Monday, April 07, 2014

صورة العرب في السينما الأمريكية



لماذا تسود الصورة السلبية عن العرب في السينما الأمريكية؟ ذلك هو السؤال الذي يتكرر كثيرا في الدراسات السينمائية حول هذا الموضوع، والغريب أنها تتفق جميعا في سيادة هذه الصورة السلبية في الأغلب الأعم من الأفلام التي تخرج من هوليوود، مصنع الأحلام بالنسبة للأمريكيين، والكوابيس أحيانا بالنسبة للشعوب الأخرى!!
ولعل الدراسة الأهم في هذا السياق كانت كتاب جاك شاهين، الأمريكي من أصل عربي، "الصورة الشريرة للعرب في السينما الأمريكية"، أو "العرب الأشرار السينمائيين" إن شئت الدقة في ترجمة عنوان الكتاب، الذي استقصى تاريخ هذه الصورة منذ مولد السينما، وأحصى حوالي تسعمائة فيلم أمريكي تناولت الشخصية العربية بشكل أو بآخر، لكن الكتاب – الذي صدر في عام 1999 – لم يسجل بالطبع لأفلام مهمة أتت بعد هذا التاريخ، خاصة فيما حدث في وسائل الإعلام الأمريكية بعد الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، حين أصبح العربي متهما بكل النقائص التي يمكن تصورها!
وإذا كان لنا أن نبحث عن أسباب وجذور وجود هذه الصورة السلبية، فإننا نستطيع أن نجد سببين رئيسيين: الجهل من جانب، والتشهير والتشويه من جانب آخر. أما الجهل فيأتي من أن الأمريكيين لا يعرفون كثيرا عن الشعوب الأخرى، لذلك فسرعان ما يلجأون إلى صورة "نمطية" غير موجودة إلا في أذهانهم، يرسمونها على عجل ويطلقون عليها "العربي"، وهو ما يبدو واضحا حتى في الخلط بين ما هو عربي أو فارسي أو حتى هندي، وكثيرا ما ترى في أفلامهم ما يفترض أنه بلاد عربية، يرتدي فيه الناس خليطا من الملابس، وتسير الجمال في الشوارع، التي لا تكاد أن تخلو من خيام متناثرة في أراضٍ شبه خالية، تمتد فيها الصحراء على مدى البصر!
والعربي في مثل هذا المكان الخيالي يبدو تنويعا على شخصية البدوي، أو التاجر المخادع، أو حتى تاجر العبيد (!!)، وجميع النساء ترتدين البراقع، وهن إما جاريات أو راقصات "هز البطن"، لكن الآونة الأخيرة شهدت أيضا صورة العربي الإرهابي، أو الثري الذي يضيع أمواله في المقامرة دون اكتراث، والذي يبدو كأنه لا علاقة له بأي تحضر أو تهذيب. لكن هذا الجهل من جانب السينما الأمريكية لا يقتصر على العرب وحدهم، وإنما يمتد إلى شعوب أخرى، فالهنود الحمر ليسوا سوى مخلوقات متعطشة للدماء، والزنوج لا يصلحون إلا عبيدا أرقاء، وأبناء أمريكا اللاتينية مهربون للمخدرات.
أما التشهير والتشويه المقصودان لشخصية العربي، فقد ظهرا بوضوح بعد سقوط الاتحاد السوفييتي السابق، وما بدا أنه نهاية الحرب الباردة بين الشرق والغرب. ولأن "الثقافة" الأمريكية لا تحيا إلا في حالة حرب دائمة، فقد أثير لديهم سؤال، تم طرحه بالفعل في الكثير من وسائل الإعلام: "من هو العدو الآن؟"، ليقع الاختيار على العرب (والمسلمين، خاصة أن الرجل الأمريكي العادي يكاد ألا يعرف أن هناك عربا مسيحيين!)، وهكذا أصبح العرب عند أهل السياسة الأمريكية عدوا، تتم مواجهته أحيانا، واستخدامه أحيانا أخرى دون وعي منه لتحقيق أهداف السياسة الأمريكية.
ولا يمكن مثلا أن نفهم عودة سلسلة أفلام الرعب الأمريكية، التي تتحدث عن عودة "مومياء" مصرية إلى الحياة، بعد آلاف السنين من الرقاد، إلا في سياق رسم هذه الصورة السلبية. فالمومياء ترمز إلى حضارة عريقة، لكن إحياءها سوف يؤدي إلى عواقب وخيمة، تتجسد في ذلك "الشر" الدموي الذي تبثه المومياء العائدة حيثما حلت، مصحوبا بعواصف رملية عاتية، تأتي على الأخضر واليابس مما حققته "المدنية" المعاصرة من تقدم.
لكن سلسلة أفلام "المومياء" تخاطب الجانب غير الواعي من وجدان المتفرج وعقله، غير أن هناك أفلاما لا تخفي رسالتها في رسم صورة سلبية للعرب، أحيانا بشكل صريح ومباشر عندما يصبح العربي هو "شرير الفيلم"، وأحيانا أخرى على نحو غير مباشر، عندما تجعله مجرد "خلفية" للأحداث التي يقوم ببطولتها الشجيع الأمريكي. وربما تجد جذورا لهذه الصورة مع سلسلة أفلام "إنديانا جونز"، البطل الأمريكي الذي قوم بدوره هاريسون فورد، وهو يجوب بلاد العرب بحثا عن كنوز مفقودة، ولا يكاد العربي أن يظهر فيها إلا في دور تابع أبله أو رجل عصابات شرير. لكن هناك أفلاما أحدث، لا تدور في زمن أسطوري مثلما فعل "إنديانا جونز"، وإنما تدور "هنا والآن"، في أحداث حقيقية شاهدها المتفرج الأمريكي على شاشات التليفزيون في نشرات الأخبار، ولعل أهمها فيلم "غرفة الألم" للمخرجة كاثرين بيجلو، الذي تجري أحداثه خلال الغزو الأمريكي للعراق، لكنه لا يظهر شخصية عراقية واحدة من ملايين عانوا نتيجة هذه الحرب، وإنما يتحدث عن الجنود الأمريكيين الذين تكون مهمتهم إبطال قنابل زرعها العرب "الأشرار" في طريق هؤلاء الجنود.
على نحو قريب من تلك الصورة، يأتي الفيلم المرشح لجوائز أوسكار هذا العام "القبطان فيليبس"، الذي يتحدث عن قراصنة صوماليين يعترضون سفينة شحن أمريكية، ولا يبقى في ذاكرة المتفرج إلا انطباع عن وحشية وخسة هؤلاء العرب، في مقابل تحضر القبطان الأمريكي واستعداده للتضحية بنفسه، وليست هناك في الفيلم كلمة واحدة عن جذور ظاهرة القرصنة في القرن الأفريقي، بل علاقتها بالمخابرات الأمريكية ذاتها!! ولعل ذلك يستدعي إلى الذاكرة فيلم "سقوط طائرة الصقر الأسود"، الذي يتحدث عن مهمة أمريكية "إنسانية" في بلاد الصومال، يواجهها الصوماليون بوحشية غادرة، تماما كما أن فيلم "قواعد الاشتباك" يصور كيف أن أطفال اليمن ليسوا إلا محاربين يتخفون وراء قناع طفولتهم، إلى أن تأتيهم الفرصة فيتحولون إلى حيوانات كاسرة.
ولعل هناك أفلاما لم يقصد بها تشويه صورة العرب، لكنها لم تستطع بدورها أن تفلت من هذا التنميط، مثل فيلم "بابل"، الذي ينسج حبكة متشابكة لعشرات الشخصيات من مختلف الأعراق والجنسيات، يعيشون في العديد من البلدان، لكنه لا يُظهر من العالم العربي سوى شخصية صياد مغربي وطفله، حيث يلهو هذا الأخير ببندقية، فتنطلق رصاصة تكون بداية لسلسلة مأساوية من الأحداث. كما أن فيلما حظى بشهرة في عالمنا العربي لضخامة إنتاجه، هو "المصارع"، يجعل من تاجر العبيد عربيا، رغم أن الفيلم تدور أحداثه قبل ميلاد المسيح بقرون، فكأن العرب هم من اخترعوا تجارة العبيد. بل إن فيلما نال مديحا نقديا هائلا لدى نقادنا، هو "مملكة السماء"، بسبب ما رأوه من تصوير إيجابي لشخصية القائد العربي، كان بدوره يحمل رسالة بالغة الخبث، فهو في جوهره يتحدث عن محارب صليبي أتى من فرنسا، لكنه أدرك قيمة التسامح (تسامح المعتدي والمعتدى عليه؟!!)، لينتهي الفيلم بأن يؤسس هذا المحتل الغربي مزرعة وارفة الظلال، يعمل فيها العرب أبناء البلاد تحت إمرته، فيما نراه إشارة للتبشير بحالة من التطبيع مع العدو الإسرائيلي الغاصب.
هل نلوم السينما الأمريكية على هذه الصورة؟ في الحقيقة إن السينما الأمريكية تقوم بدورها كما تراه، سواء بالنسبة لمتفرجها الأمريكي، أو ما تود أن ترسله من رسائل للعالم كله، متسلحة دائما ببراعة حرفية في كل المجالات، بدءا من إتقان كتابة السيناريو وحتى استخدام أكثر إمكانات الكومبيوتر إبهارا. لكن ماذا عن صناعتنا السينمائية، خاصة في تيارها الرئيسي التجاري، التي لم تتوقف فقط عن التطور، بل عادت عشرات السنين إلى الوراء، لتصبح مجرد نمر في فرجة بدائية. لكن الأهم هو صورتنا كما تنعكس في صناعتنا السينمائية ذاتها، حيث شخصية المصري هي الأبله بدءا من "لمبي" وحتى "تتح"، أو البلطجي كما في "عبده موتة" وحتى "قلب الأسد" و"القشاش"، وربما يمكنك أن تضيف أيضا "الحرامي والعبيط"، ناهيك عن صورة المرأة كما تعيش في "جرسونيرة" و"عش البلبل"...
وأنت لا يمكن أن تجعل الآخرين يصنعون لك صورة صادقة ومنصفة، إلا إن بدأت أنت بصنع هذه الصورة وتقديمها، وهو دور يغيب للأسف عن الجانب الأكبر من صناعتنا السينمائية، التي تغرق في النوم في العسل، لكي تستيقظ على كوابيس السينما الأمريكية!!

العائلات السينمائية وأسرار المهنة



"ليس هناك عمل مثل العمل فى صناعة الفن"، هذا قول مأثور يجري على ألسنة العاملين في عالم الترفيه بأنواعه المختلفة، من المسرح والاستعراض والغناء والسينما، دلالة على تفرد هذه الفنون. وفي الحقيقة أنها مثل كل الصناعات الأخرى تتطلب قدرا من المعرفة والجهد، لكن العمل المستمر الذي لا يتوقف أبدا، بحثا عن الجديد والتجديد، وسعيا دائما إلى إرضاء الجمهور الذي يواجه صانع العمل وجها لوجه، يتطلب أن يذوب شيئا فشيئا ذلك الحد الفاصل بين الحياة الخاصة والمهنة، حيث يصبح التفكير فيما تم صنعه، وما سوف يتم صنعه، أمرا يشغل العامل في صناعة الترفيه في كل لحظات حياته. ومن هنا تكونت "عائلات" فنية في كل مجالات الترفيه، سوف يضيق المجال عن حصرها، لكننا سوف نقتصر الآن على بعض عائلات السينما.
  وربما لا يوجد سحر يعادل أن يعيش الطفل أو الطفلة مع أحد والديهما في "بلاتوهات" الاستوديوهات، التي تصبح عندئذ امتدادا للمنزل ذاته. فهكذا تربى – على سبيل المثال لا الحصر – الممثل مايكل دوجلاس مع أبيه كيرك دوجلاس، أو جين فوندا مع أبيها هنري فوندا، أو أنجلينا جولي مع أبيها جون فويت. ولعل المثال الأوضح هو حالة نجمة الاستعراض ليزا مينيللي، التي عرفت هذا العالم بكل تنويعاته – من المسرح إلى السينما – بوجودها مع أبيها المخرج الشهير فينسينت مينيللي، أو أن تكون عائلة كاملة من المخرجين والممثلين، مثل عائلة المخرج فرانسيس فورد كوبولا، وابنته المخرجة صوفيا كوبولا، وابن أخيه الممثل نيكولاس كيدج، رغم أنه لا يكاد أن يوجد عمل فني واحد يجمع بينهم!
 لكن هذه العلاقة الأسرية كثيرا ما أنتجت روائع سينمائية، فلا يمكن أن ننسى فيلم "امرأتان" الذي أنتجه المنتج الأشهر كارلو بونتي لزوجته صوفيا لورين، كما كان فيلم "رحلة إلى إيطاليا" ثمرة الحب الملتهب الذي انتهى إلى الزواج بين المخرج روبيرتو روسيلليني والممثلة إنجريد بيرجمان، كذلك كانت علاقة الزواج بين المخرج والممثل الكوميدي ميل بروكس والممثلة آن بانكروفت هي التي أدت إلى أفلام مهمة في تاريخ السينما الكوميدية، مثل "أن تكون أو لا تكون" و"فيلم صامت". غير أن هناك أفلاما "فنية" بحق (ليست تجارية بالمعنى التقليدي للكلمة) ظهرت نتيجة لهذه العلاقات الأسرية الحميمة، فقد كان المخرج الأمريكي جون كاسافيتيس صاحب أسلوب واقعي خاص، ربما لم يكن هناك غير زوجته الممثلة جينا رولاندز من يقدر على تجسيده، كما في فيلم "وجوه" أو "امرأة تحت التأثير"، ولا يمكن أن ننسى الفيلم ذا الطابع الوجودي القاتم "الوعد" الذي أخرجه الممثل شون بين، وقامت ببطولته زوجته روبين رايت بين، بالاشتراك مع النجم جاك نيكولسون.
وهناك في السينما المصرية أمثلة على مثل هذه العلاقات الأسرية، التي أدت إلى أفلام مهمة. وربما كانت البداية – التي تركت أثرا كبيرا على صناعة السينما المصرية في مرحلة مهمة من مراحلها – هي زواج الممثلة والمنتجة ماري كويني من الصحفي وكاتب السيناريو أحمد جلال، الذي تحول إلى الإخراج، بل التمثيل أيضا في بعض الحالات، في أفلام مثل "أم السعد" و"رباب" و"فتش عن المرأة"، وأثمرت هذه العلاقة تأسيس "استوديو جلال"، الذي ظل حتى وقت قريب مكانا لصنع العشرات من الأفلام المصرية، كما أثمرت أيضا جيلين من مخرجي السينما: الابن نادر جلال، والحفيد أحمد نادر جلال!
لكن العلاقتين الأشهر في المرحلة اللاحقة، واللتين أسستا لأنماط فيلمية مصرية خالصة، هما أولا علاقة الزواج بين الممثل المخرج المنتج (وأحيانا كاتب السيناريو) أنور وجدي بالمطربة الممثلة ليلى مراد، ومعهما عرف الجمهور العربي لونا خاصا ومميزا للسينما الغنائية، برع أنور وجدي في صنعه، مثل "قلبي دليلي" و"غزل البنات". أما العلاقة الثانية فكانت بين المخرج حسين فوزي والممثلة الراقصة نعيمة عاكف، اللذين قدما تنويعة مصرية للسينما الاستعراضية، تجمع بين التمثيل والرقص والغناء، مثل فيلمي "أحبك يا حسن" و"العيش والملح" . وفي هاتين الحالتين قفزت السينما المصرية قفزات حقيقية، من سينما فطرية لا تخلو من السذاجة، لكي تصبح "صناعة" تعرف كيف تلبي احتياجات الجمهور، سواء على مستوى الشكل أو المضمون.
وهناك من بين النجمات الممثلات من أتاح لهن الزواج الفني فرصة للظهور أو الاستمرار أو كليهما معا. فخلال الفترة القصيرة التي ارتبط فيها المخرج الممثل الكاتب السيد بدير بالمطربة الصاعدة آنذاك شريفة فاضل، صنع لها أول أفلامها التي ظلت قليلة، لكن التجربة انتهت دون أن تترك أثرا، بسبب طموح بدير إلى أن يصنع "فيلم رعب وتشويق" مصريا (كانت تلك هي "موضة" المسلسلات الإذاعية الرائجة في تلك الفترة!)، وهو ما لم يتفق أبدا مع رسم صورة النجومية المطلوبة لشريفة فاضل. كذلك فإن المنتج صبحي فرحات خلق فرصا عديدة لزوجته زبيدة ثروت لكي تكون نجمة، مثلما تبدى في فيلم "يوم من عمري" وأفلام أخرى، كما أن المنتج الشهير رمسيس نجيب كرس كل جهوده في مرحلة ما من أجل صنع أفلام لزوجته لبنى عبد العزيز، مثل "غرام الأسياد" والعديد من الأفلام، لكن ذلك لم يأت معهما (زبيدة ثروت ولبنى) بما كانتا تحلمان، لأن الظروف كانت مهيأة أكثر لظهور نجمة الطبقة الوسطى الصاعدة سعاد حسني، ومعها نادية لطفي.
ولعل سعاد حسني ذاتها تمثل في مرحلة من حياتها هذا التعاون الفني "العائلي"، الذي نجح مع زوجها المخرج على بدرخان في "الجوع" و"أهل القمة" و"الراعي والنساء"، بينما لم يحقق نفس النجاح مع زوجها كاتب السيناريو ماهر عواد في "الدرجة الثالثة". لكن الفرق هنا هو أن سعاد كانت بالفعل "نجمة" عندما صنعت هذا التعاون، بينما تم "تصنيع" النجومية على مقاس نادية الجندي في مرحلة لاحقة، بفضل زواجها من المنتج محمد مختار، وكانت قد بدأت التمثيل قبلها بعقدين من الزمن (هل يتذكرها أحد في "صغيرة على الحب" مثلا؟)، لكي يصنع لها الزوج العديد من الأفلام على مقاسها، حيث يتم تفصيل الفيلم لكي يحقق لها حلمها بأن "تمثل وترقص وتغني"، حتى لو لم يتسق ذلك كله في نسيج فني، لتأتي أفلام من نوعية "امرأة فوق القمة" و"الشطار" و"مهمة في تل أبيب" و"48 ساعة في إسرائيل"، وهي أفلام كانت ذائعة الصيت في زمانها، لكنها مضت دون أن تترك أثرا، والدليل الواضح على ذلك أنها لم تعد الآن مطلوبة حتى لإذاعتها في القنوات الفضائية.
وبالمثل فإن فيلم الأب المنتج (وصاحب التاريخ الطويل في كل فروع السينما) فريد شوقي، لم يؤدِ إلى تحقيق النجومية لابنته رانيا فى "آه وآه من شربات"، أو محاولة الزوج المنتج أحمد أبو بكر لصنع نجومية لزوجته الممثلة تيسير فهمي في "دسوقي أفندي في المصيف" أو "الشيطان يقدم حلا". لذلك فإن مجرد العلاقات العائلية في السينما المصرية ليس ضمانا لصنع أعمال فنية أصيلة، لكن قد تأتي الرياح أحيانا بما تشتهي السفن. فعلى سبيل المثال صنع المنتج سلطان الكاشف لزوجته الممثلة الراقصة لوسي فيلما بعنوان "كرسي في الكلوب"، أتى بدائيا إلى حد كبير رغم المجهود الكبير في إنتاجه، وعلى النقيض أنتج لها فيلما سوف يبقى من علامات السينما المصرية، هو "سارق الفرح"، من إخراج داود عبد السيد، أصبحت فيه لوسي ممثلة بحق، كما فعلت من قبل في دور صغير لفيلم نفس المخرج "البحث عن سيد مرزوق".
لذلك "ليس هناك عمل مثل العمل في صناعة الفن"، بشرط ألا تكون العلاقة العائلية هي السبب الوحيد لصنع العمل، وأن يكون عملا فنيا بمعنى الكلمة!! ومثل كل المهن الأخرى، قد تنتقل المهنة بين أفراد العائلة، لأن تلك العلاقة تتيح لهم معرفة بعض من "أسرار المهنة"، لكن الأعمال الفنية تتطلب تفانيا أكبر، يتلاشى فيه الفرق بين العمل الفني والحياة.

Tuesday, March 04, 2014

ما هي المعايير التي تحكم وتتحكم في جوائز الأوسكار؟



مع انتشار الثقافة السينمائية لدى قطاع من شباب جمهورنا في الآونة الأخيرة، تزايد الاهتمام كثيرا لديهم تجاه نتائج جوائز الأوسكار، خاصة مع إذاعة حفل توزيع الجوائز على الهواء في العديد من بلدان العالم المختلفة. لذلك أصبحت هذه الجوائز تحقق أحيانا نوعا من الرضى لتطابقها مع توقعاتهم، لكنها تثير السخط أحيانا أكثر عندما تتناقض مع هذه التوقعات. لذلك يبدو السؤال القديم جديدا حول هذه الجوائز: ما هي المعايير التي يتم بها "توزيع" الجوائز؟
وقد وضعنا كلمة "توزيع" بين قوسين، لأنها الأكثر دلالة على هذه المعايير، فهي لا تُمنح للاستحقاق  والإنجاز الفنيين، بقدر ما هي دلالة على توازنات عديدة، فنية وتجارية وسياسية، وليس ببعيد عنا نتائج الأوسكار في سنوات سابقة، تم فيها منح الجوائز لأفلام انتهت إلى زوايا النسيان، لمجرد الرغبة في التأكيد التجاري على نمط فيلمي معين، مثل الفيلم الغنائي الاستعراضي "شكسبير عاشقا"، أو بسبب الانبهار بتجربة غير قابلة للتكرار مثل الفيلم الصامت "الفنان"، أو لمواكبة أحداث سياسية وعسكرية مثل فيلم "آرجو"، الذي يتناول على نحو سلبي ممارسات إيران تجاه أمريكا والأمريكيين.
وقد تأتي النتائج مثيرة للتساؤل في الكثير من الأحيان. وإن أردت مثالا في أوسكار 2014 فليس هناك دليل أكثر من عدم منح جائزة أفضل ممثلة للنجمة ميريل ستريب، عن دورها بالغ الإتقان في فيلم "أغسطس: مقاطعة أوساج"، وأفضل ممثلة مساعدة لجوليا روبرتس عن نفس الفيلم، الذي يصور علاقة عاصفة بين أم على حافة الاحتضار، وابنتها المتفانية في حبها، ويبدو أن السبب في عدم حصولهما على الجائزة أنه قد سبق لهما الحصول عليها، لتذهب إلى كيت بلانشيت عن دورها في فيلم "ياسمين أزرق"، الذي جسدت فيه النمط الذي يفضله المؤلف المخرج وودي ألين، للشخصية القلقة التي تعاني من وجودها في مجتمع لا تستطيع التواؤم معه، هو هنا مجتمع لوس أنجلس على الساحل الغربي للولايات المتحدة، بينما أتت البطلة من نيويورك في الشرق، لكن ألين ينجح عندما تكون الشخصية الرئيسية بطلا، ولا يحقق مثل هذا النجاح إذا كانت امرأة، خاصة أن الفيلم اكتسى بكآبة لا تتوقعها من ألين، وغموض ناتج عن قفزات عشوائية في الزمان والمكان. لذلك كان المعيار هنا أن تحصل بلانشيت على الجائزة هذه المرة، لأنها ببساطة لم تحصل عليها سوى مرة واحدة من قبل!!
كما أن جائزة أفضل ممثل وممثل مساعد شهدت صراعا فنيا آخر، بين بطلي فيلم "نادي دالاس بايرز"، وأبطال أفلام مثل "احتيال أمريكي" و"ذئب وول ستريت" و"12 سنة عبدا". وحصل ماثيو ماكهوني وجاريد ليتو على الجائزتين عن الفيلم الأول، الذي يحكي عن مرضى الإيدز، وتحول البطل ذي البنية القوية والشخصية القاسية إلى قدر أكبر من الرقة الإنسانية، عندما أصيب بالمرض، وتقابل مع مريض آخر يمثل ضعفا نفسيا منحرفا. وربما كانت مثل هذه القضية ذات أهمية منذ عشرين عاما مضت (مثل فيلم "ساعات" على سبيل المثال)، بالمقارنة مع قضايا معاصرة تناولتها الأفلام الأخرى المنافسة، خاصة الشره الشرير الذي يحكم سوق المال والأعمال في أمريكا، ويترك أثره على العالم كله، أو التاريخ العنصري الذي يمتد في الثقافة الأمريكية، وما يزال يتجلى حتى اليوم في النظرة الأمريكية إلى شعوب العالم الأخرى.
لذلك كان من الغريب أن يحصل فيلم "12 سنة عبدا" على جائزة أفضل فيلم وسيناريو مقتبس عن كتاب وممثلة مساعدة، بينما تفوته جوائز أفضل ممثل وأفضل إخراج، وكأن المطلوب هو إثبات عدم تجاهل الفيلم، دون منحه عددا كبيرا من الجوائز، لأنه يسجل لواقعة حقيقية حدثت في منتصف القرن التاسع عشر، عن "اختطاف" رجل زنجي حر من أسرته وعالمه، ليباع في سوق العبيد، ويقضي أفضل سنوات حياته أسيرا، في مجتمع وثقافة يزعمان الدفاع عن الحرية. لكن مصير الفيلم كان أفضل على أية حال من واحد من أفضل أفلام سبيلبيرج منذ عشرين عاما، وهو "أميستاد" الذي يسجل تاريخا مشابها، لكنه قوبل بالتجاهل التام والمتعمد.
ولعل أكثر الجوائز إثارة للاهتمام والجدل، كانت تلك التي حصل عليها فيلم "جاذبية"، فقد نال جوائز أفضل مخرج وتصوير ومونتاج صوت ومزج صوتي ومؤثرات بصرية ومونتاج وموسيقى. فالفيلم يدور في الزمن الحقيقي: ساعة ونصف من فقدان رائدة الفضاء الأمريكية (ساندرا بولوك) اتصالها بالسفينة الأم، ومحاولاتها – التي نجحت في النهاية – للعودة إلى الأرض. والحقيقة أن الفيلم نجح في خلق التشويق من هذه المادة البسيطة (ليس هناك في الفيلم أي حبكات فرعية أخرى)، خاصة أنه جسد حالة الوجود في مجال انعدام الجاذبية (على عكس عنوانه)، لذلك فإن المخرج ألفونسو كوارون صنع الفيلم بكامله بالتقنيات الكومبيوترية، بإتقان يجعل المتفرج يصدق تماما سباحة البطلة في الفضاء دون أن تربطها جاذبية ما. وكان من أطرف التعليقات عن الجوائز هي الخاصة بالصوت، باعتبار عدم وجود الأصوات أصلا في الفضاء، لكن الحقيقة أننا – نحن المتفرجين – كنا نسمع ما تسمعه البطلة التي ترتدي بدلة تتيح لها ذلك، وكانت لحظات فقدانها لهذه البدلة تغرقنا في صمت كابوسي مطبق!
وربما كان هذا الإبهار البصري يفسر لك أيضا (بالإضافة لحساسية موضوع توظيف الأموال في أمريكا) عدم حصول المخرج مارتين سكورسيزي، والممثل ليوناردو ديكابريو (الذي نضج كثيرا) على جائزتين عن فيلم "ذئب وول ستريت"، بقدر ما يفسر لك الانبهار بسيناريو فيلم "هي" الذي كتبه المخرج سبايك جونز، فهو يمثل حالة أخرى من عدم التوازن وانعدام الجاذبية مع البشر الحقيقيين، بينما يجد البطل (يواكين فينيكس) أن عاطفة الحب تنمو لديه تجاه برنامج كومبيوتر (!!)، تؤدي صوته الممثلة سكارليت جوهانسون (التي لا تظهر أبدا على الشاشة، في درس قد يتعلم منه بعض نجومنا). وهذا الإبهار والغرابة يكونان سببا في أن أفلاما تدور في الواقع اليومي، عن أشخاص عاديين من الذين نقابلهم في حياتنا، لا تجذب من يمنحون جوائز الأوسكار، رغم أن مثل هذه الأفلام قد تكون إنجازا فنيا حقيقيا، مثل فيلم المخرج ريتشارد لينكليتر "قبل منتصف الليل"، الذي أكمل فيه قصة رجل وامرأة تقابلا منذ سنوات وشاهدناهما في فيلمين، تفصل بينهما سنوات تسع، هما "قبل الشروق" و"قبل الغروب"، أو مثل فيلم المخرج ألكسندر باين "نيبراسكا"، عن رحلة زوجين عجوزين عبر البلاد، وهي الرحلة التي تفتن هذا المخرج دائما، كما في فيلميه "عن شميت" و"على نحو مائل".
ذهبت جائزة أفضل فيلم أجنبي للفيلم الإيطالي "الجمال العظيم"، وهو نموذج على إصابة المتفرج بالملل لكي يجعله يشعر بملل الحياة الخاوية من المعنى، وهو ما يذكرك على نحو ما بفيلمي فيديريكو فيلليني "الحياة اللذيذة" و"روما فيلليني". وإذا كان الفيلم الفلسطيني "عمر" لم يحقق جائزة في هذا التصنيف، فإنه أثار لمجرد وصوله إلى التصفيات النهائية إحساس الفخر لدى العرب، وإن كان لا يبتعد كثيرا عن سابقه "الجنة الآن" للمخرج هاني أبو أسعد. إن أفلامنا التي تعجب الأمريكيين هي التي لا تشير مباشرة إلى جوهر المشكلة "السياسية"، بل تقصيها إلى الهامش، فالبطل الذي كان مناضلا يضطر تحت وطأة التعذيب للاعتراف على زملائه وأصدقاء عمره، ويصبح عميلا لدى سلطات الاحتلال الإسرائيلي، لكن هذا الاحتلال يتوارى إلى جانب حبكة تتحدث عن العشق بين البطل عمر وشقيقة صديقه وزميله فى المقاومة، لينتهي الفيلم إلى فكرة إلقاء اللوم – على الأقل بالمشاركة – على الفلسطينيين أنفسهم، ويؤكد أن "الجدار العازل" لا يحاصر الفلسطينيين، بل إنه يقف عازلا بين الفلسطينيين والفلسطينيين!!
إن وصول الأفلام العربية لمسابقة الأوسكار يحتاج إلى وقفة تأمل: هل هذه المسابقة تخلو حقا من توجهات سياسية؟ وهل تعبر حقا عن تميز بعض أفلامنا أم أنها تعبر أكثر عن مطابقة هذه الأفلام لهذه التوجهات؟ ليس هناك مثال أكثر وضوحا من الفيلم التسجيلي المصري "الميدان"، الذي يروي قصة ما يحث في مصر الآن من وجهة النظر التي تلائم وجهة النظر الأمريكية تماما، ووصل للمسابقة النهائية للجوائز رغم أنه لا يتمتع بأى عمق، سواء على مستوى الشكل أو المضمون. لذلك يجب ألا نتعجب من نتائج الترشيح لهذه المسابقة أو الحصول على الجوائز، فهي في النهاية جوائز أمريكية، ذات معايير أمريكية خالصة.

Wednesday, February 26, 2014

الاستعراض الموسيقي على طريقة السينما المصرية




مثلما فرضت الظروف الاقتصادية أن يُعقد زواج لا ينفصم بين السينما والأغنية، بسبب اشتراك شركات الأفلام والاسطوانات في الإنتاج، فإن تلك الظروف شهدت منذ بداية السينما المصرية أثرا لم يكن من الممكن تجاهله، وهو الاعتماد الكبير على التوزيع في البلدان العربية، ودخول ممولين عرب في عالم صنع الأفلام، وكان لذلك أثره بالغ الأهمية في ظهور نمط خاص من الأغنية السينمائية، وهو الاستعراض الموسيقي الذي يأتي غالبا بالقرب من نهاية الفيلم، ويطوف بألحان من الأقطار العربية، في مغازلة مشروعة وخفيفة الظل للجمهور في هذه البلدان.
ولعل النموذج الأهم الذي تم استنساخه كثيرا، هو استعراض "بساط الريح" من فيلم "آخر كدبة" (1950)، حيث ابتكر مؤلف الكلمات بيرم التونسي وسيلة لمثل هذه الرحلة بين البلدان العربية، بركوب "بساط الريح" السحري، ويبرع بيرم في ابتكار كلمات تناسب كل بلد، فمثلا "نسيم لبنان شفا الأرواح... ويا مشتاق لبر الشام، تبات سكران بلا أقداح"، أو "تونس أيا خضرا، يا حارقة الأكباد، غزلانك البيضا، تصعب على الصياد". كما تبدو موهبة فريد الأطرش في الإمساك بروح اللحن في كل بلد، وتشاركه الغناء عصمت عبد العليم، بينما ترقص سامية جمال، في محاكاة (ربما بدت اليوم ساذجة) لرقصات الشعوب المختلفة. وكانت مثل هذه الاستعراضات تنتهي دائما بالعودة إلى مصر، حين كانت تمثل بحق شقيقة كبرى لمختلف البلدان العربية، لذلك فإن "اللي يزور أرضنا، يروح ويرجع لنا، مفيش كده حسننا، ولا فيش كده ظرفنا، يا حلو يا طبعنا، يا خفة يا دمنا"، ومن الطريف أن فريد الأطرش القادم من بلاد الشام كان يلحن ويغني هذه الكلمات كأنه مصري أصيل!   
لكن نموذج الاستعراض بالطواف في البلدان العربية لم يكن الشكل الوحيد، فقد توالت أشكال مختلفة كان معظمها يأتي على يد محمد فوزي في أفلامه. إنه مثلا يستعرض قصص الحب المختلفة عبر التاريخ، وكيف أنها كانت تتسم بالوفاء على عكس الحب "هذه الأيام" (كان ذلك منذ أكثر من نصف قرن، ترى ماذا كان يمكنه أن يقول الآن؟!)، وذلك في فيلم "الآنسة ماما" (1950) في استعراض "اتفرج يا سلام"، بالاشتراك مع صباح واسماعيل ياسين والراقصة هاجر حمدي. ويستعير الاستعراض فكرة "صندوق الدنيا"، لينتقل من قصة حب إلى أخرى، ويمزجها بمحاكاة ساخرة كان يجيدها دائما مؤلف الأغنيات فتحي قورة. فهناك مثلا قصة قيس وليلى، حيث يثور العم (اسماعيل ياسين) على ابن أخيه قيس: "جئت تطلب نارا أم جئت فاكرني مغفلا وحمارا؟"، وفي قصة أنطونيو وكليوباترا يشرح اسماعيل كيف تم الانتصار على روما: "هزمناهم وسيبناهم، ما بين قتلى وبين جرحى، ومن بكرة ها نلقاهم، في روما يلبسوا الطرحة"، كما أن ابن عم جولييت يلقى مصرعه على يد روميو فيقول: "يا ما كنت نفسي أغلبك، لكن صابتني هزيمة، إلهي ما يكسبك، يا روميو يا ابن حليمة"!!
وفي فيلم "بنات حواء" (1954) يقدم فوزي استعراض أزياء فصول السنة المختلفة، بالاشتراك مع شادية واسماعيل ياسين. لكن الاستعراض الغنائي السينمائي المتطور حقا في تلك الفترة جاء على يد المخرج بركات في فيلم "دايما معاك" (1954)، فالبطلة فاتن حمامة تعرف أن حبيبها سائق القطار محمد فوزي له في كل مدينة حبيبة مختلفة، وها هي في نومها تحلم بأنها في عالم تشهد فيه علاقات حبيبها المتعددة، وهي موجودة في الحلم تطوف بين أرجائه، لكن الحبيب لا يراها، وتكتفي هي بإحساس مرير بالغيرة، حتى ينتبه لوجودها في النهاية، لتركب القطار معه وحدها، ويرحلان إلى بعيد.
أما في فيلم "عنبر" (1948) فإن ليلى مراد، بكلمات حسين السيد وألحان عبد الوهاب، تقدم استعراضا لمن يتقدمون لها من الخطاب، بعنوان "اللي يقدر على قلبي"، فهناك الثري الوارث غير الوسيم اسماعيل ياسين (يقدمه عبد الوهاب على التيمة الرئيسية لأفلام "أبوت وكوستيللو")، وابن البلد شكوكو الذي كون ثورته من "الفول والطعمية"، ثم الموظف عزيز عثمان بمرتبه المضمون "مع العلاوة على الإنصاف"، وأخيرا الشامي إلياس مؤدب، لكنها لا تجد في أي منهم "خيال حبيبها المجهول"، ليظهر فجأة أنور وجدي عازف الموسيقى، الذي تتعرف فيه على حبيبها على الفور.
وفي هذا الاستعراض تجد براعة في المزج بين التطريب والتشخيص، حيث لكل شخصية سماتها التي تظهر في الكلمات والألحان، ليمضي هذا المزيج خطوة أبعد في اسستعراضات غنائية سينمائية مثل استعراض "تاكسي الغرام" في الفيلم الذي يحمل نفس الاسم (1954)، حيث تعمل البطلة هدى سلطان في محطة وقود، ولا يحظى باهتمامها إلا الحبيب سائق التاكسي عبد العزيز محمود، وتتلاعب الكلمات على مفردات هذا العالم، فالسائق يقول: "أنا طالب الهوا" (الهوى)، لترد: "طب حوّد من هنا، موجود عندنا".
لقد كان من الطبيعي في هذا السياق الذي شهد ازدهارا للاستعراض السينمائي، أن تظهر نجمات متخصصات فيه، كانت على رأسهن نعيمة عاكف التي أخرج لها زوجها حسين فوزي مثل هذه الأفلام. ويمكنك مثلا أن تجد استعراضا لها من نوع خاص في فيلم "النمر" (1952)، تقدم فيه تنويعا على أغنية عبد الوهاب "حنّ"، تجمع فيه بين الغناء والرقص والتمثيل. كما برعت النجمة الطفلة فيروز في هذا العالم، على نحو ما ترى في فيلم "دهب" (1953)، حين تقدم محاكاة لأشهر راقصات هذا الزمن، مع كلمات خفيفة الظل مثل: "طبّلي وشد الربكة، ها أرقص لك فشرت كاريوكا"، أو "إجدعن يالله كمان أمال، ها أرقص لك فشرت سامية جمال"، أو "طبّلي على الدربكة كمان، ها أرقص لك زي بديعة زمان"!
ولم يكن غريبا أن يستمر الاستعراض الغنائي في فترات لاحقة، حتى بواسطة ممثلات لم تكن مغنيات في الأصل. ففي فيلم "صغيرة على الحب" (1966) استعراض "الحلوة لسة صغيرة"، وفيه تبدو سعاد كأنها طفلة تشتاق إلى النضج، لكي ترتاد عالم الحب والمحبين، ويحقق لها الساحر عم حزمبل هذه الأمنية، لتكتشف أنه عالم غير مأمون، وأن "بحر الهوى غدار"، لينتهي اليوم ويعيدها الساحر حزمبل إلى الطفولة، بينما كانت على وشك التعرف على حبيبها المجهول. أما شويكار فتقدم استعراض "قلبي يا غاوي سبع قارات" في فيلم "مطاردة غرامية" (1968)، وهي تلقن حبيبها فؤاد المهندس درسا بأن تتنكر في محاكاة هزلية في هيئة امرأة يابانية، ثم فرنسية، فأمريكية، وإسبانية، لكي تفصح عن نفسها في النهاية وهي ترتدي "الملاية اللف"، لتثبت للرجل أن المرأة المصرية لا مثيل لها!!
وبينما كانت لبلبة ونيللي وشيريهان مشهورات بالاستعراضات الغنائية التليفزيونية، فإنهن لم تقدمن في السينما الكثير من هذه الاستعراضات، بينما استولت على نادية الجندي فكرة أنها "النجمة التي تمثل وترقص وتغني"!! وقدمت في معظم أفلامها استعراضات هزيلة، كانت تأتي دائما في خروج كامل على السياق الدارمي للفيلم، كما في "48 ساعة في إسرائيل" حيث ترقص رقصة شبه يونانية، وفي "مهمة في تل أبيب" ترقص على الأغنية العبرية المسروقة من الفولكلور الروماني "ناجيلا هافا"!! وكانت هذه الفكرة أيضا التي استولت على ليلى علوي لفترة، خاصة في فيلميها مع كاتب السيناريو ماهر عواد والمخرج شريف عرفة "سمع هس" و"يا مهلبية يا"، وإذا كان الأول قد نجح نسبيا لأنه لعب على تيمة من يشتهرون بسرقة ألحان الموهوبين المغمورين، فإن الثاني قد فشل فشلا ذريعا، لأنه استخدم السخرية المجانية من كل الثوابت الوطنية، وباتت فيه الاستعراضات هزيلة في الشكل، فارغة من المضمون.
   ولعل المخرج الذي كان أكثر اهتماما بأن يقدم فيلما استعراضيا كان حسين كمال، وهو ما ظهر على سبيل المثال في بعض الاستعراضات المقحمة على فيلم "أبي فوق الشجرة" (1969)، وهو في جوهره فيلم ميلودرامي خالص، غير أن حسين كمال قرر فيه تقديم استعراض "قاضي البلاج"، في محاولة لتناول مشكلات عدم الفهم أو التفاهم بين الأجيال. وسنحت لحسين كمال فرصة أهم في "مولد يا دنيا" (1976)، الذي تقوم فكرته على تكوين فرقة فنون شعبية من مجموعة من الصعاليك. وبرغم احتشاد الفيلم بالاستعراضات الجماعية، فإن استعراضه الدرامي الأجمل والأهم جاء مع نزول العناوين، ففي المولد لصوص وشحاذون ونشالون ومحتالون، هم الذين سوف تتكون الفرقة منهم، ويصبحون مواطنين صالحين على يد بطل الفيلم محمود ياسين.
وتبقى مجموعة الأفلام التي قدمتها فرقة رضا هي التي يمكن أن نطلق عليها استعراضية بحق، خاصة "أجازة نص السنة" و"غرام في الكرنك"، حيث يصبح الاستعراض جزءا من سياق الفيلم نفسه، مع موسيقى على اسماعيل الذي عاش مع الفرقة طويلا، وكأن أكثر استيعابا وقدرة في مجال ألحان وإيقاعات هذه الاستعراضات. ولكن مع التنوع الكبير للاستعراضات الغنائية والموسيقية والراقصة في السينما المصرية، أصبح للموسيقى والسينما في مصر مذاق خاص، كان من المأمول الحفاظ عليه وتطويره، لكنه انتهى – ربما إلى حين – في زوايا النسيان.