Tuesday, October 08, 2013

إلهام شاهين... في مستشفى المجانين


هناك من الأعمال الدرامية التلفزيونية الدرامية ما لا يستحق عناء التوقف عنده كثيرا، لولا ارتباط هذا العمل أو ذاك بنجم أو نجمة. ومن الأمثلة الصارخة على ذلك ما شهدناه هذا العام في المسلسل "الرمضاني" المسمى "نظرية الجوافة"، والذي قامت ببطولته "النجمة" إلهام شاهين، التي لا تستمد أهميتها الراهنة من أعمالها السابقة فقط، خاصة أفلام مثل "يا دنيا يا غرامي" أو "واحد صفر"، وإنما أيضا لارتباطها ببعض القضايا الساخنة التي شهدتها الساحة السياسية المصرية مؤخرا، مما جعل البعض يتنبأ ويتصور أن مسلسلها الأخير هذا سوف يتماس بشكل أو بآخر مع هذه الأحداث. لكن سوف يخيب ظن المتفرج إلى حد كبير، فلن يلمس مسلسل "نظرية الجوافة" هذا الواقع إلا ببعض "إفيهات" هناك وهناك، أو الحديث عن حالة "اكتئاب جماعي" أصابت معظم المصريين في الآونة الأخيرة، وحولتهم إلى كائنات تجمع على نحو غريب بين البلادة والعدوانية. وتلك بلا شك ملاحظة بالغة الأهمية، كانت تستحق بالفعل أن تكون هي جوهر العمل الذي كتبه وأخرجه مدحت السباعي، لكن ذلك كله أتى في شكل جمل حوار عابرة، أما "الحبكة" الرئيسية – إن كان هناك حقا ما يستحق أن يحمل هذا الاسم – فتعتمد على "شطحة" أخرى من شطحات المخرج المؤلف، الذي بدأ حياته بفيلم من هذا النوع، هو "وقيدت ضد مجهول"، عن سرقة الهرم الأكبر دون أن يتحقق أي نجاح في الكشف عن اللص، بل إن الأمر ينذر بسرقات أخرى أفدح وأخطر. دعنا في البداية نلقي نظرة على عالم "نظرية الجوافة"، لكن فلأوضح لك أولا أن هذا الاسم لن يعني شيئا على الإطلاق، برغم أنه جاء في الحلقة الأولى على لسان الطبيب النفسي رمزي رامز (أشرف عبد الباقي)، الذي ذهبت إليه البطلة هالة (إلهام شاهين)، وهي ذاتها طبيبة نفسية، تشكو من القمع الذي يمارسه عليها رئيسها في العمل الدكتور نجاتي (فتحي عبد الوهاب)، لأنه يشعر بالغيرة منها لأنها تحقق تقدما في رسالتها العلمية عن ذلك الاكتئاب الجماعي الذي أشرنا إليه، فيخبرها الدكتور رامز (الذي لن يظهر إلا في هذه الحلقة) بأنها مثل شجرة "الجوافة" المثمرة، التي إن كانت ثمارها أكثر وأنضج تعرضت للقذف بالحجارة، وذلك مَثَل سائر في ثقافتنا، لكنك لن تدري لماذا الجوافة تحديدا، ولماذا لن تكون هذه "التيمة" هي محور المسلسل كله. أغلب الظن أن المخرج المؤلف مدحت السباعي قد كتب هذا العمل في الأصل للسينما، كفيلم تغلب فيه الروح الكوميدية، عن "المقالب" التي تدور بين الطبيبين النفسيين نجاتي وهالة، اللذين يعملان في مستشفى واحدة، لكن بسبب أحوال صناعة السينما الراكدة، تحول العمل إلى مسلسل تليفزيوني يبلغ ثلاثين حلقة بالتمام والكمال، وليس مهما أن بعض الحلقات لا تشهد أي أحداث جديدة، أو أنها تغرق في مشاهد حوارية لا تضيف شيئا، حيث تتبادل الشخصيات الحوار وهم جالسون على الأرائك، بما أضاف رتابة ومللا شديدين على المسلسل، الذي سوف يفقد في الأغلب كثيرا من متفرجيه بعد عدد قليل من الحلقات. القماشة الأساسية للمسلسل هي إذن أجواء المصحة النفسية، لكنك سوف تلحظ على الفور أن صورة الطبيب النفسي هنا هي ذاتها الصورة النمطية التي تتكرر في معظم أعمالنا، فهو أكثر اضطرابا من مرضاه، ويتعاطى الأدوية المهدئة بإفراط شديد، بل إن الدكتور نجاتي مثلا يخطط للتخلص من الدكتورة هالة، بأن يجعلها تفحص مريضا يصاب فجأة بنوازع تدفعه إلى القتل، لعل هذا المريض يقتلها في إحدى نوباته. كما أن هالة ذاتها تعيش خيالات مجسدة، تطعن فيها نجاتي لكي تتخلص منه. لكن بين الحين والآخر، سوف يعود الحديث عن موضوع "الاكتئاب الجماعي" إياه، واختفاء أخلاق الفروسية و"الجدعنة"، وبدلا من أن يلمس المسلسل – مجرد لمس – أسباب هذا المرض الاجتماعي، فإنه يختزله على نحو بالغ السخف والهزال، لذلك فإنه يقترح علاجا واحدا وحيدا له، وهو "الضحك". لكن المفارقة أن المسلسل برتابته لا يضحكنا على الإطلاق، وهو عندما يحاول ذلك يأتي ببعض إشارات وتلميحات وجمل دارت على الألسنة مؤخرا، في سخرية من بعض السياسيين الذين يرددونها، فالمريض النفسي بالرغبة في القتل (هاني رمزي)، والذي يظهر في حلقة أو اثنتين، يكرر عبارات مثل "فيه صوابع بتلعب"، أو "على علاقة مع ناسا"، أو "تعالي وأنا أقول لك فين"، وهي عبارات قد تثير ابتسامة عابرة، لكنها لن تترك في المتفرج أثرا عميقا يجعله أقرب إلى فهم هذا "الاكتئاب الجماعي" المشار إليه. من جانب آخر، سوف يخترع المسلسل جارا للبطلة هالة، هو سالم المبالغ في تدينه الشكلي، ويكون دوره هو ترديد بعض الآراء السطحية التي طفت على سطح المجتمع المصري مؤخرا، لكنه بدوره لن يترك في ذاكرة المتفرج لمحة باقية، حتى أنه يمكنك أن تحذف دوره، خاصة بسبب الأداء الباهت للممثل تامر عبد المنعم لهذه الشخصية. في الحقيقة أن أداء جميع الممثلين يعاني من مرض بات يهدد بعض تمثيلياتنا مؤخرا، وهو الخلط بين الكوميديا و"الفرسكة" أو التهريج، ذلك الخلط الذي انتقل إلى الكوميديا المصرية من خلال بعض المسلسلات السورية، بأداء يميل إلى المبالغة التي تؤدي في النهاية إلى فقدان مصداقية الشخصية. لقد ظهر ذلك على سبيل المثال منذ عامين في مسلسل "عايزة أتجوز"، الذي ربما أضحك بعض المشاهدين في عرضه الأول، لكنه لن يضحكهم في العروض التالية أبدا، بينما ما تزال هناك مسلسلات كوميدية قديمة تجذب المتفرج في عروضها المتوالية (مثل "حكاية ميزو")، لأنها كانت لا تتجاهل ذلك الفاصل الدقيق بين الأداء الكوميدي والتهريج. تأمل على سبيل المثال "نمرة" يفترض أنها مضحكة في "نظرية الجوافة"، حيث "يقف" – بالمعنى الحرفي للكلمة – كل من هالة ونجاتي، يجريان حوارا تليفزيونيا يمتد نصف ساعة كاملة، مع المذيعة اللامعة هالة سرحان، يتنافسان فيه فيما يبدو (أو هو كذلك بالفعل) أقرب إلى الحوار المرتجل، في مشهد هو في ذاته أقرب إلى الارتجال، يبدو أن المخرج المؤلف لجأ إليه لكي "يمط" الحلقات بالعافية!! ووسط كل هذا السرد المضطرب، الذي ليست له بداية أو نهاية، هناك حكاية عن رجل الأعمال بالغ الثراء رشدي (طارق التلمساني)، الذي يلجأ إلى هالة لتعالج ابنته المصابة بالاكتئاب، وعندما تنجح في ذلك يبني لها مصحة أضخم، تقرر أن تصحب إليها رئيسها وغريمها الدكتور نجاتي، لأنها في قرارة نفسها تحبه (!!)، لكي يحشر المسلسل في نصفه الثاني لقاءات عديدة بينهما، مثلما يحشر علاقة حب بين الطبيبين الشابين نوال (ناهد السباعي) وكمال (أمير شاهين)، اللذين يبدو أن سبب وجودهما الوحيد هنا أن الأولى ابنة المخرج المؤلف، والثاني شقيق البطلة النجمة. كثيرا ما سوف ترى مشاهد مبعثرة هنا وهناك، تارة لهالة وهي تحدث نفسها (تظهر إلهام شاهين بشخصيتين في نفس الكادر)، أو الحديث عن نجاح هالة في حل لغز بوليسي باستخدام علم النفس وتفسير الأحلام (!!)، أو ظهور العديد من الممثلين المشهورين كضيوف شرف، برغم أنه يمكنك أن تحذف دور أي منهم دون أن تفتقد شيئا، لينتهي المسلسل مثل الأفلام المصرية القديمة تماما، بمشهد طويل جدا لزفاف البطل والبطلة!! أين تيمة الاكتئاب الجماعي من ذلك كله؟ وما علاقة اسم "نظرية الجوافة" بكل هذا الخلط؟ أسئلة بلا إجابة، مثلما وضع المخرج المؤلف في الحلقة الثالثة مشهدا، كان الأجدر به أن يقلب الأحداث والشخصيات رأسا على عقب، لكن يبدو أن المخرج كتبه بشكل ارتجالي، ونسيه بشكل أكثر ارتجالا، حين ألقى للمتفرج تلميحا بأن هالة ونجاتي قاما في الأصل بتزوير شهادتي تخرجهما من كلية الطب!! لكن لا أثر بعد ذلك على الإطلاق لمثل تلك المفاجأة، فقد كان التصور الوحيد لدى المسلسل أنه يعالج الاكتئاب بما يفترض أنه الضحك، وإن كان الأكثر احتمالا أنه قد زاد من هذا الاكتئاب!!

Tuesday, October 01, 2013

يسرا لا تغادر مكانها في "نكدب لو قلنا ما بنحبش"


يعيش النجوم والنجمات اليوم أزمة حقيقية، فقد صنعوا نجوميتهم في سياق بات أثرا بعد عين، وحل سياق جديد ليس فيه مكان لنجوم تقليديين مثل يسرا أو نور الشريف، هؤلاء النجوم الذين احتلوا الشاشات الكبيرة والصغيرة حتى سنوات قليلة مضت. وبرغم ظهور نجوم الجيل الجديد، مثل أحمد السقا أو منى زكي على سبيل المثال، فإن نجوم الجيل الأقدم ظلوا يجدون لأنفسهم مكانا بجانبهم. وفجأة، حدثت أزمة طاحنة للسينما المصرية، واكبت أزمة أعمق وأخطر، وكانت في الحقيقة انعكاسا لها، وهي أن المجتمع المصري في حالة آلام مخاض طويل، لا يعرف أحد ما سوف ينتج عنه، لذلك وجد النجوم القدامى أنفسهم، بل الجيل التالي لهم أيضا، وقد فقدوا المساحة الواسعة التي كانوا يتمتعون بها، ولم يجد كل منهم حلا سوف أن يتمسك بالمساحة الصغيرة التي يقف عليها. وهذا بالضبط هو حال يسرا في مسلسلها الرمضاني لهذا العام "نكذب لو قلنا ما بنحبش"، فهي لا تغامر بالدخول إلى أرض جديدة، وتكاد أن تعيد تجسيد جزء كبير من ملامح الشخصية التي عرفت بها فى الآونة الأخيرة: إنسانة طيبة القلب، توزع حنانها على الجميع، برغم أنها تفتقد هذا الحنان، أو ما جاء بالضبط على لسان إحدى الشخصيات وهي تصفها: "شيالة حمول، وحلالة مشاكل لكل اللي حواليكي، بس قلبك قافل على كل المرار ده". وهكذا لم يتركك المسلسل لتخمن جوهر الشخصية، بل قام بالتصريح به، حتى لو كان ذلك يتناقض مع رهافة الكتابة الدرامية. مشكلة مسلسل "نكذب..." إذن أنك تشعر أحيانا أنك قد شاهدته من قبل على نحو ما، فلا تملك إلا واحدا من إحساسين: إما أن تحبه لوجود يسرا، أو أن تنصرف عنه لأنك لا تجد ما يشدك إليه. لكن هذا لا ينفي أن كاتبه تامر حبيب يتمتع بحق بمزيتين مهمتين، فهو بارع في تقديم ما يظهر على السطح أنه "تنويعة" من الشخصيات، بقدر براعته في كتابة حوار سلس تلقائي، لكن هناك عيبا أساسيا في معظم ما كتبه تامر حبيب للسينما أو التليفزيون، وهو أن هذه الشخصيات تفتقد العمق الحقيقي، لأنها تعيش في عالم منبت الصلة عن الواقع كما يعرفه المتفرج، عالم "معقم" يخلو من مشكلات الحياة اليومية المصرية، ويبدو منحصرا ومقتصرا على "حواديت" الحب والغرام. سوف تلمس ذلك على الفور مع المشهد الأول للمسلسل، حيث تعرف أن البطلة مريم (يسرا) تملك مطعما بالغ الفخامة، هو في الحقيقة أقرب إلى أن يكون "يوتوبيا" أو أرضا للأحلام، فالعاملون فيه يعيشون كأسرة واحدة، وزبائنه العجائز الأثرياء يبثون شكواهم عن وحدتهم في شيخوختهم إلى مريم، التي تعطيهم دائما أذنا صاغية، بل قد تبكي لحالهم أحيانا. وفي هذا المطعم سوف نشهد مجموعة من العاملين والعاملات، تتقاطع علاقاتهم العاطفية كثيرا، لكنها لا تصطدم في الأغلب إلا بمشكلات من نوعية رفض الأسرة النوبية أن يتزوج ابنها من خارجهم، أو الفتاة التي تسير في طريق ملتوٍ لأن زوج أمها يقسو عليها ويتحرش بها، بينما لا تجد في الأغلب من يشكو ضيق ذات اليد، وعدم قدرته على الزواج، كما لن تجد بالطبع "زبونا" واحدا أتى من خارج الطبقة الرفيعة لزبائن المطعم التقليديين. في القلب من هذا العالم نتعرف على مريم، الأم لثلاثة أبناء، والتي هجرها زوجها شريف (مصطفى فهمي) لكي يتزوج فتاة أصغر سنا بكثير، ومع ذلك فهو على علاقة صداقة بمريم، التي تبدو متسامحة، وإن كانت في قرارة نفسها تخفي مرارتها من زوج ترك لها مسئولية تربية الأبناء، ليشكو من بعد ذلك إهمالها له. ولسبب غامض ما تربط مريم علاقة صداقة حميمة باللبنانية دلال أو دوللي (ورد الخال)، وهي على طرف نقيض تماما من بطلتنا، فهي تعيش لتحقق ما تريد وليس ما يريد الآخرون، وسوف يكون لها تأثير عميق على الابنة ياسمين (أمينة خليل)، التي تصحو ذات يوم، بعد اكتشافها لحملها، مصممة على الطلاق من زوجها، دون أن يكون لذلك أي سبب مقنع على الإطلاق، سوى أنها تشعر فجأة أنها تكرهه فقط!! ماذا تعمل مثل هذه الشخصيات؟ دلال أو دوللي رسامة، والابنة ياسمين معلمة للعزف على آلة البيانو، والابن أدهم مذيع راديو، وهي كما ترى مهن لا علاقة لها بأعمال ربما تراها في حياتك اليومية، بل تبدو مقتبسة تماما من مسلسل أمريكي من نوعية "أوبرا الصابون"، مثل "بيتون بليس" أو "فالكون كريست"، حيث يعيش الناس في القصور، ولا يمارسون عملا محددا سوى تبادل العلاقات العاطفية المشبوبة، والدخول في حواديت الزواج والطلاق، والغيرة المتبادلة، والحيرة في اختيار الحبيب. ولعل تلك النوعية تلقى هوى عند متفرج يشعر بالسأم من حياته اليومية الشاقة والجافة، لكن لعلها أيضا تدفع متفرجا آخر للتساؤل حول علاقته هو شخصيا بهذا العالم، وما هو المطلوب منه لكي يتوحد أو حتى يتعاطف مع ما يراه من شخصيات وأحداث. لن يحدث في هذا العالم شيء "حقيقي" جديد، مع أنه يحتشد بأحداث ليست في التحليل الأخير إلا عشوائية من الناحية الدرامية، فالمؤلف يستطيع مثلا أن يوقع على رأس الابن أدهم كارثة، عندما تصاب محبوبته بالسرطان وتموت، لكن ما علاقة ذلك بالتيمة المحورية للعمل؟ كما أنك بهذا المنطق تستطيع أن تأخذ الأحداث في أي اتجاه، ونفترض مثلا أن هناك علاجا للحبيبة ينقذها في اللحظة الأخيرة، لكن هذا لا يحدث على أي حال، بينما يأتي ما هو متوقع منذ البداية: أن تقع البطلة مريم في حب جديد. ويأتي هذا الحب عندما تلتقي في لبنان بالصدفة مع "ساحر النساء" كما تصفه الصديقة دلال، وهو مروان (رفيق علي) الطبيب المشهور، والذي يعيش حياة تظهر على السطح كأنها تخلو من الهموم، لكنه يخفي بدوره هما "ميلودراميا" آخر، لا ندري ما علاقته بكل ما نراه، سوى أن يزيد "توابل" العمل التي يفترض أنها سوف تدفعك إلى البكاء: إن لرفيق ابنا شابا مشلولا يصاحبه في كل مكان!! وهكذا تمتزج حواديت الأفلام الهندية بالدراما التليفزيونية الأمريكية، في "طبق" قد تراه باعثا على إثارة الشهية في بعض اللحظات، لكنك تكتشف في النهاية أن لا يسمن أبدا من جوع. وإذا كان الطبيب رفيق سوف يمثل الحجر المصطنع الذي أُلقي في بحيرة مريم الراكدة، فهناك حجر آخر أكثر اصطناعا يتمثل في علاقة الحب الجديدة، التي تدخلها الابنة ياسمين، مع ابن الأحياء الشعبية أسامة (محمد سلام)، والذي سوف تبهرهم تلقائيته وبساطته كأنه جاء من الفضاء الخارجي، وليس من الكتلة الأكبر للمجتمع المصري. ويضع المسلسل على لسان البطلة مريم جملة ترحب بها بهذا الوافد الجديد: "أنت أجمل حاجة بتحصل لنا في الأيام السودا اللي عايشينها دي"!! وإذا كان لنا أن نؤكد على جودة التمثيل بشكل عام، وهي الظاهرة التي تبدو مكسبا وحيدا للدراما التليفزيونية المصرية، في دخول عشرات من أبناء جيل جديد من الممثلين إلى هذه الساحة، فإن الإخراج التقليدي الذي قامت به غادة سليم قد أدى إلى خفوت هذا العنصر المهم، فأغلب الحوارات تدور على المقاعد، أو في صالات ممارسة سيدات المجتمع الراقي للرياضة، أو في مكاتب عالم "البيزنس"، أو في القصور الفارهة التي تدور فيها أغلب الأحداث. وهكذا فإن المحصلة النهائية لهذا المسلسل هي أن يسرا لم تكسب أرضا جديدة، لكن ذلك قد يعني أيضا أنها ربما خسرت جانبا من رصيدها الجماهيري القديم.

Thursday, September 26, 2013

الموسيقى والقرآن.... بين نشاز الحذيفى وإتقان السيوطى


سوف تظل الموسيقى العربية بخير ما دام هناك قراء يجيدون تلاوة القرآن، وسوف تظل مصر تحمل لواء الموسيقى العربية ما دام يولد فيها كل يوم بعض من أشهر قراء القرآن فى العالم الإسلامى كله. هذا ما كنا نؤمن به دائما كما سمعناه على ألسنة المتخصصين فى الموسيقى العربية، وكما أكدته ألحان العديد من الملحنين المصريين الكبار الذين يحملون لقب "شيخ"، لأنهم أتوا من عالم تلاوة القرآن والإنشاد الدينى، مثل سيد درويش وزكريا أحمد وسيد مكاوى، بل إنك لا تستطيع أن تخطئ تأثير تلاوة القرآن فى بعض ألحان عبد الوهاب الذى رفع لواء إلباس الموسيقى العربية ثياب الأفندية والخواجات. ولتجرب أن تستمع إلى غنائه لقصيدة "يا جارة الوادى" بعد أن تنحى الآلات الموسيقية جانبا، أو أن تجرد قصيدة "جفنه علم الغزل" من إيقاع الرومبا، وسوف تكتشف المحاكاة – إن لم تكن المطابقة – لأساليب تلاوة القرآن. فجأة ذهبت الموسيقى العربية فى مصر أدراج الرياح، ولم يبق منها إلا ظل باهت يضيع فى صخب الإيقاعات شديدة السذاجة والبدائية، وأصبحنا نشكو من فقدان الهوية وافتقاد المتعة، ولم يخطر ببالنا أن السبب الحقيقى وراء ذلك هو انتشار تلاوة المصحف بالطريقة السعودية، أو بالأحرى انتشار التيارات السلفية الزائفة القادمة من بلاد النفط، التى زرعت فى وجدان شريحة كبيرة من الجماهير تلك الفكرة المشوهة بأن التلاوة "الشرعية" للقرآن، أو رفع أذان الصلاة، هى تلك التى تخلو من أى مسحة من الجمال، وتنكر تماما علاقة القرآن بالموسيقى، حتى بات من يحاول إثبات هذه العلاقة قريبا من الاتهام بارتكاب الكبائر. لكن الغريب أن هناك محاولات جادة لتأصيل هذه العلاقة، كادت أن تضيع فى زوايا النسيان، ومن بين هذه المحاولات دراسة الأستاذ المحقق عبد الوهاب حموده، التى نشرها فى أبريل 1948 فى مجلة "الموسيقى والمسرح"، التى كان يصدرها الدكتور محمود الحفنى. وهى الدراسة التى تعتمد على مصادر تراثية يعتبرها السلفيون بعض عدتهم، مثل "الإتقان فى علوم القرآن" للشيخ السيوطى. وفى مقدمة دراسته يضع عبد الوهاب حموده الأساس الذى ينطلق منه، وهو أن "بين القرآن الكريم والموسيقى صلة وثيقة، وعلاقة متينة، تشيع فى ألفاظه، وتتمثل فى أسلوبه وبلاغته، قصد القرآن إليها قصدا... فكانت له غرضا نبيلا... ليبلغ بها التأثير الروحانى والإقناع الوجدانى"، كما يؤصل العلاقة بين اللغة والموسيقى، فإن "اللغة كلها مركبة من حروف، والحروف منها متحركات ومنها سواكن، وهنا تلتقى الموسيقى باللغة... فالحروف فى اللغة تقابلها النقرات والإيقاعات، والألفاظ يقابلها النغمات، والكلام يقابله اللحن – أو الصوت على حد تعبير كتاب الأغانى للأصفهانى". وعلماء التجويد يعلمون أسرار هذه العلاقة بين اللغة والموسيقى، "فألف المد تكون تارة ذات صوت ضخم مفخم، كما فى صال وطال، وتارة تكون ذات صوت رقيق كما فى باع وفاه... وتختلف الأصوات اللغوية أيضا من حيث الشدة والرخاوة، فالطاء والدال والراء والقاف حروف شديدة لا تخرج إلا بعد الضغط عليها... أما الذال والثاء والظاء مثلا فهى حروف لينة رخوة". وبعد هذه المقدمة الفنية الضرورية، نقول – والكلام على لسان المحقق – إن القرآن الكريم أظهر ما تبرز موسيقاه فى فواصله، "والفاصلة هى آخر الآية، كقافية الشعر وقرينة السجع، وفى مقاطع آياته"، ويضرب على ذلك أمثلة عديدة، من بينها "زيادة حرف لا موجب له إلا الحفاظ على الموسيقى، مثل قوله تعالى فى سورة الأحزاب "وتظنون بالله الظنونا"، و"ياليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا"، و"فأضلونا السبيلا"، فألف المد هنا لا تتفق مع صحيح اللغة، حيث أنها لا تأتى مع (الـ) التعريف، لكن هكذا اقتضت موسيقى اللغة. على النقيض يحتوى القرآن على حذف لبعض الحروف لتحقيق وحدة الإيقاع الموسيقى، مثل قوله تعالى "أكرمن" و"أهانن" بحذف ياء المتكلم، أو حذف ياء المنقوص (وهى حرف أساسى فى بناء الكلمة) مثل قوله تعالى "عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال" بدلا من "المتعالى"، وحذف ياء الفعل غير المجزوم مثل "والفجر، وليال عشر، والشفع والوتر، والليل إذا يسر" بدلا من "يسرى". ولننظر إلى "تقديم ما هو متأخر فى الزمان نحو قوله تعالى "فلله الآخرة والأولى" بدلا من "الأولى والآخرة"، لندرك ما رمى إليه السيوطى فى ملاحظته عن أن القرآن الكريم يكثر فيه "ختم الفواصل بحروف المد واللين... وحكمته وجود التمكن فى التطريب بذلك". ويضع المحقق يده على تفسير السيوطى لما جاء فى فواتح السور من حروف المعجم، وينقل عنه قوله "فسورة (ق) قد بدأت بهذا الحرف خاصة لما تكرر فيها من الكلمات بلفظ القاف"، كما يضيف المحقق "وقد عددت القافات فى السورة فوجدتها 57 مع أن آياتها 45"، وفى سورة (ن) تكرر هذا الحرف 124 مرة وآياتها 52، وجميع فواصل هذه الآيات تنتهى بحرف النون، إلا عشر آيات تنتهى بحرف الميم، وهذان الحرفان متقاربان موسيقيا. بل إن المحقق يصل إلى نتيجة شديدة الوضوح: "إن موسيقى القرآن ليست وقفا على فواصله، واتزان مقاطعه، وإنما هى شائعة فى كل كلمة من كلماته وفى كل جملة من جمله، فإذا كان المقام إنذارا ووعيدا... نرى ألفاظه جزلة متينة، ودويا وطنينا، فتصل الأسماع وتهز القلوب وتزلزل الأقدام.. مثل قوله تهالى "فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم"... وقوله تعالى "فخذوه فغلوه، ثم الجحيم صلوه، ثم فى سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه"... وقوله تعالى "فكبكبوا فيها هم والغاوون"... فإذا انتقلت إلى وصف المتقين، والحديث عن أهل الجنة ونعيمها، وجدت ألفاظا رقيقة النغم، مثل قوله تعالى "وجوه يومئذ ناعمة، لسعيها راضية، فى جنة عالية، لا تسمع فيها لاغية". إن ما يثير فى النفس غصة، وفى العقل شكا وارتيابا، أن البعض ممن يزعمون السلفية يتعامون جهلا أو عمدا، عن الجانب الإنسانى الجميل من التراث، ولا يبقون منه إلا على ما يجعل الحياة قاتمة كابية. ولقد أدرك الشعب المصرى – الذى يؤكد دائما أن "الذوق ما خرجش من مصر" – وبفطنته الفطرية، ما فى القرآن الكريم من تأثير موسيقى شديد العمق، فأنجب أجيالا عديدة من المقرئين المجيدين، ووضع أسس الموسيقى العربية فى طرق التلاوة. والخوف كل الخوف من أن ينجح الشيخ الحذيفى ومن هم على شاكلته، فى أن يردموا هذا التراث، عندئذ لن يبقى لنا إلا أن نتقبل العزاء، ليس فى الموسيقى العربية وحدها، وإنما فى جانب مهم من وجدان هذا الشعب.

Tuesday, September 24, 2013

عن أبى وعبد الحليم وعبد الناصر.. "ذات ليلة"


كان أبى رحمه الله إنساناً بسيطاً، فى عمله وحياته وملبسه ومأكله ومشربه، وعندما يخلو إلى نفسه بعد عناء يوم طويل يجلس إلى جوار المذياع، لا يسمع فيه إلا تلاوة القرآن ونشرة الأخبار وأم كلثوم، ولم تكن له علاقة مباشرة بالسياسة، لكننى أدركت من حرصه على سماع النشرة اهتماماً عفوياً وأصيلاً بأحوال البلاد فى تلك الفترة من بدابة الخمسينات. مازالت أذكر ذلك اليوم، وأنا أراه يستمع إلى خبر عن نجاح الضباط الأحرار فى توقيع اتفاقية الجلاء "بدون قيد أو شرط"، فى تلك اللحظة نظر تجاهى وابتسامة الفرحة تنطلق على شفتيه اللتين كان من النادر أن تزايلهما الصرامة، وفى عينيه التماعة الفخر، وهو يقول لى بينما يشير إلى المذياع: "سامع؟! بدون قيد أو شرط". لا أدرى إن كنت قد فهمت حينئذ معنى الكلمات، لكن من المؤكد أن فرحة أبى وفخره تسللا إلى وجدانى، فى ذلك الزمن الذى غنى فيه محمد قنديل "ع الدوار، راديو بلدنا يجيب أخبار"، وصدح كارم محمود: "أمجاد ياعرب أمجاد، فى بلادنا كرام أسياد" التى صارت شارة وأشارة على الإذاعة التى أطلقها عبد الناصر، وحملت اسم "صوت العرب". كان عبد الحليم حافظ جزءاً من ذلك المناخ، الذى كانت فيه مشاعر "الوطنية" تتخلل كل نواحى حياتنا، ببساطة بالغة ودون زعيق أو افتعال، على عكس ما يردده البعض من اتهامات للأغنيات الوطنية لثورة يوليو بالصراخ والافتعال، لكن السمة الحقيقية لها فى تلك الفترة كانت الصدق فى التعبير، لأن "الوطنية" لم تكن – كما أصبحت فيما بعد – تجارة وشطارة، بل مشروع حياة تسودها العدالة الاجتماعية، لذلك لم يكن غريباً أبداً أن يغنى عبد الحليم حافظ فى بداية حياته بلسان العامل، بكلمات عبد الفتاح مصطفى وألحان عبد الحميد توفيق زكى :"بدلتى الزرقة لايقة فوق جسمى، فى جمال لونها مركزى واسمى، بدلتى الزرقا من نسيج إيدى، لبسها يزينى حتى يوم عيدى"، فكأن تلك الفترة كانت - بعد موجة 1919 وسيد درويش – الموجة الثانية للأغنيات التى تنطق باسم "تحالف قوى الشعب العاملة" الذى ألغاه دستور الاستفتاء، وفى بساطة تلك الكلمات والألحان والأداء عرفت من هو الشعب بالمعنى الحقيقى للكلمة. أقول "عرفت" لأنه لم يكن من بين أفراد عائلتى عامل يرتدى "بدلة زرقا"، لكننى توحدت تماماً مع عبد الحليم حافظ عندما غنى أغنية تحمل عنوان "ذات ليلة" فى عام 1959. كنت عندئذ فى الثانية عشرة من عمرى، وكنت قد أدركت كم عانى أبى من أجل تعليم أخواتى الكبار، وكأنه يناضل لكى يجد لهم مكاناً تحت الشمس، بينما استطاع أن يلقى العبء عن كاهله بتعليمى وإخواتى الأصغر فى ظل "مجانية التعليم" التى أتاحته الثورة له ولكل أفراد الشعب. كانت أغنية عبد الحليم من كلمات مرسى جميل عزيز وألحان كمال الطويل، وتحكى عن طالب يسهر الليالى لكى يشق طريقه لكن الصعوبات الاقتصادية تقف فى وجهه حتى تأتى الثورة فتفتح الأبواب للجميع، كل ذلك بكلمات غاية فى البساطة وألحان تقترب من حافة الدراما وأداء بالغ الصدق: "ذات ليلة وأنا والأوراق والأقلام فى عناق، نقطع الأزمان والأبعاد وثباً فى اشتياق.. ذات ليلة هبت الريح وهزت فى عناد بابيا، أطفأت أمن حياتى أطفأت مصباحيا.....لم أجد ناراً لدى، لم أجد فى البيت شى، غير أم هى لا تملك إلا الدعوات، وأب لم يؤت غيرى للسنين الباقيات، والنهايات السعيدة، أصبحت عنى بعيدة، ذات ليلة وأنا رهن الظنون المجدبة، دقت قلوب طيبة، قالت انهض وتقدم لا تبالى، بالليالى وتصاريف الليالى... قم فباب العلم رحب فى انتظارك، قم وشارك وابن بالعلم الوطن، قلت من أين أتـى هذا الشعاع، قالت الأصداء من قلب شجاع. إنه قلب جمال". بالطبع كان هو جمال عبد الناصر، وليس أى جمال زائف مصطنع، ومع الأغنية كان صوت عبد الحليم يأخذنى من الضياع إلى الأمل إلى الفرحة، لأدرك بحق مدى "النعمة" التى أنعم بها، وأسهر الليالى "وأنا والأوراق والأقلام فى عناق"، وأنظر إلى أبى وهو يسبح بحمد الله. ذهب ذلك كله أدراج الرياح، وأصبحت كلمات مثل "الوطنية" أو "مجانية التعليم" تثير إما الحسرة أو السخرية، وألغيت "المكاسب الاشتراكية" وحلت محلها "البيئة" فى الدستور، وكأنه "دستور بيئة"، واجتمع اللاصقون العرب فى كراسى السلطة لكى يقدموا لإسرائيل عربون محبة تحت اسم "المبادرة العربية" وهم يعلمون أن إسرئيل لن ترضى إلا بالرضوخ الكامل، ولا يعلمون أن اعترافهم بكيان استعمارى أقيم بذريعة دينية يفتح أبواب جهنم أمام كل التيارات السياسية الدينية التى يتصورون أنهم سدوا الطريق فى وجهها بنص دستورى. لذلك كله أحن إلى صوت عبد الحليم، وزمن عبد الناصر، وتلك النظرة من الفرحة والزهو والكبرياء التى رأيتها فى عينى أبى عندما عرف أنه جلاء "بدون قيد أو شرط"، وكم أتمنى قبل أن أموت أن تعرف تلك النظرة طريقها إلى عينى، "ذات ليلة".

Sunday, September 22, 2013

سينما المؤلف فى مصر.... بين الحقيقة والأسطورة


لا يكاد مصطلح "سينما المؤلف" يثار في النقد السينمائي العربي، حتى يقفز للذهن على الفور يوسف شاهين، برغم مفارقة أنه لم "يؤلف" الكثير من أفلامه، أو بالأحرى لم يكتب سيناريوهاتها، وإن كان قد اشترك في كتابة بعضها، وأفضل أفلامه على الإطلاق "الأرض" عن رواية عبد الرحمن الشرقاوي، وسيناريو العديد من الكتاب الذين لم يكن من بينهم. لماذا إذن تنتشر فكرة أن يوسف شاهين "مؤلف" سينمائي؟ الحقيقة أن هناك خلطا بين مفهومين متشابكين، الأول هو أن يكتب المخرج السيناريو بنفسه، وبرغم ذلك فإن أفلامه لا تنتظمها وحدة واحدة، وهذا هو المخرج "الحِرَفي الذي "يصنع" أفلامه دون أن تعكس اهتمامات معينة تسيطر على أعماله الفنية، ولك في حسن الصيفي أو ناصر حسين مثالين في السينما المصرية، ولهما عشرات الأفلام التي لم تبق في ذاكرة التاريخ. أما المفهوم الثاني فهو المخرج الذي "يتدخل" في كتابة السيناريو، بحيث يمكنك أن ترى فيها جانبا من قلقه الخاص، الذي يريد دائما التأكيد عليه. لم يكتب ألفريد هيتشكوك مثلا أفلامه، لكنها في أغلبها تنتمي إلى عالمه الخاص، وكثيرا ما تجد عنده بطلا بريئا يتورط دون وعي أو رغبة منه في مشكلة ما، كبيرة كانت أو صغيرة، لا فرق بين "النافذة الخلفية" حيث يجلس صحفي مكسور الساق، مسترقا النظر إلى جيرانه، ليكتشف جريمة قتل فيها زوج زوجته، أو "الرجل الذي عرف أكثر من اللازم"، للبطل السائح الذي يعرف بالصدفة خطة اغتيال كبرى، ويختطف المتآمرون ابنه لكي يمنعوه من إفشاء السر. وقد يحار النقد والنقاد طويلا في تفسير ذلك "الهمّ" عند هيتشكوك، وهل يعكس قلقا شخصيا لا واعيا، أم أنه إشارة إلى عصر التوترات العالمية التي أفرخت حربين طاحنتين وحربا باردة طويلة، لكن أيا كان التفسير فإنها "سينما المؤلف" حتى لو لم يكتب المخرج أفلامه. ومن المفارقات أن فن السينما كان في بداياته لا يعرف فرقا بين كاتب للسيناريو ومخرج، وأن تلك التفرقة جاءت مع "تقسيم العمل" عندما أصبحت الصناعة أكثر تعقيدا، ومع ذلك فإن هذه الفترة الأولى شهدت "سينما مؤلف" راقية رائقة، ولعل أفضل مثال في هذا السياق هو شارلي شابلن، صاحب شخصية "الصعلوك" الذي لم يمنعه فقره من الحفاظ على كرامته وأخلاقياته، والذي انتقل به بين عشرات الأفلام، تراه في "أضواء المدينة" عاشقا لفتاة ضريرة، يساعدها دون أن تعرفه على استرداد بصرها، وها هي في المشهد الأخير تتعرف عليه عندما تتلامس الأيدي، كما يمكنك أن تراه في "العصر الحديث"، عاملا تطحنه الآلة وتطارده السلطة حيثما رحل، لكنه يظل ينطلق دائما نحو أفق متفائل. على عكس هذا التفاؤل، تجد تشاؤما يسري في أفلام المخرج ستانلي كوبريك، الذي يرى أنه لا مستقبل هناك أمام الحضارة الغربية التي سارت في طريق مسدود، وهو في "2001 أوديسّا الفضاء" يشير إلى أن الإنسان الذي بدأ رحلته باختراع الآلة سوف ينتهي عبدا لها، كما أنه في "خزانة مدفع مليئة بالطلقات" يرصد كيف تحول النزعة العسكرية الأمريكية البشر إلى أدوات غير عاقلة للقتل. وبالمثل فإن أوليفر ستون يعكس في أغلب أفلامه حالة من الالتباس التي يعيشها المواطن الغربي، فهو في "جي إف كيه" يحلل خليط المعلومات حول اغتيال كينيدي، وكيف أن الحقيقة ضاعت وسط كل هذا التشوش، كما أنه في "أي يوم أحد" يرى أن عالم الرياضة أصبح انعكاسا كاملا لوهم "الحلم الأمريكي" الرأسمالي الذي يطحن الجميع. لكن من الحق القول أيضا أن صناعة السينما الأمريكية لا تسمح كثيرا بأن يكون للمخرج "رؤية" تنتظم أفلامه، لذلك فإن تلك النزعة لا تظهر إلا في مجال "السينما المستقلة"، حيث يمارس المخرج أدوارا عديدة في أفلام قليلة التكاليف، بلا مخاطرة كبيرة في شباك التذاكر. وعلى العكس تماما من كل التوقعات، عرفت السينما المصرية "سينما المؤلف" دون أن تسميها كذلك، وربما كان السبب هو أن صناعة السينما عندنا ليست من التعقيد بحيث تطلب درجة عالية من تقسيم العمل، كما هو الحال في هوليوود، بل ربما كان الأمر بالنسبة للمنتج أفضل (من ناحية التكاليف!!) أن يقوم المخرج بكتابة السيناريو أيضا. لذلك يمكنك بقدر من التأمل أن تجد سينما المؤلف في مصر عند مخرجين في مجال الأفلام التجارية، مثل أنور وجدي، الذي كان يترك مهمة كتابة الحوار لغيره من المتخصصين، لكنه كثيرا ما يكتب القصة والسيناريو، مثل "غزل البنات" و"ياسمين" و"حبيب الروح"، وهو يصنع هذه الأفلام وعينه على شباك التذاكر، ليقدم "توليفة" بالغة الطرافة من الرومانسية والميلودراما والمطاردات والغناء. تماما كما كان حسن الإمام يميل إلى الحبكات الميلودرامية، التي يشتعل فيها الصراع بين الخير والشر، والتسامح والانتقام، والجسد والروح، مثل أفلامه "اليتمتين" و"بائعة الخبز" و"الجسد"، وإنك لو تأملت القصة التي كتبها لفيلم "خللي بالك من زوزو" لوجدت فيها ذلك كله، وإن كان سيناريو وحوار صلاح جاهين قد أضفى عليها روحا بالغة التفاؤل. على النقيض من حسن الإمام تجد عز الدين ذو الفقار، وهو أيضا لم يكتب سيناريوهات أفلامه وإن كان قد اشترك فيها، وترى عنده دائما روحا رومانسية حزينة متشائمة تسري في أبطال تعذبهم البراءة، في عالم يخلو من هذه البراءة، وحتى عناوين أفلامه تعكس هذه الروح، مثل "سلوا قلبي" أو "وفاء" أو "موعد مع السعادة" أو "موعد مع الحياة"، ومن المؤكد أن القارئ يتذكر تلك القلوب الصافية في "الشموع السوداء" (تأمل العنوان هنا أيضا)، وهي تتحاب برغم كل الفوارق، بينما الشر يخيم بظلاله ويهدد بالكارثة، وليس ما يدل على تلك الروح المتشائمة أكثر من وجود كلب أليف وفي للبطل، بينما الشقيق لا يتورع عن تدبير جريمة قتل! كذلك صلاح أبو سيف، الذي عمل كثيرا مع نجيب محفوظ كاتبا للسيناريو، واختار في الأغلب قصصا تدور حول النوازع والغرائز البشرية التي تحدد العلاقات الاجتماعية، وتجعل من البشر وحوشا، لا فرق بين "لك يوم ياظالم" أو "شباب امرأة"، وإن كان قد خرج أحيانا من هذا العالم الغرائزي ليدخل إلى التحليل الاقتصادي والاجتماعي في أفلام مثل "الفتوة"، ليرصد آليات صعود طغاة السوق بمساعدة فساد السلطة، أو "بين السماء والأرض" حيث انحشر المجتمع في لحظة تحول تاريخي، وهو أخيرا في "البداية" (هذه المرة مع لينين الرملي كاتبا للسيناريو) يقدم حكاية رمزية عن تكون المجتمعات ونشأة السلطة. لكن ربما كان الأجدر بمصطلح "سينما المؤلف" بين المخرجين المعاصرين اثنين متميزين، رأفت الميهي وداود عبد السيد. أما الأول فقد اختار ما أسماه "الفنتازيا" وهو إلى السخرية الجامحة أقرب، سخرية يوجهها إلى أي شيء وكل شيء، إلى الفساد السياسي في "الأفوكاتو"، وإلى علاقات الرجل والمرأة في "السادة الرجال"، والأخلاقيات السائدة في "تفاحة"، وأمور وقضايا فلسفية يتعمد غموضها في "ميت فل" (ويسميه بالإنجليزية "لنقتل أبانا")، لكن هذا الجموح المتزايد أدى بسينما رأفت الميهي إلى نوع من الغربة ولا نقول الاغتراب، حتى أنها فقدت حسها الثوري المفترض. ويأتي داود عبد السيد، لا ليعكس عالما "كليا" في أفكاره وأيديولوجياته، وإنما رغبة أعمق في التعبير السينمائي الصافي على طريقة أنطونيوني وفيسكونتي، حيث لا يمكنك تلخيص العمل في "قصة" أو حبكة، بل لابد لهما من التكامل مع العناصر البصرية. لذلك قد تسيطر السيريالية مثلا على "البحث عن سيد مرزوق"، في ضياع الخط الفاصل بين الحقيقة والحلم، أو قد تطغى روح أفلام العصابات في "أرض الخوف" برغم الإشارات التي تدل على أبعاد فلسفية. وهذا الطموح قد أبعد أفلامه عن الجمهور العريض، وإن كان هو الطموح ذاته الذي حقق لفيلمه "الكيت كات" جماهيرية فائقة ونجاحا نقديا كبيرا، لأنه اعتمد على محاولة الوصول إلى فلسفة الشعب المصرى في بقائه على قيد الحياة، برغم الظروف الطاحنة التي كانت كفيلة بالقضاء عليه. وبرغم اعتماد الفيلم على رواية ابراهيم أصلان بنفس الاسم "الكيت كات"، فإنه يستحق أن يكون مثالا على "سينما المؤلف"، التي لا نعرف عنها الكثير من الحقائق، وإن كنا نردد عنها الكثير من الأساطير.

Saturday, September 21, 2013

مسلسل "الزوجة الثانية".... ظل باهت للفيلم، والواقع أيضا


عندما يقرر صناع الدراما التليفزيونية "إعادة صنع" عمل سينمائي ما، فلابد أن هناك سببا قويا يدفعهم إلى ذلك، لكن تجارب المسلسلات المصرية في الاقتباس عن أعمال سينمائية سابقة أتت جميعها مخيبة للآمال، لسبب رئيسي هو تصور صناعها أن مجرد النجاح الجماهيري للفيلم سوف يضمن بالضرورة نجاح المسلسل، لكن ذلك تحديدا هو جوهر الفشل، ففي كل لحظة من هذا المسلسل أو ذاك لا يتوقف المتفرج عن مقارنته بالفيلم، وتكون النتيجة دائما لصالح هذا الأخير، وهذا بالضبط هو ما حدث مع مسلسل "الزوجة الثانية". لقد تم عرض فيلم "الزوجة الثانية" عشرات المرات على مختلف القنوات التليفزيونية الفضائية، ولم يعد نجاحه مقتصرا فقط على الجيل الذي شهده في السينما في النصف الثاني من الستينيات، بل أصبح بالنسبة لأجيال عديدة جزءا من "فولكلور" جديد، وجرت على الألسنة عبارات مثل "الدفاتر دفاترنا"، في إشارة للتزييف الذي يأخذ شكلا قانونيا، أو "الليلة يا عمدة"، تلميحا إلى العناد الذي يتسبب عن غيرة متأججة. لكن صناع مسلسل "الزوجة الثانية": ياسين الضو وأحمد صبحي كاتبين للسيناريو، وخيري بشارة مخرجا، لم يتوقفا بالتأمل عند السبب الحقيقي للفيلم، أو قل الأسباب العديدة لهذا النجاح، والتي سوف نتناولها لاحقا بشيء من التفصيل. دعنا نبدأ أولا بالحبكة الرئيسية للقصة، التي كتبها للفيلم أحمد رشدي صالح: عمدة لا يعرف طمعه حدودا، ويستولي على كل ما تصل إليه يداه، حتى نصيب أخيه من الميراث، لكنه زوجته التي لا تختلف عنه كثيرا لا تنجب، ليدرك العمدة أن كل شيء سوف يؤول بعد وفاته إلى الآخرين، لذلك فهو يريد ابنا يرثه. غير أن تلك الرغبة تتلاقى مع رغبة أخرى أكثر عمقا، وهي اشتهاؤه لفلاحة فقيرة جميلة لكنها متزوجة، فيدفع زوجها إلى تطليقها بالقوة، ويتزوجها في الليلة ذاتها. وتعرف الفلاحة بالصدفة أن مثل هذا الطلاق أو الزواج غير جائز شرعا، وأنها ما تزال زوجة لزوجها الفلاح الفقير، فتقرر ألا يمس العمدة شعرة منها، بينما تحمل من زوجها، فتؤدي هذه الصدمة بالعمدة إلى الشلل ثم الموت، وترث البطلة وابنها كل شيء بحكم القانون الذي أراد العمدة في البداية التلاعب به. لديك هنا بطلة تثير تعاطفك بكل ما تملك من مشاعر وأفكار، سواء في مرحلة القهر والفقر، أو في مرحلة التحايل على الواقع المرير. ولعلنا جميعا نتفق على أن جانبا كبيرا من نجاح الفيلم يعود إلى قيام سعاد حسني بتجسيد دور البطلة فاطمة، لكن ذلك ينسحب في الحقيقة على كل ممثلي الفيلم الذي أخرجه صلاح أبو سيف، وهو الذي عرف عنه التدقيق الشديد في اختيار وإدارة ممثليه، صلاح منصور في دور العمدة، وسناء جميل في دور زوجته، وشكري سرحان في دور الزوج المقهور، وحتى الشيخ الذي يضفي غطاء "شرعيا" مزيفا على كل التصرفات الظالمة، وقام بتجسيده حسن البارودي. لكن الأهم من ذلك كله هو "إحساس" صلاح أبو سيف بأجواء الأحداث، التي لا تدور في "ديكور" مصطنع، وتأكيده على عنصر "المفارقة"، في المرارة التي يشعر بها العمدة، لأنه يترك ميراثه بعد رحلة طويلة من جمعه بكل الوسائل، إلى وليد ليس في الحقيقة هو ابنه!! سوف تضيع هذه المفارقة الجوهرية تماما في المسلسل التليفزيوني، ليس فقط بسبب "مط" الأحداث بشكل متعسف لتصل إلى ثلاثين حلقة، وإنما للانعطافات التي أخذ فيها كاتبا السيناريو أحداث القصة، وغياب إحساس المخرج بأجواء الريف الحقيقية، وهو ما سوف يتأكد لك على الفور مع اختيار الممثلين (أو قل عدم اختيارهم)، فقد جاءت مثلا الممثلة آيتن عامر بطلة للمسلسل لأنها شقيقة زوجة المنتج (!!)، لكن ذلك ينسحب أيضا على بقية الأدوار، ولتتأمل على سبيل المثال علا غانم في دور الزوجة الأولى، التي ترتدي ملابس فاضحة وتظهر بها أمام الجميع، وتتحدث بلهجة أقرب إلى الغانيات، وإن كان المسلسل سوف "يحشر" أيضا الغانية راوية (إيناس عز الدين)، التي تكسب عيشها من تزويج الفلاحات صغيرات السن إلى عجائز أثرياء، ولن يعرف المتفرج أبدا سبب وجودها، سوى أنها تشتهي الزوج الفلاح أبو العلا (عمرو واكد)، وتنتظر تطليقه لزوجته فاطمة، حتى تأخذه إلى عالم الصفقات المالية الرابحة، في تحول في السرد يأخذ الحبكة بعيدا تماما عن جوهرها!! ليس الأمر هنا هو الالتزام بالحبكة الأصلية للقصة أو الابتعاد عنها، وإنما تحقيق التوحد، أو التعاطف على الأقل، مع هؤلاء الأبطال المضطهدين، وهو ما افتقده المسلسل خاصة في نصفه الثاني، ليضاف عنصر جديد إلى المقارنة بين سعاد حسني وآيتن عامر، وهو تحول البطلة فاطمة في المسلسل إلى الشراسة والعدوانية، التي تصل أحيانا إلى درجة السوقية التي تثير نفور المتفرج بدلا من أن تثير شفقته. إن ذلك يمتد إلى بقية الشخصيات، فمرة أخرى في مسلسل "الزوجة الثانية" تشاهد مزيدا من "فلاحي التليفزيون"، الذين يعيشون في ديكورات مرسومة، ويتحدثون بلهجة مصطنعة، دون أن تجد سببا واحدا، أو إضافة ذات مغزى، تبرر إعادة صنع فيلم "الزوجة الثانية" في شكل المسلسل التليفزيوني. ومن الحق القول إن المشاهد الصادقة الوحيدة في المسلسل كانت تلك التي تتسم بصبغة تسجيلية، خاصة في شكل الأفراح الريفية البسيطة، لتتذكر كيف أن المخرج خيري بشارة بدأ حياته السينمائية مخرجا بالغ التميز للأفلام التسجيلية، لكنه عندما يتحول إلى الدراما يفقد جزءا لا يستهان به من الإحساس بالواقع، فكما كانت جماليات الصعيد في فيلمه "الطوق والإسورة" لا تعكس الحرارة الخانقة في هذا العالم، فهو هنا أيضا يرى عالم الفلاحين من على السطح، أو بالأحرى ليس بعيني الواقع وإنما من خلال التراث التليفزيوني عن هذا العالم. تأمل على سبيل المثال تلك المشاهد الحوارية الطويلة بين الشخصيات، لا تفعل فيها شيئا سوى أن تقف أو تجلس كأنها على خشبة مسرح، ناهيك عن الاسترسال أيضا في "مونولوجات" طويلة" تخلط بين عالم "هاملت" وعالم قرية مصرية صغيرة فقيرة! وفي مثل هذا العالم سوف يعود "فلاحو التليفزيون" إلى تقمص الأدوار البلهاء، التي تخلط بين التخلف العقلي وما يفترض أنه الكوميديا، فالخفير حسان (هشام اسماعيل، الذي حل محل دور عبد المنعم ابراهيم) يتبادل حديثا طويلا مع أوزة، وتظل جميع الشخصيات طوال حلقة كاملة تتحدث عن انتظار تركيب "تليفون" في مكتب العمدة، في حوار أقرب إلى التهريج المفتعل. كما يفتقد العمدة عتمان هنا (عمرو عبد الجليل) قدرا كبيرا من المصداقية التي تمتع بها عمدة الفيلم، فهو ما يزال في ريعان شبابه وليس رجلا يقترب من شيخوخته. الصدق الواقعي والفني، هذا باختصار ما افتقده مسلسل "الزوجة الثانية"، فلم يأت فقط ظلا باهتا للفيلم، وإنما لأي واقع حقيقي أيضا، فأنت لن تصدق قدر الفقر الذي يعيش فيه أبو العلا وزوجته فاطمة، ولن تشعر بذل القهر الذي يدفع هذا الرجل لتطليق زوجته، ولن تتعاطف مع فاطمة التي لا تملك لضعفها سوى أن تتحايل على كل هذا الهوان. وإن أردت مثالا على خطأ (يكاد أن يصل إلى درجة الخطيئة) في ابتعاد المسلسل عن القصة الأصلية، فسوف تجده في المرض الذي أقعد أبو العلا عن العمل، مما اضطر فاطمة للعمل في بيت العمدة حيث اقتربت الفريسة من شبكة الصياد: في الفيلم يجتاح القرية وباء الكوليرا، أما في المسلسل فإن أبو العلا يصاب في خناقة عارضة!! وذلك ليس إلا مثالا على عدم إدراك صناع المسلسل لأهمية السياق الدرامي الذي تدور فيه الأحداث، بقدر عدم إدراكهم للسياق الواقعي ذاته، فجاء معظم ما فيه مزيفا، ليستحق كل هذا الانتقاد المرير الذي ناله من بين كل مسلسلات رمضان.

Tuesday, September 17, 2013

الموسيقى في السينما.... عندما يتحول الصخب إلى الصمت!!


من الأخطاء الشائعة في الحديث عن تاريخ السينما أن نستخدم تعبير "السينما الصامتة"، لوصف تلك المرحلة التي استمرت حوالي ثلاثة عقود من بداية السينما، ولم يكن ممكنا خلالها تسجيل الصوت، بحيث يسمعه المتفرج متزامنا ومتطابقا مع الصورة. لكن لم يكن ممكنا أيضا ترك هذا المتفرج في صمت مطبق، خاصة أن آلات العرض الأولى كانت تُصدر صوتا مزعجا، ومن هنا نشأت الحاجة إلى مصاحبة موسيقية من نوع ما، ربما تأتي في دور العرض الرخيصة من آلة "فونوغراف"، أو أن تأتي دور العرض الفاخرة بفرقة موسيقية كاملة، أو حتى عازف لآلة الأورج أو البيانو، لتملأ الموسيقى هذا الصمت. لكن هذه الموسيقى لم تكن أيضا مجرد احتياج تفرضه ظروف العرض، فقد كانت الموسيقى المسرحية قد بلغت درجة عالية من النضج، ورثته عنها السينما على الفور. فللموسيقى فى الفنون الدرامية وظائف بالغة الأهمية، حتى أنه لا يمكن لك – إلا فيما ندر – أن تتخيل فيلما يخلو من الموسيقى، التي تعزز اللحظات الدرامية بقوة. ففي النسخة الأخيرة من فيلم "البؤساء" على سبيل المثال، يلتقي البطل السجين السابق مع سجانه بعد سنوات طويلة، ويحاول البطل أن يتخفى ويهرب من هذا الماضي، لكن المتفرج يعرف أن ذلك مستحيل، عندما يرتفع على شريط الصوت لحن كنا قد سمعناه في مشاهد السجن السابقة. وكثير من الأفلام العالمية ارتبط بالموسيقى التصويرية لها، مثل "الطيب والشرس والقبيح" أو "من أجل حفنة دولارات" أو "الأب الروحي"، حتى أن الموسيقى فيها اشتهرت لدرجة انتقالها إلى العديد من الأفلام المصرية. ولا يمكن أن تنسى أيضا أغنية فيلم "تايتانيك" أو "الحارس الشخصي" أو بعض أفلام "جيمس بوند"، وهي أغنيات تم تأليفها خصيصا لهذه الأفلام، كما قد تستعين السينما أحيانا ببعض المؤلفات العالمية الشهيرة، مثلما فعل المخرج الألماني فريتز لانج في فيلمه "إم"، حين جعل البطل قاتل الأطفال يهمس لنفسه دائما بلحن من متتالية "بيرجنت" لإدوارد جريج، وعندما يعلو اللحن معزوفا على آلات الأوركسترا فإن المتفرج يتوقع على الفور وجود القاتل. وأخيرا فقد استخدم هيتشكوك الموسيقى على نحو متفرد في مشهد القتل من فيلمه "سايكو"، فبدلا من أن نسمع الصرخات بينما تنهال الطعنات، هناك نغمات صارخة من آلات وترية تضفي على المشهد مزيدا من الكابوسية. تلك وغيرها استخدامات "جمالية" للموسيقى في السينما، غير أن السينما المصرية لم تتقنها إلا في حالات نادرة، خاصة أن لهذه السينما سمة ظلت ملازمة لها، وهي وجود الأغنية التي تقطع سير الدراما أحيانا، أو تخرج على الأسلوب الفني ذاته، فليس من المنطقي مثلا في فيلم "واقعي" كفيلم "العزيمة" أن تصعد البطلة (فاطمة رشدي) إلى سطح منزلها، لتغني أغنية حزينة دون أن ندري من أين تأتي هذه الموسيقى!! وإلى جانب الأغنيات، أضاف المخرجون "توليفة" من مقطوعات شهيرة، أصبحت من "أرشيف" الموسيقى التصويرية التي تكررت في الأفلام المصرية حتى الخمسينيات، ولعل أشهر هذه المقطوعات "صور في معرض" للمؤلف الموسيقي موسورسكي، أو باليه "جيانه" لخاتشادوريان، أو "شهر زاد" لكورساكوف، ولعلك تلاحظ أنها مؤلفات موسيقية روسية، لذلك كان طابعها الشرقي ملائما لذوق المتفرج العربي. وبعد سنوات طويلة، أدرك مخرجو السينما المصرية أهمية وجود موسيقى تصويرية في الأفلام، لكن الارتباط مرة أخرى بالأغنية دفعهم إلى أن يبحثوا عن هذه الموسيقى لدى المطربين الملحنين المشهورين، مثل محمد عبد الوهاب أو فريد الأطرش أو محمد فوزي، الذين جاءت ألحانهم مجرد "نقلات" موسيقية لا تدرك تماما الطابع الخاص للموسيقى السينمائية. وهنا يأتي دور واحد من أهم وأغزر من ألفوا الموسيقى للسينما المصرية، وهو فؤاد الظاهري، والذي تتراوح الأفلام التي اشترك فيها بين واقعية "شباب امرأة"، ووطنية "بورسعيد" أو "رد قلبي"، وتجريبية "باب الحديد"، وكوميدية "الزوجة 13"، لكن برغم الفوارق الهائلة بين عالم كل من هذه الأفلام، فقد اعتمد الظاهري على أسلوب واحد، وهو انفجار الموسيقى العاطفية الجياشة في اللحظات الميلودرامية، وربما لن تجد عنده أبدا موسيقى مرهفة في لحظة درامية رقيقة، بل إن اعتمد على تكرار بعض ألحانه التي انتقلت من فيلم إلى فيلم، سواء كانت تنويعات على "تيمات" فولكلورية أو شعبية مثل "يمامة بيضا" أو "آه يازين"، أو ألحانا من عمل أثير لديه يحمل عنوان "الأرض الثائرة"! وإلى جانب الظاهري، كان هناك العديد من الموسيقيين الأقل شهرة وإن لم يكونوا أبدا أقل موهبة ودراسة، مثل عازف الكمان الشهير أنور منسي الذي وضع موسيقى فيلم "غروب وشروق"، أو المؤلف الموسيقي عبد الحليم نويرة صاحب موسيقى فيلم حسين صدقي "خالد بن الوليد"، أو فيلم "سيد درويش"، وكان نويرة واحدا ممن يجيدون تقديم تنويعات على الألحان، أو مثل سليمان جميل الذي ألف موسيقى فيلم "الحرام". لكن تأثير هؤلاء توارى إلى جانب صخب موسيقى الظاهري، وربما كان الوحيد الذي استطاع إضافة لمسه مغايرة هو أندريا رايدر، الذي منعته جذوره الأجنبية من غزارة تأليف ألحان مصرية وشرقية صميمة، لكن ذلك النقص ذاته هو الذي ألجأه لأسلوبه الخاص، الذي اعتمد على تقديم تنويعات بالغة التباين على لحن أو لحنين طوال الفيلم كله. إنه في فيلم "حكاية حب" على سبيل المثال يعتمد على حزن لحن أغنية "في يوم في شهر في سنة"، وعاطفية لحن أغنية "بتلوموني ليه"، ليقدم منهما نسيجا يغلف كل اللحظات الدرامية على اختلافها، كما فعل في فيلم "الخطايا" مع لحني "الحلوة" و"لست أدري"، أو الفيلم الذي قامت ببطولته نجاة "غريبة"، مع لحني "عيد ميلادك يامنى" و"وحديا". ومن نفس النقطة بدأ علي اسماعيل، الذي قدم تنويعات لحنية في فيلم "يوم من عمري" على أغنيات مثل "ضحك ولعب" أو "بأمر الحب"، لكنه عبر أفلام فرقة رضا مثل "أجازة نص السنة" أو "غرام في الكرنك"، استطاع تطوير أدواته، التي بلغت ذروتها في فيلم يوسف شاهين "الأرض"، الذي لا يمكن أن تنسى فيه تنويعاته على لحني "أرضنا وعطشانة" أو "نورت ياقطن النيل"، في لحظات مفعمة بالألم أو الأمل. ويمكنك أن ترى مثيلا لهذه المسيرة مع محمد نوح، الذي فهم تماما معنى الموسيقى السينمائية مع فيلمي يوسف شاهين "اسكندرية كمان وكمان" و"المهاجر". لكن هذا التقدم نحو موسيقى سينمائية أكثر نضجا شهد تراجعا في السبعينيات، بسبب استخدام الآلات الموسيقية الإلكترونية استخداما مفرطا، والاستعانة ببعض العازفين المشهورين عليها، مثل مجدي الحسيني وهاني مهنا وعمر خورشيد، الذين كانت وظيفتهم هي "ملء" شريط الصوت بأي موسيقى. وبرغم أن مؤلفا موسيقيا مثل جمال سلامة قد درس التأليف والتوزيع الموسيقيين، فإنه أعاد في تلك الفترة أسلوب فؤاد الظاهري الصاخب مرة أخرى، ولا يمكن لك أن تجد فرقا بين موسيقى أي من أفلامه العديدة التي قامت ببطولتها نبيلة عبيد أو نادية الجندي. وعندما جاءت الثمانينيات بجيل جديد من السينمائيين، ظهر أسلوب أكثر رهافة في الموسيقى السينمائية، يمكنك أن تجده مثلا في أفلام المخرج محمد خان التي كتب موسيقاها كمال بكير، أو مؤلفات راجح داود الموسيقية لأفلام داود عبد السيد. وتميزت أيضا موسيقى مودي الإمام في أفلام المخرج شريف عرفة بنوع من دعم المونتاج الإيقاعي، ظل علامة مسجلة منذ "الدرجة الثالثة" و"اللعب مع الكبار"، وانتقل إلى جيل جديد من المؤلفين الموسيقيين مثل خالد حماد وعمرو اسماعيل. لكن واقع الموسيقى السينمائية اليوم في السينما المصرية قد عاد للأسف إلى مراحل بدائية، فقد تسمع على شريط الصوت في أحيان نادرة موسيقى تدعم اللحظة الدرامية، كما عند ياسر عبد الرحمن أو عمر خيرت أو الراحل عمار الشريعي، لكنك في الأغلب الأعم لن تجد سوى حالة من الصخب السمعي الذي يتماشى مع الصخب البصري، حتى أن سؤالا مهما يغيب عن صناع معظم سينمائيي السينما المصرية الآن، هذا السؤال ليس هو "أين أضع هذه الموسيقى؟"، بل أيضا "أين يجب أن تغيب الموسيقى؟"، فعندما تصبح الموسيقى موجودة في كل لحظة، يمكن لك أن تتأكد من أنها تفقد تأثيرها. ويبدو أن السينما المصرية قد عادت "صامتة" برغم كل هذا الصخب على شريط الصوت!!