Thursday, August 14, 2014

"مطبخ السياسة" أو "شوية توابل".... إذا رحلت عن المدينة، هل ترحل المدينة عنك؟

قدر هائل وعميق من الشجن يلف عالم الفيلم اليونانى "شوية توابل" أو "مطبخ السياسة" (2003)، تلعب فيه الصور الساحرة والموسيقى التركية واليونانية الآسرة دورا كبيرا فى إثارة جو عاطفى مفعم بالحنين والحزن، وإن لم يخلُ أبدا من البهجة، إنه "وجبة" كاملة من السينما، بل إن مخرجه اليونانى تاسوس بوليميتيس يختار له شكلا مبنيا على فقرات، تحاكى مراحل تناول الطعام، بدءا من المقبلات والمشهيات، ثم الطبق الرئيسى، وأخيرا تأتى الحلوى، التى لن تدرى إن كانت قد أضافت لمذاق الوجبة، أم أنها ضيعت هذا المذاق.
ولأن الفيلم يعتمد كثيرا على فكرة نكهة الطعام وطريقة إعداده وتذوقه، فإن يستخدم التشبيه المجازى لأنواع التوابل المختلفة لكى يؤكد على فكرته، وهى فكرة تتردد الآن أصداؤها للأسف فى واقعنا العربى، بقدر ما ترددت عبر أجيال فى منطقة أوسع، تمتد شمالا من أرمينيا، مرورا بالبلقان واليونان وتركيا وقبرص، حين كانت كل هذه البلاد تضم معا قوميات وأعراقا مختلفة، ثم انقسمت الأوطان على نفسها، لتقع مذابح جماعية، ونزوح نتيجة هذا الانقسام، الذى نراه فى شوية توابل" متجسدا فى ذكريات رجل يونانى أصبح اليوم كهلا، عن طفولته فى مدينة استانبول، ثم ترحيله مع أبيه وأمه عنها على إثر اضطرابات سياسية وعسكرية بين تركيا واليونان فى أوائل الستينيات، وعدم قدرته على نسيان ذلك "الوطن" القديم.
ليس هناك فى الفيلم أى تحيزات سياسية قد يشعر بها مخرج يونانى تجاه تركيا، بل على العكس فإنه يصور البلدين – الوطنين – بحب شديد الدفء، وهو الحب الذى يظهر لك مع بداية ما يمكن أن تسميه الفصل الأول، الذى يحمل عنوان "المشهيات"، ويذكر الفيلم تاريخه: 1959. أنت مع مؤذن على قمة مئذنة، وتسمع صوته يجلجل عذبا رخيما، لتتراجع الكاميرا (أو توحى بذلك من خلال التقنيات الكومبيوترية)، لتصبح اللقطة عامة لمدينة استانبول كلها، وتطوف بالمساجد حتى تنتهى إلى السوق القديمة، حيث يقع دكان الجد فاسيليس، بائع التوابل وفيلسوفها، والذى يوزع نصائحه على الجميع، من أجل أن تحقق توابله أهدافها فى التأثير بمزيد من الدفء على العلاقات الإنسانية.
وشيئا فشيئا سوف تتعرف على عائلة البطل الطفل فانيس، الذى يحمل جده لأمه الجنسيتين اليونانية والتركية، بينما لا يحمل أبوه سوى الجنسية اليونانية، لكن إقامة العائلة فى استانبول تركت أثرها العميق عليهم جميعا، فهم يستخدمون كلمات تركية فى حوارهم، كما يحتشد مطبخهم بالأطباق التركية ذات المذاق الحريف، الذى يزداد قوة مع توابل الجد. وتكاد لقاءات العائلة ألا تخلو أبدا من الطعام والمقارنة بين أصنافه المختلفة، ويجد الطفل فانيس دفئا خاصا فى الالتصاق بنساء الأسرة، ليتعلم منهم دون وعيهن أسرار الطهى. وفى دكان الجد سوف يتعلم أيضا العلاقة بين الكون كله وأنواع التوابل المختلفة، وتنشأ علاقة بريئة دافئة بينه وبين الطفلة التركية سامية، تبدو كأنها حلم جميل، يتأكد تأثيره علينا من خلال لقطة لمظلة شمس تطير فى الفضاء كأنها ترقص فوق مدينة استانبول.
لكن الحلم يتبدد بعد عامين، عندما تحدث توترات بين اليونانين والأتراك فى جزيرة قبرص، ليتقرر ترحيل اليونانيين عن المدينة، ومنهم بطلنا الصغير فانيس وأبوه وأمه. إن فانيس لا يشعر أبدا بالتواؤم مع حياته الجديدة فى أثينا، حيث يطلقون على العائدين من تركيا "الأتراك"، بينما كانوا فى تركيا يحملون صفة "اليونانيين". وهنا يبدأ "الطبق الرئيسى" لوجبة الفيلم، حيث تتحدث العائلة دائما عن ذكرياتهم فى تركيا، ويعانى الطفل فانيس من الشعور بالغربة، ويدفن أحزانه بالطهى رغما عن الأب والأم اللذين يشعران بالخوف من أن يكون ابنهما غير سوى. وفى عام 1967 يحدث الانقلاب العسكرى فى اليونان، ويتخذ كل شىء صفة عسكرية، حتى أن الخال المرح يقرر التخلى عن نزواته الغرامية، لكى يتزوج زواج مصلحة من فتاة من عائلة ذات أصول عسكرية.
وطوال الفيلم، هناك حالة انتظار أن يصل الجد إلى أثينا قادما للزيارة من استانبول، ويمنى الشاب فانيس نفسه أن يحمل جده معه أخبارا عن رفيقة طفولته سامية، لكن الجد لا يأتى أبدا، بل يقفز الفيلم إلى الزمن المعاصر، وقد أصبح فانيس كهلا، لتحمل هذه الفقرة عنوان "الحلوى"، لكنها فى الحقيقة لا تخلو من مرارة. يعود فانيس إلى استانبول عندما يشرف الجد على الاحتضار، وفى جنازته يقابل سامية التى تزوجت وأصبحت أما، ويكاد الفيلم أن يعطيك لمحة أمل عن عودة علاقتهما، خاصة وأن فانيس نجح فى الحصول على عمل فى جامعة البوسفور لفترة، لكن الواقع لا يحقق هذا الأمل، لنرى مشهد وداع آخر على محطة القطار، هذه المرة وسامية ترحل عن استانبول ليبقى هو وحيدا، مرة أخرى.
قد تبدو لك هذه الحكاية أسيرة لخطوطها الميلودرامية، لكن الفيلم لا يقع أبدا فى مأزق المبالغة، والنزعة العاطفية الجياشة فيه لا تنبع من تقلبات الأحداث، وإنما من جماليات الصورة، وعودة لقطات فى تنويعات مختلفة (مثل لقطة المظلة الطائرة، أو ثدى الأم التى ترضع طفلا، أو الوداع على محطة القطار)، والموسيقى التى تعمل بأسلوب اللحن الدال (اللايتموتيف) الذى يثير فيك ذكرى محددة عايشتها من قبل فى الفيلم. والحقيقة أن المرء قد يشعر بالأسف على أن المخرج تاسوس بوليميتيس لم يصنع أفلاما بعد هذا الفيلم، لتوليه منصب رئيس مؤسسة السينما اليونانية، وقيامه بالتدريس فى معهد السينما، فنادرا ما قد نجد فنانا سينمائيا بهذه الرهافة فى التعبير، ليس فقط من ناحية الأسلوب، وإنما أيضا لقدرته على تجسيد مشاعر الغربة فى الأوطان.
وبعد أن ينتهى الفيلم، ومع مشهد النهاية للبطل فانيس فى دكان الجد وقد علاه التراب، نرى غبار التوابل قد تحول إلى كون كامل، ننتمى إليه مثلما ينتمى إلينا، فالوطن ليس هو الحدود التى يصنعها هذا الفريق أو ذاك، وإنما هو أنا وأنت، هو نحن بكل ذكرياتنا وتكويننا، وليس هناك فى العالم من يستطيع حقا أن ينزع الأوطان عنا، تحت أى راية وبأى مبرر، ذلك أن مذاق الوطن يبقى عالقا فى الوجدان إلى الأبد.    

Thursday, August 07, 2014

"هذا ليس فيلما",,, لكن هذه سينما حقيقية

    فى عام 2010، كان المخرج الإيرانى الشهير جعفر باناهى يعيش تحت الإقامة الجبرية فى منزله، انتظارا لصدور حكم الاستئناف، على الحكم الغريب الذى صدر ضده، ليس فقط بالسجن ست سنوات، والمنع من السفر إلى الخارج، وحظر إجراء مقابلات تليفزيونية معه، بل أيضا حرمانه من كتابة السيناريوهات وإخراج الأفلام لمدة عشرين عاما! لقد كانت وما زالت تلك هى حال معظم السينمائيين الإيرانيين الكبار، المتمردين على السلطة الرسمية والغوغائية الجماهيرية، ليقرر باناهى أن يصنع فيلما يسجل ذلك الوضع، وأن يجعله يحمل ذلك الاسم الساخر من منعه من صناعة الأفلام "هذا ليس فيلما"، ويقوم بتهريبه إلى خارج إيران، ليعرض فى مهرجان كان فى عام 2011.
   أثبت كثير من السينمائيين الإيرانيين – قبل اندلاع الثورة الإيرانية وبعدها - قدرتهم الجمالية والسياسية بالغة الرهافة والوعى، على اختراق الحواجز الرقابية، الرسمية والشعبية، التى كانت كفيلة بتحويل صناعة السينما الإيرانية كلها إلى الهزل الفنى، الذى ينتهى بها إلى الهزال والموت، لكن هؤلاء السينمائيين قرروا التعامل مع هذا الواقع السياسى الصعب، والالتفاف حول القيود الرقابية، ووجدوا لذلك بعض الحلول، كان على رأسها صناعة أفلام يقوم ببطولتها أطفال أو ممثلون غير محترفين، ويدور معظمها عن حياة الفقراء والمضطهدين، واللجوء إلى النزعة التسجيلية حتى فى الأفلام الروائية.
   ومن المادة التسجيلية يتألف نسيج فيلم "هذا ليس فيلما"، حيث نرى جعفر باناهى وحيدا فى منزله، ونحن محاصرون معه طوال الوقت، بينما نعرف أن المدينة فى الخارج تستعد لعيد رأس السنة الفارسية. وهو يضع الكاميرا فى أماكن وزوايا تسمح بتصويره فى وحدته، لكنه يجرى اتصالا هاتفيا بصديقه غير المحترف مرتجى ميرتهماسب. وفى إشارة بالغة الذكاء يقول: "يبدو أن علىّ أيضا أن أنزع جبيرتى"، فى إشارة لفيلم سابق له بعنوان "المرآة"، قامت ببطولته طفلة صغيرة، تحاول العودة مكسورة الذراع من المدرسة إلى منزلها وحدها لأول مرة، وسط متاهة شوارع طهران، بعد أن تأخرت أمها عن القدوم لمصاحبتها. ففجأة تتمرد الممثلة الطفلة بعد أن وصلت إلى منتصف الفيلم، وقامت بخلع جبيرة ذراعها، رافضة الاستمرار فى تمثيل الفيلم، لكن باناهى يستمر فى التصوير، ليصبح النصف الثانى من الفيلم تسجيليا حول عودة الطفلة الممثلة إلى منزلها الذى لا تعرف بدورها له طريقا، ووحدها أيضا ودون مرشد أو دليل!
   وهكذا يقرر باناهى بدوره أن يتمرد على احتجازه فى منزله، عاجزا عن صنع الأفلام، وبدءا من تلك اللحظة يستعين بصديقه ليقوم بتصويره، وهما يتناقشان حول السينما، ويتحركان بتلقائية لا تحاول أن تخفى حتى خشونة الانتقال بين لقطة وأخرى. ترى ماذا يكون قرار باناهى؟ إن حكم المحكمة لا يتضمن منعه من قراءة السيناريو الأخير له المرفوض من الرقابة، وتجسيد تصور طريقة إخراجه له بأشكال توضيحية على أرض شقته، فلتكن تلك إذن طريقته الفريدة فى صنع الفيلم.
   هناك تشابه وثيق بين حالة باناهى وسيناريو الفيلم المكتوب، الذى يدور حول فتاة اجتازت اختبارات القبول فى كلية الفنون، لكن والديها التقليديين يرفضان، ويحبسانها فى المنزل، لتحاول الخروج بكل الوسائل حتى تلحق بالموعد قبل أن تلغى الكلية تسجيلها فيها. ويستعين باناهى على الشرح أيضا بلقطات كان قد صورها خلال بحثه المبدئى عن مواقع حقيقية للتصوير، وخلال ذلك كله تعرف جانبا من حال السينما الإيرانية والسينمائيين الإيرانيين، فلأن من المحظور تصوير فتاة أو امرأة بدون حجاب (كما قد تكون داخل منزلها)، فإن باناهى اضطر طويلا إلى أفلام تدور أحداثها فى مواقع خارجية، حتى يمكن تصديق ارتداء الحجاب، لكنه هذه المرة أمام سيناريو عن فتاة وحيدة، داخل منزلها، ويترك لك أن تتخيلها بدون حجاب.
   وعندما يصل باناهى فى سرد الحكاية لتفاصيل المشاعر الداخلية، يشعر بالعجز... ليس هناك غنى عن الممثل، وعن مواقع التصوير الحقيقية، ويضرب على ذلك مثالا من فيلمين سابقين له هما "الذهب القرمزى" و"الدائرة"، لمشاهد هى بدورها تضع خطوطا تحت جانب مهم من السينما الإيرانية، وهو الاعتماد على الممثلين غير المحترفين، الذين تبدو منهم لفتات تلقائية تبهر أى مخرج، وهم الذين "يقودون المخرج وليس هو الذى يقودهم"، لأنهم يعيشون اللحظة فى موقع الحدث، وليس داخل استوديو منعزل عن العالم. لذلك فإن باناهى يشعر بأن تجربة قراءة السيناريو وحدها ينقصها الكثير، وهو ما يزيده ويزيدنا حنقا على الذين حرموه من صنع الأفلام.
   كانت الفتاة الحبيسة ترى من نافذة غرفتها شابا يراقب المنزل يوما بعد يوم، ولأنه الإنسان الوحيد الذى تراه فى سجنها فإنه تقع فى غرامه، متوهمة أنه هو الآخر يطوف بالمنزل لأنه يهواها، لكنها لا تعلم أنه شخص يدفع له الأب أجرا لكى يراقب المنزل، ويتأكد من عدم مغادرتها له! إن العجز الذى تعيشه بطلة فيلم باناهى على الورق، يعيشه هو فى الحقيقة، ولا يملك سوى كاميرا السينما ليسجل بها بعض اللحظات، ولا يدرى إن كان ما يصنعه سوف يتحول إلى فيلم أم لا.
   ينتهى فيلم "هذا ليس فيلما" بمشهد يصوره باناهى بهاتفه المحمول، وهو يودع صديقه على الباب، فيفاجأ بمن يخرج من المصعد قائلا إنه مساعد مؤقت للبواب، قد أتى لكى يجمع القمامة، فلا تملك أنت كمتفرج إلا أن تتساءل: هل "بطلنا" تحت الرقابة اللصيقة؟ هل يعرفون ما يفعل؟ لكن سوف يتضح أنه شاب مكافح آخر من بين ملايين من أمثاله، يتحول فى لحظة إلى "ممثل" غير محترف فى هذا المشهد، ليس بمعنى التمثيل كما نعرفه، ولكن لأنه يجسد هؤلاء البسطاء الذين يصادفهم بعض صناع السينما الإيرانية، ويجعلون منهم أبطالا لأفلامهم، لأن هؤلاء السينمائيين يدركون قيمة السينما ودورها فى التفاعل مع الواقع، ومسئوليتهم الأخلاقية تجاه هذا الواقع، ويناضلون من أجل العثور على حلول تقنية وجمالية وسياسية لمشكلات بالغة التعقيد.
  نسيت أن أقول لك إن جعفر باناهى يشير إلى أن قصة السيناريو الذى كتبه على الورق مقتبسة عن تشيكوف، فالحقيقة أن كثيرا من المعالجات الفنية الإنسانية الناضجة تبدأ من تشيكوف، وتمتد مع فن السينما إلى فضاء بلا نهاية.


Monday, August 04, 2014

فيلم "نوح": نشوة النبى الأمريكى بتدمير العالم

هناك أفكار مسيطرة على عقلية الشعب الأمريكى فى مجمله، أولها أن العالم ينقسم إلى أخيار وأشرار، أما الأخيار فهم بالطبع الأمريكيون، أما الأشرار فهم "الأغيار" بالمعنى العام للكلمة، وليس أمام الأمريكيين إلا الدفاع الدائم والمميت أحيانا عن "أسلوبهم" فى الحياة، حتى لو جاء ذلك على حساب "حق" الآخرين فى الحياة. أما الفكرة الثانية التى تبدو كأنها وسواس قهرى، فهى أن أمام البطل الأمريكى مهمة "إنقاذ العالم"، حتى لو تحقق ذلك حسب تصورهم بتدميره. ومثل هذه الأفكار تغذيها الآلة السياسية والعسكرية الأمريكية، مدعومة بترسانة هوليوود الضخمة، التى وجدت فرصة جديدة لتجسيد هذه الأفكار، من خلال التلاعب على القصة الدينية والأسطورية للنبى نوح.
لا تصدق أبدا الزعم أن فيلم "نوح" الجديد يجسد هذا النبى، فمن المؤكد أنك تعرف جيدا أن من تراه على الشاشة ليس هو النبى نوح بل الممثل راسيل كرو، ولن تنطبع فى ذهنك صورته فى هيئة نوح المزعومة، فهو يتحدث الإنجليزية، ويرتدى سترة جلدية وسروالا معاصرين، ويلبس فى رجليه حذاء ذا رقبة طويلة، ويحتسى الشاى أيضا. وإذا كان الفيلم يجعل اسمه "نوح"، ويطلق أسماء توراتية على بقية الشخصيات، التى تحمل بين بعضها علاقات يمكنك أن تقتفى آثارها فى "العهد القديم"، فإن الجو العام للفيلم لا يوحى لحظة واحدة أنك أمام فيلم دينى، بل هو نسخة جديدة من أفلام "نهاية العالم"، مثل "ماد ماكس" أو "بعد 28 يوما" و"حرب العوالم" وعشرات الأفلام المشابهة، أو حتى أفلام جورج روميرو عن الموتى الأحياء، بعد دمار العالم على إثر حرب نووية شاملة، وكل ما يبقى من "حبكة" الفيلم بالمعنى الدرامى ليس شيئا ينتمى للقصص الدينى، بقدر انتمائه لأفلام ما بعد الدمار، مع لمسة من أفلام الفانتازيا والحواديت مثل سلسلة "ملك الخواتم".
سوف يكون تضييعا للوقت أن نقارن بين فيلم "نوح" والقصة التوراتية، فبينهما فى الحقيقة صلة واهية وإن تشابها فى بعض أسماء الشخصيات أو الأحداث، كما أن الصلة أضعف كثيرا بين الفيلم والقصة فى روايتها الإسلامية، فالفيلم ينتمى أكثر إلى عالم المخرج دارين أرنوفسكى، صاحب "قداس إلى حلم" و"البجعة السوداء"، وهو عالم يعجب النقاد كثيرا لاحتشاده بتعقيدات هى أقرب للتفلسف منها إلى الفلسفة. لذلك فإن الخير والشر فى "نوح" سوف يختلطان أحيانا على نحو مشوش، بينما يبدو القصد منه إضفاء مزيد من العمق الدرامى، لكن الفيلم فى التحليل الأخير لا يتجاوز الجانب السطحى من القضايا التى يطرحها.
نوح كما لابد أنك تتوقع قد شيد فى الفيلم سفينة سوف يحشد فيها من كل زوجين اثنين، ومعه بعض أفراد أسرته الصغيرة، ذلك أنه تلقى وحيا من السماء بأن هناك طوفانا سوف يجتاح الأرض، ويقتلع كل ما عليها من حياة. لكن على الجانب الآخر هناك الأشرار، الذين تريد السماء معاقبتهم جميعا، ولا يفرق الفيلم بين الطيب والسىء منهم، فذلك فى رأيه هو حكم السماء مهما كانت قسوته. وسوف تمتد هذه القسوة إلى نوح، الذى يقرر أن يكون أداة السماء لإفناء الحياة جميعا، حتى عائلته التى يرسم لها مستقبلها الذى يجب أن ينتهى فى رأيه إلى زوال البشرية.
لكن زوجة نوح (جينيفر كونيللى) سوف تمثل فى هذه الدراما الجانب الأكثر ضعفا أمام الإنسانية، ليدور بينهما حوار بالغ التفلسف، يتحدث فيه عن أن عدالة السماء قد قررت مصير الفناء لأن الإنسان عاث فى الأرض فسادا، ويقرر أنه لن يحمل معه فى السفينة أحدا لأنه ليس هناك متسع لغيرهم، بينما ترجوه الزوجة أن يترفق بالناس الذين لا ذنب لهم. وهكذا يبدو لك نوح أقرب إلى القسوة لكنه أيضا يمثل "العدالة"، وهو الأمر الذى يتأكد للمتفرج مع الصورة بالغة الوحشية التى يرسمها الفيلم للبشر، فهم يوغلون فى الدماء بلا رحمة أو عقل أو حتى سبب أو تبرير، ويحاولون انتزاع الفلك من نوح، فى معركة سينمائية هوليوودية (لا أصل لها بالطبع فى القصص الدينى)، ويستعين فيها المخرج أرنوفسكى بكل الحيل الكومبيوترية المعاصرة.
وفى هذا الجانب تحديدا يكمن الإبهار الفنى للفيلم، فالكومبيوتر يستطيع أن يصنع من الصور ما يشاء الفنان، وما قد يجمح إليه خياله، لكن ذلك يفقد القصة الدينية سحرها لدى المتفرج، الذى ينتظر أن يرى مركبا عملاقا بذل نوح جهدا بالغا لصنعه، ليلجأ إليه وأسرته وكل ما تدب فيه الحياة لتطيح به وبهم الأمواج، فإذا بالمتفرج أمام ما يشبه "الغواصة" التى صنعتها لنوح كائنات صخرية بالغة التشوه، يقال أنها لملائكة عوقبت على أخطاء فكانت مهمتها للخلاص هى مساعدة نوح، لكن هذه الكائنات تبدو فى الحقيقة مثيرة للضحك، أو كأنها محاكاة كومبيوترية هزيلة لما كان فنانو الخدع السينمائية يقومون به فى سالف الأزمان بجهد بالغ، على نحو ما ترى مثلا فى فيلم خمسينيات القرن العشرين "رحلة السندباد السابعة"! ناهيك عن غابات الأشجار التى تنبثق من الأرض فى ثانية واحدة، أو ذلك المشهد الذى أتى هنا فى غير سياق، لكنه أثار فتنة المخرج، الذى جعل نوح يحكى لأسرته بداية الخلق، لتتجسد على الشاشة السطور الأولى من "سفر التكوين".
أرجو ألا يشتت انتباهك كثيرا الإشارات إلى أبناء نوح، والتلميحات لمصائرهم التى جعلت من الأسطورة سببا فى خلق النزعة العنصرية حتى اليوم، فكل ذلك عابر أمام جوهر الفيلم والسبب فى وجوده، وهو تقديم المبرر لنزعة التدمير الشامل باسم عدالة السماء، والقضاء على الأشرار، أو حتى الادعاء بأن الفيلم يدعو إلى "بداية جديدة"، فالمهم أن يبقى بطل الفيلم وأسرته فى مشهد النهاية، وهم ينظرون إلى قوس قزح من بعيد، وليس مهما على الإطلاق أن يموت كل البشر، لكى يعيش البطل الأمريكى!
  

Saturday, August 02, 2014

استراتيجيات السرد، والأخلاق، فى الدراما المصرية

فى قصة قصيرة للأديب الكبير الراحل خيرى شلبى، تحمل عنوان "أكل العيال"، لوحة تسجيلية عن امرأة من حى عشوائى، فى رحلة شقائها اليومية لتدبير أكل العيال، بمساعدة زوجها سائق التاكسى الشقيان بدوره على أكل عيش أسرته، وإذا كانت القصة تنتهى على نحو مأساوى، بحادث أليم تفقد فيه المرأة ذراعا، فتمضى حاملة أكل العيال بالذراع الآخر، فإن هذه الصورة تصبح صورة مجازية بالغة القوة للشريحة الأكبر من الشعب المصرى، الذى يمضى فى حياته مجترا الآلام، وكل أمله أن يبقى فقط على قيد الحياة.
أجمل ما فى القصة أنك تكتشف فى منتصفها أنك لست أمام راوٍ محايد، فالسرد يأتى من خلال حكى واحد من أبناء هذا الحى نفسه، لذلك فإن العالم الفنى (ولا نقول الواقعى فقط) يتم تصويره بشكل شبه تسجيلى، من مستوى الناس أنفسهم، وليس من وجهة نظر راوٍ مفترض هو بالضرورة يعلم كل شىء عن كل شىء، وينظر إلى هذا العالم "من فوق". وتلك بالضبط هى نقطة الالتقاء فى الفن بين الأسلوب والأخلاق.
كثيرا ما ننظر إلى كلمة "الأخلاق" فى الفن نظرة الريبة والشك، لأن هناك من جعلنا نعتقد أنه لا علاقة بينهما، بل تزداد الدعوة يوما بعد يوم لفكرة أن الأخلاق تؤدى إلى تقييد حرية التعبير. لذلك نرجو أن نوضح من البداية أننا لا نقصد أبدا أن تكون الأعمال الفنية مواعظ أخلاقية، أو ألا يتناول الفن ما فى العالم من شرور، لكن ما نقصده بوضوح أن "أسلوب" العمل الفنى، واختياراته التقنية، يعكس فى التحليل الأخير موقفا أخلاقيا من الفنان تجاه العالم الذى يصوره، وهو الموقف الذى يطلب منا الفنان أن نتبناه ونوافق عليه.
كان الفنان السينمائى الفرنسى جان لوك جودار يقول دائما، إنك لو أردت أن تجعل لقطة بعيدة لشخصية ما تتحول إلى لقطة قريبة، فأمامك اختياران تقنيان: إما أن تقترب بالكاميرا ذاتها، أو أن تقوم بتكبير الصورة باستخدام عدسة "الزوم"، ليضيف فى وضوح تام: هذا ليس مجرد اختيار تقنى وأسلوبى، بل هو اختيار أخلاقى أيضا. فأنت مع عدسة "الزوم" تبقى بعيدا عن الشخصية، بينما اقترابك بالكاميرا منها يعنى قدرا أكبر كثيرا من الحميمية. ولعل تلك النقطة بالتحديد: نقطة اللقاء بين الأسلوب والموقف الجمالى، هى أكثر نقاط الدراما المصرية ضعفا، وأكثرها تأثيرا على غيابها عن ساحة الدراما فى العالم كله.
نحن فى العادة نتحدث عن أن هذا الفيلم أو ذاك المسلسل يتناول الموضوع الفلانى، لكننا نادرا ما نتحدث عن كيفية هذا التناول. ومرة أخرى، نحن لا نقصد "موقف" الفنان من العالم الفنى الذى يصوره، فالأهم هو "موقعه" من هذا العالم، أو إن شئت أن تستخدم مصطلحا أكثر دقة: الأسلوب السردى للعمل. سوف أضرب لك مثالا أرجو أن يوضح ما أقصده، فإذا كانت أفلام المخرج السينمائى خالد يوسف تبدو على السطح دائما كأنها تتناول عالم المضطهدين، فإنها فى الحقيقة "تبيع" هذا العالم باعتباره "فرجة" للمشاهدين. فى فيلم "دكان شحاتة" على سبيل المثال مشهد يقول الفيلم أنه يعبر عن الحرمان الجنسى لبطلته، وهنا يتوقف المخرج طويلا بالكاميرا التى تجسد لنا حلم يقظة بين البطلة وحبيبها، بكل اللقطات القريبة الممكنة التى لا تهدف لتصوير كبت البطلة، بقدر ما تهدف إلى التأكيد على حرمان المتفرجين. وفى مشهد آخر، يكون شقيق البطلة قد وقع تحت تأثير المخدرات، فيأمر شقيقته أن ترقص له ولخطيبها، فإذا بك تكتشف أنها فى الحقيقة ترقص "لنا" نحن المتفرجين، والسبب؟ الأسلوب!! فقد اختار المخرج فى المشهد أن تقوم الكاميرا باستعراض مفاتن هيفاء وهبى، ولا تسأل من أى "وجهة نظر" جاءت هذه اللقطات، فلو كانت من وجهة نظر راوٍ موضوعى، فقد كان يجب أن يرى هذا المشهد أو ذاك من بعيد، أما إن كانت من وجهة نظر راوٍ ذاتى فقد كان التعبير عن الألم هو الأقرب للصدق، والأقرب للأخلاق (بالمعنى الجمالى والفنى دائما).
أصبحت تلك "الطريقة" فى صنع "توليفة"، تجمع بين تصوير من السطح لعالم الفقراء، وبيع هذا العالم للمتفرجين، هى الوصفة السحرية لضمان النجاح السهل، فهى تجذب المثقفين الذين يسعدون كثيرا بتناول مثل هذا العالم باعتباره دليلا على حرية التعبير، كما تجذب الجماهير التى تأتى لتتفرج على عالم يبدو مثل "السيرك" بالنسبة لها، حافلا بكل ما هو غريب وعجيب، بالإضافة بالطبع لعوامل الإثارة التى لا يمكن أن تخطئها عين. أما عن القول بحرية التعبير، فليس هناك مثال أكثر وضوحا من كثير من أفلام يسرى نصر الله، بدءا من "مرسيدس" وحتى "إحكى يا شهر زاد"، وهى أفلام يمكن أن يقال عنها أنها "استشراقية" بالمعنى الكامل للكلمة، فهى من وجهة نظر متعالية على الواقع، وموجهة إلى جمهور قد يرى مثل هذا الواقع "طريفا" وغريبا، وهى فى التحليل الأخير تقول دائما: "هذا هو واقعكم، ليس هناك أمل فى إصلاحه، وربما كان الخلاص الكامل منه هو الطريق الوحيد إلى الحل".
فى هذا الفيلم الأخير "إحكى يا شهر زاد"، شخصية نسائية عابرة، ظهرت فى المشاهد الأولى ثم اختفت، وكانت هى الأهم بين شخصيات الفيلم كله: امرأة تعمل فى محل لبيع مستحضرات التجميل الفاخرة، يقتضى عملها أن ترتدى فاخر الثياب وأن تضع كامل زينتها، وعندما ينتهى عملها نراها فى رحلة عودتها إلى منزلها، تزيل الزينة وترتدى الحجاب، استعدادا لدخول الحى الشعبى الفقير الذى تسكنه. وبدلا من أن يتوقف عندها الفيلم طويلا، فإنه يتجاوزها، ليحكى عن شخصيات "كارتونية" ذات بعد واحد، تارة تنتمى إلى المثقفين الذين لا يرحب بهم مجتمعهم، وتارة أخرى تنتمى إلى عالم الفقراء الذين تتحكم فيهم الغرائز الخالصة.
ولك أن تتخيل أن ذلك كله مغلف بالقول بأنها أفلام "تتناول" قضية الدفاع عن المرأة، وتنسى أو تتناسى أنها "تبيع" المرأة بسبب غياب الوعى بالأسلوب السردى، وما يتطلبه من موقف أخلاقى تجاه العالم الفنى. ومن مدرسة خالد يوسف، ثم يسرى نصر الله، خرجت مجموعة من أصحاب الأعمال الدرامية، يكررون نفس الموضوعات، وخلط الأساليب، ويكتسبون شهرة خاصة بعد انتقال الاهتمام إلى الدراما التليفزيونية، على أثر حالة الغيبوبة التى أصيبت بها السينما المصرية. ولعل أكثر هؤلاء شهرة الآن كاتبة السيناريو مريم نعوم، التى تشترك فى الأغلب مع الخرجة كاملة أبو ذكرى، فى صنع مسلسلات تحتشد بمشاهد ذات طابع تلقائى (وارتجالى أحيانا)، وتلقى رواجا لدى معظم النقاد، بسبب ما يبدو فيها من جرأة، ولأنها تزعم الاقتباس عن أعمال كسبت قدرا كبيرا من الاحترام، مثل "ذات" لصنع الله ابراهيم، أو "سجن النسا" لفتحية العسال.
لم يتوقف الكثيرون عند التشويه البالغ لرواية صنع الله ابراهيم، التى تتحدث بأسلوب تسجيلى عن الطبقة المتوسطة التى عانت من عوامل التعرية الإنسانية مع عصر الانفتاح المزعوم، حين فقدت الذات ذاتيتها حقا (للمرأة والرجل على السواء)، وأصبحت مسخا يتم التلاعب بوعيه ووجدانه. فى معالجة مريم نعوم تصبح البطلة رمزا لمصر منذ 23 يوليو 1952 (هكذا!!)، فهذا يوم ميلادها، لتمضى حياتها فى بؤس كامل فى ظل "الستين سنة اللى فاتوا"، كما يردد الكثيرون الآن فى موجة تشويه التاريخ المصرى ووعى الناس به، وجعل الستة عقود كتلة واحدة من القمع المتصل، ولا يخجل المسلسل أيضا من أن يقول إن عبد الناصر كان السبب فى رحيل اليهود عن مصر، كما يجعلنا نتمزق ألما ونحن نرى الجيران اليهود الأبرياء يرحلون.
الجانب الرمزى الآخر من مسلسل "ذات" هو النزعة النسوية المفرطة، فكل الرجال دون استثناء غلاظ القلوب خبثاء العقول، وهى النزعة النسوية التى بدا لها أنها قد وجدت ضالتها المنشودة فى "سجن النسا"، بدءا من عنوانه الذى يحلو للكثيرين القول إنه يعبر عن "مصر كلها" (!!)، لتصبح القضية المحورية هنا الصراع الأزلى الأبدى بين الرجال القاهرين والنساء المقهورات. وفى "سجن النسا" يتجلى الخلل الأسلوبى والأخلاقى للدراما المصرية، فهو يبدو على السطح شديد الواقعية (يرجع الكثير من الفضل فى ذلك للمخرجة كاملة أبو ذكرى وإدارتها للممثلين واختيار مواقع التصوير)، لكنه فى الوقت ذاته يبدى رغبة لا يمكن تجاهلها فى عدم النفاذ إلى جوهر القضايا.
ومن المؤكد أن لهذه الواقعية السطحية أحيانا قدرا من الجاذبية، فهى تجعل المتفرجين "يتفرجون" على عالم غريب عليهم، وهنا يكمن الخلل الأخلاقى: ما هو التأثير الذى يريد المسلسل تحقيقه فى جماهيره؟ على الجانب الفنى أنت أمام نوع معاصر من "صندوق الدنيا": أنظر إلى الفقراء وهم لا يتوقفون عن الصراخ والنواح (وكلما زادت الممثلة لطما تصورت أنها أكثر إبداعا)، وانظر إلى تاجرة المخدرات التى لا تنطق بلكنة الناس العاديين، وإنما فى تقليد للمعلمة "سمارة"، وتأملها وهى تستمع بشم الكوكايين لتصل إلى النشوة، وانظر إلى أجساد الراقصات التى تتلوى فى علب الليل الغارقة فى الإضاءة الحمراء (وهذا مشهد يبدو إجباريا فى كل حلقة!!).
إن أردت تلخيصا لموقف صناع مثل هذا المسلسل من عالمهم الفنى، فيمكنك أن تسميه "التلصص"، الذى يتيحه للمتفرج بحجة أنه يرى عالما غريبا عليه، التلصص على نساء يقمن بتغيير ملابسهن قبل مغادرة الملهى الليلى (هنا تكون الكاميرا فى موقع المتلصص تماما)، أو عندما يقمن بترقيق حواجبهن ووضع زينتهن، أو فى لحظات استرخائهن ورقصهن معا، ليس بغرض الترويح عن النفس فى غمرة الهم والحزن (لا أستطيع هنا إلا أن أتذكر عذوبة وإنسانية وأخلاقية فيلم داود عبد السيد "سارق الفرح"، أو فيلم رضوان الكاشف "ليه يا بنفسج")، وإنما لتقديم وصلة من الابتذال المقتبس عن أسوأ أفلام السينما المصرية.
يقول لك البعض أنك لا تستطيع أن تفرض قيودا على حرية الإبداع، لكنهم لا يستطيعون أيضا فرض قيود على من يرفضون هذا النوع من الإبداع. كما سوف تسمع أن مثل هذا العمل يقدم بعضا مما يحدث فى الواقع، وأن من العبث تجاهل هذا الواقع، لكن ليس هناك مثلا ما هو أكثر من الموت فى الواقع، فهل يكون ذلك مبررا لتقديم مشاهد الاحتضار بكل تفاصيلها؟ مرة أخرى ليس المهم "ما" يدور حوله العمل الفنى، وإنما "كيف" يتم تناوله، وما هو التأثير المطلوب تحقيقه فى وجدان المتفرج. فمثل هذه الأعمال لا تهدف حقا لتصوير أى واقع، وإنما بيعه للمتفرج، بل وتشويه وعيه به أيضا، وإن كنت فى شك من ذلك، أرجو مرة أخرى أن تقرأ قصة خيرى شلبى "أكل العيال".