراما هناك قدر من البراءة، يتجلى في بساطة ومرح الفتاتين، وفي معرفتك السابقة إن الزوج يعشق زوجته، لكن تحت السطح يتسلل إلى وجدانك سؤال: أليس هذا الموقف مشحونا ضمنا بإغراء خفي؟ ألا يدرك إيفان أنه يقف على حافة هاوية، سوف ينزلق منها لو تقدم خطوة واحدة؟ لكن الأسئلة هنا لا تجديك نفعا، فالحبكة تريد أن تمضي في طريقها المرسوم، بصرف النظر عن أي منطق واقعي.
سرعان ما سوف تتحرر الفتاتان من تكلف التهذيب، وتعرفان نفسيهما: جينيسيس (لورينزا إيزو، زوجة المخرج إيلي روث، وممثلته في العديد من أفلامه)، وهي تبدو أكبر سنا وخبرة وسيطرة على الأمور، بينما الأخرى التي تبدو صغيرة السن بيل (أنا دي أرماس) تتصرف كأنها مراهقة تلهو دون إدراك. وتقولان – كذبا - إنهما مضيفتان، اعتادتا السفر من مكان إلى مكان، وأنهما لا يقيمان وزنا لعمق العلاقات، فحياتهما لا تسمح لهما إلا بلحظات عابرة من المتعة. وهنا تبدآن في إيقاع إيفان في حبائلهما، فهي ليست إلا ليلة في غياب الزوجة والأسرة، ليقع إيفان في الفخ.
إن كان هناك في الفيلم ما يمكن أن تقول عنه إنه بارع في تنفيذه، فهو بلا شك أن الجزء الأكبر منه ومن الدراما يحدث في هذا المكان المغلق، وبثلاث شخصيات فقط، كما تتجلى البراعة في تصاعد الأحداث شيئا فشيئا من الهدوء الظاهر إلى الفوضى الكاملة. لكن ذلك لا يخفي أيضا قدرا من الافتعال سوف نتحدث عنه لاحقا، ففي الصباح التالي تبدأ الفتاتان في العبث بمحتويات المنزل، وإشاعة الفوضى فيه، ليستيقظ إيفان على بداية الكارثة، فيأمرهما بالرحيل فورا وإلا سوف يبلغ الشرطة، فيردان بأنهما ما تزالان مراهقتين وأن ذلك سوف يعرضه لتهمة اغتصابهما، وهي الحجة التي سوف نعرف في النهاية أنها كذبة، استخدماها لتهديده بما يسمح لهما بمزيد من التدمير لحياته.                                 
إنه التدمير الذي تحطمان فيه التماثيل التي صنعتها الزوجة، وتقتلان مساعد الأسرة الزنجي ويدفنانه في حديقة المنزل، وتعذبان إيفان بشكل جنسي مريض، وتصوران علاقته بهما ويبثانها على الإنترنيت، وتحفران حفرة كبيرة تضعانه فيها ولا تتركان سوى رأسه خارجها، وترحلان كأنهما سوف تبحثان عن ضحية جديدة، بينما تعود الأسرة لتجد هذه الفوضى، لينتهي الفيلم بجملة قد تبدو طريفة لكنها ساذجة، تأتي على لسان الابن حين يقول" "يبدو أن أبي أقام حفلة كبرى"!!
يذكر موقع "قاعدة معلومات السينما العالمية" imdb أن فيلم "طرقات على الباب" إعادة صنع لفيلم من عصر أفلام مقاولات الفيديو، هو "لعبة الموت" (1977)، لكن عندما يتأمل المرء الفيلم لا يجد سببا لصنعه، سوى أنه تنويع آخر على سينما مزج العنف والرعب والجنس. وربما يدعونا الفيلم إلى مقارنته في بعض خطوطه بأفلام أخرى، تتراوح بين الرومانسية الخالصة والعنف المفرط. لقد تحدث مثلا فيلم "هرشة السنة السابعة" من بطولة مارلين مونرو عن زوج مخلص ذهبت أسرته للمصيف، وبقى هو وحيدا، لتسكن في الشقة العلوية امرأة جميلة خفيفة الظل، ليستيقظ داخل الزوج إحساس بالرغبة في الحب من جديد، لكن الفتاة في الحقيقة تتلاعب به في براءة ممزوجة بالإغراء، كانت جديرة بمارلين مونرو. بينما كان فيلم بالغ العنف مثل "البرتقالة الآلية" لستانلي كوبريك يصور هجوم الغوغاء على الطبقة الوسطى، وتدمير حياتها الهشة، التي تخفي تحت سطح الثقافة والحضارة قدرا كبيرا من الهشاشة والخواء.
ليس هناك في "طرقات على الباب" معنى أعمق من ظاهره، وهو لم يهتم أصلا بذلك، كما لا يهتم بتفسير الكثير من الجوانب، التي بدت مثل الثقوب في الدراما. إنك لن تعرف أبدا من تكونان هاتان الفتاتان، من أين جاءتا وإلى أين سوف تذهبان، وكيف لهما أن تعرفا تفاصيل حياة إيفان وعلاقته بطفليه، ولماذا تفعلان أصلا كل ما تقومان به من تدمير، ناهيك عن أنه إذا كان إيفان قد فتح لهما الباب لأول مرة، فكيف تأتى لهما معاودة الدخول إلى المنزل بعد أن طردهما، كما يظل هناك سؤال بدهي، يتعلق بما يسمى "الاقتصاد في الشخصيات"، فما هي ضرورة وجود مساعد الأسرة الزنجي، الذي يمر بالصدفة، ويموت قتيلا بالصدفة؟
كل العناصر في الفيلم مهما بلغ إتقانها ليس لوجودها مبرر سوى أن تكون أداة لإضافة مزيد من الرعب المصطنع، تماما مثل حركة الكاميرا فوق المدينة لتنتهي إلى داخل منزل إيفان، كأنها روح غامضة محلقة مخيفة، دون أن تكون "من وجهة نظر" ما قد تفيد الدراما. وإن كنت تبحث عن تلخيص لمثل هذا الفيلم، فهي نصيحة للمتفرج ألا يفتح باب منزله للغرباء أثناء الليل، وألا يخون زوجته أيا كانت الإغراءات، والأفضل ألا يرد أصلا على أي "طرقات على الباب"!! 
              


Friday, January 08, 2016

أفلام الحرب بين العنف والشعر



من الشائع في أذهاننا أن النمط السينمائي المعروف باسم "الفيلم الحربي" لابد أن يحتوي على مشاهد لمعارك ومواقع حربية، وهو ما يحتاج بالطبع إلى ميزانيات كبيرة وتقنيات عالية. لذلك يبرر سينمائيونا عدم وجود أفلام تسجل لبعض حروبنا بأن هذا فوق إمكاناتهم، ولعل في هذا بعض الحقيقة، لكنه ليس الحقيقة كلها، فاختزال أفلام الحرب إلى مشاهد حربية يعكس مفهوما قاصرا إلى حد ما، إذ يتجاهل الهدف أو الأهداف من صنع ما يسمى أفلام الحرب.
لماذا حقا تقوم صناعة سينمائية بصنع أفلام حربية أو عن الحرب؟ هناك طيف واسع من الأسباب، التي قد تصل إلى حد التناقض أحيانا، وسوف نرى هنا كيف أن من الممكن أن تصنع فيلما يشيد بالحرب، ويخلع على المحاربين صفات البطولة، بينما هناك أفلام أخرى تدينها، باعتبارها تحول البشر إلى وحوش. كما أن هناك أفلاما تحتشد بأصوات طلقات الرصاص والمدافع، وأشلاء الضحايا وأكوام الركام، في الوقت الذي توجد فيه أفلام تدور عن الحرب دون أن تصور معركة حربية واحدة، فهي تركز بدلا من ذلك على الجوانب النفسية والاجتماعية التي تتسبب فيها الحروب.
وربما أتى المفهوم السائد عن الأفلام الحربية من أغلب أفلام هوليوود، خاصة تلك التي تدور حول البطولة الأمريكية (المزعومة إلى حد كبير) في الحرب العالمية الثانية. ومنذ خمسينيات القرن العشرين، وبسبب "الحرب الباردة" بين الكتلتين الغربية والشرقية، عملت هوليوود على صنع أفلام تمجد مآثر الجنود الأمريكيين بينما تقلل من شأن جنود الجبهات الأخرى. ولعل أبناء الجيل الأكبر من متفرجينا يتذكرون أفلاما مثل "مدافع نافارون" أو "دستة أشرار"، التي تبدو في ظاهرها تتحدث عن بطولة "جماعية"، لشخصيات درامية مرسومة جيدا لكي تعكس الصراعات بينها أيضا، وهي في الوقت ذاته تسعى لتحقيق مهمة عسكرية تحوطها المخاطر، لكن التناقضات بين الشخصيات تذوب في النهاية بفضل الضابط الأمريكي "القائد"، الذي يستجيب له الجميع، حتى تنتهي المهمة بالانتصار.
ولا يخفى علينا بالطبع أن مثل هذه الأفلام مصنوعة لأهداف سياسية ومعنوية، حتى لو شوهت الحقيقة قليلا أو كثيرا، فدخول أمريكا الحرب العالمية الثانية جاء متأخرا، بعد أن أدركت أنها ليست بعيدة بما يكفي لكي تترك العالم يتطاحن بينما تكتفي هي بالفرجة من بعيد، خاصة بعد الهجوم الياباني على ميناء "بيرل هاربر" الأمريكي. كما أن هوليودد لم تتحدث مثلا عن ملايين الجنود السوفييت الذين ماتوا لكي يوقفوا زحف القوات الألمانية، أو عن المقاومة الفرنسية للاحتلال الألماني. ففي هذا النوع من الأفلام كانت هوليوود تعمل لهدف "دعائي" خالص.
ولهذه الأفلام الدعائية توليفة واحدة، حيث يوجد قدر هائل من التنميط: أبطال الفيلم الأمريكيون يمثلون الخير، بينما يجسد العدو جانب الشر. إن هذا ما تجده في أفلام عاودت الظهور في فترات لاحقة، مثل "رامبو" أو "سقوط الصقر الأسود"، وفيها جميعا حيلة درامية بارعة، هي جعل المتفرج يرى العالم من وجهة نظر "البطل" وحده، بينما لا يكاد يظهر وجه "العدو" على الإطلاق، الذي يجسد خطرا غامضا يخلو من أي ملامح إنسانية. ولعل أهم الأفلام في هذا السياق هو "إنقاذ الجندي رايان"، الذي برع مخرجه الشهير ستيفن سبيلبيرج في تصوير مشاهد المعارك، لكنه أضاف لها نزعة تسجيلية تجعلك تشعر أنك في قلب المعركة ذاتها، وتذوب في توحدك مع شخصيات الجنود الأمريكيين، فعندما تنفجر قنبلة يغيب شريط الصوت للحظات في الصمت، ليحاكي ما يحدثه الانفجار في الأذن، أو تغرق الكاميرا تحت سطح الماء أحيانا بينما يناضل الجنود للنزول على شاطئ نورماندي.
يمكنك أن تجد عشرات الأمثلة على هذا النوع من الأفلام الحربية الدعائية، لكننا سوف نتوقف هنا قليلا أمام تنويعات مختلفة، لنرى كيف أن هذا النمط الفيلمي يتسع ليشمل العديد من الأشكال والمضامين. إن هذا الطيف يمتد مثلا من النزعة التسجيلية الخالصة في فيلم "أطول يوم في التاريخ"، الذي يخلو من الرسم الدرامي التقليدي للشخصيات أو الصراع، لترى على الشاشة شخصيات الضباط والجنود وإلى جانبهم أسماؤهم، أو ترى تتابع عقارب الساعة عبر الزمن في أحداث يوم من أيام الحرب العالمية الثانية، هو مرة أخرى يوم النزول على شاطئ نورماندي. لكن طيف الأفلام يصل مع "بيرل هاربر" إلى نزعة مغرقة في الرومانسية الميلودرامية، حيث يصبح جوهر الفيلم هو تيمة العلاقة المركبة بين "امرأة ورجلين"، وقصة الحب والتضحية كما في الأفلام العربية التقليدية تماما!!
ولعل أهم الأفلام التي تناولت الحرب لكي تقف موقفا مناهضا لها هو الفيلم الفرنسي المعاصر "خطبة طويلة جدا"، وفيه شابة تبحث عن خطيبها الذي ذهب إلى الحرب، لتتحول "الرحلة" التي تقوم بها إلى قصيدة مأساوية عن ويلات الحرب وعبثيتها. وفي الحقيقة أن هناك في تراث السينما العالمية مجموعة ليست بالقليلة من الأفلام التي تدين الحروب، مثل الفيلم الفرنسي "الوهم الكبير" لأهم مخرجي السينما الفرنسية خلال النصف الأول من القرن العشرين جان رينوار، أو الفيلم العبقري للفنان العظيم شارلي شابلن "الديكتاتور العظيم"، الذي يحول عملا كوميديا راقيا نرى فيه صعلوك شابلن التقليدي، شبيها بالقائد النازي أدولف هتلر (من المفارقات الطريفة بالفعل أن هتلر كان يقلد شابلن في مظهره!!)، لكي يقف الصعلوك في نهاية الفيلم بديلا عن هتلر يخطب في قواته، لتأتي واحدة من أفضل اللحظات السينمائية في فيلم عن الحرب، لكي تتحدث عن السلام بين البشر جميعا.
من التنويعات المهمة الأخرى أفلام يتناقض شكلها مع مضمونها، وهي الحيلة السينمائية التي برع فيها المخرج ستانلي كوبريك، صاحب أكثر الرؤى قتامة عن "المدنية الغربية"، فهو في فيلم "خزانة مدفع مليئة بالطلقات" يصور كيف أن التدريب العسكري يحول الجنود الشباب إلى وحوش، إنهم يفقدون براءتهم ويصبحون آلات للقتل بالمعنى الحرفي للكلمة. بينما يقدم في "دكتور سترينجلاف، أو كيف توقفت عن القلق وأحببت القنبلة" رؤية بالغة السخرية والمرارة تبدأ من هذا العنوان الغريب، حيث يجتمع قادة العالم المتخاصمون في "غرفة الحرب" لكي يحددوا مصير البشرية، لكننا نراهم شخصيات مشوهة تماما، بينما يهرب ضابط مصاب بالعجز الجنسي بطائرته التي تحمل قنبلة نووية، مهددا بدمار شامل، فكأن الحرب في حقيقتها تعكس عجزا عميقا عن التواصل مع الآخرين.
وتصل هذه السوداوية إلى حدها الأقصى في الأفلام التي تتحدث عن قدامى المحاربين، الذين عادوا من الحرب بتشوهات نفسية أحيانا، أو عادوا أحيانا أخرى بحلم عن وطن أفضل سوف يخيب أملهم فيه. وإذا كان فيلم "العودة إلى الوطن" يحكي عن هذه التجربة في أعقاب حرب فييتنام بشكل لا يخلو من رومانسية أسيانة، فإن فيلم المخرج الشهير مارتين سكورسيزي "سائق التاكسي" يحتشد بقدر هائل من المرارة، إن البطل قد عاد من فييتنام ليعمل في ساعات الليل سائقا لسيارة أجرة، فكأنها فرصته لكي يرى العالم السفلي لمدينته التي حلم بالعودة إليها، فإذا بها تجسد عالما قاتما كئيبا، مما يدفعه لأن يقرر أن يأخذ طريق "الانتقام" الفردي ممن يتصورهم أشرارا، وإذا كنت تراه في بعض اللحظات وقد تحول إلى إرهابي، فأنت تدرك أنه قد نصب من نفسه قاضيا وجلادا، لأنه في الحقيقة ضحية لحرب لم تكن عادلة أبدا.
وهكذا يتحول تناول تيمة "الحرب" في السينما أحيانا، وعلى يد فناني السينما المرهفين، إلى تأمل أكبر وأشمل لقضايا إنسانية أعمق، وهو ما يبدو واضحا في فيلم المخرج تيرانس ماليك "الخط الأحمر الرفيع"، الذي يعود فيه إلى عالم الحرب العالمية الثانية، لكن ليس أبدا لكي يتحدث عن البطولة، وإنما عن الصراع الدائم بين الإنسان والطبيعة، وبين الإنسان والإنسان، في مشاهد تتعدد فيها الأصوات التي تسرد الوقائع، كما تتعدد الرؤى، ليصبح الفيلم الحربي هنا قصيدة فلسفية بالمعنى الكامل للكلمة.
لكن يبقى السؤال: أين موقع السينما المصرية من هذه التنويعات؟ وهل ظلت أسيرة لمفهوم ضيق عما نسميه "الفيلم الحربي"؟!
في كل مناسبة من مناسبات أعيادنا القومية، لا يجد التليفزيون إلا عددا محدودا من الأفلام التي تواكب هذه المناسبة أو تلك، حتى أن المتفرج يجد نفسه محاصرا بفيلم شاهده عشرات المرات من قبل. خذ مثلا الاحتفال بحرب أكتوبر، التي يعتبرها المصريون والعرب الحرب التي أكدت قدراتنا على مواجهة العدو الإسرائيلي، ودحض دعواه الزائفة عن أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، فسوف تجد نفسك تشاهد في التليفزيون أفلاما من نوعية "بدور" أو "الوفاء العظيم"، وأقل ما يقال عنها أنها أفلام متواضعة، ناهيك عن أن "حرب أكتوبر" فيها لا تعني شيئا حقيقيا، فجوهر الدراما يدور حول قصة غرامية كررتها السينما المصرية مئات المرات، وليست الحرب فيها إلا "أزمة" يمكن أن تبدلها بأخرى، دون أن يترك ذلك أثرا في "الحدوتة"!!
ودائما ما تسمع من صناع الأفلام المصرية تبريرا متكررا، حول ندرة الأفلام التي تدور عن الحرب أو تواضع مستوى هذه الأفلام، وهو تبرير "الإمكانات" المادية التي تجعلهم يعجزون عن تنفيذ مشاهد المعارك، لهذا تراهم يستعينون بلقطات تسجيلية أرشيفية تتكرر من فيلم إلى آخر على نحو لا يخلو من رتابة أو حتى سذاجة، بل المثير أكثر للشفقة أو المرارة أن تلك اللقطات ليست تسجيلية بحق، فلأن صناع سياساتنا لا يؤمنون حقا بدور السينما، لم تكن هناك قوافل سينمائية تصاحب الجنود في المعارك الحقيقية، ولتقارن ذلك بأرشيف سينمائي هائل عن الحرب العالمية الثانية من على كل الجبهات، ورقم يثير الرهبة لعدد المصوريين السينمائيين الذين لقوا حتفهم في المعارك، لأنهم كانوا يصاحبون الجنود كتفا بكتف!!
لكن بعيدا عن مقولة صعوبة تنفيذ المعارك الحربية بموارد سينمائية محدودة، سوف تجد السينما المصرية قد تناولت تيمة الحرب دون اللجوء لهذه المشاهد باهظة التكاليف. وفي بعض الأحيان تتحول هذه التيمة إلى مجرد خلفية مقحمة، مثل فيلم المخرج خيري بشارة "الأقدار الدامية"، والذي هو في جوهره اقتباس عن مسرحية الكاتب الأمريكي يوجين أونيل "الحداد يليق بإلكترا"، فلأن الدراما تدور حول انتقام فتاة من أمها التي خانت أباها وهو في الحرب (تلك هي الأسطورة الإغريقية القديمة عن أجاممنون)، فلن يجد صناع الفيلم حربا سوى حرب فلسطين في عام 1948 (!!)، وهم إذا كانوا قد تمتعوا بذكاء استخدام عناوين صحف تلك الأيام، بديلا عن تصوير معارك فعلية، فإنهم جردوا تلك الحرب من مضمونها تماما، لتصبح – مرة أخرى – مجرد ذريعة درامية للحبكة. وهو التناول السطحي ذاته الذي وقعت فيه أفلام مصرية قديمة مثل "وداع في الفجر" (المقتبس عن "جسر ووترلو")، أو "نادية" الذي عادت فيه عزيزة أمير إلى السينما، واستخدم بدوره حرب فلسطين على نحو بالغ الميلودرامية في قصة مغرقة في العاطفية.
قارن ذلك بما فعله يوسف شاهين في "اليوم السادس"، فبرغم انتقائية الفيلم في أسلوبه، وتشتته في العديد من الأفكار والأشكال السينمائية، فإنه لمس حرب فلسطين على نحو هامشي وإن كان مرهفا، فهناك شخصية رفحي التي قام بها يوسف شاهين نفسه، إنه صاحب دار عرض تقدم أفلاما أمريكية، لكنه عندما يرى اندلاع الحرب يقرر أن يغلق السينما ويذهب للانضمام إلى صفوف المقاتلين، وكأنها أمنية من يوسف شاهين بصنع أفلام تدافع عن المعارك القومية بحق، لولا أنه في الواقع غرق كثيرا في عالمه الذاتي الضيق!! إنه العالم الذاتي الذي استولى على "اسكندرية ليه"، فبرغم ما يبدو أن "بانوراما" للمجتمع المصري خلال السنوات الملتهبة في الأربعينيات، بين الحرب العالمية الثانية وحرب فلسطين، فقد ظلت مجرد خلفية للصراع الداخلي للشخصية الرئيسية التي تمثل يوسف شاهين في فترة شبابه المبكر.
ومن الحق القول أن هناك أفلاما مهمة وإن تكن منسية في تاريخ السينما المصرية، دارت حول الحرب، لكن من المفارقات أنها كادت أن تقتصر على حرب العدوان الثلاثي فقط، مثل فيلم "بورسعيد" الذي أنتجه وقام ببطولته فريد شوقي، وهو الفيلم الذي لم يكن مقدرا صنعه لولا مساندة الزعيم الراحل عبد الناصر. كما أن فيلم "عمالقة البحار" يحكي عن فترة من أهم فترات المد القومي، حين اشترك ضابط البحرية السوري جول جمّال في معارك العدوان الثلاثى واستشهد، كعلامة على أن حروب الأمة العربية هي في الحقيقة معركة واحدة، إن صحت الرؤية وصدق الهدف. ويبقى فيلم "أغنية على الممر" عن حرب 1967، وهو الفيلم الذي يدحض دعوى قصور الإمكانات، فقد تم إنتاج الفيلم من خلال "جماعة السينما الجديدة" التي لم تكن تملك سوى اشتراكات أعضائها، لكن الفيلم يخلق نسيجا متشابكا وحيا من خلال مجموعة من الجنود المصريين المحاصرين، لينتقل الفيلم في الزمان والمكان ليحكي عن عالم كل منهم، وكيف لهم أن يواجهوا الأزمة عندما يدركون وحدة المصير.
هناك أفلام أخرى بدت للوهلة الأولى كأنها بعيدة في الزمن التاريخي، لكنها في الحقيقة كانت تحكي عن الزمن المعاصر، مثل "الصقر" الذي كان إنتاجا مشتركا بين مصر وإيطاليا، وأخرج نسخته المصرية صلاح أبو سيف، وهو فيلم قد يراه البعض ينضوي تحت نمط "السينما البدوية"، لكنه في أعماقه يحكي عن قبائل عربية مشتتة، وضرورة وحدتها في مواجهة عدو يتسلل إلى البلاد تحت زعم التحديث، في إشارة إلى العدو الصهيوني. كما أن فيلما مثل "الناصر صلاح الدين" لا يمكن أن يخطئ المتفرج دلالته، فبرغم أنه يحكي عن الحروب الصليبية، وبطولات صلاح الدين الأيوبي، فهو في جوهره يتحدث عن "هنا والآن"، لأن السياق بين التاريخ والواقع المعاصر سياق متشابه إلى حد كبير.
لكن من الدلالات المثيرة للاهتمام أن أغلب الأفلام التي تماست مع حرب أكتوبر لم تكن تخلو من المرارة، ربما لأن الإحساس العام بهذه الحرب كان أنها سُرقت بسبب الانفتاح العشوائي تارة، وانقلاب ميزان القيم الاجتماعية، أو بسبب الشعور بأنها ضاعت بعدما حدث في "كامب ديفيد" وما تلاها. في "سواق الأوتوبيس" على سبيل المثال مشهد مهم، لأصدقاء قدامى كانوا زملاء الجندية أثناء الحرب، وهو يلتقون عند سفح الأهرام في الليل، ينعون ما وصل إليه حال كل منهم، خاصة وأنت تعلم أن البطل عاجز عن حماية "ورشة" أبيه، التي تمثل له ولنا رحلة كفاح طويلة. أما في "كتيبة الإعدام" يصبح الرمز أكثر مباشرة، فالسرقة هنا حقيقية، من جانب شخص شرير سرق مرتبات الجنود واختفى، بينما اُتهم البطل ليسجن عدة سنين، وهاهو يخرج من السجن ليبحث عن المجرم الحقيقي.
لكن فيلم "المواطن مصري" يشير إلى الجاني منذ اللحظة الأولى، ودون الوقوع في أسر الحبكة البوليسية أو المواقف الميلودرامية: إن العمدة الإقطاعي يسرق الشهيد ذاته، ابن الفلاح العجوز المكافح، لينسبه إلى نفسه، في محاولة لإخفاء معالم الجريمة الكبرى، جريمة سرقة وطن بأكمله. غير أن فيلما مثل "ناصر 56" لا يعمد إلى الدراما التقليدية ذاتها، ليسير في خطوط أقرب للمسحة التسجيلية، ليسجل كل المشاعر والأفكار المرهفة في فترة حرجة من التاريخ المصري، في تلك الشهور القليلة التي سبقت تأميم القناة والعدوان الثلاثي. ولم يكن غريبا أن هذا الفيلم الذي عرض في صيف 1996 حقق إيرادات ضخمة على عكس المتوقع، ولعله كان بداية اكتشاف السينما المصرية لأهمية الموسم الصيفي. لم يكن نجاح فيلم "ناصر 56" راجعا إلى أنه فيلم تجاري، أو حتى أنه دار بشكل تقليدي عن أحد حروبنا المهمة، لكن لأنه لمس ما يجب أن يكون عليه الفيلم الحربي، أن يكون عن البشر وليس عن المدافع، وعن مشاعر وطنية وقومية صادقة طال اشتياق الجمهور إليها، ونرجو ألا يطول هذا الاشتياق.  


Thursday, December 10, 2015

حارة اليهود



منذ أكثر من عقد من الزمن، قرر المخرج الأمريكي مايكل باي أن يصنع فيلما عن موقعة "بيرل هاربور" يحمل نفس الاسم، وهي الموقعة التي حفرت في الوجدان الأمريكي ندوبا عميقة، لأنها كانت تسجل هزيمة أمريكا في تلك اللحظة أمام اليابان في الحرب العالمية الثانية، حين قصف الطيران الياباني السفن الحربية الأمريكية وهي قابعة في الميناء، وكانت تلك هي البداية الحقيقية للتدخل الأمريكي في الحرب، لتشن الطائرات الأمريكية غارات وحشية على المدنيين اليابانيين، انتقاما للكرامة الجريحة.
لو كان هذا الفيلم قد تم إنتاجه وإخراجه في بلادنا، لتوالت عليه مقالات المديح النقدي، لأنه يتناول "موضوعا" على هذا القدر من الأهمية، ومع ذلك فإن النقاد الأمريكيين منحوا الفيلم أربع درجات من عشر فقط، ووصفه بعضهم بأنه مبتذل، على الرغم من ضخامة إنتاجه، وكان السبب هو "المعالجة الفنية"، التي حولت الموضوع إلى حبكة بالغة التقليدية، عن قصة حب تنافس فيها صديقان على حب فتاة واحدة، وتضحية أحدهما بنفسه بما لا تدري إن كان فداء للوطن أم نبلا رومانسيا يخلي الطريق أمام صديقه.
تذكرت هذا الفيلم على الفور وأنا أشاهد مسلسل "حارة اليهود"، الذي يفترض أنه يحكي عن واحدة من أكثر الفترات السياسية حساسية في التاريخ المصري، خلال تلك السنوات التي شهدت تأسيس الكيان الصهيوني في عام 1948، وحتى قيام ثورة يوليو 1952، وتوتر العلاقات بين المصريين ومن يفترض أنهم إخوانهم في الوطن من اليهود، وما يستدعي ذلك إلى الذهن من جدل حول الفرق بين اليهودية كدين والصهيونية كنزعة سياسية بالغة العنصرية. وبرغم أهمية "الموضوع"، فقد تحول في مسلسل "حارة اليهود" إلى قصة حب مغرقة في رومانسيتها، بين ضابط مصري مسلم، وفتاة مصرية يهودية.
دعنا نتأمل في البداية كيف أن هذه الحبكة ذاتها قد تناولتها الأفلام الإسرائيلية، وأن نضع خطا للتأكيد على تكرار أن يكون الجانب اليهودي امرأة والجانب غير اليهودي رجلا، ولا يعود هذا كما يبدو للوهلة الأولى إلى ضرورات دينية، بل يعود إلى مغازلة الجانب الذكوري في ثقافتنا، التي يمكن أن تتقبل هذه العلاقة وترفض عكسها، ولعل فيلما إسرائيليا مثل "زيارة الفرقة" ما يزال في الذاكرة، فهو بدوره يتحدث عن "علاقة" بين ضابط مصري وامرأة يهودية، وإمكانية التقارب بينهما.
لكن الأهم من ذلك كله هو أن مسلسل "حارة اليهود"، الذي كتبه مدحت العدل وأخرجه محمد العدل، يزعم أنه يحاول أن يمتد بـ"الرمز" إلى نطاق ملحمي، يصور المجتمع المصري كله. وإذا صرفنا النظر عن الانتقادات العديدة التي وُجهت إلى المسلسل بسبب أخطاء تفاصيل الزمان والمكان، وهي الانتقادات التي لابد أن القارئ قد اطلع عليها في كتابات عبر الصحافة، فإن هذه الرغبة "الملحمية" دمرت مفهوم "الحارة" تماما، فأي حارة مصرية تقليدية هي مجتمع صغير شبه مغلق على ذاته، تتجاور فيه البيوت إلى درجة أنه يمكنك أن تعرف نوع الطعام الذي يتناوله جارك، لأن رائحته تصل إليك، كما يكاد ألا يكون هناك سر، فالجدران هشة بما يكفي لأن تشي بكل الأسرار عبرها.
ما رأيته في مسلسل "حارة اليهود" أقرب إلى حي سكني كامل، وربما أكبر من ذلك أيضا، لا يغلب عليه فقط طابع "الديكور" المصنوع، الذي يمكنك أن تلاحظ أن عمال الاستوديو قد انتهوا لتوهم من بنائه، ولكن يغلب عليه الاصطناع في تنويعة سكانه، فمنذ اللقطات الأولى سوف تعرف أن سكان الحارة ينتمون إلى ديانات مختلفة، عندما تراهم يتدافعون إلى معبد يهودي (في الحارة؟!) لاتخاذه ملجأ من غارة جوية، ولا نعلم أن القاهرة كانت في عام 1948 معرضة لأي غارات من هذا النوع.
ومنذ اللحظة الأولى أيضا سوف تعرف بالعلاقة المتوترة بين الفتاة اليهودية ليلى (منة شلبي) البريئة كالملاك، والفتاة المسلمة ابتهال (ريهام عبد الغفور) الشريرة كشيطان، أما السبب فهو تنافسهما على حب الضابط الشاب الوسيم علي (إياد نصار)، الغائب في فلسطين حيث يحارب الصهاينة. واستكمالا لرسم الخريطة الاجتماعية للحارة المزعومة، يقدم لك المسلسل الفتوة فتحي العسال (سيد رجب) وهو يهدم أحد الأفراح الشعبية لأنهم لم يأخذوا منه الإذن، وسوف تسأل نفسك كيف أقيم هذا الفرح الشعبي وسط الغارة، لكنها الصورة النمطية (شبه الأسطورية) عن الفتوات، والتي كانت – كما يؤكد الروائي العظيم نجيب محفوظ، أشهر من تناول هذه الشخصية – قد انتهت مع مطلع القرن العشرين!! كما سوف تسأل نفسك أيضا عن "الرمز" في جعل الفتوة أبا لابتهال بالذات، وتصويره في هيئة السلطة العاجزة عن حماية أهل الحارة، ناهيك عن صراعه بين صبيانه، وصعود أحدهم – ويدعى النطاط (وليد فواز) - بدلا منه إلى مقام الفتونة، بينما انتهى المعلم العسال إلى هزيمة الشيخوخة.
ولن تتوقف أسئلتك عند هذا الحد، فإذا كانت الشخصيات رموزا، لماذا انتهت ابتهال إلى أن تصبح راقصة، بينما ظلت ليلى على براءتها ونقائها؟ وأين من الممكن أن تجد – في أي حارة مصرية يقطنها سكان عاديون - بيت الدعارة الذي تديره زينات (هالة صدقي)، وتستعين فيه بفتونة المعلم العسال التي تهيم فيه عشقا، لكنها سوف تتخلى عنه ليصعد صبيه النطاط مكانه؟ عشرات الأسئلة سوف تتداعى إلى ذهنك، ولن تجد لها إجابة، سوى أن صناع مسلسل "حارة اليهود" قد أتوا بكل شخصياتهم من مستودع الشخصيات النمطية في الدراما المصرية، كما أتوا بالعديد من الإشارات العابرة عن قضية الأسلحة الفاسدة، ودور الإخوان المسلمين، دون جدية حقيقية في تناول أثرهم. لكن الأكثر تشويها على الإطلاق، هي تلك الجملة التي جاءت على لسان ليلى، ولم يذكر لها المسلسل أي تصحيح على لسان شخصية أخرى، بأن السبب في اعتناق شقيقها موسى (أحمد حاتم) للصهيونية هم الشيوعيون (!!)، بينما التاريخ الموجود في متناول القارئ، وكان الأجدر بالمؤلف الاطلاع عليه قبل أن يدلي بدلوه في هذا الموضوع الشائك، هذا التاريخ يؤكد أن الشيوعيين اليهود حاربوا الصهيونية، ودافعوا عن مصريتهم، لأنهم يرفضون تأسيس أي سياسة على قاعدة عنصرية.
يحكي من تبقى من اليهود المصريين عن الفقر المدقع الذي كان يعيش فيه أهل "حارة اليهود"، مثلهم مثل كل فقراء مصر آنذاك في كل الحارات، لكن المسلسل يصنع منهم تاجر الأقمشة هارون (أحمد كمال)، والد ليلى بالغ الطيبة، وآخرين يعملون بتجارة الذهب، أو ممثلين في السينما، أو معلمين للرقص، وكلها كما ترى مجرد أنماط كاريكاتورية، تخلو من الروح. وربما كان الأخطر على الإطلاق هو تلك الصورة الباهتة التي تم بها تصوير البطل الضابط المصري علي، حتى أنه يبدو في معظم المشاهد مفعولا به لا فاعلا.
تبدو بعض مشاهد مسلسل "حارة اليهود" وكأنها خرجت لتوها من فيلم هوليوودي، خاصة مع الموسيقى الأوركسترالية الجياشة التي صاحبتها، مثل مشهد لقاء علي وليلى عند الأهرام، أو مشهد وداعهما في محطة القطار، والذي يبدو مستنسخا من عشرات أفلام الحرب العالمية الثانية. كما تبدو بعض عبارات الحوار وكأنها تذكرك بأفلام يوسف وهبي القديمة، مثل "المعارك المبهرة" أو "الطبقية البغيضة"، وهي العبارات التي يفترض أنها تأتي في سياق حوار عادي، ولست محاضرة بليغة.
وأخيرا يبقى السؤال: ما هو – الآن - مدى إلحاح قضية التفرقة بين اليهودية والصهيونية؟ فقد يكون سؤالا ملحا في سياق آخر، وليس في سياق يمارس فيه الكيان الصهيوني غطرسته الكاملة. كما أن مسلسلا يحكي عن هذه القضية، كان لابد ألا يتجاهل دور الصهاينة أنفسهم في بث الرعب في قلوب اليهود، بزرع متفجرات في أماكن تجمعاتهم، لدفعهم دفعا إلى مغادرة مصر (والعراق أيضا). لكن أليس من الغريب أن يبعث فيك مسلسل مثل "ذات" الشك في أن عبد الناصر هو الذي طرد اليهود المصريين؟ وأليس من الغريب أن يطرح الآن مسلسل مثل "حارة اليهود" وبقوة فكرة أن معظم اليهود من الأخيار الطيبين؟ هل هي مجرد مصادفة، تشير إلى لجوء صناع مثل هذه المسلسلات إلى أقوال شائعة دون تدقيق، أم أن الأمر يتعدى المصادفة؟