Wednesday, November 06, 2013

السينما التسجيلية العربية...... بين التوثيق والدهشة!!


تعيش السينما التسجيلية في العالم العربي مفارقة غريبة، فبينما أصبحت الأفلام التسجيلية الطويلة في بلدان العالم المتحضر مادة أساسية تعرض تجاريا في دور العرض، وتنال نجاحا جماهيريا ونقديا كبيرا، وبينما تتزايد كل يوم أعداد القنوات التليفزيونية المتخصصة في تقديم أنواع مختلفة من المادة التسجيلية، كادت هذه السينما أن تختفي من قاموسنا، وعندما تظهر ففي شكل "ريبورتاجات" مصورة تخلو من أي جهد جمالي، وبلغ بالبعض من نقادنا المدى أن يعلن في ثقة، تدل على غياب كامل عما يحدث في السينما العالمية، أن السينما التسجيلية في العالم كله قد ماتت!! يمكنك أن تقارن بين هذا الادعاء الباعث على السخرية، والمواقع الأجنبية المتخصصة في تجميع المقالات النقدية عن الأفلام (وأشهرها هو موقع ميتاكريتيك)، وسوف تكتشف أن الدرجات الأعلى من التقييم النقدي كل عام تأتي لصالح عدد من الأفلام التسجيلية الطويلة. ومنذ سنوات قليلة مضت، حقق الفيلم الفرنسي "الهجرة المجنحة" رقما قياسيا في شباك التذاكر الفرنسي، وهو الفيلم الذي يتتبع مسيرات الطيور في هجراتها بين بلدان العالم المختلفة، ليلحق به بعد شهور فيلم "مسيرة البطاريق"، هذه المرة عن هجرة هذا الحيوان القطبي إلى المناطق المتجمدة. وبالطبع فإن هذه الأفلام تحقق رغبة عند المتفرج في ارتياد أراضٍ وعوالم جديدة، وهذا جانب من جوانب استخدامات السينما التسجيلية: إثارة الدهشة، تلك الدهشة التي بدأت مع مولد السينما ذاتها بالقرب من نهاية القرن التاسع عشر، عندما قام الأخوان لوميير (أوجست ولوي) بتصوير بعض من مشاهد الحياة اليومية: عمال يخرجون من مصنع، أو قطار يصل إلى المحطة، وبرغم أنها لقطات لا تبدو غرائبية لنا اليوم، فقد كان غريبا على الجمهور آنذاك أن يشاهد "الحركة" على شاشة. وسرعان ما أدرك الأخوان لوميير تلك المزية الوثائقية في اختراع السينما، فأرسلا المصورين إلى بلدان العالم المختلفة، لتصوير لقطات تجعل المتفرج ينتتقل إلى عوالم بعيدة وهو جالس على كرسيه، وكان من بين هذه اللقطات صور لأهرام مصر وأبي الهول. وذلك مصدر آخر للدهشة في السينما التسجيلية، أن ترى وتعيش تجارب "حقيقية" وإن كانت بعيدة عنك، بحكم المسافة والثقافة. ومع تطور التقنيات السينمائية اتسع أفق التسجيل والتوثيق، وكان من أهم هذه التقنيات اكتشاف قدرة "المونتاج" على إعادة تشكيل الواقع بشكل فني، حتى أن مجال السينما التسجيلية أصبح أقرب للتجريب من السينما الروائية ذاتها، لتظهر في عشرينيات القرن العشرين ما يسمى "سيمفونيات المدن"، التي كان من أشهرها "برلين، سيمفونية مدينة"، حيث يسجل الفيلم في ساعة أو أقل أو أكثر قليلا، "إيقاع" الحياة اليومية. كما تم اكتشاف أهمية السينما التسجيلية للأغراض السياسية الدعائية، خاصة خلال فترات الصراع والحروب، ليأتي على قمة هذا النوع من السينما التسجيلية فيلم "أوليمبيا"، الذي يبدو في ظاهره تسجيلا وتوثيقا لدورة برلين الأوليمبية في عام 1936، لكنه وباستخدام جماليات زوايا التصوير، وتغيير سرعة عرض اللقطة، وتتابع الصور على الشاشة، خلق قصيدة عن تفوق الجنس الآري، للدعاية عن سياسة هتلر النازية!! وهكذا أدرك السينمائيون القدرة المزدوجة للسينما التسجيلية، قدرة على تسجيل الواقع، وأخرى على التلاعب به، لتظهر مدارس سينمائية عديدة في بلدان وسياقات مختلفة، من أهمها مدرسة جريرسون في بريطانيا، الذي أشرف على وحدة للسينما التسجيلية، وأنتج عشرات الأفلام، أكثرها يحمل تعليقا منطوقا مباشرا، لكن بعضها اختار أن يأتي التعليق الصوتي "موازيا" للصورة وليس مطابقا لها، مثل فيلم "أغنية سيلان" الذي كان شريط الصوت فيه يحمل قصيدة للشاعر أودين. وبينما استمرت مدرسة جريرسون في التأثير على السينما التسجيلية في أنحاء مختلفة من العالم، تضاءل هذا التأثير مع تطور تقني آخر، عندما تم في الستينيات تصميم كاميرات خفيفة ومعدات تسجيل صوت محمولة. ومن هنا ولدت مدرستان في السينما التسجيلية: سينما الحقيقة في أوربا، والسينما المباشرة في أمريكا، تعتمدان كلاهما على تصوير أكثر اللحظات رهافة في الواقع، على نحو أكثر صدقا من أي شرائط سينمائية سابقة، بينما كان الفرق بينهما أن سينما الحقيقة لا تتدخل مطلقا في الموضوع الذي يتم تصويره، على حين تختلق السينما المباشرة مواقف تكشف أكثر عن هذا الموضوع، وكان النموذج الشائع لها هو الكاميرا الخفية". وكلما تزايدت إمكانات السينما، التقنية والجمالية، كانت الأفلام التسجيلية تكسب أرضا جديدة، ويتسع أفق استخداماتها. فإذا كان فلاهرتي في العشرينيات والثلاثينيات قد وجد صعوبة بالغة في تصوير أفلام عن القطب الشمالي (في "نانوك من الشمال") أو عالم الصيادين في اسكتلندا (في "رجل من آران")، حتى أنه كان يضطر أحيانا لصنع الواقع لا تسجيله المباشر، فإن الفرنسي جان روش أخذ كاميرته في الخمسينيات والستينيات إلى عالم القبائل البدائية، ليقدم تسجيليا "أنثربولوجيا" علميا وأصيلا مائة في المائة، كان له تأثير عميق حتى على السينما الروائية، التي بدأت تكسر الحاجز الفاصل بينها وبين السينما التسجيلية، لتظهر أفلام الفرنسي جان لوك جودار، التي ينطبق عليها أكثر اسم "المقال" أو "البحث". ولأن التاريخ يحمل أحيانا تناقضات ساخرة، فقد ظهر تأثير السينما التسجيلية على السينما الروائية واضحا في منتصف الأربعينيات، هذه المرة بسبب ضعف الإمكانات التقنية!! ففي إيطاليا المدمرة ما بعد الحرب، وجد السينمائيون الإيطاليون أنفسهم أمام صناعة سينما متهالكة، وليس أمامهم إلا استخدام ما تبقى في العلب من الفيلم الخام، والتصوير في الشوارع بإضاءة طبيعية لا تسمح بضبط الإضاءة كما يحدث داخل الاستوديو، والاستعانة بممثلين غير محترفين، لتولد من ذلك كله مدرسة "الواقعية الجديدة"، التي تركت بصماتها على الكثير من صناعات السينما في العالم. كان هذا الأسلوب الجمالي "الخشن" الذي اضطرت إليه الواقعية الجديدة، يجعل السينما الروائية تقترب من التسجيلية، وإذا كان الإيطاليون قد لجأوا إليه لنقص الإمكانات، فإن فيلم "معركة الجزائر" للمخرج جيلو بونتيكورفو يختاره عن وعي كامل، حتى أصبح هذا الفيلم نموذجا للأفلام الروائية التي تتعمد أن تختار شكلا تسجيليا. لكن هذا الامتزاج بين نوعي السينما قد تعدى اليوم مجرد الشكل، وأصبح يتناول المضمون أيضا، فإذا كان السينمائي التسجيلي (في أغلب الأحيان) لا يعرف مقدما ما سوف يقوم بتصويره، فلماذا لا يفعل ذلك السينمائي الروائي، بحثا عن قصص وعلاقات أكثر أصالة وصدقا؟ قد نتذكر في هذا السياق فيلم المخرج البريطاني مايك لي "عام آخر"، والذي كان يعتمد على كتابة السيناريو بالاشتراك الطويل مع الممثلين، كل في شخصيته في العالم الفيلمي، كما يسمح لهم بقدر من الارتجال العفوي خلال اللقطات الطويلة، بما لا يخرج بهم عن حدود الشخصية المرسومة، بل إنه يجعلهم أكثر تجسيدا لهذه الشخصية. ويصل التسجيل في السينما الروائية إلى مدى أبعد، مع ثلاثية المخرج الأمريكي ريتشارد لينكليتر، والتي يتتبع فيها مصير شخصيتين على فترات تفصل بينها تسع سنوات (في الأفلام والحقيقة أيضا). إنه في "قبل الشروق" ثم "قبل الغروب" ثم "قبل منتصف الليل"، يسجل مسار العلاقة بين رجل أمريكي (إيثان هوك) وامرأة فرنسية (جولي ديلبي)، ليكتب المخرج مع الممثلين هذه الأفلام الثلاثة، بقدر من النزعة التسجيلية الأصيلة. إن معظم الفلاسفة المعاصرين لفن السينما يضعون هذا الفن كله، تسجيليا كان أم روائيا، تحت تصنيف "الفنون التي تعتمد على تسجيل الواقع". وحتى في الأفلام التي لا يتم من خلالها تصوير ما هو موجود أمام الكاميرا، بل خلق الصور كومبيوتريا، فإن المتفرج ينتظر دائما أن يرى على الشاشة ما يمكن أن يقارنه بواقع حقيقي، حتى أنه يمكن لك أن تقول على نحو ما إن "كل الأفلام تسجيلية"!! تأتي السينما العربية (والمصرية خاصة) في أغلبها متناقضة مع الحس التسجيلي في السينما، ولعل ذلك يعود إلى أن صناعها وجمهورها اعتاد على أن يقرن بين الأفلام و"القصص" أو حتى الحواديت. وفي الحقيقة أن ذلك يعكس قصورا جوهريا في بنية الصناعة السينمائية العربية ذاتها، فكما أنها حتى الآن تقصي الأفلام التسجيلية وتجعلها أدنى من قريناتها الروائية، فهي لا تعرف أيضا اهتماما أصيلا بسينما التحريك، التي كانت على الدوام جزءا لا يتجزأ من أي صناعة سينما جادة، بل ربما اكتسب بعضها – مثل يوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا – شهرته من ارتياده جماليات وتقنيات متفردة في فن التحريك. ومع ذلك فإن السينما المصرية عرفت في فترات متباعدة من تاريخها بعض الازدهار النسبي في السينما التسجيلية، التي بدأت مع التوثيق الشهير للسينمائي المصري محمد بيومي لعودة سعد زغلول من المنفى في عام 1923، ثم أصبحت الجريدة السينمائية مادة ثابتة يصنعها "استوديو مصر" منذ إنشائه في عام 1935، لتعرض قبل عرض الفيلم الروائي الطويل. كما استمدت هذه الجريدة فيما بعد، وفي أعقاب ثورة 1952، أهمية أكبر، عندما أصبحت هيئة الاستعلامات مشرفة عليها، لتقدم مادة إخبارية دعائية في مجملها، لكنها كانت "توثيقا" سينمائيا مهما لتلك الفترة. ولأن السينما التسجيلية تحتاج إلى من يؤمن بها حقا، وبقدرتها على إعلام الجمهور والترفيه عنه في وقت واحد، ولأن صناعة السينما المصرية لم تكن تملك هذا الإيمان، فيمكنك أن تقول بقدر غير قليل من الثقة إن الإنجازات الحقيقية عندنا في هذا المجال أتت من إحساس "الدولة" أو "النظام" بضرورة وجودها، وهو الإحساس الذي بلغ ذروته مع المراحل المختلفة لبناء السد العالي. وكان من المألوف آنذاك أن ترحل طواقم سينمائية إلى مواقع البناء، أو حتى تقيم مع عماله، لتسجل هذه الوقائع يوما بعد يوم، لتظهر سلسلة من أفلام التوثيق التي صنعها آباء السينما التسجيلية المصرية، مثل صلاح التهامي وسعد نديم وعبد القادر التلمساني وغيرهم. ولعل من طرائف هذه المرحلة ما حكاه المخرج المصري العظيم توفيق صالح، عن أزمة صناعة السينما المصرية في بداية الستينيات، بعد ما يشبه المقاطعة في الأسواق العربية، فلجأ المخرجون إلى الزعيم جمال عبد الناصر يشكون إليه حالهم، وفي اجتماع مباشر معهم اتخذ الزعيم قرارا بأن يوكل إليهم صناعة أفلام تسجيلية قصيرة، في محاولة لإنعاش الصناعة، لتكون النتيجة بعضا من أجمل الأفلام التسجيلية في تاريخ السينما المصرية، تعتمد على توثيق بعض السمات الفولكلورية، وتحول هذا التوثيق إلى عمل جمالي طريف وراقٍ في آن. لكن لأن مصر ما بعد عبد الناصر فقدت مرة أخرى إيمانها بالسينما التسجيلية، وهو ما ينعكس في عدم وجود مادة وثائقية كافية عن حرب أكتوبر 1973 مثلا، وأيضا في سيطرة سينما روائية بالغة السطحية، فقد اختفت السينما التسجيلية لسنوات، قبل أن تعود بمجهود فردي للمخرج الرائع شادي عبد السلام، الذي أنشأ وحدة تابعة للدولة لهذه السينما، لم تكن فقط مجالا لتدريب جيل جديد من السينمائيين الذين سوف ينتقلون فيما بعد إلى السينما الروائية، بل كانت أيضا مجالا خصبا للتجريب، لتظهر أساليب سينمائية متنوعة، في الشكل الجمالي الأقرب للسينما المباشرة عند خيري بشارة في "حديث الحجر" على سبيل المثال، أو التناقض الساخر المقصود بين شريطي الصورة والصوت عند داوود عبد السيد في "وصية رجل حكيم، في شئون القرية والتعليم". إلى جانب وحدة شادي عبد السلام كانت هناك محاولات فردية أخرى متناثرة، لكنها بالغة الأصالة والتأثير، تراوحت أيضا بين غنائية هاشم النحاس في "النيل أرزاق"، ووجهة النظر الاجتماعية والسياسية القوية عند عطيات الأبنودي منذ فيلمها الأول (من إنتاج "جمعية الفيلم" المستقلة والتي أنشأها هواة) "حصان الطين"، وظلت بعدها تقدم أفلاما ترحل في الزمان والمكان، في محاولة لما أسمته "وصف مصر". لكنه للأسف "وصف مصر" الذي لم يكتمل، لأسباب عديدة قد يأتي نقص التمويل على رأسها، وكان الأحرى بالدولة أن تتبنى مثل هذه المشروعات، لكنها كانت قد قررت أن تترك السينما لتجار السينما!! لم يختلف الحال كثيرا في بلدان عربية أخرى، ولا يكاد أن يبقى في الذاكرة سوى القليل من الأفلام التسجيلية، ربما يأتي على رأسها فيلم المخرج السينمائي السوري عمر أميرالاي "الحياة اليومية في قرية سورية"، الذي كان صرخة أبناء المناطق النائية من التجاهل، وما تزال لقطة "اللايتموتيف" التي تكررت مرارا في الفيلم، لفلاح فقير يشق ملابسه صارخا، من بين أبرع الأدوات الأسلوبية والموضوعية لخلق وحدة في شكل فيلم تسجيلي طويل. لكن أميرالاي يضطر في مرحلة لاحقة للتمويل الأوربي، ويأتي فيلمه "مذكر مؤنث" مجرد رؤية استشراقية للعلاقات بين الرجل والمرأة في مصر، تتلخص في الجنس، وتخلو من أي أبعاد اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية. ووسط هذا التجاهل من جانب الأنظمة للسينما التسجيلية، ليس هناك سوى طريقين، الأول هو الإنتاج التليفزيوني الذي يفرض ويفترض في مصر شكلا جاهزا (هناك مثلا أغنية دائما على شريط الصوت، تأتي من خارج عالم الصورة تماما!!)، ولا يكاد أن يبقى من بين مثل هذه المحاولات إلا أفلام قليلة للمخرجة حنان راضي في فيلم "أهل الرضا"، الذي يصور عالم الفقراء الذين يناضلون كل يوم من أجل لقمة عيشهم، دون أن تفارق شفاهم كلمات الرضا والحمد لله. أما الطريق الثاني فهو مغامرة الإنتاج المستقل، التي يرتادها هواة عابرون تقع أغلب أعمالهم في إطار "الريبورتاج" الخالي من أي فن، ويفلت من هذا المصير فيلم مثل "جلد حي" للمخرج فوزي صالح، الذي يدخل إلى عالم دبغ الجلود بكل قسوته، ويعيش فيه أياما، ليقدم وثيقة وتسجيلا لحياة أناس قد لا نعرف عنهم شيئا، بما يذكرك على نحو ما بأفلام عطيات الأبنودي الأولى. ما هو سبيل الخروج من تلك الأزمة؟ في الحقيقة أنه مرتبط على نحو وثيق بالخروج من أزمات أخرى عديدة، لكن يأتي على قمة هذه السبل وجود من يرعى هذه السينما، إنتاجا وعرضا. وقد تسمع من البعض آراء تتحدث عن تدخل الدولة من جديد، وفرض عرض فيلم تسجيلي قبل الفيلم الروائي في دور العرض. لكن أليس ذلك قيدا آخر نفرضه على السينما التسجيلية، لتظل أسيرة وتابعة وظلا للسينما الروائية؟ وليس هناك من يصلح لرعاية هذه السينما من قنوات فضائية تتخصص في هذه النوعية من الأفلام، وتعيد للجمهور القدرة على تذوقها. لكن ذلك مرهون من جانب آخر بتعدد أساليب الفيلم التسجيلي، بدلا من ذلك المفهوم القاصر عنه ويجعله أقرب إلى التحقيقات الصحفية الكسول. وحتى أسلوب التحقيقات في السينما يمكن أن يكتسب طرافة أخاذة، مثل الفيلم الأمريكي "اجعلني سوبرسايز"، أراد فيه صانعه أن يبرهن على خطورة الاعتماد على الأكلات السريعة الجاهزة، فجعل ذاته موضع التجربة، وعاش طوال شهر كامل على هذه الأكلات، ووثق أحواله الصحية والمعيشية يوما بعد يوم، ولك أن تتخيل ما صار إليه عند نهاية الفيلم!! والنموذج الآخر من التحقيقات هو ما صنعه مايكل مور في العديد من الأفلام التسجيلية، التي حققت أرقاما غير مسبوقة في شباك التذاكر، مثل "لعب البولينج من أجل كولومباين" عن حمل الناس العاديين للسلاح في أمريكا، وحوادث القتل العشوائي، وهو يمزج تحقيقاته بقدر كبير من السخرية. غير أن البداية في ذلك كله هو أن نؤمن بـ"التوثيق" في حياتنا، لكي نراكم خبراتنا التاريخية ونتقدم بها إلى الأمام، وليس هناك فن قادر على ذلك أكثر من السينما، خاصة في عصر التقنيات الرقمية، التي تتيح لأي إنسان أن يصنع فيلمه التسجيلي. وربما كانت المشكلة هي قدر الحرية الحدود الذي يمنع حتى الآن التصوير في مصر إلا بتصريح، لكن هذا إذا تحدثنا عن المستقبل، لكن حتى إذا تحدثنا عن الماضي، من هو السبب في ضياع أغلب ما تم تصويره من سلسلة "الجريدة السينمائية"؟ سؤال لن يجد إلا إجابة تغرق في بحار من المرارة!!

Wednesday, October 30, 2013

أفلام العيد: هل هي الجاني أم الضحية؟


هوجمت بضراوة أفلام عيد الأضحى حتى قبل أن يراها المتفرجون، وكان الدافع إلى ذلك هو ذلك السيل المنهمر من المقدمات الإعلانية التي عرضت على شاشات القنوات الفضائية المصرية، وعلى حين بدت هذه الأفلام مستفزة لأغلب المشاهدين، فإن معظمنا لم يطرح السؤال الأهم: إذا كان لدى المتفرج – في التحليل الأخير – حرية الاختيار في أن يذهب إلى دار العرض، فلماذا تجعله هذه المقدمات الإعلانية يخسر هذه الحرية رغما عنه، إذ تقتحم عليه وعلى أطفاله حياتهم في كل ساعات يومهم؟ ومن ذلك الذي صرح بإذاعة هذه الإعلانات على هذا النحو أصلا؟ ربما كان السؤال الأكثر دقة: ما هي تلك الجهة الغائبة عن التأثير، أو حتى الوجود، لتسمح أو تمنع ظهور المقدمات الإعلانية؟ ففي كل بلاد الدنيا المتحضرة، تخضع المقدمات الإعلانية لرقابة أقسى من الفيلم نفسه، وأنت لا تستطيع أن ترى إعلانا لفيلم أمريكي دون أن تسبقه بطاقة تصنيفه، حسب الجمهور الملائم لمشاهدة الإعلان، خاصة عندما يذاع في التليفزيون دون استئذان. فربما كان الفيلم نفسه يحتوي على قدر كبير من محظورات العنف أو الجنس، لذلك فإن من غير المسموح أن يقتحم الإعلان حياتك ليعرض لك أو لأطفالك مشاهد غير ملائمة، لكن في بلادنا فإن كل شيء للأسف يترك على عواهنه، ثم بعد ذلك نشكو من إسفاف الأفلام ونغض الطرف عن إسفاف الإعلانات عنها!! لقد أصبحت المقدمة الإعلانية في كل صناعات السينما هي الوسيلة الأهم في تعريف المتفرج بالفيلم، حيث اختفت أو كادت إعلانات الصحف والمجلات، وربما كانت هناك أيضا مواقع على الإنترنيت تحتشد بعشرات الآلاف من هذه الإعلانات. لكن مشاهدة إعلانات الأفلام الأجنبية يجعلنا نشفق على أنفسنا من الحال الذي وصلنا إليه، على مستوى الشكل والمضمون معا. ولعل أكثر ما يستفز الناقد في هذا السياق أن يكون الإعلان عن الفيلم الأمريكي مثلا عملا فنيا قائما بذاته (في العادة يقوم به فنانون متخصصون في ذلك)، بينما لا يتعدى الإعلان عن الفيلم المصري (إلا فيما ندر) مجرد قصاصات تم اختيارها بشكل عشوائي، والهدف منها أساسا هو عرض "البضاعة" التي يتوقع المتفرج أن يراها في الفيلم. وأبسط متطلبات أي مقدمة إعلانية أن تجعلك أقرب إلى موضوع الفيلم دون الإفصاح عن مضمونه، فدعنا نحاول أن نخمن موضوعات أفلام العيد من إعلاناتها. هناك في البداية ثلاثة أفلام تدور في عالم الراقصات، اللائي يصحبهن أحيانا "بلطجية"، وفيلم رابع يبدو مبشرا قليلا، إذ يبتعد عن هذا العالم الذي أصبح في السينما المصرية تقليديا. هناك مثلا في فيلم "القشاش" إشارة إلى أن البطل يحمل هذا الاسم لأنه لقيط عثروا عليه رضيعا في عربة قطار، وهو الآن بلطجي يخوض المعارك بالساطور أحيانا، وهو الساطور ذاته الذي يرقص به مع راقصة "شعبية" (أرجو أن تتغاضى قليلا عن هذه الصفة الزائفة)، ويبدو على علاقة بها، لكنها تحذره من امرأة أخرى لأنها غير منجذبة للرجال، وأنت تفهم الباقي بالطبع. هذا هو كل ما في "القشاش"، أما في فيلم آخر يحمل اسم "8%" فأنت أمام أسوأ ما أنتجه "الفن" المصري في الفترة الأخيرة، إذا اعتبرت أن هذا نوع من الفن، وهو فرقة من مغنيي الأفراح الرخيصة تحمل نفس عنوان الفيلم، لا يملك الواحد منهم الحد الأدنى من شروط فن الغناء، ويصنعون دائما شرائطهم بطريقة تشويه الصوت بحيث يصبح معدنيا منفرا، لكن الأسوأ من ذلك كله هو أن يطلقوا على ما يصنعونه أغاني "مهرجانات"، وتردد بعض الصحافة الفنية هذا الاسم، بما يجعلك أقرب إلى التشاؤم بشأن مستقبل الفن في مصر، وربما مستقبل أشياء أخرى أيضا. ويقول لك الإعلان أن هذا الفيلم يدور عن "رحلة كفاح" هذه الفرقة، تصحبها فتاة هي سائقة "توك توك"، وكيف أن وجودها كان عاملا للصراع بينهم أحيانا، وتوحيدهم أحيانا أخرى. من المؤكد أن مثل هذا الشريط (ولا نقول الفيلم) قد تم صنعه ليضم بعضا من أغنيات هذا الثلاثي المثيرة للنفور عند البعض منا، بينما يأتي فيلم "عش البلبل" (وهو أكثر هذه الشرائط نجاحا في شباك التذاكر) ليضم مجموعة أكبر من المغنين والراقصات. ولا تحاول أن تبحث عن موضوع للفيلم في مقدماته الإعلانية رغم كثرتها المفرطة، فبعضها يحتوي على أغنيات في الملاهي الليلية قد تمتد إلى خمس دقائق، فكأن الإعلان يقول لك: إن كنت لا تملك المال للذهاب إلى مثل هذه الملاهي، فسوف نجعلك تشاهدها بثمن تذكرة سينما فقط!! لكن هناك أيضا لقطات محاكاة ساخرة من أفلام قديمة وجديدة، بدءا من "شارع الحب" وحتى "عبده موتة" و"قلب الأسد". يأتي الفيلم الرابع "هاتولي راجل" ليعرض عليك فكرته في غموض بالغ، وهي الفكرة التي سبق أن عالجتها السينما المصرية مرارا، في انقلاب الأدوار بين الرجال والنساء، مثل "الآنسة حنفي" و"السادة الرجال"، كذلك مسرحية لطفي الخولي في الستينيات "الأرانب"، لكن بينما كانت هذه الأعمال المشار إليها تنتصر لقيم تقدمية، تنادي بمساواة عاقلة وعادلة، فإن إعلان الفيلم يشي بأنه قد توقف عند ما يمكن أن تطرحه الفكرة من تهريج، والعديد من "الإفيهات" اللفظية التي تدور حول علاقات الفراش. وتلك النقطة الأخيرة: "الإفيهات الجنسية"، هي أوضح الملامح المشتركة بين هذه الأفلام ومقدماتها الإعلانية، والتي تأتي بالتصريح الفظ والسوقي وليس بالتلميح (وهي رغم ذلك تدخل بيوتنا عنوة على شاشات التليفزيون)، حتى تكاد أن تتصور أن الناس في حياتهم اليومية لا يتوقفون عن التواصل بهذه الفظاظة والفجاجة. وكثيرا ما يأتي هذا النوع مصحوبا أيضا بأغنية ورقصة من النوع بالغ الرخص، الذي لا يمكنك أن تشاهده إلا في المناسبات التي يغرق فيها "المتفرجون" في الخمر والمخدرات، وذلك هو المشهد الذي لا يكاد أن يخلو منه فيلم مصري في الآونة الأخيرة، مشهد "الفرح الشعبي" كما تتصوره السينما المصرية: غازية ترقص رقصا بالغ الخلاعة، ووراءها أحد المغنين أصحاب ذلك الصوت المعدني المشوه، وعشرات من الكومبارس يقفزون هنا وهناك، ويمكنك أن تتخيل أن صناع هذه الأفلام يريدون أيضا من جمهور السينما في هذه المشاهد أن يشارك بدوره في هذا الصخب والعربدة، وربما كان هذا هو ما يحدث بالفعل في دور العرض التي يقبل عليها جمهور سينما الأعياد. يتوافق مع هذا الصخب السمعي صخب بصري لا يترك للمتفرج لحظة واحدة للتأمل، لذلك نادرا ما تتعدى أي لقطة تراها في الإعلان ثانية واحدة، وهو الأمر الذي يجعل صناع الإعلانات يستغنون أيضا عن أي جهد فني حقيقي، فبضغطة على الأزرار تنهمر هذه اللقطات دون أي منطق، وبلا شكل أو مضمون. أخيرا يأتي دور "البطل" الذي يحتاج بالفعل إلى مقال آخر للتأمل، لكن يكفي هنا أن نشير إلى أنه ذلك "الصايع"، الذي لم يعد كما كان فى سنوات قليلة سابقة مجرد شاب بلا عمل، يتحايل على الحياة بمزيج من النصب وخفة الظل، لكنه أصبح الآن "بلطجيا" بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ منفرة، إنه يمضي في الشوارع حاملا ساطوره، يدخل به الخناقات ولا يتورع عن سفك الدماء، وهو يشهره أيضا في مصاحبته للراقصات كأنه سيفه الذي يتفاخر به. لك أن تتخيل أخيرا شخصا أجنبيا أوقعه حظه العاثر في مشاهدة هذه الإعلانات، إنه حتى دون أن يدرك معنى كلمة واحدة سوف يفهم أن مجتمعنا لا يضم سوى مثل هذه الشخصيات، فليس هناك عشرات الملايين الذين يكدحون وراء "أكل عيشهم"، وليست هناك نساء تشاركن رغم المعاناة في تحمل أعباء العائلة، أو حتى تحمل هذه الأعباء وحدهن أحيانا، وليست هناك هموم يومية أصبحت أزلية أبدية رغم أنها احتياجات إنسانية بسيطة. ليبقى السؤال: إذا كانت هذه السينما كما يدعون (وقد يكون معهم بعض الحق) تعكس جانبا واحدا من وحشية الحياة، فلماذا الاقتصار على هذا الوجه وحده؟ لعل الإجابة هي أن هذه الأفلام تقدم جرعة من المخدرات السمعية البصرية، لتلهي الناس عن واقعهم الحقيقي، وتجعلهم يعيشون لحظات من الحلم في التوحد مع كل من يقهرهم، ليصبح البلطجي هو السبب والنتيجة!!

Monday, October 21, 2013

هل يخبو "نور" الشريف في السنوات المقبلة؟


يملك النجم نور الشريف بين أبناء جيله موهبة خاصة، لا تتعلق فقط بمهارات التمثيل وتنوع الأداء، فربما نافسه في ذلك – على سبيل المثال لا الحصر – نجم مثل الراحل أحمد زكي. لكن موهبة نور الشريف الأهم كانت قدرته على تطوير نفسه وأعماله، وإدراكه عوامل الزمن في تغيير الصورة الجسمانية والنفسية للممثل، لذلك انتقل سريعا من تجسيد ذلك الفتى الغر الذي بدأ به حياته الفنية، في أعمال مثل مسلسل "القاهرة والناس"، أو فيلم "زوجتي والكلب"، ليخوض تجارب إنتاجية يغير فيها من صورته، وكانت في الحقيقة مغامرات فنية، إذ كان معظمها أفلاما أولى لمخرجيها، مثل سمير سيف في "دائرة الانتقام"، أو محمد خان في "ضربة شمس". كانت مزية اختيار نور الشريف لأدواره من أهم سماته، لكنه كان يذهب إلى مدى أبعد من اللازم أحيانا في هذه الاختيارات، خاصة في مسلسلاته التليفزيونية، فشتان بين نجاحه مثلا في تقمص شخصية تاجر الخردة عبد الغفور البرعي في مسلسل "لن أعيش في جلباب أبي"، ومحاولة تقليده "الأب الروحي" في سلسلة "الدالي". وها هو في رمضان الفائت يختار موضوعا غريبا، أو بالأحرى غرائبيا، عن رجل يدعى "خلف الله"، ويحمل المسلسل اسمه، وهو رجل يملك القدرة أحيانا – دون تعمد منه – على أن يقرأ ما سوف يحدث في المستقبل القريب، وأن يُخرج الأمراض المستعصية من الأطفال الذين يعانون منها، ليصبح خلف الله هذا مثار إعجاب فائق من جانب البعض، أو كراهية مقيتة من جانب البعض الآخر، وينتهي إلى السجن متهما في جريمة قتل لم يرتكبها، وقبل تنفيذ حكم الإعدام فيه بساعات، تصعد روحه إلى بارئها في سلام. وإذا كنا قد استطعنا الآن أن نلخص "أحداث" المسلسل في سطور قليلة، فمن المفروض ألا يعني هذا أن تفقد الشخصيات المحيطة بالبطل أهميتها، لكنها للأسف كانت جميعا – المحبة والكارهة – تدور في فلك "خلف الله"، حتى أنها لا تكتسب أي حياة أو وجود ذي معنى خارج هذا الفلك. وقد أدى ذلك إلى حالة من دوران العمل حول نفسه، في دورات تبدو مختلفة، وإن كانت في الحقيقة متشابهة، فالبطل خلف الله ينتقل من مكان إلى آخر على غير هدى، وإن كانت تدفعه قوة غامضة للسعي نحو من يحتاجونه، وفي كل أرض يحط فيها هناك شخص أو طفل مريض، نعيش مع مرضه بعضا من الوقت الدرامي الضائع، قبل أن يمارس عليه خلف الله رقياته ليساعده في الشفاء. سوف تتكرر تلك الدائرة أربع مرات طوال الثلاثين حلقة، تبدأ الأولى إذ تقوده أقدامه إلى قرية يحكمها عمدة طيب، لكن ولده الصبي يعاني من غيبوبة طويلة حار فيها الأطباء، فتتحقق معجزات خلف الله عندما يعود الصبي معافى سليما كأن لم يمسسه ضر أبدا، وهو ما يجذب المرأة التي تدعى شربات إليه، وتحاول إغواءه، لكنه يرفضها بما يشير إلى أن الرجل زاهد في النساء، بقدر زهده في المال. سوف تؤدي هذه الدائرة الأولى إلى اختطافه على يد أحد أثرياء القرية، لكي يعالج ابنة شقيقته ياسمين، ابنة الطبقة الراقية في المدينة، والتي جاءوا بها إلى قرية خالها ليخفوها عن الأنظار، بعد إصابتها بمرض نفسي يدفعها إلى عدم الوعي بما حولها. وبرغم أن خلف الله يرفض ممارسة "كراماته" عنوة، فإنه يدرك سر مرض الفتاة، الذي يخفي كبتا جنسيا عميقا، يتم حله بأن يتزوج بها، لكن ياسمين ترفضه زوجا بعد أن تفيق من مرضها، فيطلقها ويمضي إلى حال سبيله من جديد. وبعد حلقات أخرى من "الحوار" بين خلف الله وأحد الشيوخ، حول قدرة بطلنا على الإتيان بتلك الأفعال الغريبة، وإذا ما كانت تعود إلى قدرة الله أم إغواء الشيطان، ينتهي به المطاف في الدائرة الثالثة إلى عالم باعة الرصيف، حيث المرأة صباح، التي تتحالف ضده وتتآمر لقتله لعلها تحصل على ما تتصور أنه يكنزه من مال، لكنها تتراجع في اللحظة الأخيرة عندما تظهر كراماته، بما يذكرك على نحو ما بفيلم مصري قديم من بطولة مريم فخر الدين، يدعى ""طاهرة"، كان اللص يشعر أن يده قد شلت إذا تسلسل إلى غرفتها ليسرقها!! ومع صباح سوف تتكرر أيضا "معجزة" شفاء ابنة وحيدة مصابة بالشلل، ما يجعل صباح وأتباعها من "البلطجية" يتحولون بين عشية وضحاها إلى أتقياء أنقياء لا يقومون من على سجادة الصلاة!! وبعد أن يتزوج خلف الله أيضا من صباح، يستمر في طوافه في أرجاء الأرض، لينتهي في الدائرة الرابعة وسط أسرة تتآمر من أجل ميراث، سوف يؤول إلى صبي على فراش الموت، بما يجعل الثروة تنتقل إليهم. وهنا أيضا تظهر قدرة خلف الله، الذي ينقذ الصبي ويتزوج من أمه الحسناء الثرية فريدة، لكن ذلك يجعله محط رغبة بقية أفراد الأسرة في الانتقام، وهنا تأتي قصة جريمة القتل التي يتهم فيها ظلما، لنقضي بقية الحلقات مع خلف الله مستسلما وراضيا تماما بمصيره الذي كتبه الله، وتصعد روحه إلى بارئها في نومه، في الليلة التي تسبق مباشرة تنفيذ الحكم عليه بالإعدام. أنت مع مسلسل "خلف الله" أمام تناقض عميق، فهناك ممثل نجم يستطيع حقا أن يعبر بعينيه ووجهه دون أن ينطق بكلمة واحدة، ويستطيع أن يعيش تحت جلد الشخصية، ليضيف إليها من عنده لمسات تمنحها حياة حقيقية، كما أن المخرج حسني صالح يُظهر تمكنا حقيقيا من "تنفيذ" أجواء كل مشهد، وقدرة لا تنكر على استخدام أسلوب رصين في عناصر الإخراج، مثل حركة الكاميرا والتكوين والكادر والموسيقى التصويرية، ومع ذلك كله فإن هناك شيئا ما ناقصا، يصنع مسافة – أو قل فجوة – بين العمل والمتفرج. ولعل السبب الرئيسي في هذا يعود إلى التعقيد البالغ والمصطنع في العديد من المشاهد، برغم بساطة – وربما سذاجة – المحتوى، فمعظم الحلقات تنقسم إلى قسمين: الأول يعرض مرض المرأة أو الصبي أو الطفلة في لقطات تتعمد قدرا كبيرا من المبالغة، والثاني هو ممارسة خلف الله لطريقته في العلاج. ولأن ذلك يتكرر بشكل أقرب إلى النمطية، فإن المتفرج يفقد اهتمامه به تماما، لأنه يعرف مقدما ما سوف يأتي من أحداث. وربما كان الأهم في عدم الاقتناع هذا هو تفسير قدرات خلف الله الخارقة، وهو أمر في غاية الغموض في المسلسل، إذ تبدأ الحكاية بفقدانه لأسرته جميعا في حريق مدمر، فإذا هو بعد ذلك يكتشف قدرته التي هبطت عليه فجأة، بأن يرى ما سوف يحدث قبل حدوثه. وقد يفسر المتفرج رحيل خلف الله الأبدي من مكان إلى آخر، بأنه مع موت أسرته فقد الرغبة في الحياة والتعلق بها، وأن الإحساس الوحيد الباقي لديه هو الاستغناء عن الدنيا وما فيها، وهو ما يجعله أقرب للاتصال بما هو غير محسوس لبقية البشر (وإن كان ذلك بدوره أمرا مثيرا للجدل). كما أن ذلك السلوك الزاهد قد يبدو طريفا، لكنه بلا علاقة قوية بالحياة التي يحياها المتفرج، الذي يعاني من تدبير أمور يومه، وليس رؤية ما سوف يحدث في غده. لم يغن أداء نور الشريف المرهف عن ضرورة وجود مثل هذه الأبعاد في النص الذي كتبه زكريا السيلي، فربما شدك ذلك القلق على وجه نور الشريف في لحظات، بينما يبهرك اطمئنانه في لحظات أخرى، لكن وراء تلك الحالتين لا يوجد عالم واقعي أو درامي مقنع، وإنما عالم له ما يشبه "الرسالة" الغامضة التي لا تثير اهتمام المتفرج من قريب أو بعيد. وهكذا كان "النجم" نور الشريف بدوره تأكيدا على أن سماء الدراما المصرية سوف تشهد في القريب أفولا لبعض النجوم، في انتظار ظهور نجوم جديدة، نرجو ألا تكون شهبا تلمع، لكنها لا تلبث أن تنطفئ.

Wednesday, October 09, 2013

هل ينتاب "الشك" حسين فهمي في نجوميته؟


برغم أن اسم النجم حسين فهمي يتصدر عناوين مسلسل "الشك"، وبرغم أن من المفترض أن شخصيته فيه تمثل محورا بالغ الأهمية تدور حوله الأحداث، فإن وجوده كاد أن يخبو كثيرا في معظم لحظات المسلسل. وربما عاد ذلك إلى سيناريو الكاتب أحمد محمد أبو زيد، الذي لم يعط هذه الشخصية الدرامية حقها، لكن ذلك أيضا يعود في جانب كبير منه إلى اعتماد بعض النجوم على حب الجماهير لهم، فلا يبذلون جهدا كافيا في الأداء، وتلك من آفات السينما والدراما التليفزيونية المصرية. في أحد مشاهد الحلقة الأولى، تكون الابنة الكبرى وسيلة (مي عز الدين) قد عرفت لتوها أنه لن يمكنها أن تصير أما، إلا بعد عملية جراحية سوف تكلفها ما لا تملكه من مال، وتلتقي وسيلة بأمها سامية (رغدة) لتشكو لها همها، بينما يأتي الأب نبيل (حسين فهمي) على عجل ليواسي ابنته بعد أن عرف الخبر. يدخل حسين فهمي إلى موقع التصوير، وبدلا من أن يربت مثلا على كتف ابنته بلمسة خفيفة حانية بمجرد أن يراها، فإنه يجلس إلى الطاولة ليلقي سطور حواره، في نمطية وسطحية بالغتين. إن "الممثل" حسين فهمي هنا لم "يعش" الشخصية، بل النجم هو الذي جاء إلى العمل، مكتفيا بنجوميته السابقة. للأسف فإن هذا ينسحب على معظم لحظات حسين فهمي هنا، غير أن الحقيقة أيضا أن تلك كانت مهمة المخرج محمد النقلي، الذي كان عليه أن يضيف لمساته الإخراجية الفنية والإنسانية إلى السيناريو، لكنه اكتفى بدوره بأن يكون "منفذا" لما جاء على الورق. ومن الحق القول أيضا أن السيناريو المكتوب لم يساعد حسين فهمي ولا الممثلين الآخرين على ذلك، فلجأوا إلى قدر هائل من المبالغات التي تذكرك بأداء يوسف وهبي وأمينة رزق، وهو السيناريو الذي غلب عليه قدر كبير من الاصطناع، الذي قد يعجب الجماهير التي تعشق الأفلام الهندية، لكنه يخلو من الحياة الحقيقية. وكل سيناريوهات أحمد أبو زيد (وأبيه محمود أبو زيد) تعتمد على هذا الاصطناع، ولعل القارئ يتذكر مثلا فيلم "العار" (الذي كتبه الأب) والمسلسل التليفزيوني المأخوذ عنه (الذي كتبه الابن)، فهو يحكي عن أسرة مات عائلها، لتكتشف أنه كان في الحقيقة تاجرا للمخدرات، وقد وضع كل ما يملك قبل أن يموت في صفقة، ليجد أبناؤه أنفسهم في مواقف متصارعة من استكمال هذه الصفقة، وهي حبكة كما ترى لا علاقة لها بالواقع من قريب أو بعيد، أو على الأقل بالواقع كما نعرفه. أما الحبكة في "الشك" فهي تقوم على فرضية أخرى: الابنة وسيلة التي حكيت لك عنها هي ابنة لأسرة من طبقة وسطى، تضم الأب نبيل صاحب المكتبة الذي ينتمي لجيل كاد أن ينقرض، والأم سامية التي تعمل ناظرة مدرسة، وبعض الأشقاء والشقيقات، وأضف إلى ذلك كله تنويعة من أزواج الشقيقات وزوجات الأشقاء. وتبدو العائلة بمختلف أطيافها تسير في حياتها اليومية، ويغلب على معظمهم الانتهازية والخيانة، حتى يُلقى حجر في البحيرة الراكدة. يتمثل ذلك الحجر في المحامي فايق (مكسيم خليل)، الذي يظهر ذات يوم، ليخبر الأسرة أن رجلا بالغ الثراء يدعى قاصد خير مات في الغربة، ليترك في وصيته كل ثروته إلى وسيلة التي يقول إنها ابنته، وإلى الأم سامية التي يبدو أنه كان على علاقة بها. وهكذا تصبح "التيمة" الرئيسية للمسلسل كيف أن المال الذي هبط على الأسرة، أو إحدى بناتها، سوف يحولهم جميعا إلى وحوش، بينما تضيع التيمة الأقوى، التي كان من المفترض أن يكون لها الاهتمام الأكبر، وهي "الشك" الذي ينتاب الأب في زوجته بعد ذلك العمر الطويل، وسوف يدمر حياته تدميرا، بما يذكرك على نحو ما بمسرحية الكاتب السويدي الشهير ستريندبيرج "الأب"، والتي تحولت إلى فيلم مصري بعنوان "العذاب امرأة". وإذا كان "الشك" الذي تزرعه الزوجة بنفسها في عقل الزوج هو محور المسرحية، فإنه هنا يصبح مجرد مناسبة لبعض سطور حوار زاعقة من جانب حسين فهمي، والكثير من دموع رغدة، خاصة عندما يتحول هذا الشك إلى يقين، مع ظهور نتيجة تحليل البصمة الوراثية، الذي يؤكد أن وسيلة ليست ابنة نبيل. ولأن الغاية تبرر "الوسيلة" (وهذا من بعض أسرار اختيار عائلة الكاتب أبو زيد لأسماء الشخصيات)، فإن وسيلة سرعان ما تتقبل الأمر، بل ترحب به، لأن تلك الثروة الطائلة سوف تساعدها في الحصول على الابن الذي تحلم به. وأيضا لأن كل سيناريوهات عائلة أبو زيد ترمي إلى إقناع المتفرج بأن يرضى بالأمر الواقع، وأن المال لن يجلب سوى الدمار (ولعلك ما تزال تتذكر فيلم "جري الوحوش")، فإن هذه الثروة الغامضة سوف تثير الكثير من الغبار في علاقات أبناء الأسرة جميعا، فوسيلة سوف تترك زوجها زير النساء أدهم (نضال الشافعي)، لكي تتزوج من المحامي فايق الذي كان سببا في هبوط الثروة عليها، بينما يطلق الأب نبيل زوجته، ليتزوج فيما بعد قريبته سعاد (صابرين)، التي تبدو كأنها مصنوعة من الشر الخالص. ناهيك عن شخصيات أخرى، يمكن أن تحذف منها أو تضيف إليها من شئت، مثل الابن الأصغر طارق (كريم أبو زيد، شقيق كاتب السيناريو)، الحالم بأن يكون مطربا "شبابيا"، بينما الحقيقة أنه لا يؤثر في الأحداث من قريب أو بعيد. وبعد أن يكون "الشك" قد انقشع طوال خمس وعشرين حلقة كاملة، يفاجئك العمل بالمفاجأة التي كان يخفيها عنك، وهي أن فايق – وبمساعدة أدهم – قد اتفقا على تزوير نتيجة تحليل البصمة الوراثية إياها، حتى تؤول الثروة إلى وسيلة، لكن فايق سوف ينحي أدهم جانبا، لكي ينعم بالثروة وحده، خاصة بعد أن نجح في إيداع وسيلة مصحة نفسية، ليثبت – زورا مرة ثانية – أنها غير مؤهلة للتحكم في ثروتها. لكن فايق يلقى مصرعه على يد زوجته الأولى منال (ريهام سعيد)، ويفترض أن يرث ثروته طفله من وسيلة، لكن أدهم يفاجئنا – للمرة الثالثة!! – أن الطفل ابنه، لأنه اتفق سرا مع فني المعمل على تبديل السائل الذي حملت منه وسيلة بالتلقيح الصناعي، لتخرج وسيلة من ذلك كله خاوية الوفاض. وهكذا ما جاءت به الرياح أخذته الرياح، لينتهي المسلسل باجتماع شمل الأسرة بعد تلك العاصفة. وإن أردت تفسيرا للسبب الذي ترك ذلك المدعو قاصد خير ثروته لوسيلة، فهو تصوره أنها ابنته، إذ كان قد "اغتصب" الأم سامية منذ عقود، لكنها تخلصت من حملها منه قبل أن تتزوج من نبيل!! وهكذا يظل السؤال الدائم لنا حول مسلسلاتنا التليفزيونية: ما هي التيمة الرئيسية بالضبط؟ فغالبا ما تضيع هذه التيمة وسط تفريعات هنا وهناك، فليس "الشك" هو الموضوع المهم هنا، وإن كانت البداية به، لكن العمل سوف يتخبط طويلا في سلسلة لا تنتهي من المؤامرات، التي تدور في الأغلب في المعامل الطبية (!!)، وتصوير البشر على أنهم مجموعة من الوحوش الضارية في غابة الحياة. مرة أخرى قد يكون مثل هذا المسلسل قريبا إلى "عقل" قطاع لا يستهان به من الجمهور، خاصة ذلك الذي تربى على الميلودراما المصرية والأفلام الهندية، لكن تلك الجماهيرية لا تمنعنا من الاعتراف أولا بأن تلك التوابل الحارقة ما تزال تثير شهية جمهورنا، خاصة إذا تمتع العمل – كما هو الحال هنا – بقدر كبير من تلقائية الحوار برغم اصطناع الأحداث وافتعالها، كما لا تمنعنا هذه الجماهيرية أيضا من الإقرار بأن هذا النوع من الميلودراما يساهم في استمرار تراجع ذائقة الجمهور، الذي يظل مقيدا بتلك الأفكار والمعالجات الدرامية القديمة، التي كانت وما تزال تقول لهم أن المال هو السبب كل الشرور، وأن الفقر نعمة والثروة نقمة، وأن كل المصائب تبدأ دائما من نتائج المعامل الطبية!!

Tuesday, October 08, 2013

إلهام شاهين... في مستشفى المجانين


هناك من الأعمال الدرامية التلفزيونية الدرامية ما لا يستحق عناء التوقف عنده كثيرا، لولا ارتباط هذا العمل أو ذاك بنجم أو نجمة. ومن الأمثلة الصارخة على ذلك ما شهدناه هذا العام في المسلسل "الرمضاني" المسمى "نظرية الجوافة"، والذي قامت ببطولته "النجمة" إلهام شاهين، التي لا تستمد أهميتها الراهنة من أعمالها السابقة فقط، خاصة أفلام مثل "يا دنيا يا غرامي" أو "واحد صفر"، وإنما أيضا لارتباطها ببعض القضايا الساخنة التي شهدتها الساحة السياسية المصرية مؤخرا، مما جعل البعض يتنبأ ويتصور أن مسلسلها الأخير هذا سوف يتماس بشكل أو بآخر مع هذه الأحداث. لكن سوف يخيب ظن المتفرج إلى حد كبير، فلن يلمس مسلسل "نظرية الجوافة" هذا الواقع إلا ببعض "إفيهات" هناك وهناك، أو الحديث عن حالة "اكتئاب جماعي" أصابت معظم المصريين في الآونة الأخيرة، وحولتهم إلى كائنات تجمع على نحو غريب بين البلادة والعدوانية. وتلك بلا شك ملاحظة بالغة الأهمية، كانت تستحق بالفعل أن تكون هي جوهر العمل الذي كتبه وأخرجه مدحت السباعي، لكن ذلك كله أتى في شكل جمل حوار عابرة، أما "الحبكة" الرئيسية – إن كان هناك حقا ما يستحق أن يحمل هذا الاسم – فتعتمد على "شطحة" أخرى من شطحات المخرج المؤلف، الذي بدأ حياته بفيلم من هذا النوع، هو "وقيدت ضد مجهول"، عن سرقة الهرم الأكبر دون أن يتحقق أي نجاح في الكشف عن اللص، بل إن الأمر ينذر بسرقات أخرى أفدح وأخطر. دعنا في البداية نلقي نظرة على عالم "نظرية الجوافة"، لكن فلأوضح لك أولا أن هذا الاسم لن يعني شيئا على الإطلاق، برغم أنه جاء في الحلقة الأولى على لسان الطبيب النفسي رمزي رامز (أشرف عبد الباقي)، الذي ذهبت إليه البطلة هالة (إلهام شاهين)، وهي ذاتها طبيبة نفسية، تشكو من القمع الذي يمارسه عليها رئيسها في العمل الدكتور نجاتي (فتحي عبد الوهاب)، لأنه يشعر بالغيرة منها لأنها تحقق تقدما في رسالتها العلمية عن ذلك الاكتئاب الجماعي الذي أشرنا إليه، فيخبرها الدكتور رامز (الذي لن يظهر إلا في هذه الحلقة) بأنها مثل شجرة "الجوافة" المثمرة، التي إن كانت ثمارها أكثر وأنضج تعرضت للقذف بالحجارة، وذلك مَثَل سائر في ثقافتنا، لكنك لن تدري لماذا الجوافة تحديدا، ولماذا لن تكون هذه "التيمة" هي محور المسلسل كله. أغلب الظن أن المخرج المؤلف مدحت السباعي قد كتب هذا العمل في الأصل للسينما، كفيلم تغلب فيه الروح الكوميدية، عن "المقالب" التي تدور بين الطبيبين النفسيين نجاتي وهالة، اللذين يعملان في مستشفى واحدة، لكن بسبب أحوال صناعة السينما الراكدة، تحول العمل إلى مسلسل تليفزيوني يبلغ ثلاثين حلقة بالتمام والكمال، وليس مهما أن بعض الحلقات لا تشهد أي أحداث جديدة، أو أنها تغرق في مشاهد حوارية لا تضيف شيئا، حيث تتبادل الشخصيات الحوار وهم جالسون على الأرائك، بما أضاف رتابة ومللا شديدين على المسلسل، الذي سوف يفقد في الأغلب كثيرا من متفرجيه بعد عدد قليل من الحلقات. القماشة الأساسية للمسلسل هي إذن أجواء المصحة النفسية، لكنك سوف تلحظ على الفور أن صورة الطبيب النفسي هنا هي ذاتها الصورة النمطية التي تتكرر في معظم أعمالنا، فهو أكثر اضطرابا من مرضاه، ويتعاطى الأدوية المهدئة بإفراط شديد، بل إن الدكتور نجاتي مثلا يخطط للتخلص من الدكتورة هالة، بأن يجعلها تفحص مريضا يصاب فجأة بنوازع تدفعه إلى القتل، لعل هذا المريض يقتلها في إحدى نوباته. كما أن هالة ذاتها تعيش خيالات مجسدة، تطعن فيها نجاتي لكي تتخلص منه. لكن بين الحين والآخر، سوف يعود الحديث عن موضوع "الاكتئاب الجماعي" إياه، واختفاء أخلاق الفروسية و"الجدعنة"، وبدلا من أن يلمس المسلسل – مجرد لمس – أسباب هذا المرض الاجتماعي، فإنه يختزله على نحو بالغ السخف والهزال، لذلك فإنه يقترح علاجا واحدا وحيدا له، وهو "الضحك". لكن المفارقة أن المسلسل برتابته لا يضحكنا على الإطلاق، وهو عندما يحاول ذلك يأتي ببعض إشارات وتلميحات وجمل دارت على الألسنة مؤخرا، في سخرية من بعض السياسيين الذين يرددونها، فالمريض النفسي بالرغبة في القتل (هاني رمزي)، والذي يظهر في حلقة أو اثنتين، يكرر عبارات مثل "فيه صوابع بتلعب"، أو "على علاقة مع ناسا"، أو "تعالي وأنا أقول لك فين"، وهي عبارات قد تثير ابتسامة عابرة، لكنها لن تترك في المتفرج أثرا عميقا يجعله أقرب إلى فهم هذا "الاكتئاب الجماعي" المشار إليه. من جانب آخر، سوف يخترع المسلسل جارا للبطلة هالة، هو سالم المبالغ في تدينه الشكلي، ويكون دوره هو ترديد بعض الآراء السطحية التي طفت على سطح المجتمع المصري مؤخرا، لكنه بدوره لن يترك في ذاكرة المتفرج لمحة باقية، حتى أنه يمكنك أن تحذف دوره، خاصة بسبب الأداء الباهت للممثل تامر عبد المنعم لهذه الشخصية. في الحقيقة أن أداء جميع الممثلين يعاني من مرض بات يهدد بعض تمثيلياتنا مؤخرا، وهو الخلط بين الكوميديا و"الفرسكة" أو التهريج، ذلك الخلط الذي انتقل إلى الكوميديا المصرية من خلال بعض المسلسلات السورية، بأداء يميل إلى المبالغة التي تؤدي في النهاية إلى فقدان مصداقية الشخصية. لقد ظهر ذلك على سبيل المثال منذ عامين في مسلسل "عايزة أتجوز"، الذي ربما أضحك بعض المشاهدين في عرضه الأول، لكنه لن يضحكهم في العروض التالية أبدا، بينما ما تزال هناك مسلسلات كوميدية قديمة تجذب المتفرج في عروضها المتوالية (مثل "حكاية ميزو")، لأنها كانت لا تتجاهل ذلك الفاصل الدقيق بين الأداء الكوميدي والتهريج. تأمل على سبيل المثال "نمرة" يفترض أنها مضحكة في "نظرية الجوافة"، حيث "يقف" – بالمعنى الحرفي للكلمة – كل من هالة ونجاتي، يجريان حوارا تليفزيونيا يمتد نصف ساعة كاملة، مع المذيعة اللامعة هالة سرحان، يتنافسان فيه فيما يبدو (أو هو كذلك بالفعل) أقرب إلى الحوار المرتجل، في مشهد هو في ذاته أقرب إلى الارتجال، يبدو أن المخرج المؤلف لجأ إليه لكي "يمط" الحلقات بالعافية!! ووسط كل هذا السرد المضطرب، الذي ليست له بداية أو نهاية، هناك حكاية عن رجل الأعمال بالغ الثراء رشدي (طارق التلمساني)، الذي يلجأ إلى هالة لتعالج ابنته المصابة بالاكتئاب، وعندما تنجح في ذلك يبني لها مصحة أضخم، تقرر أن تصحب إليها رئيسها وغريمها الدكتور نجاتي، لأنها في قرارة نفسها تحبه (!!)، لكي يحشر المسلسل في نصفه الثاني لقاءات عديدة بينهما، مثلما يحشر علاقة حب بين الطبيبين الشابين نوال (ناهد السباعي) وكمال (أمير شاهين)، اللذين يبدو أن سبب وجودهما الوحيد هنا أن الأولى ابنة المخرج المؤلف، والثاني شقيق البطلة النجمة. كثيرا ما سوف ترى مشاهد مبعثرة هنا وهناك، تارة لهالة وهي تحدث نفسها (تظهر إلهام شاهين بشخصيتين في نفس الكادر)، أو الحديث عن نجاح هالة في حل لغز بوليسي باستخدام علم النفس وتفسير الأحلام (!!)، أو ظهور العديد من الممثلين المشهورين كضيوف شرف، برغم أنه يمكنك أن تحذف دور أي منهم دون أن تفتقد شيئا، لينتهي المسلسل مثل الأفلام المصرية القديمة تماما، بمشهد طويل جدا لزفاف البطل والبطلة!! أين تيمة الاكتئاب الجماعي من ذلك كله؟ وما علاقة اسم "نظرية الجوافة" بكل هذا الخلط؟ أسئلة بلا إجابة، مثلما وضع المخرج المؤلف في الحلقة الثالثة مشهدا، كان الأجدر به أن يقلب الأحداث والشخصيات رأسا على عقب، لكن يبدو أن المخرج كتبه بشكل ارتجالي، ونسيه بشكل أكثر ارتجالا، حين ألقى للمتفرج تلميحا بأن هالة ونجاتي قاما في الأصل بتزوير شهادتي تخرجهما من كلية الطب!! لكن لا أثر بعد ذلك على الإطلاق لمثل تلك المفاجأة، فقد كان التصور الوحيد لدى المسلسل أنه يعالج الاكتئاب بما يفترض أنه الضحك، وإن كان الأكثر احتمالا أنه قد زاد من هذا الاكتئاب!!

Tuesday, October 01, 2013

يسرا لا تغادر مكانها في "نكدب لو قلنا ما بنحبش"


يعيش النجوم والنجمات اليوم أزمة حقيقية، فقد صنعوا نجوميتهم في سياق بات أثرا بعد عين، وحل سياق جديد ليس فيه مكان لنجوم تقليديين مثل يسرا أو نور الشريف، هؤلاء النجوم الذين احتلوا الشاشات الكبيرة والصغيرة حتى سنوات قليلة مضت. وبرغم ظهور نجوم الجيل الجديد، مثل أحمد السقا أو منى زكي على سبيل المثال، فإن نجوم الجيل الأقدم ظلوا يجدون لأنفسهم مكانا بجانبهم. وفجأة، حدثت أزمة طاحنة للسينما المصرية، واكبت أزمة أعمق وأخطر، وكانت في الحقيقة انعكاسا لها، وهي أن المجتمع المصري في حالة آلام مخاض طويل، لا يعرف أحد ما سوف ينتج عنه، لذلك وجد النجوم القدامى أنفسهم، بل الجيل التالي لهم أيضا، وقد فقدوا المساحة الواسعة التي كانوا يتمتعون بها، ولم يجد كل منهم حلا سوف أن يتمسك بالمساحة الصغيرة التي يقف عليها. وهذا بالضبط هو حال يسرا في مسلسلها الرمضاني لهذا العام "نكذب لو قلنا ما بنحبش"، فهي لا تغامر بالدخول إلى أرض جديدة، وتكاد أن تعيد تجسيد جزء كبير من ملامح الشخصية التي عرفت بها فى الآونة الأخيرة: إنسانة طيبة القلب، توزع حنانها على الجميع، برغم أنها تفتقد هذا الحنان، أو ما جاء بالضبط على لسان إحدى الشخصيات وهي تصفها: "شيالة حمول، وحلالة مشاكل لكل اللي حواليكي، بس قلبك قافل على كل المرار ده". وهكذا لم يتركك المسلسل لتخمن جوهر الشخصية، بل قام بالتصريح به، حتى لو كان ذلك يتناقض مع رهافة الكتابة الدرامية. مشكلة مسلسل "نكذب..." إذن أنك تشعر أحيانا أنك قد شاهدته من قبل على نحو ما، فلا تملك إلا واحدا من إحساسين: إما أن تحبه لوجود يسرا، أو أن تنصرف عنه لأنك لا تجد ما يشدك إليه. لكن هذا لا ينفي أن كاتبه تامر حبيب يتمتع بحق بمزيتين مهمتين، فهو بارع في تقديم ما يظهر على السطح أنه "تنويعة" من الشخصيات، بقدر براعته في كتابة حوار سلس تلقائي، لكن هناك عيبا أساسيا في معظم ما كتبه تامر حبيب للسينما أو التليفزيون، وهو أن هذه الشخصيات تفتقد العمق الحقيقي، لأنها تعيش في عالم منبت الصلة عن الواقع كما يعرفه المتفرج، عالم "معقم" يخلو من مشكلات الحياة اليومية المصرية، ويبدو منحصرا ومقتصرا على "حواديت" الحب والغرام. سوف تلمس ذلك على الفور مع المشهد الأول للمسلسل، حيث تعرف أن البطلة مريم (يسرا) تملك مطعما بالغ الفخامة، هو في الحقيقة أقرب إلى أن يكون "يوتوبيا" أو أرضا للأحلام، فالعاملون فيه يعيشون كأسرة واحدة، وزبائنه العجائز الأثرياء يبثون شكواهم عن وحدتهم في شيخوختهم إلى مريم، التي تعطيهم دائما أذنا صاغية، بل قد تبكي لحالهم أحيانا. وفي هذا المطعم سوف نشهد مجموعة من العاملين والعاملات، تتقاطع علاقاتهم العاطفية كثيرا، لكنها لا تصطدم في الأغلب إلا بمشكلات من نوعية رفض الأسرة النوبية أن يتزوج ابنها من خارجهم، أو الفتاة التي تسير في طريق ملتوٍ لأن زوج أمها يقسو عليها ويتحرش بها، بينما لا تجد في الأغلب من يشكو ضيق ذات اليد، وعدم قدرته على الزواج، كما لن تجد بالطبع "زبونا" واحدا أتى من خارج الطبقة الرفيعة لزبائن المطعم التقليديين. في القلب من هذا العالم نتعرف على مريم، الأم لثلاثة أبناء، والتي هجرها زوجها شريف (مصطفى فهمي) لكي يتزوج فتاة أصغر سنا بكثير، ومع ذلك فهو على علاقة صداقة بمريم، التي تبدو متسامحة، وإن كانت في قرارة نفسها تخفي مرارتها من زوج ترك لها مسئولية تربية الأبناء، ليشكو من بعد ذلك إهمالها له. ولسبب غامض ما تربط مريم علاقة صداقة حميمة باللبنانية دلال أو دوللي (ورد الخال)، وهي على طرف نقيض تماما من بطلتنا، فهي تعيش لتحقق ما تريد وليس ما يريد الآخرون، وسوف يكون لها تأثير عميق على الابنة ياسمين (أمينة خليل)، التي تصحو ذات يوم، بعد اكتشافها لحملها، مصممة على الطلاق من زوجها، دون أن يكون لذلك أي سبب مقنع على الإطلاق، سوى أنها تشعر فجأة أنها تكرهه فقط!! ماذا تعمل مثل هذه الشخصيات؟ دلال أو دوللي رسامة، والابنة ياسمين معلمة للعزف على آلة البيانو، والابن أدهم مذيع راديو، وهي كما ترى مهن لا علاقة لها بأعمال ربما تراها في حياتك اليومية، بل تبدو مقتبسة تماما من مسلسل أمريكي من نوعية "أوبرا الصابون"، مثل "بيتون بليس" أو "فالكون كريست"، حيث يعيش الناس في القصور، ولا يمارسون عملا محددا سوى تبادل العلاقات العاطفية المشبوبة، والدخول في حواديت الزواج والطلاق، والغيرة المتبادلة، والحيرة في اختيار الحبيب. ولعل تلك النوعية تلقى هوى عند متفرج يشعر بالسأم من حياته اليومية الشاقة والجافة، لكن لعلها أيضا تدفع متفرجا آخر للتساؤل حول علاقته هو شخصيا بهذا العالم، وما هو المطلوب منه لكي يتوحد أو حتى يتعاطف مع ما يراه من شخصيات وأحداث. لن يحدث في هذا العالم شيء "حقيقي" جديد، مع أنه يحتشد بأحداث ليست في التحليل الأخير إلا عشوائية من الناحية الدرامية، فالمؤلف يستطيع مثلا أن يوقع على رأس الابن أدهم كارثة، عندما تصاب محبوبته بالسرطان وتموت، لكن ما علاقة ذلك بالتيمة المحورية للعمل؟ كما أنك بهذا المنطق تستطيع أن تأخذ الأحداث في أي اتجاه، ونفترض مثلا أن هناك علاجا للحبيبة ينقذها في اللحظة الأخيرة، لكن هذا لا يحدث على أي حال، بينما يأتي ما هو متوقع منذ البداية: أن تقع البطلة مريم في حب جديد. ويأتي هذا الحب عندما تلتقي في لبنان بالصدفة مع "ساحر النساء" كما تصفه الصديقة دلال، وهو مروان (رفيق علي) الطبيب المشهور، والذي يعيش حياة تظهر على السطح كأنها تخلو من الهموم، لكنه يخفي بدوره هما "ميلودراميا" آخر، لا ندري ما علاقته بكل ما نراه، سوى أن يزيد "توابل" العمل التي يفترض أنها سوف تدفعك إلى البكاء: إن لرفيق ابنا شابا مشلولا يصاحبه في كل مكان!! وهكذا تمتزج حواديت الأفلام الهندية بالدراما التليفزيونية الأمريكية، في "طبق" قد تراه باعثا على إثارة الشهية في بعض اللحظات، لكنك تكتشف في النهاية أن لا يسمن أبدا من جوع. وإذا كان الطبيب رفيق سوف يمثل الحجر المصطنع الذي أُلقي في بحيرة مريم الراكدة، فهناك حجر آخر أكثر اصطناعا يتمثل في علاقة الحب الجديدة، التي تدخلها الابنة ياسمين، مع ابن الأحياء الشعبية أسامة (محمد سلام)، والذي سوف تبهرهم تلقائيته وبساطته كأنه جاء من الفضاء الخارجي، وليس من الكتلة الأكبر للمجتمع المصري. ويضع المسلسل على لسان البطلة مريم جملة ترحب بها بهذا الوافد الجديد: "أنت أجمل حاجة بتحصل لنا في الأيام السودا اللي عايشينها دي"!! وإذا كان لنا أن نؤكد على جودة التمثيل بشكل عام، وهي الظاهرة التي تبدو مكسبا وحيدا للدراما التليفزيونية المصرية، في دخول عشرات من أبناء جيل جديد من الممثلين إلى هذه الساحة، فإن الإخراج التقليدي الذي قامت به غادة سليم قد أدى إلى خفوت هذا العنصر المهم، فأغلب الحوارات تدور على المقاعد، أو في صالات ممارسة سيدات المجتمع الراقي للرياضة، أو في مكاتب عالم "البيزنس"، أو في القصور الفارهة التي تدور فيها أغلب الأحداث. وهكذا فإن المحصلة النهائية لهذا المسلسل هي أن يسرا لم تكسب أرضا جديدة، لكن ذلك قد يعني أيضا أنها ربما خسرت جانبا من رصيدها الجماهيري القديم.

Thursday, September 26, 2013

الموسيقى والقرآن.... بين نشاز الحذيفى وإتقان السيوطى


سوف تظل الموسيقى العربية بخير ما دام هناك قراء يجيدون تلاوة القرآن، وسوف تظل مصر تحمل لواء الموسيقى العربية ما دام يولد فيها كل يوم بعض من أشهر قراء القرآن فى العالم الإسلامى كله. هذا ما كنا نؤمن به دائما كما سمعناه على ألسنة المتخصصين فى الموسيقى العربية، وكما أكدته ألحان العديد من الملحنين المصريين الكبار الذين يحملون لقب "شيخ"، لأنهم أتوا من عالم تلاوة القرآن والإنشاد الدينى، مثل سيد درويش وزكريا أحمد وسيد مكاوى، بل إنك لا تستطيع أن تخطئ تأثير تلاوة القرآن فى بعض ألحان عبد الوهاب الذى رفع لواء إلباس الموسيقى العربية ثياب الأفندية والخواجات. ولتجرب أن تستمع إلى غنائه لقصيدة "يا جارة الوادى" بعد أن تنحى الآلات الموسيقية جانبا، أو أن تجرد قصيدة "جفنه علم الغزل" من إيقاع الرومبا، وسوف تكتشف المحاكاة – إن لم تكن المطابقة – لأساليب تلاوة القرآن. فجأة ذهبت الموسيقى العربية فى مصر أدراج الرياح، ولم يبق منها إلا ظل باهت يضيع فى صخب الإيقاعات شديدة السذاجة والبدائية، وأصبحنا نشكو من فقدان الهوية وافتقاد المتعة، ولم يخطر ببالنا أن السبب الحقيقى وراء ذلك هو انتشار تلاوة المصحف بالطريقة السعودية، أو بالأحرى انتشار التيارات السلفية الزائفة القادمة من بلاد النفط، التى زرعت فى وجدان شريحة كبيرة من الجماهير تلك الفكرة المشوهة بأن التلاوة "الشرعية" للقرآن، أو رفع أذان الصلاة، هى تلك التى تخلو من أى مسحة من الجمال، وتنكر تماما علاقة القرآن بالموسيقى، حتى بات من يحاول إثبات هذه العلاقة قريبا من الاتهام بارتكاب الكبائر. لكن الغريب أن هناك محاولات جادة لتأصيل هذه العلاقة، كادت أن تضيع فى زوايا النسيان، ومن بين هذه المحاولات دراسة الأستاذ المحقق عبد الوهاب حموده، التى نشرها فى أبريل 1948 فى مجلة "الموسيقى والمسرح"، التى كان يصدرها الدكتور محمود الحفنى. وهى الدراسة التى تعتمد على مصادر تراثية يعتبرها السلفيون بعض عدتهم، مثل "الإتقان فى علوم القرآن" للشيخ السيوطى. وفى مقدمة دراسته يضع عبد الوهاب حموده الأساس الذى ينطلق منه، وهو أن "بين القرآن الكريم والموسيقى صلة وثيقة، وعلاقة متينة، تشيع فى ألفاظه، وتتمثل فى أسلوبه وبلاغته، قصد القرآن إليها قصدا... فكانت له غرضا نبيلا... ليبلغ بها التأثير الروحانى والإقناع الوجدانى"، كما يؤصل العلاقة بين اللغة والموسيقى، فإن "اللغة كلها مركبة من حروف، والحروف منها متحركات ومنها سواكن، وهنا تلتقى الموسيقى باللغة... فالحروف فى اللغة تقابلها النقرات والإيقاعات، والألفاظ يقابلها النغمات، والكلام يقابله اللحن – أو الصوت على حد تعبير كتاب الأغانى للأصفهانى". وعلماء التجويد يعلمون أسرار هذه العلاقة بين اللغة والموسيقى، "فألف المد تكون تارة ذات صوت ضخم مفخم، كما فى صال وطال، وتارة تكون ذات صوت رقيق كما فى باع وفاه... وتختلف الأصوات اللغوية أيضا من حيث الشدة والرخاوة، فالطاء والدال والراء والقاف حروف شديدة لا تخرج إلا بعد الضغط عليها... أما الذال والثاء والظاء مثلا فهى حروف لينة رخوة". وبعد هذه المقدمة الفنية الضرورية، نقول – والكلام على لسان المحقق – إن القرآن الكريم أظهر ما تبرز موسيقاه فى فواصله، "والفاصلة هى آخر الآية، كقافية الشعر وقرينة السجع، وفى مقاطع آياته"، ويضرب على ذلك أمثلة عديدة، من بينها "زيادة حرف لا موجب له إلا الحفاظ على الموسيقى، مثل قوله تعالى فى سورة الأحزاب "وتظنون بالله الظنونا"، و"ياليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا"، و"فأضلونا السبيلا"، فألف المد هنا لا تتفق مع صحيح اللغة، حيث أنها لا تأتى مع (الـ) التعريف، لكن هكذا اقتضت موسيقى اللغة. على النقيض يحتوى القرآن على حذف لبعض الحروف لتحقيق وحدة الإيقاع الموسيقى، مثل قوله تعالى "أكرمن" و"أهانن" بحذف ياء المتكلم، أو حذف ياء المنقوص (وهى حرف أساسى فى بناء الكلمة) مثل قوله تعالى "عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال" بدلا من "المتعالى"، وحذف ياء الفعل غير المجزوم مثل "والفجر، وليال عشر، والشفع والوتر، والليل إذا يسر" بدلا من "يسرى". ولننظر إلى "تقديم ما هو متأخر فى الزمان نحو قوله تعالى "فلله الآخرة والأولى" بدلا من "الأولى والآخرة"، لندرك ما رمى إليه السيوطى فى ملاحظته عن أن القرآن الكريم يكثر فيه "ختم الفواصل بحروف المد واللين... وحكمته وجود التمكن فى التطريب بذلك". ويضع المحقق يده على تفسير السيوطى لما جاء فى فواتح السور من حروف المعجم، وينقل عنه قوله "فسورة (ق) قد بدأت بهذا الحرف خاصة لما تكرر فيها من الكلمات بلفظ القاف"، كما يضيف المحقق "وقد عددت القافات فى السورة فوجدتها 57 مع أن آياتها 45"، وفى سورة (ن) تكرر هذا الحرف 124 مرة وآياتها 52، وجميع فواصل هذه الآيات تنتهى بحرف النون، إلا عشر آيات تنتهى بحرف الميم، وهذان الحرفان متقاربان موسيقيا. بل إن المحقق يصل إلى نتيجة شديدة الوضوح: "إن موسيقى القرآن ليست وقفا على فواصله، واتزان مقاطعه، وإنما هى شائعة فى كل كلمة من كلماته وفى كل جملة من جمله، فإذا كان المقام إنذارا ووعيدا... نرى ألفاظه جزلة متينة، ودويا وطنينا، فتصل الأسماع وتهز القلوب وتزلزل الأقدام.. مثل قوله تهالى "فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم"... وقوله تعالى "فخذوه فغلوه، ثم الجحيم صلوه، ثم فى سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه"... وقوله تعالى "فكبكبوا فيها هم والغاوون"... فإذا انتقلت إلى وصف المتقين، والحديث عن أهل الجنة ونعيمها، وجدت ألفاظا رقيقة النغم، مثل قوله تعالى "وجوه يومئذ ناعمة، لسعيها راضية، فى جنة عالية، لا تسمع فيها لاغية". إن ما يثير فى النفس غصة، وفى العقل شكا وارتيابا، أن البعض ممن يزعمون السلفية يتعامون جهلا أو عمدا، عن الجانب الإنسانى الجميل من التراث، ولا يبقون منه إلا على ما يجعل الحياة قاتمة كابية. ولقد أدرك الشعب المصرى – الذى يؤكد دائما أن "الذوق ما خرجش من مصر" – وبفطنته الفطرية، ما فى القرآن الكريم من تأثير موسيقى شديد العمق، فأنجب أجيالا عديدة من المقرئين المجيدين، ووضع أسس الموسيقى العربية فى طرق التلاوة. والخوف كل الخوف من أن ينجح الشيخ الحذيفى ومن هم على شاكلته، فى أن يردموا هذا التراث، عندئذ لن يبقى لنا إلا أن نتقبل العزاء، ليس فى الموسيقى العربية وحدها، وإنما فى جانب مهم من وجدان هذا الشعب.