Tuesday, September 24, 2013

عن أبى وعبد الحليم وعبد الناصر.. "ذات ليلة"


كان أبى رحمه الله إنساناً بسيطاً، فى عمله وحياته وملبسه ومأكله ومشربه، وعندما يخلو إلى نفسه بعد عناء يوم طويل يجلس إلى جوار المذياع، لا يسمع فيه إلا تلاوة القرآن ونشرة الأخبار وأم كلثوم، ولم تكن له علاقة مباشرة بالسياسة، لكننى أدركت من حرصه على سماع النشرة اهتماماً عفوياً وأصيلاً بأحوال البلاد فى تلك الفترة من بدابة الخمسينات. مازالت أذكر ذلك اليوم، وأنا أراه يستمع إلى خبر عن نجاح الضباط الأحرار فى توقيع اتفاقية الجلاء "بدون قيد أو شرط"، فى تلك اللحظة نظر تجاهى وابتسامة الفرحة تنطلق على شفتيه اللتين كان من النادر أن تزايلهما الصرامة، وفى عينيه التماعة الفخر، وهو يقول لى بينما يشير إلى المذياع: "سامع؟! بدون قيد أو شرط". لا أدرى إن كنت قد فهمت حينئذ معنى الكلمات، لكن من المؤكد أن فرحة أبى وفخره تسللا إلى وجدانى، فى ذلك الزمن الذى غنى فيه محمد قنديل "ع الدوار، راديو بلدنا يجيب أخبار"، وصدح كارم محمود: "أمجاد ياعرب أمجاد، فى بلادنا كرام أسياد" التى صارت شارة وأشارة على الإذاعة التى أطلقها عبد الناصر، وحملت اسم "صوت العرب". كان عبد الحليم حافظ جزءاً من ذلك المناخ، الذى كانت فيه مشاعر "الوطنية" تتخلل كل نواحى حياتنا، ببساطة بالغة ودون زعيق أو افتعال، على عكس ما يردده البعض من اتهامات للأغنيات الوطنية لثورة يوليو بالصراخ والافتعال، لكن السمة الحقيقية لها فى تلك الفترة كانت الصدق فى التعبير، لأن "الوطنية" لم تكن – كما أصبحت فيما بعد – تجارة وشطارة، بل مشروع حياة تسودها العدالة الاجتماعية، لذلك لم يكن غريباً أبداً أن يغنى عبد الحليم حافظ فى بداية حياته بلسان العامل، بكلمات عبد الفتاح مصطفى وألحان عبد الحميد توفيق زكى :"بدلتى الزرقة لايقة فوق جسمى، فى جمال لونها مركزى واسمى، بدلتى الزرقا من نسيج إيدى، لبسها يزينى حتى يوم عيدى"، فكأن تلك الفترة كانت - بعد موجة 1919 وسيد درويش – الموجة الثانية للأغنيات التى تنطق باسم "تحالف قوى الشعب العاملة" الذى ألغاه دستور الاستفتاء، وفى بساطة تلك الكلمات والألحان والأداء عرفت من هو الشعب بالمعنى الحقيقى للكلمة. أقول "عرفت" لأنه لم يكن من بين أفراد عائلتى عامل يرتدى "بدلة زرقا"، لكننى توحدت تماماً مع عبد الحليم حافظ عندما غنى أغنية تحمل عنوان "ذات ليلة" فى عام 1959. كنت عندئذ فى الثانية عشرة من عمرى، وكنت قد أدركت كم عانى أبى من أجل تعليم أخواتى الكبار، وكأنه يناضل لكى يجد لهم مكاناً تحت الشمس، بينما استطاع أن يلقى العبء عن كاهله بتعليمى وإخواتى الأصغر فى ظل "مجانية التعليم" التى أتاحته الثورة له ولكل أفراد الشعب. كانت أغنية عبد الحليم من كلمات مرسى جميل عزيز وألحان كمال الطويل، وتحكى عن طالب يسهر الليالى لكى يشق طريقه لكن الصعوبات الاقتصادية تقف فى وجهه حتى تأتى الثورة فتفتح الأبواب للجميع، كل ذلك بكلمات غاية فى البساطة وألحان تقترب من حافة الدراما وأداء بالغ الصدق: "ذات ليلة وأنا والأوراق والأقلام فى عناق، نقطع الأزمان والأبعاد وثباً فى اشتياق.. ذات ليلة هبت الريح وهزت فى عناد بابيا، أطفأت أمن حياتى أطفأت مصباحيا.....لم أجد ناراً لدى، لم أجد فى البيت شى، غير أم هى لا تملك إلا الدعوات، وأب لم يؤت غيرى للسنين الباقيات، والنهايات السعيدة، أصبحت عنى بعيدة، ذات ليلة وأنا رهن الظنون المجدبة، دقت قلوب طيبة، قالت انهض وتقدم لا تبالى، بالليالى وتصاريف الليالى... قم فباب العلم رحب فى انتظارك، قم وشارك وابن بالعلم الوطن، قلت من أين أتـى هذا الشعاع، قالت الأصداء من قلب شجاع. إنه قلب جمال". بالطبع كان هو جمال عبد الناصر، وليس أى جمال زائف مصطنع، ومع الأغنية كان صوت عبد الحليم يأخذنى من الضياع إلى الأمل إلى الفرحة، لأدرك بحق مدى "النعمة" التى أنعم بها، وأسهر الليالى "وأنا والأوراق والأقلام فى عناق"، وأنظر إلى أبى وهو يسبح بحمد الله. ذهب ذلك كله أدراج الرياح، وأصبحت كلمات مثل "الوطنية" أو "مجانية التعليم" تثير إما الحسرة أو السخرية، وألغيت "المكاسب الاشتراكية" وحلت محلها "البيئة" فى الدستور، وكأنه "دستور بيئة"، واجتمع اللاصقون العرب فى كراسى السلطة لكى يقدموا لإسرائيل عربون محبة تحت اسم "المبادرة العربية" وهم يعلمون أن إسرئيل لن ترضى إلا بالرضوخ الكامل، ولا يعلمون أن اعترافهم بكيان استعمارى أقيم بذريعة دينية يفتح أبواب جهنم أمام كل التيارات السياسية الدينية التى يتصورون أنهم سدوا الطريق فى وجهها بنص دستورى. لذلك كله أحن إلى صوت عبد الحليم، وزمن عبد الناصر، وتلك النظرة من الفرحة والزهو والكبرياء التى رأيتها فى عينى أبى عندما عرف أنه جلاء "بدون قيد أو شرط"، وكم أتمنى قبل أن أموت أن تعرف تلك النظرة طريقها إلى عينى، "ذات ليلة".

Sunday, September 22, 2013

سينما المؤلف فى مصر.... بين الحقيقة والأسطورة


لا يكاد مصطلح "سينما المؤلف" يثار في النقد السينمائي العربي، حتى يقفز للذهن على الفور يوسف شاهين، برغم مفارقة أنه لم "يؤلف" الكثير من أفلامه، أو بالأحرى لم يكتب سيناريوهاتها، وإن كان قد اشترك في كتابة بعضها، وأفضل أفلامه على الإطلاق "الأرض" عن رواية عبد الرحمن الشرقاوي، وسيناريو العديد من الكتاب الذين لم يكن من بينهم. لماذا إذن تنتشر فكرة أن يوسف شاهين "مؤلف" سينمائي؟ الحقيقة أن هناك خلطا بين مفهومين متشابكين، الأول هو أن يكتب المخرج السيناريو بنفسه، وبرغم ذلك فإن أفلامه لا تنتظمها وحدة واحدة، وهذا هو المخرج "الحِرَفي الذي "يصنع" أفلامه دون أن تعكس اهتمامات معينة تسيطر على أعماله الفنية، ولك في حسن الصيفي أو ناصر حسين مثالين في السينما المصرية، ولهما عشرات الأفلام التي لم تبق في ذاكرة التاريخ. أما المفهوم الثاني فهو المخرج الذي "يتدخل" في كتابة السيناريو، بحيث يمكنك أن ترى فيها جانبا من قلقه الخاص، الذي يريد دائما التأكيد عليه. لم يكتب ألفريد هيتشكوك مثلا أفلامه، لكنها في أغلبها تنتمي إلى عالمه الخاص، وكثيرا ما تجد عنده بطلا بريئا يتورط دون وعي أو رغبة منه في مشكلة ما، كبيرة كانت أو صغيرة، لا فرق بين "النافذة الخلفية" حيث يجلس صحفي مكسور الساق، مسترقا النظر إلى جيرانه، ليكتشف جريمة قتل فيها زوج زوجته، أو "الرجل الذي عرف أكثر من اللازم"، للبطل السائح الذي يعرف بالصدفة خطة اغتيال كبرى، ويختطف المتآمرون ابنه لكي يمنعوه من إفشاء السر. وقد يحار النقد والنقاد طويلا في تفسير ذلك "الهمّ" عند هيتشكوك، وهل يعكس قلقا شخصيا لا واعيا، أم أنه إشارة إلى عصر التوترات العالمية التي أفرخت حربين طاحنتين وحربا باردة طويلة، لكن أيا كان التفسير فإنها "سينما المؤلف" حتى لو لم يكتب المخرج أفلامه. ومن المفارقات أن فن السينما كان في بداياته لا يعرف فرقا بين كاتب للسيناريو ومخرج، وأن تلك التفرقة جاءت مع "تقسيم العمل" عندما أصبحت الصناعة أكثر تعقيدا، ومع ذلك فإن هذه الفترة الأولى شهدت "سينما مؤلف" راقية رائقة، ولعل أفضل مثال في هذا السياق هو شارلي شابلن، صاحب شخصية "الصعلوك" الذي لم يمنعه فقره من الحفاظ على كرامته وأخلاقياته، والذي انتقل به بين عشرات الأفلام، تراه في "أضواء المدينة" عاشقا لفتاة ضريرة، يساعدها دون أن تعرفه على استرداد بصرها، وها هي في المشهد الأخير تتعرف عليه عندما تتلامس الأيدي، كما يمكنك أن تراه في "العصر الحديث"، عاملا تطحنه الآلة وتطارده السلطة حيثما رحل، لكنه يظل ينطلق دائما نحو أفق متفائل. على عكس هذا التفاؤل، تجد تشاؤما يسري في أفلام المخرج ستانلي كوبريك، الذي يرى أنه لا مستقبل هناك أمام الحضارة الغربية التي سارت في طريق مسدود، وهو في "2001 أوديسّا الفضاء" يشير إلى أن الإنسان الذي بدأ رحلته باختراع الآلة سوف ينتهي عبدا لها، كما أنه في "خزانة مدفع مليئة بالطلقات" يرصد كيف تحول النزعة العسكرية الأمريكية البشر إلى أدوات غير عاقلة للقتل. وبالمثل فإن أوليفر ستون يعكس في أغلب أفلامه حالة من الالتباس التي يعيشها المواطن الغربي، فهو في "جي إف كيه" يحلل خليط المعلومات حول اغتيال كينيدي، وكيف أن الحقيقة ضاعت وسط كل هذا التشوش، كما أنه في "أي يوم أحد" يرى أن عالم الرياضة أصبح انعكاسا كاملا لوهم "الحلم الأمريكي" الرأسمالي الذي يطحن الجميع. لكن من الحق القول أيضا أن صناعة السينما الأمريكية لا تسمح كثيرا بأن يكون للمخرج "رؤية" تنتظم أفلامه، لذلك فإن تلك النزعة لا تظهر إلا في مجال "السينما المستقلة"، حيث يمارس المخرج أدوارا عديدة في أفلام قليلة التكاليف، بلا مخاطرة كبيرة في شباك التذاكر. وعلى العكس تماما من كل التوقعات، عرفت السينما المصرية "سينما المؤلف" دون أن تسميها كذلك، وربما كان السبب هو أن صناعة السينما عندنا ليست من التعقيد بحيث تطلب درجة عالية من تقسيم العمل، كما هو الحال في هوليوود، بل ربما كان الأمر بالنسبة للمنتج أفضل (من ناحية التكاليف!!) أن يقوم المخرج بكتابة السيناريو أيضا. لذلك يمكنك بقدر من التأمل أن تجد سينما المؤلف في مصر عند مخرجين في مجال الأفلام التجارية، مثل أنور وجدي، الذي كان يترك مهمة كتابة الحوار لغيره من المتخصصين، لكنه كثيرا ما يكتب القصة والسيناريو، مثل "غزل البنات" و"ياسمين" و"حبيب الروح"، وهو يصنع هذه الأفلام وعينه على شباك التذاكر، ليقدم "توليفة" بالغة الطرافة من الرومانسية والميلودراما والمطاردات والغناء. تماما كما كان حسن الإمام يميل إلى الحبكات الميلودرامية، التي يشتعل فيها الصراع بين الخير والشر، والتسامح والانتقام، والجسد والروح، مثل أفلامه "اليتمتين" و"بائعة الخبز" و"الجسد"، وإنك لو تأملت القصة التي كتبها لفيلم "خللي بالك من زوزو" لوجدت فيها ذلك كله، وإن كان سيناريو وحوار صلاح جاهين قد أضفى عليها روحا بالغة التفاؤل. على النقيض من حسن الإمام تجد عز الدين ذو الفقار، وهو أيضا لم يكتب سيناريوهات أفلامه وإن كان قد اشترك فيها، وترى عنده دائما روحا رومانسية حزينة متشائمة تسري في أبطال تعذبهم البراءة، في عالم يخلو من هذه البراءة، وحتى عناوين أفلامه تعكس هذه الروح، مثل "سلوا قلبي" أو "وفاء" أو "موعد مع السعادة" أو "موعد مع الحياة"، ومن المؤكد أن القارئ يتذكر تلك القلوب الصافية في "الشموع السوداء" (تأمل العنوان هنا أيضا)، وهي تتحاب برغم كل الفوارق، بينما الشر يخيم بظلاله ويهدد بالكارثة، وليس ما يدل على تلك الروح المتشائمة أكثر من وجود كلب أليف وفي للبطل، بينما الشقيق لا يتورع عن تدبير جريمة قتل! كذلك صلاح أبو سيف، الذي عمل كثيرا مع نجيب محفوظ كاتبا للسيناريو، واختار في الأغلب قصصا تدور حول النوازع والغرائز البشرية التي تحدد العلاقات الاجتماعية، وتجعل من البشر وحوشا، لا فرق بين "لك يوم ياظالم" أو "شباب امرأة"، وإن كان قد خرج أحيانا من هذا العالم الغرائزي ليدخل إلى التحليل الاقتصادي والاجتماعي في أفلام مثل "الفتوة"، ليرصد آليات صعود طغاة السوق بمساعدة فساد السلطة، أو "بين السماء والأرض" حيث انحشر المجتمع في لحظة تحول تاريخي، وهو أخيرا في "البداية" (هذه المرة مع لينين الرملي كاتبا للسيناريو) يقدم حكاية رمزية عن تكون المجتمعات ونشأة السلطة. لكن ربما كان الأجدر بمصطلح "سينما المؤلف" بين المخرجين المعاصرين اثنين متميزين، رأفت الميهي وداود عبد السيد. أما الأول فقد اختار ما أسماه "الفنتازيا" وهو إلى السخرية الجامحة أقرب، سخرية يوجهها إلى أي شيء وكل شيء، إلى الفساد السياسي في "الأفوكاتو"، وإلى علاقات الرجل والمرأة في "السادة الرجال"، والأخلاقيات السائدة في "تفاحة"، وأمور وقضايا فلسفية يتعمد غموضها في "ميت فل" (ويسميه بالإنجليزية "لنقتل أبانا")، لكن هذا الجموح المتزايد أدى بسينما رأفت الميهي إلى نوع من الغربة ولا نقول الاغتراب، حتى أنها فقدت حسها الثوري المفترض. ويأتي داود عبد السيد، لا ليعكس عالما "كليا" في أفكاره وأيديولوجياته، وإنما رغبة أعمق في التعبير السينمائي الصافي على طريقة أنطونيوني وفيسكونتي، حيث لا يمكنك تلخيص العمل في "قصة" أو حبكة، بل لابد لهما من التكامل مع العناصر البصرية. لذلك قد تسيطر السيريالية مثلا على "البحث عن سيد مرزوق"، في ضياع الخط الفاصل بين الحقيقة والحلم، أو قد تطغى روح أفلام العصابات في "أرض الخوف" برغم الإشارات التي تدل على أبعاد فلسفية. وهذا الطموح قد أبعد أفلامه عن الجمهور العريض، وإن كان هو الطموح ذاته الذي حقق لفيلمه "الكيت كات" جماهيرية فائقة ونجاحا نقديا كبيرا، لأنه اعتمد على محاولة الوصول إلى فلسفة الشعب المصرى في بقائه على قيد الحياة، برغم الظروف الطاحنة التي كانت كفيلة بالقضاء عليه. وبرغم اعتماد الفيلم على رواية ابراهيم أصلان بنفس الاسم "الكيت كات"، فإنه يستحق أن يكون مثالا على "سينما المؤلف"، التي لا نعرف عنها الكثير من الحقائق، وإن كنا نردد عنها الكثير من الأساطير.

Saturday, September 21, 2013

مسلسل "الزوجة الثانية".... ظل باهت للفيلم، والواقع أيضا


عندما يقرر صناع الدراما التليفزيونية "إعادة صنع" عمل سينمائي ما، فلابد أن هناك سببا قويا يدفعهم إلى ذلك، لكن تجارب المسلسلات المصرية في الاقتباس عن أعمال سينمائية سابقة أتت جميعها مخيبة للآمال، لسبب رئيسي هو تصور صناعها أن مجرد النجاح الجماهيري للفيلم سوف يضمن بالضرورة نجاح المسلسل، لكن ذلك تحديدا هو جوهر الفشل، ففي كل لحظة من هذا المسلسل أو ذاك لا يتوقف المتفرج عن مقارنته بالفيلم، وتكون النتيجة دائما لصالح هذا الأخير، وهذا بالضبط هو ما حدث مع مسلسل "الزوجة الثانية". لقد تم عرض فيلم "الزوجة الثانية" عشرات المرات على مختلف القنوات التليفزيونية الفضائية، ولم يعد نجاحه مقتصرا فقط على الجيل الذي شهده في السينما في النصف الثاني من الستينيات، بل أصبح بالنسبة لأجيال عديدة جزءا من "فولكلور" جديد، وجرت على الألسنة عبارات مثل "الدفاتر دفاترنا"، في إشارة للتزييف الذي يأخذ شكلا قانونيا، أو "الليلة يا عمدة"، تلميحا إلى العناد الذي يتسبب عن غيرة متأججة. لكن صناع مسلسل "الزوجة الثانية": ياسين الضو وأحمد صبحي كاتبين للسيناريو، وخيري بشارة مخرجا، لم يتوقفا بالتأمل عند السبب الحقيقي للفيلم، أو قل الأسباب العديدة لهذا النجاح، والتي سوف نتناولها لاحقا بشيء من التفصيل. دعنا نبدأ أولا بالحبكة الرئيسية للقصة، التي كتبها للفيلم أحمد رشدي صالح: عمدة لا يعرف طمعه حدودا، ويستولي على كل ما تصل إليه يداه، حتى نصيب أخيه من الميراث، لكنه زوجته التي لا تختلف عنه كثيرا لا تنجب، ليدرك العمدة أن كل شيء سوف يؤول بعد وفاته إلى الآخرين، لذلك فهو يريد ابنا يرثه. غير أن تلك الرغبة تتلاقى مع رغبة أخرى أكثر عمقا، وهي اشتهاؤه لفلاحة فقيرة جميلة لكنها متزوجة، فيدفع زوجها إلى تطليقها بالقوة، ويتزوجها في الليلة ذاتها. وتعرف الفلاحة بالصدفة أن مثل هذا الطلاق أو الزواج غير جائز شرعا، وأنها ما تزال زوجة لزوجها الفلاح الفقير، فتقرر ألا يمس العمدة شعرة منها، بينما تحمل من زوجها، فتؤدي هذه الصدمة بالعمدة إلى الشلل ثم الموت، وترث البطلة وابنها كل شيء بحكم القانون الذي أراد العمدة في البداية التلاعب به. لديك هنا بطلة تثير تعاطفك بكل ما تملك من مشاعر وأفكار، سواء في مرحلة القهر والفقر، أو في مرحلة التحايل على الواقع المرير. ولعلنا جميعا نتفق على أن جانبا كبيرا من نجاح الفيلم يعود إلى قيام سعاد حسني بتجسيد دور البطلة فاطمة، لكن ذلك ينسحب في الحقيقة على كل ممثلي الفيلم الذي أخرجه صلاح أبو سيف، وهو الذي عرف عنه التدقيق الشديد في اختيار وإدارة ممثليه، صلاح منصور في دور العمدة، وسناء جميل في دور زوجته، وشكري سرحان في دور الزوج المقهور، وحتى الشيخ الذي يضفي غطاء "شرعيا" مزيفا على كل التصرفات الظالمة، وقام بتجسيده حسن البارودي. لكن الأهم من ذلك كله هو "إحساس" صلاح أبو سيف بأجواء الأحداث، التي لا تدور في "ديكور" مصطنع، وتأكيده على عنصر "المفارقة"، في المرارة التي يشعر بها العمدة، لأنه يترك ميراثه بعد رحلة طويلة من جمعه بكل الوسائل، إلى وليد ليس في الحقيقة هو ابنه!! سوف تضيع هذه المفارقة الجوهرية تماما في المسلسل التليفزيوني، ليس فقط بسبب "مط" الأحداث بشكل متعسف لتصل إلى ثلاثين حلقة، وإنما للانعطافات التي أخذ فيها كاتبا السيناريو أحداث القصة، وغياب إحساس المخرج بأجواء الريف الحقيقية، وهو ما سوف يتأكد لك على الفور مع اختيار الممثلين (أو قل عدم اختيارهم)، فقد جاءت مثلا الممثلة آيتن عامر بطلة للمسلسل لأنها شقيقة زوجة المنتج (!!)، لكن ذلك ينسحب أيضا على بقية الأدوار، ولتتأمل على سبيل المثال علا غانم في دور الزوجة الأولى، التي ترتدي ملابس فاضحة وتظهر بها أمام الجميع، وتتحدث بلهجة أقرب إلى الغانيات، وإن كان المسلسل سوف "يحشر" أيضا الغانية راوية (إيناس عز الدين)، التي تكسب عيشها من تزويج الفلاحات صغيرات السن إلى عجائز أثرياء، ولن يعرف المتفرج أبدا سبب وجودها، سوى أنها تشتهي الزوج الفلاح أبو العلا (عمرو واكد)، وتنتظر تطليقه لزوجته فاطمة، حتى تأخذه إلى عالم الصفقات المالية الرابحة، في تحول في السرد يأخذ الحبكة بعيدا تماما عن جوهرها!! ليس الأمر هنا هو الالتزام بالحبكة الأصلية للقصة أو الابتعاد عنها، وإنما تحقيق التوحد، أو التعاطف على الأقل، مع هؤلاء الأبطال المضطهدين، وهو ما افتقده المسلسل خاصة في نصفه الثاني، ليضاف عنصر جديد إلى المقارنة بين سعاد حسني وآيتن عامر، وهو تحول البطلة فاطمة في المسلسل إلى الشراسة والعدوانية، التي تصل أحيانا إلى درجة السوقية التي تثير نفور المتفرج بدلا من أن تثير شفقته. إن ذلك يمتد إلى بقية الشخصيات، فمرة أخرى في مسلسل "الزوجة الثانية" تشاهد مزيدا من "فلاحي التليفزيون"، الذين يعيشون في ديكورات مرسومة، ويتحدثون بلهجة مصطنعة، دون أن تجد سببا واحدا، أو إضافة ذات مغزى، تبرر إعادة صنع فيلم "الزوجة الثانية" في شكل المسلسل التليفزيوني. ومن الحق القول إن المشاهد الصادقة الوحيدة في المسلسل كانت تلك التي تتسم بصبغة تسجيلية، خاصة في شكل الأفراح الريفية البسيطة، لتتذكر كيف أن المخرج خيري بشارة بدأ حياته السينمائية مخرجا بالغ التميز للأفلام التسجيلية، لكنه عندما يتحول إلى الدراما يفقد جزءا لا يستهان به من الإحساس بالواقع، فكما كانت جماليات الصعيد في فيلمه "الطوق والإسورة" لا تعكس الحرارة الخانقة في هذا العالم، فهو هنا أيضا يرى عالم الفلاحين من على السطح، أو بالأحرى ليس بعيني الواقع وإنما من خلال التراث التليفزيوني عن هذا العالم. تأمل على سبيل المثال تلك المشاهد الحوارية الطويلة بين الشخصيات، لا تفعل فيها شيئا سوى أن تقف أو تجلس كأنها على خشبة مسرح، ناهيك عن الاسترسال أيضا في "مونولوجات" طويلة" تخلط بين عالم "هاملت" وعالم قرية مصرية صغيرة فقيرة! وفي مثل هذا العالم سوف يعود "فلاحو التليفزيون" إلى تقمص الأدوار البلهاء، التي تخلط بين التخلف العقلي وما يفترض أنه الكوميديا، فالخفير حسان (هشام اسماعيل، الذي حل محل دور عبد المنعم ابراهيم) يتبادل حديثا طويلا مع أوزة، وتظل جميع الشخصيات طوال حلقة كاملة تتحدث عن انتظار تركيب "تليفون" في مكتب العمدة، في حوار أقرب إلى التهريج المفتعل. كما يفتقد العمدة عتمان هنا (عمرو عبد الجليل) قدرا كبيرا من المصداقية التي تمتع بها عمدة الفيلم، فهو ما يزال في ريعان شبابه وليس رجلا يقترب من شيخوخته. الصدق الواقعي والفني، هذا باختصار ما افتقده مسلسل "الزوجة الثانية"، فلم يأت فقط ظلا باهتا للفيلم، وإنما لأي واقع حقيقي أيضا، فأنت لن تصدق قدر الفقر الذي يعيش فيه أبو العلا وزوجته فاطمة، ولن تشعر بذل القهر الذي يدفع هذا الرجل لتطليق زوجته، ولن تتعاطف مع فاطمة التي لا تملك لضعفها سوى أن تتحايل على كل هذا الهوان. وإن أردت مثالا على خطأ (يكاد أن يصل إلى درجة الخطيئة) في ابتعاد المسلسل عن القصة الأصلية، فسوف تجده في المرض الذي أقعد أبو العلا عن العمل، مما اضطر فاطمة للعمل في بيت العمدة حيث اقتربت الفريسة من شبكة الصياد: في الفيلم يجتاح القرية وباء الكوليرا، أما في المسلسل فإن أبو العلا يصاب في خناقة عارضة!! وذلك ليس إلا مثالا على عدم إدراك صناع المسلسل لأهمية السياق الدرامي الذي تدور فيه الأحداث، بقدر عدم إدراكهم للسياق الواقعي ذاته، فجاء معظم ما فيه مزيفا، ليستحق كل هذا الانتقاد المرير الذي ناله من بين كل مسلسلات رمضان.

Tuesday, September 17, 2013

الموسيقى في السينما.... عندما يتحول الصخب إلى الصمت!!


من الأخطاء الشائعة في الحديث عن تاريخ السينما أن نستخدم تعبير "السينما الصامتة"، لوصف تلك المرحلة التي استمرت حوالي ثلاثة عقود من بداية السينما، ولم يكن ممكنا خلالها تسجيل الصوت، بحيث يسمعه المتفرج متزامنا ومتطابقا مع الصورة. لكن لم يكن ممكنا أيضا ترك هذا المتفرج في صمت مطبق، خاصة أن آلات العرض الأولى كانت تُصدر صوتا مزعجا، ومن هنا نشأت الحاجة إلى مصاحبة موسيقية من نوع ما، ربما تأتي في دور العرض الرخيصة من آلة "فونوغراف"، أو أن تأتي دور العرض الفاخرة بفرقة موسيقية كاملة، أو حتى عازف لآلة الأورج أو البيانو، لتملأ الموسيقى هذا الصمت. لكن هذه الموسيقى لم تكن أيضا مجرد احتياج تفرضه ظروف العرض، فقد كانت الموسيقى المسرحية قد بلغت درجة عالية من النضج، ورثته عنها السينما على الفور. فللموسيقى فى الفنون الدرامية وظائف بالغة الأهمية، حتى أنه لا يمكن لك – إلا فيما ندر – أن تتخيل فيلما يخلو من الموسيقى، التي تعزز اللحظات الدرامية بقوة. ففي النسخة الأخيرة من فيلم "البؤساء" على سبيل المثال، يلتقي البطل السجين السابق مع سجانه بعد سنوات طويلة، ويحاول البطل أن يتخفى ويهرب من هذا الماضي، لكن المتفرج يعرف أن ذلك مستحيل، عندما يرتفع على شريط الصوت لحن كنا قد سمعناه في مشاهد السجن السابقة. وكثير من الأفلام العالمية ارتبط بالموسيقى التصويرية لها، مثل "الطيب والشرس والقبيح" أو "من أجل حفنة دولارات" أو "الأب الروحي"، حتى أن الموسيقى فيها اشتهرت لدرجة انتقالها إلى العديد من الأفلام المصرية. ولا يمكن أن تنسى أيضا أغنية فيلم "تايتانيك" أو "الحارس الشخصي" أو بعض أفلام "جيمس بوند"، وهي أغنيات تم تأليفها خصيصا لهذه الأفلام، كما قد تستعين السينما أحيانا ببعض المؤلفات العالمية الشهيرة، مثلما فعل المخرج الألماني فريتز لانج في فيلمه "إم"، حين جعل البطل قاتل الأطفال يهمس لنفسه دائما بلحن من متتالية "بيرجنت" لإدوارد جريج، وعندما يعلو اللحن معزوفا على آلات الأوركسترا فإن المتفرج يتوقع على الفور وجود القاتل. وأخيرا فقد استخدم هيتشكوك الموسيقى على نحو متفرد في مشهد القتل من فيلمه "سايكو"، فبدلا من أن نسمع الصرخات بينما تنهال الطعنات، هناك نغمات صارخة من آلات وترية تضفي على المشهد مزيدا من الكابوسية. تلك وغيرها استخدامات "جمالية" للموسيقى في السينما، غير أن السينما المصرية لم تتقنها إلا في حالات نادرة، خاصة أن لهذه السينما سمة ظلت ملازمة لها، وهي وجود الأغنية التي تقطع سير الدراما أحيانا، أو تخرج على الأسلوب الفني ذاته، فليس من المنطقي مثلا في فيلم "واقعي" كفيلم "العزيمة" أن تصعد البطلة (فاطمة رشدي) إلى سطح منزلها، لتغني أغنية حزينة دون أن ندري من أين تأتي هذه الموسيقى!! وإلى جانب الأغنيات، أضاف المخرجون "توليفة" من مقطوعات شهيرة، أصبحت من "أرشيف" الموسيقى التصويرية التي تكررت في الأفلام المصرية حتى الخمسينيات، ولعل أشهر هذه المقطوعات "صور في معرض" للمؤلف الموسيقي موسورسكي، أو باليه "جيانه" لخاتشادوريان، أو "شهر زاد" لكورساكوف، ولعلك تلاحظ أنها مؤلفات موسيقية روسية، لذلك كان طابعها الشرقي ملائما لذوق المتفرج العربي. وبعد سنوات طويلة، أدرك مخرجو السينما المصرية أهمية وجود موسيقى تصويرية في الأفلام، لكن الارتباط مرة أخرى بالأغنية دفعهم إلى أن يبحثوا عن هذه الموسيقى لدى المطربين الملحنين المشهورين، مثل محمد عبد الوهاب أو فريد الأطرش أو محمد فوزي، الذين جاءت ألحانهم مجرد "نقلات" موسيقية لا تدرك تماما الطابع الخاص للموسيقى السينمائية. وهنا يأتي دور واحد من أهم وأغزر من ألفوا الموسيقى للسينما المصرية، وهو فؤاد الظاهري، والذي تتراوح الأفلام التي اشترك فيها بين واقعية "شباب امرأة"، ووطنية "بورسعيد" أو "رد قلبي"، وتجريبية "باب الحديد"، وكوميدية "الزوجة 13"، لكن برغم الفوارق الهائلة بين عالم كل من هذه الأفلام، فقد اعتمد الظاهري على أسلوب واحد، وهو انفجار الموسيقى العاطفية الجياشة في اللحظات الميلودرامية، وربما لن تجد عنده أبدا موسيقى مرهفة في لحظة درامية رقيقة، بل إن اعتمد على تكرار بعض ألحانه التي انتقلت من فيلم إلى فيلم، سواء كانت تنويعات على "تيمات" فولكلورية أو شعبية مثل "يمامة بيضا" أو "آه يازين"، أو ألحانا من عمل أثير لديه يحمل عنوان "الأرض الثائرة"! وإلى جانب الظاهري، كان هناك العديد من الموسيقيين الأقل شهرة وإن لم يكونوا أبدا أقل موهبة ودراسة، مثل عازف الكمان الشهير أنور منسي الذي وضع موسيقى فيلم "غروب وشروق"، أو المؤلف الموسيقي عبد الحليم نويرة صاحب موسيقى فيلم حسين صدقي "خالد بن الوليد"، أو فيلم "سيد درويش"، وكان نويرة واحدا ممن يجيدون تقديم تنويعات على الألحان، أو مثل سليمان جميل الذي ألف موسيقى فيلم "الحرام". لكن تأثير هؤلاء توارى إلى جانب صخب موسيقى الظاهري، وربما كان الوحيد الذي استطاع إضافة لمسه مغايرة هو أندريا رايدر، الذي منعته جذوره الأجنبية من غزارة تأليف ألحان مصرية وشرقية صميمة، لكن ذلك النقص ذاته هو الذي ألجأه لأسلوبه الخاص، الذي اعتمد على تقديم تنويعات بالغة التباين على لحن أو لحنين طوال الفيلم كله. إنه في فيلم "حكاية حب" على سبيل المثال يعتمد على حزن لحن أغنية "في يوم في شهر في سنة"، وعاطفية لحن أغنية "بتلوموني ليه"، ليقدم منهما نسيجا يغلف كل اللحظات الدرامية على اختلافها، كما فعل في فيلم "الخطايا" مع لحني "الحلوة" و"لست أدري"، أو الفيلم الذي قامت ببطولته نجاة "غريبة"، مع لحني "عيد ميلادك يامنى" و"وحديا". ومن نفس النقطة بدأ علي اسماعيل، الذي قدم تنويعات لحنية في فيلم "يوم من عمري" على أغنيات مثل "ضحك ولعب" أو "بأمر الحب"، لكنه عبر أفلام فرقة رضا مثل "أجازة نص السنة" أو "غرام في الكرنك"، استطاع تطوير أدواته، التي بلغت ذروتها في فيلم يوسف شاهين "الأرض"، الذي لا يمكن أن تنسى فيه تنويعاته على لحني "أرضنا وعطشانة" أو "نورت ياقطن النيل"، في لحظات مفعمة بالألم أو الأمل. ويمكنك أن ترى مثيلا لهذه المسيرة مع محمد نوح، الذي فهم تماما معنى الموسيقى السينمائية مع فيلمي يوسف شاهين "اسكندرية كمان وكمان" و"المهاجر". لكن هذا التقدم نحو موسيقى سينمائية أكثر نضجا شهد تراجعا في السبعينيات، بسبب استخدام الآلات الموسيقية الإلكترونية استخداما مفرطا، والاستعانة ببعض العازفين المشهورين عليها، مثل مجدي الحسيني وهاني مهنا وعمر خورشيد، الذين كانت وظيفتهم هي "ملء" شريط الصوت بأي موسيقى. وبرغم أن مؤلفا موسيقيا مثل جمال سلامة قد درس التأليف والتوزيع الموسيقيين، فإنه أعاد في تلك الفترة أسلوب فؤاد الظاهري الصاخب مرة أخرى، ولا يمكن لك أن تجد فرقا بين موسيقى أي من أفلامه العديدة التي قامت ببطولتها نبيلة عبيد أو نادية الجندي. وعندما جاءت الثمانينيات بجيل جديد من السينمائيين، ظهر أسلوب أكثر رهافة في الموسيقى السينمائية، يمكنك أن تجده مثلا في أفلام المخرج محمد خان التي كتب موسيقاها كمال بكير، أو مؤلفات راجح داود الموسيقية لأفلام داود عبد السيد. وتميزت أيضا موسيقى مودي الإمام في أفلام المخرج شريف عرفة بنوع من دعم المونتاج الإيقاعي، ظل علامة مسجلة منذ "الدرجة الثالثة" و"اللعب مع الكبار"، وانتقل إلى جيل جديد من المؤلفين الموسيقيين مثل خالد حماد وعمرو اسماعيل. لكن واقع الموسيقى السينمائية اليوم في السينما المصرية قد عاد للأسف إلى مراحل بدائية، فقد تسمع على شريط الصوت في أحيان نادرة موسيقى تدعم اللحظة الدرامية، كما عند ياسر عبد الرحمن أو عمر خيرت أو الراحل عمار الشريعي، لكنك في الأغلب الأعم لن تجد سوى حالة من الصخب السمعي الذي يتماشى مع الصخب البصري، حتى أن سؤالا مهما يغيب عن صناع معظم سينمائيي السينما المصرية الآن، هذا السؤال ليس هو "أين أضع هذه الموسيقى؟"، بل أيضا "أين يجب أن تغيب الموسيقى؟"، فعندما تصبح الموسيقى موجودة في كل لحظة، يمكن لك أن تتأكد من أنها تفقد تأثيرها. ويبدو أن السينما المصرية قد عادت "صامتة" برغم كل هذا الصخب على شريط الصوت!!

Saturday, September 14, 2013

مسلسل "اسم مؤقت".... دليلك إلى خداع المتفرج في تسع وعشرين حلقة


تسيطر مؤخرا على الدراما المصرية، التليفزيونية والسينمائية، بل أيضا على معظم الإعلانات التجارية، تيمة واحدة غريبة، خاصة في مجتمع عُرف عنه الاستقرار والثبات لمئات السنين، لدرجة اتهامه أحيانا بأنه يستعصي على التطور والتغيير. تلك التيمة هي ضياع هوية البطل الدرامي، التي تصل إلى درجة الخلل العقلي، وشاع في سطور حوار هذه الدراما تعبير "الانفصال عن الواقع"، ولعل ذلك كله يشير إلى حالة من القلق الاجتماعي والسياسي، حيث يبدو مظهر الأشياء غالبا مناقضا لجوهرها، لكن الحقيقة أنه يعكس أيضا أمرا أكثر بساطة بكثير، وهو ضعف الكتابة الدرامية إلى درجة لا تُصدق!! كنا قد أشرنا في مقال سابق إلى مسلسل "حكاية حياة"، وربما سوف نأتي لاحقا إلى مسلسل "نظرية الجوافة"، وها نحن الآن بصدد مسلسل يدعى "اسم مؤقت"، وفي كل هذه المسلسلات تحتشد الأحداث بخليط عجيب غريب ومتشابك من الخيوط، وتظهر شخصيات وتختفي أخرى، وبينما ينتظر المتفرج أن يقدم صناع هذا العمل أو ذاك حلا للعقدة الدرامية وكل هذا التعقيد، إذا بهم يقولون له إن كل ما رآه ليس هو الحقيقة، وإنه ناتج عن خيال شخص مريض، يعيش بعيدا عن الواقع في عالم وهمي، وذلك بالضبط هو جوهر الخلل في هذا النوع من الدراما، إنه يقوم على خداع المتفرج، وهروب كاتب السيناريو من تقديم تفسير درامي مقنع لثلاثين حلقة من الغموض، الذي سوف يكتشف المتفرج أخيرا افتعاله وتعسفه. وقد نحتاج في البداية أن نشير إلى بعض الأعمال المسرحية والسينمائية العالمية التي بدأت تيمة ضياع الهوية والبحث عنها، وربما كان مفهوما تماما أن يثور هذا السؤال بعد أن عاشت أوربا أهوال الحرب العالمية الثانية، فعلى رغم ما تدعيه من حضارة وتمدن، شهدت هذه الحرب أقصى درجات الوحشية، بما استدعى السؤال: من نحن حقا؟ وكانت البداية في مسرحية جان أنوي الفرنسية "مسافر بلا متاع"، حول شخص فقد الذاكرة، ليطوف دون جدوى بين عائلات مختلفة باحثا عن حقيقته، وعندما يصل أخيرا إلى عائلته الحقيقية، يكتشف أن له ماضيا بغيضا، فيقرر أن يتحرر من هذا الماضي لكي يبدأ حياته من جديد بهوية جديدة. وفي تنويع أمريكي على الفكرة ذاتها، جاء فيلم "هوية بورن" بأجزائه اللاحقة، التي تتحدث جميعا عن بطل فقد ذاكرته، لكنه يكتشف أيضا أن ماضيه ملوث بعمليات إجرامية، لأنه أحد العملاء الخطرين لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، التي تحاول قتله حتى لا يفشي أسرارها، ليخوض معها حربا باحثا لنفسه عن هوية جديدة. لكن المعالجة الأقرب إلى مسلسل "اسم مؤقت" كانت مع الفيلم الأمريكي "المجهول"، لبطل يفقد ذاكرته في حادث، وعندما يحاول أن يستعيد هويته وماضيه ينكره الجميع، على نحو بالغ الكابوسية، ليكتشف في النهاية أن الهوية التي يبحث عنها ليست إلا هوية مزيفة، عاشها في مهمة قذرة للمخابرات الأمريكية. ونحن أيضا مع "اسم مؤقت" مع بطل يدعى يوسف رمزي (يوسف الشريف)، نراه في اللقطات الأولى وقد وصل لتوه من لندن بعد سنوات طويلة من الغياب عن مصر، ويتعرف في الطائرة على المضيفة الجميلة هالة (شيري عادل)، التي سوف تصبح حبيبته في قادم الأحداث، كما سوف يذهب إلى منزله، حيث تستقبله أمه الحنون (صفاء الطوخي). وتنمو العلاقة الدافئة من جانب يوسف تجاه هالة، بينما تمضي الأحداث أيضا هنا وهناك في أي اتجاه، لتحكي مثلا عن علاقة حب قديمة بين يوسف ومطربة شهيرة، تنتهي إلى مصرعها على يد زوجها الغيور. لابد أنك قد شعرت بتلميح ما حول حادثة شهيرة مشابهة، كما سوف تشعر بتلميحات أخرى حول ملابسات اقترنت بالسباق حول الترشح للانتخابات الرئاسية، مثل خيانة رجل السياسة لزوجته التي وقفت معه طويلا، أو علاقة الحب التي أعلنها رجل سياسة آخر في إحدى الصحف، أو تزوير رجل ثالث (أو قل إخفائه) لحقيقة حصوله على جنسية أجنبية. ما هي علاقة ذلك كله ببطلنا يوسف؟ إنه سوف يكون الراعي الرسمي لأحد هؤلاء المرشحين (زكي فطين)، ليقطع ذلك السياق كله، ويتقاطع معه، حادث عارض، يفقد فيه يوسف ذاكرته، وعندما يحاول أو يستعيد بعضا من هذه الذاكرة، بمساعدة الحبيبة هاله، يقولون له إن هناك شخصا آخر باسم يوسف رمزي، هو الراعي للحملة الانتخابية إياها. كان يكفي لهذا الـ"يوسف" أن يطلب من هالة مثلا أن تساعده في إثبات دخوله من المطار، فلابد أنهم سجلوا هناك هويته، لكن هذا "الحل" لن يرد على ذهن يوسف (بالأحرى لن يرد على ذهن صناع المسلسل)، لأنه سوف ينهي هذه الدراما المصطنعة في الحلقة الثانية!! وبدلا من ذلك يدخل العمل إلى متاهة درامية بالمعنى الحرفي للكلمة، حيث تحدث عمليات القتل العشوائي لأي شخص بمنتهى السهولة، وينجح يوسف دائما في التغلب على مطارديه بمهارات لا يقول لنا المسلسل من أين اكتسبها، ليظل دائما في حالة هروب، من جانب جهة لا يعلمها ولا نعلمها في الأغلب، ولن يفيدنا حتى أن علمناها سوى أن تزيد الأمر ارتباكا. هناك مشكلة سوف تشعر بها كمتفرج طوال الحلقات، أن الممثل يوسف الشريف لن ينقل لك أبدا إحساس الشخص الباحث عن هويته، الهارب من مطاردته، فهو "يتمتع" بثبات غريب في تعبيرات الوجه وإيماءات الجسد، بينما المكسب الحقيقي هنا هو عشرات الممثلين المساعدين الشباب، من الرجال والنساء على السواء، ذوي الوجوه العادية والأداء الطبيعي، بما يشعرك أنك قد قابلت هذه الشخصيات في حياتك اليومية، فيما عدا ممثلا واحدا قام بدور ضابط شرطة، بدا كأنه قادم من عالم الرسوم المتحركة اليابانية، حيث لا تبدو على الوجوه أي نوع من المشاعر. من جانب آخر، عمد إخراج أحمد نادر جلال إلى استخدام أسلوب شبه سينمائي، أصبح تقليدا متبعا هذه الأيام، بالتصوير بكاميرا رقمية خفيفة (أو أكثر من كاميرا لنفس المشهد أحيانا)، تتعمد الحركة الدائمة حتى لو لم تكن مطلوبة، بما يجعل "الكادر" أحيانا مهتزا أو غارقا في الظلام، مع قطعات مونتاجية سريعة بين الكاميرات، لكنك سوف تلاحظ أيضا آفة لا يلتفت لها معظم المخرجين التليفزيونيين، وهي أن الموسيقى لا تتوقف لحظة واحدة، حتى أنها تفقد في النهاية معنى وجودها ذاته!! غير أن المشكلة (أو الخدعة) الأهم في مسلسل "اسم مؤقت" تأتي في شكل ذلك التحذير المكتوب في بداية كل حلقة: "أي تشابه بين الشخصيات والأحداث مع الواقع لا يتحمل مسئوليته صناع المسلسل، وإنما يتحمل مسئوليته من شوهوا هذا الواقع". فهذه الكلمات تعطيك وعدا بأنها سوف تقدم لك الواقع أيا كانت درجة مرارته وقسوته وتشوهه. لكن ما رأيك حين تعرف في الحلقة الأخيرة أن كل ما رأيته لم يحدث (!!)، بل هو تهاويم مريض نفسي، هو بطلنا ذاته، الذي قتل زوجته هالة، وتعالجه الطبيبة التي أعطاها في خياله دور الأم؟ ناهيك عن استخدام شخصيات متناثرة أخرى من حياته، ليلعبوا أدوارا في قصته المتخيلة، لكنك لن تعرف أبدا ما علاقة الانتخابات الرئاسية ومرشحيها بكل هذه الخيالات المريضة!! تقول الطبيبة (صفاء الطوخي مرة أخرى بالطبع) لبطلنا الذاهل إن كل ما حكاه ليس إلا خيالا وخبالا، وأن كل المؤامرات التي شهدناها ليست إلا نتاجا لهذا الخيال، وسوف يزيد إلى ذلك المؤلف محمد سليمان عبد الملك بعضا من التفلسف حول "البوابة بين الحقيقة والوهم"، لنرى البطل في اللقطات الأخيرة قعيدا على كرسي متحرك في مصحة للأمراض النفسية والعقلية، دون أن تكون هناك إشارة واحدة إلى ذلك كله في التسع والعشرين حلقة، يمكن أن يشعر المتفرج من خلالها أن أحدا لم "يضحك عليه". وقد نصدق في النهاية أن كل ذلك الخلط ناتج عن خيال مريض، لكننا لا يمكننا أن نقبل أن يأتي كل هذا الخلط في مسلسل يفترض أن صناعه يتمتعون بالعقل!!

Sunday, September 08, 2013

مسلسل "حكاية حياة".... ثرثرة درامية في ثلاثين حلقة


أسوأ ما يمكن أن يقع فيه مسلسل تليفزيوني، مؤلف من ثلاثين حلقة كاملة، أنه يكفيك أن تشاهد الحلقتين الأولى والأخيرة، لتعرف جوهر الدراما في العمل، أما الحلقات الثمانية والعشرون الأخرى فليست إلا حشوا ولغوا، يمكنك أن تحذف معظم شخصياته وأحداثه، دون أن تفتقد شيئا على الإطلاق. لكن ولأن ذلك هو الشكل السائد فيما يسمونه "الدراما الرمضانية"، فإن هذا ما حدث مع مسلسل "حكاية حياة"، الذي يبدو أنه مصنوع خصيصا لكي تقوم "النجمة" غادة عبد الرازق ببطولته، حيث يكون لها "الماكيير" ومصمم الملابس الخاصان بها، حتى ترتدي أفخر الثياب، وتظهر في أجمل الصور، برغم أنها تقوم بدور "حياة"، التي تعاني في حياتها أشد المعاناة. ولا أخشى يا عزيزي القارئ من أكون أفشي لك هنا سرا، لو حكيت لك "لغز" المسلسل، فلابد أنك تعرفه الآن بعد عرضه كاملا، لكننا سوف نحاول أن نتذوق معا تلك النوعية من الأعمال الدرامية. وفي الحقيقة أن المسلسل ليس نوعية واحدة، فهو في جوهره ثرثرة تشبه تماما ما يسمى "أوبرا الصابون" الأمريكية، مثل مسلسلات امتدت شهورا أو حتى أعواما، وتقوم على سلسلة من العلاقات المتشابكة التي تحوطها الفضائح داخل عائلة واحدة، مثلما كان الحال في "الجريء والجميلات" أو "فالكون كريست". لكن القوسين اللذين يحيطان بهذه الحكايات في "حكاية حياة" يتمثل في غموض يحيط بالبطلة حياة، يبدأ به المسلسل واضحا تماما في حلقته الأولى، ليقدم لك الحل في الحلقة الأخيرة، فيما يشبه الانقلاب الدرامي. نحن أولا مع هذه الـ"حياة" التي تعيش في مصحة للأمراض العقلية، أقرب إلى الفنادق الفاخرة، وهي تعاني من أن شقيقها يوسف (أحمد زاهر) وشقيقتها ندا (روجينا) قد أدخلاها هذه المصحة منذ ثلاثة عشر عاما، بادعاء أنها مضطربة نفسيا، إذ قتلت أمها في لحظة اكتشفت فيها أنها تخون أباها، وها هي حياة الآن تؤكد أيضا أن الشقيقة ندا قد سرقت زوجها يحيى (خالد سليم)، بل نسبت أيضا ابنها أدهم (أحمد مالك) لنفسها، وهي التي لم تره منذ كان طفلا، ولابد أنه قد أصبح الآن على أعتاب الشباب. هذا وحده كابوس حقيقي بالنسبة لأي إنسان، لكنه يكتمل أيضا في قتامته عندما ترى أجواء المصحة النفسية بالغة الفساد، فهناك الطبيبة سلوى (نهلة سلامة)، الجديرة بأن تكون هي ذاتها مريضة بسرقة الرجال من زوجاتهم، ولا تراها تمارس الطب بقدر ما تراها تشرب الخمر في الحانات، وتتبادل حوارا مبتذلا مع صديقتها الوحيدة (نهى العمروسي)، التي ليس لها دور في الدراما إلا أن تشرح لنا القدر الهائل من وضاعة هذه الطبيبة. من ناحية أخرى، هناك الممرض عزت (سناء شافع)، الأقرب إلى مصاصي الدماء، تتهمه بطلتنا حياة باغتصابها وتعذيبها بجلسات الكهرباء، ونحن نصدقها لأننا نرى مشاهد عديدة له وهو يحيك المؤامرات الخسيسة، كأنه عضو في عصابة للمافيا وليس ممرضا في مستشفى. لكن هناك شخصا وحيدا واحدا يتعاطف مع حياة، هو الدكتور هشام (طارق لطفي)، وإن كنا لن نعرف أبدا سر هذا التعاطف، غير أنه كطبيب يرى أن حياة صادقة فيما تقوله، بينما يرى الجميع يؤكد أنها مريضة نفسيا، وبالطبع فإن هذا التعاطف سوف يصل إلى درجة الحب، الذي سوف يفقد هشام بسببه وظيفته وأسرته، والسبب؟ إنه يصدق حياة، بينما يكذبها الآخرون، كل الآخرين. الأهم هو أن الدكتورة سلوى إياها تغلي من الغيرة من حياة، وتعرب عن رغبتها في اصطياد الدكتور هشام، وتزداد هذه الرغبة لأنه "نظيف" كما تقول، أي أنه الرجل الوحيد (!!) الذي لم يسل لعابه عندما حاولت إغراءه. لعلك لا تصدق وجود هذه "المصحة" الكابوسية، لكن أرجوك أن تنتظر لترى ما هو أغرب، متمثلا في عائلة حياة ذاتها، وهنا سوف تتداخل العلاقات التي سوف نحاول أن نفك خيوطها المتشابكة، فالشقيق الأكبر يوسف متزوج من امرأة أقل ما يقال عنها أنها فاسقة، وهو يعلم تماما تصرفاتها الوضيعة، ولا يتوقف عن الشكوى منها، لكنه لا يأخذ خطوة جادة واحدة تجاهها، بينما هو نفسه غارق في خياناته الزوجية. أما الشقيقة ندا، فنحن قد عرفنا من قبل أنها "سرقت" زوج حياة وابنها، وهي تتسلط عليهما بدرجة لا تثير نفور الشخصيات داخل الدراما فقط، بل أيضا نفور المتفرج، خاصة مع أداء روجينا للدور، الذي فهمت أنه لامرأة لا تتوقف عن الصراخ لحظة واحدة. وهناك في الخلفية الخالة العجوز نجوى (سميرة محسن)، وهي أم يحيى التي تبدو بدورها كأنها خرجت لتوها من عالم أفلام الرعب، وإن كنت لن تدري أبدا إذا ما كان لها دور في هذه "الدراما"، سوى أن تزيد الغموض المفتعل أحيانا. ويعود المسلسل بين الحين والآخر لحادث مصرع الأم، نراه بأعيننا وليس مجرد حكاية على لسان حياة، فهي خائنة على فراش الأب، وقد أمسكت بها حياة متلبسة، ليتطور الأمر إلى اشتباك بالأيدي، تسقط الأم على إثره من الشرفة، وتقول حياة إن ذلك كان قضاء وقدرا، بينما يؤكد الجميع أنها هي التي دفعت الأم إلى حتفها. نسيت أن أقول لك إن هناك أخيرا شخصية المرأة إكرام (رزان مغربي)، زميلة حياة وصديقتها في المصحة، وسوف تساعدها بعد خروجها منها، لتكتشف أن إكرام ليست إلا قوادة محترفة تلجأ إلى الدخول إلى المصحة، كلما كادت الشرطة أن تقبض عليها متلبسة بارتكاب جريمتها!! ما هي "حكاية حياة" إذن وسط كل هذه الفوضى الدرامية؟ الحكاية ببساطة هي رسم عالم غرائبي، يحتشد بقدر لا يحتمل من التوابل، التي تتناثر فيها أحيانا مشاهد جنسية موحية أو ألفاظ بذيئة، أو مشاهد أخرى بهدف الابتزاز العاطفي المجاني للمتفرج، في لقاءات حياة مع ابنها أدهم، ونقول إنه مجاني لأننا سوف نعلم في الحلقة الأخيرة أن حياة مريضة نفسية بالفعل، وأنها توهمت خيانة أمها لأبيها، وأنها هي التي دفعتها من الشرفة لتموت بلا ذنب جنته، وأن أدهم هو ابن شقيقتها وليس ابنها!! في هذا النوع من الحكايات يقول صناع الدراما للمتفرج في المشهد الأخير: "ضحكنا عليك"!! وهي ظاهرة تكررت مؤخرا في السينما والمسلسلات التليفزيونية، مثل "ملاكي اسكندرية" أو "أهل كايرو". وفي الحقيقة أنها ظاهرة مقتبسة برعونة عن موجة سادت في العقد الأخير في السينما الأمريكية، فيما يعرف بالانقلاب الدرامي، الذي ينجح أحيانا ويفشل في أحيان أخرى. وربما كانت بداية هذه الموجة الأخيرة في فيلم "الحاسة السادسة"، لطفل يقول إنه يرى الموتى، ويعالجه طبيب نفسي سوف نعرف في المشهد الأخير أنه من هؤلاء الموتى. ولعل ذروة هذه الموجة جاءت مع الفيلم الأمريكي "عقل جميل"، حول عالم الرياضيات الذي لا يتخذ أصدقاء سوى زميل غرفته أيام دراسته في الجامعة، ولعبقريته يتصل به أحد عملاء المخابرات، لنعرف أيضا أن الصديق والعميل لم يكونا إلا أوهاما تتجسد لهذا البطل المضطرب نفسيا. وبرغم أن مثل هذه النوعية من الأفلام لم تصنع في الأغلب عملا فنيا حقيقيا، لأن الأعمق والأصعب هو أن تكشف منذ البداية عن التناقض الدرامي، لنعيش مع البطل صراعه مع أوهامه، بدلا من تأجيل الكشف عن السر إلى لحظة النهاية، نقول إنه برغم ذلك، فإن الأفلام الأمريكية تعي تماما أصول السرد وقواعده، فمع مشاهدتك الثانية للفيلم، وبعد أن تكون قد عرفت السر، تجد نفسك مندهشا لأنه قد فاتت عليك مفاتيح هذا السر. ففي "عقل جميل" مثلا سوف تكتشف أن كل مشاهد الصديق المتوهم كانت مع البطل وحده، فليس له وجود خارج عالم هذا البطل. يسمون ذلك "السرد الذاتي"، أي أن تروي الحكاية من منظور الشخصية، أما المنظور الموضوعي فهو من خارجها، لذلك فإنه "حدث بالفعل" داخل الدراما وليس وهما. ذلك هو ما لم يدركه نص المؤلف أيمن سلامة، ولا إخراج المخرج محمد سامي، فقد اختلط لديهما السرد الذاتي بالسرد الموضوعي، ليدرك المتفرج أنهما لم يكونا يقدمان "رؤية" الشخصية المضطربة نفسيا، بل كانا يخدعان المتفرج!! وكان يكفي لتحقيق هذا الخداع الحلقتان الأولى والأخيرة، بدلا من ذلك اللغو الدرامي المتلعثم، الذي كان مزيته الوحيدة هو جلب القدر الأكبر من الإعلانات، لأنه من بطولة نجمة هذا الزمان، غادة عبد الرازق!!

Monday, September 02, 2013

مسلسل "الداعية"... هل هناك من حل لكل هذا التناقض؟


مسلسل "الداعية" من المسلسلات المصرية القليلة التي لا تهدف فقط إلى الترفيه عن جمهور المشاهدين، بل يرمي من اللحظة الأولى لتقديم "رسالة"، تبدو ملحة تماما بالنسبة للمجتمع المصري في اللحظة الراهنة، خاصة في سياق أصبح لظاهرة "الدعاة" الدينيين، الذين يتوجهون لجمهور الشباب من الشريحة العليا من الطبقة الوسطى، تأثيرات سياسية عميقة. فبقدر ما أن لهؤلاء الدعاة تأثيرا أخلاقيا، فإن لهم أيضا تأثيرات سياسية، إذ يصنعون قطاعا لا يستهان به من المتشددين، الذين لا يكبلون المجتمع فقط عن التقدم، بل يريدونه أن يعود قرونا إلى الوراء. ورسالة مسلسل "الداعية" ليس أبدا نقد أو نقض هذه الظاهرة بشكل مطلق، وإنما السؤال الأكثر جوهرية: هل هناك حقا أي تناقض بين الدعوة الدينية والحياة العصرية، بكل ما فيها من مكتسبات حضارية وثقافية وفنية؟ وهذه الدراسة لإمكانية وجود "تناقض" ترتكز هنا على بضع قواعد أساسية في أي درما ناجحة، تلك القواعد هي التناقض بين الشخصيات والأفكار بين مواقف تبدو متصارعة، والتغير أحيانا من موقف إلى آخر في شكل تحول درامي، وهذان المبدآن: التناقض والتغير، هما مصدر الحيوية في الأغلب، والضعف أحيانا، فيما أنجزه مسلسل "الداعية"، وفيما لم ينجح تماما في إنجازه. هناك في البداية عالم الداعية الشاب يوسف (هاني سلامة)، الذي حقق شهرة كبيرة وسط عالم الإعلام (والإعلان أحيانا)، بمظهره الأنيق، وحديثه الناعم، لكنه يخفي تحت السطح تشددا يتناقض تماما مع هذا المظهر. لا يقول لنا المسلسل كيف أصبح يوسف تلك الشخصية، وإنما هو أمامنا كشخصية جاهزة، خاصة أن هناك بينه وبين أبيه عبده (أحمد راتب) تناقضا يكاد أن يكون جذريا، فالأب بوهيمي تماما في حياته، ويحمل بعض "موتيفات" من الشيخ حسني في فيلم "الكيت كات" لداود عبد السيد، فهو ما يزال يقيم فقيرا في حي شعبي، ويعيش اللحظة مستمتعا بحياته، غارقا طوال نهاره في النشوة التي يشعر بها كفنان في صناعة "الأويما" (النحت والحفر على الخشب)، والانخراط في الغناء حتى في أكثر اللحظات قتامة، بينما يقضي ليله وسط دخان المخدرات الأزرق، كأنه يهرب من خوفه مما يخفيه له الغد من آلام، ناتجة عن عدم قدرته على تلبية الاحتياجات المادية البسيطة له ولزوجته الشابة. قد يخدم وجود مثل هذه الشخصية التأكيد على اختلافها الجذري عن الابن يوسف، بل إنه يثير التعاطف الإنساني أكثر، لكن هذا الاختلاف يبقى دون تفسير مقنع في الأغلب. على النقيض يعيش الابن يوسف فيما يشبه القصر الفاخر، وقد استطاع كأخ أكبر أن يربي شقيقاته الثلاث وشقيقه الأصغر الوحيد، وهو يبدو وسطهم مسيطرا ماديا ومعنويا، خاصة على الأخت الكبرى خديجة (ريهام عبد الغفور)، المستسلمة دائما لأحكامه، بينما تبدو الشقيقتان الأخريان أكثر ابتعادا عنه وتمردا عليه، فلكل منهما عالمها الخاص الذي تحاول بطريقتها أن تدافع عنه، كما أن الشقيق الأصغر المراهق لا يجد من يفهم احتياجاته في هذه السن الخطرة. يتأكد التناقض أيضا مع وجود حسن (أحمد فهمي) زوج خديجة، وهو بدوره داعية لكنه مغمور تماما، لذلك فإنه يعاني من عدة مشاعر مختلطة، فهو يشعر بالغيرة من نجاح يوسف، كما يعاني أيضا من الإحساس بالدونية في منزل شقيق زوجته، حيث لا يملك في أغلب الأحيان التحكم في أسرته ذاتها. وسوف يلعب المسلسل على التناقض بين يوسف، الذي يبدو في البداية متشددا في أفكاره وسلوكه، وحسن الأكثر انفتاحا وتسامحا، لينتهي هذا التناقض في النهاية – كما سوف نرى – إلى انقلاب في المواقف، حين يسعى حسن بدوره إلى الشهرة، التي ترتكز على التشدد، بينما يصبح يوسف أكثر قبولا لمباهج الحياة. هذا الموقف الأخير ليوسف سوف يأتي من التناقض الرئيسي في المسلسل، بينه وبين جارته نسمة (بسمة)، عازفة الكمان البارعة في إحدى فرق دار الأوبرا، وابنة العائلة ذات التاريخ النضالي اليساري، والمنخرطة دائما في الاشتراك في الفاعليات السياسية التي شهدتها مصر في الآونة الأخيرة، وإن بدا ذلك أحيانا على الشاشة مفتعلا وسطحيا، ربما للمشاهد التقريرية للمناظرات السياسية، وربما أيضا للأداء التمثيلي لبسمة، الذي لا يعرف التنوع والتنويع، وإنما يظل واحدا في مختلف المواقف. وبالطبع سوف تبدأ العلاقة بين يوسف وبسمة متوترة أو حتى عاصفة أحيانا، لكنها تنتهي إلى الوفاق الكامل، وبالطبع فإن السبب هو الحب الدافئ الذي يولد في قلبيهما، ومرة أخرى فإن المسلسل لا يهتم بتفسير هذا التحول بقدر ما "يستخدمه" لأهداف الرسالة التي يسعى إليها. في مشاهد قليلة تذكرنا بموتيفة من فيلم "رسائل البحر" لداود عبد السيد أيضا، يسترق يوسف السمع في الليل إلى النغمات الآتية من نافذة جارته نسمة التي تعزف على كمانها (كانت بسمة هي العازفة أيضا في "رسائل البحر")، ولسبب غامض ما تحرك الموسيقى وجدانه، وشيئا فشيئا يدرك أن في الحياة ما هو أكثر وأغنى كثيرا من آرائه التي يوزعها على الناس، وعندما يضع قدميه تماما في عالم نسمة تكون أفكاره قد تغيرت، ليعلنها على جمهوره الذي يشعر بنوع من الصدمة، لكن الخطر الأكبر يأتي من ذلك القطاع الذي كان "يستخدم" يوسف لأهداف سياسية، متمثلا في التيار اليميني المتشدد، بالإضافة إلى رجال عالم "البيزينس" والإعلانات، الذين كانوا يستغلون تشدد يوسف وسخونة آرائه في برامج جماهيرية تتناثر فيها إعلاناتهم. وفي نهاية غريبة على الدراما العربية (وإن كان لها تنويعات في السينما العالمية، لعل من أهمها فيلم "الأبواب المنزلقة")، يقترح المسلسل على المتفرج نهايتين متناقضتين: ففي مشهد يذكرك كثيرا بفيلم "لينكولن"، تعزف نسمة في حفل موسيقي يحضره يوسف وقد ملأته السعادة، وهناك في إحدى المقصورات رجل يحمل مسدسا كاتما للصوت، يطلق رصاصة على يوسف الذي يقع صريعا، ويبقى في كرسيه دون أن يشعر به أحد بينما ينصرف الجمهور بعد انتهاء الحفل (هل يذكرك هذا بمصرع شخصية توم كروز في فيلم "ضحية المصادفة"؟). تلك هي النهاية الأولى، لكن المسلسل يقترح عليك نهاية أخرى ويترك لك الاختيار بينهما، فيعود الشريط حرفيا إلى الخلف، ليتم القبض على حامل المسدس، ويقف يوسف بعد انتهاء العزف مصفقا لنسمة في بهجة غامرة. يحاول المسلسل أن يضع "تيمته" الرئيسية تلك على خلفية ثرية بالتفاصيل، ربما بدت أحيانا بعيدة في موضوعها، لكن ما يبرر وجودها بحق الأداء البارع لكل فريق التمثيل، خاصة من الشباب، وهو ما يشهد للمخرج الشاب محمد العدل بإدراكه لأهمية إدارة الممثل، وسوف ترى مثلا من أحمد فهمي في دور حسن زوج الشقيقة حضورا مختلفا تماما عن كل محاولاته الباهتة السابقة، ويكاد لا يشذ عن ذلك سوى البطلين هاني سلامة وبسمة، صاحبي الأداء الرتيب، وإن كان وجودهما مهما لتسويق المسلسل!! يرسم سيناريو مدحت العدل إذن الكثير من التفاصيل، التي تضفي حيوية على موضوع قد يقع في التنميط، فعلى النقيض من عالم يوسف بين وجهاء المجتمع من أصحاب القنوات الفضائية، أو المتاجرين بالدين، هناك عالم الفقراء، الذين يسعون من أجل رزق يبدو كأنهم أحيانا ينتزعونه من بين أنياب بعضهم البعض، ومشاعر وطموحات إنسانية مشروعة، تنكسر على صخرة الفقر والعوز. وهو ليس أبدا عالما "فولكلوريا" سعيدا أو وحشيا دمويا كما قد نراه في أغلب أعمالنا الدرامية، لكنه عالم حقيقي، يجعلك تتساءل لماذا لا يصبح أفضل في ظروفه لكي تتحقق لأبنائه حياة كريمة يستحقها البشر؟ لذلك كله يمكنك أن تغفر لمسلسل "الداعية" بعض نقاط الضعف هنا أو هناك، وتفهم أن وراءه على الأقل رسالة نبيلة، تقول إن من الممكن أن يتلاقى تراثنا مع حاضر المدنية، وإن الدين لا يمكن أبدا اختزاله في مجموعة من الأوامر والنواهي، بل إنه في جوهره يسعى إلى تحقق أكثر القيم الإنسانية سموا وأخلاقية.