Friday, January 24, 2014

هل الجمهور مسئول حقا عن السينما الرديئة؟


اعتاد النقاد السينمائيون المصريون على ذكر حادثة بعينها، لا يدري أحد إن كانت حقيقية أم اختلاقا، ويتخذونها دليلا على رفض الجمهور للسينما الجادة، تلك هي القول الذي يتردد عن أن الجمهور قلب دار العرض رأسا على عقب، بعد انتهاء عرض الحفلة الأولى لفيلم كامل التلمساني الأول، والذي لا يذكر له التاريخ غيره، رغم إخراجه بعض أفلام أخرى، وكان ذلك هو فيلم "السوق السوداء" (1945). وأخذ النقاد يكررون أن الجمهور عجز عن "فهم" الفيلم، الذي يحمل رسالة سياسية قوية، تتحدث عن من حققوا الثراء في زمن الحرب العالمية الثانية، على حساب أغلبية الشعب، بالتجارة في "السوق السوداء". وأنت لا تجد بين الكتابات التي تتناول هذه الواقعة سببا لرد الفعل المزعوم هذا من جانب الجمهور، وهو الجمهور ذاته الذي كان يتلقى بالترحيب والفهم "رسائل" سياسية، حتى في أكثر الأفلام جماهيرية وشعبية. وهكذا لم يتساءل التأريخ ذائع الانتشار للسينما المصرية عن السبب الحقيقي، أو لم يجرؤ أحد على القول به، لأنه سوف يخرج عن التيار السائد، وذلك السبب هو أن فيلم "السوق السوداء" كان سينما ركيكة بالمعنى الحرفى للكلمة، ولا تستطيع أي رسالة – أيا كانت جديتها – أن تجعل من فيلم سيء فيلما جيدا. لكن نتيجة ذلك كله أن ذاعت عبارة "الجمهور عاوز كده"، تبريرا لانتشار أفلام متواضعة في فترات معينة لأسباب محددة، بينما توارت إلى جانبها أفلام تحتشد بالخروج عن المألوف، سواء من ناحية الشكل أو المضمون. لم يطرح أحد ما هو المقصود بـ"كده" في عبارة "الجمهور عاوز كده"، بل الأهم هو عدم تحديد من هو "الجمهور"، وهذا ما أدى ويؤدي إلى الكثير من اختلاط المفاهيم والمعايير، ويؤكد منطق التبرير لا التفسير. فليس هناك في الحقيقة "جمهور" واحد، وأي صناعة سينما ناضجة وراسخة تقسم الجماهير إلى قطاعات، حسب الطبقة والعمر وحتى مناطق السكن، وتتوجه إلى كل قطاع بما يرضي ذوقه، كما أن مثل هذه الصناعات تدرك أنه لا وجود لسينما واحدة، ليس فقط من ناحية الأنواع بين السينما الروائية والتسجيلية والتجريبية وسينما التحريك، ولكن أيضا في تفاوت التعقيد الفني، وأنت في نهاية المطاف لا تستطيع أن تعرض فيلما للمخرج الإيطالي فيديريكو فيلليني، حتى في إيطاليا ذاتها، في دور العرض الجماهيرية التي تعتمد على شباك التذاكر. صناعة السينما الراسخة إذن هي التي تسعى لإرضاء كل الأذواق، بأفلام مختلفة الأشكال والمضامين، ولأنها تعرف جيدا أن السينما هي أكثر الفنون اعتمادا على الجمهور، وعائدات شباك التذاكر، فهي تقدم له مثل هذه الأفلام "مضمونة الربح" (برغم اختلاف النتائج عن التوقعات أحيانا)، كما تصنع سينما أكثر تعقيدا، فيما يسمى "أفلام البرستيج"، التي لا تتوجه إلى الجمهور العريض، بل إلى قطاع محدد منه. والأهم هو أن صناعة السينما الراسخة تستطيع أن ترعى مخرجا يقدم النوعين معا، فمخرج مثل ستيفن سبيلبيرج حقق أرقاما قياسية في شباك التذاكر في وقت عرض فيلمه "الفك المفترس"، لكنه في فترات لاحقة قدم فيلما مهما وغير جماهيري عن عبودية الزنوج في التاريخ الأمريكي في فيلم "أميستاد". كما أن فرانسيس فورد كوبولا، صاحب "الأب الروحي" بأجزائه الثلاثة ذات الجماهيرية العريضة، هو الذي صنع أيضا فيلمه الصادم (والرائع) على مستوى الشكل والمضمون "نهاية العالم الآن"، الذي لم يستطع حتى أن يفوز بالأوسكار الذي اقتنصه منه فيلم تقليدي تماما، هو "كريمر ضد كريمر". بل إن هوليوود أخذت أخيرا اتجاه استيعاب مخرجين غير تقليديين لتقديم أفلام جماهيرية ذات مذاق جديد، يجمع بين التجريب والذوق الجماهيري معا، مثل "باتمان يبدأ"، و"كراش" أو تصادم"، و"بابل"، و"نادي القتال"، وهي جميعا أفلام تتخلى عن أسلوب السرد الذي يمضي بالتتابع الزمني المعتاد، وتصنع تداخلا بين الأزمنة والأماكن، ومع ذلك فإنها تظل قريبة إلى وجدان المتفرج وعقله، لأنها تقدم حلا للمشكلة الأهم في أي سينما، وهي للأسف المشكلة التي لا نعيرها في السينما المصرية التي يسمونها "مستقلة" الكثير من الاهتمام، وهي "كيف تحكي قصة"، والقصة هنا ليست مجرد الحدوتة، بل البناء المتماسك حتى في الأفلام التسجيلية أو التجريبية، وللأسف تكون النتيجة هي تبرير الركاكة السينمائية بأنها سينما "مختلفة"!! وهكذا وجدت السينما المصرية نفسها خلال السنوات الأخيرة مشتتة بين نوعين من الأفلام، أولها هو سينما الفرجة بأكثر المعاني رداءة، بالجمع في شريط سينمائي بين النكات والرقصات والأغنيات فيما لا يشبه الأفلام، بل هو أقرب إلى مسرح المنوعات، مثل "عش البلبل" و"8 %"، أو فرجة تعتمد على أكثر مفاهيم "الأكشن" تخلفا، والذي يعتمد على قدر هائل من الدماء والصرخات وضجيج الصورة والصوت، مثل "ابراهيم الأبيض" و"عبده موتة" و"قلب الأسد". أما النوع الثاني فهي السينما التي تخلو من أقل قدر من التشويق (بحجة الاختلاف)، مثل "فرش وغطا" أو "الشتا اللي فات". وكالعادة، فإن النقاد يكيلون المديح لهذا النوع الثاني، بينما ينهالون بالتقريع على النوع الأول، ويرمون بالاتهام على الجمهور، الذي هو "عاوز كده"!! إن هذا التناقض الذي لا يمكن أن يجد حلا في ظل تلك الثنائية، لم تعرفه السينما المصرية إلا مؤخرا، ولابد لنا لكي نعرف الأسباب الحقيقية لسيادة أفلام جماهيرية ركيكة، أمام أفلام غير جماهيرية لكنها ركيكة أيضا، أن ندرك أن ذلك كان بسبب سياق سياسي واقتصادي واجتماعي كامل، أقام حاجزا مصطنعا بين الجماهير ومن أطلقوا على أنفسهم لقب "الصفوة" أو "النخبة" (ولن تعرف أبدا من اصطفاهم أو انتخبهم)، وبسبب تراجع الطبقة الوسطى التي هي عماد أي صناعة سينما جادة وقوية، وبسبب تداعي أماكن العرض وتقلصها. لم يكن ذلك هو حال السينما المصرية منذ منتصف القرن العشرين وحتى نهاية الثمانينيات، فخلال ما أسميه "العصر الذهبي" للسينما المصرية في الخمسينيات والستينيات، كنت تجد أفلام اسماعيل ياسين الجماهيرية جنبا إلى جنب أفلام صلاح أبو سيف وتوفيق صالح، وأفضل أفلام بركات مثل "دعاء الكروان" أو "الحرام"، وفيلم عاطف سالم "أم العروسة". وكانت تلك أيضا الفترة التي تبلورت خلالها أنماط فيلمية مصرية ذات مذاق خاص وتتمتع بالجماهيرية، مثل أفلام "الأكشن" والفتوات عند نيازي مصطفى، وأرقى أنواع الكوميديا عند عباس كامل وفطين عبد الوهاب، والسينما الاستعراضية الغنائية عند حسين فوزي، وأفلام التشويق البوليسي عند كمال الشيخ. وهذا ما تكرر على نحو ما خلال الثمانينيات، فعادل إمام قدم أفلاما خفيفة عديدة ذات جماهيرية ساحقة، كما كان بطلا في فيلم رأفت الميهي "الأفوكاتو" وفيلم محمد خان "الحريف". وفي تلك الفترة دخلت إلى سوق صناعة السينما المصرية شركات إنتاجية، استطاعت أن ترعى مخرجين جادين من جيل خيري بشارة وداود عبد السيد وعاطف الطيب وغيرهم، ولم يكن غريبا أن شركة "العدل جروب"، بل شركة "أفلام السبكي"، قدمتا في هذه الفترة أفلاما لم تكن جماهيرية بالمعنى المألوف، مثل "حرب الفراولة" أو "الرجل الثالث"، وهي الشركات ذاتها التي تحجم اليوم عن مثل هذه المغامرة، أو أنها أصبحت علامة على السينما المبتذلة، مثلما هو الحال مع أفلام عائلة السبكي. هل كان الجمهور حقا هو السبب في تلك التحولات؟ أم أن هذه الجماهير – على اختلاف مستوياتها – هي التي تعرضت لتحولات عميقة وكاسحة معا؟ وكان أهم هذه التحولات هو أن السينما لم تعد كما كانت دائما، وكما هي بالفعل في معظم بلدان العالم، من وسائل الترفيه الأساسية للطبقة الوسطى، فكان أن انصرف أبناء هذه الطبقة عن السينما، التي أصبحت في معظم الأحوال نوعا من "شوادر الموالد" أو السيرك. كما انسلخ قطاع آخر اعتبر نفسه مختلفا، ليقدم سينما فاترة لا تتوجه إلى أي جمهور. وهل نحن بحاجة دائمة للتذكير بكارثة فيلم "المسافر"، الذي أنفقت عليه وزارة الثقافة المصرية عشرين مليونا من الجنيهات، بينما لم يحقق من العائدات أرقاما تتخطى الآلاف؟ لكنك لن تعدم أن تجد من بين النقاد من يشيد بهذا الفيلم، الذي أتحدى أن يكون هناك أحد قد فهمه أو استمتع به، ليس بسبب عمقه، وإنما بسبب ركاكته البالغة. وبعد ذلك كله يلقون باللوم على الجمهور!! لكن تلك ليست أبدا مشكلة الجمهور، الذي يريد في النهاية أن يشعر بـ"المتعة"، بل إنها مسئولية السينمائيين والمسئولين عن صناعة السينما، الذين فقد بعضهم إيمانه بالسينما، بينما فقد بعضهم الآخر إيمانه بالجمهور!!

Saturday, January 18, 2014

تأملات نقدية فى الثورة المصرية


لا شىء يولد من لا شىء، ذلك أحد قوانين الوجود والتاريخ، والواقع الذى يولد الآن هو ابن واقع ولد قبل عقود، وهو الذى سوف يلد بعد عقود أخرى واقعا جديدا. لعلى أجازف الآن بالخروج عن التيار السائد الذى يحتفى بثورة الشعب المصرى، ويردد أقوالا بأن مصر قبل 25 يناير غيرها بعدها، وأن "الشباب" أكثر حكمة من الشيوخ، فبرغم ما فى هذه الأقوال من بريق فإنها تنذر بالابتعاد عن النظرة التاريخية التى تضع الأمور فى سياقها. ولا أدرى إن كان من الأمور الملحة أن يدعى أحد أو جيل أو فصيل أو فئة أنهم وحدهم أصحاب الثورة، وبالتالى فهم الأولى باغتنام مكاسبها. فمن السابق لأوانه بكثير أن نتحدث عن غنائم (وليس هناك أسوأ من الحديث عن الثورة بهذا المفهوم)، ناهيك عن اعتقادى الذى أكرره مرة أخرى: لا شىء يولد من لا شىء. نعم، لم يستطع أى منا أن يتنبأ بأن تحدث الثورة على هذا النحو الجارف، وأن تنتصر الإرادة الشعبية والسلمية على الأدوات القمعية والفاشية لنظام كان قد قرر أنه لن يسلم الوطن لأصحابه إلا محترقا، لكن هذا "العناد" الغبى والأبله من جانب النظام قابله "إصرار" عاقد العزم من جانب الجماهير. وبرغم عدم قدرتنا على التنبؤ بما حدث وما سوف يحدث، فإننا نستطيع على الأقل تحليله وقراءة ما يمكننا أن نفعل فى المستقبل القريب. يحلو للبعض منا – خاصة من جيل الكهول والشيوخ - أن يعترف فى نوع من المازوكية بالتقصير، وبالإذعان لسلطة قمعية مارست كل أنواع المهانة والهوان للشعب. لكن هل بمثل هذه البساطة ننسى كيف انتهى بنا الأمر إلى ذلك؟ إننا لو نسينا فسوف نتعرض مرة أخرى لنفس ما تعرضنا له. وإذا كنت لا أدعى أبدا فهم السياسة، كما أننى لم ولن أفكر يوما فى ممارستها والانخراط فيها، فقد كنت على الأقل "شاهدا" على الفترة التى تعرّض فيها الشعب المصرى لمؤامرة بالمعنى الحقيقى للكلمة، برغم أن البعض منا كان يسخر من اللجوء إلى نظرية المؤامرة، وإن كان هذا ذاته جزءا من مؤامرة. سوف يحكى التاريخ يوما، وبقدر أكبر من الحياد، عن هذه الأجيال السابقة واللاحقة، ويربط الأحداث ببعضها فى سياق متصل، وهذا ما أحاول أن أفعله الآن دون الزعم بأننى أملك فهما جاهزا له، بل إن كتابتى هذه ليست إلا محاولة للفهم، ولعلها تنجح أو تخفق، لكن ذلك لا يثنينى عن المحاولة. إننى أتذكر الآن كيف تمت سرقة انتصار أكتوبر، على الأقل فى قدرته على إعادة الإيمان لنا بقدرتنا على الفعل، ليسلِّم نظام السادات إلى أمريكا "كل أوراق اللعبة"، ويقنعنا بدور المتفرج على لعبة القمار السياسية بأقدارنا. ولأن السياسة وحدها لا تستطيع تحويل مجرى الصراع بيننا وبين عدونا الأول إسرائيل، على الأقل بين عشية وضحاها، فقد استخدم السادات ووريثه مبارك سلاح الاقتصاد ليجعل الشعب المصرى يركع ويذعن، ويبتلع الهزيمة مرة بعد أخرى. وإذا كانت الأوهام التى حاول النظام إشاعتها بيننا قد نجحت فى ذلك الحين فى التأثير فى قطاع كبير من أبناء جيلى، فإن هذه الأوهام ما تزال سائدة بين الجيل الشاب الذى يحاولون تحجيمه الآن من خلال تضخيمه بالقول بأنه الذى قام بالثورة وحده. من هذه الأوهام وُضع كل التاريخ المصرى (منذ قيام ثورة يوليو) فى سلة واحدة، لا فرق بين نظام عبد الناصر الوطنى ونظام السادات ومبارك القائم على التبعية والقيام بدور "السمسار" لأمريكا وإسرائيل. أضف إلى ذلك أيضا وهم أن ضعف الاقتصاد المصرى نتج عن حروبنا مع العدو الصهيونى، وإيهام الأجيال الشابة – التى لم تحضر فترة الصراع – بأن مصر كانت خرابا آنذاك. إننى لا أقول ذلك تمجيدا لفترة عبد الناصر، فالتاريخ لا يعود أبدا إلى الوراء، وسياق الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى يختلف بالتأكيد عن السياق المعاصر، وبعض أحلامنا الماضية تختلف عن أحلام الجيل الشاب، لكن ما أريد أن اقوله هو أننا فرطنا فى "الثوابت" التى بدأت حتى قبل عبد الناصر ففقدنا الاتجاه، وأرجو أن نستعيده مرة أخرى لنصنع المستقبل على أرض راسخة. فقد جيلى الاتجاه لأنه حورب فى أبسط احتياجاته الأساسية: التعليم والعلاج والعمل والمسكن. قيل لنا وصدقنا – وأخشى أن يستمر هذا المفهوم – أن "الحكومة ليست ماما"، وفى نفس الوقت قيل لنا أن "رئيس الجمهورية هو بابا"، وياله من تناقض!! تهاوت الحواجز بين الدولة والحكومة، وأصبح الوطن أرضا تباع وتُشترى وتُقدر قيمته بثمن المتر!! وكان علينا أن نمضى فى طوفان عارم ومصنوع ببراعة ليس أمامنا فيه إلا أن نبحث عن أن نطفو وينجو كل منا بجلده وبطريقته، نبحث لأبنائنا عن فرصة تعليم فى مدارس خاصة، لأن ما قدمه عبد الناصر لأفقر الفقراء من تعليم مجانى - تطبيقا لمقولة طه حسين الشهيرة - أصبح سياسة شمولية، ولا نجد العلاج إلا عند تجار الطب الذين يرتعون بلا ضابط أو رابط، ونسعى للبحث عن عملين أو ثلاثة لمجرد توفير هذه الحاجات الأساسية، ونتغرب سنوات حتى نجد مسكنا أصبح معرضا فيما بعد لأن تقوم الحكومة بتأجيره لنا تحت اسم الضرائب العقارية، ويهتم كل منا بأن تكون له سيارته الخاصة لأنه لم يعد هناك ما يسمى بوسائل النقل العام الموجود فى كل دول العالم، لكنهم عندنا قد ربطوا بين أى قطاع عام وبين الاشتراكية البغيضة كما صوروها لنا. من هذا السعى المحموم للآباء والأمهات لتوفير الحاجات الأساسية للأبناء، وتجنيبهم بقدر الإمكان المصاعب التى واجهها جيل الكهول والشيوخ، خرج الجيل الشاب متحررا إلى حد ما من هذه العبودية التى تم فرضها علينا قطعة وراء أخرى، بطريقة أطلقتُ عليها فى مقالات سابقة "عوامل التعرية" النفسية. تأمل مثلا كيف بثوا فينا أخلاقيات القمار بالمعنى الحرفى للكلمة، بدءا من البورصة الوهمية التى جرّت إليها البسطاء الذين لا يفهمون فيها لكنها تعطيهم الحلم بربح ليس من ناتج العمل، تماما ككل مسابقات التليفونات وبرامج التليفزيون التافهة، مع غسيل مخ يومى بأن "مصر فوق الجميع"، و"مالناش دعوة بالعرب"، و"الفلسطينيين يستاهلوا اللى جرى لهم"، سواء فى صحف ومجلات وبرامج تليفزيونية ربما تخجل إسرائيل ذاتها عن أن تكرر ما فيها من غثاء سافل. وربما لا يعرف الجيل الشاب أسماء مثل عصمت سيف الدولة، أو فؤاد مرسى، وعشرات غيرهم ناضلوا طويلا من أجل فضح سياسات السادات ومبارك، وقد أشرت فى إحدى مقالاتى منذ شهور قليلة إلى كتابات الدكتور فؤاد مرسى فى جريدة الأهالى منذ الثمانينيات عن وهم الإصلاح الاقتصادى، وهى الكتابات التى ما تزال تنطبق على اللحظة الراهنة، وفى المقابل كانت أحزاب المعارضة تتراجع، فى مؤامرة لتسليمها إلى السلطة، مما جعل أسماء أخرى تتراجع (دائما أتذكر فى هذا السياق الدكتور جودة عبد الخالق، فهو من أكثر محللى الاقتصاد وضوحا وبساطة، لكننى لم أعد أجده كثيرا)، كما ذوت مطبوعات هذه الأحزاب واختفى بعضها (حتى الآن لا أدرى سبب اختفاء مجلة "اليسار" مثلا). لقد كانت أجنحة الوطن يُنزع عنها الريش، ولا تبقى إلا محاولات فدائية مستميتة، بعضها من أساتذتى وأصدقائى فى هذه الجريدة، والأخرى متناثرة مثل كتابات الراحل مجدى مهنا. لماذا أذكر هذا كله الآن؟ مرة أخرى لأن لا شىء يولد من لا شىء، فقد كانت روح المقاومة لا تذوى أبدا تحت الرماد، ومن خلال أحداث مرت بنا كان اللهب يزداد شيئا فشيئا، بدءا من مظاهرات المدارس تأييدا للانتفاضة الفلسطينية فى أواخر التسعينيات، ومرورا بتجرع مرارة العجز مرة أمام الاحتلال الأمريكى للعراق، ومرة أخرى أمام العدوان الإسرائيلى على غزة، مع حركات الرفض مثل كفاية، و6 أبريل، وإضراب موظفى الضرائب العقارية (بقيادة صديقى الذى لا يعرفنى شخصيا كمال أبو عيطة)، وكل حركات الاحتجاج الفئوية على الظلم الاجتماعى، وأكاد أجزم أن حادث كنيسة القديسين – الذى دبرته السلطة فى يقينى للإلهاء عن مهزلة سرقة الانتخابات الأخيرة – أضاف مرارة أخرى إلى مرارة تجرع صلف أحمد عز فى تنظيره الممجوج لسطو عصابته على حق تمثيل الشعب فى الانتخابات الأخيرة. من كل تلك الحركات والمرارات، بالإضافة إلى الشعور الأكثر مرارة بأنه ليس لدينا وطن ودولة بالمعنى الحقيقى للكلمة، اندلعت شرارة الاحتجاج، الذى تحول إلى ثورة فى مواجهة بلادة نظام قال عنه أستاذنا هيكل منذ أكثر من عشر سنوات أن الشيخوخة قد تملكت من أوصاله. لذلك كله أعتقد أنه من الخطأ ترويج أسطورة ثورة الشباب، وهو الخطأ الذى سوف يتبعه محاولة استقطاب بعض عناصر شابة لتدخل مؤسسة النظام، وتتكرر مآسى سابقة عانينا منها مع جيل الستينيات والسبعينيات الذى دخل بعض أفراده دائرة الفساد الساداتى والمباركى، ليصبحوا أسوأ ما فى النظام. النمل وأشباهه وحدهم هم الذين يكررون التاريخ ولا يتعلمون منه، لذلك ينبغى ألا يكون الهدف هو الاختيار بين البرادعى وأيمن نور وحمدين صباحى وأحمد زويل وما يستجد من أسماء ليكون رئيسا لجمهورية مصر، فليست القضية هى مساعدة شخص مثل محمد على ليكون واليا علينا كما حدث فى بداية القرن التاسع عشر، لكن الأهم هو أن يكون لنا "وطن"، ومؤسسات، وعقد اجتماعى عادل، وحرية تعبير حقيقية، وحقوق لا خلاف عليها فى التعليم والعلاج والعمل والمسكن، ولن يأتى هذا إلا إذا أطلقت الحريات السياسية الكاملة ليس فى إنشاء الأحزاب فقط وإنما فى ممارسة العمل السياسى فى كل مكان. الطريق طويل، لكن هناك علامات له، وبرامج وخططا وأهدافا، ولا أدرى لماذا – على سبيل المثال لا الحصر – لا نراجع ورقة الدكتور محمد غنيم بشأن الإصلاح، وإذا كنا قد نسيناها فذلك دليل على الخطأ الذى نكرره بأن نبدأ فى كل مرة من نقطة الصفر من جديد، وسوف تكون حجتنا هذه المرة أنها ثورة الشباب، وعلى الكهول والشيوخ أن يتراجعوا إلى خلفية الصفوف. وبرغم أن التحمس للشباب يبدو ذا بريق خاص فإنه يعنى أننا ما نزال بعيدين عن مفهوم المؤسسات بمعناها الأصيل، فالأسماء والأعمار – أو أى فوارق أخرى – ليست هى المعيار، والمهم هو القدرة على العطاء، ولنتذكر دائما أن من يتولى مهمة ليس إلا موظفا لدى أصغر وأفقر مواطن فى مصر، الذى يملك الحق – إن لم يحصل على حقوقه المشروعة – أن ينحى رئيس الحى أو المدينة، ونائب مجلس الشعب، ورئيس الوزراء، ورئيس الجمهورية، من خلال صندوق الانتخاب الذى تتوفر كل الضمانات لعدم التلاعب به. بل إن المعركة الأصعب هى أن بقايا النظام ما يزال يتمسك بطريقته السلطوية الأبوية، وهو ما يبدو على سبيل المثال فى خطاب رئيس الوزراء أحمد شفيق، الذى يبدو أن أمامه بعض الوقت لكى يتعود على محاسبتنا له، وليس لكى نتعود نحن على أن نبقى مستمعين متفرجين على بياناته التى لا تخلو لهجته فيها ومضمونها من قدر غير قليل من صلف النظام القديم. تبقى بعض الأوهام التى يجب علينا أن نتخلص منها سريعا، بعضها يشبه سعادة الوقوع تحت تأثير مخدر، مثل القول بأننا شعب مختلف عن كل شعوب العالم، فوجه الاختلاف الوحيد هو قدرتنا على الضحك فى أكثر اللحظات قتامة (تأمل مثلا الشعارات المرفوعة وسط توتر الثورة)، لكن أسباب نهضة الشعوب واحدة فى كل مكان، وهى تبدأ دائما بتعزيز شعور الانتماء إلى وطن، والوطن ليس كلمة أو مفهوم مجرد، وإنما هو بيت وأسرة وحياة يومية كريمة. أما الوهم الأخطر من وجهة نظرى فسوف يكون الاكتفاء بالوقوف فى ميدان التحرير دليلا على الوطنية والعبقرية، وفى مجالى الوحيد الذى أنتمى إليه (النقد السينمائى) أتوقع أن أجد مخرجين وممثلين وكتاب سيناريو يقدمون أعمالا متواضعة، ويكشرون فى وجهك قائلين أنهم كانوا مع الثورة!! الثورة الحقيقية يا قارئى العزيز هى أن نتعلم منذ الآن كيف يتقن كل منا ما يصنعه، ويعود تفاعلنا مع العالم بعد أن اكتفينا بنفسنا وجهلنا طويلا، وكما ثرنا على نظام قمعى سرق منا أحلى سنوات عمرنا، يجب أن نثور أيضا على الضحالة والتفاهة والانكفاء المقيت على الذات ... لذلك فإن الثورة قد بدأت، لكنها لم تنته بعد.

Friday, January 17, 2014

حياة الموسيقيين في السينما


من الغريب أن الشعب العربي يعشق الموسيقى والأغنيات عشقا يكاد لا يدانيه فيه شعب آخر، ونحن نسمي الغناء "طربا" عندما ننتشي به ونطرب، بل نطلق أيضا ألفاظا أكثر مبالغة وصفا لزيادة حالة النشوة من سماع الغناء والموسيقى، مثل "السلطنة"! ولا يقتصر ذلك على الأجيال الأكثر عمرا كما نتصور للوهلة الأولى، فهو يمتد إلى الأجيال الجديدة على نحو قوي، وهو الأمر الذي استغلته بعض القنوات الفضائية، التي خصصت برامج لاكتشاف مواهب غنائية وموسيقية جديدة، حتى أن هذه البرامج تحولت في لا وعي الشباب من الجنسين إلى نوع من أحلام اليقظة. أقول من الغريب أن يكون ذلك هو واقع الحال، بينما السينما العربية – والمصرية بشكل خاص – تكاد أن تخلو من الاعتماد في أفلامها على قصص حياة الفنانين العرب، سواء في مجال الموسيقى أو الغناء، بينما تحتشد على العكس بأفلام حياة الراقصات، سواء كن حقيقيات أم من تأليف صناع الأفلام. غير أن السينما العالمية اعتمدت كثيرا على مثل تلك الموضوعات، لأنها في الأغلب مضمونة النجاح، بسبب عشق الجمهور لهذا المغني أو الموسيقي أو ذاك، لذلك فإن هناك العشرات من الأفلام التي تناولت حياة إلفيس بريسلي على سبيل المثال، وعشرات أخرى عن بيتهوفن وتشايكوفسكي وإدوارد جريج وغيرهم كثير. وكان الأهم في معظم هذه المعالجات البحث عن محور "درامي" تدور حوله الأحداث، وليس مجرد سرد أحداث متناثرة أو هامشية، ولعل الأبرز على الإطلاق في هذا السياق هو فيلم المخرج التشيكي الأصل ميلوش فورمان "أماديوس"، الذي يأخذ الموسقي الأشهر موزار بطلا له، ففي معالجة بالغة التميز، خاصة من كاتب السيناريو عن مسرحيته هو ذاته، بيتر شافر، جعل محور الدراما هو منافس موزار في زمانه، أنطونيو سالييري، الذي كان برغم أنه كان الأقرب من أصحاب السلطة والسلطان يغار من موزار غيرة قاتلة، لأنه يعلم أن هذا الأخير هو الموهوب حقا، حتى أنه استنزفه حتى الموت في كتابة قداس جنائزي وهو في حالة حمى، ليجعل الفيلم من هذا القداس ذروته ونهايته. في الحقيقة أن "أماديوس" يمثل حالة فريدة من استخدام السينما للموسيقى وحياة المؤلف الموسيقي، رغم ما قد يكون هناك بعض الابتعاد عن الحقيقة التاريخية، لكنه الابتعاد الذي يطلقون عليه "الرخصة الإبداعية". ويمكنك أن ترى نموذجين متناقضين في هذا المجال، بين فيلم "يوميات أنّا ماجدالينا باخ"، الذي يلتزم التزاما حرفيا بالتاريخ، حتى أنه يبدو أشبه بمحاضرة عن حياة الموسيقي الشهير يوهان كريستيان باخ، من خلال يوميات زوجته، لكنك قد لا تجد متعة كبيرة في الفيلم، بينما هناك فيلم آخر وصل في استخدام الرخصة الإبداعية إلى حد بعيد، وهو "ناسخة بيتهوفن"، الذي يتناول السنوات الأخيرة من حياته، حين أصابه الصمم، وقاد الأوركسترا ليعزف واحدا من أعماله الأخيرة، السيمفونية التاسعة أو الكورالية، وهو لا يكاد يسمع أصوات الآلات، فيأتي الفيلم ليخترع شخصية فتاة عملت معه في تلك الفترة، وأعادت له الأمل في الحياة والإلهام، ولتنسخ له المدونات الموسيقية على الورق، ولتختفي من وراء الستار لتدله على الإشارات التي يجب أن يوجهها للفرقة الموسيقية الكبيرة. يعلم الكثيرون أن تلك قصة مخترعة وليس فيها ظل من حقيقة، ومع ذلك جاء المشهد الأخير عميق التأثير عاصف الانفعالات. وتلك هي المرونة التي تتسم بها السينما العالمية في معالجاتها لقصص حياة المشاهير، وهو الأمر الذي لا ينطبق فقط على مؤلفي الموسيقى الكلاسيكية، بل يمتد أكثر لعالم الموسيقيين والمغنين الجماهيريين من كل العصور. تأمل على سبيل المثال فيلم "راي" عن حياة الموسيقي المبدع الزنجي الضرير راي تشارلز، فرغم أنه يستعرض سلسلة من نجاحات البطل وإخفاقاته في حياتيه العاطفية والفنية، فهو يصطنع محورا لأزمة عاشت معه طوال حياته، لإحساسه بالذنب لأنه كان سببا في وفاة شقيقه عندما كانا في مرحلة الطفولة. كما أن فيلم "الحياة في لون وردي" يتناول حياة المغنية الفرنسية الشهيرة إديت بياف، وهي الحياة التي احتشدت بتقلبات عاصفة، حتى أنها بدت في النهاية "عصفورة" غردت لتمتع الملايين، بينما هي في الحقيقة تصرخ ألما. أما فيلم "السير في الطريق المستقيم"، فهو يتناول حياة مغني موسيقى "الكانتري" جوني كاش، الذي كاد أن يفقد مساره مرات عديدة، ويسقط من ذاكرة معجبيه، لولا وقوف زوجته وشريكته في الغناء جون كارتر إلى جانبه. وهناك أفلام تخلق عالما مصطنعا كاملا، له نكهة خاصة، متماسا مع حياة مغنين مشهورين وإن لم يكن يروي قصة حياتهم، مثل فيلم مغني "الراب" الأمريكي إيمينيم "8 أميال"، ليبدو الفيلم كأنه تصوير لقصة كفاحه من السفح حتى قمة الشهرة، أو الفيلم الذي لعبت بطولته الممثلة الرائعة ميريل ستريب "ماما ميا" (وهذا اسم أغنية شهيرة لفرقة "آبا")، لتبدو عضوة في الفرقة انتهت في كهولتها للعيش في حياة عائلية ساكنة، ثم عودتها للغناء من جديد تعبيرا عن حبها للحياة. وبالمقارنة، فإن الأفلام المصرية عن الموسيقيين والمغنين – التي لا يتجاوز عددها أصابع اليدين – تفضل ألا يدور الفيلم عن الموسيقى أو الغناء، ودورهما في حياة الفنان والإنسان، بينما تميل إلى اتخاذ قصة حياته وسيلة لصنع حبكة بالغة الميلودرامية. هذا هو ما يمكنك مثلا أن تجده في فيلمي المخرج حسن الإمام "بديعة مصابني" الذي لعبت بطولته نادية لطفي، و"سلطانة الطرب" عن منيرة المهدية ومن بطولة شريفة فاضل، فأنت لا تكاد أن تتذكر بعد أن تشاهد الفيلم شيئا ذا بال من فن هاتين الشخصيتين، اللتين بلغتا في زمانهما ذروة الشهرة، وما سوف يبقى في ذاكرتك عن الأولى أنها كانت على علاقة حب غير ناجحة مع نجيب الريحاني، ورحلتها التي قادتها في النهاية إلى الوحدة والانعزال، أما الثانية فهي تعيش مع حسن الإمام حبكة تبدو منتزعة من فيلم هندي تقليدي، عن الفلاحة التي صعدت إلى الشهرة، وعن ابن لها أنكره أبوه مما جعلها تعيش حياة غارقة في الآلام. وإذا كان فيلم "سيد درويش" قد اهتم إلى حد ما بالجانب الموسيقي من حياة أهم الموسيقيين المصريين والعرب، فإنه لم يخلُ أيضا من الاستطرادات حول غرامه بشخصية جليلة العالمة (هند رستم)، إلى جانب بعض اللمسات السياسية التي جعلته يشترك بفنه في ثورة 1919. لكن الكارثتين بالمعنى الفني لقصص حياة المغنين والمغنيات، جاءتا مع أشهر اثنين من مطربي القرن العشرين. الأول هو فيلم "كوكب الشرق"، للمخرج محمد فاضل وبطولة فردوس عبد الحميد، فليست هناك أي "بؤرة درامية" للمشاهد التي تراها على الشاشة، حتى أن الفيلم يبدو مجرد تحقيق لرغبة الممثلة في تجسيد شخصية أم كلثوم. وهو الأمر ذاته الذي ينطبق على الفيلم الثاني "حليم"، الذي يبدو عملا فنيا بدائيا، للممثل القدير أحمد زكي وهو "يقلد" عبد الحليم حافظ، ولا يعتمد في حبكته إلا على سلسلة من المشاهد التي يسرد فيها الممثل فقرات عن حياة المطرب الكبير، دون أن يكون هناك رابط فني حقيقي يجمع بينها. الأغرب أن المشاهد الأكثر دفئا عن موسيقيين ومغنين جاءت في أفلام لا تروي سيرة واحد منهم، بل هي جزء من نسيج الشخصية والدراما. فبالقرب من نهاية فيلم "فيللا 69" يتشارك رجل كهل مع صبي مراهق في عزف شجي تعبيرا عن تلاقي الأجيال، وفي "فيلم هندي" مشهد للعزف والغناء الدافئين يجمع كهلا مسيحيا وشابا مسلما تعبيرا عن روح الوحدة الوطنية. وفي الحقيقة أنهما مشهدان يمكن أن تعتبرهما تنويعين على مشهد النهاية من فيلم "الكيت كات"، حين يجلس الأب وابنه على شاطئ النيل، وقد ذابت الحواجز التي كانت تفصل بينهما، ليعزفا ويغنيا عن "حصان الخيال".... ذلك هو الخيال الذي ينبعث من طرب وسلطنة الموسيقى والغناء في حياتنا، لكنه يغيب كثيرا عن أفلامنا.

Wednesday, January 08, 2014

فيلم "المواطن".... فيلم لا يحمل رائحة الوطن


من حق أي فنان عربي أن يطلق على نفسه "عالميا" لأنه استطاع الحصول على دور ما في فيلم أمريكي، أو قد يصل الأمر به أيضا للاستئثار بدور البطولة، كما حدث مع الممثل المصري خالد النبوي في فيلم يدعى "المواطن"، وقد تهلل بعض مطبوعات الصحافة العربية الفنية للحدث، حتى قبل أن يشاهد البعض الفيلم، أو قبل أن يبحثوا عما إذا كان لصانعيه – كتاب سيناريو أو منتجين أو مخرج – وجود حقيقي في السينما الأمريكية. وذلك في الحقيقة انعكاس لإحساس جارف بالرغبة في إثبات الذات، وسط صناعة سينمائية عالمية تجاوزت بمراحل واسعة السينما المصرية صناعة وفنا، أو كأننا نتعلق بالقشة في محاولة للنجاة من الغرق. ولسنا هنا في سياق تأكيد أو نفي موهبة خالد النبوي في التمثيل، فالتمثيل يكاد أن يكون أكثر العناصر السينمائية التي يختلف فيها المتفرجون والنقاد، تبعا للتجاوب أو النفور العاطفي تجاه الممثل أو الممثلة. لكننا سوف نحاول أو نلقي الضوء على الفيلم سواء من ناحية الشكل أو الرسالة، خاصة أنه قد يبدو للوهلة الأولى دفاعا عن "الشخصية العربية"، التي واجهت وما تزال تواجه هجوما شرسا من السينما الأمريكية، بل كل وسائل الإعلام هناك، وهو ما يتأكد على سبيل المثال في كتاب الباحث الأمريكي من أصل لبناني جاك شاهين "العربي الشرير في السينما الأمريكية"، الذي أحصى فيه – حتى عام 2000 – حوالي تسعمائة فيلم أمريكي تعاملت مع الشخصية العربية بشكل سلبي. وقد تكون الملاحظة الأولى هي الشكل بالغ التقليدية للفيلم، الذي يلجأ إلى "فلاش باك" طويل جدا ليحكي حكايته، من خلال وعي بطله ابراهيم جراح (خالد النبوي)، الذي يقف في المحكمة ليواجه رفض الحكومة الأمريكية لطلبه بالحصول على الجنسية، لكن الفيلم يقع في الخطأ البدائي لمثل هذا البناء، وهو أن يتضمن مشاهد لم يكن البطل طرفا فيها، وبالتالي لا يمكن أن تنبعث من ذاكرته. وبعد أن يقضي الفيلم الوقت الأكبر من عرضه في رواية قصة ابراهيم منذ لحظة وصوله إلى أمريكا، وقد تنقل قبلها بين عدة بلدان عربية منطلقا من موطنه لبنان، غير أنه لم يجد فيها مستقرا، يعود الفيلم إلى مشهد المحاكمة التقليدي، حيث يتنافس وكيل النيابة والمحامي على طريقة الأفلام العربية، لكن ما يحسم القضية هو استرسال البطل ابراهيم في "خطبة" طويلة أخرى، يبدو فيها ليس مدافعا عن نفسه فقط، وإنما عن الدستور الأمريكي أيضا أكثر من الأمريكيين أنفسهم، ليحصل على حق المواطنة بعد تلك الرحلة من المعاناة التي تبدو طويلة. من جانب آخر يأتي الفيلم متناقضا تماما مع "الرسالة" التي يفترض أنه يسعى إليها، وهي زيف "الحلم الأمريكي"، لكن المفارقة أن يؤكد صحة هذا الحلم في المشهد الأخير، وقد امتلك البطل الذي أتى إلى أمريكا خاوي الوفاض سيارة فارهة ومنزلا فاخرا، تنتظره على أعتابه زوجته الجميلة وطفله الرقيق! غير أن المثير للدهشة حقا أن تحقيق هذا الحلم يأتي من خلال بناء الفيلم في سلسلة من "المصادفات" التي لا تنتهي (على طريقة الأفلام العربية أيضا)، وقد تسأل نفسك: ماذا كان يحدث لو لم تقع هذه المصادفة أو تلك؟ لكن صناع الفيلم لم يسألوا أنفسهم هذا السؤال أبدا، لأنهم مشغولون على الدوام بتلفيق مجموعة من المآزق التي يقع فيها البطل، الذي لابد له أن تنتهي رحلة معاناته عند السيارة الفارهة والبيت الفاخر. "حدوتة" الفيلم باختصار هي أن ابراهيم يصل إلى مطار نيويورك، متوقعا اتنظار ابن عمه له، لكنه يجد نفسه وحيدا أمام سلطات الجوازات التي تجري له تحقيقا مطولا. وهو يبحث عن فندق رخيص يقيم فيه، وبالمصادفة وفي دقيقة وصوله ينقذ الفتاة الأمريكية دايان (أنييس بروكنر) من صديقها الذي يعاملها بعنف، لتأخذه (وتأخذنا معه) في جولة سياحية في الدينة، وسوف تمتد العلاقة بينهما طوال الفيلم، دون أن تعرف أنت كمتفرج طبيعة هذه العلاقة، لكي يتزوجا في النهاية، ويعيشا في التبات والنبات. وبالمصادفة أيضا تقع أحداث الحادي عشر من سبتمبر في اليوم التالي لوصوله، لنراه مشتركا على نحو بالغ التعاطف مع الضحايا، مع لمسات عابرة من مظاهر العداء للعرب والمسلمين بعد هذا الحادث، ويتم القبض عليه ليظل مسجونا ستة شهور، حتى يفرج عنه لأنه لا دليل ضده على اشتراكه في أعمال إرهابية. ومن الغريب أنك لن تجد لفترة السجن تلك أي أثر إنساني أو درامي على بطلنا، الذي يتعرف بالصدفة أيضا على رجل هندي أو باكستاني يدعى "مو" (ربما اختصارا لاسم محمد)، ويعمل لديه في محطة الوقود والمحل الصغير الذي يملكه. وبالصدفة مرة ثالثة يقابل في مركز تعليم الإنجليزية للأجانب فتاة لبنانية تدعى "بَهَا"، ويعجب بها حتى أنه يطلبها للزواج، لكن سرعان ما تختفي الفتاة من حياته ومن الفيلم، وكأن وجودها كان مجانيا وبلا ضرورة درامية. هل تريد صدفة رابعة؟ إنه ينقذ أمريكيا "يهوديا" كادت أن تودي بحياته مجموعة من الشباب الأمريكي المتعصب، ليرد له الشاب جميله بتشغيله في محل بيع السيارات الذي يملكه والده بالغ الثراء. ولك أن تتخيل أنه عندما واجه رفض منحه الجنسية الأمريكية، أصبح "بطلا" تُنظم المظاهرات من أجله أمام المحكمة، والسبب هو هؤلاء الذين ساعدهم بالصدفة والذين حشدوا المتظاهرين!! وفي التحليل الأخير فإن الفيلم يأتي كتقليد باهت لقصاصات سينمائية أمريكية، كما في مشهد المحاكمة والمظاهرات، أو للأفلام المصرية التي يقوم بناؤها على منطق الصدفة، أو وجود شخصيات وأحداث يمكن أن تحذفها دون أن يحدث أي فرق. وربما كان الأهم في ذلك كله هو الإيقاع بالغ الرتابة للفيلم، وفقدان المتفرج من الحد الأدنى للتعاطف مع البطل، ولا نطمح للتوحد معه. ولا يملك المرء أمام سذاجة فيلم "المواطن"، بكل الدعاية الصاخبة التي صاحبته، إلا أن يقارنهما بفيلمين آخريين عن نفس التيمة، لكنهما كان أكثر نضجا بكثير، دون أن يعرف المتفرج العربي عنهما شيئا، لمجرد عدم وجود "نجم" (أو هكذا يُفترض) مثل خالد النبوي يدفع هذه الدعاية دفعا. ولم يكن غريبا أن تكون "الممثلة" (بمعنى الكلمة) الفلسطينية هيام عباس موجودة في هذين الفيلمين. الأول هو "الزائر"، من إخراج وسيناريو توماس ماكارثي، عن الأستاذ الأمريكي الكهل الذي يعود إلى شقته التي يملكها في نيويورك، ليجد أن هناك محتالا أجرها لشاب سوري وزوجته، وهو في البداية يصمم على طردهما، لكنه يعطيهما فرصة لأيام معدودة لتدبير أمورهما، لتنمو حالة من الدفء الإنساني بينهم، وقدر أكبر من التفهم لشخصية العربي كإنسان محب للحياة. الفيلم الآخر هو "أمريكا" (هذا بالضبط نطقه وليس "أميركا")، سيناريو وإخراج شيرين دبس، الذي يحكي عن الأم منى فرح (نسرين فاغور)، الفلسطينية التي تعاني في بلادها من حصار المحتلين، فتقرر قبول "اليانصيب" الأمريكي للرحيل إلى هناك مع ابنها، لتنضم إلى بقية العائلة التي سبقتها. وبحس تسجيلي بالغ الرهافة، تعيش فيه الكاميرا مع الشخصيات لحظاتهم الحميمة البسيطة، ونرى منى وهي تبحث عن عمل، حتى تجده في مطعم، لكنها لا تستطيع أن تصارح الأسرة لأنها تحس بأن ذلك يمس كرامتها، غير أن ذلك لا يحميها وابنها من المطاردات العنصرية اليومية. من أجمل مزايا فيلم "أمريكا" أن بطلته الممثلة نسرين فاغور تتمتع بجمال بالغ البساطة، وهي تميل إلى البدانة، وكثيرا ما تتحدث عن رغبتها (كشخصية في الفيلم) في أن تبدأ نظام حمية غذائية للتقليل من وزنها، لكنها تتمتع بروح بالغة الدفء تجعلك تحبها وليس أن تتعاطف معها فقط. إنها ليست "نجمة" بالمواصفات العقيم للسينما المصرية، لكنها ممثلة حقيقية، في فيلم ناضج، يجعلك تعيش مع شخصياته ذكريات الحنين للوطن الأم، وهم يتشممون "الزعتر" الذي جلبته منى معها. وعلى النقيض، أتى "المواطن" فاترا، ولا يحمل أي عبق ولو عابر من الحنين لأي وطن!!

Monday, January 06, 2014

المدن في السينما


منذ مولد السينما في نهاية القرن التاسع عشر، أصبحت "المدن" جزءا لا يتجزأ من العالم السينمائي، لأسباب عديدة تتعلق بالسينما والمدينة معا. فقد كانت تلك هي الفترة التي شهدت ولادة المدن باعتبارها مراكز حضرية رئيسية، وكانت دور العرض السينمائية تتركز في وسط المدن، لكن الأهم على الإطلاق أن السينما كانت الوسيط الفني الجديد القادر على اقتناص روح المدينة وتسجيلها على الفيلم، تلك الروح التي تبدو متغيرة على الدوام، يتفاوت إيقاعها بين الصباح والمساء، مما يخلق سيمفونية بصرية كاملة. وبالفعل كانت أفلام المدن في بدايتها تشبه الأعمال الموسيقية في إيقاعها، مثل "برلين: سيمفونية مدينة"، أو فيلم "الرجل والكاميرا السينمائية"، وهي أفلام تسجيلية اعتبرت في حينها أعمالا تجريبية رائدة. لكن سرعان ما أصبحت المدينة خلفية تدور عليها الأحداث الدرامية، سواء ذات الصبغة السياسية مثل "روما مدينة مفتوحة" و"سارقو الدراجة" و"ماسحو الأحذية"، وهي الأفلام التي تجعلك تعيش في أجواء روما المدمرة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، أو حتى الأعمال الذاتية مثل "روما فيلليني" الذي يبدو أقرب إلى صورة المدينة في عيني صانع الفيلم، أكثر مما هي في واقع الحياة. وفي الآونة الأخيرة، ظهر فيلمان عالميان يفترض أنهما جزءان من سلسلة سوف تكتمل عن المدن، وهما "أحبك يا باريس" و"أحبك يا نيويورك"، لكن كلا منهما يقوم بناؤه على مجموعة من الأفلام القصيرة للعديد من المخرجين، حيث تصبح المدينة أشبه بالبلورة التي يمكن أن تراها في أشكال مختلفة من زوايا مختلفة، بعضها يسوده الحنين والشجن، وبعضها الآخر يحتشد بقدر غير قليل من السخرية والهجاء... بعضها عن شباب يتلاقى في المدينة لكي يعيش مستقبلا جديدا، وبعضها الآخر عن شيوخ يودعونها وقد وصلوا إلى نهاية رحلة الحياة... بعضها يعبر عن حقيقة، وبعضها الآخر ليس إلا وهما خياليا صرفا. لكن نادرا ما كانت المدينة تحتل مكانا مهما في دراما السينما المصرية، حيث يمكن أن تدور الأحداث في أي مكان دون أن تشعر أن هناك شيئا مفتقدا. غير أن الأعمال القليلة التي كانت فيها المدينة خلفية مهمة للأحداث تركت أثرا باقيا في السينما المصرية، ولعل أول هذه التجارب كان فيلم "حياة أو موت"، عن فتاة صغيرة تخوض ما يشبه الرحلة القاسية في زحام القاهرة، وهي تحمل الدواء لأبيها المريض، بينما تحاول الشرطة اللحاق بها لأن "الدواء فيه سم قاتل"، تلك الجملة التي أصبحت من "فولكلور" السينما المصرية. وهناك أفلام ارتبطت على نحو قوي بالمدينة التي تدور فيها الأحداث، مثل "بور سعيد" الذي أنتجه فريد شوقي لكي يسجل أحداثا روائية عن مقاومة بطولية، للمدينة التي واجهت عدوانا ثلاثيا، لتبقى في الذاكرة العربية رمزا للصمود. وكانت نفس المدينة – بور سعيد – هي المسرح الذي تدور فوقه ملحمة "القبطان"، الذي يمتزج فيه الواقع والخيال، الحقيقة والرمز، العام والخاص، لكي تصبح المدينة بوابة يطل منها صانع الفيلم سيد سعيد ليس فقط على التاريخ، وإنما أيضا على الحضارة التي جمعت بين الشرق والغرب، بل على الوجود الإنساني ذاته. ولعل الإسكندرية تحتفظ لنفسها بمكان مهم بين أفلام المدن، وكثيرا ما تشاهد في أفلامنا المصرية شاطئ البحر بأمواجه التي تتلألأ بالأضواء عند الغروب، لكن القليل أيضا من هذه الأفلام هي التي يصبح فيها للإسكندرية وجود درامي مؤثر، ولعل الأقرب للذاكرة أفلام يوسف شاهين التي تحمل اسم المدينة ذاتها، مثل "اسكندرية ليه"، و"اسكندرية كمان وكمان"، و"اسكندرية نيويورك"، لكنها أيضا كمعظم أفلامه هي "اسكندرية ذاتية" إن صح التعبير، إنها المسرح الذي تدور فوقه الأحداث دون أن تكون جزءا من الأحداث ذاتها. والغريب أن هذا ينطبق أيضا على أفلام لا يمكن أن تصفها سوى بالهزل، مثل "بلطية العايمة" أو "صايع بحر"، فعلى الرغم من تصوير مشاهد من هذه الأفلام في أحياء حقيقية، فإن الشخصيات والقصص والحبكة ليست إلا تقليدا باهتا لما يمكن أن تراه في أي أفلام تدور في أي مدن أخرى. ولعل غياب المدينة يلعب أيضا دورا في بعض الأفلام، ففي "الطوق والإسورة" و"عرق البلح"، يصبح للقرى النائية في الصعيد حضور قوي، يكاد أن يكون خانقا، وهو ما يصنع نسيجا لا ينفصم مع النهايات المأساوية للأحداث. أما في فيلم "البداية"، فقد أراد صلاح أبو سيف أن يضع شخصياته في مكان معزول، حتى يدفعهم لتكوين "مجتمع" جديد، يدرس من خلاله صانع الفيلم كيف تتولد الفوارق الطبقية، واحتكار السلطة، واستغلال جهل البسطاء. وهذا الاهتمام السياسي والاجتماعي بالمكان يعود إلى واحد من أفلام صلاح أبو سيف الأولى، وهو "الأسطى حسن"، الذي يتحدث عن اثنين من الأحياء المتجاورة في القاهرة: بولاق والزمالك، لا يفصل بينهما سوى جسر صغير، لكنه يعبر عن تفاوت طبقي هائل، كان يشغل اهتمام أبو سيف في معظم أفلامه، حتى لو اصطبغت كثيرا بالميلودراما الفاجعة. لكن هناك مخرجا واحدا هو الأهم بين صناع السينما المصرية، التي تشكل المدن بالنسبة له "شخصية" من شخصيات الفيلم، وليست مجرد خلفية للأحداث. ذلك هو محمد خان، صاحب الذاكرة البصرية القوية اتي تمسك بروح المكان، على نحو لا يباريه فيه مخرج آخر. تأمل مثلا "موعد على العشاء"، حيث تصبح برودة المدينة الساحلية معادلا لفتور العلاقة بين الزوج والزوجة، وكيف أن البحث عن الدفء الإنساني يحدث دائما في مشاهد داخلية. وعلى النقيض، يصبح المشهد الخارجي المفتوح للمدينة ذاتها، في فيلميه "أحلام هند وكاميليا" و"فارس المدينة"، تعبيرا عن الرغبة في العثور على "بداية جديدة"، تنقذ الشخصيات من الأزمة الخانقة التي يعيشونها. كما تصبح مدينة "المنيا" في شمال صعيد مصر بطلة في فيلمين من أفلامه، لأنها المدينة الصغيرة التي تحتضن شريحة مميزة من أبناء وبنات الطبقة الوسطى، يكاد عالمهم أن تقف حدوده عند الرحلة اليومية إلى العمل أو المدرسة، لكن الاضطرار إلى تركها يشكل صدمة للبطلة، تتسم بالمأساوية في "زوجة رجل مهم"، وعلى النقيض تبدو بمثابة البوابة التي تنفرج قليلا لكي يتسع العالم في "شقة مصر الجديدة". وهي الصدمة التي شكلت وعي البطل القادم من الريف في "مستر كاراتيه"، وهو يحاول التواؤم مع روح مدينة القاهرة، لكنها التجربة التي تنتهي إلى الفشل، لكي يعود إلى القرية، تلك التي وجد فيها بطل "خرج ولن يعود" ملاذا من الشعور بالضياع في المدينة الكبيرة. ذلك هو الضياع الذي عاشه بطل أول أفلام محمد خان في "ضربة شمس"، وهو من أهم الأفلام التي تم تصويرها في أماكن حقيقية في شوارع القاهرة المختلفة، ويبدو هذا البطل مضطرا للهاث في سباق دُفع إليه دفعا، في مدينة تشبه الغابة في علاقاتها، وهو ما تكرر أيضا في فيلم "يوم حار جدا"، حين تصبح أجواء شوارع القاهرة المزدحمة خانقة لبطل يبحث عن صورة قديمة لعلاقات سابقة، فإذا هو يرتطم بما لم يكن يتخيله، من مؤامرة زوج على قتل زوجته حتى يرثها. ولعل هذا يذكرك أيضا بالبحث عن ماضي المدينة والوطن كله في فيلمه "عودة مواطن"، للبطل الذي عاد وهو يحلم أن يلم شمل الأسرة في منزل من ضاحية حلوان التي كانت في يوم ما هادئة، لكنه يكتشف أن حلمه لم يكن إلا وهما وسرابا. ومن الحق القول إن بعض الأفلام التي صنعها رفاق من جيل محمد خان، لم تكن تخلو أيضا من ذلك الإحساس بالمكان. وإذا كان فيلم عاطف الطيب "ليلة ساخنة" يدور في ليلة واحدة في مدينة القاهرة، التي تكشف تحت سطحها عن أهوال، فإنها الليلة ذاتها التي يقضيها أبطال فيلم خيري بشارة "إشارة مرور"، وقد اضطروا لأن يعيشوا حالة حصار في وسط المدينة، وهي أيضا الليلة التي تكتسي برداء سيريالي لا يخلو من رمزية في فيلم داود عبد السيد "البحث عن سيد مرزوق"، حيث يجد البطل نفسها يمضي في تيار لا يملك مقاومته في أنحاء مختلفة من المدينة، بحثا عن شخص يبدو متحكما في مصيره، وكأن "سيد مرزوق" نفسه ليس إلا هذه المدينة التي تشبه أحيانا حورية فاتنة ساحرة، وتشبه في أحيان أخرى وحشا له عشرات الرؤوس... وليس هناك وسيط فني آخر لا يستطيع أن يقتنص هذين الوجهين المتناقضين سوى السينما، التي اقترنت منذ بدايتها بروح المدن.

Sunday, December 22, 2013

"زوجة رجل مهم"... يكفى عنوان الفيلم


من أجمل وأعمق الأفكار التى قرأتها لناقد سينمائى كانت إجابة على سؤال من قارئ, موجة إلى روجر إيبرت الناقد السينمائى الأمريكى الأشهر, حين سأله القارئ: "لماذا تكتب نقداً للأفلام؟", فأجابه إيبرت ـ وهو من هو بين النقاد الأمريكيين ـ إجابة على قدر كبير من البساطة والعمق: "إننى أكتب نقداً للأفلام لكى أفهمها", وهذا حقيقى تماماً بالنسبة للناقد الجاد الذى لا ينصب نفسه أبداً "قاضياً وجلاداً" على العمل الفنى, ولا يقوم بعميله "تشريح" الفيلم وبالطبع فإنه لا يستطيع أن يقوم بذلك إلا بعد أن يقوم "بقتل" الفيلم وتحويله إلى جثة هامدة يمكن تشريحها. العمل الفنى يا قارئي العزيز كائن حى, تستطيع أن تحبه أو تكرهه دون أن يلومك أحد, فهكذا نتعامل نحن جميعاً مع الحياة, كل من وجهة نظره، ولكن أرجوك ألا تصدر حكماً أخلاقياً قاطعاً مانعا، أبديا وأزليا،ً على أى عمل فنى, ونحن نحب ـ الحب بمعناه الحقيقى ـ من خلال "التفاصيل العادية", ولعل هذا يذكرنى بجزء من حوار على لسان الشخصية التى يقوم بها روبين ويليامز فى فيلم "ويل هانتينج الطيب", بأنك تكتشف أحياناً عمق حبك لامرأة برغم- بل الأحرى بسبب- كل التفاصيل الصغيرة التى قد يراها الآخرون نقائص. تداعت هذه الأفكار إلى ذهنى وأنا أشاهد الآن فيلم "زوجة رجل مهم" بعد حوالى عقدين من عرضه الأول, شاهدته من قبل مرات عديدة لكن فات علىَّ إدراكى الكامل العديد من التفاصيل, لكن الآن وأنا أنوى الكتابة عنه بدأت فى "فهمه" على نحو أكثر عمقاً, وتذكرت ـ لأننى لم أكتب عنه فى وقت عرضه, فحينها لم يكن هناك أمامى مجال للنشرـ كيف تعرض هذا الفيلم للظلم مرتين: الأولى حين تم التعامل معه باعتباره "حدوتة" (وهذه للأسف سمة لصيقة بالأغلب الأعم من الكتابات النقدية فى مصر), انتهى فيها معظم النقاد إلى أن الفيلم يرفع عن "النظام" تهمة إساءة السلطة أحياناً, بينما الفيلم على العكس تماماً يدين النظام فى هذا المجال على نحو أكثر قوة وعمقاً بكثير إذا ما قارنته بأفلام معاصرة مثل "هى فوضى" و"حين ميسرة" و"خارج على القانون" و"الجزيرة", والتى تأتى فى موجة تبدو للوهلة الأولى نقداً للأجهزة الأمنية, لكنه النقد الذى يبدو سطحياً تماماً إذا دخلت إلى عمق "حدوتة" فيلم "زوجة رجل مهم". أما الظلم الثانى الذى تعرض له الفيلم أن القليل جداً من الكتابات هى التى تناولت تقنياته وجماليته, التى يمكن اعتبارها النموذج الأرقى للأسلوب السينمائى الخاص بمحمد خان, الذى يعتمد على البلاغة السينمائية التى تقوم عنده على عنصرين مهمين: المجاز البصرى metaphor , والحذف البلاغى Ellipsis. وقد يندهش القارئ أن يقرأ الآن أننى لم أقابل محمد خان طوال حياتى- حتى كتابة هذه السطور- إلا مرات قليلة عابرة (جداً!!), لم نتبادل فيها إلا كلمات قليلة (جداً!!), بل ربما لم يتذكرنى هو فى بعض هذه المرات, ومع ذلك فقد حدثت مصادفة غريبة- لا أدرى ظروفها, وربما سقطت هى الآن من ذاكرته- حين فاجأنى محمد خان بالاتصال بى عبر الهاتف (لماذا أنا بالتحديد؟ ومن أين جاء برقم هاتفى الذى لا يعرفه إلا قليلون يعدون على أصابع اليدين؟ لا أدرى!!), كان صوت محمد خان غاضباً من قراءة مقال لأحد النقاد المشهورين (جداً), وكان المقال عن فيلم "مستر كاراتيه", وشكا لى خان قول الناقد أن "المونتيرة أحسنت صنعاً عندما حذفت المشهد الفلانى..", ليتساءل خان من أين للناقد أن يعرف أن المونتيرة هى التى "حذفت", وأن ما رآه الناقد على الشاشة هو "البناء الفيلمى" ذاته, وساعتها خشيت أن أقول لخان أن معظم من يمارسون النقد ليست لديهم دراية كافية بالتقنيات والجماليات وأساليب السرد السينمائية, وحاولت أن ألتمس للناقد الكبير العذر بأنها ربما كانت جملة من "كليشيهات" النقد لدينا, على طريقة "أبدع المصور", و"تفوق الممثل على نفسه", و"المونتاج ذكى وبارع". لماذا هذه المقدمة الطويلة قبل الدخول إلى عالم فيلم "زوجة رجل مهم"؟ أصارحك القول ياقارئى العزيز أنها بسبب النشوة الحقيقية التى شعرت بها وأنا أشاهد المشهد الافتتاحى للفيلم, والذى أعدت مشاهدته مرات عديدة وكأننى "سَّميع" شعر "بالسلطنة" لتجويد المطرب فوجد نفسه يصيح: "الله! أعد يا سيدى والنبى!". أرجو أن تتأمل وتشاهد معى هذا المشهد شديد البلاغة والمشحون بقدر هائل من الشجن: عنوان على الشاشة: شتاء 1962, واللقطات الأولى تبدو وكأنه قد نزع عنها الألوان de-saturated حتى كادت أن تكون بالأبيض والأسود, لتبدأ الألوان فى التزايد تدريجياً مع تقدم المشهد, فتاة صغيرة (جيهان نصر فى براءة لم تظهر بها على هذا النحو فى أى فيلم آخر), إنها بملابس المدرسة, تحتضن الكتب فى صدرها, وتسرع نحو دار للعرض السينمائى لتشاهد فيلم "بنات اليوم" مع زميلاتها والجمهور, بينما يجلس عامل العرض يقرأ فى جريدة تحمل فى "المانشيت" الرئيسى لها اسم عبد الناصر, وكعادة دور الدرجة الثانية أو الثالثة ينقطع شريط الفيلم فيصفر الجمهور (مثلما حدث فى "أحلام هند وكاميليا"), ليسرع العامل بإصلاح العطل, وتذوب فتاتنا فى مشهد قراءة عبد الحليم للأغنية التى كتبتها ماجدة: "أهواك", ويبدأ حليم فى عزفها على البيانو وغنائها بصوته الشاب, بينما تسقط دمعة على خد الفتاة, وعندما يصل لحن الأغنية إلى اللازمة الموسيقية التى تنتقل إلى درجة موسيقية أعلى وشجن أعمق, يٌستكمل الغناء على حليم فى التليفزيون, وعنوان مكتوب على الشاشة: "ربيع 1975", والفتاة أصبحت الآن أكبر وأنضج (ميرفت أمين فى قمة بهائها، باستخدام فلاتر التصوير والإضاءة, وأرجو أن تقارن هذا البهاء الذى كانت عليه فى بداية الفيلم بانطفائها فى نهايته، لكن إذا دققت قليلا فسوف تجد الإثنى عشر عاما أكثر مما ينبغى كزمن حقيقى). إن هذه "النقلة" ليست فقط حيلة فنية للانتقال الزمنى, لكن اختيار محمد خان للمقطع الذى يحدث فيه الانتقال يعبر عن إحساس موسيقى بالغ الرهافة يشعر ـ حتى لو لم يكن عليماً بتفاصيل اللغة الموسيقية ـ بمعنى النقلات المقامية واللحنية. إن المشهد لا ينتهى فالفتاة التى تحمل اسم منى (وليبحث القارئ عن دلالة الاسم, الذى تكرر فى فترة مقاربة فى فيلم "الصعاليك" لداود عبد السيد) تخشى أن ينتهى الشريط الذى تسجل عليه الأغنية قبل استكمالها, فتجرى إلى المحل المفتوح المقابل لتشترى بعض الشرائط, وهناك يراها ضابط المباحث هشام (أحمد زكى, وأرجو أن تلاحظ الفارق الكبير جداً بين أدائه هنا وأدائه فى نفس العام فى "أحلام هند وكاميليا", وهو مالا يعبر فقط عن "موهبة" أحمد زكى, وإنما أيضاً قدرة محمد خان على إدارة الممثلين), ويسأل هشام- بطريقة تحقيقات رجل المباحث- صاحب المحل عن الفتاة, فيعرف أنها ابنة مهندس الرى الذى انتقل حديثاً إلى المنيا. هل كانت "المونتيرة" وراء هذا الحذف البلاغى؟! أترك الإجابة للقارئ, لندخل قليلاً فى "الحدوتة" وتفاصيلها السينمائية, التى قد تبدو للوهلة الأولى غريبة على أبطال وبطلات محمد خان, لكننا فى النهاية سوف ندرك أنها تدور حول نفس البطل (وإن يكن هنا فى تنويع مختلف) ونفس "التيمة" المحورية التى تؤرق هذا البطل, ولعلها تؤرق محمد خان ذاته. وعندما تكتمل لك ملامح الشخصيتين الرئيستين (منى وهشام) كلما تقدمت بك الأحداث, وتجمعت لديك معلومات نثرها خان وكاتب السيناريو رؤوف توفيق، سوف تعرف أن الفتاة ولدت ونشأت وشاهدت أفلام عبد الحليم الأولى فى المنصورة, لذلك فهى تحمل قدراً من الرهافة والرومانسية (لعل هذا تحيز لمسقط رأسى ومرتع طفولتى حتى شبابى المبكر فالبطلة قد ولدت فى نفس زمان ومكان ولادتى) خاصة بين أبناء الطبقة المتوسطة, بينما جاء هشام من بين فلاحى الصعيد الذين يعيشون على بضع أفدنة, لكنه بمجرد أن أصبح ضابطاً تنكر لأصوله وانسلخ عن طبقته, لأنه- وهذه هى القراءة المباشرة للفيلم ـ أصبح من "السلطة". لكن القراءة المتأملة لشخصية هشام تقول أنه ذلك البطل الذى لا يشغله سوى عمله- كمعظم أبطال خان الآخرين ـ حتى أنه لا تصبح لديه حياة شخصية حميمة, وتفانيه فى عمله كضابط مباحث ناجح جعله يحمل فى كل حركاته وسكناته ملامح "المحقق" الذى يضع الآخرين فى موقع الفريسة التى يطاردها حتى يمسك بها, وهذا ما فعله مع منى ذاتها, يستعرض أمامها قدراته على الأمر والنهى, فبمجرد إشارة من إصبعه يظهر "مخبر" لكى يتغير لها ولأسرتها طبق اللحم النيئ, ويظهر على الفور رجال "البلدية" يرصفون الشارع الذى يسكنون فيه, ويذهب مع مدير الأمر شخصياً (عثمان عبد المنعم, ولتتأمل وتتعجب من مقارنة دوره هنا مع دوره فى "أحلام هند وكاميليا" أو العديد من أفلام خان الأخرى!) لخطبة منى كأنه "أمر" موجه إلى الأب (على الغندور). فى بداية مشهد الخطبة لفتة عابرة لا أدرى إن كانت عفوية أو مقصودة, لكنها تجسد الحس "التسجيلى" عند خان، هذا الحس الذى سوف يتخلل معظم مشاهد "زوجة رجل مهم" والعديد من أفلامه (على سبيل المثال وليس الحصر: سوق الحمام فى "عودة مواطن"), إن المشهد يبدأ بطائرة ورقية تسبح فى الفضاء, لتتحرك الكاميرا حركة بانورامية إلى الأب والأم جالسين فى "غرفة الجلوس" مع مدير الأمن الذى جاء بصحبة هشام, وإنى استبعد أن يطلب محمد خان من فريق الإنتاج تحضير هذه الطائرة الورقية لتضمينها فى المشهد, والأقرب إلى الاحتمال هو أنه "اقتنصها" بعينه الفاحصة المتأملة اللاقطة للتفاصيل فى موقع التصوير, سواء انطلاق الطائرة الورقية فى عنان السماء فى تلك المرحلة من التطور الدرامى, فى مجاز للانطلاق العفوى عند الفتاة منى, كما تتبدى هذه التفاصيل فى لقطة قريبة لأذنها وقرط متواضع يزينها وهى تسمع كلمات هشام المعسولة, لتقارنها فى مشاهد لاحقة فى الفيلم بلقطة قريبة لأذنها فى قرط ثمين, وهو يداعبها ويسألها عن زملاء الجامعة, لنعرف فيما بعد أنه كان يستنطق منها ـ دون أن تدرى ـ معلومات تمكنه من القبض على من يتصور ـ أو يصورهم ـ أنهم "ضد النظام". عشرات التفاصيل الأخرى ربما سوف تجد بعضها فى هذا الكتاب فى الجزء الخاص بمحاولة البحث عن ملامح عامة لمجمل أعمال محمد خان, لكن ما يهمنا هنا هو أن البطل هشام سوف ينتقل من المنيا إلى القاهرة مكافأة له على إتقانه لعمله, وسوف يأخذ منى معه إلى شقة أعدها مسبقاً لتكون مسكن الزوجية حتى قبل أن يختار لنفسه عروساً, ويؤكد لمنى فى حسم: "أنا متأكد أنها ها تعجبك", عندما نراها نجد أن اللون الأبيض يغلب عليها تماماً حتى أنها تكاد أن تخلو من روح الحياة, بينما تتوزع المرايا فى كل مكان التى يرى فيها هشام نفسه كأنه طاووس معجب بجماله (أو بالأحرى سلطته), وفى تطور العلاقة بينهما سوف تمر منى بتجربة الإجهاض (إنه زواج عقيم لا ينجب علاقة حميمة), وتشعر يوماً بعد الآخر أنها فى سجن, خاصة عندما تقارن نفسها بجارتها سميحة (زيزى مصطفى) التى تحكى فى طرافة حقيقية عن قدرتها فى أية لحظة على تغيير أثاث بيتها, حتى أن زوجها رجل الأعمال صفوت (خيرى بشارة- مرة أخرى فى دور فيه بعض ظلال "الغلاسة", على الأقل من وجهة نظر هشام!) عاد ذات يوم من عمله فلم يجد أثاث الشقة فصرخ "اتسرقنا"! إن السجن يضيق على منى عندما تجد نفسها أيضاً "أداة" فى يد هشام لكى تتقرب إلى زوجة رئيسه فى العمل العميد يسرى (حسن حسنى), أو عندما يجبرها على حضور حفلات رجال الأعمال وأعضاء مجلس الشعب فى الوقت ذاته, وهم يتحدثون فى سخرية عن السد العالى وإنجازات عبد الناصر, بينما يتشدقون بمزايا "الانفتاح" والاستثمار وتصفية القطاع العام, وهنا نشير لمن انتقد الفيلم باعتباره يبرئ "النظام" بتصوير هشام على أنه شخص "منحرف" وحالة فردية, نشير إلى أن الفيلم يقدم "السياق" الاقتصادى والاجتماعى الذى تكاد ملامحه وآثارة تمتد حتى "هنا والآن", كما أن "النظرية الأمنية" التى يتفوه بها هشام هى ذاتها التى زالت سارية المفعول حتى كتابة هذه السطور, إنها نظرية "حماية البلد", والتى ينقدها الفيلم على لسان الكاتب الصحفى مجدى عز العرب (محمد دردير) المتهم بخيانة النظام والكتابة فى صحف خارجية (فى الحقيقة أنه ممنوع من الكتابة فى مصر, بتعليمات شفهية كما يحدث دائماً), إن الرجل يواجه هشام- كأنه يواجه أصحاب النظرية الأمنية جميعاً: "مين اللى فهمك أصلاً أنك أكتر وطنية منى اللى قبضت عليهم, الحرب اللى أنت بتتكلم عليها مش موجودة إلا فى تفكيرك وتفكير اللى زيك, اخترعتوها عشان توقعوا الناس فى بعض وتلخبطوا الحاكم وتشغلوا الناس بأعداء وهميين", وهى كلمات تختفى وراء حدوث دراما الفيلم فى السبعينات, لكن المتفرج عندما يراها الآن يدرك أنها ما تزال تنسحب على اللحظة الراهنة, تماماً كتجاوز جهات أمنية فى إجراءات القبض على مشتبه بهم, ليس مهماً أن يكون بعضهم خارج البلاد أو يعملون "مرشدين" لدى الأمن ذاته (!!), أو مثل الإعلام: "مش عايزين الناس تفكر فى اللى حصل", كما قالت الجارة سميحة تعليقاً على إذاعة مسرحية "مدرسة المشاغبين" فى نفس وقت حظر التجول فى أعقاب مظاهرات 18و 19 يناير 1977. وإذا كان الفيلم يمضى إلى قيام السلطات بفصل العميد يسرى وهشام على تجاوزاتهما, فإنه لا ينفى أيضاً فى هذه التفاصيل العديدة عن "النظام" كله نوعاً من الانحراف عن "خدمة الشعب" لمصلحة "السلطة", تلك السلطة التى هى محور أزمة هشام, فعندما ضاعت منه بدأ كأن وجوده كله قد ضاع, ليدخل فى "تمثيلية" يقنع بها منى- ونفسه أحياناً- أنه مايزال يملك القوة على الأمر والنهى, لكن "الزمن تغير" به (وليس بالوطن), وهنا نرى أزمة بطل محمد خان: الزمن!! فالزمن هو التيمة المحورية خلف كل تلك "الحدوتة", فقيام منى بتسجيل أغنيات عبد الحليم بتنويه بصوتها بمكان وزمان تسجيلها هو نوع من الحفاظ على "الذاكرة": "كل أغنية مرتبطة بمكان اتنقلت فيه, بمناسبة خاصة بيًّا", وعندما يموت حليم فى ربيع 1977ـ بعد شهور قليلة من أحداث يناير وفصل هشام من الخدمة ـ تسمع أغنية "أنا لك على طول خليك ليًّا" لكنها تدرك أن الزمن الحاضر يهرب دائماً ليصبح ماضياً, على عكس هشام الذى يريد "تثبيت"fixation الماضى, يريد الحفاظ على سطوته وحب منى له حتى أن ممارسة الجنس معها تشبه الاغتصاب, ويذكرها بالأيام الخوالى عندما كانت كل الأبواب تفتح له بإشارة منه وإعجابها بذلك: "مش إنتى اللى كنتى بتقولى كده؟", فترد فى لقطة قريبة على شفتى كل منهما (وكأنه تأكيد على هذه التيمة المحورية): "كنت عيلة", يقول هشام: "وعايزك تفضلى دائماً عيلة", لكن منى: "أنا كل يوم بااكبر وباافهم". هشام إذن فى حقيقته "دون كيشوت" آخر من بين "دون كيشوتات" عديدين فى أفلام محمد خان, ذلك "المجنون" الذى يعيش فى "فروسية" الماضى, ولا يعترف بحقائق الحاضر الجديدة فيمضى نحو النهاية المأساوية, وكل الفرق فى بطل "زوجة رجل مهم" هو إن محمد خان جعل بطله هذه المرة "فارساً" من فرسان السلطة, بدلاً من أن ينتمى إلى حضيض المجتمع أو أحراش عالم رجال الأعمال, وانتماء هشام إلى السلطة ورجال المباحث والشرطة والأمن هو الذى جعل معظم الكتابات النقدية لا تلمس أنه ليس إلا تنويعاً- بمعنى من المعانى- على بطل محمد خان الدائم, فى حربه ضد الزمن. وسوف يدهشك فى أفلام محمد خان الأخيرة- كما سوف ترى- مثل "بنات وسط البلد" و"فى شقة مصر الجديدة" أن بطل محمد خان قد تغير (هل خان نفسه هو الذى تغير؟!), فأصبح هذا البطل أقرب إلى الامتثال وليس التمرد, تاركاً نفسه يسبح مع الزمن وتغيراته, لا ينظر إلى الماضى (إن بطل "فى شقة مصر الجديدة" لم يحاول أبداً أن يعرف محتويات الشقة, بل إنه يتصور أن فيها- فى الماضى؟!- "عفاريت"!!), كما أن البطل الذى لا يلتفت إلا على عمله تاركاً المرأة والعائلة والاستقرار تأتى فى المرتبة الثانية تحول إلى البحث عن هذا الاستقرار, فالمرأة بدورها أصبحت أكثر قوة حتى فى ضعفها, ولم يكن غريباً أن يعمل بطل "بنات وسط البلد" فى مهنته" الشيف", ليقوم هو "بالطبيخ" بينما حبيبته تدخن سيجارة! ليس غريباً أيضاً أن يكون إهداء الفيلم إلى "زمن" عبد الحليم, كأفلام أخرى مهداة إلى "أزمنة" أخرى, وكل أفلام خان- أو معظمها- تشبه شرائط منى التى تسجل عليها مكان وزمان الأغنية, وفى كل فيلم لخان تستطيع أن تجد هذا الزمن, الذى يستطيع- كفنان- أن يقوم باقناصه وتثبيته على شريط السليولويد, تاركاً فيه أيضاً بعضاً من روحه وذكرياته الخاصة وقت صناعة الفيلم, لكنه- كفنان أيضاً- يستطيع أن يتجاوز هذا الزمن إلى زمن آخر, قافزاً بحرية بين الماضى والمستقبل, لكنه- مثل بطله - يبدو أن عشقه الأول لعمله, لفنه, وقد يحمل له ذلك قدراً من الإشباع والسعادة والمتعة, لكن هل يمكنك أن تنكر أن فى القلب من معظم أعماله تسرى روح من التشاؤم والسخرية المرة... وهل نقول أيضاً: الاكتئاب؟!

Thursday, December 05, 2013

السينما المصرية بين الأعراض الحادة والأمراض المزمنة


ينتاب السينمائيون المصريون بين الحين والآخر أعراض قلق جارفة، حين تبدو صناعة السينما وكأنها وصلت إلى ما يبدو أنه طريق مسدودة، بسبب عوامل تختلف من فترة إلى أخرى، فيرتفع صياحهم الصاخب مطالبين "الدولة" بأن تتدخل لحمايتهم ومساعدتهم، وبجرد أن تزول الأزمة، يعودون إلى الشكوى من أن الدولة تتدخل بطريقة تعوق حرية إنتاجهم، ويطلبون منها أن ترفع أيديها عنهم!! حدث هذا عدة مرات، ويحدث الآن، بعدما وصلت صناعة السينما إلى درجة توقف الكثير من الاستوديوهات والعاملين فيها عن العمل، وسوف تنعقد المؤتمرات، وتتوالى الاقتراحات، وربما تحدث انفراجة على نحو ما، لكن ذلك كله سوف ينتهي إلى استمرار الصناعة في مسارها السابق، حتى تطل الأزمة برأسها من جديد. والسبب؟ هو أن هناك نقاط ضعف جوهرية في بنية السينما المصرية ذاتها، صناعة وفنا، وتلك للأسف هي النقاط التي لا تتم مواجهتها ومعالجتها أيا كانت تكاليف هذا العلاج، لكن أي ثمن سوف يكون ضئيلا أمام منح هذه السينما فرصة حياة متجددة. وسوف يظل التاريخ يذكر كيف أن السينمائيين المصريين عانوا في بداية الستينيات، بسبب بعض الظروف السياسية التي أدت إلى شبه مقاطعة للأفلام المصرية، وعندما لجأوا إلى الدولة، واجتمعوا مع الزعيم جمال عبد الناصر نفسه، قرر القائد تأسيس قطاع عام يرعى أعمالهم إنتاجا وتوزيعا، وكانت تلك من أكثر فترات تاريخ السينما المصري ازدهارا، لكن بمجرد أن تراجعت الأزمة، اعترض هؤلاء السينمائيون أنفسهم وقوفهم على وجود القطاع العام وتدخل الدولة، ليعاودوا صنع أفلام السبعينيات التي كانت من أسوأ فترات هذه الصناعة وأكثرها رداءة!! ومن هذه التجربة في القطاع العام – التي لم تنجح في خلق بنية صناعية راسخة لأسباب بيروقراطية، ولأنها أديرت من خلال بعض العاملين في القطاع الخاص ذاته – يمكنك أن تتأكد أن معظم السينمائيين المصريين لا يسعون إلى تأسيس صناعة حقيقية، وإنما مجرد خلق فرص للكسب السريع، بأي شروط ممكنة في المدى القصير. وإذا اقتربنا من أزمة السينما المصرية في الآونة الأخيرة، فإن معظم شكاوى صناعها جاءت مركزة على "القرصنة" التي لا تتيح لهم كسب ما يعوضون به تكاليف الإنتاج، أو رداءة دور العرض بما لا يشجع قطاعا كبيرا ومهما من الجمهور للذهاب إلى مشاهدة الأفلام.... لكن لم يتحدث أحد مثلا عن ارتفاع أجور النجوم بشكل مفرط، بحيث تبتلع جزءا كبيرا من ميزانيات الإنتاج، دون أن ينعكس ذلك على جودة الإنتاج ذاته، كما لم يتحدثوا عن "الاحتكار"، الذي يجعل معظم دور العرض مملوكة لموزعي الأفلام أنفسهم، مما يعطيهم سلطة مطلقة على اختيار أفلام وإهمال أفلام أخرى. لم يتحدث صناع السينما عن هاتين النقطتين وغيرهما، لأن مواجهتها بواسطة الدولة سوف تحرم الكبار منهم من مزايا لا يرضون بالتنازل عنها لصالح السينما! وفي الحقيقة أن تلك النقاط وحدها ليست أيضا سبب الأزمة، فيمكنك أن تتعقب أسبابا أخرى قد تبدو بعيدة، لكنها ذات تأثير كبير. وربما كان أولاها هو تقلص ميزانية الأسرة المصرية التي تخصصها للإنفاق على الترفيه، وهو ما يجعل هذه الأسرة تنتظر حتى عرض الأفلام في التليفزيون. وقد تجد سببا آخر في تدني مستوى الأفلام وظروف عرضها في معظم دور العرض، حتى أن هذه الأخيرة أصبحت تندرج تحت "سينما الترسو" بصرف النظر عن مظهرها، ومرة أخرى سوف تحجم الأسر من الطبقة الوسطى عن الانخراط في هذه الأجواء. وقد ترتب على ذلك أن الأفلام ذاتها باتت تتوجه إلى "جمهور الترسو" فقط، وأصبح من سمات الفيلم المصري وجود مشاهد ثابتة تنتقل من فيلم إلى آخر، مثل نمر الأغاني الصاخبة والأفراح الشعبية، التي تشترك هذه النوعية من الجمهور في الصخب معها خلال العرض! ولأننا نعشق اختراع العجلة من جديد، فإننا لا نتعلم من تجارب صناعات السينما التي عاشت ظروفا مماثلة وواجهتها، لتصبح من أقوى صناعات السينما في العالم وأكثرها رسوخا. فقد كانت دور العرض الأمريكية في الفترة المبكرة تقتصر على درجة "الترسو"، فيما سمي آنذاك باسم "النيكلوديون" (أي دار العرض التي تدخلها بنيكل واحد)، وتدخلت الدولة بإغلاق هذه الدور واحدة بعد الأخرى، لتقوم الصناعة بتحسين مستوى دور العرض، التي تحولت خلال عقد واحد إلى ما أطلق عليه "قصور السينما الفاخرة"، التي جذبت جماهير الطبقة الوسطى فتدفقت عليها بأعداد هائلة، أعادت الانتعاش للصناعة من جديد. وفي واحدة من أشهر القضايا الأمريكية، أقامت الدولة ذاتها دعوى قضائية عرفت باسم "قضية باراماونت"، ومضى سير القضية أعواما حتى صدر الحكم فيها في الأربعينيات، وكانت القضية متعلقة بإلزام الشركات التي تنتج الأفلام بعدم امتلاك سلاسل توزيع أو دور عرض، لأن ذلك يمنحها سلطة احتكار تعوق الصناعة ولا تشجعها. فهل يقبل السينمائيون المصريون بمثل هذه الحلول من جانب الدولة: أن تفرض الدولة شروطا معينة لدور العرض وظروف المشاهدة، وأن تنكسر الحلقات الاحتكارية التي تكاد أن تخنق السينما المصرية؟ ذلك جانب مهم من القضية، أن يقبل صناع السينما أنفسهم بتنظيم الصناعة وليس مجرد تسهيل أمورهم، فقد كانت الرؤى قصيرة النظر، التي تسعى للربح السريع وحده، وراء الأزمة دائما. وهذه الرؤى هي التي تجعل البعض يأتون من خارج صناعة السينما ليجربوا حظهم في اغتنام الأرباح، وعندما تتقلص هذه الأرباح يهربون إلى صناعة أو تجارة أخرى، وهو ما يبدو لك واضحا إذا ما تتبعت أسماء العاملين في إنتاج الأفلام المصرية، فنادرا ما تجد شركة تستمر أكثر من عشر سنوات، أو أن تجد لها أسلوبا فنيا تتميز به، ليكون قدر السينما المصرية أن تبدأ دائما المرة بعد الأخرى مع مغامرين جدد، يستحوذون على الإنتاج ودور العرض، لتعاود الأزمة دورتها. لقد كان السعي إلى الربح السريع وحده وراء تناقص هائل في عدد دور العرض، فأغلق العديد منها أبوابه أو هدم لبناء أنشطة أخرى، بينما كان من المفترض أن تزيد مع تزايد عدد السكان، وأن تنتشر مع اتساع رقعة العمران. كما أنه السبب في ظاهرة "المواسم" السينمائية المحدودة، بدلا من تغطية العام كله بأفلام تناسب ذوق الجمهور مع اختلاف الزمان والمكان، ولعلك تتذكر كيف أن مفهوم "أفلام الصيف" كان مسيطرا على الصناعة تجارة وفنا، وكيف ظهرت ظاهرة أطلق عليها أيامها "المضحكون الجدد"، الذين اختفوا أو كادوا مع انحسار هذا الموسم بسبب انتقال شهر رمضان إليه، لتقتصر السينما المصرية الآن على موسمي عيد الفطر وعيد الأضحى، بأفلام هي في أغلبها لا تحقق للمتفرج سوى أن يذهب إلى "الملاهي" عندما يشاهد أحد هذه الأفلام. تلك هي بعض مظاهر الأزمة، التي هي في جوهرها انعكاس لمفهوم "السوق" الذي يفهم منه صناع أفلامنا أكثر وجوهه بدائية، متمثلا في الكسب السريع، لكن عندما تأتي إلى ما يجب صنعه إزاء ضبط هذه السوق فسوف يظهرون أنيابهم. هذه هي الأزمة الحقيقية، أننا نأخذ من الأنظمة (في الاقتصاد أو السياسة على السواء) جوانب انتقائية من هنا وهناك، دون أن نأخذ جوهرها أو نتعلم من تجاربها السلبية والإيجابية. وبداية الخروج من هذه الأزمة هو الإجابة عن سؤال بسيط وصعب في آن: لمن نصنع الأفلام؟ ولماذا؟ قد يبدو أن السينما المصرية قد عرفت لمن تصنع الأفلام، ولماذا، لكن هل كان ذلك حقيقيا؟ للأسف سوف تكون الإجابة بالنفي، ليس لأن هذه الصناعة كانت تفشل دائما في العثور على إجابات، فقد شهدت فترات ساطعة من النجاح، ولكن لأنها لم تكن مرنة بما يكفي لكي تتفاعل مع الظروف المتغيرة من فترة إلى آخرى، ولأنها لم تكن في الأغلب مستعدة لدفع تكاليف هذا التغير، وكان هذا وراء ظاهرة عدم استمرار شركات إنتاجية سينمائية مصرية عبر مرحلة طويلة من الزمن. تُصنع الأفلام لجمهور، لكن جمهور الأربعينيات على سبيل المثال كان في العالم العربي يمتد من المحيط إلى الخليج، لذلك كانت الأفلام المصرية تتوجه إلى هذا الجمهور العريض، ولعلك تذكر كيف أن معظم هذه الأفلام كانت تتضمن "استعراضا" يطوف البلدان العربية المختلفة. وفي الستينيات، أصبح للعديد من الشعوب العربية أفلامها التي تنتجها بأنفسها، كما شهدت صناعة السينما المصرية بعض القيود في توزيعها، لذلك كاد الجمهور أن يقتصر على الطبقة الوسطى المصرية، لكن اتساع هذه الطبقة آنذاك ساعد على استمرار الصناعة قوية راسخة. أما لماذا تُصنع الأفلام، فقد تتراوح بين الدعوة إلى قيم ثقافية حديثة تتخلص من أسر الماضي، كما حدث للسينما المصرية في بداياتها، أو الدعاية لشكل اجتماعي جديد، سواء كان اشتراكيا في الستينيات أو انفتاحيا استهلاكيا في السبعينيات.... وأخيرا: كيف تُصنع الأفلام؟ إما عبر منتجي القطاع الخاص الذين قد يعرفون حجم مسئولياتهم أو قد لا يعرفونها، أو عبر القطاع العام، أو بين خليط من هذا وذاك. لكن ما الذي يجعل الأمر يبدو اليوم وقد وصل إلى حافة أزمة خطيرة؟ وهل يعكس إنتاج السينما المصرية هذه الأزمة حقا؟ ولنبدأ بهذا السؤال الأخير، فقد وصل إنتاج هذه السينما في العام 2013 إلى حوالي ثلاثين فيلما، وهو رقم أفضل بكثير مما كانت تنتجه في أواخر القرن العشرين بمتوسط خمسة عشر فيلما، لكنه بالطبع أقل من الستين الذي بلغته خلال الستينيات عندما كان جمهورها من الطبقة الوسطى، وأقل من المائة الذي بلغته في الثمانينيات في ذروة فترات ازدهار شرائط الفيديو. وما تزال السينما المصرية تصنع غالبا أفلاما كوميدية، مثل "على جثتي" و"سمير أبو النيل" ونظرية عمتي"، والقليل من الأفلام البوليسية التي عادت على استحياء مثل "مصور قتيل" و"الحفلة"، وبعض أفلام "الفنانتازيا" على الطريقة المصرية (التي تجعل الخيال مساويا لعدم وجود أي منطق فني) كما في "فبراير الأسود" أو "هاتولي راجل"، ناهيك بالطبع عن أفلام توليفة الرقص والغناء (وهي التوليفة التي لا يكاد فيلم مصري أن يخلو منها حاليا) مثل "8 في المائة" أو "عش البلبل"، وأخيرا أفلام البلطجية التي تحصد أغلب الإيرادت مثل "قلب الأسد" و"القشاش". وإلى جانب ذلك كله، تتوارى أفلام تسمي نفسها "مستقلة" وإن كانت التسمية الدقيقة أنه "مختلفة"، مثل "الشتا اللي فات" و"هرج ومرج" و"عشم" و"فرش وغطا". وإذا كانت تلك النظرة السريعة على إنتاج السينما المصرية مؤخرا يشير إلى رقم ليس سيئا، وإلى تنوع ما حتى لو كان محدودا، فأين إذن تكمن الأعراض الحادة للأزمة؟ إنها في تناقص عدد الجمهور بشكل عام، خاصة بالنسبة لمن يصنع أفلاما لا تتوجه إلى جمهور "الترسو" الحالي. وإذا كانت أيضا تلك هي الأعراض، فما هو الأفق الذي ينتظر السينما المصرية إن لم تعالج أسباب هذه الأعراض؟ ولا يمكنك أن تنكر أولا أن الحالة السياسية المضطربة في الآونة الأخيرة لا تشجع قطاعا كبيرا من الجمهور على الذهاب إلى دور العرض، خاصة أن هناك عددا هائلا من القنوات التليفزيونية الفضائية أصبحت تتيح عرض الأفلام بعد عام أو عامين من عرضها التجاري، ناهيك عن ظروف اقتصادية واجتماعية أخرى، مثل صعوبة الانتقال إلى السينما أو ارتفاع أسعار التذاكر. والحل مرة أخرى يكمن في مدى مرونة صناعة السينما المصرية، وقدرتها على الاستجابة لهذه الظروف. ولعل من أهم مظاهر هذه المرونة هو تخفيض ميزانيات الأفلام وأجور نجومها، والاستعداد لكسر حلقات الاحتكار التي تقيد المنتجين الصغار وتمنعهم من المنافسة، والتفكير الجاد في بناء دور عرض في الأحياء تكون قريبة من سكانها، حتى وإن كانت بسعات صغيرة، وتخفيض سعر التذكرة حتى يصبح ممكنا للعائلة أن تذهب للفرجة دون تكاليف باهظة، والأهم من ذلك كله، وهذا هو الأمر الذي تجاهلته السينما المصرية طويلا، هو تقديم نوع من الفرجة السينمائية التي لا يتيحها التليفزيون. لقد كان هذا هو التحدي الذي واجهته السينما الأمريكية مثلا في الخمسينيات، فأدخلت تقنيات الشاشة العريضة والألوان والصوت المجسم، وصنعت أفلاما لا يظهر بهاؤها إلا على الشاشة الكبيرة، لكن السينما المصرية لا تبدو راغبة في أن تدفع "تكاليف" تأسيس صناعة قوية، وإنما حصد أكبر قدر من الأرباح السريعة من الصناعة الراهنة. بل إن ذلك المنافس القوي، التليفزيون، قد يكون سبب الأزمة والطريق إلى حلها في آن، وعلى شركات الإنتاج السينمائي أن تدخل في شراكة قوية مع الشبكات التليفزيونية، يتم بمقتضاها وضع جدول يرتب فترات العرض بين الشاشتين الكبيرة والصغيرة، وسوف يدهشك أن أهم الأفلام العالمية الآن تُصنع بالاشتراك مع شبكات تليفزيونية (مثل آرتيه الفرنسية، أو زد دي إف الألمانية، أو تي في إي الإسبانية)، وهو أمر ليس هناك مبرر لغيابه عن وعي منتجي السينما والتليفزيون معا. وإذا كان ذلك هو المطلوب من صناع الأفلام ومنتجيها، فإن هناك دورا مهما للدولة في تنظيم ذلك كله، وليس مجرد مساعدة المنتجين على حصد أرباح أكثر. ورغم ادعاء البعض بأن "القرصنة" سبب أساسي في تدهور صناعتنا السينمائية، ومطالبة الدولة بإيقافها، فذلك مستحيل في الواقع العملي، وحتى الأفلام الأمريكية تتعرض جميعها للقرصنة بمجرد طرح قرص "الدي في دي" في الأسواق، لكن هوليوود تحافظ على هذه السوق الأخيرة بأن يتضمن القرص موادا إضافية تشجع المستهلك على اقتنائه، مثل اللقاءات الفنية المهمة مع الممثلين والمخرجين وكتاب السيناريو، وأرجو أن تقارن ذلك باللقاءات التي تتم مع فنانينا في برامج التليفزيون، والتي تفتقر إلى الحد الأدنى من الجدية والعمق. وعودا على بدء، فإن دور الدولة هو أن تقوم بما لا يمكن للقطاع الخاص وحده أن يقوم به، فمن الأمور الفاضحة الفادحة غياب أي مطبوعة سينمائية جادة لنشر هذه الثقافة بين عدد كبير من الناس، وكانت مثل هذه المطبوعات موجودة حتى عشر سنوات مضت، ولم يستطع القطاع الخاص تحمل خسائرها، بينما كانت الدولة تصدر العديد منها حتى منتصف السبعينيات. ومن الأمور التي تحمل مفارقة مريرة وجود العديد من المهرجانات السينمائية، دون هدف سينمائي ثقافي واضح، لذلك تنتهي إلى أن تكون أقرب إلى "الموالد"، التي تقام وتنفض دون أثر يذكر. ناهيك عن المستوى المتواضع الذي انتهت إليه المؤسسات التعليمية السينمائية، بينما كانت هناك برامج جادة لتبادل الخبرات، ترسل فيها البعثات إلى الخارج، ويأتي الخبراء لنقل خبراتهم إلى الأجيال الجديدة من السينمائيين المصريين. أخيرا قد يكمن جانب من الحل بعيدا عن كل تلك المسارات التقليدية، وهذا ما يتم تطبيقه على سبيل المثال في البرازيل، التي عاشت السينما فيها أزمة مماثلة منذ عقد من الزمن، وتحملت "وزارة التعاون الدولي" الجانب الأكبر من المواجهة، وقامت باتصالاتها لتجمع ميزانيات الأفلام من دول عديدة، في نوع راقٍ من الإنتاج المشترك. لكن المعيار في ذلك ليس أن تجمع ميزانية كبيرة لصنع فيلم واحد، وإنما ميزانيات صغيرة لعشرات الأفلام، وإذا كان الأمر سوف يتم على نحو ما انتهى إليه فيلم "المسافر"، الذي أنتجته الدولة، وتكلف أكثر من عشرين مليون جنيه، ليحقق فشلا فنيا وتجاريا ذريعا وغير مسبوق، لمجرد تحقيق نزوة بصنع فيلم ذي مقاييس "عالمية"، فسوف تتكرر المأساة، لأننا في التحليل الأخير لم نعرف لمن ولماذا نصنع الأفلام!