Thursday, August 07, 2014

"هذا ليس فيلما",,, لكن هذه سينما حقيقية

    فى عام 2010، كان المخرج الإيرانى الشهير جعفر باناهى يعيش تحت الإقامة الجبرية فى منزله، انتظارا لصدور حكم الاستئناف، على الحكم الغريب الذى صدر ضده، ليس فقط بالسجن ست سنوات، والمنع من السفر إلى الخارج، وحظر إجراء مقابلات تليفزيونية معه، بل أيضا حرمانه من كتابة السيناريوهات وإخراج الأفلام لمدة عشرين عاما! لقد كانت وما زالت تلك هى حال معظم السينمائيين الإيرانيين الكبار، المتمردين على السلطة الرسمية والغوغائية الجماهيرية، ليقرر باناهى أن يصنع فيلما يسجل ذلك الوضع، وأن يجعله يحمل ذلك الاسم الساخر من منعه من صناعة الأفلام "هذا ليس فيلما"، ويقوم بتهريبه إلى خارج إيران، ليعرض فى مهرجان كان فى عام 2011.
   أثبت كثير من السينمائيين الإيرانيين – قبل اندلاع الثورة الإيرانية وبعدها - قدرتهم الجمالية والسياسية بالغة الرهافة والوعى، على اختراق الحواجز الرقابية، الرسمية والشعبية، التى كانت كفيلة بتحويل صناعة السينما الإيرانية كلها إلى الهزل الفنى، الذى ينتهى بها إلى الهزال والموت، لكن هؤلاء السينمائيين قرروا التعامل مع هذا الواقع السياسى الصعب، والالتفاف حول القيود الرقابية، ووجدوا لذلك بعض الحلول، كان على رأسها صناعة أفلام يقوم ببطولتها أطفال أو ممثلون غير محترفين، ويدور معظمها عن حياة الفقراء والمضطهدين، واللجوء إلى النزعة التسجيلية حتى فى الأفلام الروائية.
   ومن المادة التسجيلية يتألف نسيج فيلم "هذا ليس فيلما"، حيث نرى جعفر باناهى وحيدا فى منزله، ونحن محاصرون معه طوال الوقت، بينما نعرف أن المدينة فى الخارج تستعد لعيد رأس السنة الفارسية. وهو يضع الكاميرا فى أماكن وزوايا تسمح بتصويره فى وحدته، لكنه يجرى اتصالا هاتفيا بصديقه غير المحترف مرتجى ميرتهماسب. وفى إشارة بالغة الذكاء يقول: "يبدو أن علىّ أيضا أن أنزع جبيرتى"، فى إشارة لفيلم سابق له بعنوان "المرآة"، قامت ببطولته طفلة صغيرة، تحاول العودة مكسورة الذراع من المدرسة إلى منزلها وحدها لأول مرة، وسط متاهة شوارع طهران، بعد أن تأخرت أمها عن القدوم لمصاحبتها. ففجأة تتمرد الممثلة الطفلة بعد أن وصلت إلى منتصف الفيلم، وقامت بخلع جبيرة ذراعها، رافضة الاستمرار فى تمثيل الفيلم، لكن باناهى يستمر فى التصوير، ليصبح النصف الثانى من الفيلم تسجيليا حول عودة الطفلة الممثلة إلى منزلها الذى لا تعرف بدورها له طريقا، ووحدها أيضا ودون مرشد أو دليل!
   وهكذا يقرر باناهى بدوره أن يتمرد على احتجازه فى منزله، عاجزا عن صنع الأفلام، وبدءا من تلك اللحظة يستعين بصديقه ليقوم بتصويره، وهما يتناقشان حول السينما، ويتحركان بتلقائية لا تحاول أن تخفى حتى خشونة الانتقال بين لقطة وأخرى. ترى ماذا يكون قرار باناهى؟ إن حكم المحكمة لا يتضمن منعه من قراءة السيناريو الأخير له المرفوض من الرقابة، وتجسيد تصور طريقة إخراجه له بأشكال توضيحية على أرض شقته، فلتكن تلك إذن طريقته الفريدة فى صنع الفيلم.
   هناك تشابه وثيق بين حالة باناهى وسيناريو الفيلم المكتوب، الذى يدور حول فتاة اجتازت اختبارات القبول فى كلية الفنون، لكن والديها التقليديين يرفضان، ويحبسانها فى المنزل، لتحاول الخروج بكل الوسائل حتى تلحق بالموعد قبل أن تلغى الكلية تسجيلها فيها. ويستعين باناهى على الشرح أيضا بلقطات كان قد صورها خلال بحثه المبدئى عن مواقع حقيقية للتصوير، وخلال ذلك كله تعرف جانبا من حال السينما الإيرانية والسينمائيين الإيرانيين، فلأن من المحظور تصوير فتاة أو امرأة بدون حجاب (كما قد تكون داخل منزلها)، فإن باناهى اضطر طويلا إلى أفلام تدور أحداثها فى مواقع خارجية، حتى يمكن تصديق ارتداء الحجاب، لكنه هذه المرة أمام سيناريو عن فتاة وحيدة، داخل منزلها، ويترك لك أن تتخيلها بدون حجاب.
   وعندما يصل باناهى فى سرد الحكاية لتفاصيل المشاعر الداخلية، يشعر بالعجز... ليس هناك غنى عن الممثل، وعن مواقع التصوير الحقيقية، ويضرب على ذلك مثالا من فيلمين سابقين له هما "الذهب القرمزى" و"الدائرة"، لمشاهد هى بدورها تضع خطوطا تحت جانب مهم من السينما الإيرانية، وهو الاعتماد على الممثلين غير المحترفين، الذين تبدو منهم لفتات تلقائية تبهر أى مخرج، وهم الذين "يقودون المخرج وليس هو الذى يقودهم"، لأنهم يعيشون اللحظة فى موقع الحدث، وليس داخل استوديو منعزل عن العالم. لذلك فإن باناهى يشعر بأن تجربة قراءة السيناريو وحدها ينقصها الكثير، وهو ما يزيده ويزيدنا حنقا على الذين حرموه من صنع الأفلام.
   كانت الفتاة الحبيسة ترى من نافذة غرفتها شابا يراقب المنزل يوما بعد يوم، ولأنه الإنسان الوحيد الذى تراه فى سجنها فإنه تقع فى غرامه، متوهمة أنه هو الآخر يطوف بالمنزل لأنه يهواها، لكنها لا تعلم أنه شخص يدفع له الأب أجرا لكى يراقب المنزل، ويتأكد من عدم مغادرتها له! إن العجز الذى تعيشه بطلة فيلم باناهى على الورق، يعيشه هو فى الحقيقة، ولا يملك سوى كاميرا السينما ليسجل بها بعض اللحظات، ولا يدرى إن كان ما يصنعه سوف يتحول إلى فيلم أم لا.
   ينتهى فيلم "هذا ليس فيلما" بمشهد يصوره باناهى بهاتفه المحمول، وهو يودع صديقه على الباب، فيفاجأ بمن يخرج من المصعد قائلا إنه مساعد مؤقت للبواب، قد أتى لكى يجمع القمامة، فلا تملك أنت كمتفرج إلا أن تتساءل: هل "بطلنا" تحت الرقابة اللصيقة؟ هل يعرفون ما يفعل؟ لكن سوف يتضح أنه شاب مكافح آخر من بين ملايين من أمثاله، يتحول فى لحظة إلى "ممثل" غير محترف فى هذا المشهد، ليس بمعنى التمثيل كما نعرفه، ولكن لأنه يجسد هؤلاء البسطاء الذين يصادفهم بعض صناع السينما الإيرانية، ويجعلون منهم أبطالا لأفلامهم، لأن هؤلاء السينمائيين يدركون قيمة السينما ودورها فى التفاعل مع الواقع، ومسئوليتهم الأخلاقية تجاه هذا الواقع، ويناضلون من أجل العثور على حلول تقنية وجمالية وسياسية لمشكلات بالغة التعقيد.
  نسيت أن أقول لك إن جعفر باناهى يشير إلى أن قصة السيناريو الذى كتبه على الورق مقتبسة عن تشيكوف، فالحقيقة أن كثيرا من المعالجات الفنية الإنسانية الناضجة تبدأ من تشيكوف، وتمتد مع فن السينما إلى فضاء بلا نهاية.


Monday, August 04, 2014

فيلم "نوح": نشوة النبى الأمريكى بتدمير العالم

هناك أفكار مسيطرة على عقلية الشعب الأمريكى فى مجمله، أولها أن العالم ينقسم إلى أخيار وأشرار، أما الأخيار فهم بالطبع الأمريكيون، أما الأشرار فهم "الأغيار" بالمعنى العام للكلمة، وليس أمام الأمريكيين إلا الدفاع الدائم والمميت أحيانا عن "أسلوبهم" فى الحياة، حتى لو جاء ذلك على حساب "حق" الآخرين فى الحياة. أما الفكرة الثانية التى تبدو كأنها وسواس قهرى، فهى أن أمام البطل الأمريكى مهمة "إنقاذ العالم"، حتى لو تحقق ذلك حسب تصورهم بتدميره. ومثل هذه الأفكار تغذيها الآلة السياسية والعسكرية الأمريكية، مدعومة بترسانة هوليوود الضخمة، التى وجدت فرصة جديدة لتجسيد هذه الأفكار، من خلال التلاعب على القصة الدينية والأسطورية للنبى نوح.
لا تصدق أبدا الزعم أن فيلم "نوح" الجديد يجسد هذا النبى، فمن المؤكد أنك تعرف جيدا أن من تراه على الشاشة ليس هو النبى نوح بل الممثل راسيل كرو، ولن تنطبع فى ذهنك صورته فى هيئة نوح المزعومة، فهو يتحدث الإنجليزية، ويرتدى سترة جلدية وسروالا معاصرين، ويلبس فى رجليه حذاء ذا رقبة طويلة، ويحتسى الشاى أيضا. وإذا كان الفيلم يجعل اسمه "نوح"، ويطلق أسماء توراتية على بقية الشخصيات، التى تحمل بين بعضها علاقات يمكنك أن تقتفى آثارها فى "العهد القديم"، فإن الجو العام للفيلم لا يوحى لحظة واحدة أنك أمام فيلم دينى، بل هو نسخة جديدة من أفلام "نهاية العالم"، مثل "ماد ماكس" أو "بعد 28 يوما" و"حرب العوالم" وعشرات الأفلام المشابهة، أو حتى أفلام جورج روميرو عن الموتى الأحياء، بعد دمار العالم على إثر حرب نووية شاملة، وكل ما يبقى من "حبكة" الفيلم بالمعنى الدرامى ليس شيئا ينتمى للقصص الدينى، بقدر انتمائه لأفلام ما بعد الدمار، مع لمسة من أفلام الفانتازيا والحواديت مثل سلسلة "ملك الخواتم".
سوف يكون تضييعا للوقت أن نقارن بين فيلم "نوح" والقصة التوراتية، فبينهما فى الحقيقة صلة واهية وإن تشابها فى بعض أسماء الشخصيات أو الأحداث، كما أن الصلة أضعف كثيرا بين الفيلم والقصة فى روايتها الإسلامية، فالفيلم ينتمى أكثر إلى عالم المخرج دارين أرنوفسكى، صاحب "قداس إلى حلم" و"البجعة السوداء"، وهو عالم يعجب النقاد كثيرا لاحتشاده بتعقيدات هى أقرب للتفلسف منها إلى الفلسفة. لذلك فإن الخير والشر فى "نوح" سوف يختلطان أحيانا على نحو مشوش، بينما يبدو القصد منه إضفاء مزيد من العمق الدرامى، لكن الفيلم فى التحليل الأخير لا يتجاوز الجانب السطحى من القضايا التى يطرحها.
نوح كما لابد أنك تتوقع قد شيد فى الفيلم سفينة سوف يحشد فيها من كل زوجين اثنين، ومعه بعض أفراد أسرته الصغيرة، ذلك أنه تلقى وحيا من السماء بأن هناك طوفانا سوف يجتاح الأرض، ويقتلع كل ما عليها من حياة. لكن على الجانب الآخر هناك الأشرار، الذين تريد السماء معاقبتهم جميعا، ولا يفرق الفيلم بين الطيب والسىء منهم، فذلك فى رأيه هو حكم السماء مهما كانت قسوته. وسوف تمتد هذه القسوة إلى نوح، الذى يقرر أن يكون أداة السماء لإفناء الحياة جميعا، حتى عائلته التى يرسم لها مستقبلها الذى يجب أن ينتهى فى رأيه إلى زوال البشرية.
لكن زوجة نوح (جينيفر كونيللى) سوف تمثل فى هذه الدراما الجانب الأكثر ضعفا أمام الإنسانية، ليدور بينهما حوار بالغ التفلسف، يتحدث فيه عن أن عدالة السماء قد قررت مصير الفناء لأن الإنسان عاث فى الأرض فسادا، ويقرر أنه لن يحمل معه فى السفينة أحدا لأنه ليس هناك متسع لغيرهم، بينما ترجوه الزوجة أن يترفق بالناس الذين لا ذنب لهم. وهكذا يبدو لك نوح أقرب إلى القسوة لكنه أيضا يمثل "العدالة"، وهو الأمر الذى يتأكد للمتفرج مع الصورة بالغة الوحشية التى يرسمها الفيلم للبشر، فهم يوغلون فى الدماء بلا رحمة أو عقل أو حتى سبب أو تبرير، ويحاولون انتزاع الفلك من نوح، فى معركة سينمائية هوليوودية (لا أصل لها بالطبع فى القصص الدينى)، ويستعين فيها المخرج أرنوفسكى بكل الحيل الكومبيوترية المعاصرة.
وفى هذا الجانب تحديدا يكمن الإبهار الفنى للفيلم، فالكومبيوتر يستطيع أن يصنع من الصور ما يشاء الفنان، وما قد يجمح إليه خياله، لكن ذلك يفقد القصة الدينية سحرها لدى المتفرج، الذى ينتظر أن يرى مركبا عملاقا بذل نوح جهدا بالغا لصنعه، ليلجأ إليه وأسرته وكل ما تدب فيه الحياة لتطيح به وبهم الأمواج، فإذا بالمتفرج أمام ما يشبه "الغواصة" التى صنعتها لنوح كائنات صخرية بالغة التشوه، يقال أنها لملائكة عوقبت على أخطاء فكانت مهمتها للخلاص هى مساعدة نوح، لكن هذه الكائنات تبدو فى الحقيقة مثيرة للضحك، أو كأنها محاكاة كومبيوترية هزيلة لما كان فنانو الخدع السينمائية يقومون به فى سالف الأزمان بجهد بالغ، على نحو ما ترى مثلا فى فيلم خمسينيات القرن العشرين "رحلة السندباد السابعة"! ناهيك عن غابات الأشجار التى تنبثق من الأرض فى ثانية واحدة، أو ذلك المشهد الذى أتى هنا فى غير سياق، لكنه أثار فتنة المخرج، الذى جعل نوح يحكى لأسرته بداية الخلق، لتتجسد على الشاشة السطور الأولى من "سفر التكوين".
أرجو ألا يشتت انتباهك كثيرا الإشارات إلى أبناء نوح، والتلميحات لمصائرهم التى جعلت من الأسطورة سببا فى خلق النزعة العنصرية حتى اليوم، فكل ذلك عابر أمام جوهر الفيلم والسبب فى وجوده، وهو تقديم المبرر لنزعة التدمير الشامل باسم عدالة السماء، والقضاء على الأشرار، أو حتى الادعاء بأن الفيلم يدعو إلى "بداية جديدة"، فالمهم أن يبقى بطل الفيلم وأسرته فى مشهد النهاية، وهم ينظرون إلى قوس قزح من بعيد، وليس مهما على الإطلاق أن يموت كل البشر، لكى يعيش البطل الأمريكى!
  

Saturday, August 02, 2014

استراتيجيات السرد، والأخلاق، فى الدراما المصرية

فى قصة قصيرة للأديب الكبير الراحل خيرى شلبى، تحمل عنوان "أكل العيال"، لوحة تسجيلية عن امرأة من حى عشوائى، فى رحلة شقائها اليومية لتدبير أكل العيال، بمساعدة زوجها سائق التاكسى الشقيان بدوره على أكل عيش أسرته، وإذا كانت القصة تنتهى على نحو مأساوى، بحادث أليم تفقد فيه المرأة ذراعا، فتمضى حاملة أكل العيال بالذراع الآخر، فإن هذه الصورة تصبح صورة مجازية بالغة القوة للشريحة الأكبر من الشعب المصرى، الذى يمضى فى حياته مجترا الآلام، وكل أمله أن يبقى فقط على قيد الحياة.
أجمل ما فى القصة أنك تكتشف فى منتصفها أنك لست أمام راوٍ محايد، فالسرد يأتى من خلال حكى واحد من أبناء هذا الحى نفسه، لذلك فإن العالم الفنى (ولا نقول الواقعى فقط) يتم تصويره بشكل شبه تسجيلى، من مستوى الناس أنفسهم، وليس من وجهة نظر راوٍ مفترض هو بالضرورة يعلم كل شىء عن كل شىء، وينظر إلى هذا العالم "من فوق". وتلك بالضبط هى نقطة الالتقاء فى الفن بين الأسلوب والأخلاق.
كثيرا ما ننظر إلى كلمة "الأخلاق" فى الفن نظرة الريبة والشك، لأن هناك من جعلنا نعتقد أنه لا علاقة بينهما، بل تزداد الدعوة يوما بعد يوم لفكرة أن الأخلاق تؤدى إلى تقييد حرية التعبير. لذلك نرجو أن نوضح من البداية أننا لا نقصد أبدا أن تكون الأعمال الفنية مواعظ أخلاقية، أو ألا يتناول الفن ما فى العالم من شرور، لكن ما نقصده بوضوح أن "أسلوب" العمل الفنى، واختياراته التقنية، يعكس فى التحليل الأخير موقفا أخلاقيا من الفنان تجاه العالم الذى يصوره، وهو الموقف الذى يطلب منا الفنان أن نتبناه ونوافق عليه.
كان الفنان السينمائى الفرنسى جان لوك جودار يقول دائما، إنك لو أردت أن تجعل لقطة بعيدة لشخصية ما تتحول إلى لقطة قريبة، فأمامك اختياران تقنيان: إما أن تقترب بالكاميرا ذاتها، أو أن تقوم بتكبير الصورة باستخدام عدسة "الزوم"، ليضيف فى وضوح تام: هذا ليس مجرد اختيار تقنى وأسلوبى، بل هو اختيار أخلاقى أيضا. فأنت مع عدسة "الزوم" تبقى بعيدا عن الشخصية، بينما اقترابك بالكاميرا منها يعنى قدرا أكبر كثيرا من الحميمية. ولعل تلك النقطة بالتحديد: نقطة اللقاء بين الأسلوب والموقف الجمالى، هى أكثر نقاط الدراما المصرية ضعفا، وأكثرها تأثيرا على غيابها عن ساحة الدراما فى العالم كله.
نحن فى العادة نتحدث عن أن هذا الفيلم أو ذاك المسلسل يتناول الموضوع الفلانى، لكننا نادرا ما نتحدث عن كيفية هذا التناول. ومرة أخرى، نحن لا نقصد "موقف" الفنان من العالم الفنى الذى يصوره، فالأهم هو "موقعه" من هذا العالم، أو إن شئت أن تستخدم مصطلحا أكثر دقة: الأسلوب السردى للعمل. سوف أضرب لك مثالا أرجو أن يوضح ما أقصده، فإذا كانت أفلام المخرج السينمائى خالد يوسف تبدو على السطح دائما كأنها تتناول عالم المضطهدين، فإنها فى الحقيقة "تبيع" هذا العالم باعتباره "فرجة" للمشاهدين. فى فيلم "دكان شحاتة" على سبيل المثال مشهد يقول الفيلم أنه يعبر عن الحرمان الجنسى لبطلته، وهنا يتوقف المخرج طويلا بالكاميرا التى تجسد لنا حلم يقظة بين البطلة وحبيبها، بكل اللقطات القريبة الممكنة التى لا تهدف لتصوير كبت البطلة، بقدر ما تهدف إلى التأكيد على حرمان المتفرجين. وفى مشهد آخر، يكون شقيق البطلة قد وقع تحت تأثير المخدرات، فيأمر شقيقته أن ترقص له ولخطيبها، فإذا بك تكتشف أنها فى الحقيقة ترقص "لنا" نحن المتفرجين، والسبب؟ الأسلوب!! فقد اختار المخرج فى المشهد أن تقوم الكاميرا باستعراض مفاتن هيفاء وهبى، ولا تسأل من أى "وجهة نظر" جاءت هذه اللقطات، فلو كانت من وجهة نظر راوٍ موضوعى، فقد كان يجب أن يرى هذا المشهد أو ذاك من بعيد، أما إن كانت من وجهة نظر راوٍ ذاتى فقد كان التعبير عن الألم هو الأقرب للصدق، والأقرب للأخلاق (بالمعنى الجمالى والفنى دائما).
أصبحت تلك "الطريقة" فى صنع "توليفة"، تجمع بين تصوير من السطح لعالم الفقراء، وبيع هذا العالم للمتفرجين، هى الوصفة السحرية لضمان النجاح السهل، فهى تجذب المثقفين الذين يسعدون كثيرا بتناول مثل هذا العالم باعتباره دليلا على حرية التعبير، كما تجذب الجماهير التى تأتى لتتفرج على عالم يبدو مثل "السيرك" بالنسبة لها، حافلا بكل ما هو غريب وعجيب، بالإضافة بالطبع لعوامل الإثارة التى لا يمكن أن تخطئها عين. أما عن القول بحرية التعبير، فليس هناك مثال أكثر وضوحا من كثير من أفلام يسرى نصر الله، بدءا من "مرسيدس" وحتى "إحكى يا شهر زاد"، وهى أفلام يمكن أن يقال عنها أنها "استشراقية" بالمعنى الكامل للكلمة، فهى من وجهة نظر متعالية على الواقع، وموجهة إلى جمهور قد يرى مثل هذا الواقع "طريفا" وغريبا، وهى فى التحليل الأخير تقول دائما: "هذا هو واقعكم، ليس هناك أمل فى إصلاحه، وربما كان الخلاص الكامل منه هو الطريق الوحيد إلى الحل".
فى هذا الفيلم الأخير "إحكى يا شهر زاد"، شخصية نسائية عابرة، ظهرت فى المشاهد الأولى ثم اختفت، وكانت هى الأهم بين شخصيات الفيلم كله: امرأة تعمل فى محل لبيع مستحضرات التجميل الفاخرة، يقتضى عملها أن ترتدى فاخر الثياب وأن تضع كامل زينتها، وعندما ينتهى عملها نراها فى رحلة عودتها إلى منزلها، تزيل الزينة وترتدى الحجاب، استعدادا لدخول الحى الشعبى الفقير الذى تسكنه. وبدلا من أن يتوقف عندها الفيلم طويلا، فإنه يتجاوزها، ليحكى عن شخصيات "كارتونية" ذات بعد واحد، تارة تنتمى إلى المثقفين الذين لا يرحب بهم مجتمعهم، وتارة أخرى تنتمى إلى عالم الفقراء الذين تتحكم فيهم الغرائز الخالصة.
ولك أن تتخيل أن ذلك كله مغلف بالقول بأنها أفلام "تتناول" قضية الدفاع عن المرأة، وتنسى أو تتناسى أنها "تبيع" المرأة بسبب غياب الوعى بالأسلوب السردى، وما يتطلبه من موقف أخلاقى تجاه العالم الفنى. ومن مدرسة خالد يوسف، ثم يسرى نصر الله، خرجت مجموعة من أصحاب الأعمال الدرامية، يكررون نفس الموضوعات، وخلط الأساليب، ويكتسبون شهرة خاصة بعد انتقال الاهتمام إلى الدراما التليفزيونية، على أثر حالة الغيبوبة التى أصيبت بها السينما المصرية. ولعل أكثر هؤلاء شهرة الآن كاتبة السيناريو مريم نعوم، التى تشترك فى الأغلب مع الخرجة كاملة أبو ذكرى، فى صنع مسلسلات تحتشد بمشاهد ذات طابع تلقائى (وارتجالى أحيانا)، وتلقى رواجا لدى معظم النقاد، بسبب ما يبدو فيها من جرأة، ولأنها تزعم الاقتباس عن أعمال كسبت قدرا كبيرا من الاحترام، مثل "ذات" لصنع الله ابراهيم، أو "سجن النسا" لفتحية العسال.
لم يتوقف الكثيرون عند التشويه البالغ لرواية صنع الله ابراهيم، التى تتحدث بأسلوب تسجيلى عن الطبقة المتوسطة التى عانت من عوامل التعرية الإنسانية مع عصر الانفتاح المزعوم، حين فقدت الذات ذاتيتها حقا (للمرأة والرجل على السواء)، وأصبحت مسخا يتم التلاعب بوعيه ووجدانه. فى معالجة مريم نعوم تصبح البطلة رمزا لمصر منذ 23 يوليو 1952 (هكذا!!)، فهذا يوم ميلادها، لتمضى حياتها فى بؤس كامل فى ظل "الستين سنة اللى فاتوا"، كما يردد الكثيرون الآن فى موجة تشويه التاريخ المصرى ووعى الناس به، وجعل الستة عقود كتلة واحدة من القمع المتصل، ولا يخجل المسلسل أيضا من أن يقول إن عبد الناصر كان السبب فى رحيل اليهود عن مصر، كما يجعلنا نتمزق ألما ونحن نرى الجيران اليهود الأبرياء يرحلون.
الجانب الرمزى الآخر من مسلسل "ذات" هو النزعة النسوية المفرطة، فكل الرجال دون استثناء غلاظ القلوب خبثاء العقول، وهى النزعة النسوية التى بدا لها أنها قد وجدت ضالتها المنشودة فى "سجن النسا"، بدءا من عنوانه الذى يحلو للكثيرين القول إنه يعبر عن "مصر كلها" (!!)، لتصبح القضية المحورية هنا الصراع الأزلى الأبدى بين الرجال القاهرين والنساء المقهورات. وفى "سجن النسا" يتجلى الخلل الأسلوبى والأخلاقى للدراما المصرية، فهو يبدو على السطح شديد الواقعية (يرجع الكثير من الفضل فى ذلك للمخرجة كاملة أبو ذكرى وإدارتها للممثلين واختيار مواقع التصوير)، لكنه فى الوقت ذاته يبدى رغبة لا يمكن تجاهلها فى عدم النفاذ إلى جوهر القضايا.
ومن المؤكد أن لهذه الواقعية السطحية أحيانا قدرا من الجاذبية، فهى تجعل المتفرجين "يتفرجون" على عالم غريب عليهم، وهنا يكمن الخلل الأخلاقى: ما هو التأثير الذى يريد المسلسل تحقيقه فى جماهيره؟ على الجانب الفنى أنت أمام نوع معاصر من "صندوق الدنيا": أنظر إلى الفقراء وهم لا يتوقفون عن الصراخ والنواح (وكلما زادت الممثلة لطما تصورت أنها أكثر إبداعا)، وانظر إلى تاجرة المخدرات التى لا تنطق بلكنة الناس العاديين، وإنما فى تقليد للمعلمة "سمارة"، وتأملها وهى تستمع بشم الكوكايين لتصل إلى النشوة، وانظر إلى أجساد الراقصات التى تتلوى فى علب الليل الغارقة فى الإضاءة الحمراء (وهذا مشهد يبدو إجباريا فى كل حلقة!!).
إن أردت تلخيصا لموقف صناع مثل هذا المسلسل من عالمهم الفنى، فيمكنك أن تسميه "التلصص"، الذى يتيحه للمتفرج بحجة أنه يرى عالما غريبا عليه، التلصص على نساء يقمن بتغيير ملابسهن قبل مغادرة الملهى الليلى (هنا تكون الكاميرا فى موقع المتلصص تماما)، أو عندما يقمن بترقيق حواجبهن ووضع زينتهن، أو فى لحظات استرخائهن ورقصهن معا، ليس بغرض الترويح عن النفس فى غمرة الهم والحزن (لا أستطيع هنا إلا أن أتذكر عذوبة وإنسانية وأخلاقية فيلم داود عبد السيد "سارق الفرح"، أو فيلم رضوان الكاشف "ليه يا بنفسج")، وإنما لتقديم وصلة من الابتذال المقتبس عن أسوأ أفلام السينما المصرية.
يقول لك البعض أنك لا تستطيع أن تفرض قيودا على حرية الإبداع، لكنهم لا يستطيعون أيضا فرض قيود على من يرفضون هذا النوع من الإبداع. كما سوف تسمع أن مثل هذا العمل يقدم بعضا مما يحدث فى الواقع، وأن من العبث تجاهل هذا الواقع، لكن ليس هناك مثلا ما هو أكثر من الموت فى الواقع، فهل يكون ذلك مبررا لتقديم مشاهد الاحتضار بكل تفاصيلها؟ مرة أخرى ليس المهم "ما" يدور حوله العمل الفنى، وإنما "كيف" يتم تناوله، وما هو التأثير المطلوب تحقيقه فى وجدان المتفرج. فمثل هذه الأعمال لا تهدف حقا لتصوير أى واقع، وإنما بيعه للمتفرج، بل وتشويه وعيه به أيضا، وإن كنت فى شك من ذلك، أرجو مرة أخرى أن تقرأ قصة خيرى شلبى "أكل العيال".  
                                      


Wednesday, April 16, 2014

أسامة أنور عكاشة..... دراما الحنين إلى الماضي

فجأة بدا شكل الدراما التليفزيونية، التي تعتمد على المسلسلات الممتدة، مثل "آدم وجميلة" و"زي الورد"، كأنه جاء على نحو لم تعرفه المسلسلات المصرية من قبل، وأنه يعبر عن تأثر بالمسلسلات التركية. لكن قدرا قليلا من التامل، واستدعاء الذاكرة في زمن أصبح فيه النسيان أمرا عاديا، يشير إلى أن هذا النوع من الدراما ليس جديدا على الإطلاق بالنسبة لمسلسلاتنا، وأكبر دليل على ذلك هو العديد من الحلقات الممتدة في أجزاء، وكانت من تأليف الكاتب الراحل، والبارع بحق، أسامة أنور عكاشة.
بل إن عكاشة يتفوق كثيرا على المسلسلات الجديدة، لأنه أدرك العنصر الأكثر أهمية في ارتباط المتفرج بمسلسلات قد تمتد بلا نهاية، وهذا العنصر هو – ببساطة شديدة – رسم تفاصيل الشخصيات على نحو شديد الواقعية والتدقيق، مع اعتماد الدراما على الصراع بين هذه الشخصيات، التي لا يمكن لك أن تصف واحدة منها بأنها طيبة وأخرى بأنها شريرة، فالدرجات الرمادية بين الخير والشر لا تنتهي، ولكل شخصية دوافعها التي تضعها في هذا الصراع، ناهيك أيضا عن مسحة الحنين إلى الماضي، القريب والبعيد معا، في مسلسلات أسامة عكاشة.
وحتى الدراما التي تدور في زمن معاصر، مثل "رحلة أبو العلا البشري"، التي ظهرت بين عامي 1985 و1996، تلمس هذا الوتر من الحنين، في شخصية البطل (محمود مرسي)، الذي يبدو أقرب إلى أن يكون "دون كيشوت" معاصرا، فهو بمثاليته الشديدة يحاول أن يصلح من حياة الآخرين، وهي المحاولة التي تنتهي – كما انتهت بالنسبة لدون كيشوت – بلمسة ساخرة وهزيمة يطغى عليها الأسى. وأبو العلا البشري هنا يمثل مركز دائرة، يدور في فلكها العديد من الشخصيات، التي ينعكس عليها ردود أفعاله، التي يبرع أسامة عكاشة في التأكيد على رماديتها، فقد كان الرجل في الماضي "مهندس ري"، يتحكم في مجرى نهر النيل بمشروعاته، لكنه هنا لا يستطيع أن يعترض مجرى الحياة الذي لا يتوقف عن التدفق والجريان... إنه ببساطة لا يستطيع أن يوقف الزمن، الذي يحمل معه تحولات تزداد شراسة، بينما هو أمامها يزداد طيبة ومثالية.. وسذاجة!
وفي مسلسل "أبو العلا البشري" سمات سوف تلحظها في معظم أعمال عكاشة التليفزيونية، فهي تعطي دائما فرصة للممثلين أن يقوموا بأفضل أدوارهم، بفضل رسم تفاصيل الشخصيات، كما تمنحهم أحيانا "المونولوجات" التي يسترسلون فيها كأنهم على خشبة مسرح، لكنه مسرح بالغ الإقناع، لأنه مسرح الحياة. ولعل أكبر مثال على ذلك هو مسلسل "الشهد والدموع"، الذي امتد بين عامي 1983 و1984، فالممثلون جميعا يظهرون كأنهم شخصيات نعرفها أو نحب أن نعرفها على الأقل. وفي "الشهد والدموع" يبدو لأول مرة في دراما عكاشة قدر كبير من التأثر بالروائي العظيم نجيب محفوظ، خاصة في الثلاثية "بين القصرين" و"قصر الشوق" و"السكرية".
تمتد الدراما هنا كما في الثلاثية في أجواء القاهرة من بداية القرن العشرين حتى الزمن المعاصر، لتحكي عن رضوان (حمدي غيث)، الأب الذي لا يخلو من لمسات تجعله قريبا من السيد أحمد عبد الجواد، كما تحكي عن ابنيه حافظ (يوسف شعبان) وشوقي (محمود الجندي)، يبدو كلاهما على طرف نقيض من الآخر، فالأول تطغى عليه النزعة العملية ويساعد أباه في التجارة، بينما الآخر يهوى الموسيقى والحياة الأقرب إلى الصعلكة. لكن الشخصية الأبرز هنا هي زينب (عفاف شعيب، في أفضل أدوارها على الإطلاق)، ابنة العامل البسيط التي تتزوج من شوقي، وتصبح أرملة في شبابها، لتصبح رحلة "الشهد والدموع" هي رحلة كفاحها لتربية أبنائها، الذين يمثلون – كما في الثلاثية – جيلا جديدا، يكاد أن يكرر رحلة الصراع بين شقيقين مرة أخرى.
وفي "الشهد والدموع" مثال واضح على موهبة الكتابة الدرامية التليفزيونية، حيث تمتد براعة رسم الشخصيات إلى ما يمكن اعتبارها شخصيات ثانوية، لكنها هي التي تضفي مصداقية على أجواء الزمان والمكان، مع إتقان إخراج اسماعيل عبد الحافظ، الذي لا يعتمد على أي إبهار تقني، بقدر ما ينجح تماما في اختيار الممثلين وإدارتهم، بالإضافة إلى تصوير بعض من الطقوس الاجتماعية التي كادت أن تختفي، وتزيد حنين المتفرج إلى الماضي، مثل طقس "السبوع"، الذي تحتفل فيه الأسر المصرية بمرور أسبوع على ميلاد الطفل.    
ولعل المسلسل الأطول عند عكاشة والدراما التلفزيونية المصرية كلها هو "ليالي الحلمية"، الذي امتد عرضه في عديد من الأجزاء بين عامي 1987 و1995، وأصبح مع الأيام "فولكلورا" تليفزيونيا له مذاق خاص، حيث كان الخط الدرامي الرئيسي هو الصراع بين سليل الأرستقراطية الغابرة، الرجل المزواج سليم البدري (يحيى الفخراني)، والعمدة القروي الذي يصبح عدوه اللدود سليمان غانم (صلاح السعدني)، وهو الصراع الذي لا يتضمن فقط رغبة كل منهما في الانتصار على الآخر، بما يمثل صراعا بين النزعتين المدنية المتحررة والقروية المحافظة في الوجدان المصري، لكنه يتضمن أيضا إشارة إلى إمكانية وجود كليهما معا، حتى لو تنافسا على الفوز بقلب المرأة المتصابية نازك السلحدار (صفية العمري).
وهنا أيضا يمتد الصراع إلى الأجيال الجديدة، ليرسم التغيرات التي تطرأ على الجوانب الاجتماعية والأخلاقية، كما يشير إلى صعود طبقات في ظل ما سمي "الانفتاح"، دون أن يعني ذلك ترقي أخلاقيات هذه الطبقات، وإنما طغيان قيمها على المجتمع كله. وتعطي الدراما مساحات هائلة للممثلين لأفضل أداء وأكثره رهافة، فالرائعة محسنة توفيق هي أنيسة، الأم بالتبني للابن علي، لكنها تشهد في أسى القسوة التي أصبح يتسم بها، لأنه لا يريد أن يظل ضعيفا في نظر الآخرين. وفي دور إنعام سالوسة لحظات درامية عميقة التأثير، فعندما كانت تتقبل كأم العزاء في استشهاد ابنها، تنطلق في زغرودة تعبر بها عن ألمها، كما لم تظهر لوسي في أدوار أفضل من تلك التي منحتها لها دراما عكاشة، في "ليالي الحلمية" و"أرابيسك".
كان جوهر "أرابيسك" هو البحث عن الهوية المصرية، لكنه لم يكن مسلسلا ممتدا، بينما كان هذا البحث عن الهوية هو محور مسلسل "زيزينيا"، الذي امتد عرضه بين عامي 1997 و2000. وإذا كان البحث في "أرابيسك" يدور في أجواء قلب قاهرة المعز، فإنه في "زيزينيا" يأخذ مجالا أكثر اتساعا، لأنه عن مدينة الاسكندرية "الكوزموبوليتانية"، أي التي جمعت بين ثقافات مختلفة وصهرتها معا في مزيج متفرد، نراه هنا في شخصية بشر (يحيى الفخراني)، والذي حمل أيضا اسم بوتشي، المنحدر من أب مصري وأم إيطالية، لذلك فهو موزع بين هذين العالمين، لكنه أكثر ارتباطا بالعنصر المصري، الذي يتمثل في زوجة أبيه الطيبة آمنة (هدى سلطان)، والجارة اللعوب عايدة (آثار الحكيم في الجزء الأول، وهالة صدقي في الثاني)، ذات الجاذبية الطاغية، والتي تصبح مركزا لاهتمام تنويعات عديدة من الرجال.
مرة أخرى يسجل "زيزينيا" رحلة الصعود لشخصيات وطبقات جديدة، في منحنيات درامية قد تنتهي – كعائشة في ثلاثية نجيب محفوظ – إلى غير ما كانت تنبئ به البدايات، في إشارة لا تخلو من أسى لتشتت المصائر. وهي المصائر التي نراها أيضا في آخر أعمال عكاشة من نوعية الدراما الممتدة، في مسلسل "المصراوية"، الذي تعددت أجزاؤه بين عامي 2007 و2011. ومسرح المصائر هنا هو قرية في شمال مصر، حيث الأم وسيدة العائلة (سميحة أيوب) تعد ابنها الأكبر فتح الله (هشام سليم) ليكون العمدة، بينما ينازعه أشخاص آخرون من العائلة. ومثل سليم البدري تتعدد زيجات فتح الله، لتشمل جنسيات وأعراقا عديدة، كأن ذلك يشير إلى تعدد عناصر تكوين الشعب المصري، التي امتزجت في بوتقة متفردة حقا.
لم تكن مسلسلات أسامة أنور عكاشة، العادية منها أو متعددة الأجزاء، مجرد استهلاك لأشكال درامية تملأ مساحات المشاهدة على شاشات الفضائيات، ولا استعراضا فارغا لبهلوانيات تقنية تهتم بالشكل دون المضمون، لكنها كان تحمل هما واهتماما ظلا يسريان في أعماله، ويعبران عن نفسيهما في البحث عن الهوية، وإثارة الحنين إلى الماضي من أجل إثراء الحاضر. ومن المؤكد أن ذلك نوع فني وفكري عميق، تصبح معه المسلسلات الطويلة أو ذات الأجزاء ضرورة وليست أقرب إلى "المقاولات" التليفزيونية، التي سادت وسودت شاشاتنا في الفترة الأخيرة.