Thursday, February 13, 2014

الأغنية السينمائية من الطفولة إلى النضج


كثيرا ما تتهم السينما المصرية بأنها كانت أسيرة لضرورة احتوائها على أغنيات، مما يقطع تدفق خطها الدرامي، وقد يكون ذلك صحيحا في بعض الحالات، لكنه ليس دقيقا تماما، لأن الأفلام والأغنيات دخلت معا في علاقة حميمة، أثرت فيها كل منهما على الأخرى، وكما شهدت السينما المصرية تطورا في مسيرتها، عاشت الأغنية نوعا مماثلا من التطور، ناهيك عن الخصوصية التي تتمتع بها السينما المصرية في هذا المجال. وليس غريبا أن تكتشف أن ذلك كان أيضا حال العلاقة بين السينما والأغنية في الأفلام الغربية، ويكفيك أن تراجع العناوين الأخيرة للأفلام الأمريكية على سبيل المثال، لتكتشف أنها احتوت على العديد من الأغنيات. كما أننا نعرف جميعا ذلك الارتباط الحميم بين السينما والأغنية في الأفلام الهندية أيضا.
ولكي ترى هذا التطور بقدر من الوضوح، دعنا نتأمل كيف أن الأغنية السينمائية قد تطورت خلال عقد واحد من الزمن. في فيلم محمد عبد الوهاب "يحيا الحب" (1937) أغنية "عندما يأتي المساء"، التي تقطع السرد تماما، ويمكنك أن تحذفها دون أن تفتقد شيئا، يغنيها عبد الوهاب وقد وضع يديه في جيبي سرواله، كما أن الصورة السينمائية اكتفت بالترجمة البصرية الساذجة للكلمات، فهي تعرض ما يفترض أنه سماء ونجوم، لكن الأهم هو أن أداء عبد الوهاب لم يخلُ من التطريب الصرف، مع تكرار سطور الأغنية. اختفى هذا التكرار بشكل جزئي في أغنية "حنانك بيا ياربي" من فيلم "رصاصة في القلب" (1944)، وإذا كان المطرب ما يزال يقف في بدلته الكاملة، فإن أداءه يقترب من دراما التعبير عن حيرة الحبيب الذي اكتشف أن محبوبته ليست إلا خطيبة صديقه. وسوف تجد مقارنة مشابهة مع أم كلثوم، بين أغنية "يا ليل نجومك شهود" من فيلم "وداد" (1936)، وأغنية "يا صباح الخير" من فيلم "فاطمة" (1947).
وسوف نقتصر الآن على شكل من الأغنية السينمائية، هو الأغنية الفردية، لنتأمل فيما بعد الأشكال الأخرى. وفي مثال طريف يوضح ذلك التطور، يغني عبد الحليم حافظ "يا سيدي أمرك" في فيلم "ليالي الحب" (1955)، في موقف يفترض فيه أنه مضطر لإرضاء رجل عجوز مرتبط بالغناء القديم، وتظهر قدرة عبد الحليم على أداء الأدوار والموشحات القديمة، مع كلمات ساخرة من نوع "خايف أقول على قد الشوق لتطلع روحي"، أو "وبأغني قديم وأنا إيه ذنبي، أعمل لك إيه يانا ياغلبي"!! لكن المفارقة كانت أن عبد الحليم (مع فريد الأطرش) ظل مرتبطا بالتطريب حتى في أفلامه وأغنياته الأحدث، من "الخطايا" (1962) وحتى "معبودة الجماهير" (1967)، فقد كانت أغنيات هذه الأفلام، مثل "الحلوة" أو "قل لي حاجة" أو "أحضان الحبايب" أو "الهوى هوايا"، أسيرة في أغلب الأحيان لاصطناع موقف للأغنية، التي ظلت طويلة بلا داعٍ، ولا تخلو من التكرار.
المفارقة الأهم هي أن التطوير حدث مع ما يمكن أن نسميهم مطربين أكثر شعبية، مثل عبد العزيز محمود ومحمد فوزي وكارم محمود، ولعلك تلاحظ أنهم في معظم أفلامهم أدوا شخصيات كانت غريبة على السينما من قبلهم، نجار أو سائق قطار أو بائع جرائد، كما أن أغنياتهم أصبحت أقصر وبلا تكرار، ودخلت عليها إيقاعات أكثر معاصرة مثل السامبا أو الرومبا أو التانجو (بينما كان لإيقاع الفالس تاريخ ممتد في الموسيقى الكلاسيكية العربية). ولعل المثال الأوضح على ذلك أغنية عبد العزيز محمود "شباك حبيبي" من الفيلم الذي يحمل ذات الاسم (1951)، فالمطرب يغني الأغنية في ورشة نجارته، وهو يصنع شباكا لحبيبته، وتصبح الأغنية هي مشهد نزول العناوين أيضا، مصحوبة بكل تفاصيل مراحل صنع الشباك وتركيبه، مع كلمات رقيقة قد تفتقدها تماما في أغنياتنا المعاصرة، مثل "يا ضرفتين من تيه ودلال"، أو "ما لوش في دنيا الحب نظير، ندرن عليا إن نلت مرامي، لأعمل ستايره حرير في حرير". وفي نفس الفترة تقريبا يغني فوزي "ليا عشم وياك يا جميل" مخاطبا الحصان الذي تقتنيه حبيبته، التي تهوى تربية الخيول، في فيلم "ورد الغرام" (1951)، كما يغني كارم "أمانة عليك يا ليل طول" في فيلم "عيني بترف" (1950)، وهو لا يدري أن محبوبته بائعة الفجل (تحية كاريوكا) ترقص على ألحانه.
ولعل التطور يظهر أكثر وضوحا في أغنيات المطربات، اللائي جاء الكثير منهن من البلاد العربية، خاصة سوريا ولبنان. إن سعاد محمد تغني قصيدة بالفصحى في فيلم "أنا وحدي" (1952)، تعتمد تماما على بلاغة وبساطة كلمات صالح جودت وألحان السنباطي، بما يذكرك بأغنية "أصون كرامتي" قبل خمس سنوات فقط في فيلم "فاطمة"، مع أم كلثوم ورامي والسنباطي. كما تغني سعاد محمد في نفس الفيلم أغنية خفيفة الظل، هي "القلب واللا العين" لمأمون الشناوي ومحمود الشريف، هذه المرة في تلميح لعلاقات الحب التي كانت تتشكل في سياق الدراما. وتلك هي خفة الظل ذاتها التي تراها وتسمعها من نجاح سلام في فيلم "دستة مناديل" (1954)، لفتحي قورة وكارم محمود، وهي أغنية "صبح الصباح"، التي يبرع المخرج عباس كامل في ترجمتها بصريا مع طقوس الصباح اليومية، من بائع الفول المدمس إلى إعداد مائدة الإفطار وحتى ارتداء الملابس، كما تحتشد الأغنية بكلمات بالغة الرقة والبساطة معا: "تبارك الخلاق، مقسم الأرزاق، إذا أراد أو شاء، تفرج بإذن الله"، أو "سر الحياة في الكون، تشهد على قدرتك، تقول له كن فيكون، وتديره بحكمتك".
كانت تلك كلمات فتحي قورة، الذي كتب أغلب أغنيات الأفلام المصرية على اختلاف أنواعها، ولتقارن ذلك مثلا مع أغنية شادية "إن راح منك يا عين" في فيلم "إرحم حبي" (1959)، والتي تعبر عن مرارة فقدان الحبيب الذي هجر، والتوعد له بالويل والثبور. كذلك الأغنية الفريدة في السينما المصرية على الإطلاق، والتي تغنيها هدى سلطان في فيلم "امرأة في الطريق" (1958) بعنوان "يا صابر"، والتي برع فيها الملحن منير مراد في استخدام طبقة صوت منخفضة، تغوي بها المرأة حبيبها (رشدي أباظة)، ويصورها عز الدين ذو الفقار باستخدام تناقض حاد بين النور والظلام.
وإذا كانت صباح تحتل مكانة قوية في الأغنية السينمائية المصرية على اختلاف أنواعها، فهي أيضا التي قدمت شكلا جديدا مع صلاح جاهين وسيد مكاوي في أغنية "أنا هنا يا ابن الحلال" في فيلم "العتبة الخضراء" (1959)، وهو شكل يعتمد على البساطة الشديدة، التي تعكس دلال الفتاة المصرية حين تمزج بين التصريح والتلميح في حبها، "با أحلم بعش، أملاه أنا، سعد وهنا، وأنا هنا، يا ابن الحلال". تلك هي البساطة ذاتها التي سوف يأخذها جاهين، هذه المرة مع كمال الطويل، إلى مدى أبعد في أغنية سعاد حسني "يا واد يا تقيل" من فيلم "خللي بالك من زوزو" (1972)، لكن هذا الثلاثي سوف يقدم في فيلم "شفيقة ومتولي" (1978) أغنية عميقة السخرية والمرارة، هي "بانوا على أصلكو بانوا"، التي تنقد مجتمعا ذكوريا، يخفي أخطاءه وخطاياه بقمع المرأة واستغلالها.
هناك أخيرا استخدامات متفردة للأغنية في السينما. ولعل أشهرها أغنية سيد اسماعيل "يا صحرا المهندس جاي" من فيلم صلاح أبو سيف "الصقر" (1950)، فللوهلة الأولى تبدو الأغنية ترحيبا بتعمير الصحراء (وكانت تذاع في الإذاعة بهذا المعنى)، لكنها في سياق الفيلم تعبر عن غفلة أصحاب الأرض، الذين تركوا الأجنبي يتسلل إليها تحت هذا الزعم. بل إن ممثلين (غير مطربين) قدموا أغنيات سينمائية مهمة، وربما لا يعرف الكثيرون أغنية محمود الجندي "أهي دنيا" من فيلم "المرشد" (1989)، لسيد حجاب وعمار الشريعي، والتي تعبر عن "فلسفة" الهامشيين، الذين لا يملكون شيئا سوى التحايل على الحياة، وقد يبدون مستسلمين لكنهم يخفون تمردهم تحت السطح: "الدنيا دي إيه غير بتاعة، والناس دي عبارة عن بتوع، فيه ناس واكلينها بالنطاعة، وقال إيه عايزينا نبقى طوع"!!
لكننا لا يمكن أن ننسى أغنية عبد المنعم مدبولي في فيلم "مولد يا دنيا"، بأداء تمثيلي بالغ الرهافة والبراعة، لشخصية سائق الحنطور الذي تجاوزه الزمن ليصبح معدما وحيدا. وبكلمات مرسي جميل عزيز وألحان كمال الطويل وإخراج حسين كمال، تتحول المناجاة الذاتية التي ترثي الحال إلى أغنية: "إحنا اللي كانوا الحبايب، بيسافروا بينا القمر، بقينا أنتيكة، دقي يا مزيكا.... طيب يا صبر طيب".
لقد ظُلمت السينما المصرية كثيرا، باتهامها بحشر أغنيات، لكن الحقيقة أنها كانت تقوم في أحيان كثيرة بتوظيفها على نحو له خصوصيته بين صناعات السينما الأخرى، وليس من الضروري أو من المفيد أن تبحث لمثل هذا التوظيف عن تعريف، يطابق ما هو موجود في السينما الأمريكية على سبيل المثال، وهو الأمر الذي يتأكد مع أشكال أخرى عديدة للأغنية السينمائية في السينما المصرية.                                       

Sunday, February 02, 2014

السينما لمن؟ ولماذا؟ وكيف؟

(تم نشر هذه المقالة فى مجلة "الهلال"، فبراير 2014)
هل هي أزمة سينما؟ أم أزمة وطن؟ وهل يمكن أن نفصل ما حدث للسينما المصرية من حالة متردية خلال العقود الأخيرة، عن التردي الأعم والأشمل في نواحٍ كثيرة من حياتنا؟
ربما بدا للقارئ أن من الغريب أن تحتوي السطور التالية على كل هذا الكم من علامات التعجب والاستفهام، لكنه التعجب والاستفهام اللذان ينبعان من أننا نتحدث منذ سنين عن أزمة، دون أن نرى أننا في طريقنا لحلها، كما ينبعان أيضا من أنهما يتناولان أمورا باتت بدهية لأي صناعة سينما في أي بلد من بلدان العالم، وأخيرا فإنهما ينبعان من الخطأ القاتل الذي نعيش فيه منذ عقود، بأننا لا نتعلم أبدا من أخطائنا وتجاربنا، أو من تجارب الآخرين!
دعنا في البداية نصف حال السينما المصرية في الآونة الأخيرة، وأكاد أقول في السنوات القادمة أيضا إن لم نتدارك الهوة التي نسير نحوها. إنها ببساطة السينما التي تعيش الآن خارج الجغرافيا، وخارج التاريخ. خارج الجغرافيا لأن السينما المصرية كانت يوما مركزا لصناعة السينما في العالم العربي كله، ولم يكن غريبا أن تحتوي معظم أفلامنا القديمة على استعراض غنائي، يمثل رحلة افتراضية في بلدان عربية مختلفة، فقد كانت هذه الأفلام تعرض في أنحاء العالم العربي، كما كانت تمثل القوة الثقافية الوحيدة التي جعلت من العامية المصرية مفهومة لدى العرب جميعا. الآن باتت أفلامنا تتحدث عن الواقع المصري باعتباره متحفا فولكلوريا لكل أنواع العاهات البشرية، لا فرق بين أفلام السبكي التي تواجه النقد والانتقاد دائما مثل "الفرح" وحتى "عبده موتة" وأشياء أخرى، وأفلام تدعي أنها أكثر وعيا، سواء من ناحية الأسلوب مثل "ابراهيم الابيض"، أو من ناحية المضمون السياسي مثل "حين ميسرة"!
وباتت السينما المصرية أيضا خارج التاريخ، لأن السينما – كوسيط ورسالة – تغيرت في العالم كله خلال النصف قرن الأخير. ففي الوقت الذي تُصنع فيه الأفلام بأكثر الوسائل الرقمية تطورا، لكي تتوجه إلى كل قطاعات المجتمع، بل أصبح من الميسور صناعة الأفلام بشكل فردي، وهو الحلم الذي راود السينمائيين طويلا بأن تصبح الكاميرا معادلا للقلم في يد الشاعر أو الروائي، أو حتى عالم الأنثربولوجيا، ما تزال السينما لدينا قابعة عند الشكل المبتذل لأكثر أنواع الأفلام ترديا، بمفهوم التسلية الذي يعني مجرد "الفرجة" على مجموعة من النمر، تتضمن "الإيفيهات" والأغنيات والرقصات، وهو المفهوم الذي وصل إلى أكثر مستوياته تدنيا خلال هذا الموسم في فيلم يدعى "8%" (!!)، يطلقون فيه مصطلح "أغنيات المهرجانات" على مجموعة من أكثر الأصوات نشازا، ويالها من سخرية أن يكون ذلك هو معنى المهرجانات لدينا، وهو لا يكاد حتى أن يصل إلى مجرد التهريج بمعناه المعروف!!
وقد لا يكون ذلك غريبا في سياق توقف عن تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية، فكثيرا ما يصادفك أن تقرأ اسم فلان أو علان مسبوقا بلقب "شاعر" مثلا، بينما أتحدى أن يتذكر حتى أكثر أصدقائه تحمسا بيتا واحدا له، إن استطعنا أن نسمي ما يكتبه "أبياتا"!! لقد وصلنا باختصار في الكثير من قطاعات حياتنا إلى حالة من الانكفاء على الذات، والاكتفاء بها، ليس نتيجة إحساس حقيقي بالتفوق، بل نتيجة لحالة من الجهل العميق، والرضا عن ذلك الجهل، وعدم الرغبة والقدرة على الخروج من هذه الحالة، فقط لأننا لم نعد نسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية.
ولا يكاد لأحد أن يتخيل أن من الممكن أن تصنع سينما – أيا كانت درجة تواضعها – دون أن ترتكز على تراثك السينمائي، بينما يجهل معظم أبناء الجيل الشاب والجيل الذي سبقه وجود سينمائيين كبار لأفلام مصرية ذات مذاق "شعبي" خاص، مثل المخرجين عباس كامل أو حسين فوزي، أو كتاب سيناريو مثل على الزرقاني ومحمد عثمان، أو مديري تصوير مثل عبد العزيز فهمي وعبد الحليم نصر، أو كتاب حوار مثل السيد بدير. لذلك أيضا باتت معظم أفلامنا الجديدة مجرد شرائط منوعات، تفتقر إلى أي امتداد لجذور سينمائية مصرية، وأنا هنا لا أحدثك حتى عن النوعية الأكثر جدية في أفلام توفيق صالح مثلا!!
وحتى التجارب التي تزعم أنها متأثرة بالسينما العالمية، تأتي على شاكلة فيلم "المسافر"، الذي يقال أن وزارة الثقافة المصرية أنفقت عليه عشرين مليونا من الجنيهات، بما كان يكفي لصنع عشرين فيلما لها نفس الطموح العالمي، غير أن "المسافر" ذاته انتهى إلى شريط يزعم الجدية بينما هو يفتقد وضوح الرؤية للشكل والمضمون. وفي التحليل الأخير، فإننا انقطعنا من جانب عن تراثنا السينمائي الشعبي، الذي كان من الممكن البناء عليه وتطويره، كما توقف من جانب آخر تأثرنا بالسينما العالمية عند تجارب أنطونيوني في ستينيات القرن الماضي، وهي سينما تجاوزها الزمن في البلاد التي ولدت فيها.
ومن الحق القول إن هناك عوامل اقتصادية واجتماعية كانت جزءا من أسباب تردي السينما المصرية، فلم تعد هناك لدى الأسرة المصرية ميزانية يمكن أن تنفقها على مثل هذا النوع من الترفيه (بينما يتزايد الإلحاح الإعلاني عن شركات التليفون المحمول)، خاصة أن هذه الأسر باتت من ناحية مثقلة بأعباء أمور أخرى مثل الدروس الخصوصية، ومن ناحية أخرى مترددة في الذهاب إلى دور عرض تقلص عددها إلى درجة لا تصدق، كما تراجع أيضا مستوى الحفاظ على الآداب والانضباط فيها، وهي أيضا الدور المملوكة لعدد قليل جدا من الموزعين، الذين يحتكرون السوق، ويستطيعون لو أرادوا وأد أي تجربة سينمائية جادة.
ولعل هذا يذكرنا بما تواضع البعض على تسميته "السينما المستقلة"، والتي لا تملك شروط الاستمرار والتطور في مثل هذه الظروف، لأن من المنطقي لمثل هذه السينما أن تجد منافذ ونوافذ للوصول إلى المتفرج بعيدا عن سيطرة من يحتكرون سوق العرض، لكن ذلك لم يحدث، لتبقى الأفلام المستقلة – كما تدعى – أقرب إلى التجارب التي لا تختلف كثيرا عن أفلام تخرج الطلبة من معهد السينما، وإن وجدت بين النقاد من يحتفي بها في مبالغة ليست في صالحها. هل تريد سببا أكثر أهمية لترددي في تسميتها "مستقلة"؟ لأنها ببساطة لم تستطع أن تتخلى عن مفهوم أن السينما هي "الفيلم الروائي الطويل"، بدلا من أن ترتاد أرضا جديدة تعرفها صناعات السينما في العالم كله، أرض الأفلام الروائية القصيرة، والأفلام التسجيلية، وأفلام التحريك.
هل يبدو الأمر أكثر قتامة مما ينبغي؟ وهل يعني ذلك أنه لا سبيل إلى الخروج من "أزمة" طالت حتى أصبحت أعراضها الحادة أمراضا مزمنة؟ سوف ألجأ هنا إلى مثلين شعبيين مصريين ننساهما كثيرا: "على قد لحافك مد رجليك"، و"مفيش حاجة اسمها فقر، فيه قلة رأي"!! كل ما نمر به وسوف نمر به ليس شيئا عجبا في التاريخ، وكل صناعات السينما (بل الأمم ذاتها) واجهت أزمات صعبة، واستطاعت الخروج منها، والشرط الوحيد لذلك بالغ السهولة والصعوبة معا: أن تكون حيا!! والحياة تعني عنصرين أساسيين: التراكم، والتكيف. وإن كان لصناعة السينما الهوليوودية من جانب إيجابي فهو تلك الحياة، إنها أولا قادرة على الاستفادة الدائمة من التجارب السابقة، وصنعت ما يسمى "الأنماط الفيلمية"، التي كانت هوليوود تقدم لها تنويعات مختلفة مع تطور الزمن. وهي ثانيا تحاول التكيف مع الظروف الجديدة، ولم تكن هناك أزمة عاشتها هوليوود مثل تلك التي مرت بها مع ظهور التليفزيون والتحول السكاني إلى الإقامة في الضواحي في بداية الخمسينيات، مما أحدث تناقصا سريعا في عدد المتفرجين، فكان ردها الأول تقديم "فرجة" مختلفة عن تلك التي يقدمها التليفزيون، من خلال الشاشة العريضة والألوان، وبناء دور عرض صغيرة في الضواحي، بدلا من قصور السينما الفاخرة في وسط المدينة، لينتهي الأمر بالتعاون مع التليفزيون ذاته لإنتاج الأفلام وعرضها، فيما يشبه الاتفاق بين "الإخوة الأعداء"!اا
وقد يقول البعض: تلك هي هوليوود، بترسانتها الاقتصادية والصناعية والفنية الضخمة، لكني سوف أضرب مثلين آخرين مختلفين تماما، فحين دُمرت الاستوديوهات الضخمة في إيطاليا ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبات الحصول على أفلام خام جديدة أمرا صعبا، أدى التصوير خارج الاستوديو في الأماكن الطبيعية، واستخدام فيلم خام متواضع، بل اللجوء أيضا إلى ممثلين غير محترفين، إلى ظهور أسلوب ومضمون جديدين، عرفا باسم "الواقعية الجديدة" الإيطالية، كما في أفلام من كلاسيكيات السينما العالمية مثل "ماسحو الأحذية" و"سارقو الدراجات". المثل الآخر من البرازيل (وهو الذي تطبقه "إسرائيل" حاليا)، وهو أن تقوم وزارة التعاون الدولي بالحصول على مساهمات ومعونات من كل بلاد العالم، وتخصصها للسينما، وبعد أن كان قد تقلص عدد الأفلام البرازيلية في بداية القرن الحادي والعشرين إلى فيلمين أو ثلاثة، تجاوز الآن وبعد عشر سنوات رقم المائة، ومنها ما يحصد جوائز عالمية مهمة.
وأنا لا أعطي اهتماما كبيرا بنداءات صناع السينما المصرية الآن للدولة أن تتدخل لإنقاذها، لأنهم يريدون الإنقاذ على طريقتهم: مجرد مزيد من ضخ الأموال للمنتجين والموزعين، الذين لن يرضوا بتدخل الدولة لمنع ممارساتهم الاحتكارية، أو حصول بعض السينمائيين "المستقلين" على فرص عابرة لصنع أفلامهم، لكن هل يعني وجود  الأفلام أن هناك "سينما"؟
في الحقيقة أن على الدولة – التي نرجو أن تتعافى قريبا – المسئولية الكبرى في هذا المجال: توفير ميزانيات بالتعاون مع جهات عالمية عديدة تقوم بذلك بالفعل مع بلدان أخرى، وإنفاق هذه الميزانيات على عشرات الأفلام ذات التكاليف المنخفضة (بما في ذلك الأفلام التسجيلية والقصيرة)، وإنشاء نوادٍ لهواة السينما في كل أنحاء البلاد، وتأسيس أرشيف محلي وعالمي للأفلام لعرضها الدائم في مكتبات السينما، وتوفير قنوات توزيع جيدة للأفلام حتى من خلال العرض في التليفزيون مباشرة، وأخيرا إحداث ثورة حقيقية في مناهج تعليم السينما، والاستعانة بخبرات أجنبية تجعل طلبة السينما يبحرون في بحار جديدة، والعودة لإرسال بعثات في كل أنحاء العالم، لعل ذلك كله يوصل ما انقطع بنا في السينما بيننا وبين الجغرافيا والتاريخ، ويجيب لنا عن الأسئلة الجوهرية التي يبدو أننا لم نعد نعرف الإجابة عنها: لمن نصنع الأفلام؟ ولماذا؟ وكيف؟!!
   

Friday, January 24, 2014

هل الجمهور مسئول حقا عن السينما الرديئة؟


اعتاد النقاد السينمائيون المصريون على ذكر حادثة بعينها، لا يدري أحد إن كانت حقيقية أم اختلاقا، ويتخذونها دليلا على رفض الجمهور للسينما الجادة، تلك هي القول الذي يتردد عن أن الجمهور قلب دار العرض رأسا على عقب، بعد انتهاء عرض الحفلة الأولى لفيلم كامل التلمساني الأول، والذي لا يذكر له التاريخ غيره، رغم إخراجه بعض أفلام أخرى، وكان ذلك هو فيلم "السوق السوداء" (1945). وأخذ النقاد يكررون أن الجمهور عجز عن "فهم" الفيلم، الذي يحمل رسالة سياسية قوية، تتحدث عن من حققوا الثراء في زمن الحرب العالمية الثانية، على حساب أغلبية الشعب، بالتجارة في "السوق السوداء". وأنت لا تجد بين الكتابات التي تتناول هذه الواقعة سببا لرد الفعل المزعوم هذا من جانب الجمهور، وهو الجمهور ذاته الذي كان يتلقى بالترحيب والفهم "رسائل" سياسية، حتى في أكثر الأفلام جماهيرية وشعبية. وهكذا لم يتساءل التأريخ ذائع الانتشار للسينما المصرية عن السبب الحقيقي، أو لم يجرؤ أحد على القول به، لأنه سوف يخرج عن التيار السائد، وذلك السبب هو أن فيلم "السوق السوداء" كان سينما ركيكة بالمعنى الحرفى للكلمة، ولا تستطيع أي رسالة – أيا كانت جديتها – أن تجعل من فيلم سيء فيلما جيدا. لكن نتيجة ذلك كله أن ذاعت عبارة "الجمهور عاوز كده"، تبريرا لانتشار أفلام متواضعة في فترات معينة لأسباب محددة، بينما توارت إلى جانبها أفلام تحتشد بالخروج عن المألوف، سواء من ناحية الشكل أو المضمون. لم يطرح أحد ما هو المقصود بـ"كده" في عبارة "الجمهور عاوز كده"، بل الأهم هو عدم تحديد من هو "الجمهور"، وهذا ما أدى ويؤدي إلى الكثير من اختلاط المفاهيم والمعايير، ويؤكد منطق التبرير لا التفسير. فليس هناك في الحقيقة "جمهور" واحد، وأي صناعة سينما ناضجة وراسخة تقسم الجماهير إلى قطاعات، حسب الطبقة والعمر وحتى مناطق السكن، وتتوجه إلى كل قطاع بما يرضي ذوقه، كما أن مثل هذه الصناعات تدرك أنه لا وجود لسينما واحدة، ليس فقط من ناحية الأنواع بين السينما الروائية والتسجيلية والتجريبية وسينما التحريك، ولكن أيضا في تفاوت التعقيد الفني، وأنت في نهاية المطاف لا تستطيع أن تعرض فيلما للمخرج الإيطالي فيديريكو فيلليني، حتى في إيطاليا ذاتها، في دور العرض الجماهيرية التي تعتمد على شباك التذاكر. صناعة السينما الراسخة إذن هي التي تسعى لإرضاء كل الأذواق، بأفلام مختلفة الأشكال والمضامين، ولأنها تعرف جيدا أن السينما هي أكثر الفنون اعتمادا على الجمهور، وعائدات شباك التذاكر، فهي تقدم له مثل هذه الأفلام "مضمونة الربح" (برغم اختلاف النتائج عن التوقعات أحيانا)، كما تصنع سينما أكثر تعقيدا، فيما يسمى "أفلام البرستيج"، التي لا تتوجه إلى الجمهور العريض، بل إلى قطاع محدد منه. والأهم هو أن صناعة السينما الراسخة تستطيع أن ترعى مخرجا يقدم النوعين معا، فمخرج مثل ستيفن سبيلبيرج حقق أرقاما قياسية في شباك التذاكر في وقت عرض فيلمه "الفك المفترس"، لكنه في فترات لاحقة قدم فيلما مهما وغير جماهيري عن عبودية الزنوج في التاريخ الأمريكي في فيلم "أميستاد". كما أن فرانسيس فورد كوبولا، صاحب "الأب الروحي" بأجزائه الثلاثة ذات الجماهيرية العريضة، هو الذي صنع أيضا فيلمه الصادم (والرائع) على مستوى الشكل والمضمون "نهاية العالم الآن"، الذي لم يستطع حتى أن يفوز بالأوسكار الذي اقتنصه منه فيلم تقليدي تماما، هو "كريمر ضد كريمر". بل إن هوليوود أخذت أخيرا اتجاه استيعاب مخرجين غير تقليديين لتقديم أفلام جماهيرية ذات مذاق جديد، يجمع بين التجريب والذوق الجماهيري معا، مثل "باتمان يبدأ"، و"كراش" أو تصادم"، و"بابل"، و"نادي القتال"، وهي جميعا أفلام تتخلى عن أسلوب السرد الذي يمضي بالتتابع الزمني المعتاد، وتصنع تداخلا بين الأزمنة والأماكن، ومع ذلك فإنها تظل قريبة إلى وجدان المتفرج وعقله، لأنها تقدم حلا للمشكلة الأهم في أي سينما، وهي للأسف المشكلة التي لا نعيرها في السينما المصرية التي يسمونها "مستقلة" الكثير من الاهتمام، وهي "كيف تحكي قصة"، والقصة هنا ليست مجرد الحدوتة، بل البناء المتماسك حتى في الأفلام التسجيلية أو التجريبية، وللأسف تكون النتيجة هي تبرير الركاكة السينمائية بأنها سينما "مختلفة"!! وهكذا وجدت السينما المصرية نفسها خلال السنوات الأخيرة مشتتة بين نوعين من الأفلام، أولها هو سينما الفرجة بأكثر المعاني رداءة، بالجمع في شريط سينمائي بين النكات والرقصات والأغنيات فيما لا يشبه الأفلام، بل هو أقرب إلى مسرح المنوعات، مثل "عش البلبل" و"8 %"، أو فرجة تعتمد على أكثر مفاهيم "الأكشن" تخلفا، والذي يعتمد على قدر هائل من الدماء والصرخات وضجيج الصورة والصوت، مثل "ابراهيم الأبيض" و"عبده موتة" و"قلب الأسد". أما النوع الثاني فهي السينما التي تخلو من أقل قدر من التشويق (بحجة الاختلاف)، مثل "فرش وغطا" أو "الشتا اللي فات". وكالعادة، فإن النقاد يكيلون المديح لهذا النوع الثاني، بينما ينهالون بالتقريع على النوع الأول، ويرمون بالاتهام على الجمهور، الذي هو "عاوز كده"!! إن هذا التناقض الذي لا يمكن أن يجد حلا في ظل تلك الثنائية، لم تعرفه السينما المصرية إلا مؤخرا، ولابد لنا لكي نعرف الأسباب الحقيقية لسيادة أفلام جماهيرية ركيكة، أمام أفلام غير جماهيرية لكنها ركيكة أيضا، أن ندرك أن ذلك كان بسبب سياق سياسي واقتصادي واجتماعي كامل، أقام حاجزا مصطنعا بين الجماهير ومن أطلقوا على أنفسهم لقب "الصفوة" أو "النخبة" (ولن تعرف أبدا من اصطفاهم أو انتخبهم)، وبسبب تراجع الطبقة الوسطى التي هي عماد أي صناعة سينما جادة وقوية، وبسبب تداعي أماكن العرض وتقلصها. لم يكن ذلك هو حال السينما المصرية منذ منتصف القرن العشرين وحتى نهاية الثمانينيات، فخلال ما أسميه "العصر الذهبي" للسينما المصرية في الخمسينيات والستينيات، كنت تجد أفلام اسماعيل ياسين الجماهيرية جنبا إلى جنب أفلام صلاح أبو سيف وتوفيق صالح، وأفضل أفلام بركات مثل "دعاء الكروان" أو "الحرام"، وفيلم عاطف سالم "أم العروسة". وكانت تلك أيضا الفترة التي تبلورت خلالها أنماط فيلمية مصرية ذات مذاق خاص وتتمتع بالجماهيرية، مثل أفلام "الأكشن" والفتوات عند نيازي مصطفى، وأرقى أنواع الكوميديا عند عباس كامل وفطين عبد الوهاب، والسينما الاستعراضية الغنائية عند حسين فوزي، وأفلام التشويق البوليسي عند كمال الشيخ. وهذا ما تكرر على نحو ما خلال الثمانينيات، فعادل إمام قدم أفلاما خفيفة عديدة ذات جماهيرية ساحقة، كما كان بطلا في فيلم رأفت الميهي "الأفوكاتو" وفيلم محمد خان "الحريف". وفي تلك الفترة دخلت إلى سوق صناعة السينما المصرية شركات إنتاجية، استطاعت أن ترعى مخرجين جادين من جيل خيري بشارة وداود عبد السيد وعاطف الطيب وغيرهم، ولم يكن غريبا أن شركة "العدل جروب"، بل شركة "أفلام السبكي"، قدمتا في هذه الفترة أفلاما لم تكن جماهيرية بالمعنى المألوف، مثل "حرب الفراولة" أو "الرجل الثالث"، وهي الشركات ذاتها التي تحجم اليوم عن مثل هذه المغامرة، أو أنها أصبحت علامة على السينما المبتذلة، مثلما هو الحال مع أفلام عائلة السبكي. هل كان الجمهور حقا هو السبب في تلك التحولات؟ أم أن هذه الجماهير – على اختلاف مستوياتها – هي التي تعرضت لتحولات عميقة وكاسحة معا؟ وكان أهم هذه التحولات هو أن السينما لم تعد كما كانت دائما، وكما هي بالفعل في معظم بلدان العالم، من وسائل الترفيه الأساسية للطبقة الوسطى، فكان أن انصرف أبناء هذه الطبقة عن السينما، التي أصبحت في معظم الأحوال نوعا من "شوادر الموالد" أو السيرك. كما انسلخ قطاع آخر اعتبر نفسه مختلفا، ليقدم سينما فاترة لا تتوجه إلى أي جمهور. وهل نحن بحاجة دائمة للتذكير بكارثة فيلم "المسافر"، الذي أنفقت عليه وزارة الثقافة المصرية عشرين مليونا من الجنيهات، بينما لم يحقق من العائدات أرقاما تتخطى الآلاف؟ لكنك لن تعدم أن تجد من بين النقاد من يشيد بهذا الفيلم، الذي أتحدى أن يكون هناك أحد قد فهمه أو استمتع به، ليس بسبب عمقه، وإنما بسبب ركاكته البالغة. وبعد ذلك كله يلقون باللوم على الجمهور!! لكن تلك ليست أبدا مشكلة الجمهور، الذي يريد في النهاية أن يشعر بـ"المتعة"، بل إنها مسئولية السينمائيين والمسئولين عن صناعة السينما، الذين فقد بعضهم إيمانه بالسينما، بينما فقد بعضهم الآخر إيمانه بالجمهور!!

Saturday, January 18, 2014

تأملات نقدية فى الثورة المصرية


لا شىء يولد من لا شىء، ذلك أحد قوانين الوجود والتاريخ، والواقع الذى يولد الآن هو ابن واقع ولد قبل عقود، وهو الذى سوف يلد بعد عقود أخرى واقعا جديدا. لعلى أجازف الآن بالخروج عن التيار السائد الذى يحتفى بثورة الشعب المصرى، ويردد أقوالا بأن مصر قبل 25 يناير غيرها بعدها، وأن "الشباب" أكثر حكمة من الشيوخ، فبرغم ما فى هذه الأقوال من بريق فإنها تنذر بالابتعاد عن النظرة التاريخية التى تضع الأمور فى سياقها. ولا أدرى إن كان من الأمور الملحة أن يدعى أحد أو جيل أو فصيل أو فئة أنهم وحدهم أصحاب الثورة، وبالتالى فهم الأولى باغتنام مكاسبها. فمن السابق لأوانه بكثير أن نتحدث عن غنائم (وليس هناك أسوأ من الحديث عن الثورة بهذا المفهوم)، ناهيك عن اعتقادى الذى أكرره مرة أخرى: لا شىء يولد من لا شىء. نعم، لم يستطع أى منا أن يتنبأ بأن تحدث الثورة على هذا النحو الجارف، وأن تنتصر الإرادة الشعبية والسلمية على الأدوات القمعية والفاشية لنظام كان قد قرر أنه لن يسلم الوطن لأصحابه إلا محترقا، لكن هذا "العناد" الغبى والأبله من جانب النظام قابله "إصرار" عاقد العزم من جانب الجماهير. وبرغم عدم قدرتنا على التنبؤ بما حدث وما سوف يحدث، فإننا نستطيع على الأقل تحليله وقراءة ما يمكننا أن نفعل فى المستقبل القريب. يحلو للبعض منا – خاصة من جيل الكهول والشيوخ - أن يعترف فى نوع من المازوكية بالتقصير، وبالإذعان لسلطة قمعية مارست كل أنواع المهانة والهوان للشعب. لكن هل بمثل هذه البساطة ننسى كيف انتهى بنا الأمر إلى ذلك؟ إننا لو نسينا فسوف نتعرض مرة أخرى لنفس ما تعرضنا له. وإذا كنت لا أدعى أبدا فهم السياسة، كما أننى لم ولن أفكر يوما فى ممارستها والانخراط فيها، فقد كنت على الأقل "شاهدا" على الفترة التى تعرّض فيها الشعب المصرى لمؤامرة بالمعنى الحقيقى للكلمة، برغم أن البعض منا كان يسخر من اللجوء إلى نظرية المؤامرة، وإن كان هذا ذاته جزءا من مؤامرة. سوف يحكى التاريخ يوما، وبقدر أكبر من الحياد، عن هذه الأجيال السابقة واللاحقة، ويربط الأحداث ببعضها فى سياق متصل، وهذا ما أحاول أن أفعله الآن دون الزعم بأننى أملك فهما جاهزا له، بل إن كتابتى هذه ليست إلا محاولة للفهم، ولعلها تنجح أو تخفق، لكن ذلك لا يثنينى عن المحاولة. إننى أتذكر الآن كيف تمت سرقة انتصار أكتوبر، على الأقل فى قدرته على إعادة الإيمان لنا بقدرتنا على الفعل، ليسلِّم نظام السادات إلى أمريكا "كل أوراق اللعبة"، ويقنعنا بدور المتفرج على لعبة القمار السياسية بأقدارنا. ولأن السياسة وحدها لا تستطيع تحويل مجرى الصراع بيننا وبين عدونا الأول إسرائيل، على الأقل بين عشية وضحاها، فقد استخدم السادات ووريثه مبارك سلاح الاقتصاد ليجعل الشعب المصرى يركع ويذعن، ويبتلع الهزيمة مرة بعد أخرى. وإذا كانت الأوهام التى حاول النظام إشاعتها بيننا قد نجحت فى ذلك الحين فى التأثير فى قطاع كبير من أبناء جيلى، فإن هذه الأوهام ما تزال سائدة بين الجيل الشاب الذى يحاولون تحجيمه الآن من خلال تضخيمه بالقول بأنه الذى قام بالثورة وحده. من هذه الأوهام وُضع كل التاريخ المصرى (منذ قيام ثورة يوليو) فى سلة واحدة، لا فرق بين نظام عبد الناصر الوطنى ونظام السادات ومبارك القائم على التبعية والقيام بدور "السمسار" لأمريكا وإسرائيل. أضف إلى ذلك أيضا وهم أن ضعف الاقتصاد المصرى نتج عن حروبنا مع العدو الصهيونى، وإيهام الأجيال الشابة – التى لم تحضر فترة الصراع – بأن مصر كانت خرابا آنذاك. إننى لا أقول ذلك تمجيدا لفترة عبد الناصر، فالتاريخ لا يعود أبدا إلى الوراء، وسياق الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى يختلف بالتأكيد عن السياق المعاصر، وبعض أحلامنا الماضية تختلف عن أحلام الجيل الشاب، لكن ما أريد أن اقوله هو أننا فرطنا فى "الثوابت" التى بدأت حتى قبل عبد الناصر ففقدنا الاتجاه، وأرجو أن نستعيده مرة أخرى لنصنع المستقبل على أرض راسخة. فقد جيلى الاتجاه لأنه حورب فى أبسط احتياجاته الأساسية: التعليم والعلاج والعمل والمسكن. قيل لنا وصدقنا – وأخشى أن يستمر هذا المفهوم – أن "الحكومة ليست ماما"، وفى نفس الوقت قيل لنا أن "رئيس الجمهورية هو بابا"، وياله من تناقض!! تهاوت الحواجز بين الدولة والحكومة، وأصبح الوطن أرضا تباع وتُشترى وتُقدر قيمته بثمن المتر!! وكان علينا أن نمضى فى طوفان عارم ومصنوع ببراعة ليس أمامنا فيه إلا أن نبحث عن أن نطفو وينجو كل منا بجلده وبطريقته، نبحث لأبنائنا عن فرصة تعليم فى مدارس خاصة، لأن ما قدمه عبد الناصر لأفقر الفقراء من تعليم مجانى - تطبيقا لمقولة طه حسين الشهيرة - أصبح سياسة شمولية، ولا نجد العلاج إلا عند تجار الطب الذين يرتعون بلا ضابط أو رابط، ونسعى للبحث عن عملين أو ثلاثة لمجرد توفير هذه الحاجات الأساسية، ونتغرب سنوات حتى نجد مسكنا أصبح معرضا فيما بعد لأن تقوم الحكومة بتأجيره لنا تحت اسم الضرائب العقارية، ويهتم كل منا بأن تكون له سيارته الخاصة لأنه لم يعد هناك ما يسمى بوسائل النقل العام الموجود فى كل دول العالم، لكنهم عندنا قد ربطوا بين أى قطاع عام وبين الاشتراكية البغيضة كما صوروها لنا. من هذا السعى المحموم للآباء والأمهات لتوفير الحاجات الأساسية للأبناء، وتجنيبهم بقدر الإمكان المصاعب التى واجهها جيل الكهول والشيوخ، خرج الجيل الشاب متحررا إلى حد ما من هذه العبودية التى تم فرضها علينا قطعة وراء أخرى، بطريقة أطلقتُ عليها فى مقالات سابقة "عوامل التعرية" النفسية. تأمل مثلا كيف بثوا فينا أخلاقيات القمار بالمعنى الحرفى للكلمة، بدءا من البورصة الوهمية التى جرّت إليها البسطاء الذين لا يفهمون فيها لكنها تعطيهم الحلم بربح ليس من ناتج العمل، تماما ككل مسابقات التليفونات وبرامج التليفزيون التافهة، مع غسيل مخ يومى بأن "مصر فوق الجميع"، و"مالناش دعوة بالعرب"، و"الفلسطينيين يستاهلوا اللى جرى لهم"، سواء فى صحف ومجلات وبرامج تليفزيونية ربما تخجل إسرائيل ذاتها عن أن تكرر ما فيها من غثاء سافل. وربما لا يعرف الجيل الشاب أسماء مثل عصمت سيف الدولة، أو فؤاد مرسى، وعشرات غيرهم ناضلوا طويلا من أجل فضح سياسات السادات ومبارك، وقد أشرت فى إحدى مقالاتى منذ شهور قليلة إلى كتابات الدكتور فؤاد مرسى فى جريدة الأهالى منذ الثمانينيات عن وهم الإصلاح الاقتصادى، وهى الكتابات التى ما تزال تنطبق على اللحظة الراهنة، وفى المقابل كانت أحزاب المعارضة تتراجع، فى مؤامرة لتسليمها إلى السلطة، مما جعل أسماء أخرى تتراجع (دائما أتذكر فى هذا السياق الدكتور جودة عبد الخالق، فهو من أكثر محللى الاقتصاد وضوحا وبساطة، لكننى لم أعد أجده كثيرا)، كما ذوت مطبوعات هذه الأحزاب واختفى بعضها (حتى الآن لا أدرى سبب اختفاء مجلة "اليسار" مثلا). لقد كانت أجنحة الوطن يُنزع عنها الريش، ولا تبقى إلا محاولات فدائية مستميتة، بعضها من أساتذتى وأصدقائى فى هذه الجريدة، والأخرى متناثرة مثل كتابات الراحل مجدى مهنا. لماذا أذكر هذا كله الآن؟ مرة أخرى لأن لا شىء يولد من لا شىء، فقد كانت روح المقاومة لا تذوى أبدا تحت الرماد، ومن خلال أحداث مرت بنا كان اللهب يزداد شيئا فشيئا، بدءا من مظاهرات المدارس تأييدا للانتفاضة الفلسطينية فى أواخر التسعينيات، ومرورا بتجرع مرارة العجز مرة أمام الاحتلال الأمريكى للعراق، ومرة أخرى أمام العدوان الإسرائيلى على غزة، مع حركات الرفض مثل كفاية، و6 أبريل، وإضراب موظفى الضرائب العقارية (بقيادة صديقى الذى لا يعرفنى شخصيا كمال أبو عيطة)، وكل حركات الاحتجاج الفئوية على الظلم الاجتماعى، وأكاد أجزم أن حادث كنيسة القديسين – الذى دبرته السلطة فى يقينى للإلهاء عن مهزلة سرقة الانتخابات الأخيرة – أضاف مرارة أخرى إلى مرارة تجرع صلف أحمد عز فى تنظيره الممجوج لسطو عصابته على حق تمثيل الشعب فى الانتخابات الأخيرة. من كل تلك الحركات والمرارات، بالإضافة إلى الشعور الأكثر مرارة بأنه ليس لدينا وطن ودولة بالمعنى الحقيقى للكلمة، اندلعت شرارة الاحتجاج، الذى تحول إلى ثورة فى مواجهة بلادة نظام قال عنه أستاذنا هيكل منذ أكثر من عشر سنوات أن الشيخوخة قد تملكت من أوصاله. لذلك كله أعتقد أنه من الخطأ ترويج أسطورة ثورة الشباب، وهو الخطأ الذى سوف يتبعه محاولة استقطاب بعض عناصر شابة لتدخل مؤسسة النظام، وتتكرر مآسى سابقة عانينا منها مع جيل الستينيات والسبعينيات الذى دخل بعض أفراده دائرة الفساد الساداتى والمباركى، ليصبحوا أسوأ ما فى النظام. النمل وأشباهه وحدهم هم الذين يكررون التاريخ ولا يتعلمون منه، لذلك ينبغى ألا يكون الهدف هو الاختيار بين البرادعى وأيمن نور وحمدين صباحى وأحمد زويل وما يستجد من أسماء ليكون رئيسا لجمهورية مصر، فليست القضية هى مساعدة شخص مثل محمد على ليكون واليا علينا كما حدث فى بداية القرن التاسع عشر، لكن الأهم هو أن يكون لنا "وطن"، ومؤسسات، وعقد اجتماعى عادل، وحرية تعبير حقيقية، وحقوق لا خلاف عليها فى التعليم والعلاج والعمل والمسكن، ولن يأتى هذا إلا إذا أطلقت الحريات السياسية الكاملة ليس فى إنشاء الأحزاب فقط وإنما فى ممارسة العمل السياسى فى كل مكان. الطريق طويل، لكن هناك علامات له، وبرامج وخططا وأهدافا، ولا أدرى لماذا – على سبيل المثال لا الحصر – لا نراجع ورقة الدكتور محمد غنيم بشأن الإصلاح، وإذا كنا قد نسيناها فذلك دليل على الخطأ الذى نكرره بأن نبدأ فى كل مرة من نقطة الصفر من جديد، وسوف تكون حجتنا هذه المرة أنها ثورة الشباب، وعلى الكهول والشيوخ أن يتراجعوا إلى خلفية الصفوف. وبرغم أن التحمس للشباب يبدو ذا بريق خاص فإنه يعنى أننا ما نزال بعيدين عن مفهوم المؤسسات بمعناها الأصيل، فالأسماء والأعمار – أو أى فوارق أخرى – ليست هى المعيار، والمهم هو القدرة على العطاء، ولنتذكر دائما أن من يتولى مهمة ليس إلا موظفا لدى أصغر وأفقر مواطن فى مصر، الذى يملك الحق – إن لم يحصل على حقوقه المشروعة – أن ينحى رئيس الحى أو المدينة، ونائب مجلس الشعب، ورئيس الوزراء، ورئيس الجمهورية، من خلال صندوق الانتخاب الذى تتوفر كل الضمانات لعدم التلاعب به. بل إن المعركة الأصعب هى أن بقايا النظام ما يزال يتمسك بطريقته السلطوية الأبوية، وهو ما يبدو على سبيل المثال فى خطاب رئيس الوزراء أحمد شفيق، الذى يبدو أن أمامه بعض الوقت لكى يتعود على محاسبتنا له، وليس لكى نتعود نحن على أن نبقى مستمعين متفرجين على بياناته التى لا تخلو لهجته فيها ومضمونها من قدر غير قليل من صلف النظام القديم. تبقى بعض الأوهام التى يجب علينا أن نتخلص منها سريعا، بعضها يشبه سعادة الوقوع تحت تأثير مخدر، مثل القول بأننا شعب مختلف عن كل شعوب العالم، فوجه الاختلاف الوحيد هو قدرتنا على الضحك فى أكثر اللحظات قتامة (تأمل مثلا الشعارات المرفوعة وسط توتر الثورة)، لكن أسباب نهضة الشعوب واحدة فى كل مكان، وهى تبدأ دائما بتعزيز شعور الانتماء إلى وطن، والوطن ليس كلمة أو مفهوم مجرد، وإنما هو بيت وأسرة وحياة يومية كريمة. أما الوهم الأخطر من وجهة نظرى فسوف يكون الاكتفاء بالوقوف فى ميدان التحرير دليلا على الوطنية والعبقرية، وفى مجالى الوحيد الذى أنتمى إليه (النقد السينمائى) أتوقع أن أجد مخرجين وممثلين وكتاب سيناريو يقدمون أعمالا متواضعة، ويكشرون فى وجهك قائلين أنهم كانوا مع الثورة!! الثورة الحقيقية يا قارئى العزيز هى أن نتعلم منذ الآن كيف يتقن كل منا ما يصنعه، ويعود تفاعلنا مع العالم بعد أن اكتفينا بنفسنا وجهلنا طويلا، وكما ثرنا على نظام قمعى سرق منا أحلى سنوات عمرنا، يجب أن نثور أيضا على الضحالة والتفاهة والانكفاء المقيت على الذات ... لذلك فإن الثورة قد بدأت، لكنها لم تنته بعد.

Friday, January 17, 2014

حياة الموسيقيين في السينما


من الغريب أن الشعب العربي يعشق الموسيقى والأغنيات عشقا يكاد لا يدانيه فيه شعب آخر، ونحن نسمي الغناء "طربا" عندما ننتشي به ونطرب، بل نطلق أيضا ألفاظا أكثر مبالغة وصفا لزيادة حالة النشوة من سماع الغناء والموسيقى، مثل "السلطنة"! ولا يقتصر ذلك على الأجيال الأكثر عمرا كما نتصور للوهلة الأولى، فهو يمتد إلى الأجيال الجديدة على نحو قوي، وهو الأمر الذي استغلته بعض القنوات الفضائية، التي خصصت برامج لاكتشاف مواهب غنائية وموسيقية جديدة، حتى أن هذه البرامج تحولت في لا وعي الشباب من الجنسين إلى نوع من أحلام اليقظة. أقول من الغريب أن يكون ذلك هو واقع الحال، بينما السينما العربية – والمصرية بشكل خاص – تكاد أن تخلو من الاعتماد في أفلامها على قصص حياة الفنانين العرب، سواء في مجال الموسيقى أو الغناء، بينما تحتشد على العكس بأفلام حياة الراقصات، سواء كن حقيقيات أم من تأليف صناع الأفلام. غير أن السينما العالمية اعتمدت كثيرا على مثل تلك الموضوعات، لأنها في الأغلب مضمونة النجاح، بسبب عشق الجمهور لهذا المغني أو الموسيقي أو ذاك، لذلك فإن هناك العشرات من الأفلام التي تناولت حياة إلفيس بريسلي على سبيل المثال، وعشرات أخرى عن بيتهوفن وتشايكوفسكي وإدوارد جريج وغيرهم كثير. وكان الأهم في معظم هذه المعالجات البحث عن محور "درامي" تدور حوله الأحداث، وليس مجرد سرد أحداث متناثرة أو هامشية، ولعل الأبرز على الإطلاق في هذا السياق هو فيلم المخرج التشيكي الأصل ميلوش فورمان "أماديوس"، الذي يأخذ الموسقي الأشهر موزار بطلا له، ففي معالجة بالغة التميز، خاصة من كاتب السيناريو عن مسرحيته هو ذاته، بيتر شافر، جعل محور الدراما هو منافس موزار في زمانه، أنطونيو سالييري، الذي كان برغم أنه كان الأقرب من أصحاب السلطة والسلطان يغار من موزار غيرة قاتلة، لأنه يعلم أن هذا الأخير هو الموهوب حقا، حتى أنه استنزفه حتى الموت في كتابة قداس جنائزي وهو في حالة حمى، ليجعل الفيلم من هذا القداس ذروته ونهايته. في الحقيقة أن "أماديوس" يمثل حالة فريدة من استخدام السينما للموسيقى وحياة المؤلف الموسيقي، رغم ما قد يكون هناك بعض الابتعاد عن الحقيقة التاريخية، لكنه الابتعاد الذي يطلقون عليه "الرخصة الإبداعية". ويمكنك أن ترى نموذجين متناقضين في هذا المجال، بين فيلم "يوميات أنّا ماجدالينا باخ"، الذي يلتزم التزاما حرفيا بالتاريخ، حتى أنه يبدو أشبه بمحاضرة عن حياة الموسيقي الشهير يوهان كريستيان باخ، من خلال يوميات زوجته، لكنك قد لا تجد متعة كبيرة في الفيلم، بينما هناك فيلم آخر وصل في استخدام الرخصة الإبداعية إلى حد بعيد، وهو "ناسخة بيتهوفن"، الذي يتناول السنوات الأخيرة من حياته، حين أصابه الصمم، وقاد الأوركسترا ليعزف واحدا من أعماله الأخيرة، السيمفونية التاسعة أو الكورالية، وهو لا يكاد يسمع أصوات الآلات، فيأتي الفيلم ليخترع شخصية فتاة عملت معه في تلك الفترة، وأعادت له الأمل في الحياة والإلهام، ولتنسخ له المدونات الموسيقية على الورق، ولتختفي من وراء الستار لتدله على الإشارات التي يجب أن يوجهها للفرقة الموسيقية الكبيرة. يعلم الكثيرون أن تلك قصة مخترعة وليس فيها ظل من حقيقة، ومع ذلك جاء المشهد الأخير عميق التأثير عاصف الانفعالات. وتلك هي المرونة التي تتسم بها السينما العالمية في معالجاتها لقصص حياة المشاهير، وهو الأمر الذي لا ينطبق فقط على مؤلفي الموسيقى الكلاسيكية، بل يمتد أكثر لعالم الموسيقيين والمغنين الجماهيريين من كل العصور. تأمل على سبيل المثال فيلم "راي" عن حياة الموسيقي المبدع الزنجي الضرير راي تشارلز، فرغم أنه يستعرض سلسلة من نجاحات البطل وإخفاقاته في حياتيه العاطفية والفنية، فهو يصطنع محورا لأزمة عاشت معه طوال حياته، لإحساسه بالذنب لأنه كان سببا في وفاة شقيقه عندما كانا في مرحلة الطفولة. كما أن فيلم "الحياة في لون وردي" يتناول حياة المغنية الفرنسية الشهيرة إديت بياف، وهي الحياة التي احتشدت بتقلبات عاصفة، حتى أنها بدت في النهاية "عصفورة" غردت لتمتع الملايين، بينما هي في الحقيقة تصرخ ألما. أما فيلم "السير في الطريق المستقيم"، فهو يتناول حياة مغني موسيقى "الكانتري" جوني كاش، الذي كاد أن يفقد مساره مرات عديدة، ويسقط من ذاكرة معجبيه، لولا وقوف زوجته وشريكته في الغناء جون كارتر إلى جانبه. وهناك أفلام تخلق عالما مصطنعا كاملا، له نكهة خاصة، متماسا مع حياة مغنين مشهورين وإن لم يكن يروي قصة حياتهم، مثل فيلم مغني "الراب" الأمريكي إيمينيم "8 أميال"، ليبدو الفيلم كأنه تصوير لقصة كفاحه من السفح حتى قمة الشهرة، أو الفيلم الذي لعبت بطولته الممثلة الرائعة ميريل ستريب "ماما ميا" (وهذا اسم أغنية شهيرة لفرقة "آبا")، لتبدو عضوة في الفرقة انتهت في كهولتها للعيش في حياة عائلية ساكنة، ثم عودتها للغناء من جديد تعبيرا عن حبها للحياة. وبالمقارنة، فإن الأفلام المصرية عن الموسيقيين والمغنين – التي لا يتجاوز عددها أصابع اليدين – تفضل ألا يدور الفيلم عن الموسيقى أو الغناء، ودورهما في حياة الفنان والإنسان، بينما تميل إلى اتخاذ قصة حياته وسيلة لصنع حبكة بالغة الميلودرامية. هذا هو ما يمكنك مثلا أن تجده في فيلمي المخرج حسن الإمام "بديعة مصابني" الذي لعبت بطولته نادية لطفي، و"سلطانة الطرب" عن منيرة المهدية ومن بطولة شريفة فاضل، فأنت لا تكاد أن تتذكر بعد أن تشاهد الفيلم شيئا ذا بال من فن هاتين الشخصيتين، اللتين بلغتا في زمانهما ذروة الشهرة، وما سوف يبقى في ذاكرتك عن الأولى أنها كانت على علاقة حب غير ناجحة مع نجيب الريحاني، ورحلتها التي قادتها في النهاية إلى الوحدة والانعزال، أما الثانية فهي تعيش مع حسن الإمام حبكة تبدو منتزعة من فيلم هندي تقليدي، عن الفلاحة التي صعدت إلى الشهرة، وعن ابن لها أنكره أبوه مما جعلها تعيش حياة غارقة في الآلام. وإذا كان فيلم "سيد درويش" قد اهتم إلى حد ما بالجانب الموسيقي من حياة أهم الموسيقيين المصريين والعرب، فإنه لم يخلُ أيضا من الاستطرادات حول غرامه بشخصية جليلة العالمة (هند رستم)، إلى جانب بعض اللمسات السياسية التي جعلته يشترك بفنه في ثورة 1919. لكن الكارثتين بالمعنى الفني لقصص حياة المغنين والمغنيات، جاءتا مع أشهر اثنين من مطربي القرن العشرين. الأول هو فيلم "كوكب الشرق"، للمخرج محمد فاضل وبطولة فردوس عبد الحميد، فليست هناك أي "بؤرة درامية" للمشاهد التي تراها على الشاشة، حتى أن الفيلم يبدو مجرد تحقيق لرغبة الممثلة في تجسيد شخصية أم كلثوم. وهو الأمر ذاته الذي ينطبق على الفيلم الثاني "حليم"، الذي يبدو عملا فنيا بدائيا، للممثل القدير أحمد زكي وهو "يقلد" عبد الحليم حافظ، ولا يعتمد في حبكته إلا على سلسلة من المشاهد التي يسرد فيها الممثل فقرات عن حياة المطرب الكبير، دون أن يكون هناك رابط فني حقيقي يجمع بينها. الأغرب أن المشاهد الأكثر دفئا عن موسيقيين ومغنين جاءت في أفلام لا تروي سيرة واحد منهم، بل هي جزء من نسيج الشخصية والدراما. فبالقرب من نهاية فيلم "فيللا 69" يتشارك رجل كهل مع صبي مراهق في عزف شجي تعبيرا عن تلاقي الأجيال، وفي "فيلم هندي" مشهد للعزف والغناء الدافئين يجمع كهلا مسيحيا وشابا مسلما تعبيرا عن روح الوحدة الوطنية. وفي الحقيقة أنهما مشهدان يمكن أن تعتبرهما تنويعين على مشهد النهاية من فيلم "الكيت كات"، حين يجلس الأب وابنه على شاطئ النيل، وقد ذابت الحواجز التي كانت تفصل بينهما، ليعزفا ويغنيا عن "حصان الخيال".... ذلك هو الخيال الذي ينبعث من طرب وسلطنة الموسيقى والغناء في حياتنا، لكنه يغيب كثيرا عن أفلامنا.

Wednesday, January 08, 2014

فيلم "المواطن".... فيلم لا يحمل رائحة الوطن


من حق أي فنان عربي أن يطلق على نفسه "عالميا" لأنه استطاع الحصول على دور ما في فيلم أمريكي، أو قد يصل الأمر به أيضا للاستئثار بدور البطولة، كما حدث مع الممثل المصري خالد النبوي في فيلم يدعى "المواطن"، وقد تهلل بعض مطبوعات الصحافة العربية الفنية للحدث، حتى قبل أن يشاهد البعض الفيلم، أو قبل أن يبحثوا عما إذا كان لصانعيه – كتاب سيناريو أو منتجين أو مخرج – وجود حقيقي في السينما الأمريكية. وذلك في الحقيقة انعكاس لإحساس جارف بالرغبة في إثبات الذات، وسط صناعة سينمائية عالمية تجاوزت بمراحل واسعة السينما المصرية صناعة وفنا، أو كأننا نتعلق بالقشة في محاولة للنجاة من الغرق. ولسنا هنا في سياق تأكيد أو نفي موهبة خالد النبوي في التمثيل، فالتمثيل يكاد أن يكون أكثر العناصر السينمائية التي يختلف فيها المتفرجون والنقاد، تبعا للتجاوب أو النفور العاطفي تجاه الممثل أو الممثلة. لكننا سوف نحاول أو نلقي الضوء على الفيلم سواء من ناحية الشكل أو الرسالة، خاصة أنه قد يبدو للوهلة الأولى دفاعا عن "الشخصية العربية"، التي واجهت وما تزال تواجه هجوما شرسا من السينما الأمريكية، بل كل وسائل الإعلام هناك، وهو ما يتأكد على سبيل المثال في كتاب الباحث الأمريكي من أصل لبناني جاك شاهين "العربي الشرير في السينما الأمريكية"، الذي أحصى فيه – حتى عام 2000 – حوالي تسعمائة فيلم أمريكي تعاملت مع الشخصية العربية بشكل سلبي. وقد تكون الملاحظة الأولى هي الشكل بالغ التقليدية للفيلم، الذي يلجأ إلى "فلاش باك" طويل جدا ليحكي حكايته، من خلال وعي بطله ابراهيم جراح (خالد النبوي)، الذي يقف في المحكمة ليواجه رفض الحكومة الأمريكية لطلبه بالحصول على الجنسية، لكن الفيلم يقع في الخطأ البدائي لمثل هذا البناء، وهو أن يتضمن مشاهد لم يكن البطل طرفا فيها، وبالتالي لا يمكن أن تنبعث من ذاكرته. وبعد أن يقضي الفيلم الوقت الأكبر من عرضه في رواية قصة ابراهيم منذ لحظة وصوله إلى أمريكا، وقد تنقل قبلها بين عدة بلدان عربية منطلقا من موطنه لبنان، غير أنه لم يجد فيها مستقرا، يعود الفيلم إلى مشهد المحاكمة التقليدي، حيث يتنافس وكيل النيابة والمحامي على طريقة الأفلام العربية، لكن ما يحسم القضية هو استرسال البطل ابراهيم في "خطبة" طويلة أخرى، يبدو فيها ليس مدافعا عن نفسه فقط، وإنما عن الدستور الأمريكي أيضا أكثر من الأمريكيين أنفسهم، ليحصل على حق المواطنة بعد تلك الرحلة من المعاناة التي تبدو طويلة. من جانب آخر يأتي الفيلم متناقضا تماما مع "الرسالة" التي يفترض أنه يسعى إليها، وهي زيف "الحلم الأمريكي"، لكن المفارقة أن يؤكد صحة هذا الحلم في المشهد الأخير، وقد امتلك البطل الذي أتى إلى أمريكا خاوي الوفاض سيارة فارهة ومنزلا فاخرا، تنتظره على أعتابه زوجته الجميلة وطفله الرقيق! غير أن المثير للدهشة حقا أن تحقيق هذا الحلم يأتي من خلال بناء الفيلم في سلسلة من "المصادفات" التي لا تنتهي (على طريقة الأفلام العربية أيضا)، وقد تسأل نفسك: ماذا كان يحدث لو لم تقع هذه المصادفة أو تلك؟ لكن صناع الفيلم لم يسألوا أنفسهم هذا السؤال أبدا، لأنهم مشغولون على الدوام بتلفيق مجموعة من المآزق التي يقع فيها البطل، الذي لابد له أن تنتهي رحلة معاناته عند السيارة الفارهة والبيت الفاخر. "حدوتة" الفيلم باختصار هي أن ابراهيم يصل إلى مطار نيويورك، متوقعا اتنظار ابن عمه له، لكنه يجد نفسه وحيدا أمام سلطات الجوازات التي تجري له تحقيقا مطولا. وهو يبحث عن فندق رخيص يقيم فيه، وبالمصادفة وفي دقيقة وصوله ينقذ الفتاة الأمريكية دايان (أنييس بروكنر) من صديقها الذي يعاملها بعنف، لتأخذه (وتأخذنا معه) في جولة سياحية في الدينة، وسوف تمتد العلاقة بينهما طوال الفيلم، دون أن تعرف أنت كمتفرج طبيعة هذه العلاقة، لكي يتزوجا في النهاية، ويعيشا في التبات والنبات. وبالمصادفة أيضا تقع أحداث الحادي عشر من سبتمبر في اليوم التالي لوصوله، لنراه مشتركا على نحو بالغ التعاطف مع الضحايا، مع لمسات عابرة من مظاهر العداء للعرب والمسلمين بعد هذا الحادث، ويتم القبض عليه ليظل مسجونا ستة شهور، حتى يفرج عنه لأنه لا دليل ضده على اشتراكه في أعمال إرهابية. ومن الغريب أنك لن تجد لفترة السجن تلك أي أثر إنساني أو درامي على بطلنا، الذي يتعرف بالصدفة أيضا على رجل هندي أو باكستاني يدعى "مو" (ربما اختصارا لاسم محمد)، ويعمل لديه في محطة الوقود والمحل الصغير الذي يملكه. وبالصدفة مرة ثالثة يقابل في مركز تعليم الإنجليزية للأجانب فتاة لبنانية تدعى "بَهَا"، ويعجب بها حتى أنه يطلبها للزواج، لكن سرعان ما تختفي الفتاة من حياته ومن الفيلم، وكأن وجودها كان مجانيا وبلا ضرورة درامية. هل تريد صدفة رابعة؟ إنه ينقذ أمريكيا "يهوديا" كادت أن تودي بحياته مجموعة من الشباب الأمريكي المتعصب، ليرد له الشاب جميله بتشغيله في محل بيع السيارات الذي يملكه والده بالغ الثراء. ولك أن تتخيل أنه عندما واجه رفض منحه الجنسية الأمريكية، أصبح "بطلا" تُنظم المظاهرات من أجله أمام المحكمة، والسبب هو هؤلاء الذين ساعدهم بالصدفة والذين حشدوا المتظاهرين!! وفي التحليل الأخير فإن الفيلم يأتي كتقليد باهت لقصاصات سينمائية أمريكية، كما في مشهد المحاكمة والمظاهرات، أو للأفلام المصرية التي يقوم بناؤها على منطق الصدفة، أو وجود شخصيات وأحداث يمكن أن تحذفها دون أن يحدث أي فرق. وربما كان الأهم في ذلك كله هو الإيقاع بالغ الرتابة للفيلم، وفقدان المتفرج من الحد الأدنى للتعاطف مع البطل، ولا نطمح للتوحد معه. ولا يملك المرء أمام سذاجة فيلم "المواطن"، بكل الدعاية الصاخبة التي صاحبته، إلا أن يقارنهما بفيلمين آخريين عن نفس التيمة، لكنهما كان أكثر نضجا بكثير، دون أن يعرف المتفرج العربي عنهما شيئا، لمجرد عدم وجود "نجم" (أو هكذا يُفترض) مثل خالد النبوي يدفع هذه الدعاية دفعا. ولم يكن غريبا أن تكون "الممثلة" (بمعنى الكلمة) الفلسطينية هيام عباس موجودة في هذين الفيلمين. الأول هو "الزائر"، من إخراج وسيناريو توماس ماكارثي، عن الأستاذ الأمريكي الكهل الذي يعود إلى شقته التي يملكها في نيويورك، ليجد أن هناك محتالا أجرها لشاب سوري وزوجته، وهو في البداية يصمم على طردهما، لكنه يعطيهما فرصة لأيام معدودة لتدبير أمورهما، لتنمو حالة من الدفء الإنساني بينهم، وقدر أكبر من التفهم لشخصية العربي كإنسان محب للحياة. الفيلم الآخر هو "أمريكا" (هذا بالضبط نطقه وليس "أميركا")، سيناريو وإخراج شيرين دبس، الذي يحكي عن الأم منى فرح (نسرين فاغور)، الفلسطينية التي تعاني في بلادها من حصار المحتلين، فتقرر قبول "اليانصيب" الأمريكي للرحيل إلى هناك مع ابنها، لتنضم إلى بقية العائلة التي سبقتها. وبحس تسجيلي بالغ الرهافة، تعيش فيه الكاميرا مع الشخصيات لحظاتهم الحميمة البسيطة، ونرى منى وهي تبحث عن عمل، حتى تجده في مطعم، لكنها لا تستطيع أن تصارح الأسرة لأنها تحس بأن ذلك يمس كرامتها، غير أن ذلك لا يحميها وابنها من المطاردات العنصرية اليومية. من أجمل مزايا فيلم "أمريكا" أن بطلته الممثلة نسرين فاغور تتمتع بجمال بالغ البساطة، وهي تميل إلى البدانة، وكثيرا ما تتحدث عن رغبتها (كشخصية في الفيلم) في أن تبدأ نظام حمية غذائية للتقليل من وزنها، لكنها تتمتع بروح بالغة الدفء تجعلك تحبها وليس أن تتعاطف معها فقط. إنها ليست "نجمة" بالمواصفات العقيم للسينما المصرية، لكنها ممثلة حقيقية، في فيلم ناضج، يجعلك تعيش مع شخصياته ذكريات الحنين للوطن الأم، وهم يتشممون "الزعتر" الذي جلبته منى معها. وعلى النقيض، أتى "المواطن" فاترا، ولا يحمل أي عبق ولو عابر من الحنين لأي وطن!!

Monday, January 06, 2014

المدن في السينما


منذ مولد السينما في نهاية القرن التاسع عشر، أصبحت "المدن" جزءا لا يتجزأ من العالم السينمائي، لأسباب عديدة تتعلق بالسينما والمدينة معا. فقد كانت تلك هي الفترة التي شهدت ولادة المدن باعتبارها مراكز حضرية رئيسية، وكانت دور العرض السينمائية تتركز في وسط المدن، لكن الأهم على الإطلاق أن السينما كانت الوسيط الفني الجديد القادر على اقتناص روح المدينة وتسجيلها على الفيلم، تلك الروح التي تبدو متغيرة على الدوام، يتفاوت إيقاعها بين الصباح والمساء، مما يخلق سيمفونية بصرية كاملة. وبالفعل كانت أفلام المدن في بدايتها تشبه الأعمال الموسيقية في إيقاعها، مثل "برلين: سيمفونية مدينة"، أو فيلم "الرجل والكاميرا السينمائية"، وهي أفلام تسجيلية اعتبرت في حينها أعمالا تجريبية رائدة. لكن سرعان ما أصبحت المدينة خلفية تدور عليها الأحداث الدرامية، سواء ذات الصبغة السياسية مثل "روما مدينة مفتوحة" و"سارقو الدراجة" و"ماسحو الأحذية"، وهي الأفلام التي تجعلك تعيش في أجواء روما المدمرة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، أو حتى الأعمال الذاتية مثل "روما فيلليني" الذي يبدو أقرب إلى صورة المدينة في عيني صانع الفيلم، أكثر مما هي في واقع الحياة. وفي الآونة الأخيرة، ظهر فيلمان عالميان يفترض أنهما جزءان من سلسلة سوف تكتمل عن المدن، وهما "أحبك يا باريس" و"أحبك يا نيويورك"، لكن كلا منهما يقوم بناؤه على مجموعة من الأفلام القصيرة للعديد من المخرجين، حيث تصبح المدينة أشبه بالبلورة التي يمكن أن تراها في أشكال مختلفة من زوايا مختلفة، بعضها يسوده الحنين والشجن، وبعضها الآخر يحتشد بقدر غير قليل من السخرية والهجاء... بعضها عن شباب يتلاقى في المدينة لكي يعيش مستقبلا جديدا، وبعضها الآخر عن شيوخ يودعونها وقد وصلوا إلى نهاية رحلة الحياة... بعضها يعبر عن حقيقة، وبعضها الآخر ليس إلا وهما خياليا صرفا. لكن نادرا ما كانت المدينة تحتل مكانا مهما في دراما السينما المصرية، حيث يمكن أن تدور الأحداث في أي مكان دون أن تشعر أن هناك شيئا مفتقدا. غير أن الأعمال القليلة التي كانت فيها المدينة خلفية مهمة للأحداث تركت أثرا باقيا في السينما المصرية، ولعل أول هذه التجارب كان فيلم "حياة أو موت"، عن فتاة صغيرة تخوض ما يشبه الرحلة القاسية في زحام القاهرة، وهي تحمل الدواء لأبيها المريض، بينما تحاول الشرطة اللحاق بها لأن "الدواء فيه سم قاتل"، تلك الجملة التي أصبحت من "فولكلور" السينما المصرية. وهناك أفلام ارتبطت على نحو قوي بالمدينة التي تدور فيها الأحداث، مثل "بور سعيد" الذي أنتجه فريد شوقي لكي يسجل أحداثا روائية عن مقاومة بطولية، للمدينة التي واجهت عدوانا ثلاثيا، لتبقى في الذاكرة العربية رمزا للصمود. وكانت نفس المدينة – بور سعيد – هي المسرح الذي تدور فوقه ملحمة "القبطان"، الذي يمتزج فيه الواقع والخيال، الحقيقة والرمز، العام والخاص، لكي تصبح المدينة بوابة يطل منها صانع الفيلم سيد سعيد ليس فقط على التاريخ، وإنما أيضا على الحضارة التي جمعت بين الشرق والغرب، بل على الوجود الإنساني ذاته. ولعل الإسكندرية تحتفظ لنفسها بمكان مهم بين أفلام المدن، وكثيرا ما تشاهد في أفلامنا المصرية شاطئ البحر بأمواجه التي تتلألأ بالأضواء عند الغروب، لكن القليل أيضا من هذه الأفلام هي التي يصبح فيها للإسكندرية وجود درامي مؤثر، ولعل الأقرب للذاكرة أفلام يوسف شاهين التي تحمل اسم المدينة ذاتها، مثل "اسكندرية ليه"، و"اسكندرية كمان وكمان"، و"اسكندرية نيويورك"، لكنها أيضا كمعظم أفلامه هي "اسكندرية ذاتية" إن صح التعبير، إنها المسرح الذي تدور فوقه الأحداث دون أن تكون جزءا من الأحداث ذاتها. والغريب أن هذا ينطبق أيضا على أفلام لا يمكن أن تصفها سوى بالهزل، مثل "بلطية العايمة" أو "صايع بحر"، فعلى الرغم من تصوير مشاهد من هذه الأفلام في أحياء حقيقية، فإن الشخصيات والقصص والحبكة ليست إلا تقليدا باهتا لما يمكن أن تراه في أي أفلام تدور في أي مدن أخرى. ولعل غياب المدينة يلعب أيضا دورا في بعض الأفلام، ففي "الطوق والإسورة" و"عرق البلح"، يصبح للقرى النائية في الصعيد حضور قوي، يكاد أن يكون خانقا، وهو ما يصنع نسيجا لا ينفصم مع النهايات المأساوية للأحداث. أما في فيلم "البداية"، فقد أراد صلاح أبو سيف أن يضع شخصياته في مكان معزول، حتى يدفعهم لتكوين "مجتمع" جديد، يدرس من خلاله صانع الفيلم كيف تتولد الفوارق الطبقية، واحتكار السلطة، واستغلال جهل البسطاء. وهذا الاهتمام السياسي والاجتماعي بالمكان يعود إلى واحد من أفلام صلاح أبو سيف الأولى، وهو "الأسطى حسن"، الذي يتحدث عن اثنين من الأحياء المتجاورة في القاهرة: بولاق والزمالك، لا يفصل بينهما سوى جسر صغير، لكنه يعبر عن تفاوت طبقي هائل، كان يشغل اهتمام أبو سيف في معظم أفلامه، حتى لو اصطبغت كثيرا بالميلودراما الفاجعة. لكن هناك مخرجا واحدا هو الأهم بين صناع السينما المصرية، التي تشكل المدن بالنسبة له "شخصية" من شخصيات الفيلم، وليست مجرد خلفية للأحداث. ذلك هو محمد خان، صاحب الذاكرة البصرية القوية اتي تمسك بروح المكان، على نحو لا يباريه فيه مخرج آخر. تأمل مثلا "موعد على العشاء"، حيث تصبح برودة المدينة الساحلية معادلا لفتور العلاقة بين الزوج والزوجة، وكيف أن البحث عن الدفء الإنساني يحدث دائما في مشاهد داخلية. وعلى النقيض، يصبح المشهد الخارجي المفتوح للمدينة ذاتها، في فيلميه "أحلام هند وكاميليا" و"فارس المدينة"، تعبيرا عن الرغبة في العثور على "بداية جديدة"، تنقذ الشخصيات من الأزمة الخانقة التي يعيشونها. كما تصبح مدينة "المنيا" في شمال صعيد مصر بطلة في فيلمين من أفلامه، لأنها المدينة الصغيرة التي تحتضن شريحة مميزة من أبناء وبنات الطبقة الوسطى، يكاد عالمهم أن تقف حدوده عند الرحلة اليومية إلى العمل أو المدرسة، لكن الاضطرار إلى تركها يشكل صدمة للبطلة، تتسم بالمأساوية في "زوجة رجل مهم"، وعلى النقيض تبدو بمثابة البوابة التي تنفرج قليلا لكي يتسع العالم في "شقة مصر الجديدة". وهي الصدمة التي شكلت وعي البطل القادم من الريف في "مستر كاراتيه"، وهو يحاول التواؤم مع روح مدينة القاهرة، لكنها التجربة التي تنتهي إلى الفشل، لكي يعود إلى القرية، تلك التي وجد فيها بطل "خرج ولن يعود" ملاذا من الشعور بالضياع في المدينة الكبيرة. ذلك هو الضياع الذي عاشه بطل أول أفلام محمد خان في "ضربة شمس"، وهو من أهم الأفلام التي تم تصويرها في أماكن حقيقية في شوارع القاهرة المختلفة، ويبدو هذا البطل مضطرا للهاث في سباق دُفع إليه دفعا، في مدينة تشبه الغابة في علاقاتها، وهو ما تكرر أيضا في فيلم "يوم حار جدا"، حين تصبح أجواء شوارع القاهرة المزدحمة خانقة لبطل يبحث عن صورة قديمة لعلاقات سابقة، فإذا هو يرتطم بما لم يكن يتخيله، من مؤامرة زوج على قتل زوجته حتى يرثها. ولعل هذا يذكرك أيضا بالبحث عن ماضي المدينة والوطن كله في فيلمه "عودة مواطن"، للبطل الذي عاد وهو يحلم أن يلم شمل الأسرة في منزل من ضاحية حلوان التي كانت في يوم ما هادئة، لكنه يكتشف أن حلمه لم يكن إلا وهما وسرابا. ومن الحق القول إن بعض الأفلام التي صنعها رفاق من جيل محمد خان، لم تكن تخلو أيضا من ذلك الإحساس بالمكان. وإذا كان فيلم عاطف الطيب "ليلة ساخنة" يدور في ليلة واحدة في مدينة القاهرة، التي تكشف تحت سطحها عن أهوال، فإنها الليلة ذاتها التي يقضيها أبطال فيلم خيري بشارة "إشارة مرور"، وقد اضطروا لأن يعيشوا حالة حصار في وسط المدينة، وهي أيضا الليلة التي تكتسي برداء سيريالي لا يخلو من رمزية في فيلم داود عبد السيد "البحث عن سيد مرزوق"، حيث يجد البطل نفسها يمضي في تيار لا يملك مقاومته في أنحاء مختلفة من المدينة، بحثا عن شخص يبدو متحكما في مصيره، وكأن "سيد مرزوق" نفسه ليس إلا هذه المدينة التي تشبه أحيانا حورية فاتنة ساحرة، وتشبه في أحيان أخرى وحشا له عشرات الرؤوس... وليس هناك وسيط فني آخر لا يستطيع أن يقتنص هذين الوجهين المتناقضين سوى السينما، التي اقترنت منذ بدايتها بروح المدن.