Saturday, January 03, 2015

تأملات ذاتية في المسألة السينمائية الثورية

أكتب هذه السطور بعد أيام قليلة من صدور الحكم "القضائي" على مبارك وأعوانه، وسط حالة من الفوران الذي لا يدل في حقيقته على أن شيئا حقيقيا يغلي في القدر، بقدر ما يدل على اقتراب الماء فى الوعاء من الجفاف. أربعة أعوام ونحن "محلك سر"، ولا جديد تحت الشمس، سوى مزيد من الحوار الذي يكاد أن يقترب من أن يكون لغطا ولغوا، وأشعر – وهذا شعوري وحدي على الأقل – أن هناك كلمات لم تفقد معناها فقط، بل إنه لم يكن له معنى محدد في ذهن معظم أصحابها أصلا.
فالقليل من وقائع ثورة يناير معروف أو شائع، لكن هناك الكثير تم إخفاؤه عمدا، وما يزال خافيا لأنه يفضح رؤية العديد من الأطراف لمعنى الثورة، الكثير من التحالفات، الداخلية والخارجية، من أجل "تفطيس" هذه الثورة بأي ثمن، والكثير من الصراع حول الفوز بها، كأنها غنيمة على طاولة قمار، الكل يلعب عليها إما بنوع من المقامرة الانتحارية بالغة الخطورة، أو على طريقة "فيها لأخفيها"، أي افسحوا لي مكانا وسط المقامرين، وإلا عكرت عليكم صفوكم. والخاسر الوحيد من هذه اللعبة هو الوطن.
تذكرت كيف أن السينما المصرية، في أكتوبر ونوفمبر 1953، احتفت واحتفلت بثورة يوليو، وبرغم أن بعض أهل اليسار انتقدوا ذلك الاحتفاء، باعتباره نوعا من التملق، وحشر فقرات لا علاقة لها بموضوعات الأفلام الهزلية، فإننا ننسى أن السينما كانت آنذاك هي "وسيلة الإعلام" الأكثر تأثيرا في الناس، لكن الأكثر أهمية هو أن هذا الاحتفاء يشير إلى أن ثورة يوليو كانت قد حددت معظم أهدافها من اللحظة الأولى، لذلك شهد فيلم مثل "الحموات الفاتنات" في نهايته نشيد "على الإله القوي الاعتماد"، الذي كان تعبيرا عن شعار "الاتحاد والنظام والعمل"، كما غنى اسماعيل ياسين "لنجيب واخواته" في فيلم "اللص الشريف"، في مونولوج كان عنوانه "عشرين مليون وزيادة"، وهو يقصد "الضباط الأحرار".
قارنت ما صنعته السينما المصرية بعد ما يقرب من أربع سنوات من ثورة يناير فلم أجد أثرا لأي احتفاء، بل مزيدا من الغموض الواعي أو غير الواعي، ربما لأنه في الحقيقة ليست هناك حتى الآن ترجمة سياسية واضحة لهذه الثورة، أخذت أي نوع من التطبيق العملي الذي ينعكس على حياة الناس، وربما لأن شركاء هذه الثورة لا يملكون إلا صورة غائمة عن تغيير ما، يبدأ وينتهي بـ"إسقاط النظام"، الذي كان عند البعض يعني التخلص من سنوات طويلة من الهوان الوطني على كل المستويات، دون أن تكون هناك صورة واضحة عن "نظام جديد"، بينما كان يعني عند البعض الآخر إسقاط الدولة ذاتها، وخلق فراغ سياسي ليكون البديل المتاح الوحيد هو قفزهم إلى مقاعد السلطة.
لذلك بدت الثورة عند البعض حلما طوباويا، تمثل في "كوميونة" ميدان التحرير، التي جمعت العديد من الفرقاء، لكنها بدت عند البعض الآخر كابوسا خانقا، لأن هذا الميدان ذاته تحول في مراحل لاحقة إلى ما يشبه ساحة الصراع بين مجموعة من "البلطجية" المتناحرين.
تأملت فيلما تسجيليا مثل "الميدان"، الذي سبق لمخرجته جيهان نجيم أن صنعت فيلما بعنوان "غرفة الأخبار" عن قناة الجزيرة. ووصل فيلم "الميدان" بشكل ما إلى التسابق على جائزة الأوسكار للفيلم التسجيلي، ليتاح له أن يشاهد على نطاق واسع، حتى لو لم يكن – كفيلم – مستحقا لهذه الشهرة، لكنه استحقها لأنه تحديدا يروج للرؤية الأمريكية للثورة المصرية، برغم أنه يبدو في الأغلب الأعم منه "موضوعيا" على نحو ما، إذ يعرض لوجهات نظر مختلفة وإن لم تكن متعارضة، ليقودك في آخر لقطاته إلى حيث يريد تحديدا.
وحين يجمع "الميدان" بين الفتى أحمد، القادم من قاع المجتمع، ذي النزعة الثورية الفطرية، وخالد عبد الله، المصري الأصل بريطاني الجنسية، المنتمي لطبقة المثقفين من الشريحة العليا للطبقة المتوسطة، ويعمل ممثلا لكنه أتى ليشارك في الثورة ويكون شاهدا عليها، وأخيرا مجدي عاشور، ذي الخلفية الإخوانية، الذي يتحدث كأنه ليس جزءا من جماعة تؤمن بالسمع والطاعة، ويتصرف بوحي من إرادته، حين يجمع "الميدان" بين هذه الشخصيات الثلاث (بالإضافة لشخصيات فرعية أخرى)، يصور لك كيف أن الشعب المصري يقف صفا واحدا أمام "النظام" من أجل إسقاطه.
يمضي الفيلم كأنه يسجل الوقائع بشكل محايد، بدءا من حكم "المجلس العسكري"، مرورا بفزورة "الدستور أولا"، ولا ندري إن كان الفيلم يعي ذلك حقا حين يصور موقف بعض المثقفين الذين يختارون "الانتخابات أولا"، لإيمانهم بفكرة مشوشة يدعونها "الديموقراطية"، حتى لو أتت بالإخوان إلى مقاعد السلطة. (للأسف هكذا نحن في الأغلب، سلفيين ويساريين، يحكم أفكارنا "نص" جاهز، دون أن نضع اعتبارا للسياق). وبالفعل يستولي الإخوان على كل شيء، ويدرك جانب من الثوار أن الإخوان قد تخلوا عنهم، لتشاهد لقطات خاطفة لمذبحة الاتحادية، وحركة تمرد، ليقفز الفيلم في النهاية إلى جوهر رؤيته أو رؤية من ساعدوا في إنتاجه، فحين يختلق الإخوان اعتصام ميدان رابعة، يصور لك الفيلم قتلاهم في "مذبحة" الحرس الجمهوري، ليقرر أحمد الانضمام إليهم ضد الدولة، ويؤكد: "الدور على اللي جاي، ها أفضل في الشارع"، وبالطبع لأن "الثورة مستمرة"، من أجل ماذا بالضبط؟ لا إجابة.
إنك لو تأملت أسلوب الفيلم لتبين لك قدر ما فيه من اصطناع، الذي يبدو في التعليق على لسان الشخصيات، بطريقة تخلو من الحس التسجيلي العفوي، لكنها تقترب من الخطاب الإعلامي الموجه، كما أنك لن تدري (ولعلك تدري)  لمن يتوجه الفيلم، والكثير من مشاهده ناطقة بالإنجليزية، حتى على لسان المثقفين المصريين جدا، أو يفترض أنهم كذلك. كما أنك لو تأملت مضمونه، لاكتشفت أنه ينطق بنصف الحقيقة فقط، ويستخدم عبارات لها وجاهتها، لكن لها وجهتها أيضا، ولعل أخطر ما فيها التلميح إلى أن الإخوان أصبحوا بعد الثورة "مختلفين"، أو بالعربي الفصيح أنهم "فصيل ثوري"، يجب الوقوف معه ضد السلطة، أي سلطة، ولتنس الجوهر الفاشي فى الفكرة الإخوانية والتنظيم الإخواني تماما.
بنفس القدر من التشوش – الذي أراه غير مقصود هذه المرة – ياتي فيلم يسري نصر الله عن الثورة "بعد الموقعة"، وكل أفلام نصر الله "تتمتع وتستمتع" بهذا التشوش، الذي يعكس دائما رؤية ذهنية تماما لواقع يتم اختزاله إلى "شخوص" ولا تقول شخصيات، تمثل رموزا يكون على المتفرج أن يحل شفرتها. ماذا في جوهر "بعد الموقعة"؟ رجل يدعى محمود من أهالي نزلة السمان (باسم سمرة)، الذين نزلوا إلى ميدان التحرير بجيادهم وجمالهم ليفضوا الاعتصام، ونراه كأنه البطل التراجيدي، الذي تكمن أزمته في قيام أهل البلدة بالسخرية منه، لأنه وقع من فوق حصانه في الميدان!!
وهكذا يصبح علينا أن نتوحد معه، وننقذه من أزمته النفسية والمادية، وتلك هي مهمة البطلة ريم (منة شلبي)، التي تأتي إلى نزلة السمان بصحبة من تقوم بدور "السنيدة" في الفيلم (فيدرا)، التي ليس لها أي ملامح سوى أن تتبادل الحوار مع البطلة، لعل المتفرج يفهم ما يجري، ولكن هيهات لي على الأقل أن أفهم شيئا! جاءت ريم أيضا من الشريحة العليا من الطبقى الوسطى المستريحة جدا، ويبدو أنها على حافة الطلاق من زوجها لسبب لا ندريه (ابحث عن الرمز في الانسلاخ عن الطبقة)، لكنها تشاركه الشراب والفراش عندما يزورها، كما تقضي لحظات سرية ملتهبة من العشق مع محمود، لأنها أعجبت بطريقة ركوبه الحصان (هل هنا رمز جنسي أيضا؟ لا أدري).
وشيئا فشيئا، ومن خلال محمود – أو علاقتها السرية به – تتعرف على مشكلات أهل نزلة السمان، وتنقذ محمود من أن يصبح بلطجيا بسبب البطالة، لكن السبب الأهم هو إنقاذه مما أشرنا إليه سابقا من احتقار أهل القرية له. لكن أرجوك أن تقف قليلا أمام موقف فاطمة (ناهد السباعي)، زوجة محمود، التي تشعر بالإعجاب المتبادل والعلاقة السرية بين زوجها وريم، فتطلب من البطلة أن تتزوج زوجها!! لم يتوقف "بعد الموقعة" لحظة واحدة أمام أي مشاعر تصطرع داخل فاطمة باعتبارها إنسانة، قد تنتهي إلى هذا القرار تحت ضغط نفسي هائل، لكنها لم تستطع أن تخرج على أوامر صانع الفيلم، فهو يريدها رمزا للشرائح الدنيا من المجتمع، التي "يجب" عليها أن ترضى بالتحالف مع المثقفين، الذين يقضون أوقاتهم في الفيلم في الكلام والتدخين وشرب البيرة (بالمناسبة، لن تعرف أبدا من أين يكسب هؤلاء قوت يومهم، ويعيشون حياة فاخرة).
الغريب أن يسري نصر الله، صاحب الثقافة السينمائية الأجنبية، يستخدم قاعدة أحمد بدرخان التي وضعها في نهاية الثلاثينيات أو بداية الأربعينيات لصنع فيلم ناجح، وهي أن يدور حول امرأتين ورجل، أو رجلين وامرأة، وقد قام نصر الله بالجمع بين الاختيارين. هذا هو "وعي" بعض سينمائيينا بالثورة، وبصرف النظر عن العدد الهائل للشركات الأجنبية المنتجة في كليهما، كما تظهر في "التيترات"، فإنني لم أشعر لحظة أن هذه الأفلام تخاطبني، وتجعلني أقرب لروح الثورة بأي معنى. وربما كان السينمائيون معذورين إلى حد ما، لأن الثورة لم تجد حتى الآن معنى محددا، سوى "النزول إلى ميدان التحرير"، وأننا لا نريد "حكم العسكر"، ومواربة الباب من جانب السلطة والقوى السياسية معا أمام الإخوان برغم الحقيقية البديهية حول فاشيتهم، والأهم هو عدم ترجمة معنى الثورة بأي شكل – حتى في حد أدنى - في الواقع اليومي لحياة الناس.
ما أزال أنتظر الثورة، ليس بمعنى المظاهرات التي يحولها الإخوان دائما إلى ساحة دموية، وإنما الثورة التي تعني الممارسة السياسية الجادة، التي تطرح فيها السلطة رؤيتها السياسية الواضحة (حتى الآن لا نعرف لنا نظاما اقتصاديا متماسكا)، وتعني ألا تنتظر فيها القوى السياسية من السلطة أن تعطيها نصيبا من الغنيمة، فهي لن تفعل أبدا عن طيب خاطر، لكنها سوف تفعل إذا تحولت هذه القوى إلى كتل جماهيرية حقيقية، تعمل على تغيير هذا الواقع الكابوسي الذي نعيش فيه، لا أن تحوله إلى كابوس أكثر قتامة.
وما أزال أنتظر من السينمائيين الاقتراب الحقيقي الحميم من أحلام الناس، لا أن يروا الواقع من خلال رؤية ذهنية، أو وجهة نظر غربية.... ما أزال أحلم بميلاد حقيقي للثورة المصرية.

 

Thursday, December 04, 2014

فيلم "سكر برة"..... عن مرارة نتواطأ عليها بالصمت!

كثيرة هى الأفلام التسجيلية التى تتناول عالم الفقراء بمنطق الفرجة على عالم أنت فى الأغلب لا تعرفه، وربما زادك الفيلم رغبة فى عدم معرفته لأنه عالم أقرب إلى العجائب والغرائب: كائنات على هامش الحياة وليس فى الفيلم ما يدفعك للتساؤل عن بقائها فى هذا الهامش الضيق. وعلى العكس، هناك أفلام تسجيلية تجعلك تقترب من هذا العالم، لأنه فى حقيقة الأمر جزء لا يتجزأ من عالمنا، فنحن الذين ساهمنا فى صنعه، ونحن المسئولون عن استمراره، وهذا لا يأتى فقط من وعى الفنان السينمائى التسجيلى بمادة موضوعه، لكن الأهم هو عشقه لهذه المادة، على نحو ما فعل المخرج باسل رمسيس فى أحدث أفلامه "سكر برة".
وكل أفلام باسل رمسيس السابقة تعكس هذا المزيج من الفهم السياسى والعشق الإنسانى معا، سواء كان عن عالم المهاجرين إلى إسبانيا فى فيلمه "الجانب الآخر"، أو عن حياة النساء الفلسطينيات فى ظل قمع خارجى وداخلى معا فى فيلم "مراجيح". وها هو فى "سكر برة" يذهب بنا إلى قرى شديدة القرب من القاهرة، ويتحدث عن قضية لا تخفى على أحد منا، لكننا نتعامى عنها، وهى قضية زواج الفتيات – بل الأطفال – المصريات من عرب أجانب، زواجا مؤقتا لعل اسمه الحقيقى شىء آخر، فقط من أجل المال، بضع آلاف من الجنيهات يأخذها الأب مقابل "بيع" ابنته، أو تُغوى الفتاة ذاتها لأيام، لتكتشف بعدها أنها أصبحت وحيدة، وربما تتحمل مسئولية طفل نتيجة هذه العلاقة العابرة.
وأفلام باسل رمسيس تتبنى أسلوب "السينما المباشرة"، التى تختلف عن قرينتها "سينما الحقيقة" فى أن هذه الأخيرة تزعم أنها تتلصص على مادة الموضوع، إذ تحاول الشخصيات التى يتم تصويرها الادعاء بأنها غير واعية بأن هناك كاميرا تصورها، بينما السينما المباشرة تؤكد على وجود الكاميرا كعنصر فاعل فى الكشف عن هذه المادة، فترى الشخصيات تتحدث إلى الكاميرا فى أحيان كثيرة، كما يتدخل المخرج بين حين وآخر بسؤال يدفع الحوار إلى المناطق المسكوت عنها.
وفى الحالتين يكون الفيلم فى الحقيقة معرضا لاصطناع من نوع ما، لأن الوقوف أمام الكاميرا يخلق لدى الشخصيات حالة من الحديث "الرسمى" إن جاز التعبير، لكن فيلم "سكر برة" يتفادى ذلك تماما، إذ تعتاد الشخصيات على وجود الكاميرا والمخرج (وهو المصور أيضا) باعتبارهما من نفس العالم، بفضل ذلك التعاطف العميق الذى يتبدى كثيرا فى اللقطات القريبة الحميمة، التى قد تمتد زمنيا لتلتقط مشاعر الشخصية حتى بعد أن تنتهى من حديثها.
لقطات قريبة لوجوه جميلة رقيقة، لكنها تخفى تحت السطح قدرا كبيرا من المعاناة، معاناة الاستسلام للواقع تارة، أو مقاومته تارة أخرى. وربما قد تلتقط عيناك إحدى هؤلاء النساء اللاتى تحكين حكايتهن، لتعتبرها "بطلة" الفيلم (من بطلة الفيلم؟ هذا بالفعل هو السؤال الذى تطرحه إحداهن!)، لكنهن جميعا بطلات بالمعنى الواقعى للكلمة. ولن تنسى أبدا تلك الوجوه أيا كان اسمها: نحمده أو حنان أو أم أوسة أو ميرفت أو شيماء أو وردة، لكل منهن تجربة مع صفقة البيع والشراء عبر "سمسار" بالمعنى الحرفى للكلمة، الصفقة التى تتخفى وراء مصطلح "الزواج العرفى"، المؤقت بأيام أو أسابيع، كأنه (ودعنا نطلق على الأشياء أسماءها الحقيقية) دعارة مقنعة!
وقد تجد فى الفيلم بعض التلامس مع قضايا "نسوية" عديدة، لكنها فى حقيقتها قضايا اجتماعية واقتصادية وسياسية، مثل وجود المرأة التى ترعى أطفالها بدون زوج، أو عمل المرأة لكى تنفق على أسرتها طوعا أو كرها، أو تلك الرؤية الكامنة تحت سطح واقعنا لتطفو فوقه مؤخرا، متمثلة فيما يسمى "الفتاوى الدينية"، التى تؤكد عدم حق المرأة فى المساواة مع الرجل. ومن المشاهد الصادمة بحق (مع أننا نراها ونسمعها عشرات المرات كل يوم) أصوات ناعقة باسم الدين، تردد أقوالا مبتذلة إن لم يكن لها اسم آخر، حول أن "الديك ديك والفرخة فرخة" أو "العلم بتاع الرجالة بس" (يا سلام!!)، أو تبرير ذلك السلوك المرضى الذى يسمح بالزواج من الأطفال، أو بالأحرى بيعهن فى سوق النخاسة.
كنت أرجو أن أرى هذه الوجوه المكفهرة العكرة لمن يسمون أنفسهم شيوخا، لكى تتصادم مع وجوه النساء الرقيقة، لكن المخرج بدا أنه يفضل استخدام تسجيل فقط لتلك الخطب على شريط الصوت، كما كنت أرجو أن يكون هناك اهتمام أكبر بـ"البناء"، فالكثير من مشاهد الفيلم لا يحمل منطقا فنيا فى تتابعها المونتاجى، وتلك ليست مجرد مسألة "شكلية"، لكنها تترك أثرها الواعى وغير الواعى معا لدى المتفرج. لكن ما يعوض ذلك هو وعى المخرج ذاته بالجدل بين الواقع والصورة، والشخصيات والكاميرا، ولتتأمل على سبيل المثال "الكادر" الذى جمع بين الفتاة حنان وهى تصفف شعرها عند "كوافيرة" القرية، وصور النجمات على الحائط، أو تأمل التتابع المونتاجى بين الواقع المرير، وصورته كما جاءت فى أفلام روائية مصرية، مثل "لحم رخيص" أو "النداهة". كما أن هناك وعيا فائقا أيضا بـ"السياق" السياسى، فتمرد النساء والفتيات على وضعهن يتوازى مع "النزول للتحرير"، أو صرخة المطالبة بحق مشروع.
استخدم المخرج باسل رمسيس تعبيرا شعبيا لكى يكون اسم الفيلم، فتعبير "سكر برة" يعنى أن يأتى كوب الشاى منفصلا عن السكر، لكن السكر يظل "برة"، ولا تتبقى من الشاى سوى المرارة. وأجمل وأهم ما فى الفيلم أنه يجعلك تسأل بعد مشاهدته: أليست هؤلاء النساء جديرات بواقع أكثر جمالا وعدلا؟ وهل سوف يتكرر المصير مع أطفال بنات رأيناهن على الشاشة، تراقبن الأحداث فى صمت؟
بل هل نحن الذين سوف نستمر فى مراقبة هذه الوقائع فى صمت؟!                                                 



شبكة تشويه المعلومات "الإنترنيت"



زمان، كان مجرد نشر خبر فى جريدة كفيلا بتصديقه، وعندما كنت تناقش أحدا فى مصداقيته كان يرد عليك بالرد المفحم: "ده منشور فى الجورنان". الآن أصبح المنشور على الإنترنيت – أيا كان دقته أو صحته – يمثل حقائق وهمية، ولا يأخذ منا دقيقة واحدة فى مراجعته وتحقيقه.
فوجئت مؤخرا بفيديو موجود على موقع يوتيوب، يقول من وضعه أنه لحفل فى استوديو مصر عام 1935، وتناقل الجميع هذا الفيديو كحقيقة مسلم بها، رغم أنه لا يمكن أن يكون تصوير هذا الشريط قد تم إلا فى عام 1943 أو 1944. وإليك يا قارئى العزيز بعضا من المراجعة:
1)  يبدو من الفيديو أنه دعوة لحفل يقيمه للمطرب المحبوب "محمد أمين"، الذى لم يصبح مطربا إلا فى عام 1939 بعد عمله مهندس كهرباء فى استوديو مصر، ولم يصبح محبوبا إلا مع أغنيته "نور العيون يا شاغلنى" التى سجلها أوائل الأربعينيات. وكان أول أفلامه "تحيا الستات" و"حب من السماء"، وكلاهما عرض عام 1943، والأخير من إنتاج استوديو مصر.
2)  يتحدث سراج منير عن انتهائه من فيلم يدعى "غرام الصحراء" (وهو الذى أشار له فى الفيديو نفسه بدر لاما)، ولا يوجد فيلم مصرى بهذا الاسم، والأغلب أنه قد تغير اسمه إلى "رابحة" الذى عرض فى عام 1943 وأنتجه استوديو مصر، كما يشير سراج منير لبدئه تصوير فيلم "حبابة" الذى عرض فى عام 1944.
3)  يقدم عبد العزيز خليل نفسه بوصفه "المعلم العتر"، وهذا هو اسم شخصية الجزار التى قام بأدائها فى فيلم "العزيمة" المعروض عام 1939.
4)  تتحدث زوزو ماضى عن "الجمهور اللى وحشته ووحشنى"، بينما أول أفلامها كان "يحيا الحب" فى عام 1938، ثم عادت إلى السينما فى عام 1944 بفيلم "الأبرياء".
5)  يقدم الشريط "وجوها جديدة"، مثل ليلى فوزى، التى كان أول أفلامها "مصنع الزوجات" (1941)، كذلك مديحة يسرى التى لم تظهر على الشاشة إلا فى عام 1942 مع فيلم "أحلام الشباب"
من الواضح إذن إن الشريط كان تقليدا من استوديو مصر لما تصنعه شركات هوليوود من دعاية عن نجومها، أما (1935) التى وردت مطبوعة على الشريط فهذا فقط هو عام تأسيس استوديو مصر.
يقول من وضع تلك القصاصة أنها "مقدمة حفلة استوديو مصر عام 1935، مش ها تصدق"، وكان يجب فعلا ألا نصدق!                                                   


Wednesday, November 05, 2014

فيلم "شجرة الحياة"... تأملات فنية أصيلة فى الوجود والعدم



يستعصى فيلم "شجرة الحياة" على التوصيف والتعريف، ففيلم المخرج تيرانس ماليك – مثل كل أفلامه الأخرى – تتحدى الكتابات النقدية، خاصة تلك التى تتخذ طريقا سهلا لتذوق الأفلام، ولعل ذلك يمثل سببا جوهريا فى أنه لم يحقق طوال حياته الفنية إلا أفلاما قليلة، يفصل بين بعضها أحيانا ما يقرب من ربع قرن، كما أنه يبتعد تماما عن أى ظهور إعلامى، لذلك من النادر أن تجد له صورة شخصية على صفحات الجرائد والمجلات.
هل فيلم "شجرة الحياة" فيلم روائى؟ أم تسجيلى؟ أم تجريبى؟ أم تأثيرى؟ أم سيريالى؟ أم ما بعد حداثى فى أرقى تجليات ما بعد الحداثة؟ إنه ليس أيا من ذلك، لكنه كل ذلك أيضا. إنه تأمل بالغ العمق فى طبيعة الحياة والموت، بمعناهما القريب والبعيد، ويظل ينتقل فى تأملاته طوال الوقت بحثا عن إجابة لسؤال يثير الحيرة دائما لديه، ويذكرك على نحو ما بمسرحية "مأساة الحلاج" لصلاح عبد الصبور: هل الخير والشر نسبيان؟ وبكلمات أخرى: بقدر ما تعطى الطبيعة من خير، هل الشر جزء أصيل منها أيضا؟
دعنا فى البداية نبحث عن خيط "روائى" إن كان لهذا الخط من وجود: شاب فى مقتبل العمر (براد بيت) يعيش فى أواسط القرن العشرين، عندما كانت الحياة فى أمريكا تتجه إلى الضواحى، ويصبح البشر جميعا نسخا متشابهة. إن هذه الأجواء تتيح لتيرانس ماليك أن يرى عالم شخصياته بشكل مجرد، فما يحدث لهم يحدث لكل الآخرين، بل هو ما يحدث وسوف يظل يحدث فى هذا الكون الواسع، الميلاد ثم التعرف على العالم ومحاولة التكيف معه، ثم الموت.
تلك هى الرحلة الأزلية الأبدية التى تجمع كل كائنات هذا الكون، لكن تيرانس ماليك لا يتناولها باعتبارها حقائق علمية باردة، بل تجارب شخصية تسبب السعادة أحيانا والألم أحيانا أخرى. وعائلة هذا الشاب تعيش حياة متوسطة فى كل شىء، فهى تبدو حبيسة بيوت متشابهة مصنوعة جميعها من الخشب والزجاج، ويناضل الأب بحثا عن لقمة العيش فينجح مسعاه تارة ويفشل تارات أخرى، لذلك تتحول ملامح الممثل براد بيت من الوسامة إلى الجهامة، ويبرز فكه السفلى كأنه حيوان فى غابة، وفى أحد المشاهد الرائعة من الفيلم ترى الأب يدرب أبناءه خلال اللعب على استخدام القوة، كأنه أسد يلاعب أشباله لكى يدربهم على القتال.
تصل مأساة الأسرة إلى ذروتها مع موت واحد من الأبناء الثلاثة، فينتقل السرد فجأة إلى الزمن المعاصر، حيث نرى الابن الأكبر (شون بين) يعمل موظفا كبيرا فى مؤسسة ما، لكنه مثل الأب حبيس لأبنية معاصرة مصنوعة هذه المرة من الفولاذ والزجاج، ويتذكر الابن طفولته، ويمضى فى تأملاته، التى تفضى به إلى ساحل ممتد بلا نهاية، وإلى ممرات جبلية وعرة، تنتهى به إلى ما يشبه حافة السماء.
وهنا يبدأ واحد من أهم مشاهد تاريخ السينما، ويستدعى إلى ذهنك المشاهد الافتتاحية لفيلم ستانلى كوبريك "أوديسا الفضاء 2001"، لكن التنفيذ عن طريق الصورة المولدة كومبيوتريا يتيح لماليك حرية إبداعية أكبر، حيث تشاهد ما يشبه بداية خلق الكون من سديم، يتحول تدريجيا إلى شموس وكواكب، وتتوالى البراكين والفيضانات، وتسبح خلايا فى الماء، وتمضى هذه الرحلة البصرية والتأملية المدهشة حتى تصبح دماء وشرايين وجنينا يولد لكى يرى الحياة.
ومثل فيلم ماليك السابق "الخط الأحمر الرفيع" تكتشف أن الحياة وليدة صراع من نوع ما، صراع مرير من أجل الوجود، وصراع ضد العدم، لكن إذا كانت الحياة تعطى، فلماذا تأخذ؟ يتردد هذا السؤال دائما على نحو صريح أحيانا وضمنى أحيانا أخرى فى كل أفلام ماليك، خاصة أنه يستخدم دائما "التعليق من خارج الكادر"، وهو ليس تعليقا لصوت شخصية واحدة، بل إنه ينتقل من شخصية إلى أخرى، حتى أن الفيلم فى النهاية يبدو مثل قصيدة شعر متعددة الأصوات، متعددة المقاطع.
أعرف وأعترف أن هذا يسبب صعوبة أخرى تضاف لعدم وجود خيط سردى واضح (عبّر شون بين نفسه عن ذلك قائلا إن السيناريو كان أوضح كثيرا من الفيلم بعد اكتماله)، لكن توالى الصور أمامك على الشاشة يولد بداخلك مشاعر وأفكارا من الصعب أن تجد لها مكانا إلا مع فن تأملى من هذا النوع. تأمل على سبيل المثال تلك الصورة الأيقونية لقدمى طفل وليد بين يدى رجل، أو كيف تزداد ملامح الأب جهامة لقسوة الحياة بينما تزداد ملامح الأم رقة وعذوبة، أو كيف أن الأم تصبح لدى الصبى هى تعرفه الأول على مشاعره الحسية، أو كيف تتولد فى اللاوعى فكرة قتل الأب لينفرد الصبى بالأم فى فردوس يضيع منه يوما بعد يوم.
تلك صور تجمع دائما بين الحقيقة والمجاز، ولا يمكن لى – على الأقل – أن أنسى ذلك المشهد الختامى الطويل، للبرزخ الذى يفصل بين عالمنا الذى عشناه وعالم آخر لا ندرى عنه شيئا. طريق طويل بلا نهاية، يلتقى فيه من ماتوا فى مختلف سنوات عمرهم، وتلتقى يد الرجل العجوز بيده هو ذاته عندما كان صبيا، وكأن "الكل فى واحد".
هل يمكن تكرار هذا الفيلم؟ من المؤكد أن ذلك مستحيل، لأنه فيلم "فردى" تماما، وبعيد عن أى "توليفة" معروفة مسبقا، لكن الممكن هو تكرار التجربة، أن تناضل السينما ضد من يحاولون أن يفرضوا عليها ما "يجب" أن تصنعه، لكى تصنع ما "تستطيع" إنجازه، وهو نضال سوف يستمر ما دام هناك فنانون يتمتعون بالأصالة، وأصحاب نظريات قاطعة مانعة. ومن المحتم أن الفن سوف ينتصر دائما على أى نظرية.