Friday, January 08, 2016

أفلام الحرب بين العنف والشعر



من الشائع في أذهاننا أن النمط السينمائي المعروف باسم "الفيلم الحربي" لابد أن يحتوي على مشاهد لمعارك ومواقع حربية، وهو ما يحتاج بالطبع إلى ميزانيات كبيرة وتقنيات عالية. لذلك يبرر سينمائيونا عدم وجود أفلام تسجل لبعض حروبنا بأن هذا فوق إمكاناتهم، ولعل في هذا بعض الحقيقة، لكنه ليس الحقيقة كلها، فاختزال أفلام الحرب إلى مشاهد حربية يعكس مفهوما قاصرا إلى حد ما، إذ يتجاهل الهدف أو الأهداف من صنع ما يسمى أفلام الحرب.
لماذا حقا تقوم صناعة سينمائية بصنع أفلام حربية أو عن الحرب؟ هناك طيف واسع من الأسباب، التي قد تصل إلى حد التناقض أحيانا، وسوف نرى هنا كيف أن من الممكن أن تصنع فيلما يشيد بالحرب، ويخلع على المحاربين صفات البطولة، بينما هناك أفلام أخرى تدينها، باعتبارها تحول البشر إلى وحوش. كما أن هناك أفلاما تحتشد بأصوات طلقات الرصاص والمدافع، وأشلاء الضحايا وأكوام الركام، في الوقت الذي توجد فيه أفلام تدور عن الحرب دون أن تصور معركة حربية واحدة، فهي تركز بدلا من ذلك على الجوانب النفسية والاجتماعية التي تتسبب فيها الحروب.
وربما أتى المفهوم السائد عن الأفلام الحربية من أغلب أفلام هوليوود، خاصة تلك التي تدور حول البطولة الأمريكية (المزعومة إلى حد كبير) في الحرب العالمية الثانية. ومنذ خمسينيات القرن العشرين، وبسبب "الحرب الباردة" بين الكتلتين الغربية والشرقية، عملت هوليوود على صنع أفلام تمجد مآثر الجنود الأمريكيين بينما تقلل من شأن جنود الجبهات الأخرى. ولعل أبناء الجيل الأكبر من متفرجينا يتذكرون أفلاما مثل "مدافع نافارون" أو "دستة أشرار"، التي تبدو في ظاهرها تتحدث عن بطولة "جماعية"، لشخصيات درامية مرسومة جيدا لكي تعكس الصراعات بينها أيضا، وهي في الوقت ذاته تسعى لتحقيق مهمة عسكرية تحوطها المخاطر، لكن التناقضات بين الشخصيات تذوب في النهاية بفضل الضابط الأمريكي "القائد"، الذي يستجيب له الجميع، حتى تنتهي المهمة بالانتصار.
ولا يخفى علينا بالطبع أن مثل هذه الأفلام مصنوعة لأهداف سياسية ومعنوية، حتى لو شوهت الحقيقة قليلا أو كثيرا، فدخول أمريكا الحرب العالمية الثانية جاء متأخرا، بعد أن أدركت أنها ليست بعيدة بما يكفي لكي تترك العالم يتطاحن بينما تكتفي هي بالفرجة من بعيد، خاصة بعد الهجوم الياباني على ميناء "بيرل هاربر" الأمريكي. كما أن هوليودد لم تتحدث مثلا عن ملايين الجنود السوفييت الذين ماتوا لكي يوقفوا زحف القوات الألمانية، أو عن المقاومة الفرنسية للاحتلال الألماني. ففي هذا النوع من الأفلام كانت هوليوود تعمل لهدف "دعائي" خالص.
ولهذه الأفلام الدعائية توليفة واحدة، حيث يوجد قدر هائل من التنميط: أبطال الفيلم الأمريكيون يمثلون الخير، بينما يجسد العدو جانب الشر. إن هذا ما تجده في أفلام عاودت الظهور في فترات لاحقة، مثل "رامبو" أو "سقوط الصقر الأسود"، وفيها جميعا حيلة درامية بارعة، هي جعل المتفرج يرى العالم من وجهة نظر "البطل" وحده، بينما لا يكاد يظهر وجه "العدو" على الإطلاق، الذي يجسد خطرا غامضا يخلو من أي ملامح إنسانية. ولعل أهم الأفلام في هذا السياق هو "إنقاذ الجندي رايان"، الذي برع مخرجه الشهير ستيفن سبيلبيرج في تصوير مشاهد المعارك، لكنه أضاف لها نزعة تسجيلية تجعلك تشعر أنك في قلب المعركة ذاتها، وتذوب في توحدك مع شخصيات الجنود الأمريكيين، فعندما تنفجر قنبلة يغيب شريط الصوت للحظات في الصمت، ليحاكي ما يحدثه الانفجار في الأذن، أو تغرق الكاميرا تحت سطح الماء أحيانا بينما يناضل الجنود للنزول على شاطئ نورماندي.
يمكنك أن تجد عشرات الأمثلة على هذا النوع من الأفلام الحربية الدعائية، لكننا سوف نتوقف هنا قليلا أمام تنويعات مختلفة، لنرى كيف أن هذا النمط الفيلمي يتسع ليشمل العديد من الأشكال والمضامين. إن هذا الطيف يمتد مثلا من النزعة التسجيلية الخالصة في فيلم "أطول يوم في التاريخ"، الذي يخلو من الرسم الدرامي التقليدي للشخصيات أو الصراع، لترى على الشاشة شخصيات الضباط والجنود وإلى جانبهم أسماؤهم، أو ترى تتابع عقارب الساعة عبر الزمن في أحداث يوم من أيام الحرب العالمية الثانية، هو مرة أخرى يوم النزول على شاطئ نورماندي. لكن طيف الأفلام يصل مع "بيرل هاربر" إلى نزعة مغرقة في الرومانسية الميلودرامية، حيث يصبح جوهر الفيلم هو تيمة العلاقة المركبة بين "امرأة ورجلين"، وقصة الحب والتضحية كما في الأفلام العربية التقليدية تماما!!
ولعل أهم الأفلام التي تناولت الحرب لكي تقف موقفا مناهضا لها هو الفيلم الفرنسي المعاصر "خطبة طويلة جدا"، وفيه شابة تبحث عن خطيبها الذي ذهب إلى الحرب، لتتحول "الرحلة" التي تقوم بها إلى قصيدة مأساوية عن ويلات الحرب وعبثيتها. وفي الحقيقة أن هناك في تراث السينما العالمية مجموعة ليست بالقليلة من الأفلام التي تدين الحروب، مثل الفيلم الفرنسي "الوهم الكبير" لأهم مخرجي السينما الفرنسية خلال النصف الأول من القرن العشرين جان رينوار، أو الفيلم العبقري للفنان العظيم شارلي شابلن "الديكتاتور العظيم"، الذي يحول عملا كوميديا راقيا نرى فيه صعلوك شابلن التقليدي، شبيها بالقائد النازي أدولف هتلر (من المفارقات الطريفة بالفعل أن هتلر كان يقلد شابلن في مظهره!!)، لكي يقف الصعلوك في نهاية الفيلم بديلا عن هتلر يخطب في قواته، لتأتي واحدة من أفضل اللحظات السينمائية في فيلم عن الحرب، لكي تتحدث عن السلام بين البشر جميعا.
من التنويعات المهمة الأخرى أفلام يتناقض شكلها مع مضمونها، وهي الحيلة السينمائية التي برع فيها المخرج ستانلي كوبريك، صاحب أكثر الرؤى قتامة عن "المدنية الغربية"، فهو في فيلم "خزانة مدفع مليئة بالطلقات" يصور كيف أن التدريب العسكري يحول الجنود الشباب إلى وحوش، إنهم يفقدون براءتهم ويصبحون آلات للقتل بالمعنى الحرفي للكلمة. بينما يقدم في "دكتور سترينجلاف، أو كيف توقفت عن القلق وأحببت القنبلة" رؤية بالغة السخرية والمرارة تبدأ من هذا العنوان الغريب، حيث يجتمع قادة العالم المتخاصمون في "غرفة الحرب" لكي يحددوا مصير البشرية، لكننا نراهم شخصيات مشوهة تماما، بينما يهرب ضابط مصاب بالعجز الجنسي بطائرته التي تحمل قنبلة نووية، مهددا بدمار شامل، فكأن الحرب في حقيقتها تعكس عجزا عميقا عن التواصل مع الآخرين.
وتصل هذه السوداوية إلى حدها الأقصى في الأفلام التي تتحدث عن قدامى المحاربين، الذين عادوا من الحرب بتشوهات نفسية أحيانا، أو عادوا أحيانا أخرى بحلم عن وطن أفضل سوف يخيب أملهم فيه. وإذا كان فيلم "العودة إلى الوطن" يحكي عن هذه التجربة في أعقاب حرب فييتنام بشكل لا يخلو من رومانسية أسيانة، فإن فيلم المخرج الشهير مارتين سكورسيزي "سائق التاكسي" يحتشد بقدر هائل من المرارة، إن البطل قد عاد من فييتنام ليعمل في ساعات الليل سائقا لسيارة أجرة، فكأنها فرصته لكي يرى العالم السفلي لمدينته التي حلم بالعودة إليها، فإذا بها تجسد عالما قاتما كئيبا، مما يدفعه لأن يقرر أن يأخذ طريق "الانتقام" الفردي ممن يتصورهم أشرارا، وإذا كنت تراه في بعض اللحظات وقد تحول إلى إرهابي، فأنت تدرك أنه قد نصب من نفسه قاضيا وجلادا، لأنه في الحقيقة ضحية لحرب لم تكن عادلة أبدا.
وهكذا يتحول تناول تيمة "الحرب" في السينما أحيانا، وعلى يد فناني السينما المرهفين، إلى تأمل أكبر وأشمل لقضايا إنسانية أعمق، وهو ما يبدو واضحا في فيلم المخرج تيرانس ماليك "الخط الأحمر الرفيع"، الذي يعود فيه إلى عالم الحرب العالمية الثانية، لكن ليس أبدا لكي يتحدث عن البطولة، وإنما عن الصراع الدائم بين الإنسان والطبيعة، وبين الإنسان والإنسان، في مشاهد تتعدد فيها الأصوات التي تسرد الوقائع، كما تتعدد الرؤى، ليصبح الفيلم الحربي هنا قصيدة فلسفية بالمعنى الكامل للكلمة.
لكن يبقى السؤال: أين موقع السينما المصرية من هذه التنويعات؟ وهل ظلت أسيرة لمفهوم ضيق عما نسميه "الفيلم الحربي"؟!
في كل مناسبة من مناسبات أعيادنا القومية، لا يجد التليفزيون إلا عددا محدودا من الأفلام التي تواكب هذه المناسبة أو تلك، حتى أن المتفرج يجد نفسه محاصرا بفيلم شاهده عشرات المرات من قبل. خذ مثلا الاحتفال بحرب أكتوبر، التي يعتبرها المصريون والعرب الحرب التي أكدت قدراتنا على مواجهة العدو الإسرائيلي، ودحض دعواه الزائفة عن أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، فسوف تجد نفسك تشاهد في التليفزيون أفلاما من نوعية "بدور" أو "الوفاء العظيم"، وأقل ما يقال عنها أنها أفلام متواضعة، ناهيك عن أن "حرب أكتوبر" فيها لا تعني شيئا حقيقيا، فجوهر الدراما يدور حول قصة غرامية كررتها السينما المصرية مئات المرات، وليست الحرب فيها إلا "أزمة" يمكن أن تبدلها بأخرى، دون أن يترك ذلك أثرا في "الحدوتة"!!
ودائما ما تسمع من صناع الأفلام المصرية تبريرا متكررا، حول ندرة الأفلام التي تدور عن الحرب أو تواضع مستوى هذه الأفلام، وهو تبرير "الإمكانات" المادية التي تجعلهم يعجزون عن تنفيذ مشاهد المعارك، لهذا تراهم يستعينون بلقطات تسجيلية أرشيفية تتكرر من فيلم إلى آخر على نحو لا يخلو من رتابة أو حتى سذاجة، بل المثير أكثر للشفقة أو المرارة أن تلك اللقطات ليست تسجيلية بحق، فلأن صناع سياساتنا لا يؤمنون حقا بدور السينما، لم تكن هناك قوافل سينمائية تصاحب الجنود في المعارك الحقيقية، ولتقارن ذلك بأرشيف سينمائي هائل عن الحرب العالمية الثانية من على كل الجبهات، ورقم يثير الرهبة لعدد المصوريين السينمائيين الذين لقوا حتفهم في المعارك، لأنهم كانوا يصاحبون الجنود كتفا بكتف!!
لكن بعيدا عن مقولة صعوبة تنفيذ المعارك الحربية بموارد سينمائية محدودة، سوف تجد السينما المصرية قد تناولت تيمة الحرب دون اللجوء لهذه المشاهد باهظة التكاليف. وفي بعض الأحيان تتحول هذه التيمة إلى مجرد خلفية مقحمة، مثل فيلم المخرج خيري بشارة "الأقدار الدامية"، والذي هو في جوهره اقتباس عن مسرحية الكاتب الأمريكي يوجين أونيل "الحداد يليق بإلكترا"، فلأن الدراما تدور حول انتقام فتاة من أمها التي خانت أباها وهو في الحرب (تلك هي الأسطورة الإغريقية القديمة عن أجاممنون)، فلن يجد صناع الفيلم حربا سوى حرب فلسطين في عام 1948 (!!)، وهم إذا كانوا قد تمتعوا بذكاء استخدام عناوين صحف تلك الأيام، بديلا عن تصوير معارك فعلية، فإنهم جردوا تلك الحرب من مضمونها تماما، لتصبح – مرة أخرى – مجرد ذريعة درامية للحبكة. وهو التناول السطحي ذاته الذي وقعت فيه أفلام مصرية قديمة مثل "وداع في الفجر" (المقتبس عن "جسر ووترلو")، أو "نادية" الذي عادت فيه عزيزة أمير إلى السينما، واستخدم بدوره حرب فلسطين على نحو بالغ الميلودرامية في قصة مغرقة في العاطفية.
قارن ذلك بما فعله يوسف شاهين في "اليوم السادس"، فبرغم انتقائية الفيلم في أسلوبه، وتشتته في العديد من الأفكار والأشكال السينمائية، فإنه لمس حرب فلسطين على نحو هامشي وإن كان مرهفا، فهناك شخصية رفحي التي قام بها يوسف شاهين نفسه، إنه صاحب دار عرض تقدم أفلاما أمريكية، لكنه عندما يرى اندلاع الحرب يقرر أن يغلق السينما ويذهب للانضمام إلى صفوف المقاتلين، وكأنها أمنية من يوسف شاهين بصنع أفلام تدافع عن المعارك القومية بحق، لولا أنه في الواقع غرق كثيرا في عالمه الذاتي الضيق!! إنه العالم الذاتي الذي استولى على "اسكندرية ليه"، فبرغم ما يبدو أن "بانوراما" للمجتمع المصري خلال السنوات الملتهبة في الأربعينيات، بين الحرب العالمية الثانية وحرب فلسطين، فقد ظلت مجرد خلفية للصراع الداخلي للشخصية الرئيسية التي تمثل يوسف شاهين في فترة شبابه المبكر.
ومن الحق القول أن هناك أفلاما مهمة وإن تكن منسية في تاريخ السينما المصرية، دارت حول الحرب، لكن من المفارقات أنها كادت أن تقتصر على حرب العدوان الثلاثي فقط، مثل فيلم "بورسعيد" الذي أنتجه وقام ببطولته فريد شوقي، وهو الفيلم الذي لم يكن مقدرا صنعه لولا مساندة الزعيم الراحل عبد الناصر. كما أن فيلم "عمالقة البحار" يحكي عن فترة من أهم فترات المد القومي، حين اشترك ضابط البحرية السوري جول جمّال في معارك العدوان الثلاثى واستشهد، كعلامة على أن حروب الأمة العربية هي في الحقيقة معركة واحدة، إن صحت الرؤية وصدق الهدف. ويبقى فيلم "أغنية على الممر" عن حرب 1967، وهو الفيلم الذي يدحض دعوى قصور الإمكانات، فقد تم إنتاج الفيلم من خلال "جماعة السينما الجديدة" التي لم تكن تملك سوى اشتراكات أعضائها، لكن الفيلم يخلق نسيجا متشابكا وحيا من خلال مجموعة من الجنود المصريين المحاصرين، لينتقل الفيلم في الزمان والمكان ليحكي عن عالم كل منهم، وكيف لهم أن يواجهوا الأزمة عندما يدركون وحدة المصير.
هناك أفلام أخرى بدت للوهلة الأولى كأنها بعيدة في الزمن التاريخي، لكنها في الحقيقة كانت تحكي عن الزمن المعاصر، مثل "الصقر" الذي كان إنتاجا مشتركا بين مصر وإيطاليا، وأخرج نسخته المصرية صلاح أبو سيف، وهو فيلم قد يراه البعض ينضوي تحت نمط "السينما البدوية"، لكنه في أعماقه يحكي عن قبائل عربية مشتتة، وضرورة وحدتها في مواجهة عدو يتسلل إلى البلاد تحت زعم التحديث، في إشارة إلى العدو الصهيوني. كما أن فيلما مثل "الناصر صلاح الدين" لا يمكن أن يخطئ المتفرج دلالته، فبرغم أنه يحكي عن الحروب الصليبية، وبطولات صلاح الدين الأيوبي، فهو في جوهره يتحدث عن "هنا والآن"، لأن السياق بين التاريخ والواقع المعاصر سياق متشابه إلى حد كبير.
لكن من الدلالات المثيرة للاهتمام أن أغلب الأفلام التي تماست مع حرب أكتوبر لم تكن تخلو من المرارة، ربما لأن الإحساس العام بهذه الحرب كان أنها سُرقت بسبب الانفتاح العشوائي تارة، وانقلاب ميزان القيم الاجتماعية، أو بسبب الشعور بأنها ضاعت بعدما حدث في "كامب ديفيد" وما تلاها. في "سواق الأوتوبيس" على سبيل المثال مشهد مهم، لأصدقاء قدامى كانوا زملاء الجندية أثناء الحرب، وهو يلتقون عند سفح الأهرام في الليل، ينعون ما وصل إليه حال كل منهم، خاصة وأنت تعلم أن البطل عاجز عن حماية "ورشة" أبيه، التي تمثل له ولنا رحلة كفاح طويلة. أما في "كتيبة الإعدام" يصبح الرمز أكثر مباشرة، فالسرقة هنا حقيقية، من جانب شخص شرير سرق مرتبات الجنود واختفى، بينما اُتهم البطل ليسجن عدة سنين، وهاهو يخرج من السجن ليبحث عن المجرم الحقيقي.
لكن فيلم "المواطن مصري" يشير إلى الجاني منذ اللحظة الأولى، ودون الوقوع في أسر الحبكة البوليسية أو المواقف الميلودرامية: إن العمدة الإقطاعي يسرق الشهيد ذاته، ابن الفلاح العجوز المكافح، لينسبه إلى نفسه، في محاولة لإخفاء معالم الجريمة الكبرى، جريمة سرقة وطن بأكمله. غير أن فيلما مثل "ناصر 56" لا يعمد إلى الدراما التقليدية ذاتها، ليسير في خطوط أقرب للمسحة التسجيلية، ليسجل كل المشاعر والأفكار المرهفة في فترة حرجة من التاريخ المصري، في تلك الشهور القليلة التي سبقت تأميم القناة والعدوان الثلاثي. ولم يكن غريبا أن هذا الفيلم الذي عرض في صيف 1996 حقق إيرادات ضخمة على عكس المتوقع، ولعله كان بداية اكتشاف السينما المصرية لأهمية الموسم الصيفي. لم يكن نجاح فيلم "ناصر 56" راجعا إلى أنه فيلم تجاري، أو حتى أنه دار بشكل تقليدي عن أحد حروبنا المهمة، لكن لأنه لمس ما يجب أن يكون عليه الفيلم الحربي، أن يكون عن البشر وليس عن المدافع، وعن مشاعر وطنية وقومية صادقة طال اشتياق الجمهور إليها، ونرجو ألا يطول هذا الاشتياق.  


Thursday, December 10, 2015

حارة اليهود



منذ أكثر من عقد من الزمن، قرر المخرج الأمريكي مايكل باي أن يصنع فيلما عن موقعة "بيرل هاربور" يحمل نفس الاسم، وهي الموقعة التي حفرت في الوجدان الأمريكي ندوبا عميقة، لأنها كانت تسجل هزيمة أمريكا في تلك اللحظة أمام اليابان في الحرب العالمية الثانية، حين قصف الطيران الياباني السفن الحربية الأمريكية وهي قابعة في الميناء، وكانت تلك هي البداية الحقيقية للتدخل الأمريكي في الحرب، لتشن الطائرات الأمريكية غارات وحشية على المدنيين اليابانيين، انتقاما للكرامة الجريحة.
لو كان هذا الفيلم قد تم إنتاجه وإخراجه في بلادنا، لتوالت عليه مقالات المديح النقدي، لأنه يتناول "موضوعا" على هذا القدر من الأهمية، ومع ذلك فإن النقاد الأمريكيين منحوا الفيلم أربع درجات من عشر فقط، ووصفه بعضهم بأنه مبتذل، على الرغم من ضخامة إنتاجه، وكان السبب هو "المعالجة الفنية"، التي حولت الموضوع إلى حبكة بالغة التقليدية، عن قصة حب تنافس فيها صديقان على حب فتاة واحدة، وتضحية أحدهما بنفسه بما لا تدري إن كان فداء للوطن أم نبلا رومانسيا يخلي الطريق أمام صديقه.
تذكرت هذا الفيلم على الفور وأنا أشاهد مسلسل "حارة اليهود"، الذي يفترض أنه يحكي عن واحدة من أكثر الفترات السياسية حساسية في التاريخ المصري، خلال تلك السنوات التي شهدت تأسيس الكيان الصهيوني في عام 1948، وحتى قيام ثورة يوليو 1952، وتوتر العلاقات بين المصريين ومن يفترض أنهم إخوانهم في الوطن من اليهود، وما يستدعي ذلك إلى الذهن من جدل حول الفرق بين اليهودية كدين والصهيونية كنزعة سياسية بالغة العنصرية. وبرغم أهمية "الموضوع"، فقد تحول في مسلسل "حارة اليهود" إلى قصة حب مغرقة في رومانسيتها، بين ضابط مصري مسلم، وفتاة مصرية يهودية.
دعنا نتأمل في البداية كيف أن هذه الحبكة ذاتها قد تناولتها الأفلام الإسرائيلية، وأن نضع خطا للتأكيد على تكرار أن يكون الجانب اليهودي امرأة والجانب غير اليهودي رجلا، ولا يعود هذا كما يبدو للوهلة الأولى إلى ضرورات دينية، بل يعود إلى مغازلة الجانب الذكوري في ثقافتنا، التي يمكن أن تتقبل هذه العلاقة وترفض عكسها، ولعل فيلما إسرائيليا مثل "زيارة الفرقة" ما يزال في الذاكرة، فهو بدوره يتحدث عن "علاقة" بين ضابط مصري وامرأة يهودية، وإمكانية التقارب بينهما.
لكن الأهم من ذلك كله هو أن مسلسل "حارة اليهود"، الذي كتبه مدحت العدل وأخرجه محمد العدل، يزعم أنه يحاول أن يمتد بـ"الرمز" إلى نطاق ملحمي، يصور المجتمع المصري كله. وإذا صرفنا النظر عن الانتقادات العديدة التي وُجهت إلى المسلسل بسبب أخطاء تفاصيل الزمان والمكان، وهي الانتقادات التي لابد أن القارئ قد اطلع عليها في كتابات عبر الصحافة، فإن هذه الرغبة "الملحمية" دمرت مفهوم "الحارة" تماما، فأي حارة مصرية تقليدية هي مجتمع صغير شبه مغلق على ذاته، تتجاور فيه البيوت إلى درجة أنه يمكنك أن تعرف نوع الطعام الذي يتناوله جارك، لأن رائحته تصل إليك، كما يكاد ألا يكون هناك سر، فالجدران هشة بما يكفي لأن تشي بكل الأسرار عبرها.
ما رأيته في مسلسل "حارة اليهود" أقرب إلى حي سكني كامل، وربما أكبر من ذلك أيضا، لا يغلب عليه فقط طابع "الديكور" المصنوع، الذي يمكنك أن تلاحظ أن عمال الاستوديو قد انتهوا لتوهم من بنائه، ولكن يغلب عليه الاصطناع في تنويعة سكانه، فمنذ اللقطات الأولى سوف تعرف أن سكان الحارة ينتمون إلى ديانات مختلفة، عندما تراهم يتدافعون إلى معبد يهودي (في الحارة؟!) لاتخاذه ملجأ من غارة جوية، ولا نعلم أن القاهرة كانت في عام 1948 معرضة لأي غارات من هذا النوع.
ومنذ اللحظة الأولى أيضا سوف تعرف بالعلاقة المتوترة بين الفتاة اليهودية ليلى (منة شلبي) البريئة كالملاك، والفتاة المسلمة ابتهال (ريهام عبد الغفور) الشريرة كشيطان، أما السبب فهو تنافسهما على حب الضابط الشاب الوسيم علي (إياد نصار)، الغائب في فلسطين حيث يحارب الصهاينة. واستكمالا لرسم الخريطة الاجتماعية للحارة المزعومة، يقدم لك المسلسل الفتوة فتحي العسال (سيد رجب) وهو يهدم أحد الأفراح الشعبية لأنهم لم يأخذوا منه الإذن، وسوف تسأل نفسك كيف أقيم هذا الفرح الشعبي وسط الغارة، لكنها الصورة النمطية (شبه الأسطورية) عن الفتوات، والتي كانت – كما يؤكد الروائي العظيم نجيب محفوظ، أشهر من تناول هذه الشخصية – قد انتهت مع مطلع القرن العشرين!! كما سوف تسأل نفسك أيضا عن "الرمز" في جعل الفتوة أبا لابتهال بالذات، وتصويره في هيئة السلطة العاجزة عن حماية أهل الحارة، ناهيك عن صراعه بين صبيانه، وصعود أحدهم – ويدعى النطاط (وليد فواز) - بدلا منه إلى مقام الفتونة، بينما انتهى المعلم العسال إلى هزيمة الشيخوخة.
ولن تتوقف أسئلتك عند هذا الحد، فإذا كانت الشخصيات رموزا، لماذا انتهت ابتهال إلى أن تصبح راقصة، بينما ظلت ليلى على براءتها ونقائها؟ وأين من الممكن أن تجد – في أي حارة مصرية يقطنها سكان عاديون - بيت الدعارة الذي تديره زينات (هالة صدقي)، وتستعين فيه بفتونة المعلم العسال التي تهيم فيه عشقا، لكنها سوف تتخلى عنه ليصعد صبيه النطاط مكانه؟ عشرات الأسئلة سوف تتداعى إلى ذهنك، ولن تجد لها إجابة، سوى أن صناع مسلسل "حارة اليهود" قد أتوا بكل شخصياتهم من مستودع الشخصيات النمطية في الدراما المصرية، كما أتوا بالعديد من الإشارات العابرة عن قضية الأسلحة الفاسدة، ودور الإخوان المسلمين، دون جدية حقيقية في تناول أثرهم. لكن الأكثر تشويها على الإطلاق، هي تلك الجملة التي جاءت على لسان ليلى، ولم يذكر لها المسلسل أي تصحيح على لسان شخصية أخرى، بأن السبب في اعتناق شقيقها موسى (أحمد حاتم) للصهيونية هم الشيوعيون (!!)، بينما التاريخ الموجود في متناول القارئ، وكان الأجدر بالمؤلف الاطلاع عليه قبل أن يدلي بدلوه في هذا الموضوع الشائك، هذا التاريخ يؤكد أن الشيوعيين اليهود حاربوا الصهيونية، ودافعوا عن مصريتهم، لأنهم يرفضون تأسيس أي سياسة على قاعدة عنصرية.
يحكي من تبقى من اليهود المصريين عن الفقر المدقع الذي كان يعيش فيه أهل "حارة اليهود"، مثلهم مثل كل فقراء مصر آنذاك في كل الحارات، لكن المسلسل يصنع منهم تاجر الأقمشة هارون (أحمد كمال)، والد ليلى بالغ الطيبة، وآخرين يعملون بتجارة الذهب، أو ممثلين في السينما، أو معلمين للرقص، وكلها كما ترى مجرد أنماط كاريكاتورية، تخلو من الروح. وربما كان الأخطر على الإطلاق هو تلك الصورة الباهتة التي تم بها تصوير البطل الضابط المصري علي، حتى أنه يبدو في معظم المشاهد مفعولا به لا فاعلا.
تبدو بعض مشاهد مسلسل "حارة اليهود" وكأنها خرجت لتوها من فيلم هوليوودي، خاصة مع الموسيقى الأوركسترالية الجياشة التي صاحبتها، مثل مشهد لقاء علي وليلى عند الأهرام، أو مشهد وداعهما في محطة القطار، والذي يبدو مستنسخا من عشرات أفلام الحرب العالمية الثانية. كما تبدو بعض عبارات الحوار وكأنها تذكرك بأفلام يوسف وهبي القديمة، مثل "المعارك المبهرة" أو "الطبقية البغيضة"، وهي العبارات التي يفترض أنها تأتي في سياق حوار عادي، ولست محاضرة بليغة.
وأخيرا يبقى السؤال: ما هو – الآن - مدى إلحاح قضية التفرقة بين اليهودية والصهيونية؟ فقد يكون سؤالا ملحا في سياق آخر، وليس في سياق يمارس فيه الكيان الصهيوني غطرسته الكاملة. كما أن مسلسلا يحكي عن هذه القضية، كان لابد ألا يتجاهل دور الصهاينة أنفسهم في بث الرعب في قلوب اليهود، بزرع متفجرات في أماكن تجمعاتهم، لدفعهم دفعا إلى مغادرة مصر (والعراق أيضا). لكن أليس من الغريب أن يبعث فيك مسلسل مثل "ذات" الشك في أن عبد الناصر هو الذي طرد اليهود المصريين؟ وأليس من الغريب أن يطرح الآن مسلسل مثل "حارة اليهود" وبقوة فكرة أن معظم اليهود من الأخيار الطيبين؟ هل هي مجرد مصادفة، تشير إلى لجوء صناع مثل هذه المسلسلات إلى أقوال شائعة دون تدقيق، أم أن الأمر يتعدى المصادفة؟

Monday, October 19, 2015

بمناسبة فوز الفيلم بـ90 فى المائة من جوائز المهرجان القومى



                                            فيلم "الفيل الأزرق"
                                  بهلوانيات الشكل، وسذاجة المضمون                                                  

فاز فيلم "الفيل الأزرق" ببضع جوائز سينمائية محلية فى مسابقات من الدرجة الثانية، وقيل إنه قد حصد قدرا هائلا من أرباح الإيرادات، وبلغ عدد متفرجيه الملايين، وكتب عنه العديد من النقاد الكثير من كلمات الإطراء والمديح، لكنه مع ذلك كله ليس إلا فقاعة لا يبقى منها شيء يستحق أن يعيش فى تاريخ السينما المصرية، ليس فقط بسبب اعتماده على رواية أحمد مراد التي تخلو من الانتساب إلى الأدب الحقيقى، ولكن لأن المخرج مروان حامد يفتقد بدوره كثيرا من فهم طبيعة الإخراج، وفي فيلميه السابقين "عمارة يعقوبيان" و"ابراهيم الابيض" كان يتاح له دائما الاستعانة بأطقم أجنبية من فناني وفنيي "الوحدة الثانية"، المسئولين في العادة عن تنفيذ المشاهد المبهرة، أما الأجزاء الدرامية (والتي تشكل جوهر أي فيلم) فتظل رتيبة عقيما مكررة وبلا روح، وربما غامضة أيضا.
والغموض المفتعل هو سمة فيلم "الفيل الأزرق"، المأخوذ عن رواية بنفس الاسم للكاتب الذي ذاع صيته مؤخرا ويدعى أحمد مراد، وهو نفسه الذي كتب سيناريو وحوار الفيلم، بما لا يمكنك أن تنفي عنه مسئولية ما انتهت إليه روايته على الشاشة، في فيلم من ساعتين ونصف، يمكنك اختصارها إلى نصف ساعة فقط. ورواية أحمد مراد ليست إلا تقليدا ممسوخا لروايات الكاتب والقاص الأمريكي غزير الإنتاج ستيفن كينج، صاحب قصص عشرات  الأفلام مثل "كاري" و"التماع" و"النافذة السرية"، والذي يعتمد على "توليفة" يكررها دائما وتعجب جمهوره، مؤلفة من حبكة غامضة ينجلي غموضها شيئا فشيئا، عندما ينحو إلى تفسيرها بإحدى الظواهر غير الطبيعية أو المريضة نفسيا.
تأمل على سبيل المثال فيلمه "النافذة السرية" (2004)، الذي يحكي عن كاتب (جوني ديب) لجأ إلى منطقة مهجورة، بحثا عن الخلاص من أزمة نفسية جعلته يتوقف عن الإبداع، لكن رجلا غامضا (جون تورتورو) يظهر له، ويطرق على بابه كل مساء، مدعيا أنه صاحب الروايات الأصلية التي ينسبها الكاتب لنفسه. وبعد أن يضرب المتفرج أخماسا في أسداس حول تلك العلاقة المبهمة، يقول لك ستيفن كينج أن بطل الرواية يعاني من ازدواج الشخصية (السكيزوفرينيا)، وأنه ومطارده الغامض ليسا إلا شخصا واحدا، أو قل إن هذا المطارد يمثل الجانب غير الواعي من النفس البشرية.
وبرغم هذا المفهوم الروائي أو السينمائي بالغ السذاجة حول ازدواج الشخصية، أو ربما بسبب هذا المفهوم، فإنه يصبح صالحا تماما لإضافة الكثير من التفاصيل (أغلبها ليس لها علاقة حتى بالعالم الفني)، والتي تشكل شبكة تحيط بالمتلقي وتوقعه في حبائلها. وهذا ما حدث تماما في فيلم "الفيل الأزرق"، الذي "يفترض" أنه يحكي عن الطبيب النفسي يحيى (كريم عبد العزيز)، الذي غاب عن عمله لسنوات خمس طويلة، بعد مصرع زوجته وطفله في حادث سيارة، ليزاول العمل من جديد في مستشفى الأمراض النفسية، حيث يجد زميله القديم شريف (خالد الصاوي)، المتهم بقتل زوجته وطفله (أيضا!!)، والمصاب بازدواج الشخصية السينمائي إياه، ويذكرك لقاؤهما الأول بالفيلم الأمريكي الشهير "صمت الحملان". ويظل الفيلم يراواح نفس المكان المرة بعد الأخرى، حيث يلتقي يحيى وشريف، ليستطردا في مشاهد حوارية طويلة ومملة (برغم أنه يفترض أنها تثير فضول المتفرج). ناهيك عن خيط قصصي يتحدث عن حب بين يحيى ولبنى (نيللي كريم)، شقيقة شريف، دون أن تعرف أنت على وجه اليقين ما علاقتها "الفنية" بالحبكة. وأخيرا هناك أيضا حديث عن صانعة الوشم أو "التاتو" (شيرين رضا)، التي رسمت وشما على جسد شريف، سوف يتسبب في أن روحا شيطانية أو "عفريتا" قد ركبه، وانتهى به إلى هذه الحال.
عبثا سوف تسأل نفسك: وما علاقتي أنا المتفرج بهذا العالم؟ فكل عمل فني يفترض أن يحقق نوعا من التوحد – أو التعاطف على الأقل – مع شخصية ما داخل العالم الفني، ليتحقق لك الخوف على البطل أو البطلة، ورغبتك في أن يتخلصا من أزمتهما، وفرحك عندما يتخلصان منها، لكن ليس هنا شيء من ذلك على الإطلاق، فكل ما يحدث على الشاشة يحدث لأناس لا يهمك أمرهم، أناس مصطنعين مفتعلين لصنع رواية وفيلم زائفين. والزيف يأتي كما أشرنا من قبل إلى تقليد الكاتب أحمد مراد لستيفن كينج وأمثاله من أصحاب الروايات الأكثر مبيعا في أمريكا، كما يأتي الزيف أيضا من محاولة المخرج مروان حامد تقليد الشكل الأمريكي في الأفلام التي يفترض فيها أن تدور حول العوالم النفسية.
الغريب أن تقليد كل منهما – الكاتب والمخرج – يأتي على طرف نقيض من الآخر، دون وعي منهما معا بذلك الخلط الأسلوبي، عندما يعتمد الأول على المشاهد الحوارية شديدة الإثارة للملل، والتي تحكي بالكلمات ما كان ينبغي حكايته بالصورة، بينما يعتمد الثاني على بهلوانيات سينمائية في مشاهد أخرى، غارقة في الظلام أحيانا، أو في ضوء يعمي الأبصار أحيانا أخرى، وحركات كاميرا أفعوانية، ومونتاج لا يترك لك وقتا لكي تدرك ما تراه على الشاشة، وهو يبرر ذلك بالطبع بأنها "الهلوسات"، التي لن ندري أحيانا إن كانت تدور في العالم النفسي ليحيى أو شريف، أو لهما معا باعتبار أنهما شخص واحد.
ولعلك تذكر مسلسلا رمضانيا حمل عنوان "اسم مؤقت"، فقد كان بدوره يحكي عن بطل يمر خلال تسع وعشرين حلقة بسلسلة من المغامرات القاتلة الغامضة، ليفاجئك صناع المسلسل في الحلقة الثلاثين (بطريقة "وضحكت عليك") بأن كل ما رأيته ليس إلا تهاويم تدور في نفس رجل مريض نفسيا. كما قد تتذكر أيضا مسلسل "السبع وصايا"، الذي لم يحفل صناعه ولو للحظة واحدة بتقديم تفسير فني أو منطقي واحد للغموض المفتعل الذي قدموه، ناهيك أيضا عن الحديث عن الجن والعفاريت وأمور السحر والشيطنة. وسوف تسأل نفسك: ما علاقة هذه الأعمال بعضها ببعض؟ وما هي الرسالة التي تريد أن تنقلها لنا؟ وهل هي تتحدث عن واقع يخصنا، أو تحاول أن تدفعنا للحياة والتفكير في عالم وهمي زائف؟ أو فلتقل في نهاية الأمر: هل لكل ذلك علاقة بالفن، أم أنه من أعمال الحواة وخفة اليد؟
ومن مظاهر خفة اليد في فيلم "الفيل الأزرق" الإغراق في التفاصيل غير ذات العلاقة من قريب أو بعيد، وحتى عنوان الفيلم، الذي يقولون لك أن يشير إلى نوع من الأقراص تتيح لمتعاطيها الغرق في بحار الهلوسة، هو أمر بلا أى معنى، وخذ بالك من أن الفيلم يشرح للبطل (الطبيب النفسي) عن طريق عشيقته ما هو هذا الدواء، كأنه يسمع عنه للمرة الأولى (!!)، وفي الحقيقة أن الفيلم يريد أن يشرح لك سبب تلك المشاهد شبه الكابوسية، والمضحكة، التي استمتع صناع الفيلم بتنفيذها. وهناك أيضا حديث لا ندري علاقته بالموضوع، حول ممارسة يحيى للعب القمار، ودراسته للغة الجسد!! وأضف إلى ذلك أيضا ثرثرة حول "حساب الجُمّل" الذي يعطي حروف الكلمات العربية أرقاما، أو تناسخ الأرواح (أو الأجساد؟)، وقدرة شريف على إيقاف نبض قلبه!! وإذا تحدثنا عن تفاصيل أخرى، فيمكنك أن تسأل المخرج من ومتى وكيف تتم حلاقة رأس المريض شديد الخطورة شريف على هذا النحو، بحيث يبدو دائما خارجا لتوه من "صالون" الحلاقة؟!
أخيرا، هل تجعل القصص الساذجة مفتعلة الغموض صاحبها "أديبا"؟ وهل يمكن إطلاق صفة "مخرج" على من يأتي بفنيين ينفذون له مشاهد الرعب (كما فعل في مشاهد الأكشن في "ابراهيم الابيض")، لكي يكتفي هو بوضع موسيقى لا تتوقف على شريط الصوت، بينما يقوم بتصوير المشاهد الحوارية الطويلة بأقصى ما يستطيع من التقليدية المملة؟ وهل يبدو في ذلك كله أن السينما المصرية سوف تخرج من أزمتها الإبداعية؟ للأسف فإن الإجابة الوحيدة على كل هذه الأسئلة هي: لا!!    

Saturday, April 11, 2015

أسطورة هوليوود الشرق



من دلائل عدم نضج الشعوب أن قطاعا كبيرا منها يردد أحيانا مصطلحات وعبارات ليس لها معنى محدد، لكنها تكتسب مع رواجها بريقا خاصا، ولو حاولت أن تجد لها معادلا أو ترجمة فى أى لغة أخرى فسوف تكتشف زيفها. من هذه العبارات فى مجال السينما وحده هناك الكثير، مثل "أفلام البطولة المطلقة"، أو "سينما المضحكين الجدد"، وعلى هذا النحو جاءت تلك العبارة الخالدة التى غرقنا فى وهمها طوال عقود كاملة أن "القاهرة هى هوليوود الشرق".
ولا أدرى لماذا "هوليوود" تحديدا التى اخترناها لتكون طرف ذلك التشبيه، فهناك على سبيل المثال لا الحصر "مدينة السينما" فى إيطاليا، أو "بابل الجديدة" فى ألمانيا، ولكن يبدو أن ذلك جاء نتيجة الافتتان بنوع ما من السينما، لم نجد غيره فى فترة البدايات، نتيجة حالة من "الاحتلال الثقافى" الناعم، الذى فرضته شركات احتكار توزيع الأفلام. ومع ذلك، هل عرفنا حقا ما هى هوليوود، لكى نطمح إلى التشبه بها؟
فى السطور التالية أرجو من القارئ دائما أن يستمر فى المقارنة، وأن يتساءل عند كل فقرة: "هل نحن حقا مثل هوليوود؟". فعلى حين بدأت السينما الأمريكية فى نيويورك على الساحل الشرقى للولايات المتحدة، سرعان ما أدرك صناع السينما أن أجواء كاليفورنيا أكثر ملاءمة للتصوير طوال العام، فى جو مشمس ذى شتاء قصير، يشبه على الأرجح أجواء الإسكندرية التى بدأت السينما فيها عندنا، لتنتقل عندنا إلى القاهرة فى اتجاه معاكس للملاءمة والتنوع، وليس هناك من هدف إلا الاقتراب من عالم "البيزنيس" والتجارة.
وفى ضاحية على الساحل الغربى، أنشئت هوليوود حيث شيدت الاستوديوهات التى تعمل بطريقة التجميع الآلى، مثل صناعة السيارات بالضبط، حيث يوجد المئات من الكتاب والممثلين والمخرجين وكل الفنيين الآخرين، مهمتهم صنع المئات (نعم، المئات) من الأفلام القصيرة كل أسبوع (نعم، كل أسبوع). ومن هنا نشأت الشركات، التى كبر بعضها مع الأيام، ولم تتوقف صناعة السينما عند المحاولات الفردية أيا كان حجمها، مثلما كان – وما يزال – الحال عندنا.
ظلت السينما عندنا أقرب إلى المقاولات منها إلى الصناعة الراسخة، وهذا ما يتضح تماما عندما نعرف أن شركات هوليوود الكبرى سرعان ما أنشأت "اتحادا" بينها، لكى تحتكر الصناعة سواء فى الإنتاج أو التوزيع أو العرض. لذلك اكتسبت هوليوود صبغة مؤسسية، حتى أنها عندما واجهت انتقادا شديدا من مختلف جماعات الضغط، بسبب ما قيل عن المضمون السلبى لأفلام هوليوود، أسرع اتحاد المنتجين والمزعين بتأسيس ميثاق يفرض نوعا من الرقابة الذاتية، لحماية الأفلام من الدعاوى القضائية من جانب، وتحسين صورة الصناعة من جانب آخر. وهكذا فإن "الرقابة" فى أمريكا، وما تزال، تمارس من خلال الصناعة ذاتها، بينما تصبح الرقابة عندنا فى يد "الدولة" أو "الحكومة" بمعنى أدق.
كانت هذه الرقابة الذاتية هى حائط الصد الأول والدائم فى هوليوود، وأمريكا كلها، ضد أى قرار بمنع عرض الأفلام أو مصادرتها، نتيجة الطبيعة "المؤسسية" للصناعة. وفى المقابل أنشئت مؤسسات أخرى تحمى حقوق الفنانين والفنيين ضد ما يمكن أن تفرضه الشركات المنتجة من شروط مجحفة، لتكون هناك نقابات لكتاب السيناريو والممثلين والمخرجين وكل الفروع الفنية الأخرى. ولم تكن هذه النقابات أشبه بالجمعيات الخيرية كما هو الحال عندنا، إذ ينحصر تفكيرها فى "المعاش" أو "العلاج"، وإنما لكل نقابة "عقد" محدد لابد أن يلتزم به الجميع، ينص حتى على ساعات العمل أو الراحة أو الغداء أو الانتقال، فهل فكرت إحدى نقاباتنا الفنية فى ذلك؟ أو إذا كان موجودا، هل تراقب الالتزام به؟
باختصار، يدور العمل فى هوليوود – حتى بين الجبهات المتصارعة - بشكل "جماعى" فى كل شىء، حتى أن "النجوم" بجلالة قدرهم تضامنوا مع "الكومبارس" فى إضرابهم لتحسين شروط عملهم، بينما تبقى محاولاتنا فردية أقرب إلى صراع أهل المهنة الواحدة أنفسهم على اغتنام فرصة للعمل "وخلاص". كما أن هوليوود تعرف بالضبط ماذا تريد من الدولة، وماذا تريد الدولة منها، على عكس ما نرى عندنا من مطالبات من الدولة أحيانا بالدعم والمساندة، بينما يرفع آخرون شعار "رفع يد الدولة عن صناعة السينما". وفى الوقت ذاته، فإن هوليوود تسرع على الفور لخدمة القضايا الوطنية الأمريكية عندما تشعر بالمسئولية فى مد يد المساعدة، كما حدث فى تحولها المذهل فى بدايات الحرب العالمية الثانية من مساندة موقف أمريكا بعدم التدخل فى الحرب، بصنع أفلام تدعو إلى السلام، إلى إنتاج عشرات الأفلام الحربية عندما قررت الحكومة الأمريكية الانضمام إلى الحلفاء.
لم يطلب أحد من هوليوود ذلك، فقامت به من موقع الإحساس بأنها "مؤسسة" وطنية، حتى لو لم تكن تابعة للدولة، بينما تجد عندنا أفلاما فى الفترة الأخيرة تسخر – بالمعنى الحرفى للكلمة – من النضال الوطنى للشعب المصرى بشكل عام، وتوجه قدرا أكبر من السخرية إلى حرب أكتوبر وشهدائها!! وأرجو أن تقول لى متى فعلت هوليوود ذلك، حتى مع هزيمة أمريكا فى حرب فييتنام؟
نحن نضحك على أنفسنا عندما نردد أسطورة "هوليوود الشرق" تلك، بينما تبقى أمامنا أولا مهام أساسية، ليس من بينها مثلا – كما يردد البعض - تشجيع تصدير الأفلام المصرية، أو حمايتها من "القرصنة" (فالأفلام الأمريكية هى الأكثر تعرضا للقرصنة فى كل أنحاء العالم)، وإنما يجب علينا أولا، صناعا للأفلام ودولة، أن نعمل بشكل مؤسسى، ونتخلى عن نزعة فردية، انتهت بنا إلى حال السينما المصرية الآن، التى أصبحت لا تعانى فقط من أزمة، وإنما من مرض عضال مزمن، يبدو أنه ليس لديها له من شفاء.