Monday, April 07, 2014

مسلسلات تليفزيونية بطعم السينما، ولكن!!

مع التطور الهائل في التقنيات التليفزيونية، بدت المسلسلات في الآونة الأخيرة تقترب في أسلوبها من السينما، ولا يدرك وجود هذا الأسلوب بقوة سوى الجيل الأكبر سنا من المشاهدين وصناع المسلسلات معا، فقد كان هناك حين من الدهر (ربما حتى بداية السبعينيات من القرن الماضي) لم يكن هناك وجود لما يمكن أن تسميه "المونتاج"، ولعل هناك من يتذكر مثلا مسلسل "القاهرة والناس" لمحمد فاضل، الذي كان يتم تصويره كأنه مسرحية متصلة دون قطع مونتاجي واحد، بما كان يفرض نوعا خاصا من الكتابة تقترب كثيرا من المسرح، حتى أنه لم يكن من الممكن لممثل أن يخرج من مشهد ليدخل آخر جديدا، إلا إذا كان هناك مشهد بينهما يتيح له زمنا يسمح له بذلك، كما كان يعني أن خطأ واحدا في الأداء يتطلب إعادة تصوير وتسجيل المسلسل من أوله مرة أخرى!!
الآن أصبح ممكنا الانتقال في الزمان والمكان حيث يقتضي التطور الدرامي، فكما يتم تصوير الأفلام، لا يصبح المسلسل التليفزيوني جاهزا للعرض إلا بعد إجراء المونتاج عليه، ذلك لأن مشاهده – بل لقطاته أحيانا – يتم تصويرها منفصلة تماما، لذلك بات من الشائع استخدام "الفلاش باك" للعودة إلى الماضي، أحيانا في لقطات بالغة السرعة في إيقاعها، ففي مسلسل "حكاية حياة" على سبيل المثال تتذكر البطلة (غادة عبد الرازق) لحظات اعتداء الممرض الشرير عليها في ومضات سريعة، وفي مسلسل "تحت الأرض" يتخيل البطل (أمير كرارة) أن ابنه الوحيد يلقى مصرعه، في حادثة اغتيال من المقرر أن يقوم الأب بتدبيرها. كما أصبح من الممكن تصوير مشاهد هي بطبيعتها ذات إيقاع سريع ومتوتر، مثل مطاردة السيارات في "طرف ثالث".
لكن المونتاج لم يكن إلا واحدا من العناصر السينمائية التي دخلت على المسلسلات التليفزيونية، فربما كان الأهم هو تلك الكاميرات المحمولة خفيفة الوزن، التي يمكن بها تصوير مشاهد خارجية، حررت المسلسلات من قيود الاستوديو وديكوراته، وكثيرا ما ترى فيها مشاهد تدور في أماكن عامة، بل قد يبلغ الأمر حد التصوير في يخت عائم مثلما هو الحال في "تحت الأرض"، أو في لقطات ذات حس تسجيلي بالغ القوة في "بدون ذكر أسماء"، في الشوارع والحارات، وأماكن من قاع المدينة وأحراشها، لم يكن من الممكن إتقان تنفيذ ديكوراتها على هذا النحو شديد الواقعية، حتى أنك ترى في بعض المشاهد البطلة (روبي)، وهي تبيع الزهور لأصحاب السيارات الفارهة في إشارات المرور المزدحم، بطريقة تبدو (ولعلها كذلك بالفعل) قد تمت بأسلوب التقمص الكامل للشخصية.
لقد أتاحت هذه الكاميرا المحمولة أيضا أن تعبر عن عين الممثل ووجهة نظره، فنحن نسير مع شخصية الصعلوك رجب (محمد فراج) في "بدون ذكر أسماء" لنستعرض المكان الموحش حيث تقيم زعيمة الشحاذين (فريدة سيف النصر)، أو نتسلل مع شخص غامض في "رقم مجهول" إلى منزل ما، لتدور معركة يتم التعبير عنها بحركة شديدة الاهتزاز للكاميرا. كما أدت هذه الكاميرات الرقمية الحساسة إلى الاستغناء في أحيان كثيرة عن الإضاءة الاصطناعية، والتصوير بدلا من ذلك في الضوء المتاح (ولعل ذلك يفسر الإعتام غير المقصود في بعض اللقطات)، لكن ذلك يصبح ذا أثر درامي مرهف كما في أحد مشاهد "نيران صديقة"، حين تنقطع الكهرباء وتضاء الشموع، لتزيد هالة الغموض التي تحيط بعلاقة الأصدقاء القدامى الذين تجمعوا بعد مرور زمن طويل.
وقريبا جدا من السينما، أصبح من المعتاد أن ينتهي مشهد بإظلام تدريجي، ليبدأ المشهد التالي في ظهور تدريجي. وبدلا من استخدام تقنية عدسة الزووم للاقتراب من شخصية أو شيء ما، هذه التقنية التي كانت من العلامات المميزة للمخرج اسماعيل عبد الحافظ في أعماله مع الكاتب أسامة أنور عكاشة، أصبح من السهل تصوير لقطات قريبة مكبرة (كلوزاب)، للأيدي أو الوجوه أو الأشياء، وإجراء المونتاج عليها لتحقيق أثر درامي، بل استخدام هذه اللقطات أحيانا بشكل متكرر، يوحي بالنذير بأحداث متوقعة، مثل لقطة كبيرة جدا لنقاط دماء في "نيران صديقة". وعلى العكس، أصبح من السهل تصوير لقطات عامة شديدة الابتعاد، وهي اللقطات التي استخدمت كثيرا في "اسم مؤقت"، كذلك تغيير البؤرة في نفس المسلسل من الصورة المشوشة إلى الصورة الواضحة، تعبيرا عن غموض يحيط بالبطل (يوسف الشريف)، الذي سوف نعرف في نهاية الحلقات أنه يعاني من هلوسات بصرية وسمعية.
كذلك شاع استخدام المرشحات الضوئية (الفلاتر) للإشارة إلى الزمن الماضي، خاصة في "بدون ذكر أسماء" الذي يدور فى العام 1980، أو في "ذات" الذي يحاول أن يتعقب سيرة حياة بطلته (نيللي كريم) عبر فترة زمنية تمتد إلى ما يقرب من نصف قرن، كما أن هذا المسلسل استخدم في بدايته التقنية الرقمية لتحويل الصورة إلى الأبيض والأسود، بينما يظهر على الشاشة عنوان "1952"، لتتحول الصورة بعد ذلك بشكل تدريجي بطيء إلى الألوان.
وساعدت الكاميرات الرقمية الجديدة على استخدام زوايا تصوير لم تكن تقليدية في عالم الفيديو، خاصة مع تحول شاشات التليفزيون المنزلية إلى مقاس الشاشة العريضة (ولعل هذا هو السبب في الاستخدام المفرط للعدسة واسعة الزاوية، حتى لو لم تكن هناك ضرورة درامية). وكثيرا ما كانت هناك لقطات مائلة في "حكاية حياة"، تشير إلى الاضطراب النفسي للبطلة، الذي يجعلها ترى العالم على نحو مشوه، كما أن مسلسل "تحت الأرض" يحاكي أفلام "الأكشن" في تصوير البطل من زاوية منخفضة، ليبدو على الشاشة عملاقا، بينما تسير أمامه الكاميرا وهو يتجه نحونا.
وعلى مستوى شريط الصوت، أصبح من الممكن إضافة أي "تراك" صوتي، من الموسيقى أو المؤثرات الصوتية، وهو ما يبدو أحيانا اقترابا من خليط الأصوات الواقعية كما نسمعها في حياتنا اليومية، كما في "بدون ذكر أسماء"، لكنه يبدو أحيانا أخرى تعبيرا عن عالم ذهني غير سوي، يتجسد على سبيل المثال في "المونولوجات" الداخلية الكثيرة في "حكاية حياة".
كانت كل هذه التقنيات الجديدة تبشر بظهور "فن تليفزيوني" ذي مذاق مختلف، ومحاولة للاقتراب أكثر من الواقع الحقيقي أو النفسي، على نحو كانت السينما وحدها الأقدر على التعبير عنه. لكن ذلك لم يحدث في الأغلب الأعم من الحالات، إذ بدت هذه التقنيات نوعا من الإبهار والانبهار، وهو ما بدا واضحا عنصرين: الأول هو التمثيل، الذي دخل إليه عشرات الممثلين والممثلات لمجرد تلبية الطلب الزائد على المسلسلات، خاصة في المواسم "الرمضانية"، ونادرا ما يمكنك أن تجد موهبة تمثيلية حقيقية بين معظم أبناء هذا الجيل، ربما بسبب ضعف الموهبة ودخول أغلبهم إلى هذا العالم من باب "الواسطة" (!!)، أو قد يكون السبب عدم وجود مخرجين قادرين (إلا في استثناءات قليلة بالنسبة للموسم الأخير، مثل تامر محسن في "بدون ذكر أسماء") على توجيه الممثل، أو لعله ضعف رسم الشخصية التي يؤديها الممثل.
وهنا نصل إلى العنصر الثاني والأهم: الكتابة. وللأسف الشديد يبدو أن هناك حالة انقطاع كامل بين جيل أسامة أنور عكاشة أو وحيد حامد مثلا، وبين أبناء الجيل الجديد من الكتاب، الذي لم يتعلموا – بجدية – جوهر الكتابة الدرامية، وتغلب الثرثرة على المشاهد التي يكتبونها (ربما بسبب قانون الثلاثين حلقة بالغ الغرابة)، وانحصرت موهبتهم في كتابة حوار يبدو في ظاهره سريعا متدفقا، لكنه يمضي في الأغلب بدون اتجاه، كما غلبت على الأعمال شبهة اقتباس عشوائي من أفلام أمريكية، منقطعة الصلة تماما عن واقعنا.
لذلك أصبح من السهل أن يكتب كاتب ما مسلسلا، يحشوه بكل التوابل، بما في ذلك التوابل السياسية التي أصبحت "موضة" في الآونة الأخيرة، ليأتي في الحلقة الثلاثين ليقول لك "ضحكت عليك"، فكل ما رأيته ليس إلا وهما في خيال مريض، كما في "حكاية حياة" و"اسم مؤقت"، أو مبنيا على خداع تم بطريقة بالغة السذاجة مثلما هو الحال في مسلسل "الشك" مثلا. لكن هناك وجها أخطر في هذا النوع من الكتابة، هو القيم التي يدعو لها هذا المسلسل أو ذاك، قيم تكاد أن تقلب مفاهيم المتفرج رأسا على عقب، وتقتلع المجتمع من جذوره، وهذا جانب يستحق الكثير من الدراسة والتأمل.


السينما والأمراض النفسية والاجتماعية صراع بين الفن والتجارة

قبل بداية عرض الفيلم المصري "أسرار عائلية" بشهور طويلة، أصبح مثارا لجدل كبير بين الرقابة من ناحية، وصناع الفيلم وبعض النقاد من ناحية، بسبب ما أشيع عنه من أنه يتناول مشكلة الانحراف النفسي والجنسي. وللأسف، لم تكن هذه المرة هي الأولى ولن تكون الأخيرة، التي يتم التعامل فيها مع فيلم مصري على أساس "الموضوع"، بعيدا عن الشكل والمضمون والمعالجة، كما لن تكون المرة الأخيرة التي تُستغل فيها مشكلة مثارة، كنوع من الدعاية المجانية للفيلم!
وليس ببعيد عنا ما حدث مع فيلم "أحاسيس"، الذي قيل عنه أنه يعالج الانحرافات الأسرية، خاصة فيما يتعلق بالعلاقات الزوجية، لكن عندما عُرض الفيلم تبين أنه ليس إلا استغلالا تجاريا خالصا لهذه العلاقات، أو قل إنه نموذج على القول الخبيث المأثور: "نحن لا نوافق على الممارسات المريضة، وهذه هي عينة من تلك الممارسات"!! ورغم ذلك فإن العلاقة بين السينما وعلم الاجتماع وعلم النفس تعود إلى بداية السينما ذاتها، خاصة أن السينما نشاط اجتماعي يمارس بشكل جماعي، حيث يصبح المتفرج الفرد في ظلام قاعة العرض مجرد واحد من متفرجين كثيرين، يتأثرون في اللحظة ذاتها بما يشاهدونه على الشاشة. من ناحية أخرى، فإن السينما تضرب بجذورها في علم النفس، حتى في مجرد انطباع صورة ثابتة على الشاشة، فإذا بها تصبح صورة متحركة في عقل ونفس المتلقي، نتيجة عملية نفسية وفسيولوجية تدعى "بقاء الرؤية".
ولم يكن غريبا أن يتوافق ظهور السينما مع تطور العلوم الإنسانية، خاصة علم النفس، فمع بداية ظهور الأفلام تطورت نظريات نفسية عديدة، لعل أشهرها ما أتى به سيجموند فرويد، من أن هناك لدى الإنسان عقلا "غير واعٍ"، يؤثر في سلوكه على نحو أكثر قوة من العقل الواعي، ناهيك عن محاولة الدخول إلى عالم الأحلام، والعديد من الأمراض النفسية الأخرى، التي كان أشهرها ما عرفناه بشكل لا يخلو من سذاجة، فيما أسميناه "ازدواج الشخصية" أو "الشيزوفرينيا"، والتي أصبحت موضوعا خصبا للعديد من الأفلام، كان من أشهرها المعالجات العديدة لرواية "دكتور جيكل ومستر هايد"، التي كانت تحكي عن رجل متحضر يمارس حياته العادية نهارا، لكنه يتحول خلال الليل إلى وحش شرير، وبالطبع كان من المشاهد الآسرة التي لا تقدر على تجسيدها سوى السينما، ذلك المشهد (بالمزج البطيء بين لقطتين) لهذا التحول الغريب.
وكثيرا ما عالجت السينما العالمية مثل هذه الأمراض والسلوكيات الشاذة، وإن لم يكن ذلك دائما مطابقا للعلم. ومن أهم الأفلام الأولى من هذا النوع الفيلم الألماني "إم"، الذي يتناول حياة رجل مريض باختطاف الأطفال، ولا يتوقف عن ترديد لحن معين يصفره بفمه، وكلما كان هذا اللحن يتردد على شريط الصوت، كان المتفرج يتوقع وقوع جريمة جديدة شريرة. من جانب آخر يصبح المريض النفسي في "صمت الحملان" هو دليل مفتشة الشرطة للإمساك بمجرم منحرف هارب، لأنه يعرف ويتوقع سلوك هذا المجرم قبل أن يرتكب جريمته.
وتراوحت الأمراض النفسية بين الظهور في أفلام فنية غير تجارية، وأفلام أخرى ليس من هدف لها إلا جذب المتفرج، وإن كنا سوف نهتم أكثر بالنوع الأول، للتدليل على أن السينما تستطيع أن تعالج الممارسات المريضة أو الشاذة على نحو فني رفيع. هناك مثلا فيلم "خطبة الملك"، الذي يتحدث عن معاناة الملك جورج السادس ملك بريطانيا قبيل الحرب العالمية الثانية، من التلعثم نتيجة قسوة أبيه عليه في طفولته، وكيف أنه تخلص من مرضه حين أعلن دخول بريطانيا الحرب لإيقاف العدوان النازي. كذلك فيلم "رجل المطر" الذي يتناول مريضا بالتوحد، كان يمثل في البداية عبئا على أخيه الانتهازي، لكنه يصبح في النهاية دليله لحياة أعمق في معناها ومغزاها.
ومن أكثر أفلام هذا النوع طرافة فيلم "اقتباس"، الذي بدأ مشروعه كاقتباس لكتاب تسجيلي عن سارق زهرة نادرة من محمية طبيعية، ولأن كاتب السيناريو تشارلي كاوفمان وجد صعوبة في تحقيق هذا المشروع، فقد قام بتحويل الفيلم لتصوير معاناته الشخصية في الاقتباس، التي تجسدت في وجود توأم له أكثر مرونة وانفتاحا، يساعده على خوض المشروع أحيانا ويحبطه أحيانا أخرى، وكان من الغريب أن يظهر اسما كاوفمان وتوأمه المفترض باعتبارهما كاتبين لسيناريو الفيلم!! أم فيلم "حياة باي"، فيصور رحلة بالغة القسوة لفتى في قارب، يصاحبه فيه نمر بنغالي متوحش، لنكتشف في النهاية أن ذلك كله يدور في عقل بطلنا، الذي فقد عائلته في غرق سفينة خلال عاصفة عاتية.
وحين يأتي الأمر للأفلام المصرية التي تناولت مثل هذه الموضوعات النفسية، ذات الظلال الاجتماعية، فسوف تكتشف أنها كانت في الأغلب تقوم بذلك لتحقيق هدف تجاري خالص. تأمل على سبيل المثال فيلم صلاح أبو سيف (الذي كان يجيد صنع أفلام فنية وأخرى تجارية) "حمام الملاطيلي"، ولعلها كانت المرة الأولى التي تظهر فيها هذه الشخصية منحرفة السلوك، لكن دون أن يكون ذلك تناولا جادا. كذلك في الفيلم المعاصر "عمارة يعقوبيان"، المأخوذ عن رواية بنفس الاسم أطلق عليها بحق الناقد الراحل فاروق عبد القادر "أدب التلسين" (بمعنى إثارة الفضائح)، وكانت الشخصية المنحرفة مجرد توابل تجارية لا تهدف إلى أي معالجة جادة.
من هذا النوع أيضا تجد توابل فيلم "حين ميسرة"، الذي يعكس روحا مغرقة في الميلودرامية الزائفة، فالبطلة تخوض رحلة قاسية في المجتمع، تطوف فيها بعوالم غريبة ووحشية، ومن هذه العوالم امرأة منحرفة يمكنك أن تحذفها من الفيلم تماما دون أن تفتقد أي شيء. وإذا كان فيلم "سوق المتعة" يبدي في ظاهره الرغبة في تناول العالم النفسي المشوه لسجين اعتاد على حياة السجن، فإنه في الحقيقة يتحول إلى "متحف" يحتشد بكل أنواع الأمراض والانحرافات، وهو ما يتناقض مع المضمون المفترض الذي ينادي بالحرية، فإذا به يقول: "دع السجين مستريحا في سجنه، فسوف يعاني عندما يحصل على حريته"!!
لكنك تستطيع أن تجد معالجات أكثر نضجا للانحرافات النفسية، في عدد قليل من الأفلام المصرية. وربما كان أهمها على مستوى الشكل هو "زوجتي والكلب" لسعيد مرزوق، و"الاختيار" ليوسف شاهين، فكلاهما يلجأ إلى التعقيد الشكلاني، الذي يعتمد على المونتاج السريع القافز، وزوايا التصوير الغريبة، للتعبير عن عالم نفسي مشوه يعيش فيه البطل، وإن كان هذا التعقيد سببا في غموض مضمون الفيلمين كليهما. على العكس، يأتي فيلم محمد أبو سيف "النعامة والطاووس" دراسة في العلاقات الزوجية الحميمة، دونما ابتذال يُفقد الفيلم معناه.
لكن هناك فيلمين لمخرج واحد هو محمد أمين، يُظهران أزمة السينما المصرية في معالجة هذه القضايا. كان الفيلم الأول هو "فيلم ثقافي"، الذي اُعتبر حين ظهوره علامة على سينما جديدة، تتخلى عن "الحواديت" التقليدية، لتتبنى بناء يقوم على الفقرات، ليستعرض قطاعا كبيرا من المجتمع، الذي يعاني من ازدواجية المعايير والثقافة، خلال رحلة ثلاثة أصدقاء بحثا عن مكان وجهاز يشاهدون فيه فيلما فضائحيا. وكان الحرمان الجنسي في هذا الفيلم تعبيرا عن مجتمع لا يلبي الاحتياجات الأساسية لأبنائه بشكل سوي. وللأسف جاء فيلم تالٍ لنفس المخرج، هو "ليلة سقوط بغداد"، ليذهب إلى فرضية لا تخلو من سذاجة ورعونة وتطرف، إذ يحيل تخلف قطاع كبير من أبناء العالم العربي كله إلى الحرمان الجنسي، ويقول إن الحل هو الحرية المطلقة، متناسيا الأسباب الحقيقية لهذا التخلف، الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحضارية..... وهكذا فإن الموضوع الجاد يتحول إلى هزل كامل، نتيجة الوقوع في مأزق التبسيط المخل من ناحية، والرغبة في إضافة توابل تجارية من ناحية أخرى، ليبقى موضوع الانحرافات النفسية في أغلب أفلام السينما المصرية تجسيدا لنوع من الانحرافات السينمائية!!

صورة العرب في السينما الأمريكية



لماذا تسود الصورة السلبية عن العرب في السينما الأمريكية؟ ذلك هو السؤال الذي يتكرر كثيرا في الدراسات السينمائية حول هذا الموضوع، والغريب أنها تتفق جميعا في سيادة هذه الصورة السلبية في الأغلب الأعم من الأفلام التي تخرج من هوليوود، مصنع الأحلام بالنسبة للأمريكيين، والكوابيس أحيانا بالنسبة للشعوب الأخرى!!
ولعل الدراسة الأهم في هذا السياق كانت كتاب جاك شاهين، الأمريكي من أصل عربي، "الصورة الشريرة للعرب في السينما الأمريكية"، أو "العرب الأشرار السينمائيين" إن شئت الدقة في ترجمة عنوان الكتاب، الذي استقصى تاريخ هذه الصورة منذ مولد السينما، وأحصى حوالي تسعمائة فيلم أمريكي تناولت الشخصية العربية بشكل أو بآخر، لكن الكتاب – الذي صدر في عام 1999 – لم يسجل بالطبع لأفلام مهمة أتت بعد هذا التاريخ، خاصة فيما حدث في وسائل الإعلام الأمريكية بعد الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، حين أصبح العربي متهما بكل النقائص التي يمكن تصورها!
وإذا كان لنا أن نبحث عن أسباب وجذور وجود هذه الصورة السلبية، فإننا نستطيع أن نجد سببين رئيسيين: الجهل من جانب، والتشهير والتشويه من جانب آخر. أما الجهل فيأتي من أن الأمريكيين لا يعرفون كثيرا عن الشعوب الأخرى، لذلك فسرعان ما يلجأون إلى صورة "نمطية" غير موجودة إلا في أذهانهم، يرسمونها على عجل ويطلقون عليها "العربي"، وهو ما يبدو واضحا حتى في الخلط بين ما هو عربي أو فارسي أو حتى هندي، وكثيرا ما ترى في أفلامهم ما يفترض أنه بلاد عربية، يرتدي فيه الناس خليطا من الملابس، وتسير الجمال في الشوارع، التي لا تكاد أن تخلو من خيام متناثرة في أراضٍ شبه خالية، تمتد فيها الصحراء على مدى البصر!
والعربي في مثل هذا المكان الخيالي يبدو تنويعا على شخصية البدوي، أو التاجر المخادع، أو حتى تاجر العبيد (!!)، وجميع النساء ترتدين البراقع، وهن إما جاريات أو راقصات "هز البطن"، لكن الآونة الأخيرة شهدت أيضا صورة العربي الإرهابي، أو الثري الذي يضيع أمواله في المقامرة دون اكتراث، والذي يبدو كأنه لا علاقة له بأي تحضر أو تهذيب. لكن هذا الجهل من جانب السينما الأمريكية لا يقتصر على العرب وحدهم، وإنما يمتد إلى شعوب أخرى، فالهنود الحمر ليسوا سوى مخلوقات متعطشة للدماء، والزنوج لا يصلحون إلا عبيدا أرقاء، وأبناء أمريكا اللاتينية مهربون للمخدرات.
أما التشهير والتشويه المقصودان لشخصية العربي، فقد ظهرا بوضوح بعد سقوط الاتحاد السوفييتي السابق، وما بدا أنه نهاية الحرب الباردة بين الشرق والغرب. ولأن "الثقافة" الأمريكية لا تحيا إلا في حالة حرب دائمة، فقد أثير لديهم سؤال، تم طرحه بالفعل في الكثير من وسائل الإعلام: "من هو العدو الآن؟"، ليقع الاختيار على العرب (والمسلمين، خاصة أن الرجل الأمريكي العادي يكاد ألا يعرف أن هناك عربا مسيحيين!)، وهكذا أصبح العرب عند أهل السياسة الأمريكية عدوا، تتم مواجهته أحيانا، واستخدامه أحيانا أخرى دون وعي منه لتحقيق أهداف السياسة الأمريكية.
ولا يمكن مثلا أن نفهم عودة سلسلة أفلام الرعب الأمريكية، التي تتحدث عن عودة "مومياء" مصرية إلى الحياة، بعد آلاف السنين من الرقاد، إلا في سياق رسم هذه الصورة السلبية. فالمومياء ترمز إلى حضارة عريقة، لكن إحياءها سوف يؤدي إلى عواقب وخيمة، تتجسد في ذلك "الشر" الدموي الذي تبثه المومياء العائدة حيثما حلت، مصحوبا بعواصف رملية عاتية، تأتي على الأخضر واليابس مما حققته "المدنية" المعاصرة من تقدم.
لكن سلسلة أفلام "المومياء" تخاطب الجانب غير الواعي من وجدان المتفرج وعقله، غير أن هناك أفلاما لا تخفي رسالتها في رسم صورة سلبية للعرب، أحيانا بشكل صريح ومباشر عندما يصبح العربي هو "شرير الفيلم"، وأحيانا أخرى على نحو غير مباشر، عندما تجعله مجرد "خلفية" للأحداث التي يقوم ببطولتها الشجيع الأمريكي. وربما تجد جذورا لهذه الصورة مع سلسلة أفلام "إنديانا جونز"، البطل الأمريكي الذي قوم بدوره هاريسون فورد، وهو يجوب بلاد العرب بحثا عن كنوز مفقودة، ولا يكاد العربي أن يظهر فيها إلا في دور تابع أبله أو رجل عصابات شرير. لكن هناك أفلاما أحدث، لا تدور في زمن أسطوري مثلما فعل "إنديانا جونز"، وإنما تدور "هنا والآن"، في أحداث حقيقية شاهدها المتفرج الأمريكي على شاشات التليفزيون في نشرات الأخبار، ولعل أهمها فيلم "غرفة الألم" للمخرجة كاثرين بيجلو، الذي تجري أحداثه خلال الغزو الأمريكي للعراق، لكنه لا يظهر شخصية عراقية واحدة من ملايين عانوا نتيجة هذه الحرب، وإنما يتحدث عن الجنود الأمريكيين الذين تكون مهمتهم إبطال قنابل زرعها العرب "الأشرار" في طريق هؤلاء الجنود.
على نحو قريب من تلك الصورة، يأتي الفيلم المرشح لجوائز أوسكار هذا العام "القبطان فيليبس"، الذي يتحدث عن قراصنة صوماليين يعترضون سفينة شحن أمريكية، ولا يبقى في ذاكرة المتفرج إلا انطباع عن وحشية وخسة هؤلاء العرب، في مقابل تحضر القبطان الأمريكي واستعداده للتضحية بنفسه، وليست هناك في الفيلم كلمة واحدة عن جذور ظاهرة القرصنة في القرن الأفريقي، بل علاقتها بالمخابرات الأمريكية ذاتها!! ولعل ذلك يستدعي إلى الذاكرة فيلم "سقوط طائرة الصقر الأسود"، الذي يتحدث عن مهمة أمريكية "إنسانية" في بلاد الصومال، يواجهها الصوماليون بوحشية غادرة، تماما كما أن فيلم "قواعد الاشتباك" يصور كيف أن أطفال اليمن ليسوا إلا محاربين يتخفون وراء قناع طفولتهم، إلى أن تأتيهم الفرصة فيتحولون إلى حيوانات كاسرة.
ولعل هناك أفلاما لم يقصد بها تشويه صورة العرب، لكنها لم تستطع بدورها أن تفلت من هذا التنميط، مثل فيلم "بابل"، الذي ينسج حبكة متشابكة لعشرات الشخصيات من مختلف الأعراق والجنسيات، يعيشون في العديد من البلدان، لكنه لا يُظهر من العالم العربي سوى شخصية صياد مغربي وطفله، حيث يلهو هذا الأخير ببندقية، فتنطلق رصاصة تكون بداية لسلسلة مأساوية من الأحداث. كما أن فيلما حظى بشهرة في عالمنا العربي لضخامة إنتاجه، هو "المصارع"، يجعل من تاجر العبيد عربيا، رغم أن الفيلم تدور أحداثه قبل ميلاد المسيح بقرون، فكأن العرب هم من اخترعوا تجارة العبيد. بل إن فيلما نال مديحا نقديا هائلا لدى نقادنا، هو "مملكة السماء"، بسبب ما رأوه من تصوير إيجابي لشخصية القائد العربي، كان بدوره يحمل رسالة بالغة الخبث، فهو في جوهره يتحدث عن محارب صليبي أتى من فرنسا، لكنه أدرك قيمة التسامح (تسامح المعتدي والمعتدى عليه؟!!)، لينتهي الفيلم بأن يؤسس هذا المحتل الغربي مزرعة وارفة الظلال، يعمل فيها العرب أبناء البلاد تحت إمرته، فيما نراه إشارة للتبشير بحالة من التطبيع مع العدو الإسرائيلي الغاصب.
هل نلوم السينما الأمريكية على هذه الصورة؟ في الحقيقة إن السينما الأمريكية تقوم بدورها كما تراه، سواء بالنسبة لمتفرجها الأمريكي، أو ما تود أن ترسله من رسائل للعالم كله، متسلحة دائما ببراعة حرفية في كل المجالات، بدءا من إتقان كتابة السيناريو وحتى استخدام أكثر إمكانات الكومبيوتر إبهارا. لكن ماذا عن صناعتنا السينمائية، خاصة في تيارها الرئيسي التجاري، التي لم تتوقف فقط عن التطور، بل عادت عشرات السنين إلى الوراء، لتصبح مجرد نمر في فرجة بدائية. لكن الأهم هو صورتنا كما تنعكس في صناعتنا السينمائية ذاتها، حيث شخصية المصري هي الأبله بدءا من "لمبي" وحتى "تتح"، أو البلطجي كما في "عبده موتة" وحتى "قلب الأسد" و"القشاش"، وربما يمكنك أن تضيف أيضا "الحرامي والعبيط"، ناهيك عن صورة المرأة كما تعيش في "جرسونيرة" و"عش البلبل"...
وأنت لا يمكن أن تجعل الآخرين يصنعون لك صورة صادقة ومنصفة، إلا إن بدأت أنت بصنع هذه الصورة وتقديمها، وهو دور يغيب للأسف عن الجانب الأكبر من صناعتنا السينمائية، التي تغرق في النوم في العسل، لكي تستيقظ على كوابيس السينما الأمريكية!!

العائلات السينمائية وأسرار المهنة



"ليس هناك عمل مثل العمل فى صناعة الفن"، هذا قول مأثور يجري على ألسنة العاملين في عالم الترفيه بأنواعه المختلفة، من المسرح والاستعراض والغناء والسينما، دلالة على تفرد هذه الفنون. وفي الحقيقة أنها مثل كل الصناعات الأخرى تتطلب قدرا من المعرفة والجهد، لكن العمل المستمر الذي لا يتوقف أبدا، بحثا عن الجديد والتجديد، وسعيا دائما إلى إرضاء الجمهور الذي يواجه صانع العمل وجها لوجه، يتطلب أن يذوب شيئا فشيئا ذلك الحد الفاصل بين الحياة الخاصة والمهنة، حيث يصبح التفكير فيما تم صنعه، وما سوف يتم صنعه، أمرا يشغل العامل في صناعة الترفيه في كل لحظات حياته. ومن هنا تكونت "عائلات" فنية في كل مجالات الترفيه، سوف يضيق المجال عن حصرها، لكننا سوف نقتصر الآن على بعض عائلات السينما.
  وربما لا يوجد سحر يعادل أن يعيش الطفل أو الطفلة مع أحد والديهما في "بلاتوهات" الاستوديوهات، التي تصبح عندئذ امتدادا للمنزل ذاته. فهكذا تربى – على سبيل المثال لا الحصر – الممثل مايكل دوجلاس مع أبيه كيرك دوجلاس، أو جين فوندا مع أبيها هنري فوندا، أو أنجلينا جولي مع أبيها جون فويت. ولعل المثال الأوضح هو حالة نجمة الاستعراض ليزا مينيللي، التي عرفت هذا العالم بكل تنويعاته – من المسرح إلى السينما – بوجودها مع أبيها المخرج الشهير فينسينت مينيللي، أو أن تكون عائلة كاملة من المخرجين والممثلين، مثل عائلة المخرج فرانسيس فورد كوبولا، وابنته المخرجة صوفيا كوبولا، وابن أخيه الممثل نيكولاس كيدج، رغم أنه لا يكاد أن يوجد عمل فني واحد يجمع بينهم!
 لكن هذه العلاقة الأسرية كثيرا ما أنتجت روائع سينمائية، فلا يمكن أن ننسى فيلم "امرأتان" الذي أنتجه المنتج الأشهر كارلو بونتي لزوجته صوفيا لورين، كما كان فيلم "رحلة إلى إيطاليا" ثمرة الحب الملتهب الذي انتهى إلى الزواج بين المخرج روبيرتو روسيلليني والممثلة إنجريد بيرجمان، كذلك كانت علاقة الزواج بين المخرج والممثل الكوميدي ميل بروكس والممثلة آن بانكروفت هي التي أدت إلى أفلام مهمة في تاريخ السينما الكوميدية، مثل "أن تكون أو لا تكون" و"فيلم صامت". غير أن هناك أفلاما "فنية" بحق (ليست تجارية بالمعنى التقليدي للكلمة) ظهرت نتيجة لهذه العلاقات الأسرية الحميمة، فقد كان المخرج الأمريكي جون كاسافيتيس صاحب أسلوب واقعي خاص، ربما لم يكن هناك غير زوجته الممثلة جينا رولاندز من يقدر على تجسيده، كما في فيلم "وجوه" أو "امرأة تحت التأثير"، ولا يمكن أن ننسى الفيلم ذا الطابع الوجودي القاتم "الوعد" الذي أخرجه الممثل شون بين، وقامت ببطولته زوجته روبين رايت بين، بالاشتراك مع النجم جاك نيكولسون.
وهناك في السينما المصرية أمثلة على مثل هذه العلاقات الأسرية، التي أدت إلى أفلام مهمة. وربما كانت البداية – التي تركت أثرا كبيرا على صناعة السينما المصرية في مرحلة مهمة من مراحلها – هي زواج الممثلة والمنتجة ماري كويني من الصحفي وكاتب السيناريو أحمد جلال، الذي تحول إلى الإخراج، بل التمثيل أيضا في بعض الحالات، في أفلام مثل "أم السعد" و"رباب" و"فتش عن المرأة"، وأثمرت هذه العلاقة تأسيس "استوديو جلال"، الذي ظل حتى وقت قريب مكانا لصنع العشرات من الأفلام المصرية، كما أثمرت أيضا جيلين من مخرجي السينما: الابن نادر جلال، والحفيد أحمد نادر جلال!
لكن العلاقتين الأشهر في المرحلة اللاحقة، واللتين أسستا لأنماط فيلمية مصرية خالصة، هما أولا علاقة الزواج بين الممثل المخرج المنتج (وأحيانا كاتب السيناريو) أنور وجدي بالمطربة الممثلة ليلى مراد، ومعهما عرف الجمهور العربي لونا خاصا ومميزا للسينما الغنائية، برع أنور وجدي في صنعه، مثل "قلبي دليلي" و"غزل البنات". أما العلاقة الثانية فكانت بين المخرج حسين فوزي والممثلة الراقصة نعيمة عاكف، اللذين قدما تنويعة مصرية للسينما الاستعراضية، تجمع بين التمثيل والرقص والغناء، مثل فيلمي "أحبك يا حسن" و"العيش والملح" . وفي هاتين الحالتين قفزت السينما المصرية قفزات حقيقية، من سينما فطرية لا تخلو من السذاجة، لكي تصبح "صناعة" تعرف كيف تلبي احتياجات الجمهور، سواء على مستوى الشكل أو المضمون.
وهناك من بين النجمات الممثلات من أتاح لهن الزواج الفني فرصة للظهور أو الاستمرار أو كليهما معا. فخلال الفترة القصيرة التي ارتبط فيها المخرج الممثل الكاتب السيد بدير بالمطربة الصاعدة آنذاك شريفة فاضل، صنع لها أول أفلامها التي ظلت قليلة، لكن التجربة انتهت دون أن تترك أثرا، بسبب طموح بدير إلى أن يصنع "فيلم رعب وتشويق" مصريا (كانت تلك هي "موضة" المسلسلات الإذاعية الرائجة في تلك الفترة!)، وهو ما لم يتفق أبدا مع رسم صورة النجومية المطلوبة لشريفة فاضل. كذلك فإن المنتج صبحي فرحات خلق فرصا عديدة لزوجته زبيدة ثروت لكي تكون نجمة، مثلما تبدى في فيلم "يوم من عمري" وأفلام أخرى، كما أن المنتج الشهير رمسيس نجيب كرس كل جهوده في مرحلة ما من أجل صنع أفلام لزوجته لبنى عبد العزيز، مثل "غرام الأسياد" والعديد من الأفلام، لكن ذلك لم يأت معهما (زبيدة ثروت ولبنى) بما كانتا تحلمان، لأن الظروف كانت مهيأة أكثر لظهور نجمة الطبقة الوسطى الصاعدة سعاد حسني، ومعها نادية لطفي.
ولعل سعاد حسني ذاتها تمثل في مرحلة من حياتها هذا التعاون الفني "العائلي"، الذي نجح مع زوجها المخرج على بدرخان في "الجوع" و"أهل القمة" و"الراعي والنساء"، بينما لم يحقق نفس النجاح مع زوجها كاتب السيناريو ماهر عواد في "الدرجة الثالثة". لكن الفرق هنا هو أن سعاد كانت بالفعل "نجمة" عندما صنعت هذا التعاون، بينما تم "تصنيع" النجومية على مقاس نادية الجندي في مرحلة لاحقة، بفضل زواجها من المنتج محمد مختار، وكانت قد بدأت التمثيل قبلها بعقدين من الزمن (هل يتذكرها أحد في "صغيرة على الحب" مثلا؟)، لكي يصنع لها الزوج العديد من الأفلام على مقاسها، حيث يتم تفصيل الفيلم لكي يحقق لها حلمها بأن "تمثل وترقص وتغني"، حتى لو لم يتسق ذلك كله في نسيج فني، لتأتي أفلام من نوعية "امرأة فوق القمة" و"الشطار" و"مهمة في تل أبيب" و"48 ساعة في إسرائيل"، وهي أفلام كانت ذائعة الصيت في زمانها، لكنها مضت دون أن تترك أثرا، والدليل الواضح على ذلك أنها لم تعد الآن مطلوبة حتى لإذاعتها في القنوات الفضائية.
وبالمثل فإن فيلم الأب المنتج (وصاحب التاريخ الطويل في كل فروع السينما) فريد شوقي، لم يؤدِ إلى تحقيق النجومية لابنته رانيا فى "آه وآه من شربات"، أو محاولة الزوج المنتج أحمد أبو بكر لصنع نجومية لزوجته الممثلة تيسير فهمي في "دسوقي أفندي في المصيف" أو "الشيطان يقدم حلا". لذلك فإن مجرد العلاقات العائلية في السينما المصرية ليس ضمانا لصنع أعمال فنية أصيلة، لكن قد تأتي الرياح أحيانا بما تشتهي السفن. فعلى سبيل المثال صنع المنتج سلطان الكاشف لزوجته الممثلة الراقصة لوسي فيلما بعنوان "كرسي في الكلوب"، أتى بدائيا إلى حد كبير رغم المجهود الكبير في إنتاجه، وعلى النقيض أنتج لها فيلما سوف يبقى من علامات السينما المصرية، هو "سارق الفرح"، من إخراج داود عبد السيد، أصبحت فيه لوسي ممثلة بحق، كما فعلت من قبل في دور صغير لفيلم نفس المخرج "البحث عن سيد مرزوق".
لذلك "ليس هناك عمل مثل العمل في صناعة الفن"، بشرط ألا تكون العلاقة العائلية هي السبب الوحيد لصنع العمل، وأن يكون عملا فنيا بمعنى الكلمة!! ومثل كل المهن الأخرى، قد تنتقل المهنة بين أفراد العائلة، لأن تلك العلاقة تتيح لهم معرفة بعض من "أسرار المهنة"، لكن الأعمال الفنية تتطلب تفانيا أكبر، يتلاشى فيه الفرق بين العمل الفني والحياة.