Tuesday, November 19, 2013

السينما المصرية والسياسة.... هل يحكمها المثل العامي: "إبعد عن الشر وغنِ له"؟


علاقة السينما المصرية بالسياسة علاقة معقدة رغم ما تبدو عليه من السطح، فحين يشتعل السياق السياسي بالتطورات العميقة، مثلما هو حادث هذه الأيام، تختفي السينما السياسية تماما كما يبدو في هذا الموسم الأخير! وإذا كانت السياسة تأخذ من اهتمامات الناس الحيز الكبير، فإن السينما تبرر هروبها بأن الجمهور بدوره يريد أن يهرب إلى تسلية تنسيه مشكلات الواقع المتشابكة. لكن هل هذه الحجة حقيقية؟ أم أنها يمكن أن تكون ذريعة لعدم مواجهة المواقف التي تتطلب حسما؟ ربما كان الأمر أكثر تعقيدا من هذين الاختيارين السابقين، ولعله يكمن في بناء السينما المصرية ذاتها، على نحو لا يمكن حتى للسينمائيين "المتمردين" أن يتخلصوا منه تماما. فمنذ ولادتها، أعلن أحد رواد مخرجيها الكبار – أحمد بدرخان – في أحد كتبه، أن السينما الجيدة تدور حول "صراع رجل وامرأتين، أو امرأة ورجلين"، لأن مثل هذا المثلث – الذي كانت له جذوره في حبكة المسرحيات متقنة الصنع في القرن قبل الماضي - يتيح لصانع الفيلم تجسيد تحولات ميلودرامية عاصفة، تجعل المتفرج مشدودا إلى الشاشة. ولم يكن إذن غريبا أن يأتي الفيلم المصري الوحيد، الذي تناول ثورة يناير وتقلباتها، وقد حمل في قلبه هذا الصراع ذاته، دون زيادة أو نقصان!! وكان ذلك هو فيلم "بعد الموقعة" للمخرج الذي اشتهر عنه صنع سينما مختلفة يسري نصر الله، لكنه عندما أراد أن يحكي عن هذا الحدث المهم لجأ إلى الحبكة ذاتها، حين تبحث البطلة الصحفية المثقفة، ابنة الشريحة العليا من الطبقة الوسطى (منة شلبي)، عن الذين اشتركوا فيما تعارفت الصحافة على تسميته "موقعة الجمل"، إذا بها تقع في هوى أحد أبناء الطبقة الفقيرة (باسم سمرة) ممن كانوا مخلب قط في المعركة، ليتحول الفيلم إلى قصة صراع حول الرجل، بين هذه البطلة وزوجة الرجل مهيضة الجناح (ناهد السباعي)، وليضيع أي أثر حقيقي للحدث السياسي، الذي ترك كل المساحة للحدث العاطفي الميلودرامي. ويحلو لبعض صناع السينما المصرية ونقادها أحيانا الاستشهاد بأفلام تتخذ من الصراع السياسي قلبا لها، وعلى رأس هذه القائمة فيلم المخرج خالد يوسف "هي فوضى؟"، الذي يشاع عنه أنه تنبأ بثورة يناير. وبعيدا عن فكرة "النبوءة"، التي لا تصمد أمام ما حدث لهذه الثورة ذاتها من تداعيات، فسوف تكتشف أن جوهر الحبكة يدور في فلك صراع الحبكة التقليدية ذاتها، مع محاولة لإضفاء بعد رمزي خشن، يقول لك أن البطلة الشابة اليافعة (منة شلبي أيضا) ترمز إلى مصر، التي يعشقها على نحو مريض أمين شرطة (خالد صالح)، الذي يرمز بدوره إلى السلطة، وهو حين يعجز عن امتلاكها كما يريد فإنه يحاول اغتصابها، لكن سوف ينقذها من براثنه وكيل النيابة الشاب (حسن الرداد)، الذي يرمز أيضا إلى القانون. كما يأتي فيلم "أولاد العم" ليقول أنه يتحدث عن "الصراع العربي الإسرائيلي"، ويلجأ إلى الحبكة ذاتها، فضابط المخابرات الإسرائيلي (شريف منير) يختطف المرأة المصرية (منى زكي)، بعد أن خدعها أعواما تحت زعم أنه مصري، وتزوجها وأنجب منها، وها هو بعد انتهاء مهمته في مصر يأخذها وأطفالها عنوة إلى "إسرائيل"، ليظهر ضابط المخابرات المصري (كريم عبد العزيز)، الذي يأتي بمعجزات خارقة تفتقر إلى أدنى حدود المنطق، ويخلص بطلتنا وأطفالها ويعود بهم إلى أرض الوطن. يمكنك في هذا الفيلم الأخير على سبيل المثال أن تجعل الإسرائيلي تاجر مخدرات عريقا في الإجرام، ويكون المصري ضابط شرطة، ولن تجد تغييرا في الحبكة على الإطلاق، وهو ما يعني أن "السياسة" بمعناها الحقيقي ليست إلا خلفية يمكنك أن تغيرها بأي خلفية أخرى. وهذا هو الأمر ذاته مع فيلم "أصحاب واللا بيزنيس"، الذي بدأ "تيمة" كواليس عالم الفضائيات، متجسدة في الصراع بين مذيعين مشهورين (مصطفى قمر وهاني سلامة)، مع بعض صراعات أخرى معتادة حول الحبيبات، ويجعل الفيلم نقطة التحول تأتي مع عملية انتحارية، يقوم بها فلسطيني شاب (عمرو واكد)، لكنك سوف تكتشف أنه حادث عارض وليس محوريا في الحبكة، ويمكنك أن تستبدل به أي حدث ميلودرامي آخر. إن هذه السطحية في تناول السياسة تصبح أقرب إلى الهزل الفج، مع فيلمين يندرجان للأسف تحت مسمى "السينما السياسية"، ويلجآن إلى نوع من "الفانتازيا" التي تزيد هذه الفجاجة. الأول هو "يا مهلبية يا" لكاتب السيناريو ماهر عواد والمخرج شريف عرفة، حيث يتلخص الكفاح الوطني المصري في مجموعة من بلطجية أحد "الكباريهات" (هكذا!!)، وفيه ترمز راقصته (ليلى علوي) إلى مصر، وإن أردت الإشارة إلى فلسطين فهي "الكباريه اللي جنبنا" كما جاء على لسان إحدى شخصيات الفيلم!! أما الفيلم الثاني فهو أكثر معاصرة، لكاتب السيناريو والمخرج محمد أمين، وهو "ليلة سقوط بغداد"، الذي يبدو على السطح صرخة لاسترداد حق الشعوب العربية في تقرير مصيرها، لكنه في حقيقته صرخة عواء وخواء جنسي، حين يعيد جذور كل الأشياء إلى حرية الجنس والمخدرات المقيدة عندنا!! ليس هذا في الحقيقة حكما أخلاقيا على مثل هذه الأفلام، بل هو حكم جمالي وفني، فإذا كان أي فيلم يزعم أنه يتناول موضوعا سياسيا، فإنك لا تستطيع أن تغفر له تسطيح "المضمون" لمجرد أن يطرح مثل هذا "الموضوع". وسوف تجد هذا التسطيح ذاته في العديد من أفلام نادية الجندي، التي لن يفيد شيئا أن نذكر كتابها ومخرجيها، فهي في واقع الأمر فيلم واحد بأسماء مختلفة، سواء كانت "48 ساعة في إسرائيل" أو "امرأة هزت عرش مصر" أو الجاسوسة حكمت فهمي"، وهنا أيضا لن يكون "الموضوع" السياسي إلا مبررا لتقديم بطلة خارقة في كل شيء، في الرقص والسياسة على السواء! لكن هناك أفلاما مصرية استطاعت أن تتلمس "المضمون" السياسي بقدر متفاوت من الوضوح والنجاح، لكنك سوف تلاحظ هنا أيضا أنها لم تستطع – أو تجرؤ – على تناول موضوعها بصراحة. تأمل على سبيل المثال فيلما نعتبره كوميديا، لكنه أراد أن يلمس قضية سياسية في فترة كان هذا الأمر محظورا، وهو ما أدى إلى أن الرقابة أن تغير اسم فيلم "شمشون ولبلب" إلى "عنتر ولبلب"، لأنها أدركت أنه يضع الصراع العربي الإسرائيلي في إطار قصة كوميدية شعبية، تدور حول الصراع بين ابن الحارة (شكوكو) والدخيل عليها (سراج منير). تتحول هذه الكوميديا إلى ميلودراما صارخة مع فيلم يوسف شاهين "عودة الابن الضال"، الذي يدور حول عائلة يسيطر عليها الابن الأكبر، بعد أن غاب الابن الأصغر في المعتقلات أعواما طويلة، وبعد أن يعود يبدو مهاودا مهادنا، لكن الصراع الدموي يتفجر في النهاية، في شكل أقرب إلى المذبحة التي لا تبقي ولا تذر. وهي الميلودراما ذاتها التي كان الكاتب أسامة أنور عكاشة والمخرج عاطف الطيب يعشقانها في أفلامهما معا، وعلى رأسها "كتيبة الإعدام"، حول البطل العائد من غيبة طويلة وراء القضبان، بحثا عن المجرم الحقيقي الذي سرق "حرب أكتوبر"، وأودى ببطلنا إلى السجن. سوف تجد ظلالا من هذه الرمزية السياسية في أفلام مثل "آيس كريم في جليم" لخيري بشارة، الذي يتحدث عن جيل التسعينيات الحائر في تحديد هويته، ويريد أن يتحرر من القيود التي يعتبرها تقليدية. أو فيلم "الدرجة الثالثة" لماهر عواد وشريف عرفة، عن الطبقة الفقيرة التي تصبح وقودا للمعارك، لكنها تظل منبوذة عند توزيع الغنائم. أو فيلم "طيور الظلام" لوحيد حامد وشريف عرفة، عن الصراع بين فساد السلطة وانتهازية التيارات التي تتمسح بالدين. وأخيرا فيلم صلاح أبو سيف "البداية"، الأكثر وضوحا في موقفه من نشأة الطبقة الرأسمالية، التي تستغل فقر الشعوب وجهلها، لتزيدها فقرا وجهلا. في مثل هذه الأفلام الأخيرة نجحت السينما المصرية – إلى حد كبير – في أن تعبر الهوة الفاصلة بين الجدية والترفيه، وهوة أخرى أعمق بين حرية التعبير ورقابة السلطة. وإذا كانت الأغلبية الساحقة من أفلام السينما المصرية لا تميل أصلا لتناول السياسة، فهذا ليس فقط من باب "إبعد عن الشر وغنِ له"، لكنه بسبب كسل وبلادة متأصلين، في قطاع كبير من هذه الصناعة، ما يزال ينظر إلى الدراما كلها باعتبارها "صراعا بين امرأتين ورجل، أوبين رجلين وامرأة"!!

Thursday, November 14, 2013

أزمة السينما ... كمان وكمان!!


من جديد تراجع عدد الأفلام المصرية فى هذا العام 2010 إلى أقل من ثلاثين فيلما، بينما كان قد ارتفع خلال السنوات الخمس الماضية إلى ما بين أربعين وخمسين فيلما، وبرغم أن ذلك الارتفاع ظل أدنى كثيرا مما كانت السينما المصرية تحققه فى نهاية الثمانينيات، فقد ظل أعلى مما هبطنا إليه عند نهاية التسعينيات (15 فيلما فى عام 1999!!)، لكن ما تزال هذه الأرقام تعكس الحالة المرضية التى تعيشها السينما المصرية منذ فترة طويلة، على مستوى الكم والكيف معا. ومع ذلك فإننا ننام ملء أجفاننا، نستيقظ أحيانا ونفتح عينا ونتفوه بكلمة، ثم نتثاءب ونعود للنوم ... هذا هو حالنا ليس فقط فى السياسة ولكن فى كافة النشاطات "الإنسانية"، ومنها السينما، التى قد يتصور البعض أحيانا أنها نشاط ترفيهى يمكن الاستغناء عنه إذا كانت الظروف لا تسمح بالرفاهية، وأنا أتفق معهم تماما إذا كنا نطبق بالفعل مفهوم "الأولويات" فى حياتنا، و"على قد لحافك مد رجليك"، لكن السفه الذى نشهده مثلا فى الإنفاق المجنون على التمثيليات التليفزيونية التافهة يجعلنا نسأل: ألم تكن السينما أولى ببعض من هذه الأموال التى تضيع فى الهواء؟ أعلم أن لكل ما سوف أطرحه الآن من أسئلة ردا جاهزا، هو فى الحقيقة اقرب إلى التبرير منه إلى التفسير. خذ مثلا هذا المثال الأخير: العلاقة بين السينما والتليفزيون، فالبعض سوف يقول لك: "واحنا مالنا؟ أصحاب وكالات الإعلان هم الذين يمولون هذه المسلسلات، وهم أحرار فى فلوسهم، فهل تريدنا أن نعود للعصر "الشمولى" ونفرض عليهم ما لا يريدون؟"، وهنا يثور على الفور الموضوع الشائك بين تلك الحرية المنفلتة باسم اقتصاد السوق، وحق "الدولة" (أى دولة) فى أن تضع الضوابط التى تنظم تعارض المصالح الذى يقع فى هذا المجال بين من يصنعون الفن ومن يستهلكونه، ودعنى ياقارئى العزيز أذكرك أن الجهات المسئولة عن الإعلام في الدول المتقدمة تضع ضوابط في هذا الشأن، فهي تحدد حدا أقصى للفترة الإعلانية كل ساعة، كما تلزم القنوات التليفزيونية بفترات محددة للإعلانات سواء فى ساعات الليل أو النهار، والأهم هو التشجيع على إيجاد مصادر أخرى للتمويل تستطيع أن تقلل من اعتماد هذه المحطات على الإعلانات، بل يذهب الأمر إلى أن يكون أحد أهم مصادر تمويل القنوات التليفزيونية هو الاشتراك فى إنتاج الأفلام السينمائية، وأرجو من يهمه الأمر أن يراجع العناوين الأخيرة فى أى فيلم سينمائى أوروبى أو لاتينى (أو حتى إسرائيلى)، ويعد كم محطة تليفزيونية اشتركت فى إنتاجه. أريد فى الحقيقة من مقالى هذا أن أشارك بجهد متواضع فى فض العديد من الاشتباكات حول مسألة السينما المصرية وما تعانيه، وأنا لا أزعم مطلقا أننى "جبت الديب من ديله"، بل على العكس أؤكد دائما أنه لا يجب علينا أن نخترع العجلة من جديد، وأن نتعلم من كل تجارب الآخرين، الأصدقاء منهم والأعداء، نتعلم منهم كيف ننجح، وكيف نحقق أهدافنا، وإن كان لزاما علىّ أن أعترف أيضا أن التفاؤل ليس كبيرا فى تحقيق أية أهداف فى المستقبل القريب، فقد وصلنا فى كل مجالات حياتنا إلى حالة من الشيخوخة الحقيقية والمعنوية، حالة من الاستسلام القدرى لما يصنعه الآخرون فينا وبنا، ولأن العزيمة تنقصنا – مع افتخارنا بفيلم مصرى قديم يدعى "العزيمة"! – فإننى أوجه كلماتى هذه إلى جيل جديد، لعل الخطوط المشتبكة، والقضايا الملتبسة، تنحل عقدتها، ليملك هذا الجيل يقينا مفقودا فلا يردد فى النهاية مقولة: "وأنا مالى؟ ياعم مفيش فايدة". 1- هل السينما ضرورة أم رفاهية؟ نتصور أحيانا أن السينما مجرد أفلام تُعرض، وجمهور يتفرج، وما دام ذلك يتحقق فى عشرات القنوات الفضائية فأين المشكلة إذن؟ أرجو هنا أن نعود لما كتبه رائد علم وسائط الاتصال مارشال ماكلوهان منذ أكثر من نصف قرن عن الفروق الجوهرية بين السينما والتتليفزيون، خاصة على مستوى التلقى، لقد أسمى التليفزيون وسيطا باردا بينما السينما وسيط ساخن، وبكلمات أخرى فإن السينما (المعروضة فى دار العرض) تخلق حالة من الكثافة الشعورية والذهنية (على مستوى الوعى واللاوعى على السواء) لا تتحقق فى التليفزيون، الذى نراه بشكل متقطع ودون تركيز كبير، وفى الأغلب ونحن فى حالة وحدة يزيدها التليفزيون شعورا بالعزلة واللامبالاة، على عكس السينما التى تخلق حالة من النشوة، سواء فى الأفلام الكوميدية أو المأساوية. إن أى فن فى الحقيقة "ظاهرة اجتماعية"، وعندما تغيب الديمموقراطية مثلا يختفى المسرح الحقيقى، وعندما يسود مبدأ "فلينجُ كل منكم بنفسه من الطوفان" يكون التليفزيون، وليس السينما، هو وسيلة الترفيه الوحيدة والسائدة. 2- هل يمكن للدولة أن تتدخل فى تنظيم علاقة السينما بالمتفرج؟ ليست الإجابة هى أن من "الممكن"، بل من "الواجب". ودعنى أتوقف معك هنا قليلا ياعزيزى القارئ وأسألك سؤالا قد يبدو ساذجا: ما هى الدولة؟ إنها ذلك الكيان الذى نصنعه أنا وأنت (إنها ليست مُنزَّلة من السماء كما قد توحى لك السلطة الديكتاتورية الدنيوية أو الدينية)، كيان نصنعه لكى يقوم بالنيابة عنا بما لا نستطيع أداؤه بمفردنا، سواء فى القضاء، أو التشريع، أو تصريف أمور الحياة الجماعية. بل أؤكد لك أن "عسكرى المرور" هو أحد مظاهر الدولة، أى دولة، فإذا قبل الرشوة كانت الدولة فاسدة، وإذا فرض نفسه بلطجيا يجمع الإتاوات كانت الدولة نظام جباية لا نظام حماية، وإذا اختفى كان هذا يعنى أنه لا وجود للدولة، وأن رجالها مشغولون باستغلال مواقعهم فى السلطة لتحقيق مصالح شخصية بدلا من القيام بتنظيم أمور حياتنا، وهكذا يختلط الحابل بالنابل فى الشارع، كما يصبح الاقتصاد "سداح مداح" كما أطلق عليه الراحل العظيم أحمد بهاء الدين. وأرجو ألا تصدق لحظة واحدة أكذوبة الاقتصاد الحر التى يروجون لها، فهى من جانب تسمح لرجال العصابات بالثراء الفاحش حتى من خلال بيع الوطن قطعة قطعة أو تأجيره مفروشا، ومن جانب آخر تجعلنا من الدول التابعة التى تأخذ أوامرها من صندوق النقد والبنك الدوليين (الذى نفتخر أن بعض مسئولينا ترقوا فيه دليلا على إذعانهم لأوامره على حسابنا)، فى الوقت الذى تنفذ فيه أعتى الدول الرأسمالية حماية على اقتصادياتها، وتنظيما للعلاقات بين المنتجين وبعضهم البعض، وبين المنتج والمستهلك. 3- كيف ينطبق ذلك على السينما؟ إنك لو ذكرت أو حتى لمَّحت إلى ضرورة تدخل الدولة فى تنظيم صناعة السينما لطاردتك على الفور فلول من يرددون أن تجربة "مؤسسة السينما" فى مصر كانت فاشلة، ولن أدخل هنا فى جدل حول هذا الأمر، وإن كنت أتمنى أن يعود هؤلاء إلى ذكريات مخرجنا الكبير توفيق صالح لعلهم يجدون فيها الإجابة. لكننى أقول أننى انتهيت لتوى من قراءة دراسة حول السينما البرازيلية، التى عانت فى النصف الأول من التسعينات من انتكاسة خطيرة حتى أنها لم تنتج فى عام 1992 إلا فيلمين فقط، وفى منتصف هذا العقد انتبهت الدولة إلى سن تشريعات (حقيقية ومدروسة ومطبقة وليست حبرا على ورق) أدت إلى نهضة سينمائية كبرى، وكان أهم هذه التشريعات ما يلى: أولا إنشاء بنك مهمته تمويل الجزء الأكبر من إنتاج السيناريوهات المتميزة، وثانيا مشاركة وزارة الثقافة بتقديم دعم مالى أو تقنى لهذه المشروعات، وثالثا تقديم كل التسهيلات للتوسع فى إنشاء دور العرض المتعددة الصغيرة (مالتيبليكس) فى كل ضواحى المدن الكبيرة والصغيرة، ورابعا إسهام وزارة التعاون الدولى فى خلق فرص للإنتاج المشترك مع دول وجهات أجنبية، وخامسا إقامة مهرجان قومى حقيقى (وليس صوريا) تُمنح فيه جوائز فى صورة دعم أكبر لإنتاج المشروعات القادمة للمخرج ذاته، ضمانا لاستمرار صانع الفيلم المتميز فى الإبداع ... وهناك إلى جانب تلك التشريعات قواعد أخرى قد لا يتسع المجال لحصرها. 4- من الذى سوف يقوم على تنفيذ تلك الخطط فى حال إقرارها؟ هنا سوف أجد نفسى مضطرا للدخول إلى منطقة ملغومة على نحو ما، فكلما تلفت حولى باحثا عن جهة ما مسئولة بالفعل عن السينما لم أجد وكأن السينما طفل لقيط بلا أب. إننى أؤكد منذ البداية أن "الحكومة" يجب أن تبتعد عن هذا الأمر تماما، فالتشريعات التى أتحدث عنها تقوم بسنها السلطة التشريعية فى الدولة (مجلس الشعب يعنى، لكن ليس من نوعية مجلسنا الموقر)، لتقوم "هيئة" مستقلة بتنفيذها، لا تأخذ أوامرها من الوزراء أو أى جهة أخرى فى السلطة التنفيذية، ولأضرب لك مثلا بأن هيئة الإذاعة البريطانية ليست تابعة لـ"الحكومة" وإنما للدولة، وبين الحكومة والدولة فرق كبير كما أتمنى أن تكون قد عرفت الآن، تماما كما أن "هيئة الأغذية والأدوية إف دى إيه" فى أمريكا ليست تابعة لوزارة الصحة. إذن من؟! غرفة صناعة السينما؟ نقابة السينمائيين؟ لجنة السينما بالمجلس الأعلى للثقافة؟ أنظر حولى فلا أجد إلا صحراء قاحلة، أناسا مشغولين إما بمصالحهم كأفراد، أو بمصالح فئوية ضيقة، أو مجموعة ممن لا يحلمون بأى غد فهم لا يعرفون إن كانت شمس الغد سوف تشرق عليهم. منذ أسابيع قليلة سمعنا أن هناك استعدادا لإقامة مؤتمر للمثقفين، ثم لا شىء، صمت مطبق، لا المثقفين استعدوا ولا وزارة الثقافة أعادت العرض، ولأنى متأكد أن وزارة الثقافة فى وضعها الحالى لا تعبأ كثيرا بمضمون حقيقى لمثل هذا المؤتمر، فقد كنت آمل فى أن يتلقف الفكرة مثقفو السينما – ربما من خلال نقابتهم – لصياغة مشروع متكامل الرؤية حول الوضع الراهن وسبل الخروج منه، ولكن "لا حس ولا خبر"، ومرة أخرى فإن ذلك يعود فى رأيى إلى حالة الشيخوخة الجسمانية والمعنوية التى نعانى منها، ولأن الشىء بالشىء يذكر أعترف أننى لم أكن أتصور أن لجنة السينما بالمجلس الأعلى للثقافة تضم عددا هائلا من "العواجيز"، تعطيهم مقابلا هزيلا لحضور اللجان، فكيف لك أن تنتظر منهم أن يدافعوا عن المستقبل؟ (للتوضيح فقط: لست عضوا فى أى من هذه اللجان، ولن أكون، فلست أقل شيخوخة ممن أتحدث عنهم). والحل: ربما ينتبه بعض من أبناء الأجيال الأصغر فى نقابة السينمائيين (بعد أن تصبح النقابة للسينمائيين بالفعل) إلى أن مسئولياتهم الحقيقية تفرض عليهم تكوين تيار ينادى بإصلاح السينما بحق، والتفكير بشكل جماعى، والاستعانة بنماذج من دول قريبة فى أوضاعها السياسية والاقتصادية والثقافية منا، ووضع مشروعات محددة الرؤية والهدف والوسائل، وسوف تبقى دائما فى مصر مشكلة اختيار الأشخاص القائمين على التنفيذ، وأرجو أن يبحث الشباب عمن يتولون من بينهم هذه المهمة داخل الهيئة المفترض وجودها، وأن يكون من حق أعضاء النقابة تغيير هؤلاء الأشخاص بشكل ديموقراطى إذا لم يفوا بالمأمول منهم من إصلاح. 5- ما دمنا قد تعرضنا لمسالة الديموقراطية فلابد من تنقية القوانين المتعلقة بالسينما من كل ما يعوق حرية التعبير التى تكفلها كل دساتير العالم ومواثيق حقوق الإنسان، لذلك لا ينبغى أن تكون "الرقابة" تابعة لوزارة الثقافة (الحكومة يعنى) كما سبق القول بشأن مثل هذه الهيئات، والجهة الرقابية فى أمريكا مثلا هيئة تابعة لرابطة منتجى السينما أنفسهم، وهى ليست منوطة بالمنع وإنما بالتصنيف، لكى تضمن فقط ألا تتعرض شريحة ما من الجمهور لما يُفضَّل ألا تتعرض له. إن ذلك سوف يفتح أفاقا لحرية التعبير بما يحقق حالة من التجدد فى السينما المصرية التى باتت على أبواب الخروج من التاريخ. وفى هذا السياق أذكر ذلك القانون الشاذ بمنع التصوير فى الشارع إلا بتصريح من وزارة الداخلية، بما يذكرك بتلك اللافتة الساذجة على جدار ما: "ممنوع الاقتراب والتصوير"!! يحدث ذلك بينما يستطيع أى إنسان أن يدخل على الإنترنيت ليرى صور الأقمار الاصطناعية للشارع الذى يسكن فيه، لكن ضريبة هذا القانون المتخلف والمجحف تقع على عاتق الفنان السينمائى الذى يمكن لأى عسكرى أن يصادر كاميرته أو حتى يكسرها، وهو ما يفسر لك على سبيل المثال كيف أن الفيلم التسجيلى والقصير ماتا فى مصر (أو على الأقل أصبحا كالمومياء المحنطة)، بينما هما فى حالة ازدهار فى العالم كله. 6- تقام المهرجانات السينمائية فى دول العالم الجادة (ودعك من تلك المهرجانات التهريجية فى دول لا تجد ما تفعله بأموالها، وعلى رأى المثل المصرى: "اللى معاه قرش محيره، يشترى حمام ويطيره")، أقول تقام المهرجانات من أجل تحقيق نهضة حقيقية للسينما، لكننا ما نزال نقيم المهرجانات المحلية والعالمية دون أن نجد لها أى أثر فى صناعتنا السينمائية، مرة أخرى لأن وزارة الثقافة وحدها هى التى تقيم هذه المهرجانات بروح الموظفين فى أغلب الأحوال، أو من وجدوا لأنفسهم دورا ووجاهة وسلطة بعد أن كانوا مجرد "سكرتارية" لا يعرفون عن السينما شيئا حقيقيا. لا أدرى بحق ما هى الفائدة التى تعود على السينما المصرية من مهرجان القاهرة السينمائى مثلا: فائدة فنية؟ سياحية؟ سياسية؟ أشك، فلا نحن نشاهد أفلاما يشاهدها العالم كله (أرجو من نقادنا فى نهاية كل عام أن يراجعوا قوائم النقاد العالميين لأفضل عشرة أفلام، ويسألوا أنفسهم كم شاهدوا منها)، وعلى المستوى السياحى فقد اختار مهرجان القاهرة هذا العام إقامة برنامج خاص عن "مصر فى عيون العالم" من خلال الأفلام، فجاءت معظم هذه الأفلام المختارة من نوعية إظهار المصريين فى صورة راكبى الجمال وساكنى الخيام وأعضاء عصابات التهريب، والكومبارس الذى يجب أن يموت لكى يعيش البطل الغربى! وعلى المستوى السياسى فقد حدثت فى الآونة الأخيرة نكتة سوداء سخيفة، إذ قيل أن مهرجان أبو ظبى قد دعا منتجة بريطانية يقال (تكرار المبنى للمجهول مقصود) أنها افتخرت فى مؤتمر صحفى بجنسيتها الإسرائيلية، وعلى طريقة "قالوا له" هاج البعض وماج دون أن يتأكد أحد منا من الواقعة. قارن ذلك بواقعتين حقيقيتين هذه المرة: المخرج البريطانى الشهير مايك لى قرر إلغاء ذهابه لإسرائيل اعتراضا على مشروع "قَسَم الولاء" الذى تحاول إسرائيل فرضه على كل "سكانها" باعتبارها "دولة يهودية"، مع العلم أن مايك لى يهودى. أما الواقعة الثانية فهى الحملة الشعواء التى يتعرض لها جان لوك جودار (وهو من هو فى تاريخ السينما) من جانب وسائل الإعلام الإسرائيلية، اعتراضا منها على منحه جائزة الأوسكار القادمة عن مجمل أعماله، بتهمة "عدائه للسامية"، وهى الترجمة الإسرائيلية لمناصرة القضية الفلسطينية. ومع ذلك فإن أحدا فى مهرجان القاهرة السينمائى لم يفكر فى دعوة أى من هذين السينمائيين الكبيرين. استيقظوا يرحمكم الله!! 7- أخيرا: هل من مستقبل؟ لا أجد هذا المستقبل إلا فى معهد السينما، الذى شاخ بدوره بعد أن أكل الدهر عليه وشرب، وقد تخلف كثيرا عن التطورات التقنية والجمالية للسينما فى العالم كله، وأصبح الالتحاق به مرهونا بعوامل ليس من بينها الموهبة والقدرة، مع أنهما الشرطان الأساسيان وربما الوحيدان للتقدم فى أى مجال على الإطلاق (ولعل ذلك يفسر لك التخلف الذى نعانيه الآن فى جميع المجالات). وليس هناك من حل إلا ثورة حقيقية فيه، ليس فقط على مستوى "العِدد والآلات" كما يتصور البعض، وإنما عن طريق مناهج دراسية نظرية وعملية متطورة بحق، وضرورة (أكرر: ضرورة) الاستعانة بكبار صناع السينما فى العالم، واستقدامهم كأساتذة يتولى كل منهم دفعة بأكملها منذ التحاقها وحتى تخرجها، مع إرسال بعثات جادة لمراكز صناعة وتدريس السينما فى البلدان المتقدمة فى هذا المجال. عزيزى القارئ، هناك الكثير لنصنعه فى هذا المجال، وقد لا يملك المسئولون الحاليون الإرادة أو حتى الرغبة فى تحقيق أى شىء، لكن كما فى كل أمور الحياة لابد أن يدافع أصحاب المصلحة عن مستقبلهم، فهذا الجيل الشائخ الشائه سوف يزول قريبا، ولا يجب أن نترك أمورنا فى أيدى ورثة هذا الجيل الذين سوف يجعلون هذه الشيخوخة المشوهة علامة على مصر فى أدنى مراحل تحللها فى التاريخ المعاصر. هل نريد سينما أفضل، ووطنا أكثر جمالا وعدلا؟ المشوار طويل نعم، لكن إما هذا أو الرضا بالموت ونحن على قيد الحياة!!

Wednesday, November 13, 2013

البلطجي بطلا... أزمة سينما أم أزمة مجتمع؟


في كل صناعات السينما في أنحاء العالم المختلفة، كانت سينما العنف تشكل رافدا مهما من الأفلام التجارية، وكان هذا يعود في الجانب الأكبر منه إلى أن هذا الفن يعتمد على الإيهام بحركة الصورة، فكلما كانت الحركة أوضح كان الفيلم أقوى تأثيرا، خاصة على المستوى "الفسيولوجي" للمتفرج، الذي ترتفع عنده نسبة "الأدرينالين" إلى حدود ربما لا تحدث في الحياة اليومية، وربما كان هذا يفسر كيف أن أفلام الحركة تصبح لدى البعض أقرب إلى "الإدمان"، لأن جسده قد اعتاد على إفراز هذا الهورمون، ويشتاق دائما لزيادته. لكن العنف قد يكون أيضا ناتجا عن تأثير اجتماعي، فهو قد يعود إلى جذور تاريخية في تكوين المجتمع ذاته، مثل أمريكا التي قامت أصلا على إبادة السكان الأصليين، ثم سلسلة من الحروب الأهلية بالغة الدموية التي استمرت حتى بدايات القرن العشرين، لذلك أصبح العنف "لغة" سائدة، وهو ما انعكس في السينما في نمطين فيلميين جماهيريين، هما "الويسترن" ببطله راعي البقر أو "الشجيع"، وفيلم رجال العصابات حيث يصعد زعيم العصابة إلى القمة على جثث العشرات من الأعداء بل الأصدقاء أيضا. وعلى النقيض، تسلل العنف إلى السينما اليابانية في شكل أفلام "الساموراي"، وهم الفتوات المسلحون الذين يستأجرهم الضعفاء للدفاع عنهم، فهم في هذه الحالة أقرب إلى فعل الخير، والحنين إلى زمن ماضٍ لم يعد له وجود في ظل التحديث المعاصر. ومن المثير للاهتمام أن السينما المصرية لم تعرف هذا العنف إلا بعد عقود من ولادتها، على عكس صناعات سينمائية أخرى بدأت به، وفي الأغلب كان هذا انعكاسا لمجتمع لا يرى أن العنف وسيلة لتحقيق المطالب، وكثيرا ما تشهد في الأفلام المصرية القديمة دعوات للصبر على المكاره، ويسمون ذلك نوعا من "العزيمة" مثلا كما في أهم أفلام السينما المصرية التقليدية. غير أن العنف ظهر على استحياء في شكل الأفلام التي أطلقوا عليها أفلاما "بدوية"، حيث السيف فقط هو الوسيلة، وإن كان في ذلك مغازلة لقيم "الفروسية" القديمة في الوجدان العربي، وليس تكريسا للعنف ذاته. ويمكنك أن تقول إن هذا "الفارس" ارتدى ثوبا جديدا في الخمسينيات، مع ما عرف آنذاك بأفلام "الفتوات"، التي يأتي "فتوات الحسينية" على رأسها، لكن الفتوة هنا رمز لقوة الخير التي تحارب قوى الشر، وربما تحول الفتوة ذاته إلى الشر إذا استولى الطغيان على روحه وعقله، غير أنه كان دائما يشير إلى زمن قديم، فيه مزيج من الواقع والأسطورة، وهو ما حدا بالروائي العظيم نجيب محفوظ (وهو ذاته كاتب سيناريو "فتوات الحسينية") أن يجعل الفتوة – الطيب أو الشرير- شخصية مهمة في أعماله، بل إن تنويعات الفتوة تصبح هي جوهر عمله الملحمي الأشهر "الحرافيش"، الذي استمدت منه السينما المصرية العديد من الأفلام في عقد الثمانينيات، وقع أغلبها في دائرة أفلام العنف والحركة، لكن فيلما مثل "الجوع" يتحول إلى دراسة لأسباب اللجوء للفتوة، عندما يغيب العدل الاجتماعي. ودائما ما كان هذا البطل الفردي يلقى استحسانا من الجمهور، خاصة فيما تعارفنا عليه باسم جمهور "الترسو"، حيث يكون عنف هذا البطل تفريغا لشحنة القهر والعجز لدى المتفرج، ولهذا السبب ذاته كان النقاد والمثقفون يرفضون هذا النوع من العنف، الأقرب إلى التخدير منه إلى التنوير أو التطهير. ومع ذلك لم تتوقف السينما المصرية عن العودة إلى مثل هذا البطل الصعلوك، المجرم، البلطجي، بين الحين والآخر، وإن كان ذلك بشكل متناثر ولأسباب متباينة. ففي فترة الخمسينيات كانت هناك مثلا محاولة لتفسير السلوك الإجرامي، لا تخلو من الميلودراما الفاقعة الفاجعة، في فيلم "جعلوني مجرما"، بينما كانت "موضة" أفلام الكاراتيه وفنون القتال الأسيوية سببا في الثمانينيات والتسعينيات في ظهور أفلام مصرية تقلدها، خاصة في أفلام لاعب الكونج فو (الذي يفتقد موهبة التمثيل تماما) يوسف منصور، مثل "العجوز والبلطجي" و"قبضة الهلالي"، أو عندما أصبح لاعب كمال الأجسام الشحات مبروك نجما سينمائيا للعديد من افلام المقاولات، مع أنه تم استخدامه في عمل ناضج كان يحمل اسم "المرشد"، وأخيرا فإن الممثل الموهوب أحمد زكي جرب حظه في هذا المجال دون إقناع كبير في "مستر كاراتيه". وفي كل الأفلام السابقة وتنويعاتها، كان الفتوة أو البلطجي في السينما المصرية نوعا من الاستثناء وليس القاعدة، وهو يظهر أحيانا لكنه لا يلبث أن يختفي، وربما كان فيلم "أقوى الرجال" المقتبس عن المسرحية التركية "وحش طوروس" يفسر ذلك: إن البلطجي نوع من الوهم وليس حقيقة، والناس تخاف منه بسبب الأساطير الكاذبة الملفقة التي حيكت حوله، لكنه في الحقيقة شخص هش ضعيف، فكأن ذلك يعبر عن عمق الشك في نفوس الجمهور المصري والعربي تجاه أسطورة وسطوة الفتوة. بل إن الأمر يأخذ منحى مختلفا تماما، عندما أصبح عادل إمام بطلا جماهيريا، ليس لأنه تكرار مثلا لوحش الشاشة فريد شوقي، بل لأنه النقيض له، إنه الذي يأخذ حقه بما يتمتع به من دهاء و"فهلوة"، وعندما كان عادل إمام يرتدي ثوب الفتوة البلطجي الشجيع، كما في "شمس الزناتي" مثلا، فإنه كان يلقى تجاهلا من الجمهور، وهذا هو السبب في عودته بعد ذلك إلى تنويعات جديدة من البطل الفهلوي، بدءا من "اللعب مع الكبار". فجأة، ومنذ أربعة أو خمسة أعوام، طفت على سطح السينما المصرية أفلام بالغة العنف، تقدم بلطجيا من نوع جديد، وربما كانت الجملة الشهيرة لأحمد السقا في فيلم "الجزيرة" تلخص فلسفة هذا البطل وأفلامه: "من النهارده مفيش حكومة، أنا الحكومة"!! وكان ذلك إيذانا وإعلانا صريحا بمرحلة جديدة ليس في السينما المصرية فقط، بل في المجتمع المصري كله: خذ حقك بيدك، لأنه لا وجود لسلطة تأخذ لك هذا الحق!! ومنذ تلك اللحظة طفا على السطح وجود (حقيقي أو زائف) للبلطجي، وأصبحت بعض الدوائر السياسية تستخدم هذا الوجود (صدقا أو كذبا) لتفسير العديد من الأحداث الدموية الغامضة، التي قد تكون في الحقيقة من تدبير بعض هذه الدوائر، وليس البلطجية سوى أداة يتم استئجارها لتنفيذ مهام قذرة ما. وهكذا ظهر "ابراهيم الأبيض"، أكثر الأفلام دموية في تاريخ السينما المصرية، استأجروا له "خواجة" من مخرجي "الوحدات الثانية" المسئولة عن تنفيذ مشاهد "الأكشن"، ليصبح الفيلم سلسلة من هذه المشاهد، تربطها شخصيات لا يمكن أن تكون موجودة في الحقيقة، وحتى لو كانت موجودة فإن مكانها ليس على شاشات السينما، بل في المصحات العقلية أو وراء أسوار السجون. وفي الوقت ذاته، كان هذا الفيلم وما تلاه من نوعيته، تفريغا لشحنة العنف التي تتزايد في نفوس قطاع من المتفرجين، نتيجة تجاهلهم على المستوى الاقتصادى والاجتماعي والسياسي. لا يجب إذن أن يبدو من المستغرب أن تحتشد الأفلام المصرية الأخيرة بمثل هذا النوعية، ومثل هذا البطل، مثل "عبده موتة" و"قلب الأسد" و"القشاش"، فالأغرب ألا تظهر، وفي سياق ضعفت فيه إلى حد كبير قبضة السلطة في تحقيق التوازن بين الطبقات الاجتماعية المختلفة أو المتناقضة، وفي أجواء تخلت فيه الجهات المنوط بها تحقيق العدالة أو إنصاف المظلوم عن مسئولياتها، وفي ظل غياب متعمد أو غير متعمد لسيادة القانون، لا يمكنك أن تلوم الجمهور لأنه يذهب الآن (برغم أنه لم يكن يفعل ذلك في السابق بمثل هذا الفيضان الجارف) ليرى تلك النوعية من الأفلام، وليعيش في حلم يقظة عن انتصار وهمي لأحلامه، بل وجه اللوم أولا للسياق الذي جعل هذا الجمهور يلجأ لذلك، والأهم هو توجيه اللوم لمن استخدم من السياسيين مصطلح "البلطجي" بإفراط بالغ، وربما أيضا لمن يمارسون البلطجة على المسرح السياسي!!

Wednesday, November 06, 2013

السينما التسجيلية العربية...... بين التوثيق والدهشة!!


تعيش السينما التسجيلية في العالم العربي مفارقة غريبة، فبينما أصبحت الأفلام التسجيلية الطويلة في بلدان العالم المتحضر مادة أساسية تعرض تجاريا في دور العرض، وتنال نجاحا جماهيريا ونقديا كبيرا، وبينما تتزايد كل يوم أعداد القنوات التليفزيونية المتخصصة في تقديم أنواع مختلفة من المادة التسجيلية، كادت هذه السينما أن تختفي من قاموسنا، وعندما تظهر ففي شكل "ريبورتاجات" مصورة تخلو من أي جهد جمالي، وبلغ بالبعض من نقادنا المدى أن يعلن في ثقة، تدل على غياب كامل عما يحدث في السينما العالمية، أن السينما التسجيلية في العالم كله قد ماتت!! يمكنك أن تقارن بين هذا الادعاء الباعث على السخرية، والمواقع الأجنبية المتخصصة في تجميع المقالات النقدية عن الأفلام (وأشهرها هو موقع ميتاكريتيك)، وسوف تكتشف أن الدرجات الأعلى من التقييم النقدي كل عام تأتي لصالح عدد من الأفلام التسجيلية الطويلة. ومنذ سنوات قليلة مضت، حقق الفيلم الفرنسي "الهجرة المجنحة" رقما قياسيا في شباك التذاكر الفرنسي، وهو الفيلم الذي يتتبع مسيرات الطيور في هجراتها بين بلدان العالم المختلفة، ليلحق به بعد شهور فيلم "مسيرة البطاريق"، هذه المرة عن هجرة هذا الحيوان القطبي إلى المناطق المتجمدة. وبالطبع فإن هذه الأفلام تحقق رغبة عند المتفرج في ارتياد أراضٍ وعوالم جديدة، وهذا جانب من جوانب استخدامات السينما التسجيلية: إثارة الدهشة، تلك الدهشة التي بدأت مع مولد السينما ذاتها بالقرب من نهاية القرن التاسع عشر، عندما قام الأخوان لوميير (أوجست ولوي) بتصوير بعض من مشاهد الحياة اليومية: عمال يخرجون من مصنع، أو قطار يصل إلى المحطة، وبرغم أنها لقطات لا تبدو غرائبية لنا اليوم، فقد كان غريبا على الجمهور آنذاك أن يشاهد "الحركة" على شاشة. وسرعان ما أدرك الأخوان لوميير تلك المزية الوثائقية في اختراع السينما، فأرسلا المصورين إلى بلدان العالم المختلفة، لتصوير لقطات تجعل المتفرج ينتتقل إلى عوالم بعيدة وهو جالس على كرسيه، وكان من بين هذه اللقطات صور لأهرام مصر وأبي الهول. وذلك مصدر آخر للدهشة في السينما التسجيلية، أن ترى وتعيش تجارب "حقيقية" وإن كانت بعيدة عنك، بحكم المسافة والثقافة. ومع تطور التقنيات السينمائية اتسع أفق التسجيل والتوثيق، وكان من أهم هذه التقنيات اكتشاف قدرة "المونتاج" على إعادة تشكيل الواقع بشكل فني، حتى أن مجال السينما التسجيلية أصبح أقرب للتجريب من السينما الروائية ذاتها، لتظهر في عشرينيات القرن العشرين ما يسمى "سيمفونيات المدن"، التي كان من أشهرها "برلين، سيمفونية مدينة"، حيث يسجل الفيلم في ساعة أو أقل أو أكثر قليلا، "إيقاع" الحياة اليومية. كما تم اكتشاف أهمية السينما التسجيلية للأغراض السياسية الدعائية، خاصة خلال فترات الصراع والحروب، ليأتي على قمة هذا النوع من السينما التسجيلية فيلم "أوليمبيا"، الذي يبدو في ظاهره تسجيلا وتوثيقا لدورة برلين الأوليمبية في عام 1936، لكنه وباستخدام جماليات زوايا التصوير، وتغيير سرعة عرض اللقطة، وتتابع الصور على الشاشة، خلق قصيدة عن تفوق الجنس الآري، للدعاية عن سياسة هتلر النازية!! وهكذا أدرك السينمائيون القدرة المزدوجة للسينما التسجيلية، قدرة على تسجيل الواقع، وأخرى على التلاعب به، لتظهر مدارس سينمائية عديدة في بلدان وسياقات مختلفة، من أهمها مدرسة جريرسون في بريطانيا، الذي أشرف على وحدة للسينما التسجيلية، وأنتج عشرات الأفلام، أكثرها يحمل تعليقا منطوقا مباشرا، لكن بعضها اختار أن يأتي التعليق الصوتي "موازيا" للصورة وليس مطابقا لها، مثل فيلم "أغنية سيلان" الذي كان شريط الصوت فيه يحمل قصيدة للشاعر أودين. وبينما استمرت مدرسة جريرسون في التأثير على السينما التسجيلية في أنحاء مختلفة من العالم، تضاءل هذا التأثير مع تطور تقني آخر، عندما تم في الستينيات تصميم كاميرات خفيفة ومعدات تسجيل صوت محمولة. ومن هنا ولدت مدرستان في السينما التسجيلية: سينما الحقيقة في أوربا، والسينما المباشرة في أمريكا، تعتمدان كلاهما على تصوير أكثر اللحظات رهافة في الواقع، على نحو أكثر صدقا من أي شرائط سينمائية سابقة، بينما كان الفرق بينهما أن سينما الحقيقة لا تتدخل مطلقا في الموضوع الذي يتم تصويره، على حين تختلق السينما المباشرة مواقف تكشف أكثر عن هذا الموضوع، وكان النموذج الشائع لها هو الكاميرا الخفية". وكلما تزايدت إمكانات السينما، التقنية والجمالية، كانت الأفلام التسجيلية تكسب أرضا جديدة، ويتسع أفق استخداماتها. فإذا كان فلاهرتي في العشرينيات والثلاثينيات قد وجد صعوبة بالغة في تصوير أفلام عن القطب الشمالي (في "نانوك من الشمال") أو عالم الصيادين في اسكتلندا (في "رجل من آران")، حتى أنه كان يضطر أحيانا لصنع الواقع لا تسجيله المباشر، فإن الفرنسي جان روش أخذ كاميرته في الخمسينيات والستينيات إلى عالم القبائل البدائية، ليقدم تسجيليا "أنثربولوجيا" علميا وأصيلا مائة في المائة، كان له تأثير عميق حتى على السينما الروائية، التي بدأت تكسر الحاجز الفاصل بينها وبين السينما التسجيلية، لتظهر أفلام الفرنسي جان لوك جودار، التي ينطبق عليها أكثر اسم "المقال" أو "البحث". ولأن التاريخ يحمل أحيانا تناقضات ساخرة، فقد ظهر تأثير السينما التسجيلية على السينما الروائية واضحا في منتصف الأربعينيات، هذه المرة بسبب ضعف الإمكانات التقنية!! ففي إيطاليا المدمرة ما بعد الحرب، وجد السينمائيون الإيطاليون أنفسهم أمام صناعة سينما متهالكة، وليس أمامهم إلا استخدام ما تبقى في العلب من الفيلم الخام، والتصوير في الشوارع بإضاءة طبيعية لا تسمح بضبط الإضاءة كما يحدث داخل الاستوديو، والاستعانة بممثلين غير محترفين، لتولد من ذلك كله مدرسة "الواقعية الجديدة"، التي تركت بصماتها على الكثير من صناعات السينما في العالم. كان هذا الأسلوب الجمالي "الخشن" الذي اضطرت إليه الواقعية الجديدة، يجعل السينما الروائية تقترب من التسجيلية، وإذا كان الإيطاليون قد لجأوا إليه لنقص الإمكانات، فإن فيلم "معركة الجزائر" للمخرج جيلو بونتيكورفو يختاره عن وعي كامل، حتى أصبح هذا الفيلم نموذجا للأفلام الروائية التي تتعمد أن تختار شكلا تسجيليا. لكن هذا الامتزاج بين نوعي السينما قد تعدى اليوم مجرد الشكل، وأصبح يتناول المضمون أيضا، فإذا كان السينمائي التسجيلي (في أغلب الأحيان) لا يعرف مقدما ما سوف يقوم بتصويره، فلماذا لا يفعل ذلك السينمائي الروائي، بحثا عن قصص وعلاقات أكثر أصالة وصدقا؟ قد نتذكر في هذا السياق فيلم المخرج البريطاني مايك لي "عام آخر"، والذي كان يعتمد على كتابة السيناريو بالاشتراك الطويل مع الممثلين، كل في شخصيته في العالم الفيلمي، كما يسمح لهم بقدر من الارتجال العفوي خلال اللقطات الطويلة، بما لا يخرج بهم عن حدود الشخصية المرسومة، بل إنه يجعلهم أكثر تجسيدا لهذه الشخصية. ويصل التسجيل في السينما الروائية إلى مدى أبعد، مع ثلاثية المخرج الأمريكي ريتشارد لينكليتر، والتي يتتبع فيها مصير شخصيتين على فترات تفصل بينها تسع سنوات (في الأفلام والحقيقة أيضا). إنه في "قبل الشروق" ثم "قبل الغروب" ثم "قبل منتصف الليل"، يسجل مسار العلاقة بين رجل أمريكي (إيثان هوك) وامرأة فرنسية (جولي ديلبي)، ليكتب المخرج مع الممثلين هذه الأفلام الثلاثة، بقدر من النزعة التسجيلية الأصيلة. إن معظم الفلاسفة المعاصرين لفن السينما يضعون هذا الفن كله، تسجيليا كان أم روائيا، تحت تصنيف "الفنون التي تعتمد على تسجيل الواقع". وحتى في الأفلام التي لا يتم من خلالها تصوير ما هو موجود أمام الكاميرا، بل خلق الصور كومبيوتريا، فإن المتفرج ينتظر دائما أن يرى على الشاشة ما يمكن أن يقارنه بواقع حقيقي، حتى أنه يمكن لك أن تقول على نحو ما إن "كل الأفلام تسجيلية"!! تأتي السينما العربية (والمصرية خاصة) في أغلبها متناقضة مع الحس التسجيلي في السينما، ولعل ذلك يعود إلى أن صناعها وجمهورها اعتاد على أن يقرن بين الأفلام و"القصص" أو حتى الحواديت. وفي الحقيقة أن ذلك يعكس قصورا جوهريا في بنية الصناعة السينمائية العربية ذاتها، فكما أنها حتى الآن تقصي الأفلام التسجيلية وتجعلها أدنى من قريناتها الروائية، فهي لا تعرف أيضا اهتماما أصيلا بسينما التحريك، التي كانت على الدوام جزءا لا يتجزأ من أي صناعة سينما جادة، بل ربما اكتسب بعضها – مثل يوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا – شهرته من ارتياده جماليات وتقنيات متفردة في فن التحريك. ومع ذلك فإن السينما المصرية عرفت في فترات متباعدة من تاريخها بعض الازدهار النسبي في السينما التسجيلية، التي بدأت مع التوثيق الشهير للسينمائي المصري محمد بيومي لعودة سعد زغلول من المنفى في عام 1923، ثم أصبحت الجريدة السينمائية مادة ثابتة يصنعها "استوديو مصر" منذ إنشائه في عام 1935، لتعرض قبل عرض الفيلم الروائي الطويل. كما استمدت هذه الجريدة فيما بعد، وفي أعقاب ثورة 1952، أهمية أكبر، عندما أصبحت هيئة الاستعلامات مشرفة عليها، لتقدم مادة إخبارية دعائية في مجملها، لكنها كانت "توثيقا" سينمائيا مهما لتلك الفترة. ولأن السينما التسجيلية تحتاج إلى من يؤمن بها حقا، وبقدرتها على إعلام الجمهور والترفيه عنه في وقت واحد، ولأن صناعة السينما المصرية لم تكن تملك هذا الإيمان، فيمكنك أن تقول بقدر غير قليل من الثقة إن الإنجازات الحقيقية عندنا في هذا المجال أتت من إحساس "الدولة" أو "النظام" بضرورة وجودها، وهو الإحساس الذي بلغ ذروته مع المراحل المختلفة لبناء السد العالي. وكان من المألوف آنذاك أن ترحل طواقم سينمائية إلى مواقع البناء، أو حتى تقيم مع عماله، لتسجل هذه الوقائع يوما بعد يوم، لتظهر سلسلة من أفلام التوثيق التي صنعها آباء السينما التسجيلية المصرية، مثل صلاح التهامي وسعد نديم وعبد القادر التلمساني وغيرهم. ولعل من طرائف هذه المرحلة ما حكاه المخرج المصري العظيم توفيق صالح، عن أزمة صناعة السينما المصرية في بداية الستينيات، بعد ما يشبه المقاطعة في الأسواق العربية، فلجأ المخرجون إلى الزعيم جمال عبد الناصر يشكون إليه حالهم، وفي اجتماع مباشر معهم اتخذ الزعيم قرارا بأن يوكل إليهم صناعة أفلام تسجيلية قصيرة، في محاولة لإنعاش الصناعة، لتكون النتيجة بعضا من أجمل الأفلام التسجيلية في تاريخ السينما المصرية، تعتمد على توثيق بعض السمات الفولكلورية، وتحول هذا التوثيق إلى عمل جمالي طريف وراقٍ في آن. لكن لأن مصر ما بعد عبد الناصر فقدت مرة أخرى إيمانها بالسينما التسجيلية، وهو ما ينعكس في عدم وجود مادة وثائقية كافية عن حرب أكتوبر 1973 مثلا، وأيضا في سيطرة سينما روائية بالغة السطحية، فقد اختفت السينما التسجيلية لسنوات، قبل أن تعود بمجهود فردي للمخرج الرائع شادي عبد السلام، الذي أنشأ وحدة تابعة للدولة لهذه السينما، لم تكن فقط مجالا لتدريب جيل جديد من السينمائيين الذين سوف ينتقلون فيما بعد إلى السينما الروائية، بل كانت أيضا مجالا خصبا للتجريب، لتظهر أساليب سينمائية متنوعة، في الشكل الجمالي الأقرب للسينما المباشرة عند خيري بشارة في "حديث الحجر" على سبيل المثال، أو التناقض الساخر المقصود بين شريطي الصورة والصوت عند داوود عبد السيد في "وصية رجل حكيم، في شئون القرية والتعليم". إلى جانب وحدة شادي عبد السلام كانت هناك محاولات فردية أخرى متناثرة، لكنها بالغة الأصالة والتأثير، تراوحت أيضا بين غنائية هاشم النحاس في "النيل أرزاق"، ووجهة النظر الاجتماعية والسياسية القوية عند عطيات الأبنودي منذ فيلمها الأول (من إنتاج "جمعية الفيلم" المستقلة والتي أنشأها هواة) "حصان الطين"، وظلت بعدها تقدم أفلاما ترحل في الزمان والمكان، في محاولة لما أسمته "وصف مصر". لكنه للأسف "وصف مصر" الذي لم يكتمل، لأسباب عديدة قد يأتي نقص التمويل على رأسها، وكان الأحرى بالدولة أن تتبنى مثل هذه المشروعات، لكنها كانت قد قررت أن تترك السينما لتجار السينما!! لم يختلف الحال كثيرا في بلدان عربية أخرى، ولا يكاد أن يبقى في الذاكرة سوى القليل من الأفلام التسجيلية، ربما يأتي على رأسها فيلم المخرج السينمائي السوري عمر أميرالاي "الحياة اليومية في قرية سورية"، الذي كان صرخة أبناء المناطق النائية من التجاهل، وما تزال لقطة "اللايتموتيف" التي تكررت مرارا في الفيلم، لفلاح فقير يشق ملابسه صارخا، من بين أبرع الأدوات الأسلوبية والموضوعية لخلق وحدة في شكل فيلم تسجيلي طويل. لكن أميرالاي يضطر في مرحلة لاحقة للتمويل الأوربي، ويأتي فيلمه "مذكر مؤنث" مجرد رؤية استشراقية للعلاقات بين الرجل والمرأة في مصر، تتلخص في الجنس، وتخلو من أي أبعاد اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية. ووسط هذا التجاهل من جانب الأنظمة للسينما التسجيلية، ليس هناك سوى طريقين، الأول هو الإنتاج التليفزيوني الذي يفرض ويفترض في مصر شكلا جاهزا (هناك مثلا أغنية دائما على شريط الصوت، تأتي من خارج عالم الصورة تماما!!)، ولا يكاد أن يبقى من بين مثل هذه المحاولات إلا أفلام قليلة للمخرجة حنان راضي في فيلم "أهل الرضا"، الذي يصور عالم الفقراء الذين يناضلون كل يوم من أجل لقمة عيشهم، دون أن تفارق شفاهم كلمات الرضا والحمد لله. أما الطريق الثاني فهو مغامرة الإنتاج المستقل، التي يرتادها هواة عابرون تقع أغلب أعمالهم في إطار "الريبورتاج" الخالي من أي فن، ويفلت من هذا المصير فيلم مثل "جلد حي" للمخرج فوزي صالح، الذي يدخل إلى عالم دبغ الجلود بكل قسوته، ويعيش فيه أياما، ليقدم وثيقة وتسجيلا لحياة أناس قد لا نعرف عنهم شيئا، بما يذكرك على نحو ما بأفلام عطيات الأبنودي الأولى. ما هو سبيل الخروج من تلك الأزمة؟ في الحقيقة أنه مرتبط على نحو وثيق بالخروج من أزمات أخرى عديدة، لكن يأتي على قمة هذه السبل وجود من يرعى هذه السينما، إنتاجا وعرضا. وقد تسمع من البعض آراء تتحدث عن تدخل الدولة من جديد، وفرض عرض فيلم تسجيلي قبل الفيلم الروائي في دور العرض. لكن أليس ذلك قيدا آخر نفرضه على السينما التسجيلية، لتظل أسيرة وتابعة وظلا للسينما الروائية؟ وليس هناك من يصلح لرعاية هذه السينما من قنوات فضائية تتخصص في هذه النوعية من الأفلام، وتعيد للجمهور القدرة على تذوقها. لكن ذلك مرهون من جانب آخر بتعدد أساليب الفيلم التسجيلي، بدلا من ذلك المفهوم القاصر عنه ويجعله أقرب إلى التحقيقات الصحفية الكسول. وحتى أسلوب التحقيقات في السينما يمكن أن يكتسب طرافة أخاذة، مثل الفيلم الأمريكي "اجعلني سوبرسايز"، أراد فيه صانعه أن يبرهن على خطورة الاعتماد على الأكلات السريعة الجاهزة، فجعل ذاته موضع التجربة، وعاش طوال شهر كامل على هذه الأكلات، ووثق أحواله الصحية والمعيشية يوما بعد يوم، ولك أن تتخيل ما صار إليه عند نهاية الفيلم!! والنموذج الآخر من التحقيقات هو ما صنعه مايكل مور في العديد من الأفلام التسجيلية، التي حققت أرقاما غير مسبوقة في شباك التذاكر، مثل "لعب البولينج من أجل كولومباين" عن حمل الناس العاديين للسلاح في أمريكا، وحوادث القتل العشوائي، وهو يمزج تحقيقاته بقدر كبير من السخرية. غير أن البداية في ذلك كله هو أن نؤمن بـ"التوثيق" في حياتنا، لكي نراكم خبراتنا التاريخية ونتقدم بها إلى الأمام، وليس هناك فن قادر على ذلك أكثر من السينما، خاصة في عصر التقنيات الرقمية، التي تتيح لأي إنسان أن يصنع فيلمه التسجيلي. وربما كانت المشكلة هي قدر الحرية الحدود الذي يمنع حتى الآن التصوير في مصر إلا بتصريح، لكن هذا إذا تحدثنا عن المستقبل، لكن حتى إذا تحدثنا عن الماضي، من هو السبب في ضياع أغلب ما تم تصويره من سلسلة "الجريدة السينمائية"؟ سؤال لن يجد إلا إجابة تغرق في بحار من المرارة!!

Wednesday, October 30, 2013

أفلام العيد: هل هي الجاني أم الضحية؟


هوجمت بضراوة أفلام عيد الأضحى حتى قبل أن يراها المتفرجون، وكان الدافع إلى ذلك هو ذلك السيل المنهمر من المقدمات الإعلانية التي عرضت على شاشات القنوات الفضائية المصرية، وعلى حين بدت هذه الأفلام مستفزة لأغلب المشاهدين، فإن معظمنا لم يطرح السؤال الأهم: إذا كان لدى المتفرج – في التحليل الأخير – حرية الاختيار في أن يذهب إلى دار العرض، فلماذا تجعله هذه المقدمات الإعلانية يخسر هذه الحرية رغما عنه، إذ تقتحم عليه وعلى أطفاله حياتهم في كل ساعات يومهم؟ ومن ذلك الذي صرح بإذاعة هذه الإعلانات على هذا النحو أصلا؟ ربما كان السؤال الأكثر دقة: ما هي تلك الجهة الغائبة عن التأثير، أو حتى الوجود، لتسمح أو تمنع ظهور المقدمات الإعلانية؟ ففي كل بلاد الدنيا المتحضرة، تخضع المقدمات الإعلانية لرقابة أقسى من الفيلم نفسه، وأنت لا تستطيع أن ترى إعلانا لفيلم أمريكي دون أن تسبقه بطاقة تصنيفه، حسب الجمهور الملائم لمشاهدة الإعلان، خاصة عندما يذاع في التليفزيون دون استئذان. فربما كان الفيلم نفسه يحتوي على قدر كبير من محظورات العنف أو الجنس، لذلك فإن من غير المسموح أن يقتحم الإعلان حياتك ليعرض لك أو لأطفالك مشاهد غير ملائمة، لكن في بلادنا فإن كل شيء للأسف يترك على عواهنه، ثم بعد ذلك نشكو من إسفاف الأفلام ونغض الطرف عن إسفاف الإعلانات عنها!! لقد أصبحت المقدمة الإعلانية في كل صناعات السينما هي الوسيلة الأهم في تعريف المتفرج بالفيلم، حيث اختفت أو كادت إعلانات الصحف والمجلات، وربما كانت هناك أيضا مواقع على الإنترنيت تحتشد بعشرات الآلاف من هذه الإعلانات. لكن مشاهدة إعلانات الأفلام الأجنبية يجعلنا نشفق على أنفسنا من الحال الذي وصلنا إليه، على مستوى الشكل والمضمون معا. ولعل أكثر ما يستفز الناقد في هذا السياق أن يكون الإعلان عن الفيلم الأمريكي مثلا عملا فنيا قائما بذاته (في العادة يقوم به فنانون متخصصون في ذلك)، بينما لا يتعدى الإعلان عن الفيلم المصري (إلا فيما ندر) مجرد قصاصات تم اختيارها بشكل عشوائي، والهدف منها أساسا هو عرض "البضاعة" التي يتوقع المتفرج أن يراها في الفيلم. وأبسط متطلبات أي مقدمة إعلانية أن تجعلك أقرب إلى موضوع الفيلم دون الإفصاح عن مضمونه، فدعنا نحاول أن نخمن موضوعات أفلام العيد من إعلاناتها. هناك في البداية ثلاثة أفلام تدور في عالم الراقصات، اللائي يصحبهن أحيانا "بلطجية"، وفيلم رابع يبدو مبشرا قليلا، إذ يبتعد عن هذا العالم الذي أصبح في السينما المصرية تقليديا. هناك مثلا في فيلم "القشاش" إشارة إلى أن البطل يحمل هذا الاسم لأنه لقيط عثروا عليه رضيعا في عربة قطار، وهو الآن بلطجي يخوض المعارك بالساطور أحيانا، وهو الساطور ذاته الذي يرقص به مع راقصة "شعبية" (أرجو أن تتغاضى قليلا عن هذه الصفة الزائفة)، ويبدو على علاقة بها، لكنها تحذره من امرأة أخرى لأنها غير منجذبة للرجال، وأنت تفهم الباقي بالطبع. هذا هو كل ما في "القشاش"، أما في فيلم آخر يحمل اسم "8%" فأنت أمام أسوأ ما أنتجه "الفن" المصري في الفترة الأخيرة، إذا اعتبرت أن هذا نوع من الفن، وهو فرقة من مغنيي الأفراح الرخيصة تحمل نفس عنوان الفيلم، لا يملك الواحد منهم الحد الأدنى من شروط فن الغناء، ويصنعون دائما شرائطهم بطريقة تشويه الصوت بحيث يصبح معدنيا منفرا، لكن الأسوأ من ذلك كله هو أن يطلقوا على ما يصنعونه أغاني "مهرجانات"، وتردد بعض الصحافة الفنية هذا الاسم، بما يجعلك أقرب إلى التشاؤم بشأن مستقبل الفن في مصر، وربما مستقبل أشياء أخرى أيضا. ويقول لك الإعلان أن هذا الفيلم يدور عن "رحلة كفاح" هذه الفرقة، تصحبها فتاة هي سائقة "توك توك"، وكيف أن وجودها كان عاملا للصراع بينهم أحيانا، وتوحيدهم أحيانا أخرى. من المؤكد أن مثل هذا الشريط (ولا نقول الفيلم) قد تم صنعه ليضم بعضا من أغنيات هذا الثلاثي المثيرة للنفور عند البعض منا، بينما يأتي فيلم "عش البلبل" (وهو أكثر هذه الشرائط نجاحا في شباك التذاكر) ليضم مجموعة أكبر من المغنين والراقصات. ولا تحاول أن تبحث عن موضوع للفيلم في مقدماته الإعلانية رغم كثرتها المفرطة، فبعضها يحتوي على أغنيات في الملاهي الليلية قد تمتد إلى خمس دقائق، فكأن الإعلان يقول لك: إن كنت لا تملك المال للذهاب إلى مثل هذه الملاهي، فسوف نجعلك تشاهدها بثمن تذكرة سينما فقط!! لكن هناك أيضا لقطات محاكاة ساخرة من أفلام قديمة وجديدة، بدءا من "شارع الحب" وحتى "عبده موتة" و"قلب الأسد". يأتي الفيلم الرابع "هاتولي راجل" ليعرض عليك فكرته في غموض بالغ، وهي الفكرة التي سبق أن عالجتها السينما المصرية مرارا، في انقلاب الأدوار بين الرجال والنساء، مثل "الآنسة حنفي" و"السادة الرجال"، كذلك مسرحية لطفي الخولي في الستينيات "الأرانب"، لكن بينما كانت هذه الأعمال المشار إليها تنتصر لقيم تقدمية، تنادي بمساواة عاقلة وعادلة، فإن إعلان الفيلم يشي بأنه قد توقف عند ما يمكن أن تطرحه الفكرة من تهريج، والعديد من "الإفيهات" اللفظية التي تدور حول علاقات الفراش. وتلك النقطة الأخيرة: "الإفيهات الجنسية"، هي أوضح الملامح المشتركة بين هذه الأفلام ومقدماتها الإعلانية، والتي تأتي بالتصريح الفظ والسوقي وليس بالتلميح (وهي رغم ذلك تدخل بيوتنا عنوة على شاشات التليفزيون)، حتى تكاد أن تتصور أن الناس في حياتهم اليومية لا يتوقفون عن التواصل بهذه الفظاظة والفجاجة. وكثيرا ما يأتي هذا النوع مصحوبا أيضا بأغنية ورقصة من النوع بالغ الرخص، الذي لا يمكنك أن تشاهده إلا في المناسبات التي يغرق فيها "المتفرجون" في الخمر والمخدرات، وذلك هو المشهد الذي لا يكاد أن يخلو منه فيلم مصري في الآونة الأخيرة، مشهد "الفرح الشعبي" كما تتصوره السينما المصرية: غازية ترقص رقصا بالغ الخلاعة، ووراءها أحد المغنين أصحاب ذلك الصوت المعدني المشوه، وعشرات من الكومبارس يقفزون هنا وهناك، ويمكنك أن تتخيل أن صناع هذه الأفلام يريدون أيضا من جمهور السينما في هذه المشاهد أن يشارك بدوره في هذا الصخب والعربدة، وربما كان هذا هو ما يحدث بالفعل في دور العرض التي يقبل عليها جمهور سينما الأعياد. يتوافق مع هذا الصخب السمعي صخب بصري لا يترك للمتفرج لحظة واحدة للتأمل، لذلك نادرا ما تتعدى أي لقطة تراها في الإعلان ثانية واحدة، وهو الأمر الذي يجعل صناع الإعلانات يستغنون أيضا عن أي جهد فني حقيقي، فبضغطة على الأزرار تنهمر هذه اللقطات دون أي منطق، وبلا شكل أو مضمون. أخيرا يأتي دور "البطل" الذي يحتاج بالفعل إلى مقال آخر للتأمل، لكن يكفي هنا أن نشير إلى أنه ذلك "الصايع"، الذي لم يعد كما كان فى سنوات قليلة سابقة مجرد شاب بلا عمل، يتحايل على الحياة بمزيج من النصب وخفة الظل، لكنه أصبح الآن "بلطجيا" بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ منفرة، إنه يمضي في الشوارع حاملا ساطوره، يدخل به الخناقات ولا يتورع عن سفك الدماء، وهو يشهره أيضا في مصاحبته للراقصات كأنه سيفه الذي يتفاخر به. لك أن تتخيل أخيرا شخصا أجنبيا أوقعه حظه العاثر في مشاهدة هذه الإعلانات، إنه حتى دون أن يدرك معنى كلمة واحدة سوف يفهم أن مجتمعنا لا يضم سوى مثل هذه الشخصيات، فليس هناك عشرات الملايين الذين يكدحون وراء "أكل عيشهم"، وليست هناك نساء تشاركن رغم المعاناة في تحمل أعباء العائلة، أو حتى تحمل هذه الأعباء وحدهن أحيانا، وليست هناك هموم يومية أصبحت أزلية أبدية رغم أنها احتياجات إنسانية بسيطة. ليبقى السؤال: إذا كانت هذه السينما كما يدعون (وقد يكون معهم بعض الحق) تعكس جانبا واحدا من وحشية الحياة، فلماذا الاقتصار على هذا الوجه وحده؟ لعل الإجابة هي أن هذه الأفلام تقدم جرعة من المخدرات السمعية البصرية، لتلهي الناس عن واقعهم الحقيقي، وتجعلهم يعيشون لحظات من الحلم في التوحد مع كل من يقهرهم، ليصبح البلطجي هو السبب والنتيجة!!

Monday, October 21, 2013

هل يخبو "نور" الشريف في السنوات المقبلة؟


يملك النجم نور الشريف بين أبناء جيله موهبة خاصة، لا تتعلق فقط بمهارات التمثيل وتنوع الأداء، فربما نافسه في ذلك – على سبيل المثال لا الحصر – نجم مثل الراحل أحمد زكي. لكن موهبة نور الشريف الأهم كانت قدرته على تطوير نفسه وأعماله، وإدراكه عوامل الزمن في تغيير الصورة الجسمانية والنفسية للممثل، لذلك انتقل سريعا من تجسيد ذلك الفتى الغر الذي بدأ به حياته الفنية، في أعمال مثل مسلسل "القاهرة والناس"، أو فيلم "زوجتي والكلب"، ليخوض تجارب إنتاجية يغير فيها من صورته، وكانت في الحقيقة مغامرات فنية، إذ كان معظمها أفلاما أولى لمخرجيها، مثل سمير سيف في "دائرة الانتقام"، أو محمد خان في "ضربة شمس". كانت مزية اختيار نور الشريف لأدواره من أهم سماته، لكنه كان يذهب إلى مدى أبعد من اللازم أحيانا في هذه الاختيارات، خاصة في مسلسلاته التليفزيونية، فشتان بين نجاحه مثلا في تقمص شخصية تاجر الخردة عبد الغفور البرعي في مسلسل "لن أعيش في جلباب أبي"، ومحاولة تقليده "الأب الروحي" في سلسلة "الدالي". وها هو في رمضان الفائت يختار موضوعا غريبا، أو بالأحرى غرائبيا، عن رجل يدعى "خلف الله"، ويحمل المسلسل اسمه، وهو رجل يملك القدرة أحيانا – دون تعمد منه – على أن يقرأ ما سوف يحدث في المستقبل القريب، وأن يُخرج الأمراض المستعصية من الأطفال الذين يعانون منها، ليصبح خلف الله هذا مثار إعجاب فائق من جانب البعض، أو كراهية مقيتة من جانب البعض الآخر، وينتهي إلى السجن متهما في جريمة قتل لم يرتكبها، وقبل تنفيذ حكم الإعدام فيه بساعات، تصعد روحه إلى بارئها في سلام. وإذا كنا قد استطعنا الآن أن نلخص "أحداث" المسلسل في سطور قليلة، فمن المفروض ألا يعني هذا أن تفقد الشخصيات المحيطة بالبطل أهميتها، لكنها للأسف كانت جميعا – المحبة والكارهة – تدور في فلك "خلف الله"، حتى أنها لا تكتسب أي حياة أو وجود ذي معنى خارج هذا الفلك. وقد أدى ذلك إلى حالة من دوران العمل حول نفسه، في دورات تبدو مختلفة، وإن كانت في الحقيقة متشابهة، فالبطل خلف الله ينتقل من مكان إلى آخر على غير هدى، وإن كانت تدفعه قوة غامضة للسعي نحو من يحتاجونه، وفي كل أرض يحط فيها هناك شخص أو طفل مريض، نعيش مع مرضه بعضا من الوقت الدرامي الضائع، قبل أن يمارس عليه خلف الله رقياته ليساعده في الشفاء. سوف تتكرر تلك الدائرة أربع مرات طوال الثلاثين حلقة، تبدأ الأولى إذ تقوده أقدامه إلى قرية يحكمها عمدة طيب، لكن ولده الصبي يعاني من غيبوبة طويلة حار فيها الأطباء، فتتحقق معجزات خلف الله عندما يعود الصبي معافى سليما كأن لم يمسسه ضر أبدا، وهو ما يجذب المرأة التي تدعى شربات إليه، وتحاول إغواءه، لكنه يرفضها بما يشير إلى أن الرجل زاهد في النساء، بقدر زهده في المال. سوف تؤدي هذه الدائرة الأولى إلى اختطافه على يد أحد أثرياء القرية، لكي يعالج ابنة شقيقته ياسمين، ابنة الطبقة الراقية في المدينة، والتي جاءوا بها إلى قرية خالها ليخفوها عن الأنظار، بعد إصابتها بمرض نفسي يدفعها إلى عدم الوعي بما حولها. وبرغم أن خلف الله يرفض ممارسة "كراماته" عنوة، فإنه يدرك سر مرض الفتاة، الذي يخفي كبتا جنسيا عميقا، يتم حله بأن يتزوج بها، لكن ياسمين ترفضه زوجا بعد أن تفيق من مرضها، فيطلقها ويمضي إلى حال سبيله من جديد. وبعد حلقات أخرى من "الحوار" بين خلف الله وأحد الشيوخ، حول قدرة بطلنا على الإتيان بتلك الأفعال الغريبة، وإذا ما كانت تعود إلى قدرة الله أم إغواء الشيطان، ينتهي به المطاف في الدائرة الثالثة إلى عالم باعة الرصيف، حيث المرأة صباح، التي تتحالف ضده وتتآمر لقتله لعلها تحصل على ما تتصور أنه يكنزه من مال، لكنها تتراجع في اللحظة الأخيرة عندما تظهر كراماته، بما يذكرك على نحو ما بفيلم مصري قديم من بطولة مريم فخر الدين، يدعى ""طاهرة"، كان اللص يشعر أن يده قد شلت إذا تسلسل إلى غرفتها ليسرقها!! ومع صباح سوف تتكرر أيضا "معجزة" شفاء ابنة وحيدة مصابة بالشلل، ما يجعل صباح وأتباعها من "البلطجية" يتحولون بين عشية وضحاها إلى أتقياء أنقياء لا يقومون من على سجادة الصلاة!! وبعد أن يتزوج خلف الله أيضا من صباح، يستمر في طوافه في أرجاء الأرض، لينتهي في الدائرة الرابعة وسط أسرة تتآمر من أجل ميراث، سوف يؤول إلى صبي على فراش الموت، بما يجعل الثروة تنتقل إليهم. وهنا أيضا تظهر قدرة خلف الله، الذي ينقذ الصبي ويتزوج من أمه الحسناء الثرية فريدة، لكن ذلك يجعله محط رغبة بقية أفراد الأسرة في الانتقام، وهنا تأتي قصة جريمة القتل التي يتهم فيها ظلما، لنقضي بقية الحلقات مع خلف الله مستسلما وراضيا تماما بمصيره الذي كتبه الله، وتصعد روحه إلى بارئها في نومه، في الليلة التي تسبق مباشرة تنفيذ الحكم عليه بالإعدام. أنت مع مسلسل "خلف الله" أمام تناقض عميق، فهناك ممثل نجم يستطيع حقا أن يعبر بعينيه ووجهه دون أن ينطق بكلمة واحدة، ويستطيع أن يعيش تحت جلد الشخصية، ليضيف إليها من عنده لمسات تمنحها حياة حقيقية، كما أن المخرج حسني صالح يُظهر تمكنا حقيقيا من "تنفيذ" أجواء كل مشهد، وقدرة لا تنكر على استخدام أسلوب رصين في عناصر الإخراج، مثل حركة الكاميرا والتكوين والكادر والموسيقى التصويرية، ومع ذلك كله فإن هناك شيئا ما ناقصا، يصنع مسافة – أو قل فجوة – بين العمل والمتفرج. ولعل السبب الرئيسي في هذا يعود إلى التعقيد البالغ والمصطنع في العديد من المشاهد، برغم بساطة – وربما سذاجة – المحتوى، فمعظم الحلقات تنقسم إلى قسمين: الأول يعرض مرض المرأة أو الصبي أو الطفلة في لقطات تتعمد قدرا كبيرا من المبالغة، والثاني هو ممارسة خلف الله لطريقته في العلاج. ولأن ذلك يتكرر بشكل أقرب إلى النمطية، فإن المتفرج يفقد اهتمامه به تماما، لأنه يعرف مقدما ما سوف يأتي من أحداث. وربما كان الأهم في عدم الاقتناع هذا هو تفسير قدرات خلف الله الخارقة، وهو أمر في غاية الغموض في المسلسل، إذ تبدأ الحكاية بفقدانه لأسرته جميعا في حريق مدمر، فإذا هو بعد ذلك يكتشف قدرته التي هبطت عليه فجأة، بأن يرى ما سوف يحدث قبل حدوثه. وقد يفسر المتفرج رحيل خلف الله الأبدي من مكان إلى آخر، بأنه مع موت أسرته فقد الرغبة في الحياة والتعلق بها، وأن الإحساس الوحيد الباقي لديه هو الاستغناء عن الدنيا وما فيها، وهو ما يجعله أقرب للاتصال بما هو غير محسوس لبقية البشر (وإن كان ذلك بدوره أمرا مثيرا للجدل). كما أن ذلك السلوك الزاهد قد يبدو طريفا، لكنه بلا علاقة قوية بالحياة التي يحياها المتفرج، الذي يعاني من تدبير أمور يومه، وليس رؤية ما سوف يحدث في غده. لم يغن أداء نور الشريف المرهف عن ضرورة وجود مثل هذه الأبعاد في النص الذي كتبه زكريا السيلي، فربما شدك ذلك القلق على وجه نور الشريف في لحظات، بينما يبهرك اطمئنانه في لحظات أخرى، لكن وراء تلك الحالتين لا يوجد عالم واقعي أو درامي مقنع، وإنما عالم له ما يشبه "الرسالة" الغامضة التي لا تثير اهتمام المتفرج من قريب أو بعيد. وهكذا كان "النجم" نور الشريف بدوره تأكيدا على أن سماء الدراما المصرية سوف تشهد في القريب أفولا لبعض النجوم، في انتظار ظهور نجوم جديدة، نرجو ألا تكون شهبا تلمع، لكنها لا تلبث أن تنطفئ.

Wednesday, October 09, 2013

هل ينتاب "الشك" حسين فهمي في نجوميته؟


برغم أن اسم النجم حسين فهمي يتصدر عناوين مسلسل "الشك"، وبرغم أن من المفترض أن شخصيته فيه تمثل محورا بالغ الأهمية تدور حوله الأحداث، فإن وجوده كاد أن يخبو كثيرا في معظم لحظات المسلسل. وربما عاد ذلك إلى سيناريو الكاتب أحمد محمد أبو زيد، الذي لم يعط هذه الشخصية الدرامية حقها، لكن ذلك أيضا يعود في جانب كبير منه إلى اعتماد بعض النجوم على حب الجماهير لهم، فلا يبذلون جهدا كافيا في الأداء، وتلك من آفات السينما والدراما التليفزيونية المصرية. في أحد مشاهد الحلقة الأولى، تكون الابنة الكبرى وسيلة (مي عز الدين) قد عرفت لتوها أنه لن يمكنها أن تصير أما، إلا بعد عملية جراحية سوف تكلفها ما لا تملكه من مال، وتلتقي وسيلة بأمها سامية (رغدة) لتشكو لها همها، بينما يأتي الأب نبيل (حسين فهمي) على عجل ليواسي ابنته بعد أن عرف الخبر. يدخل حسين فهمي إلى موقع التصوير، وبدلا من أن يربت مثلا على كتف ابنته بلمسة خفيفة حانية بمجرد أن يراها، فإنه يجلس إلى الطاولة ليلقي سطور حواره، في نمطية وسطحية بالغتين. إن "الممثل" حسين فهمي هنا لم "يعش" الشخصية، بل النجم هو الذي جاء إلى العمل، مكتفيا بنجوميته السابقة. للأسف فإن هذا ينسحب على معظم لحظات حسين فهمي هنا، غير أن الحقيقة أيضا أن تلك كانت مهمة المخرج محمد النقلي، الذي كان عليه أن يضيف لمساته الإخراجية الفنية والإنسانية إلى السيناريو، لكنه اكتفى بدوره بأن يكون "منفذا" لما جاء على الورق. ومن الحق القول أيضا أن السيناريو المكتوب لم يساعد حسين فهمي ولا الممثلين الآخرين على ذلك، فلجأوا إلى قدر هائل من المبالغات التي تذكرك بأداء يوسف وهبي وأمينة رزق، وهو السيناريو الذي غلب عليه قدر كبير من الاصطناع، الذي قد يعجب الجماهير التي تعشق الأفلام الهندية، لكنه يخلو من الحياة الحقيقية. وكل سيناريوهات أحمد أبو زيد (وأبيه محمود أبو زيد) تعتمد على هذا الاصطناع، ولعل القارئ يتذكر مثلا فيلم "العار" (الذي كتبه الأب) والمسلسل التليفزيوني المأخوذ عنه (الذي كتبه الابن)، فهو يحكي عن أسرة مات عائلها، لتكتشف أنه كان في الحقيقة تاجرا للمخدرات، وقد وضع كل ما يملك قبل أن يموت في صفقة، ليجد أبناؤه أنفسهم في مواقف متصارعة من استكمال هذه الصفقة، وهي حبكة كما ترى لا علاقة لها بالواقع من قريب أو بعيد، أو على الأقل بالواقع كما نعرفه. أما الحبكة في "الشك" فهي تقوم على فرضية أخرى: الابنة وسيلة التي حكيت لك عنها هي ابنة لأسرة من طبقة وسطى، تضم الأب نبيل صاحب المكتبة الذي ينتمي لجيل كاد أن ينقرض، والأم سامية التي تعمل ناظرة مدرسة، وبعض الأشقاء والشقيقات، وأضف إلى ذلك كله تنويعة من أزواج الشقيقات وزوجات الأشقاء. وتبدو العائلة بمختلف أطيافها تسير في حياتها اليومية، ويغلب على معظمهم الانتهازية والخيانة، حتى يُلقى حجر في البحيرة الراكدة. يتمثل ذلك الحجر في المحامي فايق (مكسيم خليل)، الذي يظهر ذات يوم، ليخبر الأسرة أن رجلا بالغ الثراء يدعى قاصد خير مات في الغربة، ليترك في وصيته كل ثروته إلى وسيلة التي يقول إنها ابنته، وإلى الأم سامية التي يبدو أنه كان على علاقة بها. وهكذا تصبح "التيمة" الرئيسية للمسلسل كيف أن المال الذي هبط على الأسرة، أو إحدى بناتها، سوف يحولهم جميعا إلى وحوش، بينما تضيع التيمة الأقوى، التي كان من المفترض أن يكون لها الاهتمام الأكبر، وهي "الشك" الذي ينتاب الأب في زوجته بعد ذلك العمر الطويل، وسوف يدمر حياته تدميرا، بما يذكرك على نحو ما بمسرحية الكاتب السويدي الشهير ستريندبيرج "الأب"، والتي تحولت إلى فيلم مصري بعنوان "العذاب امرأة". وإذا كان "الشك" الذي تزرعه الزوجة بنفسها في عقل الزوج هو محور المسرحية، فإنه هنا يصبح مجرد مناسبة لبعض سطور حوار زاعقة من جانب حسين فهمي، والكثير من دموع رغدة، خاصة عندما يتحول هذا الشك إلى يقين، مع ظهور نتيجة تحليل البصمة الوراثية، الذي يؤكد أن وسيلة ليست ابنة نبيل. ولأن الغاية تبرر "الوسيلة" (وهذا من بعض أسرار اختيار عائلة الكاتب أبو زيد لأسماء الشخصيات)، فإن وسيلة سرعان ما تتقبل الأمر، بل ترحب به، لأن تلك الثروة الطائلة سوف تساعدها في الحصول على الابن الذي تحلم به. وأيضا لأن كل سيناريوهات عائلة أبو زيد ترمي إلى إقناع المتفرج بأن يرضى بالأمر الواقع، وأن المال لن يجلب سوى الدمار (ولعلك ما تزال تتذكر فيلم "جري الوحوش")، فإن هذه الثروة الغامضة سوف تثير الكثير من الغبار في علاقات أبناء الأسرة جميعا، فوسيلة سوف تترك زوجها زير النساء أدهم (نضال الشافعي)، لكي تتزوج من المحامي فايق الذي كان سببا في هبوط الثروة عليها، بينما يطلق الأب نبيل زوجته، ليتزوج فيما بعد قريبته سعاد (صابرين)، التي تبدو كأنها مصنوعة من الشر الخالص. ناهيك عن شخصيات أخرى، يمكن أن تحذف منها أو تضيف إليها من شئت، مثل الابن الأصغر طارق (كريم أبو زيد، شقيق كاتب السيناريو)، الحالم بأن يكون مطربا "شبابيا"، بينما الحقيقة أنه لا يؤثر في الأحداث من قريب أو بعيد. وبعد أن يكون "الشك" قد انقشع طوال خمس وعشرين حلقة كاملة، يفاجئك العمل بالمفاجأة التي كان يخفيها عنك، وهي أن فايق – وبمساعدة أدهم – قد اتفقا على تزوير نتيجة تحليل البصمة الوراثية إياها، حتى تؤول الثروة إلى وسيلة، لكن فايق سوف ينحي أدهم جانبا، لكي ينعم بالثروة وحده، خاصة بعد أن نجح في إيداع وسيلة مصحة نفسية، ليثبت – زورا مرة ثانية – أنها غير مؤهلة للتحكم في ثروتها. لكن فايق يلقى مصرعه على يد زوجته الأولى منال (ريهام سعيد)، ويفترض أن يرث ثروته طفله من وسيلة، لكن أدهم يفاجئنا – للمرة الثالثة!! – أن الطفل ابنه، لأنه اتفق سرا مع فني المعمل على تبديل السائل الذي حملت منه وسيلة بالتلقيح الصناعي، لتخرج وسيلة من ذلك كله خاوية الوفاض. وهكذا ما جاءت به الرياح أخذته الرياح، لينتهي المسلسل باجتماع شمل الأسرة بعد تلك العاصفة. وإن أردت تفسيرا للسبب الذي ترك ذلك المدعو قاصد خير ثروته لوسيلة، فهو تصوره أنها ابنته، إذ كان قد "اغتصب" الأم سامية منذ عقود، لكنها تخلصت من حملها منه قبل أن تتزوج من نبيل!! وهكذا يظل السؤال الدائم لنا حول مسلسلاتنا التليفزيونية: ما هي التيمة الرئيسية بالضبط؟ فغالبا ما تضيع هذه التيمة وسط تفريعات هنا وهناك، فليس "الشك" هو الموضوع المهم هنا، وإن كانت البداية به، لكن العمل سوف يتخبط طويلا في سلسلة لا تنتهي من المؤامرات، التي تدور في الأغلب في المعامل الطبية (!!)، وتصوير البشر على أنهم مجموعة من الوحوش الضارية في غابة الحياة. مرة أخرى قد يكون مثل هذا المسلسل قريبا إلى "عقل" قطاع لا يستهان به من الجمهور، خاصة ذلك الذي تربى على الميلودراما المصرية والأفلام الهندية، لكن تلك الجماهيرية لا تمنعنا من الاعتراف أولا بأن تلك التوابل الحارقة ما تزال تثير شهية جمهورنا، خاصة إذا تمتع العمل – كما هو الحال هنا – بقدر كبير من تلقائية الحوار برغم اصطناع الأحداث وافتعالها، كما لا تمنعنا هذه الجماهيرية أيضا من الإقرار بأن هذا النوع من الميلودراما يساهم في استمرار تراجع ذائقة الجمهور، الذي يظل مقيدا بتلك الأفكار والمعالجات الدرامية القديمة، التي كانت وما تزال تقول لهم أن المال هو السبب كل الشرور، وأن الفقر نعمة والثروة نقمة، وأن كل المصائب تبدأ دائما من نتائج المعامل الطبية!!