Saturday, February 22, 2014

المونولوج: ابتسامة بالموسيقى والغناء




للمونولوج في لغات العالم معنى مختلف تماما عما نعرفه في العالم العربي، فالمونولوج هو المقطع الذي يتحدث فيه الشخص وحده، وفي الأغلب في نوع من المناجاة الذاتية، على نحو ما نعرفه في ذلك المونولوج الشهير من مسرحية "هاملت" لشكسبير: "أكون أو لا أكون؟ تلك هي المشكلة". على العكس تماما يأخذ المونولوج في عالم الغناء العربي معنى ساخرا، يميل أحيانا إلى التهريج، أو في الأغلب للنقد الاجتماعي، لكنه في السينما على نحو خاص يستخدم كنوع من تخفيف القتامة الميلودرامية، فكأنه فواصل يلتقط فيها المتفرج أنفاسه، وهو يمضي مع تقلبات الدراما ومآسيها.
وأصبح لوجود المونولوج في الأفلام المصرية مكان مهم، خاصة في مراحلها الأولى، كما اشتهر بعض هذه المونولوجات شهرة ذائعة الصيت، على نحو ما صنع عزيز عثمان في العديد من الأفلام التي اشترك فيها. ولأنه كان ابن واحد من أهم الموسيقيين المصريين، وهو محمد عثمان، الذي كان الخطوة الأولى في تحديث الأغنية المصرية في أواخر القرن التاسع عشر، فقد ورث عنه ابنه عزيز القدرة على أداء أصعب الألحان، وإن لم يكن صوته جميلا. لذلك كان دوره السينمائي الدائم هو غناء هذه المونولوجات، التي كان أشهرها "بطلوا ده واسمعوا ده"، من فيلم "لعبة الست" (1946)، الذي يهجو فيه العريس (نجيب الريحاني) لزواجه من عروس جميلة (تحية كاريوكا)، لذلك فإن "الغراب يا وقعة سودا، جوزوه أحلى يمامة"!!
بل إن تحية غنت في الفيلم ذاته مونولوجا، كان أيضا من كلمات بديع خيري وتلحين محمود الشريف، وهو "يا خارجة من باب الحمام، وكل خد عليه خوخة، مشيتي حافية وخدتي زكام، ورابطة راسك من الدوخة"! لكن صاحب الرقم القياسي في هذا المجال كان بلا جدال اسماعيل ياسين، إما بمفرده أوبالاشتراك مع مطربات أخريات، كانت من أشهرهن سعاد مكاوي. إنه مثلا في فيلم "المليونير" (1950) يقوم بدور الصعلوك الذي احتل مكان مليونير شبيه به، لإنقاذ هذا الأخير من ورطة ألمت به، وها هو الصعلوك ينجذب للخادمة سعاد مكاوي، ويبوح لها باشتياقه للأكلات الشعبية، ويغني: "عايز أروّح"، فتجيبه: "ها تروح فين وتسيبني لوحدي، أغسل حلل البيت بدموعي". أما في فيلم "شباك حبيبي" (1951) فهو الطرابيشي الذي تذهب إليه حبيبته سعاد مكاوي، حاملة طربوش أخيها الذي تتعمد "بهدلته"، حتى تختلق عذرا للذهاب للقاء الحبيب، ويعبر اسماعيل عن ذلك بغنائه: "طربوش أخوكي من الهوى يا ما انكوى لما استوى"!!
وكثيرا ما يعمد المونولوج إلى التقليد الساخر من أغنية شهيرة. ففي فيلم "اشهدوا يا ناس" (1953) يقدم اسماعيل محاكاة لأغنية ليلى مراد "حدش مشغول البال"، التي تجيب فيها عن أسئلة الفتيات العاشقات اللاتي تتألمن من عذاب الحب، لكن اسماعيل هنا يحاور رجالا يشكون من استقواء زوجاتهم وحمواتهم. كما أنه في "اسماعيل ياسين في السجن" (1960) يغني على لحن أغنية "أيظن؟"، وهو ينتظر تنفيذ حكم الإعدام الظالم عليه: "أيظن أني لعبة بيديه؟ أيظن أني لعبة بين رجليه؟ قولوا له عجّل فعندي موعد في الآخرة، فاضل لي ربع ساعة عليه" (ينطقها بالفصحى حتى يستقيم الوزن). كما اشترك مع شادية في تقليد ساخر آخر لأغنية أم كلثوم "إنتي فاكراني؟"، ففي فيلم "قطر الندى" (1951) تفقد شادية ذاكرتها بسبب حادث، ويحاول اسماعيل أن يجعلها تعود إلى وعيها بسؤالها إن كانت تتذكره، فتجيب: "فاكرة كنت تملي أجي لك، جوة في جنينة الحيوانات"!
ولعل المنافس الأهم لاسماعيل ياسين في مونولوجات الأفلام كان محمود شكوكو، الذي اشترك مع اسماعيل وشادية في مونولوج ثلاثي هو "احنا التلاتة حاجة شرباتاتا" في فيلم "ليلة العيد" (1949)، لكنه قدم أيضا تقليدا ساخرا لأغنية عبد الوهاب "حكيم عيون"، ففي فيلم "خد الجميل" (1951) يصطنع أنه طبيب بيطري، ويغني لسامية جمال: "حكيم لذوات لاربع رجلين". كما يغني في فيلم "عنتر ولبلب" (1952)، وقد هرب إلى الحظيرة من مطاردة غريمه، الذي كاد أن يخطف منه حبيبته، ويخاطب الحيوانات: "خليكوا شاهدين يا بهايم، على غدر البني آدمين، إخلاصكم إخلاص دايم، أنما دوكهم خاينين". ودائما ما كان شكوكو يؤدي أدوارا شعبية وشخصيات تعمل في مهن متواضعة، كما في فيلم "الدنيا حلوة" (1951)، حيث يعمل "مكوجيا"، ويغني: "يا مكوة العز يا ولعة".
وفي تلك الفترة بين نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات، اشتهرت شخصية عمر الجيزاوي الذي كان يؤدي دائما دور الرجل الصعيدي، عادة بصحبة شخصيتين فنيتين أخريين هما "كبير الرحيمية قبلي وولده" (محمد التابعي وسيد بدير). وربما جاءت مونولوجاته في معظم الأحيان دون علاقة وثيقة بالأحداث، لكن المخرجين كانوا يبرعون في أن يجدوا مكانا لها. لقد كان له مونولوج شهير هو "اتفضل قهوة"، فاخترع له المخرج عباس كامل في فيلم "خد الجميل" شخصية صعيدي قام بتكوين "الفرقة القومية السرية" للغناء، خوفا من العمدة الذي يعتبر الفن خروجا على الأخلاق، وها هو الجيزاوي يؤدي مونولوجه للبطلة سامية جمال لعلها تقتنع بموهبته. كما أنه في "الست نواعم" (1957) يلقي مونولوجا يدعو الصعايدة لمحو أميتهم: "العلم نونٌ واوٌ راءٌ، العلم شمسٌ قمرٌ ماءٌ". (كانت هناك محاولات لاحقة غير ناجحة في أفلام محمد هنيدي لاستنساخ مثل هذه الشخصيات الصعيدية).
وفي تلك الفترة ذاتها أيضا ظهرت ثريا حلمي، أشهر من أدى المونولوج السينمائي من الممثلات، وكانت مونولوجاتها تتميز دائما بالنقد الاجتماعي الصريح، ففي فيلم "لو كنت غني" (1942) تغني "أما أنت جريء والله"، لتنتقد غدر المحبين على اختلاف أنواعهم، كما غنت في "اسماعيل ياسين يقابل ريا وسكينة" (1955)، في انتقاد لسلوكيات المستهترات في المصيف: "بنات اليوم، يحبوا العوم". لكن المطربين التقليديين أيضا اشتركوا فى أداء نوع من الأغنية المرحة، التي تقترب من فن المونولوج، مثلما فعل محمد فوزي مع اسماعيل ياسين في فيلم "من أين لك هذا؟"، فكان فوزي يغني "يا بختك يا قلبي"، بينما يرد اسماعيل "يا حوستك يا قلبي" وفي نمرة فريدة من فيلم "تاكسي الغرام" (1954)، يتنكر عبد العزيز محمود في زي بائع "حب العزيز"، الذي يطوف بعربة اليد حول بيت محبوبته لينقذها من الزواج من رجل لا تحبه، ويردد: "آدي احنا جينا ما تزعلشي، وكل عقدة ولها حلال، فرحة صاحبنا ما تكملشي، وليلة كوبيا على العزال".
اختفى المونولوج وأصحابه لفترة طويلة، ربما لازدهار المسرح الكوميدي خلال الستينيات، لكنه عاد في شكل تهريجي في فترة لاحقة. وكانت المفارقة أن هذه العودة جاءت على يد ممثلين، ليصبح غناؤهم في الأفلام فقرة يتصور صناع الأفلام أنه لا غنى عنها (في الحقيقة أنها كانت "موضة" ظهرت واختفت، دون أن تترك أثرا فنيا حقيقيا). وربما كانت البداية مع محمود عبد العزيز في فيلم "الكيف" (1985)، حين أدى بعض المونولوجات، مرة كمطرب شهبي هزلي يغني: "يا حلو بانت لبتك، آه يا قفا يا قفا"، ومرة أخرى متغزلا في الطرق الكيميائية لصناعة المخدرات في مونولوج "الكيمي كيمي كا". وسرعان ما لحق به أحمد زكي، الذي كانت مونولوجاته مقحمة تماما على السياق، ففي "البيه البواب" (1987) يلعب دور البواب، الذي تدور الخمر برأسه، فيغني "أنا بيه" وسط علية القوم، الذين يعحبون بأغنيته، ويشتركون معه فى أدائها. وفي "كابوريا" (1990) يغني "أنا فى اللابوريا أموت في الفوريا"، وتلك في الحقيقة كلمات لا معنى لها. وفي تنويع مختلف يقدم محمود حميدة في فيلم "حرب الفراولة" (1994) مونولوج اسماعيل ياسين "قول لي يا صاحب السعادة"، في إشارة لتيمة الفيلم حول أن السعادة لا تأتي بالمال: "كلنا عايزين سعادة، بس إيه هي السعادة، واللا إيه معنى السعادة".
وتأتي فترة من أطلقوا على أنفسهم "المضحكين الجدد"، ليعاود المونولوج الظهور، ولكن في شكل عبثي تماما هذه المرة، ففي "اسماعيلية رايح جاي" (1997) يشترك هنيدي مع محمد فؤاد في "كامننا" (لا معنى لها أيضا)، وإن كان المونولوج يعبر عن الرغبة في الثراء والصعود الاجتماعي. ويقطع محمد سعد شوطا آخر في طريق الابتذال، حين يغني "حب إيه" في فيلم "اللمبي" (2002)، في سخرية ممجوجة، ورقص بهز الوسط كما لا يعرفه الرجال، وهو الأمر الذي برع فيه في الآونة الأخيرة سعد الصغير، الذي يغني في "عش البلبل" (2013) "إركبي ورايا العجلة"، في تشبيهات سوقية، وضجيج سمعي وبصري، لم يعد فيه لفن المونولوج إلا أثر باهت شاحب.
وكثيرا ما اتهمت السينما المصرية بتجاهلها للأحداث السياسية، ولم يكن ذلك بعيدا عن الحقيقة في أغلب الأحيان، ومع ذلك فإن المونولوج السينمائي قدم نموذجا بسيطا لمثل هذا الدور السياسي، انتقده أيضا بعض النقاد، باعتباره خارجا على سياق الفيلم، وتجاهلوا أن الأفلام في فترة ما كانت تقوم بدور "الإعلام" لجمهور الطبقتين الفقيرة والوسطى. وفي فيلم "اللص الشريف" (1953) مثال واضح على ذلك، في فترة لاحقة مباشرة على ثورة 1952، ولتتأمل كلمات مونولوج اسماعيل ياسين "عشرين مليون وزيادة": "المولى أراد، كان بالمرصاد، وسمع شكوى المظاليم، والشعب بقت له إرادة، هزت كل الشنبات، وبقينا كلنا سادة، ولا بهوات ولا باشوات"....
وما أحوجنا هذه الأيام إلى مثل هذه المونولوجات، خفيفة الظل، بسيطة الكلمات، لكن فن المونولوج السينمائي ظل متهما لدى العديد من النقاد بالتفاهة، بينما كانت السينما ذاتها، وربما الجانب الأكبر من السياق التاريخي أيضا، يغرقان ليس فقط في التفاهة، وإنما في الابتذال.

Saturday, February 15, 2014

الثنائيات بين التطريب والدراما



ظلت تهمة حشر الأغنيات في الأفلام السينمائية تجري على لسان النقاد، ربما بسبب العدد الهائل من المطربين والمطربات الذين ظهروا واحدا بعد الآخر في السينما المصرية، بل كثيرا ما كان الفيلم الواحد يجمع بين مطرب ومطربة، بما عرف أيامها باسم "الدويتو" أو الأغنية الثنائية. ومن هنا بدا للوهلة الأولى أن السينما المصرية أصبحت أسيرة للأغنية، وهو الأمر الذي تأكد أيضا بسبب اشتراك أصحاب شركات الاسطوانات في تمويل الأفلام، لأن الصناعتين – السينما والاسطوانة – كانتا في الحقيقة في خدمة إحداهما الأخرى.
لكن المتأمل لتلك المسيرة يدرك كم كانت الفائدة أعمق من مجرد جني الأرباح. فبعد حوالي عقدين فقط من مولد السينما المصرية الروائية، يمكنك أن تشهد وتسمع نموذجا طريفا لأغنية ثنائية لم يكن أحد يتخيل قبلها أنها سوف تتحقق بهذه السرعة على الشاشة. فبدلا من حوار بين بطلة شابة هاربة من أسرتها، بصحبة رجل كهل يحبها في صمت ولا يريد أن يتركها وحدها، تجد في فيلم "غزل البنات" (1949) للمرة الأولى ممثلا له صوت أجش يغني، وكان ذلك الممثل هو نجيب الريحاني، الذي شارك ليلى مراد أغنية "عيني بترف". والطريف أن ملحنها هو محمد عبد الوهاب الذي كان يميل عادة إلى التطريب، لكنه هنا اهتم بالتعبير الدرامي، في جمل لحنية قصيرة، وإيقاع سريع. والأطرف أن هناك حكاية تقول إن الريحاني عند تسجيل الأغنية لم يتمالك نفسه في نهايتها، ليصعد إلى طبقة صوتية أعلى وهو يردد: "علشانك انتى أنكوي بالنار وألقح جتتي"!!
غير أن هذا التعبير الدرامي لم يظهر فجأة في الأغنية الثنائية السينمائية. لقد كان عبد الوهاب نفسه في عام 1937 ما يزال ملتزما بالتطريب، وهو ما يظهر واضحا في أغنيته مع ليلى مراد "ياما أرق النسيم" في فيلم "يحيا الحب"، وربما بدا في هذه الأغنية عشق عبد الوهاب للإيقاعات اللاتينية والغربية، لكن الألحان ظلت تطريبا صرفا، لمناجاة بين الحبيبين، اللذين يظهران على الشاشة في الأغلب في لقطات عامة من بعيد، إلا عندما يريد المخرج محمد كريم أن "يترجم" على نحو حرفي كلمات الأغنية، فيقطع إلى لقطة قريبة جدا لعيني ليلى مراد وهي تغني: "خد الجواب من عينيا". ولم تبتعد أم كلثوم أيضا في بداياتها عن هذا التطريب، كما يظهر في فيلم "عايدة" (1942)، الذي شاركت بطولته وأغنياته الثنائية مع المطرب المسرحي المشهور آنذاك ابراهيم حمودة، خاصة أن الملحن محمد القصبجي كان مشغولا وقتها بالبحث عن صيغة شرقية للموسيقى الأوبرالية، لكن مع قدر أكبر من التعبير العاطفي الواضح عن المشاعر، أكثر كثيرا من محمد عبد الوهاب في مرحلته الأولى.
لكن عبد الوهاب نفسه قفز مع السينما وتعبيرها الدرامي قفزة كبرى في فيلم "رصاصة في القلب" (1944)، حين شارك الممثلة – وليست المطربة – راقية ابراهيم أغنيتين متقاربتين لكنهما كانتا على العكس تماما في الموقف الدرامي. الأولى هي "حكيم عيون" التي يغازل فيها المرأة التي عشقها من أول نظرة، لكي يكتشف مصدوما أنها خطيبة صديقه، بينما كانت الأغنية الثانية "أقول لك إيه عن أحوالي" تعبر عن اكتشاف المرأة أنها لا تحب الخطيب الطامع في ثروتها، وها هي تحاول تذكير البطل بلقائهما الأول، لكنه يتهرب من الإجابة. وسوف تلحظ تماما كيف أن اللحن جاء في خدمة الموقف الدرامي، حتى أن بعض الجمل الحوارية داخل الأغنية يتم إلقاؤها بأداء تمثيلي صرف.
شهدت هذه الأغنيات الثنائية السينمائية نضجا واضحا في الفترة اللاحقة. ومن المثير للدهشة حقا أن فريد الأطرش، المشهور بميله الواضح للتطريب في أغنياته الفردية، استطاع بخفة ظل بالغة الرهافة أن يقدم أغنيات ثنائية أصبحت من علامات السينما الغنائية المصرية. ففي فيلم "ما تقولش لحد" (1952) يضطر البطل إلى اصطحاب الفتاة التي تطارده بحبها (نور الهدى)، ليشتركا معا في أغنية "ما لكش حق"، ذات الجمل اللحنية القصيرة والإيقاع الراقص (على واحدة ونص كما يقال في العامية المصرية)، وتُلقى جمل الحوار وأبيات الأغنية وحتى الهمهمات في نسيج طريف. وقريبا من هذه التجربة تجد أغنيته الثنائية مع شادية "يا سلام على حبي وحبك" من فيلم "أنت حبيبي" (1957)، والتي يحاول فيها الزوجان "تمثيل" الحب أمام أسرتيهما، وهنا أيضا يتداخل الأداء التمثيلي مع الغناء على إيقاع مرح، خاصة أن كلمات فتحي قورة تمتعت كما كانت دائما بخفة الظل، لتنتهي الأغنية بجملة "كفاية حب كفاية، أحسن يضر صحتي"!!
لقد كانت شادية قد شاركت أيضا عبد الحليم حافظ في بداياته في أغنية "تعالي أقول لك"، من فيلم "لحن الوفاء" (1955)، وفيها يحاول الحبيبان الإفصاح عن حب كل منهما للآخر (وهي التيمة التي تتكرر كثيرا في الأغنيات الثنائية السينمائية)، في ألحان قصيرة وإيقاع طروب، وتعبيرات تلمح ولا تصرح. لكن بعد حوالي عقد من الزمن يكرر المطربان التجربة في فيلم "معبودة الجماهير" (1967)، في أغنية "حاجة غريبة"، التي كتب كلماتها التقليدية هذه المرة حسين السيد، بما كان يفتقد خفة ظل قورة في الأغنية الأولى. وبرغم أن ملحن الأغنيتين كان منير مراد، فقد افتقدت الأغنية الثانية قدرا كبيرا من الحيوية، وكانت المفارقة أنها عادت إلى التطريب.
ولعل الأكثر تأثيرا في مجال الأغنية الثنائية السينمائية كان محمد فوزي، الذي كان متعدد المواهب بحق، مما ساعده على تقديم مختلف أنواع الأغنيات. وربما كانت الأغنية الثنائية الأشهر في هذا المجال هي "شحات الغرام" من فيلم "ورد الغرام" (1951). وفي موقف بالغ الابتكار تقدم الأغنية تنويعا على مشهد الشرفة من مسرحية شكسبير "روميو وجولييت"، والحبيب هنا يصطنع أنه شحاذ أمام حبيبته ليلى مراد. إنه يتوكأ على عصا شجرة، ويتسول: "إرموا له نظرة، واللا ابتسامة، حسنة وتنفع يوم القيامة". وهي تصده في البداية وإن كانت تخفي إعجابها به، فيرق له قلبها: "يظهر صحيح اللي بتشكيه، غلبان يا روميو الشحاتين"، وتعطيه موعدا في الغد!! أما في فيلم "فاعل خير" (1953) يمكنك أن تجد نموذجا آخر على رغبة الحبيبين فوزي وصباح في الإفصاح عن الحب، فيتحدث كل منهما عن افتراض يبدأ وينتهي دائما بكلمة "مثلا"، التي يستمر التلاعب بها طويلا في الأغنية، على نحو لم يتكرر كثيرا إلا في القليل من أفلامنا السينمائية.
هناك في النهاية نماذج فريدة في الأغنية الثنائية السينمائية، مثل الفيلم الوحيد الذي قام ببطولته الملحن الرائع رياض السنباطي "حبيب قلبي" (1952)، وهناك في الفيلم أكثر من أغنية ثنائية مع هدى سلطان، ربما كان أشهرها "عندي سؤال"، وفيها يتساءل كل منهما عن السبب الذي جعل الآخر يقع في حبه، في أداء يجمع بين الغناء والإلقاء التمثيلي. كما تشترك الممثلة فاتن حمامة بالغناء مع شادية في أغنية "ألو ألو احنا هنا" من فيلم "موعد مع الحياة" (1953)، في لحن منير مراد بالغ البساطة لكي يلائم صوت فاتن، وكلمات قورة التي تتحدث عن كيف قامت البطلتان بالنجاح في الامتحان الدراسي، مع لمسة كوميدية على طريقة "هل تعرفي كان وأخواتها؟ وأعرف عماتها آه وخالاتها"!!
وفي تجربة لم تتكرر في السينما المصرية، أراد المخرج داود عبد السيد أن يصنع فيلما موسيقيا (أو شبه موسيقي بمعنى أدق) في "سارق الفرح" (1995)، فجعل الممثلين (وليسا مطربين بأي حال) لوسي وماجد المصري، يلقيان بعض سطور الحوار على خلفية موسيقية، وهي سطور لا تقصد أن تكون "أغنية" بالمعنى المألوف، فهي تخلو من الوزن والإيقاع، فجاءت التجربة على طرافتها أقرب إلى "التغريب"، مما أبعد المتفرج عن التفاعل مع العالم الذي يراه على الشاشة.
لكن هناك تجربة أكثر أهمية وإن كانت مجهولة بالنسبة للكثيرين، من فيلم المخرج الكبير الراحل توفيق صالح "السيد البلطي" (1967)، ففي لحظة نشوة وصفاء للروح، يعبر الممثلان عبد العظيم عبد الحق ومحمد نوح (وكلاهما ملحن قدير)، في أغنية ثنائية لحنها الأول، ومن كلمات صلاح جاهين، عن حلمهما بتحقيق عالم أكثر جمالا وعدلا. والأداء هنا أقرب إلى الموال الهادئ، الذي يلائم جو التمني: "إن فقير زي حالاتي اللقمة ما تكتفوش، والجميع على الموايد ينسوا الهموم الصغيرة، واللي له نفس ياخد، واللي نشوان يغني، واللي مغرم بواحد ما يروحش عمره في تمني".....
وهكذا شهدت الأغنية الثنائية في السينما المصرية رحلة طويلة، كان من المأمول أن ترقى في الفترة اللاحقة إلى أشكال درامية بحق، لكي تتلاءم مع سياق السرد، لكنها مؤخرا باتت أقرب إلى "المونولوج"، وإن كان المونولوج في شكله التقليدي الذي نعرفه أخف ظلا، وأعمق أثرا.    

Thursday, February 13, 2014

الأغنية السينمائية من الطفولة إلى النضج


كثيرا ما تتهم السينما المصرية بأنها كانت أسيرة لضرورة احتوائها على أغنيات، مما يقطع تدفق خطها الدرامي، وقد يكون ذلك صحيحا في بعض الحالات، لكنه ليس دقيقا تماما، لأن الأفلام والأغنيات دخلت معا في علاقة حميمة، أثرت فيها كل منهما على الأخرى، وكما شهدت السينما المصرية تطورا في مسيرتها، عاشت الأغنية نوعا مماثلا من التطور، ناهيك عن الخصوصية التي تتمتع بها السينما المصرية في هذا المجال. وليس غريبا أن تكتشف أن ذلك كان أيضا حال العلاقة بين السينما والأغنية في الأفلام الغربية، ويكفيك أن تراجع العناوين الأخيرة للأفلام الأمريكية على سبيل المثال، لتكتشف أنها احتوت على العديد من الأغنيات. كما أننا نعرف جميعا ذلك الارتباط الحميم بين السينما والأغنية في الأفلام الهندية أيضا.
ولكي ترى هذا التطور بقدر من الوضوح، دعنا نتأمل كيف أن الأغنية السينمائية قد تطورت خلال عقد واحد من الزمن. في فيلم محمد عبد الوهاب "يحيا الحب" (1937) أغنية "عندما يأتي المساء"، التي تقطع السرد تماما، ويمكنك أن تحذفها دون أن تفتقد شيئا، يغنيها عبد الوهاب وقد وضع يديه في جيبي سرواله، كما أن الصورة السينمائية اكتفت بالترجمة البصرية الساذجة للكلمات، فهي تعرض ما يفترض أنه سماء ونجوم، لكن الأهم هو أن أداء عبد الوهاب لم يخلُ من التطريب الصرف، مع تكرار سطور الأغنية. اختفى هذا التكرار بشكل جزئي في أغنية "حنانك بيا ياربي" من فيلم "رصاصة في القلب" (1944)، وإذا كان المطرب ما يزال يقف في بدلته الكاملة، فإن أداءه يقترب من دراما التعبير عن حيرة الحبيب الذي اكتشف أن محبوبته ليست إلا خطيبة صديقه. وسوف تجد مقارنة مشابهة مع أم كلثوم، بين أغنية "يا ليل نجومك شهود" من فيلم "وداد" (1936)، وأغنية "يا صباح الخير" من فيلم "فاطمة" (1947).
وسوف نقتصر الآن على شكل من الأغنية السينمائية، هو الأغنية الفردية، لنتأمل فيما بعد الأشكال الأخرى. وفي مثال طريف يوضح ذلك التطور، يغني عبد الحليم حافظ "يا سيدي أمرك" في فيلم "ليالي الحب" (1955)، في موقف يفترض فيه أنه مضطر لإرضاء رجل عجوز مرتبط بالغناء القديم، وتظهر قدرة عبد الحليم على أداء الأدوار والموشحات القديمة، مع كلمات ساخرة من نوع "خايف أقول على قد الشوق لتطلع روحي"، أو "وبأغني قديم وأنا إيه ذنبي، أعمل لك إيه يانا ياغلبي"!! لكن المفارقة كانت أن عبد الحليم (مع فريد الأطرش) ظل مرتبطا بالتطريب حتى في أفلامه وأغنياته الأحدث، من "الخطايا" (1962) وحتى "معبودة الجماهير" (1967)، فقد كانت أغنيات هذه الأفلام، مثل "الحلوة" أو "قل لي حاجة" أو "أحضان الحبايب" أو "الهوى هوايا"، أسيرة في أغلب الأحيان لاصطناع موقف للأغنية، التي ظلت طويلة بلا داعٍ، ولا تخلو من التكرار.
المفارقة الأهم هي أن التطوير حدث مع ما يمكن أن نسميهم مطربين أكثر شعبية، مثل عبد العزيز محمود ومحمد فوزي وكارم محمود، ولعلك تلاحظ أنهم في معظم أفلامهم أدوا شخصيات كانت غريبة على السينما من قبلهم، نجار أو سائق قطار أو بائع جرائد، كما أن أغنياتهم أصبحت أقصر وبلا تكرار، ودخلت عليها إيقاعات أكثر معاصرة مثل السامبا أو الرومبا أو التانجو (بينما كان لإيقاع الفالس تاريخ ممتد في الموسيقى الكلاسيكية العربية). ولعل المثال الأوضح على ذلك أغنية عبد العزيز محمود "شباك حبيبي" من الفيلم الذي يحمل ذات الاسم (1951)، فالمطرب يغني الأغنية في ورشة نجارته، وهو يصنع شباكا لحبيبته، وتصبح الأغنية هي مشهد نزول العناوين أيضا، مصحوبة بكل تفاصيل مراحل صنع الشباك وتركيبه، مع كلمات رقيقة قد تفتقدها تماما في أغنياتنا المعاصرة، مثل "يا ضرفتين من تيه ودلال"، أو "ما لوش في دنيا الحب نظير، ندرن عليا إن نلت مرامي، لأعمل ستايره حرير في حرير". وفي نفس الفترة تقريبا يغني فوزي "ليا عشم وياك يا جميل" مخاطبا الحصان الذي تقتنيه حبيبته، التي تهوى تربية الخيول، في فيلم "ورد الغرام" (1951)، كما يغني كارم "أمانة عليك يا ليل طول" في فيلم "عيني بترف" (1950)، وهو لا يدري أن محبوبته بائعة الفجل (تحية كاريوكا) ترقص على ألحانه.
ولعل التطور يظهر أكثر وضوحا في أغنيات المطربات، اللائي جاء الكثير منهن من البلاد العربية، خاصة سوريا ولبنان. إن سعاد محمد تغني قصيدة بالفصحى في فيلم "أنا وحدي" (1952)، تعتمد تماما على بلاغة وبساطة كلمات صالح جودت وألحان السنباطي، بما يذكرك بأغنية "أصون كرامتي" قبل خمس سنوات فقط في فيلم "فاطمة"، مع أم كلثوم ورامي والسنباطي. كما تغني سعاد محمد في نفس الفيلم أغنية خفيفة الظل، هي "القلب واللا العين" لمأمون الشناوي ومحمود الشريف، هذه المرة في تلميح لعلاقات الحب التي كانت تتشكل في سياق الدراما. وتلك هي خفة الظل ذاتها التي تراها وتسمعها من نجاح سلام في فيلم "دستة مناديل" (1954)، لفتحي قورة وكارم محمود، وهي أغنية "صبح الصباح"، التي يبرع المخرج عباس كامل في ترجمتها بصريا مع طقوس الصباح اليومية، من بائع الفول المدمس إلى إعداد مائدة الإفطار وحتى ارتداء الملابس، كما تحتشد الأغنية بكلمات بالغة الرقة والبساطة معا: "تبارك الخلاق، مقسم الأرزاق، إذا أراد أو شاء، تفرج بإذن الله"، أو "سر الحياة في الكون، تشهد على قدرتك، تقول له كن فيكون، وتديره بحكمتك".
كانت تلك كلمات فتحي قورة، الذي كتب أغلب أغنيات الأفلام المصرية على اختلاف أنواعها، ولتقارن ذلك مثلا مع أغنية شادية "إن راح منك يا عين" في فيلم "إرحم حبي" (1959)، والتي تعبر عن مرارة فقدان الحبيب الذي هجر، والتوعد له بالويل والثبور. كذلك الأغنية الفريدة في السينما المصرية على الإطلاق، والتي تغنيها هدى سلطان في فيلم "امرأة في الطريق" (1958) بعنوان "يا صابر"، والتي برع فيها الملحن منير مراد في استخدام طبقة صوت منخفضة، تغوي بها المرأة حبيبها (رشدي أباظة)، ويصورها عز الدين ذو الفقار باستخدام تناقض حاد بين النور والظلام.
وإذا كانت صباح تحتل مكانة قوية في الأغنية السينمائية المصرية على اختلاف أنواعها، فهي أيضا التي قدمت شكلا جديدا مع صلاح جاهين وسيد مكاوي في أغنية "أنا هنا يا ابن الحلال" في فيلم "العتبة الخضراء" (1959)، وهو شكل يعتمد على البساطة الشديدة، التي تعكس دلال الفتاة المصرية حين تمزج بين التصريح والتلميح في حبها، "با أحلم بعش، أملاه أنا، سعد وهنا، وأنا هنا، يا ابن الحلال". تلك هي البساطة ذاتها التي سوف يأخذها جاهين، هذه المرة مع كمال الطويل، إلى مدى أبعد في أغنية سعاد حسني "يا واد يا تقيل" من فيلم "خللي بالك من زوزو" (1972)، لكن هذا الثلاثي سوف يقدم في فيلم "شفيقة ومتولي" (1978) أغنية عميقة السخرية والمرارة، هي "بانوا على أصلكو بانوا"، التي تنقد مجتمعا ذكوريا، يخفي أخطاءه وخطاياه بقمع المرأة واستغلالها.
هناك أخيرا استخدامات متفردة للأغنية في السينما. ولعل أشهرها أغنية سيد اسماعيل "يا صحرا المهندس جاي" من فيلم صلاح أبو سيف "الصقر" (1950)، فللوهلة الأولى تبدو الأغنية ترحيبا بتعمير الصحراء (وكانت تذاع في الإذاعة بهذا المعنى)، لكنها في سياق الفيلم تعبر عن غفلة أصحاب الأرض، الذين تركوا الأجنبي يتسلل إليها تحت هذا الزعم. بل إن ممثلين (غير مطربين) قدموا أغنيات سينمائية مهمة، وربما لا يعرف الكثيرون أغنية محمود الجندي "أهي دنيا" من فيلم "المرشد" (1989)، لسيد حجاب وعمار الشريعي، والتي تعبر عن "فلسفة" الهامشيين، الذين لا يملكون شيئا سوى التحايل على الحياة، وقد يبدون مستسلمين لكنهم يخفون تمردهم تحت السطح: "الدنيا دي إيه غير بتاعة، والناس دي عبارة عن بتوع، فيه ناس واكلينها بالنطاعة، وقال إيه عايزينا نبقى طوع"!!
لكننا لا يمكن أن ننسى أغنية عبد المنعم مدبولي في فيلم "مولد يا دنيا"، بأداء تمثيلي بالغ الرهافة والبراعة، لشخصية سائق الحنطور الذي تجاوزه الزمن ليصبح معدما وحيدا. وبكلمات مرسي جميل عزيز وألحان كمال الطويل وإخراج حسين كمال، تتحول المناجاة الذاتية التي ترثي الحال إلى أغنية: "إحنا اللي كانوا الحبايب، بيسافروا بينا القمر، بقينا أنتيكة، دقي يا مزيكا.... طيب يا صبر طيب".
لقد ظُلمت السينما المصرية كثيرا، باتهامها بحشر أغنيات، لكن الحقيقة أنها كانت تقوم في أحيان كثيرة بتوظيفها على نحو له خصوصيته بين صناعات السينما الأخرى، وليس من الضروري أو من المفيد أن تبحث لمثل هذا التوظيف عن تعريف، يطابق ما هو موجود في السينما الأمريكية على سبيل المثال، وهو الأمر الذي يتأكد مع أشكال أخرى عديدة للأغنية السينمائية في السينما المصرية.                                       

Sunday, February 02, 2014

السينما لمن؟ ولماذا؟ وكيف؟

(تم نشر هذه المقالة فى مجلة "الهلال"، فبراير 2014)
هل هي أزمة سينما؟ أم أزمة وطن؟ وهل يمكن أن نفصل ما حدث للسينما المصرية من حالة متردية خلال العقود الأخيرة، عن التردي الأعم والأشمل في نواحٍ كثيرة من حياتنا؟
ربما بدا للقارئ أن من الغريب أن تحتوي السطور التالية على كل هذا الكم من علامات التعجب والاستفهام، لكنه التعجب والاستفهام اللذان ينبعان من أننا نتحدث منذ سنين عن أزمة، دون أن نرى أننا في طريقنا لحلها، كما ينبعان أيضا من أنهما يتناولان أمورا باتت بدهية لأي صناعة سينما في أي بلد من بلدان العالم، وأخيرا فإنهما ينبعان من الخطأ القاتل الذي نعيش فيه منذ عقود، بأننا لا نتعلم أبدا من أخطائنا وتجاربنا، أو من تجارب الآخرين!
دعنا في البداية نصف حال السينما المصرية في الآونة الأخيرة، وأكاد أقول في السنوات القادمة أيضا إن لم نتدارك الهوة التي نسير نحوها. إنها ببساطة السينما التي تعيش الآن خارج الجغرافيا، وخارج التاريخ. خارج الجغرافيا لأن السينما المصرية كانت يوما مركزا لصناعة السينما في العالم العربي كله، ولم يكن غريبا أن تحتوي معظم أفلامنا القديمة على استعراض غنائي، يمثل رحلة افتراضية في بلدان عربية مختلفة، فقد كانت هذه الأفلام تعرض في أنحاء العالم العربي، كما كانت تمثل القوة الثقافية الوحيدة التي جعلت من العامية المصرية مفهومة لدى العرب جميعا. الآن باتت أفلامنا تتحدث عن الواقع المصري باعتباره متحفا فولكلوريا لكل أنواع العاهات البشرية، لا فرق بين أفلام السبكي التي تواجه النقد والانتقاد دائما مثل "الفرح" وحتى "عبده موتة" وأشياء أخرى، وأفلام تدعي أنها أكثر وعيا، سواء من ناحية الأسلوب مثل "ابراهيم الابيض"، أو من ناحية المضمون السياسي مثل "حين ميسرة"!
وباتت السينما المصرية أيضا خارج التاريخ، لأن السينما – كوسيط ورسالة – تغيرت في العالم كله خلال النصف قرن الأخير. ففي الوقت الذي تُصنع فيه الأفلام بأكثر الوسائل الرقمية تطورا، لكي تتوجه إلى كل قطاعات المجتمع، بل أصبح من الميسور صناعة الأفلام بشكل فردي، وهو الحلم الذي راود السينمائيين طويلا بأن تصبح الكاميرا معادلا للقلم في يد الشاعر أو الروائي، أو حتى عالم الأنثربولوجيا، ما تزال السينما لدينا قابعة عند الشكل المبتذل لأكثر أنواع الأفلام ترديا، بمفهوم التسلية الذي يعني مجرد "الفرجة" على مجموعة من النمر، تتضمن "الإيفيهات" والأغنيات والرقصات، وهو المفهوم الذي وصل إلى أكثر مستوياته تدنيا خلال هذا الموسم في فيلم يدعى "8%" (!!)، يطلقون فيه مصطلح "أغنيات المهرجانات" على مجموعة من أكثر الأصوات نشازا، ويالها من سخرية أن يكون ذلك هو معنى المهرجانات لدينا، وهو لا يكاد حتى أن يصل إلى مجرد التهريج بمعناه المعروف!!
وقد لا يكون ذلك غريبا في سياق توقف عن تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية، فكثيرا ما يصادفك أن تقرأ اسم فلان أو علان مسبوقا بلقب "شاعر" مثلا، بينما أتحدى أن يتذكر حتى أكثر أصدقائه تحمسا بيتا واحدا له، إن استطعنا أن نسمي ما يكتبه "أبياتا"!! لقد وصلنا باختصار في الكثير من قطاعات حياتنا إلى حالة من الانكفاء على الذات، والاكتفاء بها، ليس نتيجة إحساس حقيقي بالتفوق، بل نتيجة لحالة من الجهل العميق، والرضا عن ذلك الجهل، وعدم الرغبة والقدرة على الخروج من هذه الحالة، فقط لأننا لم نعد نسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية.
ولا يكاد لأحد أن يتخيل أن من الممكن أن تصنع سينما – أيا كانت درجة تواضعها – دون أن ترتكز على تراثك السينمائي، بينما يجهل معظم أبناء الجيل الشاب والجيل الذي سبقه وجود سينمائيين كبار لأفلام مصرية ذات مذاق "شعبي" خاص، مثل المخرجين عباس كامل أو حسين فوزي، أو كتاب سيناريو مثل على الزرقاني ومحمد عثمان، أو مديري تصوير مثل عبد العزيز فهمي وعبد الحليم نصر، أو كتاب حوار مثل السيد بدير. لذلك أيضا باتت معظم أفلامنا الجديدة مجرد شرائط منوعات، تفتقر إلى أي امتداد لجذور سينمائية مصرية، وأنا هنا لا أحدثك حتى عن النوعية الأكثر جدية في أفلام توفيق صالح مثلا!!
وحتى التجارب التي تزعم أنها متأثرة بالسينما العالمية، تأتي على شاكلة فيلم "المسافر"، الذي يقال أن وزارة الثقافة المصرية أنفقت عليه عشرين مليونا من الجنيهات، بما كان يكفي لصنع عشرين فيلما لها نفس الطموح العالمي، غير أن "المسافر" ذاته انتهى إلى شريط يزعم الجدية بينما هو يفتقد وضوح الرؤية للشكل والمضمون. وفي التحليل الأخير، فإننا انقطعنا من جانب عن تراثنا السينمائي الشعبي، الذي كان من الممكن البناء عليه وتطويره، كما توقف من جانب آخر تأثرنا بالسينما العالمية عند تجارب أنطونيوني في ستينيات القرن الماضي، وهي سينما تجاوزها الزمن في البلاد التي ولدت فيها.
ومن الحق القول إن هناك عوامل اقتصادية واجتماعية كانت جزءا من أسباب تردي السينما المصرية، فلم تعد هناك لدى الأسرة المصرية ميزانية يمكن أن تنفقها على مثل هذا النوع من الترفيه (بينما يتزايد الإلحاح الإعلاني عن شركات التليفون المحمول)، خاصة أن هذه الأسر باتت من ناحية مثقلة بأعباء أمور أخرى مثل الدروس الخصوصية، ومن ناحية أخرى مترددة في الذهاب إلى دور عرض تقلص عددها إلى درجة لا تصدق، كما تراجع أيضا مستوى الحفاظ على الآداب والانضباط فيها، وهي أيضا الدور المملوكة لعدد قليل جدا من الموزعين، الذين يحتكرون السوق، ويستطيعون لو أرادوا وأد أي تجربة سينمائية جادة.
ولعل هذا يذكرنا بما تواضع البعض على تسميته "السينما المستقلة"، والتي لا تملك شروط الاستمرار والتطور في مثل هذه الظروف، لأن من المنطقي لمثل هذه السينما أن تجد منافذ ونوافذ للوصول إلى المتفرج بعيدا عن سيطرة من يحتكرون سوق العرض، لكن ذلك لم يحدث، لتبقى الأفلام المستقلة – كما تدعى – أقرب إلى التجارب التي لا تختلف كثيرا عن أفلام تخرج الطلبة من معهد السينما، وإن وجدت بين النقاد من يحتفي بها في مبالغة ليست في صالحها. هل تريد سببا أكثر أهمية لترددي في تسميتها "مستقلة"؟ لأنها ببساطة لم تستطع أن تتخلى عن مفهوم أن السينما هي "الفيلم الروائي الطويل"، بدلا من أن ترتاد أرضا جديدة تعرفها صناعات السينما في العالم كله، أرض الأفلام الروائية القصيرة، والأفلام التسجيلية، وأفلام التحريك.
هل يبدو الأمر أكثر قتامة مما ينبغي؟ وهل يعني ذلك أنه لا سبيل إلى الخروج من "أزمة" طالت حتى أصبحت أعراضها الحادة أمراضا مزمنة؟ سوف ألجأ هنا إلى مثلين شعبيين مصريين ننساهما كثيرا: "على قد لحافك مد رجليك"، و"مفيش حاجة اسمها فقر، فيه قلة رأي"!! كل ما نمر به وسوف نمر به ليس شيئا عجبا في التاريخ، وكل صناعات السينما (بل الأمم ذاتها) واجهت أزمات صعبة، واستطاعت الخروج منها، والشرط الوحيد لذلك بالغ السهولة والصعوبة معا: أن تكون حيا!! والحياة تعني عنصرين أساسيين: التراكم، والتكيف. وإن كان لصناعة السينما الهوليوودية من جانب إيجابي فهو تلك الحياة، إنها أولا قادرة على الاستفادة الدائمة من التجارب السابقة، وصنعت ما يسمى "الأنماط الفيلمية"، التي كانت هوليوود تقدم لها تنويعات مختلفة مع تطور الزمن. وهي ثانيا تحاول التكيف مع الظروف الجديدة، ولم تكن هناك أزمة عاشتها هوليوود مثل تلك التي مرت بها مع ظهور التليفزيون والتحول السكاني إلى الإقامة في الضواحي في بداية الخمسينيات، مما أحدث تناقصا سريعا في عدد المتفرجين، فكان ردها الأول تقديم "فرجة" مختلفة عن تلك التي يقدمها التليفزيون، من خلال الشاشة العريضة والألوان، وبناء دور عرض صغيرة في الضواحي، بدلا من قصور السينما الفاخرة في وسط المدينة، لينتهي الأمر بالتعاون مع التليفزيون ذاته لإنتاج الأفلام وعرضها، فيما يشبه الاتفاق بين "الإخوة الأعداء"!اا
وقد يقول البعض: تلك هي هوليوود، بترسانتها الاقتصادية والصناعية والفنية الضخمة، لكني سوف أضرب مثلين آخرين مختلفين تماما، فحين دُمرت الاستوديوهات الضخمة في إيطاليا ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبات الحصول على أفلام خام جديدة أمرا صعبا، أدى التصوير خارج الاستوديو في الأماكن الطبيعية، واستخدام فيلم خام متواضع، بل اللجوء أيضا إلى ممثلين غير محترفين، إلى ظهور أسلوب ومضمون جديدين، عرفا باسم "الواقعية الجديدة" الإيطالية، كما في أفلام من كلاسيكيات السينما العالمية مثل "ماسحو الأحذية" و"سارقو الدراجات". المثل الآخر من البرازيل (وهو الذي تطبقه "إسرائيل" حاليا)، وهو أن تقوم وزارة التعاون الدولي بالحصول على مساهمات ومعونات من كل بلاد العالم، وتخصصها للسينما، وبعد أن كان قد تقلص عدد الأفلام البرازيلية في بداية القرن الحادي والعشرين إلى فيلمين أو ثلاثة، تجاوز الآن وبعد عشر سنوات رقم المائة، ومنها ما يحصد جوائز عالمية مهمة.
وأنا لا أعطي اهتماما كبيرا بنداءات صناع السينما المصرية الآن للدولة أن تتدخل لإنقاذها، لأنهم يريدون الإنقاذ على طريقتهم: مجرد مزيد من ضخ الأموال للمنتجين والموزعين، الذين لن يرضوا بتدخل الدولة لمنع ممارساتهم الاحتكارية، أو حصول بعض السينمائيين "المستقلين" على فرص عابرة لصنع أفلامهم، لكن هل يعني وجود  الأفلام أن هناك "سينما"؟
في الحقيقة أن على الدولة – التي نرجو أن تتعافى قريبا – المسئولية الكبرى في هذا المجال: توفير ميزانيات بالتعاون مع جهات عالمية عديدة تقوم بذلك بالفعل مع بلدان أخرى، وإنفاق هذه الميزانيات على عشرات الأفلام ذات التكاليف المنخفضة (بما في ذلك الأفلام التسجيلية والقصيرة)، وإنشاء نوادٍ لهواة السينما في كل أنحاء البلاد، وتأسيس أرشيف محلي وعالمي للأفلام لعرضها الدائم في مكتبات السينما، وتوفير قنوات توزيع جيدة للأفلام حتى من خلال العرض في التليفزيون مباشرة، وأخيرا إحداث ثورة حقيقية في مناهج تعليم السينما، والاستعانة بخبرات أجنبية تجعل طلبة السينما يبحرون في بحار جديدة، والعودة لإرسال بعثات في كل أنحاء العالم، لعل ذلك كله يوصل ما انقطع بنا في السينما بيننا وبين الجغرافيا والتاريخ، ويجيب لنا عن الأسئلة الجوهرية التي يبدو أننا لم نعد نعرف الإجابة عنها: لمن نصنع الأفلام؟ ولماذا؟ وكيف؟!!