Saturday, February 15, 2014

الثنائيات بين التطريب والدراما



ظلت تهمة حشر الأغنيات في الأفلام السينمائية تجري على لسان النقاد، ربما بسبب العدد الهائل من المطربين والمطربات الذين ظهروا واحدا بعد الآخر في السينما المصرية، بل كثيرا ما كان الفيلم الواحد يجمع بين مطرب ومطربة، بما عرف أيامها باسم "الدويتو" أو الأغنية الثنائية. ومن هنا بدا للوهلة الأولى أن السينما المصرية أصبحت أسيرة للأغنية، وهو الأمر الذي تأكد أيضا بسبب اشتراك أصحاب شركات الاسطوانات في تمويل الأفلام، لأن الصناعتين – السينما والاسطوانة – كانتا في الحقيقة في خدمة إحداهما الأخرى.
لكن المتأمل لتلك المسيرة يدرك كم كانت الفائدة أعمق من مجرد جني الأرباح. فبعد حوالي عقدين فقط من مولد السينما المصرية الروائية، يمكنك أن تشهد وتسمع نموذجا طريفا لأغنية ثنائية لم يكن أحد يتخيل قبلها أنها سوف تتحقق بهذه السرعة على الشاشة. فبدلا من حوار بين بطلة شابة هاربة من أسرتها، بصحبة رجل كهل يحبها في صمت ولا يريد أن يتركها وحدها، تجد في فيلم "غزل البنات" (1949) للمرة الأولى ممثلا له صوت أجش يغني، وكان ذلك الممثل هو نجيب الريحاني، الذي شارك ليلى مراد أغنية "عيني بترف". والطريف أن ملحنها هو محمد عبد الوهاب الذي كان يميل عادة إلى التطريب، لكنه هنا اهتم بالتعبير الدرامي، في جمل لحنية قصيرة، وإيقاع سريع. والأطرف أن هناك حكاية تقول إن الريحاني عند تسجيل الأغنية لم يتمالك نفسه في نهايتها، ليصعد إلى طبقة صوتية أعلى وهو يردد: "علشانك انتى أنكوي بالنار وألقح جتتي"!!
غير أن هذا التعبير الدرامي لم يظهر فجأة في الأغنية الثنائية السينمائية. لقد كان عبد الوهاب نفسه في عام 1937 ما يزال ملتزما بالتطريب، وهو ما يظهر واضحا في أغنيته مع ليلى مراد "ياما أرق النسيم" في فيلم "يحيا الحب"، وربما بدا في هذه الأغنية عشق عبد الوهاب للإيقاعات اللاتينية والغربية، لكن الألحان ظلت تطريبا صرفا، لمناجاة بين الحبيبين، اللذين يظهران على الشاشة في الأغلب في لقطات عامة من بعيد، إلا عندما يريد المخرج محمد كريم أن "يترجم" على نحو حرفي كلمات الأغنية، فيقطع إلى لقطة قريبة جدا لعيني ليلى مراد وهي تغني: "خد الجواب من عينيا". ولم تبتعد أم كلثوم أيضا في بداياتها عن هذا التطريب، كما يظهر في فيلم "عايدة" (1942)، الذي شاركت بطولته وأغنياته الثنائية مع المطرب المسرحي المشهور آنذاك ابراهيم حمودة، خاصة أن الملحن محمد القصبجي كان مشغولا وقتها بالبحث عن صيغة شرقية للموسيقى الأوبرالية، لكن مع قدر أكبر من التعبير العاطفي الواضح عن المشاعر، أكثر كثيرا من محمد عبد الوهاب في مرحلته الأولى.
لكن عبد الوهاب نفسه قفز مع السينما وتعبيرها الدرامي قفزة كبرى في فيلم "رصاصة في القلب" (1944)، حين شارك الممثلة – وليست المطربة – راقية ابراهيم أغنيتين متقاربتين لكنهما كانتا على العكس تماما في الموقف الدرامي. الأولى هي "حكيم عيون" التي يغازل فيها المرأة التي عشقها من أول نظرة، لكي يكتشف مصدوما أنها خطيبة صديقه، بينما كانت الأغنية الثانية "أقول لك إيه عن أحوالي" تعبر عن اكتشاف المرأة أنها لا تحب الخطيب الطامع في ثروتها، وها هي تحاول تذكير البطل بلقائهما الأول، لكنه يتهرب من الإجابة. وسوف تلحظ تماما كيف أن اللحن جاء في خدمة الموقف الدرامي، حتى أن بعض الجمل الحوارية داخل الأغنية يتم إلقاؤها بأداء تمثيلي صرف.
شهدت هذه الأغنيات الثنائية السينمائية نضجا واضحا في الفترة اللاحقة. ومن المثير للدهشة حقا أن فريد الأطرش، المشهور بميله الواضح للتطريب في أغنياته الفردية، استطاع بخفة ظل بالغة الرهافة أن يقدم أغنيات ثنائية أصبحت من علامات السينما الغنائية المصرية. ففي فيلم "ما تقولش لحد" (1952) يضطر البطل إلى اصطحاب الفتاة التي تطارده بحبها (نور الهدى)، ليشتركا معا في أغنية "ما لكش حق"، ذات الجمل اللحنية القصيرة والإيقاع الراقص (على واحدة ونص كما يقال في العامية المصرية)، وتُلقى جمل الحوار وأبيات الأغنية وحتى الهمهمات في نسيج طريف. وقريبا من هذه التجربة تجد أغنيته الثنائية مع شادية "يا سلام على حبي وحبك" من فيلم "أنت حبيبي" (1957)، والتي يحاول فيها الزوجان "تمثيل" الحب أمام أسرتيهما، وهنا أيضا يتداخل الأداء التمثيلي مع الغناء على إيقاع مرح، خاصة أن كلمات فتحي قورة تمتعت كما كانت دائما بخفة الظل، لتنتهي الأغنية بجملة "كفاية حب كفاية، أحسن يضر صحتي"!!
لقد كانت شادية قد شاركت أيضا عبد الحليم حافظ في بداياته في أغنية "تعالي أقول لك"، من فيلم "لحن الوفاء" (1955)، وفيها يحاول الحبيبان الإفصاح عن حب كل منهما للآخر (وهي التيمة التي تتكرر كثيرا في الأغنيات الثنائية السينمائية)، في ألحان قصيرة وإيقاع طروب، وتعبيرات تلمح ولا تصرح. لكن بعد حوالي عقد من الزمن يكرر المطربان التجربة في فيلم "معبودة الجماهير" (1967)، في أغنية "حاجة غريبة"، التي كتب كلماتها التقليدية هذه المرة حسين السيد، بما كان يفتقد خفة ظل قورة في الأغنية الأولى. وبرغم أن ملحن الأغنيتين كان منير مراد، فقد افتقدت الأغنية الثانية قدرا كبيرا من الحيوية، وكانت المفارقة أنها عادت إلى التطريب.
ولعل الأكثر تأثيرا في مجال الأغنية الثنائية السينمائية كان محمد فوزي، الذي كان متعدد المواهب بحق، مما ساعده على تقديم مختلف أنواع الأغنيات. وربما كانت الأغنية الثنائية الأشهر في هذا المجال هي "شحات الغرام" من فيلم "ورد الغرام" (1951). وفي موقف بالغ الابتكار تقدم الأغنية تنويعا على مشهد الشرفة من مسرحية شكسبير "روميو وجولييت"، والحبيب هنا يصطنع أنه شحاذ أمام حبيبته ليلى مراد. إنه يتوكأ على عصا شجرة، ويتسول: "إرموا له نظرة، واللا ابتسامة، حسنة وتنفع يوم القيامة". وهي تصده في البداية وإن كانت تخفي إعجابها به، فيرق له قلبها: "يظهر صحيح اللي بتشكيه، غلبان يا روميو الشحاتين"، وتعطيه موعدا في الغد!! أما في فيلم "فاعل خير" (1953) يمكنك أن تجد نموذجا آخر على رغبة الحبيبين فوزي وصباح في الإفصاح عن الحب، فيتحدث كل منهما عن افتراض يبدأ وينتهي دائما بكلمة "مثلا"، التي يستمر التلاعب بها طويلا في الأغنية، على نحو لم يتكرر كثيرا إلا في القليل من أفلامنا السينمائية.
هناك في النهاية نماذج فريدة في الأغنية الثنائية السينمائية، مثل الفيلم الوحيد الذي قام ببطولته الملحن الرائع رياض السنباطي "حبيب قلبي" (1952)، وهناك في الفيلم أكثر من أغنية ثنائية مع هدى سلطان، ربما كان أشهرها "عندي سؤال"، وفيها يتساءل كل منهما عن السبب الذي جعل الآخر يقع في حبه، في أداء يجمع بين الغناء والإلقاء التمثيلي. كما تشترك الممثلة فاتن حمامة بالغناء مع شادية في أغنية "ألو ألو احنا هنا" من فيلم "موعد مع الحياة" (1953)، في لحن منير مراد بالغ البساطة لكي يلائم صوت فاتن، وكلمات قورة التي تتحدث عن كيف قامت البطلتان بالنجاح في الامتحان الدراسي، مع لمسة كوميدية على طريقة "هل تعرفي كان وأخواتها؟ وأعرف عماتها آه وخالاتها"!!
وفي تجربة لم تتكرر في السينما المصرية، أراد المخرج داود عبد السيد أن يصنع فيلما موسيقيا (أو شبه موسيقي بمعنى أدق) في "سارق الفرح" (1995)، فجعل الممثلين (وليسا مطربين بأي حال) لوسي وماجد المصري، يلقيان بعض سطور الحوار على خلفية موسيقية، وهي سطور لا تقصد أن تكون "أغنية" بالمعنى المألوف، فهي تخلو من الوزن والإيقاع، فجاءت التجربة على طرافتها أقرب إلى "التغريب"، مما أبعد المتفرج عن التفاعل مع العالم الذي يراه على الشاشة.
لكن هناك تجربة أكثر أهمية وإن كانت مجهولة بالنسبة للكثيرين، من فيلم المخرج الكبير الراحل توفيق صالح "السيد البلطي" (1967)، ففي لحظة نشوة وصفاء للروح، يعبر الممثلان عبد العظيم عبد الحق ومحمد نوح (وكلاهما ملحن قدير)، في أغنية ثنائية لحنها الأول، ومن كلمات صلاح جاهين، عن حلمهما بتحقيق عالم أكثر جمالا وعدلا. والأداء هنا أقرب إلى الموال الهادئ، الذي يلائم جو التمني: "إن فقير زي حالاتي اللقمة ما تكتفوش، والجميع على الموايد ينسوا الهموم الصغيرة، واللي له نفس ياخد، واللي نشوان يغني، واللي مغرم بواحد ما يروحش عمره في تمني".....
وهكذا شهدت الأغنية الثنائية في السينما المصرية رحلة طويلة، كان من المأمول أن ترقى في الفترة اللاحقة إلى أشكال درامية بحق، لكي تتلاءم مع سياق السرد، لكنها مؤخرا باتت أقرب إلى "المونولوج"، وإن كان المونولوج في شكله التقليدي الذي نعرفه أخف ظلا، وأعمق أثرا.    

Thursday, February 13, 2014

الأغنية السينمائية من الطفولة إلى النضج


كثيرا ما تتهم السينما المصرية بأنها كانت أسيرة لضرورة احتوائها على أغنيات، مما يقطع تدفق خطها الدرامي، وقد يكون ذلك صحيحا في بعض الحالات، لكنه ليس دقيقا تماما، لأن الأفلام والأغنيات دخلت معا في علاقة حميمة، أثرت فيها كل منهما على الأخرى، وكما شهدت السينما المصرية تطورا في مسيرتها، عاشت الأغنية نوعا مماثلا من التطور، ناهيك عن الخصوصية التي تتمتع بها السينما المصرية في هذا المجال. وليس غريبا أن تكتشف أن ذلك كان أيضا حال العلاقة بين السينما والأغنية في الأفلام الغربية، ويكفيك أن تراجع العناوين الأخيرة للأفلام الأمريكية على سبيل المثال، لتكتشف أنها احتوت على العديد من الأغنيات. كما أننا نعرف جميعا ذلك الارتباط الحميم بين السينما والأغنية في الأفلام الهندية أيضا.
ولكي ترى هذا التطور بقدر من الوضوح، دعنا نتأمل كيف أن الأغنية السينمائية قد تطورت خلال عقد واحد من الزمن. في فيلم محمد عبد الوهاب "يحيا الحب" (1937) أغنية "عندما يأتي المساء"، التي تقطع السرد تماما، ويمكنك أن تحذفها دون أن تفتقد شيئا، يغنيها عبد الوهاب وقد وضع يديه في جيبي سرواله، كما أن الصورة السينمائية اكتفت بالترجمة البصرية الساذجة للكلمات، فهي تعرض ما يفترض أنه سماء ونجوم، لكن الأهم هو أن أداء عبد الوهاب لم يخلُ من التطريب الصرف، مع تكرار سطور الأغنية. اختفى هذا التكرار بشكل جزئي في أغنية "حنانك بيا ياربي" من فيلم "رصاصة في القلب" (1944)، وإذا كان المطرب ما يزال يقف في بدلته الكاملة، فإن أداءه يقترب من دراما التعبير عن حيرة الحبيب الذي اكتشف أن محبوبته ليست إلا خطيبة صديقه. وسوف تجد مقارنة مشابهة مع أم كلثوم، بين أغنية "يا ليل نجومك شهود" من فيلم "وداد" (1936)، وأغنية "يا صباح الخير" من فيلم "فاطمة" (1947).
وسوف نقتصر الآن على شكل من الأغنية السينمائية، هو الأغنية الفردية، لنتأمل فيما بعد الأشكال الأخرى. وفي مثال طريف يوضح ذلك التطور، يغني عبد الحليم حافظ "يا سيدي أمرك" في فيلم "ليالي الحب" (1955)، في موقف يفترض فيه أنه مضطر لإرضاء رجل عجوز مرتبط بالغناء القديم، وتظهر قدرة عبد الحليم على أداء الأدوار والموشحات القديمة، مع كلمات ساخرة من نوع "خايف أقول على قد الشوق لتطلع روحي"، أو "وبأغني قديم وأنا إيه ذنبي، أعمل لك إيه يانا ياغلبي"!! لكن المفارقة كانت أن عبد الحليم (مع فريد الأطرش) ظل مرتبطا بالتطريب حتى في أفلامه وأغنياته الأحدث، من "الخطايا" (1962) وحتى "معبودة الجماهير" (1967)، فقد كانت أغنيات هذه الأفلام، مثل "الحلوة" أو "قل لي حاجة" أو "أحضان الحبايب" أو "الهوى هوايا"، أسيرة في أغلب الأحيان لاصطناع موقف للأغنية، التي ظلت طويلة بلا داعٍ، ولا تخلو من التكرار.
المفارقة الأهم هي أن التطوير حدث مع ما يمكن أن نسميهم مطربين أكثر شعبية، مثل عبد العزيز محمود ومحمد فوزي وكارم محمود، ولعلك تلاحظ أنهم في معظم أفلامهم أدوا شخصيات كانت غريبة على السينما من قبلهم، نجار أو سائق قطار أو بائع جرائد، كما أن أغنياتهم أصبحت أقصر وبلا تكرار، ودخلت عليها إيقاعات أكثر معاصرة مثل السامبا أو الرومبا أو التانجو (بينما كان لإيقاع الفالس تاريخ ممتد في الموسيقى الكلاسيكية العربية). ولعل المثال الأوضح على ذلك أغنية عبد العزيز محمود "شباك حبيبي" من الفيلم الذي يحمل ذات الاسم (1951)، فالمطرب يغني الأغنية في ورشة نجارته، وهو يصنع شباكا لحبيبته، وتصبح الأغنية هي مشهد نزول العناوين أيضا، مصحوبة بكل تفاصيل مراحل صنع الشباك وتركيبه، مع كلمات رقيقة قد تفتقدها تماما في أغنياتنا المعاصرة، مثل "يا ضرفتين من تيه ودلال"، أو "ما لوش في دنيا الحب نظير، ندرن عليا إن نلت مرامي، لأعمل ستايره حرير في حرير". وفي نفس الفترة تقريبا يغني فوزي "ليا عشم وياك يا جميل" مخاطبا الحصان الذي تقتنيه حبيبته، التي تهوى تربية الخيول، في فيلم "ورد الغرام" (1951)، كما يغني كارم "أمانة عليك يا ليل طول" في فيلم "عيني بترف" (1950)، وهو لا يدري أن محبوبته بائعة الفجل (تحية كاريوكا) ترقص على ألحانه.
ولعل التطور يظهر أكثر وضوحا في أغنيات المطربات، اللائي جاء الكثير منهن من البلاد العربية، خاصة سوريا ولبنان. إن سعاد محمد تغني قصيدة بالفصحى في فيلم "أنا وحدي" (1952)، تعتمد تماما على بلاغة وبساطة كلمات صالح جودت وألحان السنباطي، بما يذكرك بأغنية "أصون كرامتي" قبل خمس سنوات فقط في فيلم "فاطمة"، مع أم كلثوم ورامي والسنباطي. كما تغني سعاد محمد في نفس الفيلم أغنية خفيفة الظل، هي "القلب واللا العين" لمأمون الشناوي ومحمود الشريف، هذه المرة في تلميح لعلاقات الحب التي كانت تتشكل في سياق الدراما. وتلك هي خفة الظل ذاتها التي تراها وتسمعها من نجاح سلام في فيلم "دستة مناديل" (1954)، لفتحي قورة وكارم محمود، وهي أغنية "صبح الصباح"، التي يبرع المخرج عباس كامل في ترجمتها بصريا مع طقوس الصباح اليومية، من بائع الفول المدمس إلى إعداد مائدة الإفطار وحتى ارتداء الملابس، كما تحتشد الأغنية بكلمات بالغة الرقة والبساطة معا: "تبارك الخلاق، مقسم الأرزاق، إذا أراد أو شاء، تفرج بإذن الله"، أو "سر الحياة في الكون، تشهد على قدرتك، تقول له كن فيكون، وتديره بحكمتك".
كانت تلك كلمات فتحي قورة، الذي كتب أغلب أغنيات الأفلام المصرية على اختلاف أنواعها، ولتقارن ذلك مثلا مع أغنية شادية "إن راح منك يا عين" في فيلم "إرحم حبي" (1959)، والتي تعبر عن مرارة فقدان الحبيب الذي هجر، والتوعد له بالويل والثبور. كذلك الأغنية الفريدة في السينما المصرية على الإطلاق، والتي تغنيها هدى سلطان في فيلم "امرأة في الطريق" (1958) بعنوان "يا صابر"، والتي برع فيها الملحن منير مراد في استخدام طبقة صوت منخفضة، تغوي بها المرأة حبيبها (رشدي أباظة)، ويصورها عز الدين ذو الفقار باستخدام تناقض حاد بين النور والظلام.
وإذا كانت صباح تحتل مكانة قوية في الأغنية السينمائية المصرية على اختلاف أنواعها، فهي أيضا التي قدمت شكلا جديدا مع صلاح جاهين وسيد مكاوي في أغنية "أنا هنا يا ابن الحلال" في فيلم "العتبة الخضراء" (1959)، وهو شكل يعتمد على البساطة الشديدة، التي تعكس دلال الفتاة المصرية حين تمزج بين التصريح والتلميح في حبها، "با أحلم بعش، أملاه أنا، سعد وهنا، وأنا هنا، يا ابن الحلال". تلك هي البساطة ذاتها التي سوف يأخذها جاهين، هذه المرة مع كمال الطويل، إلى مدى أبعد في أغنية سعاد حسني "يا واد يا تقيل" من فيلم "خللي بالك من زوزو" (1972)، لكن هذا الثلاثي سوف يقدم في فيلم "شفيقة ومتولي" (1978) أغنية عميقة السخرية والمرارة، هي "بانوا على أصلكو بانوا"، التي تنقد مجتمعا ذكوريا، يخفي أخطاءه وخطاياه بقمع المرأة واستغلالها.
هناك أخيرا استخدامات متفردة للأغنية في السينما. ولعل أشهرها أغنية سيد اسماعيل "يا صحرا المهندس جاي" من فيلم صلاح أبو سيف "الصقر" (1950)، فللوهلة الأولى تبدو الأغنية ترحيبا بتعمير الصحراء (وكانت تذاع في الإذاعة بهذا المعنى)، لكنها في سياق الفيلم تعبر عن غفلة أصحاب الأرض، الذين تركوا الأجنبي يتسلل إليها تحت هذا الزعم. بل إن ممثلين (غير مطربين) قدموا أغنيات سينمائية مهمة، وربما لا يعرف الكثيرون أغنية محمود الجندي "أهي دنيا" من فيلم "المرشد" (1989)، لسيد حجاب وعمار الشريعي، والتي تعبر عن "فلسفة" الهامشيين، الذين لا يملكون شيئا سوى التحايل على الحياة، وقد يبدون مستسلمين لكنهم يخفون تمردهم تحت السطح: "الدنيا دي إيه غير بتاعة، والناس دي عبارة عن بتوع، فيه ناس واكلينها بالنطاعة، وقال إيه عايزينا نبقى طوع"!!
لكننا لا يمكن أن ننسى أغنية عبد المنعم مدبولي في فيلم "مولد يا دنيا"، بأداء تمثيلي بالغ الرهافة والبراعة، لشخصية سائق الحنطور الذي تجاوزه الزمن ليصبح معدما وحيدا. وبكلمات مرسي جميل عزيز وألحان كمال الطويل وإخراج حسين كمال، تتحول المناجاة الذاتية التي ترثي الحال إلى أغنية: "إحنا اللي كانوا الحبايب، بيسافروا بينا القمر، بقينا أنتيكة، دقي يا مزيكا.... طيب يا صبر طيب".
لقد ظُلمت السينما المصرية كثيرا، باتهامها بحشر أغنيات، لكن الحقيقة أنها كانت تقوم في أحيان كثيرة بتوظيفها على نحو له خصوصيته بين صناعات السينما الأخرى، وليس من الضروري أو من المفيد أن تبحث لمثل هذا التوظيف عن تعريف، يطابق ما هو موجود في السينما الأمريكية على سبيل المثال، وهو الأمر الذي يتأكد مع أشكال أخرى عديدة للأغنية السينمائية في السينما المصرية.                                       

Sunday, February 02, 2014

السينما لمن؟ ولماذا؟ وكيف؟

(تم نشر هذه المقالة فى مجلة "الهلال"، فبراير 2014)
هل هي أزمة سينما؟ أم أزمة وطن؟ وهل يمكن أن نفصل ما حدث للسينما المصرية من حالة متردية خلال العقود الأخيرة، عن التردي الأعم والأشمل في نواحٍ كثيرة من حياتنا؟
ربما بدا للقارئ أن من الغريب أن تحتوي السطور التالية على كل هذا الكم من علامات التعجب والاستفهام، لكنه التعجب والاستفهام اللذان ينبعان من أننا نتحدث منذ سنين عن أزمة، دون أن نرى أننا في طريقنا لحلها، كما ينبعان أيضا من أنهما يتناولان أمورا باتت بدهية لأي صناعة سينما في أي بلد من بلدان العالم، وأخيرا فإنهما ينبعان من الخطأ القاتل الذي نعيش فيه منذ عقود، بأننا لا نتعلم أبدا من أخطائنا وتجاربنا، أو من تجارب الآخرين!
دعنا في البداية نصف حال السينما المصرية في الآونة الأخيرة، وأكاد أقول في السنوات القادمة أيضا إن لم نتدارك الهوة التي نسير نحوها. إنها ببساطة السينما التي تعيش الآن خارج الجغرافيا، وخارج التاريخ. خارج الجغرافيا لأن السينما المصرية كانت يوما مركزا لصناعة السينما في العالم العربي كله، ولم يكن غريبا أن تحتوي معظم أفلامنا القديمة على استعراض غنائي، يمثل رحلة افتراضية في بلدان عربية مختلفة، فقد كانت هذه الأفلام تعرض في أنحاء العالم العربي، كما كانت تمثل القوة الثقافية الوحيدة التي جعلت من العامية المصرية مفهومة لدى العرب جميعا. الآن باتت أفلامنا تتحدث عن الواقع المصري باعتباره متحفا فولكلوريا لكل أنواع العاهات البشرية، لا فرق بين أفلام السبكي التي تواجه النقد والانتقاد دائما مثل "الفرح" وحتى "عبده موتة" وأشياء أخرى، وأفلام تدعي أنها أكثر وعيا، سواء من ناحية الأسلوب مثل "ابراهيم الابيض"، أو من ناحية المضمون السياسي مثل "حين ميسرة"!
وباتت السينما المصرية أيضا خارج التاريخ، لأن السينما – كوسيط ورسالة – تغيرت في العالم كله خلال النصف قرن الأخير. ففي الوقت الذي تُصنع فيه الأفلام بأكثر الوسائل الرقمية تطورا، لكي تتوجه إلى كل قطاعات المجتمع، بل أصبح من الميسور صناعة الأفلام بشكل فردي، وهو الحلم الذي راود السينمائيين طويلا بأن تصبح الكاميرا معادلا للقلم في يد الشاعر أو الروائي، أو حتى عالم الأنثربولوجيا، ما تزال السينما لدينا قابعة عند الشكل المبتذل لأكثر أنواع الأفلام ترديا، بمفهوم التسلية الذي يعني مجرد "الفرجة" على مجموعة من النمر، تتضمن "الإيفيهات" والأغنيات والرقصات، وهو المفهوم الذي وصل إلى أكثر مستوياته تدنيا خلال هذا الموسم في فيلم يدعى "8%" (!!)، يطلقون فيه مصطلح "أغنيات المهرجانات" على مجموعة من أكثر الأصوات نشازا، ويالها من سخرية أن يكون ذلك هو معنى المهرجانات لدينا، وهو لا يكاد حتى أن يصل إلى مجرد التهريج بمعناه المعروف!!
وقد لا يكون ذلك غريبا في سياق توقف عن تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية، فكثيرا ما يصادفك أن تقرأ اسم فلان أو علان مسبوقا بلقب "شاعر" مثلا، بينما أتحدى أن يتذكر حتى أكثر أصدقائه تحمسا بيتا واحدا له، إن استطعنا أن نسمي ما يكتبه "أبياتا"!! لقد وصلنا باختصار في الكثير من قطاعات حياتنا إلى حالة من الانكفاء على الذات، والاكتفاء بها، ليس نتيجة إحساس حقيقي بالتفوق، بل نتيجة لحالة من الجهل العميق، والرضا عن ذلك الجهل، وعدم الرغبة والقدرة على الخروج من هذه الحالة، فقط لأننا لم نعد نسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية.
ولا يكاد لأحد أن يتخيل أن من الممكن أن تصنع سينما – أيا كانت درجة تواضعها – دون أن ترتكز على تراثك السينمائي، بينما يجهل معظم أبناء الجيل الشاب والجيل الذي سبقه وجود سينمائيين كبار لأفلام مصرية ذات مذاق "شعبي" خاص، مثل المخرجين عباس كامل أو حسين فوزي، أو كتاب سيناريو مثل على الزرقاني ومحمد عثمان، أو مديري تصوير مثل عبد العزيز فهمي وعبد الحليم نصر، أو كتاب حوار مثل السيد بدير. لذلك أيضا باتت معظم أفلامنا الجديدة مجرد شرائط منوعات، تفتقر إلى أي امتداد لجذور سينمائية مصرية، وأنا هنا لا أحدثك حتى عن النوعية الأكثر جدية في أفلام توفيق صالح مثلا!!
وحتى التجارب التي تزعم أنها متأثرة بالسينما العالمية، تأتي على شاكلة فيلم "المسافر"، الذي يقال أن وزارة الثقافة المصرية أنفقت عليه عشرين مليونا من الجنيهات، بما كان يكفي لصنع عشرين فيلما لها نفس الطموح العالمي، غير أن "المسافر" ذاته انتهى إلى شريط يزعم الجدية بينما هو يفتقد وضوح الرؤية للشكل والمضمون. وفي التحليل الأخير، فإننا انقطعنا من جانب عن تراثنا السينمائي الشعبي، الذي كان من الممكن البناء عليه وتطويره، كما توقف من جانب آخر تأثرنا بالسينما العالمية عند تجارب أنطونيوني في ستينيات القرن الماضي، وهي سينما تجاوزها الزمن في البلاد التي ولدت فيها.
ومن الحق القول إن هناك عوامل اقتصادية واجتماعية كانت جزءا من أسباب تردي السينما المصرية، فلم تعد هناك لدى الأسرة المصرية ميزانية يمكن أن تنفقها على مثل هذا النوع من الترفيه (بينما يتزايد الإلحاح الإعلاني عن شركات التليفون المحمول)، خاصة أن هذه الأسر باتت من ناحية مثقلة بأعباء أمور أخرى مثل الدروس الخصوصية، ومن ناحية أخرى مترددة في الذهاب إلى دور عرض تقلص عددها إلى درجة لا تصدق، كما تراجع أيضا مستوى الحفاظ على الآداب والانضباط فيها، وهي أيضا الدور المملوكة لعدد قليل جدا من الموزعين، الذين يحتكرون السوق، ويستطيعون لو أرادوا وأد أي تجربة سينمائية جادة.
ولعل هذا يذكرنا بما تواضع البعض على تسميته "السينما المستقلة"، والتي لا تملك شروط الاستمرار والتطور في مثل هذه الظروف، لأن من المنطقي لمثل هذه السينما أن تجد منافذ ونوافذ للوصول إلى المتفرج بعيدا عن سيطرة من يحتكرون سوق العرض، لكن ذلك لم يحدث، لتبقى الأفلام المستقلة – كما تدعى – أقرب إلى التجارب التي لا تختلف كثيرا عن أفلام تخرج الطلبة من معهد السينما، وإن وجدت بين النقاد من يحتفي بها في مبالغة ليست في صالحها. هل تريد سببا أكثر أهمية لترددي في تسميتها "مستقلة"؟ لأنها ببساطة لم تستطع أن تتخلى عن مفهوم أن السينما هي "الفيلم الروائي الطويل"، بدلا من أن ترتاد أرضا جديدة تعرفها صناعات السينما في العالم كله، أرض الأفلام الروائية القصيرة، والأفلام التسجيلية، وأفلام التحريك.
هل يبدو الأمر أكثر قتامة مما ينبغي؟ وهل يعني ذلك أنه لا سبيل إلى الخروج من "أزمة" طالت حتى أصبحت أعراضها الحادة أمراضا مزمنة؟ سوف ألجأ هنا إلى مثلين شعبيين مصريين ننساهما كثيرا: "على قد لحافك مد رجليك"، و"مفيش حاجة اسمها فقر، فيه قلة رأي"!! كل ما نمر به وسوف نمر به ليس شيئا عجبا في التاريخ، وكل صناعات السينما (بل الأمم ذاتها) واجهت أزمات صعبة، واستطاعت الخروج منها، والشرط الوحيد لذلك بالغ السهولة والصعوبة معا: أن تكون حيا!! والحياة تعني عنصرين أساسيين: التراكم، والتكيف. وإن كان لصناعة السينما الهوليوودية من جانب إيجابي فهو تلك الحياة، إنها أولا قادرة على الاستفادة الدائمة من التجارب السابقة، وصنعت ما يسمى "الأنماط الفيلمية"، التي كانت هوليوود تقدم لها تنويعات مختلفة مع تطور الزمن. وهي ثانيا تحاول التكيف مع الظروف الجديدة، ولم تكن هناك أزمة عاشتها هوليوود مثل تلك التي مرت بها مع ظهور التليفزيون والتحول السكاني إلى الإقامة في الضواحي في بداية الخمسينيات، مما أحدث تناقصا سريعا في عدد المتفرجين، فكان ردها الأول تقديم "فرجة" مختلفة عن تلك التي يقدمها التليفزيون، من خلال الشاشة العريضة والألوان، وبناء دور عرض صغيرة في الضواحي، بدلا من قصور السينما الفاخرة في وسط المدينة، لينتهي الأمر بالتعاون مع التليفزيون ذاته لإنتاج الأفلام وعرضها، فيما يشبه الاتفاق بين "الإخوة الأعداء"!اا
وقد يقول البعض: تلك هي هوليوود، بترسانتها الاقتصادية والصناعية والفنية الضخمة، لكني سوف أضرب مثلين آخرين مختلفين تماما، فحين دُمرت الاستوديوهات الضخمة في إيطاليا ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبات الحصول على أفلام خام جديدة أمرا صعبا، أدى التصوير خارج الاستوديو في الأماكن الطبيعية، واستخدام فيلم خام متواضع، بل اللجوء أيضا إلى ممثلين غير محترفين، إلى ظهور أسلوب ومضمون جديدين، عرفا باسم "الواقعية الجديدة" الإيطالية، كما في أفلام من كلاسيكيات السينما العالمية مثل "ماسحو الأحذية" و"سارقو الدراجات". المثل الآخر من البرازيل (وهو الذي تطبقه "إسرائيل" حاليا)، وهو أن تقوم وزارة التعاون الدولي بالحصول على مساهمات ومعونات من كل بلاد العالم، وتخصصها للسينما، وبعد أن كان قد تقلص عدد الأفلام البرازيلية في بداية القرن الحادي والعشرين إلى فيلمين أو ثلاثة، تجاوز الآن وبعد عشر سنوات رقم المائة، ومنها ما يحصد جوائز عالمية مهمة.
وأنا لا أعطي اهتماما كبيرا بنداءات صناع السينما المصرية الآن للدولة أن تتدخل لإنقاذها، لأنهم يريدون الإنقاذ على طريقتهم: مجرد مزيد من ضخ الأموال للمنتجين والموزعين، الذين لن يرضوا بتدخل الدولة لمنع ممارساتهم الاحتكارية، أو حصول بعض السينمائيين "المستقلين" على فرص عابرة لصنع أفلامهم، لكن هل يعني وجود  الأفلام أن هناك "سينما"؟
في الحقيقة أن على الدولة – التي نرجو أن تتعافى قريبا – المسئولية الكبرى في هذا المجال: توفير ميزانيات بالتعاون مع جهات عالمية عديدة تقوم بذلك بالفعل مع بلدان أخرى، وإنفاق هذه الميزانيات على عشرات الأفلام ذات التكاليف المنخفضة (بما في ذلك الأفلام التسجيلية والقصيرة)، وإنشاء نوادٍ لهواة السينما في كل أنحاء البلاد، وتأسيس أرشيف محلي وعالمي للأفلام لعرضها الدائم في مكتبات السينما، وتوفير قنوات توزيع جيدة للأفلام حتى من خلال العرض في التليفزيون مباشرة، وأخيرا إحداث ثورة حقيقية في مناهج تعليم السينما، والاستعانة بخبرات أجنبية تجعل طلبة السينما يبحرون في بحار جديدة، والعودة لإرسال بعثات في كل أنحاء العالم، لعل ذلك كله يوصل ما انقطع بنا في السينما بيننا وبين الجغرافيا والتاريخ، ويجيب لنا عن الأسئلة الجوهرية التي يبدو أننا لم نعد نعرف الإجابة عنها: لمن نصنع الأفلام؟ ولماذا؟ وكيف؟!!
   

Friday, January 24, 2014

هل الجمهور مسئول حقا عن السينما الرديئة؟


اعتاد النقاد السينمائيون المصريون على ذكر حادثة بعينها، لا يدري أحد إن كانت حقيقية أم اختلاقا، ويتخذونها دليلا على رفض الجمهور للسينما الجادة، تلك هي القول الذي يتردد عن أن الجمهور قلب دار العرض رأسا على عقب، بعد انتهاء عرض الحفلة الأولى لفيلم كامل التلمساني الأول، والذي لا يذكر له التاريخ غيره، رغم إخراجه بعض أفلام أخرى، وكان ذلك هو فيلم "السوق السوداء" (1945). وأخذ النقاد يكررون أن الجمهور عجز عن "فهم" الفيلم، الذي يحمل رسالة سياسية قوية، تتحدث عن من حققوا الثراء في زمن الحرب العالمية الثانية، على حساب أغلبية الشعب، بالتجارة في "السوق السوداء". وأنت لا تجد بين الكتابات التي تتناول هذه الواقعة سببا لرد الفعل المزعوم هذا من جانب الجمهور، وهو الجمهور ذاته الذي كان يتلقى بالترحيب والفهم "رسائل" سياسية، حتى في أكثر الأفلام جماهيرية وشعبية. وهكذا لم يتساءل التأريخ ذائع الانتشار للسينما المصرية عن السبب الحقيقي، أو لم يجرؤ أحد على القول به، لأنه سوف يخرج عن التيار السائد، وذلك السبب هو أن فيلم "السوق السوداء" كان سينما ركيكة بالمعنى الحرفى للكلمة، ولا تستطيع أي رسالة – أيا كانت جديتها – أن تجعل من فيلم سيء فيلما جيدا. لكن نتيجة ذلك كله أن ذاعت عبارة "الجمهور عاوز كده"، تبريرا لانتشار أفلام متواضعة في فترات معينة لأسباب محددة، بينما توارت إلى جانبها أفلام تحتشد بالخروج عن المألوف، سواء من ناحية الشكل أو المضمون. لم يطرح أحد ما هو المقصود بـ"كده" في عبارة "الجمهور عاوز كده"، بل الأهم هو عدم تحديد من هو "الجمهور"، وهذا ما أدى ويؤدي إلى الكثير من اختلاط المفاهيم والمعايير، ويؤكد منطق التبرير لا التفسير. فليس هناك في الحقيقة "جمهور" واحد، وأي صناعة سينما ناضجة وراسخة تقسم الجماهير إلى قطاعات، حسب الطبقة والعمر وحتى مناطق السكن، وتتوجه إلى كل قطاع بما يرضي ذوقه، كما أن مثل هذه الصناعات تدرك أنه لا وجود لسينما واحدة، ليس فقط من ناحية الأنواع بين السينما الروائية والتسجيلية والتجريبية وسينما التحريك، ولكن أيضا في تفاوت التعقيد الفني، وأنت في نهاية المطاف لا تستطيع أن تعرض فيلما للمخرج الإيطالي فيديريكو فيلليني، حتى في إيطاليا ذاتها، في دور العرض الجماهيرية التي تعتمد على شباك التذاكر. صناعة السينما الراسخة إذن هي التي تسعى لإرضاء كل الأذواق، بأفلام مختلفة الأشكال والمضامين، ولأنها تعرف جيدا أن السينما هي أكثر الفنون اعتمادا على الجمهور، وعائدات شباك التذاكر، فهي تقدم له مثل هذه الأفلام "مضمونة الربح" (برغم اختلاف النتائج عن التوقعات أحيانا)، كما تصنع سينما أكثر تعقيدا، فيما يسمى "أفلام البرستيج"، التي لا تتوجه إلى الجمهور العريض، بل إلى قطاع محدد منه. والأهم هو أن صناعة السينما الراسخة تستطيع أن ترعى مخرجا يقدم النوعين معا، فمخرج مثل ستيفن سبيلبيرج حقق أرقاما قياسية في شباك التذاكر في وقت عرض فيلمه "الفك المفترس"، لكنه في فترات لاحقة قدم فيلما مهما وغير جماهيري عن عبودية الزنوج في التاريخ الأمريكي في فيلم "أميستاد". كما أن فرانسيس فورد كوبولا، صاحب "الأب الروحي" بأجزائه الثلاثة ذات الجماهيرية العريضة، هو الذي صنع أيضا فيلمه الصادم (والرائع) على مستوى الشكل والمضمون "نهاية العالم الآن"، الذي لم يستطع حتى أن يفوز بالأوسكار الذي اقتنصه منه فيلم تقليدي تماما، هو "كريمر ضد كريمر". بل إن هوليوود أخذت أخيرا اتجاه استيعاب مخرجين غير تقليديين لتقديم أفلام جماهيرية ذات مذاق جديد، يجمع بين التجريب والذوق الجماهيري معا، مثل "باتمان يبدأ"، و"كراش" أو تصادم"، و"بابل"، و"نادي القتال"، وهي جميعا أفلام تتخلى عن أسلوب السرد الذي يمضي بالتتابع الزمني المعتاد، وتصنع تداخلا بين الأزمنة والأماكن، ومع ذلك فإنها تظل قريبة إلى وجدان المتفرج وعقله، لأنها تقدم حلا للمشكلة الأهم في أي سينما، وهي للأسف المشكلة التي لا نعيرها في السينما المصرية التي يسمونها "مستقلة" الكثير من الاهتمام، وهي "كيف تحكي قصة"، والقصة هنا ليست مجرد الحدوتة، بل البناء المتماسك حتى في الأفلام التسجيلية أو التجريبية، وللأسف تكون النتيجة هي تبرير الركاكة السينمائية بأنها سينما "مختلفة"!! وهكذا وجدت السينما المصرية نفسها خلال السنوات الأخيرة مشتتة بين نوعين من الأفلام، أولها هو سينما الفرجة بأكثر المعاني رداءة، بالجمع في شريط سينمائي بين النكات والرقصات والأغنيات فيما لا يشبه الأفلام، بل هو أقرب إلى مسرح المنوعات، مثل "عش البلبل" و"8 %"، أو فرجة تعتمد على أكثر مفاهيم "الأكشن" تخلفا، والذي يعتمد على قدر هائل من الدماء والصرخات وضجيج الصورة والصوت، مثل "ابراهيم الأبيض" و"عبده موتة" و"قلب الأسد". أما النوع الثاني فهي السينما التي تخلو من أقل قدر من التشويق (بحجة الاختلاف)، مثل "فرش وغطا" أو "الشتا اللي فات". وكالعادة، فإن النقاد يكيلون المديح لهذا النوع الثاني، بينما ينهالون بالتقريع على النوع الأول، ويرمون بالاتهام على الجمهور، الذي هو "عاوز كده"!! إن هذا التناقض الذي لا يمكن أن يجد حلا في ظل تلك الثنائية، لم تعرفه السينما المصرية إلا مؤخرا، ولابد لنا لكي نعرف الأسباب الحقيقية لسيادة أفلام جماهيرية ركيكة، أمام أفلام غير جماهيرية لكنها ركيكة أيضا، أن ندرك أن ذلك كان بسبب سياق سياسي واقتصادي واجتماعي كامل، أقام حاجزا مصطنعا بين الجماهير ومن أطلقوا على أنفسهم لقب "الصفوة" أو "النخبة" (ولن تعرف أبدا من اصطفاهم أو انتخبهم)، وبسبب تراجع الطبقة الوسطى التي هي عماد أي صناعة سينما جادة وقوية، وبسبب تداعي أماكن العرض وتقلصها. لم يكن ذلك هو حال السينما المصرية منذ منتصف القرن العشرين وحتى نهاية الثمانينيات، فخلال ما أسميه "العصر الذهبي" للسينما المصرية في الخمسينيات والستينيات، كنت تجد أفلام اسماعيل ياسين الجماهيرية جنبا إلى جنب أفلام صلاح أبو سيف وتوفيق صالح، وأفضل أفلام بركات مثل "دعاء الكروان" أو "الحرام"، وفيلم عاطف سالم "أم العروسة". وكانت تلك أيضا الفترة التي تبلورت خلالها أنماط فيلمية مصرية ذات مذاق خاص وتتمتع بالجماهيرية، مثل أفلام "الأكشن" والفتوات عند نيازي مصطفى، وأرقى أنواع الكوميديا عند عباس كامل وفطين عبد الوهاب، والسينما الاستعراضية الغنائية عند حسين فوزي، وأفلام التشويق البوليسي عند كمال الشيخ. وهذا ما تكرر على نحو ما خلال الثمانينيات، فعادل إمام قدم أفلاما خفيفة عديدة ذات جماهيرية ساحقة، كما كان بطلا في فيلم رأفت الميهي "الأفوكاتو" وفيلم محمد خان "الحريف". وفي تلك الفترة دخلت إلى سوق صناعة السينما المصرية شركات إنتاجية، استطاعت أن ترعى مخرجين جادين من جيل خيري بشارة وداود عبد السيد وعاطف الطيب وغيرهم، ولم يكن غريبا أن شركة "العدل جروب"، بل شركة "أفلام السبكي"، قدمتا في هذه الفترة أفلاما لم تكن جماهيرية بالمعنى المألوف، مثل "حرب الفراولة" أو "الرجل الثالث"، وهي الشركات ذاتها التي تحجم اليوم عن مثل هذه المغامرة، أو أنها أصبحت علامة على السينما المبتذلة، مثلما هو الحال مع أفلام عائلة السبكي. هل كان الجمهور حقا هو السبب في تلك التحولات؟ أم أن هذه الجماهير – على اختلاف مستوياتها – هي التي تعرضت لتحولات عميقة وكاسحة معا؟ وكان أهم هذه التحولات هو أن السينما لم تعد كما كانت دائما، وكما هي بالفعل في معظم بلدان العالم، من وسائل الترفيه الأساسية للطبقة الوسطى، فكان أن انصرف أبناء هذه الطبقة عن السينما، التي أصبحت في معظم الأحوال نوعا من "شوادر الموالد" أو السيرك. كما انسلخ قطاع آخر اعتبر نفسه مختلفا، ليقدم سينما فاترة لا تتوجه إلى أي جمهور. وهل نحن بحاجة دائمة للتذكير بكارثة فيلم "المسافر"، الذي أنفقت عليه وزارة الثقافة المصرية عشرين مليونا من الجنيهات، بينما لم يحقق من العائدات أرقاما تتخطى الآلاف؟ لكنك لن تعدم أن تجد من بين النقاد من يشيد بهذا الفيلم، الذي أتحدى أن يكون هناك أحد قد فهمه أو استمتع به، ليس بسبب عمقه، وإنما بسبب ركاكته البالغة. وبعد ذلك كله يلقون باللوم على الجمهور!! لكن تلك ليست أبدا مشكلة الجمهور، الذي يريد في النهاية أن يشعر بـ"المتعة"، بل إنها مسئولية السينمائيين والمسئولين عن صناعة السينما، الذين فقد بعضهم إيمانه بالسينما، بينما فقد بعضهم الآخر إيمانه بالجمهور!!

Saturday, January 18, 2014

تأملات نقدية فى الثورة المصرية


لا شىء يولد من لا شىء، ذلك أحد قوانين الوجود والتاريخ، والواقع الذى يولد الآن هو ابن واقع ولد قبل عقود، وهو الذى سوف يلد بعد عقود أخرى واقعا جديدا. لعلى أجازف الآن بالخروج عن التيار السائد الذى يحتفى بثورة الشعب المصرى، ويردد أقوالا بأن مصر قبل 25 يناير غيرها بعدها، وأن "الشباب" أكثر حكمة من الشيوخ، فبرغم ما فى هذه الأقوال من بريق فإنها تنذر بالابتعاد عن النظرة التاريخية التى تضع الأمور فى سياقها. ولا أدرى إن كان من الأمور الملحة أن يدعى أحد أو جيل أو فصيل أو فئة أنهم وحدهم أصحاب الثورة، وبالتالى فهم الأولى باغتنام مكاسبها. فمن السابق لأوانه بكثير أن نتحدث عن غنائم (وليس هناك أسوأ من الحديث عن الثورة بهذا المفهوم)، ناهيك عن اعتقادى الذى أكرره مرة أخرى: لا شىء يولد من لا شىء. نعم، لم يستطع أى منا أن يتنبأ بأن تحدث الثورة على هذا النحو الجارف، وأن تنتصر الإرادة الشعبية والسلمية على الأدوات القمعية والفاشية لنظام كان قد قرر أنه لن يسلم الوطن لأصحابه إلا محترقا، لكن هذا "العناد" الغبى والأبله من جانب النظام قابله "إصرار" عاقد العزم من جانب الجماهير. وبرغم عدم قدرتنا على التنبؤ بما حدث وما سوف يحدث، فإننا نستطيع على الأقل تحليله وقراءة ما يمكننا أن نفعل فى المستقبل القريب. يحلو للبعض منا – خاصة من جيل الكهول والشيوخ - أن يعترف فى نوع من المازوكية بالتقصير، وبالإذعان لسلطة قمعية مارست كل أنواع المهانة والهوان للشعب. لكن هل بمثل هذه البساطة ننسى كيف انتهى بنا الأمر إلى ذلك؟ إننا لو نسينا فسوف نتعرض مرة أخرى لنفس ما تعرضنا له. وإذا كنت لا أدعى أبدا فهم السياسة، كما أننى لم ولن أفكر يوما فى ممارستها والانخراط فيها، فقد كنت على الأقل "شاهدا" على الفترة التى تعرّض فيها الشعب المصرى لمؤامرة بالمعنى الحقيقى للكلمة، برغم أن البعض منا كان يسخر من اللجوء إلى نظرية المؤامرة، وإن كان هذا ذاته جزءا من مؤامرة. سوف يحكى التاريخ يوما، وبقدر أكبر من الحياد، عن هذه الأجيال السابقة واللاحقة، ويربط الأحداث ببعضها فى سياق متصل، وهذا ما أحاول أن أفعله الآن دون الزعم بأننى أملك فهما جاهزا له، بل إن كتابتى هذه ليست إلا محاولة للفهم، ولعلها تنجح أو تخفق، لكن ذلك لا يثنينى عن المحاولة. إننى أتذكر الآن كيف تمت سرقة انتصار أكتوبر، على الأقل فى قدرته على إعادة الإيمان لنا بقدرتنا على الفعل، ليسلِّم نظام السادات إلى أمريكا "كل أوراق اللعبة"، ويقنعنا بدور المتفرج على لعبة القمار السياسية بأقدارنا. ولأن السياسة وحدها لا تستطيع تحويل مجرى الصراع بيننا وبين عدونا الأول إسرائيل، على الأقل بين عشية وضحاها، فقد استخدم السادات ووريثه مبارك سلاح الاقتصاد ليجعل الشعب المصرى يركع ويذعن، ويبتلع الهزيمة مرة بعد أخرى. وإذا كانت الأوهام التى حاول النظام إشاعتها بيننا قد نجحت فى ذلك الحين فى التأثير فى قطاع كبير من أبناء جيلى، فإن هذه الأوهام ما تزال سائدة بين الجيل الشاب الذى يحاولون تحجيمه الآن من خلال تضخيمه بالقول بأنه الذى قام بالثورة وحده. من هذه الأوهام وُضع كل التاريخ المصرى (منذ قيام ثورة يوليو) فى سلة واحدة، لا فرق بين نظام عبد الناصر الوطنى ونظام السادات ومبارك القائم على التبعية والقيام بدور "السمسار" لأمريكا وإسرائيل. أضف إلى ذلك أيضا وهم أن ضعف الاقتصاد المصرى نتج عن حروبنا مع العدو الصهيونى، وإيهام الأجيال الشابة – التى لم تحضر فترة الصراع – بأن مصر كانت خرابا آنذاك. إننى لا أقول ذلك تمجيدا لفترة عبد الناصر، فالتاريخ لا يعود أبدا إلى الوراء، وسياق الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى يختلف بالتأكيد عن السياق المعاصر، وبعض أحلامنا الماضية تختلف عن أحلام الجيل الشاب، لكن ما أريد أن اقوله هو أننا فرطنا فى "الثوابت" التى بدأت حتى قبل عبد الناصر ففقدنا الاتجاه، وأرجو أن نستعيده مرة أخرى لنصنع المستقبل على أرض راسخة. فقد جيلى الاتجاه لأنه حورب فى أبسط احتياجاته الأساسية: التعليم والعلاج والعمل والمسكن. قيل لنا وصدقنا – وأخشى أن يستمر هذا المفهوم – أن "الحكومة ليست ماما"، وفى نفس الوقت قيل لنا أن "رئيس الجمهورية هو بابا"، وياله من تناقض!! تهاوت الحواجز بين الدولة والحكومة، وأصبح الوطن أرضا تباع وتُشترى وتُقدر قيمته بثمن المتر!! وكان علينا أن نمضى فى طوفان عارم ومصنوع ببراعة ليس أمامنا فيه إلا أن نبحث عن أن نطفو وينجو كل منا بجلده وبطريقته، نبحث لأبنائنا عن فرصة تعليم فى مدارس خاصة، لأن ما قدمه عبد الناصر لأفقر الفقراء من تعليم مجانى - تطبيقا لمقولة طه حسين الشهيرة - أصبح سياسة شمولية، ولا نجد العلاج إلا عند تجار الطب الذين يرتعون بلا ضابط أو رابط، ونسعى للبحث عن عملين أو ثلاثة لمجرد توفير هذه الحاجات الأساسية، ونتغرب سنوات حتى نجد مسكنا أصبح معرضا فيما بعد لأن تقوم الحكومة بتأجيره لنا تحت اسم الضرائب العقارية، ويهتم كل منا بأن تكون له سيارته الخاصة لأنه لم يعد هناك ما يسمى بوسائل النقل العام الموجود فى كل دول العالم، لكنهم عندنا قد ربطوا بين أى قطاع عام وبين الاشتراكية البغيضة كما صوروها لنا. من هذا السعى المحموم للآباء والأمهات لتوفير الحاجات الأساسية للأبناء، وتجنيبهم بقدر الإمكان المصاعب التى واجهها جيل الكهول والشيوخ، خرج الجيل الشاب متحررا إلى حد ما من هذه العبودية التى تم فرضها علينا قطعة وراء أخرى، بطريقة أطلقتُ عليها فى مقالات سابقة "عوامل التعرية" النفسية. تأمل مثلا كيف بثوا فينا أخلاقيات القمار بالمعنى الحرفى للكلمة، بدءا من البورصة الوهمية التى جرّت إليها البسطاء الذين لا يفهمون فيها لكنها تعطيهم الحلم بربح ليس من ناتج العمل، تماما ككل مسابقات التليفونات وبرامج التليفزيون التافهة، مع غسيل مخ يومى بأن "مصر فوق الجميع"، و"مالناش دعوة بالعرب"، و"الفلسطينيين يستاهلوا اللى جرى لهم"، سواء فى صحف ومجلات وبرامج تليفزيونية ربما تخجل إسرائيل ذاتها عن أن تكرر ما فيها من غثاء سافل. وربما لا يعرف الجيل الشاب أسماء مثل عصمت سيف الدولة، أو فؤاد مرسى، وعشرات غيرهم ناضلوا طويلا من أجل فضح سياسات السادات ومبارك، وقد أشرت فى إحدى مقالاتى منذ شهور قليلة إلى كتابات الدكتور فؤاد مرسى فى جريدة الأهالى منذ الثمانينيات عن وهم الإصلاح الاقتصادى، وهى الكتابات التى ما تزال تنطبق على اللحظة الراهنة، وفى المقابل كانت أحزاب المعارضة تتراجع، فى مؤامرة لتسليمها إلى السلطة، مما جعل أسماء أخرى تتراجع (دائما أتذكر فى هذا السياق الدكتور جودة عبد الخالق، فهو من أكثر محللى الاقتصاد وضوحا وبساطة، لكننى لم أعد أجده كثيرا)، كما ذوت مطبوعات هذه الأحزاب واختفى بعضها (حتى الآن لا أدرى سبب اختفاء مجلة "اليسار" مثلا). لقد كانت أجنحة الوطن يُنزع عنها الريش، ولا تبقى إلا محاولات فدائية مستميتة، بعضها من أساتذتى وأصدقائى فى هذه الجريدة، والأخرى متناثرة مثل كتابات الراحل مجدى مهنا. لماذا أذكر هذا كله الآن؟ مرة أخرى لأن لا شىء يولد من لا شىء، فقد كانت روح المقاومة لا تذوى أبدا تحت الرماد، ومن خلال أحداث مرت بنا كان اللهب يزداد شيئا فشيئا، بدءا من مظاهرات المدارس تأييدا للانتفاضة الفلسطينية فى أواخر التسعينيات، ومرورا بتجرع مرارة العجز مرة أمام الاحتلال الأمريكى للعراق، ومرة أخرى أمام العدوان الإسرائيلى على غزة، مع حركات الرفض مثل كفاية، و6 أبريل، وإضراب موظفى الضرائب العقارية (بقيادة صديقى الذى لا يعرفنى شخصيا كمال أبو عيطة)، وكل حركات الاحتجاج الفئوية على الظلم الاجتماعى، وأكاد أجزم أن حادث كنيسة القديسين – الذى دبرته السلطة فى يقينى للإلهاء عن مهزلة سرقة الانتخابات الأخيرة – أضاف مرارة أخرى إلى مرارة تجرع صلف أحمد عز فى تنظيره الممجوج لسطو عصابته على حق تمثيل الشعب فى الانتخابات الأخيرة. من كل تلك الحركات والمرارات، بالإضافة إلى الشعور الأكثر مرارة بأنه ليس لدينا وطن ودولة بالمعنى الحقيقى للكلمة، اندلعت شرارة الاحتجاج، الذى تحول إلى ثورة فى مواجهة بلادة نظام قال عنه أستاذنا هيكل منذ أكثر من عشر سنوات أن الشيخوخة قد تملكت من أوصاله. لذلك كله أعتقد أنه من الخطأ ترويج أسطورة ثورة الشباب، وهو الخطأ الذى سوف يتبعه محاولة استقطاب بعض عناصر شابة لتدخل مؤسسة النظام، وتتكرر مآسى سابقة عانينا منها مع جيل الستينيات والسبعينيات الذى دخل بعض أفراده دائرة الفساد الساداتى والمباركى، ليصبحوا أسوأ ما فى النظام. النمل وأشباهه وحدهم هم الذين يكررون التاريخ ولا يتعلمون منه، لذلك ينبغى ألا يكون الهدف هو الاختيار بين البرادعى وأيمن نور وحمدين صباحى وأحمد زويل وما يستجد من أسماء ليكون رئيسا لجمهورية مصر، فليست القضية هى مساعدة شخص مثل محمد على ليكون واليا علينا كما حدث فى بداية القرن التاسع عشر، لكن الأهم هو أن يكون لنا "وطن"، ومؤسسات، وعقد اجتماعى عادل، وحرية تعبير حقيقية، وحقوق لا خلاف عليها فى التعليم والعلاج والعمل والمسكن، ولن يأتى هذا إلا إذا أطلقت الحريات السياسية الكاملة ليس فى إنشاء الأحزاب فقط وإنما فى ممارسة العمل السياسى فى كل مكان. الطريق طويل، لكن هناك علامات له، وبرامج وخططا وأهدافا، ولا أدرى لماذا – على سبيل المثال لا الحصر – لا نراجع ورقة الدكتور محمد غنيم بشأن الإصلاح، وإذا كنا قد نسيناها فذلك دليل على الخطأ الذى نكرره بأن نبدأ فى كل مرة من نقطة الصفر من جديد، وسوف تكون حجتنا هذه المرة أنها ثورة الشباب، وعلى الكهول والشيوخ أن يتراجعوا إلى خلفية الصفوف. وبرغم أن التحمس للشباب يبدو ذا بريق خاص فإنه يعنى أننا ما نزال بعيدين عن مفهوم المؤسسات بمعناها الأصيل، فالأسماء والأعمار – أو أى فوارق أخرى – ليست هى المعيار، والمهم هو القدرة على العطاء، ولنتذكر دائما أن من يتولى مهمة ليس إلا موظفا لدى أصغر وأفقر مواطن فى مصر، الذى يملك الحق – إن لم يحصل على حقوقه المشروعة – أن ينحى رئيس الحى أو المدينة، ونائب مجلس الشعب، ورئيس الوزراء، ورئيس الجمهورية، من خلال صندوق الانتخاب الذى تتوفر كل الضمانات لعدم التلاعب به. بل إن المعركة الأصعب هى أن بقايا النظام ما يزال يتمسك بطريقته السلطوية الأبوية، وهو ما يبدو على سبيل المثال فى خطاب رئيس الوزراء أحمد شفيق، الذى يبدو أن أمامه بعض الوقت لكى يتعود على محاسبتنا له، وليس لكى نتعود نحن على أن نبقى مستمعين متفرجين على بياناته التى لا تخلو لهجته فيها ومضمونها من قدر غير قليل من صلف النظام القديم. تبقى بعض الأوهام التى يجب علينا أن نتخلص منها سريعا، بعضها يشبه سعادة الوقوع تحت تأثير مخدر، مثل القول بأننا شعب مختلف عن كل شعوب العالم، فوجه الاختلاف الوحيد هو قدرتنا على الضحك فى أكثر اللحظات قتامة (تأمل مثلا الشعارات المرفوعة وسط توتر الثورة)، لكن أسباب نهضة الشعوب واحدة فى كل مكان، وهى تبدأ دائما بتعزيز شعور الانتماء إلى وطن، والوطن ليس كلمة أو مفهوم مجرد، وإنما هو بيت وأسرة وحياة يومية كريمة. أما الوهم الأخطر من وجهة نظرى فسوف يكون الاكتفاء بالوقوف فى ميدان التحرير دليلا على الوطنية والعبقرية، وفى مجالى الوحيد الذى أنتمى إليه (النقد السينمائى) أتوقع أن أجد مخرجين وممثلين وكتاب سيناريو يقدمون أعمالا متواضعة، ويكشرون فى وجهك قائلين أنهم كانوا مع الثورة!! الثورة الحقيقية يا قارئى العزيز هى أن نتعلم منذ الآن كيف يتقن كل منا ما يصنعه، ويعود تفاعلنا مع العالم بعد أن اكتفينا بنفسنا وجهلنا طويلا، وكما ثرنا على نظام قمعى سرق منا أحلى سنوات عمرنا، يجب أن نثور أيضا على الضحالة والتفاهة والانكفاء المقيت على الذات ... لذلك فإن الثورة قد بدأت، لكنها لم تنته بعد.