Saturday, September 06, 2014

فيلم "أحبك يا باريس".... لمحات من حياة المدينة والبشر

جاء علينا فى مصر حين من الوقت، ظهرت فيه تجربة رائدة فى السينما المصرية، لكنها لم تستمر إلا فى أفلام محدودة، رغم أنه كان من الممكن أن تمثل حلا لجانب من أزمات السينما فى بلادنا، وكانت تلك التجربة هى صنع أفلام روائية قصيرة يربطها موضوع واحد، بحيث تشكل معا مادة سينمائية تصلح لعرض طويل فى السينما التجارية، وذلك على نحو ما جاء فيلم "البنات والصيف" على سبيل المثال، كما أنها كانت التجربة الأنسب أيضا لمنح المخرجين الجدد فرصة الإخراج لأول مرة، مثلما كان حال فيلم "3 وجوه للحب".
الغريب أن السينما العالمية تلجأ إلى هذا الشكل كثيرا، بدءا بأفلام من هذا النوع لمخرجين كبار من أمثال دى سيكا أو ماكس أوفولس، لكننا الآن سوف نتأمل معا فيلما طويلا ضم ثمانية عشر فيلما روائيا قصيرا، يجمع بينها أن قصصها جميعا تدور فى مدينة باريس، وحمل هذا الفيلم عنوان "أحبك يا باريس" (2006). وربما يمكنك القول أحيانا أن بعض هذه القصص يمكن أن تحدث فى مدن أخرى، أو أنها تجمع بين تجارب مغرقة فى الاستغراب والاغتراب، وأخرى بالغة الرقة فى واقعيتها، لكنها على اختلافها تصنع لوحة من الفسيفساء للمدينة، التى نراها فى الخلفية دائما من الأحداث، أو كمقاطع تفصل بين كل قصة وأخرى.
وما دام الحديث عن باريس، وتصورنا الشائع عنها أنها مدينة الثقافة والمثقفين، يمكننا أن نبدأ مع فيلم المخرج الأمريكى جاس فان سانت، حيث نرى عاملا فى مطبعة، يصادفه مترجم جاء فى عمل، ليشعر هذا المترجم على الفور كأنه رأى العامل الشاب من قبل، ليحدثه بالفرنسية حديثا طويلا عن توأمة الروح بينهما، وعندما يمضى المترجم على أمل اللقاء مرة أخرى مع الشاب، نعرف أن هذا الأخير لم يفهم كلمة واحدة من هذا "المونولوج" الطويل، لأنه لا يعرف الفرنسية.
لكن باريس ليست فقط بلد الغرائب والعجائب فيما يخص الثقافة والفن، ففيلم الأخوين الأمريكيين إيثان وجويل كوين يُظهر الوجه الآخر السوقى والعنيف للمدينة. إن سائحا أمريكيا (ستيف بوشيمى) يجلس فى محطة المترو، متصفحا ما جمعه من تذكارات بعد زيارة متحف اللوفر، ليظهر طفل يضايقه بلسعات أنشوطته، كما يرى على الرصيف المقابل عاشقان يتبادلان القبل، ليرتكب خطأ لا يُغتفر فى باريس! فقد كان عليه أن يحذر من أن تلتقى نظراته بنظرات هذين العاشقين، ليكون عقابه علقة ساخنة من الفتى العاشق، مع قدر هائل من الشتائم والبذاءات السوقية، وتتناثر على الأرض البطاقات السياحية للوحة "الموناليزا" وقد علت وجهها البثور!
فى هذين النموذجين المتناقضين تلاعب بعنصر المفاجأة، وهو بلا شك أحد العناصر المهمة التى تميز روح "القصة القصيرة"، لذلك سوف تحمل العديد من القصص مفاجآت أخرى، ولكن بمسحة مختلفة تتباين من فيلم إلى آخر. أنظر مثلا لفيلم المخرج ألفونسو كوارون (الذى صنع فيلم "جاذبية" من أول دقيقة لآخرها بالخدع السينمائية)، وهو يجعل فيلمه القصير هنا لقطة واحدة متصلة دون قطع واحد، وهو الأمر الذى يتطلب بالطبع امتلاكا لدقة "الميزانسين" وارتجال التمثيل، فالكاميرا تراقب من الرصيف المقابل للشارع رجلا كهلا (نيك نولتى) يسير إلى جوار امرأة شابة، وينصحها بأن تتحرر من عبوديتها لشخص يدعى "كاسبار" لكى تستمتع بحياتها، ليبدو لنا الأمر أنهما عاشقان يختلسان لحظات من وراء الزوج، لكن اللقطة الطويلة تنتهى مع عبور الكاميرا للرصيف المقابل، وتقف عند عربة طفل رضيع، لنعرف أن الرجل ليس إلا والد المرأة، وأنه جاء لرعاية حفيده حتى تتمكن الأم من الذهاب إلى السينما!                                                    
وقريبا من هذه الأجواء يأتى فيلم المخرج الألمانى توم تايكفر (صاحب فيلم "العطر")، عن شاب أعمى يتلقى من حبيبته مكالمة تتحدث فيها عن أن الربيع بينهما قد انتهى، لتنفجر ذكرياته معها، وتتجسد على نحو بالغ التأثير فى لقطات احتضانهما معا فى الأماكن العامة، بينما يسير كل شىء حولهما بسرعة مذهلة، لتأتى المفاجأة أخيرا أيضا، فالفتاة ممثلة كانت تطلب رأى حبيبها فى تدربها على إلقاء عبارات من دورها الأخير. وإذا كانت البطلة هنا هى الممثلة الشابة ناتالى بورتمان (التى اشتركت بالإخراج أيضا فى فيلم عن مدينة نيويورك سوف نتأمله فى المقال القادم)، فإن ممثلة بخبرة وإبهار جولييت بينوش تقوم ببطولة فيلم من إخراج نوبوهيرو سوا، هذه المرة فى أجواء الواقعية السحرية، لأم فقدت طفلها ولا تستطيع أن تنساه، بينما تتذكر كيف أن الصبى كان يشتاق لرؤية رعاة البقر. إنها تخرج فى الليل لترى فى الساحة الخالية راعى بقر (ويليم دافو)، يظهر من المجهول، ويسمح لها بأن ترى ابنها للمرة الأخيرة وهو يلعب مع بعض الرفاق، لتبدو وقد تلقت قدرا من السلوى والسلوان. وفى هذا العالم السحرى ذاته، يأتى فيلم المخرج ويز كرافين عن خطيبين على وشك الافتراق وهما فى مقابر العظماء فى باريس، لأن الفتاة تشكو من أن فتاها يفتقد روح الفكاهة، ليظهر شبح أوسكار وايلد ينصحه باللحاق بها، فكأن الشاب قد تعلم من وايلد كيف يكون تأثير خفة الظل على العلاقات الإنسانية.
أما فيلم المخرج البرازيلى والتر ساليس (صاحب فيلم "المحطة المركزية")، فإنه يصطبع بتلك الروح الواقعية الاجتماعية الأسيانة التى تميز معظم أفلام أمريكا اللاتينية. هناك أم تهدهد طفلها الرضيع فى الفجر، وتغنى له أغنية مهد إسبانية، وتحتضنه لتمضى فى الصباح وتتركه فى حضانة، وتذهب لعملها الذى نكتشف أن عليها فيه أن ترعى طفلا آخر من أبناء الأغنياء، تغنى له الأغنية ذاتها التى حُرم ابنها منها.
هل تعطيك باريس حقا ما كنت تطلبه منها؟ إنها أحيانا تفاجئك بأحداث سارة، وأحيانا أخرى تخيب ظنك، وقد لا تمنح السعادة إلا لمن يملكون دفع نفقاتها. إنها مدينة مثل كل المدن، ومختلفة عن كل المدن، لذلك فإن الفيلم ينتهى بما يشبه "الكودا" فى الموسيقى، للشخصيات التى رأيناها فى الأفلام القصيرة، تقضى حياتها وسط الزحام لكنها تشعر بالوحدة، ونراهم كأنهم يلوحون بأيديهم لبعضهم البعض من بعيد، ربما على أمل اللقاء فى فيلم آخر، مثل "أحبك يا نيويورك"، الذى تحقق بالفعل بعد عامين، وما تزال هناك مدن أخرى، فمتى يأتى أوان القاهرة؟  


Friday, September 05, 2014

حكايات نقدية ذات مغزى!

الحكاية رقم (1):
فى أواخر الستينيات، نشرت مجلة الكواكب سلسلة حلقات، لعمل اسمه مسرحية "الهواء الأسود"، وأشارت إلى أن أحمد رجب قام بترجمة هذه المسرحية من تأليف الكاتب فريدريش دورينمات. خلال هذه الفترة كان مسرح العبث هو "موضة" المثقفين، الذين يكتبون مقالات طويلة فى إطراء أعمال صمويل بيكيت، مثل "فى انتظار جودو"، أو أعمال يوجين أونيسكو، مثل "المغنية الصلعاء".
لذلك لم يكن غريبا بالطبع أن يسارع كثير من كبار نقادنا آنذاك إلى تحليل "الهواء الأسود"، يسبرون أغوارها ويكشفون أسرارها للقارئ الذى يعجز عن "فهم" هذا الفن، ذى المستوى المرتفع عن مدارك المتلقين العاديين. ليكشف أحمد رجب بعد ذلك مفاجأته: المسرحية من بنات تفكيره، وقد تعمد حشوها بالكثير من الهذيان غير المفهوم.
الحكاية رقم (2):
هذه المرة كانت عبارة عن "نكتة" فى رسم كاريكاتير لصلاح جاهين. ففى بداية السبعينيات شب حريق فى مبنى "مسرح الجيب"، الذى كان متخصصا فى تقديم مسرحيات اللامعقول. وفى هذا الرسم تبدو ألسنة اللهب آتية من خشبة المسرح، وليس فى الصالة غير شخصين، أحدهما يحاول الهرب بينما يمسك به الآخر قائلا: "أقعد يا أخى أحسن ده يطلع جزء من العرض"، وفوق هذا الشخص كلمة تشير إلى أنه ناقد.
الحكاية رقم (3):
فى مطلع القرن الحادى والعشرين، ظهر فيلم مصرى بالغ التعقيد والفتور معا، ليس فيه أى نوع من أنواع المتعة، البسيطة أو المثقفة، وكتب صاحب هذه السطور كلمات يعتذر بها للقارئ أنه لم "يفهم" الفيلم. لكن المخرج المؤلف كان قد عقد مقابلات صحفية عديدة، تحدث فيها عما يخفيه فى أعماق فيلمه، وكشف لنا المفاجأة: الفيلم عن "البوح"، وهكذا ظهرت عشرات المقالات التى كررت جميعا أن الفيلم عن "البوح"، ولم يستخدم أى منها مرادفا آخر مثل "المصارحة مع النفس" أو "الإفصاح عما تواضعنا على إخفائه"، ومع ذلك ظل الفيلم، حتى هذه اللحظة، لا يقول شيئا، ومعقدا على نحو مفتعل، ولا يوجد سبب واحد يدفع المتفرج لمشاهدته.
المغزى:
لا تصدق أيها القارئ العزيز كل ما يكتب عن الأعمال الفنية، فالكثير منها ناتج عن علاقات شخصية ومجاملات متبادلة، والناقد لا "يفهم" أفضل منك، وقد يزعم أنه كذلك لكنه لن يجعلك "تستمتع" بعمل يخلو من المتعة. فأنت فى النهاية من يتذوق "الطبخة"، فلا تأكل ما لا يقبله ذوقك، أما المعجبون بها فليأكلوها وحدهم، بألف هنا وشفا.                                                

Saturday, August 30, 2014

النزعة السلفية، فى نقد الأعمال الفنية


كان هناك حين من الدهر، أصر فيه الدكتور رشاد رشدى على تدريس مادة لنا، من كتاب قليل الصفحات من كتبه، ولم يكن لهذه المادة اسم، غير أن هدفها الوحيد كان استمتاعه، فى الامتحانات الشفوية، بسماعنا – نحن طلبته، خاصة اليساريين منا - نردد مقولاته التى عفى عليها الزمن، لكنها ذات أواصر وثيقة بسياسات التخلف والرجعية، ومحور هذه المقولات: ليس هناك ما يسمى الفن للحياة، بل الفن للفن دائما.
عادت هذه الأفكار تتردد على ألسنة بعض مثقفى الكتب الأكاديمية، لكنها هذه المرة تقول إن الفن والأخلاق شيئان مختلفان تماما، وإن الحكم على الأعمال الفنية يجب أن يكون بالمقاييس الفنية وحدها. وفى هذه الكتابات تتكرر عبارة "يجب على المتلقى أن..."، أى أنها تُلزم المتلقى بطريقة إدراك واحدة، وإلا بطل تذوقه، لأنه جاء إلى العمل الفنى وهو ويحمل تجربته فى الحياة، التى يجب أن يغتسل منها قبل أن يدخل محراب الفن.
إنها نظرة مغرقة فى الرومانسية إن أحسنت الظن، مغرقة فى الرجعية السياسية إن أسأته، ومن يدعو لها ينسى أو يتناسى أن الأنهار جرت فيها مياه كثيرة، منذ أن ظهرت تلك الأفكار التى تزعم أن للعالم الفنى وجودا مستقلا عن الواقع تماما، وهو ما وافق هوى أصحاب اليمين السياسى الذين لا يريدون للفن أن يساهم فى تغيير الحياة، أو لدى الرومانسيين الذين يتصورون الفنان كائنا هائما على وجهه، يجب ألا تناقشه فى "إبداعاته".
والحقيقة أن تعبير "حرية الإبداع" تعرض كثيرا للابتذال، فالفنون على اختلافها محكومة بعوامل عديدة من خارج الفن، (هل يستطيع أى كاتب سيناريو أو مخرج سينمائى، فى أى بلد من بلدان العالم، أن يصنع فيلمه دون أن يجد منتجا وموزعا يوافقان على ذلك؟)، بقدر ما ترتبط هذه الفنون بمسيرة التطور، بسبب أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تفرض على الفنان أن يغير من "قوانين الإبداع" دائما، بل إن أهم مؤرخى فلسفة الفن، أرنولد هاوزر، يقول مثلا إن التأثيرية فى الفن التشكيلى لم يكن مقدرا لها أن تظهر، لولا "اختراع" أنابيب الألوان، التى حررت الفنان من قيود الاستوديو، وأتاحت له أن يتعامل مع الضوء واللون بشكل لم يكن ممكنا قبل ذلك.
وأصحاب الآراء السلفية فى الفن يتصورون أنهم يلقمونك حجرا إذ يقولون: كيف لسيمفونية أن ترتبط بالأخلاق؟ وهذا دليل على عدم قدرتهم، أو عدم رغبتهم، فى التفريق بين فنون هى بطبيعتها أقرب إلى التجريد مثل الموسيقى، وأخرى أقرب إلى الواقع، مثل السينما والدراما التليفزيونية. بل إن الموسيقى، وهى أكثر الفنون تجريدا كما يقال، لا تخلو من عنصر أخلاقى، فالموسيقى الصاخبة تبعث فيك نوازع العنف، بينما تدعوك الموسيقى الهادئة إلى الاسترخاء والتسامح. ولقد ظللت أنا شخصيا عاشقا لمقطوعة فريدريش سيمتانا "نهر المولداو"، لكن بعد أن علمت أن إسرائيل اتخذت من تيمتها الرئيسية لحنا لنشيدها القومى، لم أعد أستطيع أن استمتع بالمقطوعة، دون أن أشعر بغصة فى أعماقى.
النقطة الجوهرية فى ذلك كله هى أن أى عمل فنى ليس كيانا منفصلا عن الواقع، والفنون تتطور وتتغير بتطور عناصر الواقع، وليس هناك أحد يستطيع أن يمنع المتلقى من أن يأتى بتداعيات وارتباطات من خارج العمل الفنى، سواء كانت مقارنات مع أعمال فنية أخرى، أو مشاعر وذكريات مرتبطة فى ذهنه ببعض عناصر هذا العالم الفنى تحديدا. والأخلاق فى الفن لا تعنى صنع دروس أخلاقية، وإنما تعنى مدى الرهافة التى تبعثها لدى المتلقى تجاه الواقع، وليس غلظة الإحساس تجاهه. إن بطلة فيلم "سوبرماركت" لمحمد خان تتخلى عن أخلاقيتها التى تمسكت بها طويلا، لتصبح تحت وطأة الظروف الاقتصادية والاجتماعية عشيقة سرية لرجل ثرى، فكأن المجتمع أصبح "سوبرماركت" كبيرا يُشترى فيه كل شىء بالمال. بينما يزعم فيلم مثل "أحاسيس" أنه يعالج مشكلات العلاقات بين الأزواج والزوجات فى درس أخلاقى، لكنه ينتهى إلى أن يكون سلسلة من مشاهد جنسية فجة، انقطعت علاقتها بأى أخلاق.
الأخلاقية فى الفن إذن هى أن يحدد الفنان علاقته بالعمل الفنى ومادته من جهة، وبالمتلقى من جهة أخرى. فالفنان يستطيع التلاعب بهذه المادة وبالمتفرج، وأن يكون رجعيا أو تقدميا، وأن يتحول إلى تاجر يبيع مساوئ الواقع للمتلقى أو أن يكون هدفه هو إلقاء الضوء على واقع الإنسان والحياة.
لقد اكتسب تشيكوف – على سبيل المثال - عشقا متواصلا من ملايين القراء فى كل أنحاء العالم، وعبر السنوات الطويلة، ليس لأن لأعماله "قوانين إبداع داخلية"، وإنما لأنه كان أخلاقيا مع شخصياته وقارئه، بينما هناك عشرات الفنانين الذين اكتسبوا الشهرة العابرة (وعندنا منهم كثير)، لأنهم اختاروا طريق التعبير عن القبح فى التجربة الإنسانية. هل ترغمنى أيها الناقد السلفى على أن أتعامل مع العمل الفنى بمقاييسك الرجعية، وأن أدخل إليه ناسيا حياتى وأخرج منه لأعود إلى الحياة بلا أى خبرة أخلاقية؟ وهل تدرى أنك بذلك لا تُفرق بأى شكل بين عمل جيد وعمل ردئ، إلا باتباع معاييرك الافتراضية التى تسميها جمالية، وتدعو فيها إلى "حرية إبداع" لا وجود لها فى أى واقع أو سياق ؟ إن كنت تريد ذلك فلتبحث لنفسك إذن عن جمهور بلا ذاكرة، أو تجربة، أو واقع... ولعل هذا هو ما تريد!!



Friday, August 29, 2014

فيلم "وهلأ لوين"... أنشودة فى عشق الحياة




ما كل هذه البهجة فى الفيلم اللبنانى "وهلأ لوين"؟ وما كل هذا الحزن؟ مصدر السعادة والألم فى هذا الفيلم، الذى أخرجته نادين لبكى فى عام 2011، هو حب جارف للحياة، حب تقف فى طريقه نزعات طائفية تشبه كثيرا، كثيرا جدا، ما يحدث لنا فى منطقتنا العربية اليوم. وهو فيلم بالغ البساطة والعمق معا، يكاد أن يكون درسا بليغا لصناع السينما المصرية فى كبوتها الحالية، أن الأفلام يمكن أن تصنع، أو ينبغى أن تصنع، دون اللجوء للابتذال تحت اسم الكوميديا، أو العنف بحجة الإثارة و"الأكشن"، أو الفظاظة والمبالغة بدعوى الواقعية.
وإذا كان فيلم "وهلأ لوين" على المستوى الواقعى يدور فى قرية لبنانية تبدو معزولة عن العالم، لوقوعها بين الجبال، ويتعايش فيها المسلمون والمسيحيون فى سلام حقيقى، فإن الفيلم ينتمى – دون أى إفراط – إلى الفانتازيا، ليس فقط لأن كثيرا من أحداثه تبدو للوهلة الأولى عصية على التصديق، وإنما لأن "أسلوب" الفيلم ذاته يوحى بذلك. وقد يتصور البعض أن هناك أغنيات متناثرة هنا وهناك على طريقة السينما العربية التقليدية، لكن الحقيقة أن الغناء والرقص هنا يصبحان أحيانا لغة الحوار والتعبير، فى تأكيد فنى مرهف على الخيال الذى يرتكز عليه الفيلم وأحداثه.
وسوف تلاحظ هذا الحس الفانتازى مع مشهد البداية: مجموعة من النساء المتشحات بالسواد، تسرن فى خطوات إيقاعية تتمايل يمينا ويسارا، وهن تضربن الصدور بالأيدى. إنهن فى صحراء بلا نهاية، تنتهى إلى المقابر المتواضعة للقرية، وكل امرأة تمسك بصورة فوتوغرافية لفقيدها، وإذا تأملت شواهد القبور سوف تلاحظ أنها لمسلمين ومسيحيين على السواء، فى تجاور يبعث على الشجن الذى تؤكده الموسيقى المصاحبة على نحو عميق.
سوف يتكرر هذا المشهد فى النهاية، كأنه مع مشهد البداية يصنعان قوسين يضمان عالم الفيلم، وهو عالم لحمته وسداه فكرة بسيطة وعميقة معا: النزاعات بين أهل الوطن الواحد تنشأ كثيرا بلا سبب حقيقى، ليغذيها الرجال باسم الدفاع عن الشرف والدين، بينما النساء تعملن على إطفاء لهيب هذا النزاع بكل وسيلة ممكنة. ولا أحب أن أسمى ذلك نوعا من النزعة "النسوية"، التى تصنع صراعا أزليا أبديا بين الرجل والمرأة، بما يبتعد عن عن تحرير الرجل والمرأة معا، لكن الصراع هنا بين من يهب الحياة، ويعرف قيمتها حقا، ومن يتصور أن القتل والانتقام هو الوسيلة الوحيدة للبقاء على قيد الحياة.
إن أهل القرية يستعدون لتركيب أول طبق لاقط للقنوات الفضائية، ربما يجعلهم يتصلون بالعالم الخارجى، الذى يفصلهم عنه ويصلهم به ممر ضيق بين الجبال، مزروع بالألغام. ويعيش جميع أهل القرية فى جو احتفالى بهذه المناسبة، وتقوم صاحبة مقهى القرية أمال (نادين لبكى) بتجديد مقهاها، لنلمس على الفور مشاعر الحب الرقيقة بينها وبين عامل الطلاء رابح (جوليان فرح)، وسط مباركة الجميع – خاصة النساء – لهذا الحب، رغم اختلاف دينها ودينه. فالقرية (الفانتازية كما اتفقنا) لا تعرف التقسيم الطائفى، والقس والشيخ فيها متحابان بحق، بقدر حبهما للحياة، لذلك سوف يحضران مع أهل القرية جميعا الاحتفال بمشاهدة التليفزيون لأول مرة.
بالطبع سوف يشعر جمهور شباب القرية بالابتهاج عند مرأى مشهد عاطفى ملتهب على الشاشة الصغيرة، لكن سرعان ما تشعر النساء بالقلق من نشرة الأخبار، التى تنقل أنباء المعارك الطائفية فى أماكن أخرى فى البلاد، لتقررن تخريب التليفزيون، وقطع أسلاك الراديو، وحرق الصحف التى يجلبها اثنان من الصبية من المدينة. لكن حادثا عارضا سوف يؤدى إلى تكسير الصليب فى الكنيسة، كما يدخل قطيع من الماعز إلى المسجد، ليثور الرجال من الطرفين، مما يزيد قلق النساء من اندلاع لهيب النزاع بين الطائفتين.
إنهن تفكرن فى أمر ما قد يطفئ هذه النيران، فتدبرن "تمثيلية" (لا تخلو من روح فكاهة بريئة صافية) تقوم فيها زوجة مختار القرية بادعاء أن السيدة مريم العذراء تتحدث من خلالها، بينما تبدو دمعتان من الدم فى عينى تمثال العذراء، التى تأمر الرجال بالاعتذار لبعضهم البعض. لكن ذلك قد يفلح لفترة من الوقت قبل تجدد الخلافات بين الرجال، وهنا يأتى التطور المفعم بالنشوة، حين تقرر نساء القرية دعوة فريق من الفتيات الأوكرانيات الحسناوات اللاتى تخلقن حالة من البهجة بين الرجال، تصل إلى ذروتها عندما يضع النساء مخدرا للرجال فى الطعام والشراب، يجعلهم يعيشون ليلة من الاستمتاع الكامل بالحياة.
تأمل كيف أن نساء القرية تشعرن بمزيج من الفرح والغيرة معا، الفرح لأن رجالهن نسوا النزاع، والغيرة لأنهم مشغولون بنساء أخريات. لكن الصراع يتفجر عندما يعود أحد الصبيين من المدينة صريعا، لتخفى أمه جثمانه عن الأنظار وهى تتمزق ألما، لأنها لا تريد مزيدا من الدماء فى القرية. وتتشارك النساء فى إخفاء الأسلحة فى حفرة، وتقررن أمرا... فعندما يصحو الرجال من النشوة المخدرة فى الليلة السابقة، يجد كل منهم امرأته وقد بدلت دينها... فهل تصبح عندئذ عدوة للزوج أو الابن؟
المذهل فى هذا العالم الفانتازى هو واقعيته الشديدة، ساعد على ذلك ممثلون يصلحون أن يكونوا درسا حقيقيا للكثيرين من ممثلينا الجدد الذين تسوقهم أحلام النجومية الزائفة، فالوجوه فى "وهلأ لوين" عادية تماما، تشعر أنك قابلتها ذات يوم فى حياتك اليومية، والأداء التمثيلى بالغ البساطة والإقناع، رغم وجود لحظات درامية عاصفة، مثل مشهد أم الصبى القتيل وهى تعاتب السيدة العذراء: "تاخدى العيال بدون ما تسألى؟ إنتى ابنك مالى إيديكى، وأنا ابنى وين؟"....
لقد كان ما يزال أمام أهل القرية مهمة دفن الصبى، فيمضون إلى المقابر وسط موسيقى تمزج على نحو رائق وراقٍ بين التراتيل والأذان، لكنهم يتوقفون ويتراجعون عندما تعلو أصوات الانفجارات من بعيد، ويتساءلون: "وهلأ لوين؟". نعم، إلى أين نمضى الآن؟ فهناك طريق للموت، وآخر للحياة، فأيهما نختار؟