Saturday, September 14, 2013

مسلسل "اسم مؤقت".... دليلك إلى خداع المتفرج في تسع وعشرين حلقة


تسيطر مؤخرا على الدراما المصرية، التليفزيونية والسينمائية، بل أيضا على معظم الإعلانات التجارية، تيمة واحدة غريبة، خاصة في مجتمع عُرف عنه الاستقرار والثبات لمئات السنين، لدرجة اتهامه أحيانا بأنه يستعصي على التطور والتغيير. تلك التيمة هي ضياع هوية البطل الدرامي، التي تصل إلى درجة الخلل العقلي، وشاع في سطور حوار هذه الدراما تعبير "الانفصال عن الواقع"، ولعل ذلك كله يشير إلى حالة من القلق الاجتماعي والسياسي، حيث يبدو مظهر الأشياء غالبا مناقضا لجوهرها، لكن الحقيقة أنه يعكس أيضا أمرا أكثر بساطة بكثير، وهو ضعف الكتابة الدرامية إلى درجة لا تُصدق!! كنا قد أشرنا في مقال سابق إلى مسلسل "حكاية حياة"، وربما سوف نأتي لاحقا إلى مسلسل "نظرية الجوافة"، وها نحن الآن بصدد مسلسل يدعى "اسم مؤقت"، وفي كل هذه المسلسلات تحتشد الأحداث بخليط عجيب غريب ومتشابك من الخيوط، وتظهر شخصيات وتختفي أخرى، وبينما ينتظر المتفرج أن يقدم صناع هذا العمل أو ذاك حلا للعقدة الدرامية وكل هذا التعقيد، إذا بهم يقولون له إن كل ما رآه ليس هو الحقيقة، وإنه ناتج عن خيال شخص مريض، يعيش بعيدا عن الواقع في عالم وهمي، وذلك بالضبط هو جوهر الخلل في هذا النوع من الدراما، إنه يقوم على خداع المتفرج، وهروب كاتب السيناريو من تقديم تفسير درامي مقنع لثلاثين حلقة من الغموض، الذي سوف يكتشف المتفرج أخيرا افتعاله وتعسفه. وقد نحتاج في البداية أن نشير إلى بعض الأعمال المسرحية والسينمائية العالمية التي بدأت تيمة ضياع الهوية والبحث عنها، وربما كان مفهوما تماما أن يثور هذا السؤال بعد أن عاشت أوربا أهوال الحرب العالمية الثانية، فعلى رغم ما تدعيه من حضارة وتمدن، شهدت هذه الحرب أقصى درجات الوحشية، بما استدعى السؤال: من نحن حقا؟ وكانت البداية في مسرحية جان أنوي الفرنسية "مسافر بلا متاع"، حول شخص فقد الذاكرة، ليطوف دون جدوى بين عائلات مختلفة باحثا عن حقيقته، وعندما يصل أخيرا إلى عائلته الحقيقية، يكتشف أن له ماضيا بغيضا، فيقرر أن يتحرر من هذا الماضي لكي يبدأ حياته من جديد بهوية جديدة. وفي تنويع أمريكي على الفكرة ذاتها، جاء فيلم "هوية بورن" بأجزائه اللاحقة، التي تتحدث جميعا عن بطل فقد ذاكرته، لكنه يكتشف أيضا أن ماضيه ملوث بعمليات إجرامية، لأنه أحد العملاء الخطرين لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، التي تحاول قتله حتى لا يفشي أسرارها، ليخوض معها حربا باحثا لنفسه عن هوية جديدة. لكن المعالجة الأقرب إلى مسلسل "اسم مؤقت" كانت مع الفيلم الأمريكي "المجهول"، لبطل يفقد ذاكرته في حادث، وعندما يحاول أن يستعيد هويته وماضيه ينكره الجميع، على نحو بالغ الكابوسية، ليكتشف في النهاية أن الهوية التي يبحث عنها ليست إلا هوية مزيفة، عاشها في مهمة قذرة للمخابرات الأمريكية. ونحن أيضا مع "اسم مؤقت" مع بطل يدعى يوسف رمزي (يوسف الشريف)، نراه في اللقطات الأولى وقد وصل لتوه من لندن بعد سنوات طويلة من الغياب عن مصر، ويتعرف في الطائرة على المضيفة الجميلة هالة (شيري عادل)، التي سوف تصبح حبيبته في قادم الأحداث، كما سوف يذهب إلى منزله، حيث تستقبله أمه الحنون (صفاء الطوخي). وتنمو العلاقة الدافئة من جانب يوسف تجاه هالة، بينما تمضي الأحداث أيضا هنا وهناك في أي اتجاه، لتحكي مثلا عن علاقة حب قديمة بين يوسف ومطربة شهيرة، تنتهي إلى مصرعها على يد زوجها الغيور. لابد أنك قد شعرت بتلميح ما حول حادثة شهيرة مشابهة، كما سوف تشعر بتلميحات أخرى حول ملابسات اقترنت بالسباق حول الترشح للانتخابات الرئاسية، مثل خيانة رجل السياسة لزوجته التي وقفت معه طويلا، أو علاقة الحب التي أعلنها رجل سياسة آخر في إحدى الصحف، أو تزوير رجل ثالث (أو قل إخفائه) لحقيقة حصوله على جنسية أجنبية. ما هي علاقة ذلك كله ببطلنا يوسف؟ إنه سوف يكون الراعي الرسمي لأحد هؤلاء المرشحين (زكي فطين)، ليقطع ذلك السياق كله، ويتقاطع معه، حادث عارض، يفقد فيه يوسف ذاكرته، وعندما يحاول أو يستعيد بعضا من هذه الذاكرة، بمساعدة الحبيبة هاله، يقولون له إن هناك شخصا آخر باسم يوسف رمزي، هو الراعي للحملة الانتخابية إياها. كان يكفي لهذا الـ"يوسف" أن يطلب من هالة مثلا أن تساعده في إثبات دخوله من المطار، فلابد أنهم سجلوا هناك هويته، لكن هذا "الحل" لن يرد على ذهن يوسف (بالأحرى لن يرد على ذهن صناع المسلسل)، لأنه سوف ينهي هذه الدراما المصطنعة في الحلقة الثانية!! وبدلا من ذلك يدخل العمل إلى متاهة درامية بالمعنى الحرفي للكلمة، حيث تحدث عمليات القتل العشوائي لأي شخص بمنتهى السهولة، وينجح يوسف دائما في التغلب على مطارديه بمهارات لا يقول لنا المسلسل من أين اكتسبها، ليظل دائما في حالة هروب، من جانب جهة لا يعلمها ولا نعلمها في الأغلب، ولن يفيدنا حتى أن علمناها سوى أن تزيد الأمر ارتباكا. هناك مشكلة سوف تشعر بها كمتفرج طوال الحلقات، أن الممثل يوسف الشريف لن ينقل لك أبدا إحساس الشخص الباحث عن هويته، الهارب من مطاردته، فهو "يتمتع" بثبات غريب في تعبيرات الوجه وإيماءات الجسد، بينما المكسب الحقيقي هنا هو عشرات الممثلين المساعدين الشباب، من الرجال والنساء على السواء، ذوي الوجوه العادية والأداء الطبيعي، بما يشعرك أنك قد قابلت هذه الشخصيات في حياتك اليومية، فيما عدا ممثلا واحدا قام بدور ضابط شرطة، بدا كأنه قادم من عالم الرسوم المتحركة اليابانية، حيث لا تبدو على الوجوه أي نوع من المشاعر. من جانب آخر، عمد إخراج أحمد نادر جلال إلى استخدام أسلوب شبه سينمائي، أصبح تقليدا متبعا هذه الأيام، بالتصوير بكاميرا رقمية خفيفة (أو أكثر من كاميرا لنفس المشهد أحيانا)، تتعمد الحركة الدائمة حتى لو لم تكن مطلوبة، بما يجعل "الكادر" أحيانا مهتزا أو غارقا في الظلام، مع قطعات مونتاجية سريعة بين الكاميرات، لكنك سوف تلاحظ أيضا آفة لا يلتفت لها معظم المخرجين التليفزيونيين، وهي أن الموسيقى لا تتوقف لحظة واحدة، حتى أنها تفقد في النهاية معنى وجودها ذاته!! غير أن المشكلة (أو الخدعة) الأهم في مسلسل "اسم مؤقت" تأتي في شكل ذلك التحذير المكتوب في بداية كل حلقة: "أي تشابه بين الشخصيات والأحداث مع الواقع لا يتحمل مسئوليته صناع المسلسل، وإنما يتحمل مسئوليته من شوهوا هذا الواقع". فهذه الكلمات تعطيك وعدا بأنها سوف تقدم لك الواقع أيا كانت درجة مرارته وقسوته وتشوهه. لكن ما رأيك حين تعرف في الحلقة الأخيرة أن كل ما رأيته لم يحدث (!!)، بل هو تهاويم مريض نفسي، هو بطلنا ذاته، الذي قتل زوجته هالة، وتعالجه الطبيبة التي أعطاها في خياله دور الأم؟ ناهيك عن استخدام شخصيات متناثرة أخرى من حياته، ليلعبوا أدوارا في قصته المتخيلة، لكنك لن تعرف أبدا ما علاقة الانتخابات الرئاسية ومرشحيها بكل هذه الخيالات المريضة!! تقول الطبيبة (صفاء الطوخي مرة أخرى بالطبع) لبطلنا الذاهل إن كل ما حكاه ليس إلا خيالا وخبالا، وأن كل المؤامرات التي شهدناها ليست إلا نتاجا لهذا الخيال، وسوف يزيد إلى ذلك المؤلف محمد سليمان عبد الملك بعضا من التفلسف حول "البوابة بين الحقيقة والوهم"، لنرى البطل في اللقطات الأخيرة قعيدا على كرسي متحرك في مصحة للأمراض النفسية والعقلية، دون أن تكون هناك إشارة واحدة إلى ذلك كله في التسع والعشرين حلقة، يمكن أن يشعر المتفرج من خلالها أن أحدا لم "يضحك عليه". وقد نصدق في النهاية أن كل ذلك الخلط ناتج عن خيال مريض، لكننا لا يمكننا أن نقبل أن يأتي كل هذا الخلط في مسلسل يفترض أن صناعه يتمتعون بالعقل!!

Sunday, September 08, 2013

مسلسل "حكاية حياة".... ثرثرة درامية في ثلاثين حلقة


أسوأ ما يمكن أن يقع فيه مسلسل تليفزيوني، مؤلف من ثلاثين حلقة كاملة، أنه يكفيك أن تشاهد الحلقتين الأولى والأخيرة، لتعرف جوهر الدراما في العمل، أما الحلقات الثمانية والعشرون الأخرى فليست إلا حشوا ولغوا، يمكنك أن تحذف معظم شخصياته وأحداثه، دون أن تفتقد شيئا على الإطلاق. لكن ولأن ذلك هو الشكل السائد فيما يسمونه "الدراما الرمضانية"، فإن هذا ما حدث مع مسلسل "حكاية حياة"، الذي يبدو أنه مصنوع خصيصا لكي تقوم "النجمة" غادة عبد الرازق ببطولته، حيث يكون لها "الماكيير" ومصمم الملابس الخاصان بها، حتى ترتدي أفخر الثياب، وتظهر في أجمل الصور، برغم أنها تقوم بدور "حياة"، التي تعاني في حياتها أشد المعاناة. ولا أخشى يا عزيزي القارئ من أكون أفشي لك هنا سرا، لو حكيت لك "لغز" المسلسل، فلابد أنك تعرفه الآن بعد عرضه كاملا، لكننا سوف نحاول أن نتذوق معا تلك النوعية من الأعمال الدرامية. وفي الحقيقة أن المسلسل ليس نوعية واحدة، فهو في جوهره ثرثرة تشبه تماما ما يسمى "أوبرا الصابون" الأمريكية، مثل مسلسلات امتدت شهورا أو حتى أعواما، وتقوم على سلسلة من العلاقات المتشابكة التي تحوطها الفضائح داخل عائلة واحدة، مثلما كان الحال في "الجريء والجميلات" أو "فالكون كريست". لكن القوسين اللذين يحيطان بهذه الحكايات في "حكاية حياة" يتمثل في غموض يحيط بالبطلة حياة، يبدأ به المسلسل واضحا تماما في حلقته الأولى، ليقدم لك الحل في الحلقة الأخيرة، فيما يشبه الانقلاب الدرامي. نحن أولا مع هذه الـ"حياة" التي تعيش في مصحة للأمراض العقلية، أقرب إلى الفنادق الفاخرة، وهي تعاني من أن شقيقها يوسف (أحمد زاهر) وشقيقتها ندا (روجينا) قد أدخلاها هذه المصحة منذ ثلاثة عشر عاما، بادعاء أنها مضطربة نفسيا، إذ قتلت أمها في لحظة اكتشفت فيها أنها تخون أباها، وها هي حياة الآن تؤكد أيضا أن الشقيقة ندا قد سرقت زوجها يحيى (خالد سليم)، بل نسبت أيضا ابنها أدهم (أحمد مالك) لنفسها، وهي التي لم تره منذ كان طفلا، ولابد أنه قد أصبح الآن على أعتاب الشباب. هذا وحده كابوس حقيقي بالنسبة لأي إنسان، لكنه يكتمل أيضا في قتامته عندما ترى أجواء المصحة النفسية بالغة الفساد، فهناك الطبيبة سلوى (نهلة سلامة)، الجديرة بأن تكون هي ذاتها مريضة بسرقة الرجال من زوجاتهم، ولا تراها تمارس الطب بقدر ما تراها تشرب الخمر في الحانات، وتتبادل حوارا مبتذلا مع صديقتها الوحيدة (نهى العمروسي)، التي ليس لها دور في الدراما إلا أن تشرح لنا القدر الهائل من وضاعة هذه الطبيبة. من ناحية أخرى، هناك الممرض عزت (سناء شافع)، الأقرب إلى مصاصي الدماء، تتهمه بطلتنا حياة باغتصابها وتعذيبها بجلسات الكهرباء، ونحن نصدقها لأننا نرى مشاهد عديدة له وهو يحيك المؤامرات الخسيسة، كأنه عضو في عصابة للمافيا وليس ممرضا في مستشفى. لكن هناك شخصا وحيدا واحدا يتعاطف مع حياة، هو الدكتور هشام (طارق لطفي)، وإن كنا لن نعرف أبدا سر هذا التعاطف، غير أنه كطبيب يرى أن حياة صادقة فيما تقوله، بينما يرى الجميع يؤكد أنها مريضة نفسيا، وبالطبع فإن هذا التعاطف سوف يصل إلى درجة الحب، الذي سوف يفقد هشام بسببه وظيفته وأسرته، والسبب؟ إنه يصدق حياة، بينما يكذبها الآخرون، كل الآخرين. الأهم هو أن الدكتورة سلوى إياها تغلي من الغيرة من حياة، وتعرب عن رغبتها في اصطياد الدكتور هشام، وتزداد هذه الرغبة لأنه "نظيف" كما تقول، أي أنه الرجل الوحيد (!!) الذي لم يسل لعابه عندما حاولت إغراءه. لعلك لا تصدق وجود هذه "المصحة" الكابوسية، لكن أرجوك أن تنتظر لترى ما هو أغرب، متمثلا في عائلة حياة ذاتها، وهنا سوف تتداخل العلاقات التي سوف نحاول أن نفك خيوطها المتشابكة، فالشقيق الأكبر يوسف متزوج من امرأة أقل ما يقال عنها أنها فاسقة، وهو يعلم تماما تصرفاتها الوضيعة، ولا يتوقف عن الشكوى منها، لكنه لا يأخذ خطوة جادة واحدة تجاهها، بينما هو نفسه غارق في خياناته الزوجية. أما الشقيقة ندا، فنحن قد عرفنا من قبل أنها "سرقت" زوج حياة وابنها، وهي تتسلط عليهما بدرجة لا تثير نفور الشخصيات داخل الدراما فقط، بل أيضا نفور المتفرج، خاصة مع أداء روجينا للدور، الذي فهمت أنه لامرأة لا تتوقف عن الصراخ لحظة واحدة. وهناك في الخلفية الخالة العجوز نجوى (سميرة محسن)، وهي أم يحيى التي تبدو بدورها كأنها خرجت لتوها من عالم أفلام الرعب، وإن كنت لن تدري أبدا إذا ما كان لها دور في هذه "الدراما"، سوى أن تزيد الغموض المفتعل أحيانا. ويعود المسلسل بين الحين والآخر لحادث مصرع الأم، نراه بأعيننا وليس مجرد حكاية على لسان حياة، فهي خائنة على فراش الأب، وقد أمسكت بها حياة متلبسة، ليتطور الأمر إلى اشتباك بالأيدي، تسقط الأم على إثره من الشرفة، وتقول حياة إن ذلك كان قضاء وقدرا، بينما يؤكد الجميع أنها هي التي دفعت الأم إلى حتفها. نسيت أن أقول لك إن هناك أخيرا شخصية المرأة إكرام (رزان مغربي)، زميلة حياة وصديقتها في المصحة، وسوف تساعدها بعد خروجها منها، لتكتشف أن إكرام ليست إلا قوادة محترفة تلجأ إلى الدخول إلى المصحة، كلما كادت الشرطة أن تقبض عليها متلبسة بارتكاب جريمتها!! ما هي "حكاية حياة" إذن وسط كل هذه الفوضى الدرامية؟ الحكاية ببساطة هي رسم عالم غرائبي، يحتشد بقدر لا يحتمل من التوابل، التي تتناثر فيها أحيانا مشاهد جنسية موحية أو ألفاظ بذيئة، أو مشاهد أخرى بهدف الابتزاز العاطفي المجاني للمتفرج، في لقاءات حياة مع ابنها أدهم، ونقول إنه مجاني لأننا سوف نعلم في الحلقة الأخيرة أن حياة مريضة نفسية بالفعل، وأنها توهمت خيانة أمها لأبيها، وأنها هي التي دفعتها من الشرفة لتموت بلا ذنب جنته، وأن أدهم هو ابن شقيقتها وليس ابنها!! في هذا النوع من الحكايات يقول صناع الدراما للمتفرج في المشهد الأخير: "ضحكنا عليك"!! وهي ظاهرة تكررت مؤخرا في السينما والمسلسلات التليفزيونية، مثل "ملاكي اسكندرية" أو "أهل كايرو". وفي الحقيقة أنها ظاهرة مقتبسة برعونة عن موجة سادت في العقد الأخير في السينما الأمريكية، فيما يعرف بالانقلاب الدرامي، الذي ينجح أحيانا ويفشل في أحيان أخرى. وربما كانت بداية هذه الموجة الأخيرة في فيلم "الحاسة السادسة"، لطفل يقول إنه يرى الموتى، ويعالجه طبيب نفسي سوف نعرف في المشهد الأخير أنه من هؤلاء الموتى. ولعل ذروة هذه الموجة جاءت مع الفيلم الأمريكي "عقل جميل"، حول عالم الرياضيات الذي لا يتخذ أصدقاء سوى زميل غرفته أيام دراسته في الجامعة، ولعبقريته يتصل به أحد عملاء المخابرات، لنعرف أيضا أن الصديق والعميل لم يكونا إلا أوهاما تتجسد لهذا البطل المضطرب نفسيا. وبرغم أن مثل هذه النوعية من الأفلام لم تصنع في الأغلب عملا فنيا حقيقيا، لأن الأعمق والأصعب هو أن تكشف منذ البداية عن التناقض الدرامي، لنعيش مع البطل صراعه مع أوهامه، بدلا من تأجيل الكشف عن السر إلى لحظة النهاية، نقول إنه برغم ذلك، فإن الأفلام الأمريكية تعي تماما أصول السرد وقواعده، فمع مشاهدتك الثانية للفيلم، وبعد أن تكون قد عرفت السر، تجد نفسك مندهشا لأنه قد فاتت عليك مفاتيح هذا السر. ففي "عقل جميل" مثلا سوف تكتشف أن كل مشاهد الصديق المتوهم كانت مع البطل وحده، فليس له وجود خارج عالم هذا البطل. يسمون ذلك "السرد الذاتي"، أي أن تروي الحكاية من منظور الشخصية، أما المنظور الموضوعي فهو من خارجها، لذلك فإنه "حدث بالفعل" داخل الدراما وليس وهما. ذلك هو ما لم يدركه نص المؤلف أيمن سلامة، ولا إخراج المخرج محمد سامي، فقد اختلط لديهما السرد الذاتي بالسرد الموضوعي، ليدرك المتفرج أنهما لم يكونا يقدمان "رؤية" الشخصية المضطربة نفسيا، بل كانا يخدعان المتفرج!! وكان يكفي لتحقيق هذا الخداع الحلقتان الأولى والأخيرة، بدلا من ذلك اللغو الدرامي المتلعثم، الذي كان مزيته الوحيدة هو جلب القدر الأكبر من الإعلانات، لأنه من بطولة نجمة هذا الزمان، غادة عبد الرازق!!

Monday, September 02, 2013

مسلسل "الداعية"... هل هناك من حل لكل هذا التناقض؟


مسلسل "الداعية" من المسلسلات المصرية القليلة التي لا تهدف فقط إلى الترفيه عن جمهور المشاهدين، بل يرمي من اللحظة الأولى لتقديم "رسالة"، تبدو ملحة تماما بالنسبة للمجتمع المصري في اللحظة الراهنة، خاصة في سياق أصبح لظاهرة "الدعاة" الدينيين، الذين يتوجهون لجمهور الشباب من الشريحة العليا من الطبقة الوسطى، تأثيرات سياسية عميقة. فبقدر ما أن لهؤلاء الدعاة تأثيرا أخلاقيا، فإن لهم أيضا تأثيرات سياسية، إذ يصنعون قطاعا لا يستهان به من المتشددين، الذين لا يكبلون المجتمع فقط عن التقدم، بل يريدونه أن يعود قرونا إلى الوراء. ورسالة مسلسل "الداعية" ليس أبدا نقد أو نقض هذه الظاهرة بشكل مطلق، وإنما السؤال الأكثر جوهرية: هل هناك حقا أي تناقض بين الدعوة الدينية والحياة العصرية، بكل ما فيها من مكتسبات حضارية وثقافية وفنية؟ وهذه الدراسة لإمكانية وجود "تناقض" ترتكز هنا على بضع قواعد أساسية في أي درما ناجحة، تلك القواعد هي التناقض بين الشخصيات والأفكار بين مواقف تبدو متصارعة، والتغير أحيانا من موقف إلى آخر في شكل تحول درامي، وهذان المبدآن: التناقض والتغير، هما مصدر الحيوية في الأغلب، والضعف أحيانا، فيما أنجزه مسلسل "الداعية"، وفيما لم ينجح تماما في إنجازه. هناك في البداية عالم الداعية الشاب يوسف (هاني سلامة)، الذي حقق شهرة كبيرة وسط عالم الإعلام (والإعلان أحيانا)، بمظهره الأنيق، وحديثه الناعم، لكنه يخفي تحت السطح تشددا يتناقض تماما مع هذا المظهر. لا يقول لنا المسلسل كيف أصبح يوسف تلك الشخصية، وإنما هو أمامنا كشخصية جاهزة، خاصة أن هناك بينه وبين أبيه عبده (أحمد راتب) تناقضا يكاد أن يكون جذريا، فالأب بوهيمي تماما في حياته، ويحمل بعض "موتيفات" من الشيخ حسني في فيلم "الكيت كات" لداود عبد السيد، فهو ما يزال يقيم فقيرا في حي شعبي، ويعيش اللحظة مستمتعا بحياته، غارقا طوال نهاره في النشوة التي يشعر بها كفنان في صناعة "الأويما" (النحت والحفر على الخشب)، والانخراط في الغناء حتى في أكثر اللحظات قتامة، بينما يقضي ليله وسط دخان المخدرات الأزرق، كأنه يهرب من خوفه مما يخفيه له الغد من آلام، ناتجة عن عدم قدرته على تلبية الاحتياجات المادية البسيطة له ولزوجته الشابة. قد يخدم وجود مثل هذه الشخصية التأكيد على اختلافها الجذري عن الابن يوسف، بل إنه يثير التعاطف الإنساني أكثر، لكن هذا الاختلاف يبقى دون تفسير مقنع في الأغلب. على النقيض يعيش الابن يوسف فيما يشبه القصر الفاخر، وقد استطاع كأخ أكبر أن يربي شقيقاته الثلاث وشقيقه الأصغر الوحيد، وهو يبدو وسطهم مسيطرا ماديا ومعنويا، خاصة على الأخت الكبرى خديجة (ريهام عبد الغفور)، المستسلمة دائما لأحكامه، بينما تبدو الشقيقتان الأخريان أكثر ابتعادا عنه وتمردا عليه، فلكل منهما عالمها الخاص الذي تحاول بطريقتها أن تدافع عنه، كما أن الشقيق الأصغر المراهق لا يجد من يفهم احتياجاته في هذه السن الخطرة. يتأكد التناقض أيضا مع وجود حسن (أحمد فهمي) زوج خديجة، وهو بدوره داعية لكنه مغمور تماما، لذلك فإنه يعاني من عدة مشاعر مختلطة، فهو يشعر بالغيرة من نجاح يوسف، كما يعاني أيضا من الإحساس بالدونية في منزل شقيق زوجته، حيث لا يملك في أغلب الأحيان التحكم في أسرته ذاتها. وسوف يلعب المسلسل على التناقض بين يوسف، الذي يبدو في البداية متشددا في أفكاره وسلوكه، وحسن الأكثر انفتاحا وتسامحا، لينتهي هذا التناقض في النهاية – كما سوف نرى – إلى انقلاب في المواقف، حين يسعى حسن بدوره إلى الشهرة، التي ترتكز على التشدد، بينما يصبح يوسف أكثر قبولا لمباهج الحياة. هذا الموقف الأخير ليوسف سوف يأتي من التناقض الرئيسي في المسلسل، بينه وبين جارته نسمة (بسمة)، عازفة الكمان البارعة في إحدى فرق دار الأوبرا، وابنة العائلة ذات التاريخ النضالي اليساري، والمنخرطة دائما في الاشتراك في الفاعليات السياسية التي شهدتها مصر في الآونة الأخيرة، وإن بدا ذلك أحيانا على الشاشة مفتعلا وسطحيا، ربما للمشاهد التقريرية للمناظرات السياسية، وربما أيضا للأداء التمثيلي لبسمة، الذي لا يعرف التنوع والتنويع، وإنما يظل واحدا في مختلف المواقف. وبالطبع سوف تبدأ العلاقة بين يوسف وبسمة متوترة أو حتى عاصفة أحيانا، لكنها تنتهي إلى الوفاق الكامل، وبالطبع فإن السبب هو الحب الدافئ الذي يولد في قلبيهما، ومرة أخرى فإن المسلسل لا يهتم بتفسير هذا التحول بقدر ما "يستخدمه" لأهداف الرسالة التي يسعى إليها. في مشاهد قليلة تذكرنا بموتيفة من فيلم "رسائل البحر" لداود عبد السيد أيضا، يسترق يوسف السمع في الليل إلى النغمات الآتية من نافذة جارته نسمة التي تعزف على كمانها (كانت بسمة هي العازفة أيضا في "رسائل البحر")، ولسبب غامض ما تحرك الموسيقى وجدانه، وشيئا فشيئا يدرك أن في الحياة ما هو أكثر وأغنى كثيرا من آرائه التي يوزعها على الناس، وعندما يضع قدميه تماما في عالم نسمة تكون أفكاره قد تغيرت، ليعلنها على جمهوره الذي يشعر بنوع من الصدمة، لكن الخطر الأكبر يأتي من ذلك القطاع الذي كان "يستخدم" يوسف لأهداف سياسية، متمثلا في التيار اليميني المتشدد، بالإضافة إلى رجال عالم "البيزينس" والإعلانات، الذين كانوا يستغلون تشدد يوسف وسخونة آرائه في برامج جماهيرية تتناثر فيها إعلاناتهم. وفي نهاية غريبة على الدراما العربية (وإن كان لها تنويعات في السينما العالمية، لعل من أهمها فيلم "الأبواب المنزلقة")، يقترح المسلسل على المتفرج نهايتين متناقضتين: ففي مشهد يذكرك كثيرا بفيلم "لينكولن"، تعزف نسمة في حفل موسيقي يحضره يوسف وقد ملأته السعادة، وهناك في إحدى المقصورات رجل يحمل مسدسا كاتما للصوت، يطلق رصاصة على يوسف الذي يقع صريعا، ويبقى في كرسيه دون أن يشعر به أحد بينما ينصرف الجمهور بعد انتهاء الحفل (هل يذكرك هذا بمصرع شخصية توم كروز في فيلم "ضحية المصادفة"؟). تلك هي النهاية الأولى، لكن المسلسل يقترح عليك نهاية أخرى ويترك لك الاختيار بينهما، فيعود الشريط حرفيا إلى الخلف، ليتم القبض على حامل المسدس، ويقف يوسف بعد انتهاء العزف مصفقا لنسمة في بهجة غامرة. يحاول المسلسل أن يضع "تيمته" الرئيسية تلك على خلفية ثرية بالتفاصيل، ربما بدت أحيانا بعيدة في موضوعها، لكن ما يبرر وجودها بحق الأداء البارع لكل فريق التمثيل، خاصة من الشباب، وهو ما يشهد للمخرج الشاب محمد العدل بإدراكه لأهمية إدارة الممثل، وسوف ترى مثلا من أحمد فهمي في دور حسن زوج الشقيقة حضورا مختلفا تماما عن كل محاولاته الباهتة السابقة، ويكاد لا يشذ عن ذلك سوى البطلين هاني سلامة وبسمة، صاحبي الأداء الرتيب، وإن كان وجودهما مهما لتسويق المسلسل!! يرسم سيناريو مدحت العدل إذن الكثير من التفاصيل، التي تضفي حيوية على موضوع قد يقع في التنميط، فعلى النقيض من عالم يوسف بين وجهاء المجتمع من أصحاب القنوات الفضائية، أو المتاجرين بالدين، هناك عالم الفقراء، الذين يسعون من أجل رزق يبدو كأنهم أحيانا ينتزعونه من بين أنياب بعضهم البعض، ومشاعر وطموحات إنسانية مشروعة، تنكسر على صخرة الفقر والعوز. وهو ليس أبدا عالما "فولكلوريا" سعيدا أو وحشيا دمويا كما قد نراه في أغلب أعمالنا الدرامية، لكنه عالم حقيقي، يجعلك تتساءل لماذا لا يصبح أفضل في ظروفه لكي تتحقق لأبنائه حياة كريمة يستحقها البشر؟ لذلك كله يمكنك أن تغفر لمسلسل "الداعية" بعض نقاط الضعف هنا أو هناك، وتفهم أن وراءه على الأقل رسالة نبيلة، تقول إن من الممكن أن يتلاقى تراثنا مع حاضر المدنية، وإن الدين لا يمكن أبدا اختزاله في مجموعة من الأوامر والنواهي، بل إنه في جوهره يسعى إلى تحقق أكثر القيم الإنسانية سموا وأخلاقية.

Saturday, August 10, 2013

مسلسل "موجة حارة".... وحوش آدمية في غابة درامية


يُحكى أن رجلا مسافرا بالباخرة، تعطلت رحلته ذات ليلة في ميناء فرنسي بسبب قسوة العوامل الجوية، واضطر لقضاء ليلته في حانة في الميناء، حيث وجد الرواد يشربون النبيذ، وتقوم على خدمتهم نادلة شقراء، وعندما عاد إلى بلاده سألوه عن فرنسا، فقال إن جوها عاصف لا يتوقف فيه المطر، وكل الرجال الفرنسيين يحتسون الخمر، وكل النساء الفرنسيات شقراوات. ومن المؤكد أن الرجل قد تصور أنه كان دقيقا في وصفه، لأن ذلك هو "الواقع" الذي رآه. تلك بالضبط هي مشكلة "الواقع" و"الواقعية" في الفن، وربما ليست هناك كلمات أكثر مراوغة وغموضا منهما، لذلك لا تصدق كثيرا تلك العبارة التي تتصدر مسلسل "موجة حارة"، وتتحدث عن قسوة الواقع، فيما يشبه الاعتذار والتبرير لكل تلك الفجاجة التي يحتشد بها. ولأننا في عالم النقد الفني والصحافة الفنية في وطننا العربي نميل إلى التعميم والآراء المسبقة، فسوف تقرأ كثيرا قدرا هائلا من المديح للمسلسل،لا لشيء سوى أنه مأخوذ عن رواية "منخفض الهند الموسمي"، لكاتب الدراما التليفزيونية البارع أسامة أنور عكاشة، ولأن كاتبة السيناريو هي مريم نعوم، التي اشتهرت بعد نجاح معقول لفيلمها الأول "واحد صفر"، لمجرد أنه مختلف عن الأفلام السائدة. وفي الحقيقة أنه ليست كل أعمال أسامة أنور عكاشة على مستوى واحد، والأدق أن نقول أنه يتميز بحق وسط كتاب الدراما التليفزيونية، لكن أعماله الأدبية متوسطة القيمة، لأنه افتقد فيها رهافة رسم الشخصيات كما فعل في مسلسلاته، ومال إلى نوع من الميلودراما الصارخة التي انعكست أيضا في الأفلام القليلة التي كتبها، مثل "كتيبة الإعدام" أو "دماء على الأسفلت". ومن الحق القول أيضا أن أسامة عكاشة كان يبحث في الميلودراما عن قالب "جماهيري"، يحتشد "بالدم والدموع" بتعبير الدكتور علي الراعي، لكي يقترب من جمهور يسعى إلى التوابل اللاذعة، وهي المحاولة التي شاركه فيها منذ أكثر من عقدين المخرج عاطف الطيب، وكاتب السيناريو بشير الديك. لكن المفارقة تبدأ عندما تصبح الميلودراما غاية وليست وسيلة، فيبدو العالم الذي يتم تصويره بالغ القتامة، يزعم أنه يقترب من المناطق المظلمة من الواقع، وهو في الحقيقة يغرق في كهوف لا علاقة لها بالواقع، إلا التشابه السطحي، الذي يذكرك مثلا بصفحات الحوادث في الصحف، فهي مأخوذة من الواقع، لكن هل هي الواقع؟! وبالطبع، كلما كانت الحادثة أكثر سخونة وغرابة وابتعادا عن المألوف، فإن القراء يتسابقون لقراءتها، ولا تسأل بعد ذلك إن كانوا قد أصبحوا أكثر اقترابا من "فهم" الواقع، وإدراك أبعاده. ولأن كاتبة السيناريو (وصاحبة ورشة الكتابة) مريم نعوم تميل بدورها إلى تصوير "واقع" أقرب إلى الكوابيس، خاصة في أبعاده السياسية (مسلسل "ذات" مثال شديد الوضوح على ذلك)، فقد وجدت ضالتها في نسيج رواية "منخفض الهند الموسمي"، التي يعبر اسمها عن "موجة حارة" تجتاح البلاد والعباد، كان أسامة أنور عكاشة يريد بها الإشارة إلى واقع خانق، فانتهى العالم الفني في الرواية والمسلسل معا إلى أجواء مغلقة، قد تأخذ من الواقع المصري المعاصر بعض الظواهر الخارجة عن المألوف، لكنها لا ترى في هذا الواقع إلا تلك الظواهر الشاذة، والأهم أنها لا تشير من قريب أو بعيد إلى السياق الذي صنعها، بما قد يوحي في النهاية إلى الانطباع بأنه لا سبيل لتغيير مثل هذا العالم. تأمل هذا العالم الميلودرامي المتشابك في المسلسل، إلى درجة تصعب على التصديق، وربما قد لا تجدها إلا في بعض أفلام حسن الإمام، أو الأفلام الهندية التجارية. هناك في البداية صراع محتدم بين ضابط مباحث الآداب سيد العجاتي (إياد نصار) وصاحب شركة السياحة والقواد حمادة غزلان (سيد رجب)، وكالعادة فإن الضابط يظل مستحوذا عليه ضبط القواد في حالة تلبس، لكن هذا الأخير يستطيع دائما الهروب بجريمته، لأنه يرتكبها خلف نشاطات أخرى، أو لأن له علاقات "بالناس اللي فوق"، دون أن يتطرق المسلسل إلى هذه العلاقات. وبرغم أن المسلسل يبدأ بمصرع فتاة مجهولة في مصعد العمارة الموجود فيها شركة غزلان للسياحة، فإن هذا الخط يتم نسيانه إلى حد كبير، لكنه يكون على الأقل مصدرا لشك الضابط مرة أخرى في القواد، ومعاملته معاملة قاسية، فيقرر الأخير أن ينتقم من الضابط، فما هي يا ترى وسيلة الانتقام؟ كالعادة في الميلودراما الصارخة يحاول القواد استدراج زوجة الضابط شاهندة (رانيا يوسف)، التي تعاني من الحرمان العاطفي بسبب غياب زوجها طوال الوقت في عمله، وليس لها من صديقة سوى ليلى (درة) زوجة الضابط كمال (خالد سليم) زميل سيد في العمل، التي سوف نكتشف في حلقات لاحقة أنها على علاقة شائنة مع عشيق، وتبرر ذلك بأنها تحب الزوج لكن مرتبه "ما يأكلش عيش حاف" (هكذا!!). تتردد شاهندة على صالون للتجميل، تديره امرأة هي زوجة سرية للشيخ سعد العجاتي (سيد فؤاد)، عم ضابط الشرطة، والذي يحترف الدعوة الدينية في التليفزيون، لكنه لا يعلم أن زوجته تلك قوادة شريكة لحمادة غزلان في مهنته الحقيرة!! أما حمادة غزلان نفسه فهو متزوج من الزوجة الثانية الشابة نوسة (هنا شيحة)، صاحبة العلاقة الشاذة مع امرأة عجوز كانت رفيقتها في السجن!! وسوف يعاقب القدر الميلودرامي حمادة غزلان عندما يعلم أن ابنته تزوجت عرفيا من شاب، فيثور لكرامته لأنه يعتبر تلك العلاقة نوعا من الدعارة(!!)، كما أن صديقه المنحرف محسن العرايشي، الذي يسميه المسلسل بعد حلقتين أو ثلاث محسن السواحلي (مدحت صالح)، يستدرج ابن غزلان لعالم الخمر والمخدرات، فيكاد الرجل أن يشرف على الانهيار. هناك خطوط درامية فرعية تبدو تقليدية تماما في معالجتها، فالشقيق الأصغر نبيل العجاتي يحب جارته بثينة، لكن أمه دولت (معالي زايد) ترفض الزواج رفضا قاطعا لأن ابنا متوفيا لها كان يحب الفتاة نفسها (ما يذكرك على نحو ما بثلاثية نجيب محفوظ)، ولأن نبيل ثوري فلابد أنه يعلق على حوائط غرفته صور جيفارا ومانديلا وغاندي (ولا تسأل عن العلاقة بين الثلاثة)، ولا يسمع سوى أغنيات الشيخ إمام. كل تلك العلاقات المتشابكة نراها في أجواء صارخة الوحشية على الدوام، وحوارات تمتلئ تارة بالدموع وتارة أخرى بمونولوجات طويلة تشرح لنا ما خفي من أحداث. ومن الحق القول إن مجموعة الممثلين جميعا قدموا أداء لعله هو الذي أنقذ المسلسل من عدم تصديق المتففرج له، وربما عاد ذلك أيضا إلى إخراج محمد ياسين الكلاسيكي تماما، البعيد عن المبالغات الأسلوبية. أين جوهر الضعف في هذا العالم؟ إنه يكمن دائما في فقدان "السياق"، فكأن الأحداث تقع خارج الزمان والمكان، والإشارات إلى أي منهما تبدو متعسفة تماما، مثل صورة لحسني مبارك على الحائط، أو خطاب يذاع له في التليفزيون (في وقت الفجر!!). فخارج هذا العالم "الواقعي" الضيق يوجد واقع أكثر صدقا، يمثل النسيج الذي يمكن للأحداث أن تقع فيه، واقع مؤلف من ملايين الناس الساعين وراء لقمة العيش، في ظروف تزداد صعوبة، وربما ارتكبوا جرائم صغيرة، دون اضطرار لاحتراف البغاء، او ارتكاب جريمة تليق بعنوان عريض في صفحة الحوادث. قارن مثلا بخطوط درامية قريبة من تلك التي رأيناها في المسلسل، في فيلم "أهل القمة" المأخوذ عن رواية قصيرة لنجيب محفوظ ومن إخراج علي بدرخان، فهناك ضابط يرعى أسرته الصغيرة في شقة متواضعة، ومعه شقيقته الصغرى التي لا تشعر بالراحة من معاملة زوجة شقيقها، ولا يملك الضابط ما يمكن له به أن يقتني مكانا أكبر، وعندما يظهر في الأفق لص كان له تاريخ مع الضابط، وقد تحول في زمن الانفتاح إلى رجل أعمال، تمضي الشقيقة معه، ويبقى البطل عاجزا أمام التغيرات الاحتماعية والاقتصادية الجارفة. تلك شريحة مأخوذة من الواقع، تقول لنا لماذا تتصرف الشخصيات على هذا النحو أو ذاك، وتضعها في سياقها الأكبر، والأهم أن تخبرنا أن من الممكن لتلك الشخصيات أن تكون أفضل لو تحسنت الظروف. لكن عندما تصور عالما وحشيا منزوعا من سياقه، فكأنك تقول أن هذا الواقع أزلي أبدي، وليست تلك هي الواقعية بأي حال.

Thursday, August 08, 2013

مسلسل "بدون ذكر أسماء"... محاولة الطفو في بحار الغرق


لأعمال المؤلف وحيد حامد الدرامية، السينمائية والتليفزيونية، نكهة خاصة لا يمكن أن تخطئها العين، في براعته الشديدة في رسم الشخصيات، وإدارة حوار متدفق بينها. وأيا ما كان موقفك السياسي من بعضها، حين يبدو انحيازه الصارخ لطرف دون آخر، فإنك لا تملك في أغلب الأحوال إلا أن تعترف بامتلاكه الحرفية الدرامية، فهو الذي ساهم مثلا في صنع صورة نجومية عادل إمام الجماهيرية مع مسلسل ""ابراهيم الطاير"، الذي كان علامة على مرحلة بأكملها، أصبح فيها "الفهلوي" رمزا للتفاعل مع مجتمع تسوده التناقضات، ثم حمل هذه النجومية إلى آفاق جديدة منذ فيلم "اللعب مع الكبار"، حين أصبح عادل إمام شخصية مؤثرة في مجريات السياسة آنذاك!! لكن برغم أن وحيد حامد هو مؤلف مسلسل "بدون ذكر أسماء"، فإن ما يبهرك بحق هو إخراج تامر محسن له، فهناك حالة فريدة من الواقعية الصادقة في كل التفاصيل، يندر أن تجدها في مسلسلاتنا (الرمضانية بشكل خاص)، والتي تغرق في الأغلب الأعم في عوالم "منزوعة الدسم" إن جاز التعبير، سواء دارت في أجواء العاطفة الرومانسية أو في قصور الطبقة الثرية، أو كان يغلب عليها طابع "الأكشن" المتأثر مباشرة بالسينما الأمريكية. لكنك مع مسلسل "بدون ذكر أسماء" سوف تشاهد عالما مصريا خالصا، حتى لو بدا مبالغا فيه في بعض الأحيان، أو كأنه يستعير بعضا من تقاليد الرواية الواقعية الإنجليزية، خاصة روايات تشارلز ديكنز. وتكاد خيوط الدراما في المسلسل أن يشكل كل منها قصة منفردة، تصلح أن تكون موضوعا لمسلسل منفصل، وربما كان هذا هو السبب في أن الملل لا يتسرب إليك وأنت تتابع الشخصيات العديدة، وحكاياتها بالغة الثراء، وإن كانت غارقة في مستنقع الفقر المدقع لعالم الطبقة (أو بالأحرى الطبقات) الفقيرة، التي تتراوح بين دنيا الشحاذين، والباعة المتجولين، وأبناء الفقراء الطامحين إلى أن يجدوا لأنفسهم موطئ قدم تحت شمس الحياة. وأرجو أن تلاحظ أن المسلسل يبدأ بعنوان "القاهرة 1984"، وهو ما تؤكده أيضا براعة المخرج في اختيار طابع لوني ينتمى إلى تلك الفترة، لكن هذه العنوان يثير في نفسك السؤال والإجابة معا، فواقعنا الراهن امتداد لهذا التاريخ الذي مضى عليه حوالي ثلاثة عقود، وكهول الحاضر الذين يصنعون القرارت الآن هم الشباب المحبط الحائر الذي كانوه في الماضي. سوف نتتبع بعض الخيوط الرئيسية هنا، لنقترب من تلك التفاصيل المرهفة، فهناك في البداية عائلة عم ربيع (عبد العزيز مخيون)، بائع البسبوسة على عربة على الرصيف، والذي يعيش برغم فقره بأخلاق نقية، أورثها لابنتين وابن ذكر وحيد هو عاطف (أحمد الفيشاوي)، الذي يحلم بأن يقترب من عالم نجوم كرة القدم، وتقوده الصدفة إلى التقاط صورة لبعضهم، تحقق له مكانة مفاجئة في عالم التصوير الصحفي، مما يجعله موضع مؤامرات من "الكبار"، لولا أن سيدة غامضة ذات نفوذ (شيرين رضا) تظلل عليه برعايتها. لكننا نظل أيضا مع العائلة، والأب الذي يشعر بالمرارة من جموح ابنه الذكر الوحيد، كما يعاني من تسلط السلطة عليه من جانب، مجسدة في ضابط الشرطة الذي يريد من الجميع الإذعان له، ومن جانب آخر من تزايد سطوة شيخ الجامع شفيع (أحمد حلاوة)، الذي يبث الأفكار السلفية حيث ذهب، ويبدو الجميع راضين بأحكامه. (تلك في الحقيقة ثنائية السلطة الفاسدة والتطرف الديني التي تغلب على معظم أعمال وحيد حامد). وسوف تقود سطوة الشيخ السلفي إلى زواج الابنة الكبرى نوارة (حورية فرغلي) من فني إصلاح التكييف معتمد (وليد فواز)، الذي سرعان ما يحول – تحت وطأة أفكاره الدينية المتطرفة – نضارتها إلى الذبول، وهو الأمر الذي جعل الابنة الصغرى تختار طريقا أكثر نضجا للارتباط بشريك حياتها القادم. من خط عائلة عم ربيع، يولد خط آخر مختلف تماما، فالشاب الصعلوك رجب الفرخ (محمد فراج، الذي يمثل هذا الدور اكتشافا حقيقيا له) على علاقة صداقة وثيقة بعاطف، وبرغم مظهره البائس فهو يملك أخلاقيات الرجولة النبيلة، لكن عمله الحقيقي هو أن يكون "فتوة" يحمي مجموعة من الشحاذين، التابعين للمعلمة أصيلة (فريدة سيف النصر، في ثوب مختلف تماما عن كل صورها السابقة)، ويسميها أتباعها "العجة" لضخامة جثتها، وتكاد أن تكون رمزا أكثر من كونها شخصية حقيقية، فهي تجمع بين القسوة والطيبة، حتى أنها تقرر أن تتزوج من رجب زواجا صوريا حتى يرث ممتلكاتها بعد وفاتها، وهي الممتلكات التي يأتي على قمتها أراضٍ في مناطق حيوية من المدينة. ومن بين الشحاذين – الذين نطلق عليهم أحيانا "أبناء الشوارع"، ذلك المصطلح الذي يخلو من الفهم والرحمة – نتوقف عند الفتاة مبسوطة (روبي)، في ملابسها المهلهلة ووجهها الذي لم يعرف الماء والصابون منذ شهور، وتبيع الفل في إشارات المرور، وتصادف المغنية نعناعة (صفوة) في سيارتها، وسوف تساعدها هذه على الهروب من المعلمة، ويبدو أن أمامها حياة جديدة تماما كراقصة، لكنك لا تدري إن كانت أكثر شرفا من حياتها كشحاذة. وأخيرا يأتي الخط الدرامي لمهندس شاب، هو ابن لحلاق الحمير في القرية، ويلجأ لأحد المسئولين الكبار لكي يتوسط له في إيجاد عمل، لكن الأمر ينتهي به متورطا مع المسئول في قضايا أكبر وأخطر من أحلامه، لكنها أكثر ربحا، وتلتقي كل هذه القضايا في حروب إقليمية كما هو الحال في أفغانستان ولبنان. هناك خطوط وخيوط درامية صغرى عديدة، تتناثر هنا وهناك لتقيم روابط بين هذه الخيوط التي تبدو متباعدة، لكن يجمعها جميعا (وتلك براعة الكتابة بلا جدال، ويفتقدها الكثيرون من مؤلفي الدراما التليفزيونية) وجود "تيمة رئيسية، هي الغرق في بحر الفقر، ومحاولة الطفو اليائسة البائسة، والسباحة بحثا عن بر للأمان. وبلا شك فإن وحيد حامد يملك ناصية الحوار تماما، حتى لو تناثرت فيه بين الحين والآخر بعض الأقوال الحكيمة التي يمكن أن تنسبها للمؤلف وليس الشخصية التي تتفوه بها. لكن ما يثير الإعجاب بحق هو تنفيذ المخرج تامر محسن لها، فالحوار في تمثيلياتنا يدور في الأغلب بين شخصيات تجلس على "الكنب" (الأرائك)، أو وهي سائرة في النادي مثلا، لكن في مساسل "بدون ذكر أسماء" تبدو كل الشخصيات في حركة عمل أو طقوس يومية وهي تتبادل الحوار، ولتتأمل مثلا مشهدا يذهب فيه الأب ربيع إلى الضابط، يرجوه العفو عن ابنه الطائش، بينما يقوم حلاق بحلاقة ذقن الضابط، بما يجعله أكثر استهانة بمشاعر الأب. أو لك أن تتأمل أيضا مشهدا يثور فيه الأب على ابنه، فتشعل الأم (وهي التي بلا حوار في المشهد) عودا من البخور لتبعد عنهما وساوس الشيطان. غير أن أكثر العناصر براعة في التنفيذ الإخراجي هو ذلك الحس البصري الفائق، ويكاد أن يكون سينمائيا، فبينما تغلب الديكورات على معظم أعمالنا الدرامية، يتم تصوير أغلب المشاهد في مواقع حقيقية تماما، وهناك مشاهد في شوارع وسط المدينة المزدحمة، في أسلوب تسجيلي خالص، ولابد أن هذه المشاهد اعتمدت على تلقائية الممثلين من جانب، وحيوية المصور من جانب آخر. كما أنك سوف تجد تأثرا واضحا بالتقنيات السينمائية، في أحجام "الكادرات"، وزوايا التصوير، وتغيير البؤرة داخل اللقطة الواحدة، والتكوين البصري الذي يوصل معنى دراميا، واستخدام الكاميرا المتحركة عند الحاجة إليها وليس بشكل مستمر مثل "الموضة" الأخيرة في مسلسلاتنا. وربما حلا للبعض البحث عن "أسماء" حقيقية وراء الشخصيات الدرامية، كما في رواية "الشطار" لخيري شلبي أو "عمارة يعقوبيان" لعلاء الأسواني على سبيل المثال، لكن هذا هو ما لم يرده وحيد حامد مؤلفا أو تامر محسن مخرجا، فقد صنعا لوحة دقيقة رقيقة، وإن كانت مليئة بالمرارة، للماضي الذي صنع الحاضر الذي نعيش فيه، ونخشى أن يمتد تأثيره إلى المستقبل.

Thursday, August 01, 2013

مسلسل "العراف".... والنصب على المشاهدين


إن أردت أن تتعلم كيف يمكن لك أن تصنع عملا دراميا من لا شيء، وينتهي إلى لا شيء أيضا، فيمكنك أن تأخذ مسلسل "العراف" نموذجا: هاتِِ نجما كبيرا مثل عادل إمام بأي أجر يريده، وسوف تسترد ما دفعته وأكثر من المعلنين الذين سوف يتسابقون لوضع إعلاناتهم بين فقرات المسلسل، ولتأتِ بأي فكرة مستهلكة ظهرت في عشرات الأعمال السينمائية العالمية والعربية، واصنع منها حلقات طويلة تبلغ الثلاثين عددا (وهذا سوف يزيد مكسبك على أي حال)، واجعل الأحداث تمضي بلا أي منطق، ثم اخترع حبكة فرعية تضمن لك زيادة جديدة في المط والتطويل، وليس مهما أبدا أن يكون هناك منطق درامي أو واقعي يحكم الأحداث والشخصيات، فوجود نجم بحجم عادل إمام سوف ينسي الجميع قواعد الدراما وأصولها. قد يكون غريبا أن نبدأ هذه المقالة بالحكم النقدي، بدلا من أن ننتهي إليه كما هو المتبع، لكن هذا الحكم هو الانطباع الأول والأخير الذي سوف يلازمك طوال مشاهدتك للحلقات، التي يثور فيها دائما في وجدان المتفرج بعض الأسئلة المحورية: هل هناك في المسلسل ما يشدني حقا لمتابعته؟ وهل حرص صانعوه على أولويات أي عمل درامي جماهيري، بخلق حالة من التعاطف بين المتفرج والبطل؟ وهل يوجد في الأحداث ما يدل على تصاعد درامي؟ وتلك بالضبط هي الأسئلة التي أثارها مسلسل عادل إمام في العام الماضي، الذي قد يصعب على المرء تذكر اسمه (كان اسمه "فرقة ناجي عطا الله"). لكن هذا ليس غريبا، فالتوليفة واحدة، والمؤلف هو يوسف معاطي الذي ينفذ رغبات النجم، في إعطائه أكبر مساحة للظهور بسبب أو بدون سبب، ناهيك عن فرص تقبيل كل من يقابلهن من النساء، اللائي لا تملكن مقاومته أمام جاذبيته (في هذا العمر!). كما أن المخرج هو رامي إمام، الذي لا يملك أي لمسة إخراجية مميزة، وتتسم أعماله بالفتور وقدر هائل من التقليدية، ولا نبالغ كثيرا عندما نقول إنه لم يترك بصمة واحدة في أفلامه ومسلسلاته برغم الفرص العديدة المتاحة له، بل إنه يفتقد الإحساس الكوميدي المرهف، الذي قد يخلق من المواقف العادية لمسات تلقي الضوء على مفارقات الحياة والدراما، التي تثير مزيجا من الضحكات والدموع. إليك يا عزيزي القارئ تلخيصا للحبكة الأصلية، التي تدور حول شخصية نصاب بارع (عادل إمام)، يذكرك مثلا بالفيلم الأمريكي "امسك بي لو استطعت"، أو الفيلم المصري "العتبة الخضراء"، وهي شخصية تتيح وحدها عددا لا نهائيا من "النمر"، بقدر براعة صانعي العمل في إتقان رسم عمليات النصب المتتالية. وبالطبع هناك ضابط شرطة على وشك التقاعد دائما (هكذا الحال في عشرات الأفلام الأمريكية)، يقوم بدوره هنا حسين فهمي، ويدعى سامح سيف الدين، وكما في "البؤساء" وحتى "الهارب" يظل هذا الضابط مشغولا طوال حياته بالقبض على النصاب الذي هرب منه في الأيام الخوالي. وأخيرا لابد من صحافية (رشا مهدي)، ليست لها أي حياة خاصة أو ملامح درامية لشخصيتها، وهي بدورها باحثة عن الحقيقة في مطاردة هذا المحتال بالغ الذكاء. وقد يكون هناك تفسير للعدد الوافر من الأفلام المصرية الأخيرة التي تناولت شخصية المحتال، مثل "سنة أولى نصب" أو "ابن القنصل"، فربما كانت انعكاسا لقيم اجتماعية مغلوطة ومقلوبة انتابت المجتمع المصري في الآونة الأخيرة، لكنها كانت أيضا تقليدا أعمى لموجة من الأفلام الأمريكية الحديثة حول هذه الشخصية، وإن اتسمت الأفلام الأمريكية بحيلة "الانقلاب الدرامي"، التي تجعل النصاب ذاته ضحية لعملية احتيال كبرى، كما هو الحال في فيلم "رجال عيدان الثقاب" (في العامية الأمريكية يعني هذا المصطلح "المحتالون"). لكن المشكلة الأهم لدى صناع ذلك النمط من الأفلام هي كيفية إثارة تعاطف المتفرج مع البطل، وهو الأمر الذي يحتاج إلى قدر هائل من براعة رسم الشخصية، وصنع تاريخ لها يبرر تحولها إلى الجريمة، وهذا ما تنجح فيه بالفعل معظم الأفلام الأمريكية. لكنك مع مسلسل عادل إمام "العراف" لن تجد لمثل هذا التعاطف سببا واحدا، بل إنك سوف تسخر من صناع العمل الذين سوف يبررون ذلك بأنه انتحل في بداية حياته شخصية محامٍ، ويقولون أيضا إنه كان محاميا ناجحا (!!)، واستقرت حياته آنذاك لولا اكتشاف أمره، مما اضطره للهرب، وأصبح انتحاله شخصية بعد أخرى مهنة اضطر إليها. لكن: ما الذي جعله يلجأ للانتحال أول مرة؟ وهل يكفي للتعاطف معه أنه عادل إمام؟! مع هروب المحتال إلى بلاد أخرى، وانتحاله أسماءً ومهنا جديدة، تأتي الحبكة الفرعية الثانية، فقد ترك وراءه في كل بلد ابنا أو ابنة، وبالطبع يحمل كل منهم اسم أب مختلفا عن الآخر، كما أنهم لا يعرفون أباهم أصلا، وهو الآن يعاود الظهور في حياتهم الواحد بعد الآخر، أما السبب فلأنه يريد أن يترك لهم ثروته. وقد تصدق تلك الحبكة الفرعية إذا كان المقصود منها هو إضافة لمسات إنسانية هنا وهناك، حتى لو كانت مفتعلة، لكن التلفيق يطغى عليها تماما عندما يزعم صناع العمل أنهم يريدون بها رسم خريطة للمجتمع المصري المعاصر، لذلك جاء الأبناء على النحو التالي: ضابط شرطة، وسلفي يميل إلى التطرف، ومهرب صغير، وأخيرا ابنة أصبحت ضحية لقسوة زوج أمها البخيل. سوف تظهر هذه الشخصيات جميعا وتختفي كيفما اتفق، بدءا من ضابط الشرطة الكبير الساعي إلى القبض على المحتال، ومرورا بالصحافية التي بلا ضرورة لوجودها أصلا، وحتى هؤلاء الأبناء وأمهاتهم، ولأن الشخصيات لا تتمتع بالحد الأدنى من رسم أي ملامح درامية، فقد جاء أداء الممثلين جميعا "يتمتع" بمزيج عجيب من المبالغة والسطحية، مما يؤكد مرة أخرى أن "المخرج" رامي إمام لا يفهم جزءا مهما من حرفة الإخراج، وهو فن إدارة الممثلين، خاصة وأن الرتابة والملل سيطرا على العديد من المشاهد، التي كان يصاحبها شريط صوتي من موسيقي لا تتوقف، وتنتقل فجأة (حسب الطلب) من جو إلى آخر. لكن الغريب حقا (ولعله ليس غريبا تماما) هو أداء عادل إمام بالغ التقليدية، وهنا نشير إلى أن بعض الممثلين يزدادون إتقانا للحرفة كلما كبروا في العمر، لكن بعضهم الآخر – مثل عادل إمام – يفقدون كثيرا من لياقتهم النفسية والجسمانية، الذي تكاد لا تراه هنا إلا جالسا في معظم المشاهد، يلقي سطور حواره كأنه يقرأها لأول مرة في "بروفة القراءة الأولى". بنفس القدر من الرتابة والملل يحشر المسلسل مشاهد طويلة لقيادة السيارة مثلا، والخروج منها، والوصول إلى الباب.... إلى آخره، فيما يسمى في الدراما "الزمن الميت" الذي يجب أن يحذف في المونتاج، كذلك كانت الحلقة الأولى مثالا على ذلك الكسل الإخراجي، فهي ليست سوى قطع مونتاجي متبادل (طوال الحلقة) بين حفل شديد البذخ لبعض رجال الأعمال، وعائلة فقيرة تسكن على سفح جبل المقطم، ويضطر عائلها للسطو المسلح على بعض السيارات حتى يوفر لهم لقمة العيش. وربما يبرر لك صناع المسلسل تلك الحلقة بأنها تفسر تحول البعض إلى الجريمة، لكن ما الذي يدفعني كمتفرج أن أواصل الفرجة على شخصيات لا أعرف عنها شيئا مطلقا؟ أخيرا هناك أهم مقومات أي عمل درامي يتناول شخصية المحتال، وهو إتقان "نمر" الاحتيال ببراعة كاملة، لكن تأمل النمرة الأولى سوف يكشف لك عن مدى التلفيق: إن البطل يتقمص شخصية رئيس إدارة الأموال العامة في وزارة الداخلية، ويستأجر مبنى يضع عليه لافتة توحى بذلك، ويجند عشرات من الكومبارس ليقوموا بأدوار ضباط وجنود ومخبري الإدارة، كل ذلك تحت ستار أنه يصور فيلما، ليستدرج العديد من رجال الأعمال الكبار ويحتال عليهم قبل أن يختفي. وهنا لابد أن تسأل نفسك: هل هناك رجل بهذا المنصب يهبط فجأة على عشرات رجال الأعمال الذين لا يعرفونه، برغم تعاملهم الدائم مع الإدارة؟ وكيف لا يمكن تعقب المحتال ولديك عشرات من شركائه الكبار والصغار، الذي يمكن لأي واحد منهم أن يشي به؟ وكيف يصدق هؤلاء الكومبارس أن هناك فيلما يتم تصويره دون كاميرا واحدة، ودون تحديد لموقع تصوير في المبنى، الذي يدور العمل في كل جنباته في كل لحظة؟ لن تجد لهذه الأسئلة إجابة، ولن يشغل صناع المسلسل أنفسهم بها، فهم يعتمدون على استمرارك في"الفرجة" لأن البطل هو عادل إمام. وقد يكون "العراف" يحكي عن نصاب بارع مفترض، لكن العمل يبقى في التحليل الأخير عملية نصب غير بارعة مطلقا على المشاهدين.

Wednesday, July 31, 2013

مسلسل "ذات"... رؤية منحازة وغير موضوعية للواقع المصري


مغامرة حقيقية أن تفكر مجموعة من فناني التليفزيون (أو السينما أو المسرح) في تحويل رواية "ذات" للأديب المصري صنع الله ابراهيم، إلى عمل درامي. فهي في الأصل ليست رواية بالمعنى التقليدي، إذ يختلط فيها عالمان: عالم الشخصيات التي ابتدعها الكاتب من خياله، وعالم تسجيلي خالص مؤلف من قصاصات الأخبار الصحفية، التي تبدو كأنها متناثرة ولا تحمل علاقة بينها، وإن كان الكاتب قد اختارها بعناية فائقة. وهذا العالمان يجمعهما نسيج واحد برغم تناقضهما الظاهر، بأسلوب يبدو هو ذاته يحمل مفارقة خفية، إذ يحكي صنع الله ابراهيم عن الشخصيات بما يشبه الموضوعية المتأملة المحايدة والباردة، ومع ذلك فإنه ينثر سخرياته منها هنا وهناك، في نوع من التعليق المستتر على مسار حياتها، لكنه في التحليل الأخير يترك القارئ يستخلص النتائج بنفسه. تبدو مغامرة تحويل رواية "ذات" إلى رواية أكثر جموحا، عندما تتذكر أن مسار حياة الشخصيات الروائية ذاتها يخلو من أي آثار أو تحولات دراماتيكية، إنها تعيش حياة "عادية" تماما، لا شيء خاصا أو مميزا فيها، بل إنها تشبه حياة الآلاف أو حتى الملايين من النساء والرجال، في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية جارفة، وهنا تكمن مفارقة أكبر، فاسم الشخصية الرئيسية، وعنوان الرواية "ذات"، يتناقض مع تحول هذه الذات إلى "موضوع"، يفتقد الحد الأدنى من الفردية الإنسانية. جاءت كاتبة السيناريو مريم نعوم إلى هذه التجربة وفي وعيها الفني هذا التحدي، وربما بدا للبعض من النقاد والجمهور أن هناك براعة في تحويل هذا النسيج "العادي" إلى دراما، وإن كان الدافع الأساسي لإعجابهم يأتي من نوع من الحنين إلى الماضي الخاص بهم، وليس الخاص بالعمل الدرامي ذاته، الذي افتقد الرؤية الموضوعية لصنع الله ابراهيم وأسلوبه الساخر معا، وكان مصدر الجانب السلبي للمسلسل مرجعه هو "اختيار" أحداث بعينها، والقفز على أحداث أخرى، بما يوحي برؤية مسبقة جاهزة لدى صناع العمل، تتعمد أن تترك لدى المتفرج انطباعا محددا، حتى بشكل غير واعٍ، ولا تسمح له بأن يُكوّن وجهة نظره عن مسارات حياة الشخصيات، وتقاطعها مع السياق الكامل للمجتمع المصري في نصف قرن أو يزيد. وبرغم نفي المخرجة كاملة أبو ذكري أن هناك مسحة "نسوية" في المسلسل، عزاها البعض إلى أن معظم الفنانين الذين صنعوه من النساء، فهو يحمل بالفعل تلك المسحة، بدءا من اختيار عنوان أكثر وضوحا، هو "بنت اسمها ذات"، ومرورا بالالتصاق ببطلته التي جسدت دورها نيللي كريم، في تحولات حياتها منذ الميلاد وكل التغيرات الجسمانية والعاطفية التي تشعر بها البنات، وانتهاء بالزواج والإنجاب والعمل غير المجدي والدوران في طاحونة الأعباء المنزلية التي لا تنتهي، في ظل وجود ذكور (صبيان ورجال) هم في أغلب الأحوال كائنات تفتقر إلى الحساسية. وكان من الممكن أن ينجح المسلسسل في هذا الإطار، لكنه اختار سياقا أكثر طموحا وتحيزا في الوقت ذاته، فلم تعد ذات (البطلة) مجرد تجسيد لجانب كبير من نصف المجتمع المظلوم، لكنها أصبحت رمزا للوطن ذاته، وبالتحديد من ليلة ثورة يوليو 1952، التي اقترنت بالصدفة بميلاد البطلة، لتمضي الأحداث السياسية (في تصور صناع المسلسل) موازية لمصير هذه البطلة. وقد لا ننكر هذا الطموح الفني والسياسي، لكننا نؤكد أنه كان يجب أن يستند إلى قدر أكبر كثيرا من الاتساق الفني أولا، والموضوعية السياسية ثانيا. فمن نقاط الضعف الرئيسية في معظم أعمالنا الدرامية (السينمائية والتليفزيونية)، الغياب الكامل لتحديد موقع "السارد" أو الراوي من الأحداث، فيمكنك أن تختار بين أن تروي على نحو يساوي بين كل الشخصيات، فتصبح عارفا بمشاعرها وأفكارها ومصائرها جميعا، أو بين أن تلتزم برؤية شخصية منها، لتجعل المتلقي يتوحد معها، عندما لا يعلم سوى ما تعلم هذه الشخصية. وكان من الممكن أن يكون هذا الاختيار الأخير (الرؤية الذاتية لذات) هو أسلوب العمل كله، خاصة أنه يمنحها منذ اللحظة الأولى "مونولوجا" من المستحيل وجوده واقعيا، فهو يصور العالم مقلوبا من وجهة نظرها بعد خروجها مباشرة من رحم أمها، مع تعليق صوتي لها وهي تشرح ما نراه على الشاشة. لكن هذا الاختيار كان يحتم أيضا استمرار وجهة النظر تلك والتعليق طوال السرد، لكنه كان يختفي حلقات طويلة، ليظهر في مشاهد نادرة متناثرة. كما أن هناك مشاهد كاملة في حلقات تالية، تشرح للمتفرج ما لا تعرفه ذات أو لم تره، مثل المشهد بين زميلتها الثورية صفية، وحبيبها عزيز، يوضح لنا أن ذات قد خدعت نفسها بأن عزيز يحبها. تلك الحيرة الأسلوبية بين أن تحكي "من وجهة نظر" ذات أو "عنها"، لا تجد لها معادلا في الجانب السياسي من المسلسل، فهنا موقف يقيني قاطع، إذ هو يأخذ من تاريخ مصر منذ عام 1952 موقفا سلبيا تماما، يبدو في اختياراته لأحداث تتقاطع مع مصير البطلة ذات. ألا يبدو غريبا على سبيل المثال أن تكون أول شخصية نراها مع أول مشهد هي شخصية اليهودي المصري زكي شلهوب، صاحب محل البقالة، وأن يجعلنا المسلسل نبكي بعد بضع حلقات على "اضطراره" للرحيل عن مصر، مع تعليق "الله يجازي اللي كان السبب"؟ ولا يقول لك المسلسل شيئا هنا عن المؤامرات الصهيونية الإرهابية التي كانت تهدف لإثارة الرعب في نفوس اليهود المصريين حتى يرحلوا عن مصر، كما لا يعبأ المسلسل بأن يعرض لك أي شخصية يهودية تمسكت بمصريتها، وقررت عدم الرحيل. وقبل أن تحتار طويلا في معرفة "السبب" لتلك الهجرة، تأمل اختيار الأحداث السياسية والتعليق عليها، فالمسلسل يأتي لك بلقطات عن لحظة إعلان عبد االناصر تأميم قناة السويس، مما أدى للعدوان الثلاثي. والمسلسل لا يقول لك أبدا السياق الذي كان التأميم جزءا منه (رفض البنك الدولي لإقراض مصر لبناء السد العالي)، كما أنه يقول إن القناة كانت ستعود من تلقاء نفسها بعد اثني عشر عاما مع انتهاء العقد مع الشركة الأجنبية لقناة السويس، ويكتفي بمشاهد الدمار الذي أحدثه العدوان الثلاثي، دون كلمة أو لقطة واحدة عن مقاومة المصريين، أو عن النصر السياسي الذي تحقق بانسحاب قوات العدوان دون أن تحقق هدفها، فالنتيجة الوحيدة لهذه الحرب كما يراها المسلسل هي رحيل اليهود عن مصر. هذا الاختيار لأحداث بعينها، وإهمال أحداث أخرى أو السياق الكامل لها، ينسحب على كل مسلسل "ذات"، ليعكس رؤية جاهزة ومنحازة ضد مصر يوليو 1952، فلا حديث مثلا عن مجانية التعليم (ربما لم تكن ذات وقريناتها تملكن فرصة التعلم لولاها)، أو عن القرارات الاشتراكية، لكن هناك تأكيدا على "هزيمة" 1967 الساحقة، التي جاءت بدورها دون سياق، بينما يوجد تجاهل تام لإعادة بناء الجيش المصري، وخوض حروب الاستنزاف التي كلفت العدو الصهيوني خسائر فادحة. دعني أؤكد يا عزيزي القارئ أنني لم أكن أريد أن ينزلق مسلسل "ذات" إلى تلك الرؤية السلبية، التي أراها أيضا تعكس عيبا أصيلا في سرده. إنك عندما تحكي مثلا عن الطفلة ذات، كان يمكنك أن تصور عالمها الطفولي، ورؤيتها واكتشافها له، فهل يتذكر الأطفال الأحداث السياسية الكبرى فقط، أم أن هناك على سبيل المثال ذكرى ألعاب الطفولة، وأول يوم في دخول المدرسة، والصداقات التي تولد فيها، وأول مرة تذهب فيها إلى السينما، وعشقها لمجلات الأطفال؟ لذلك فإن كل ما يتبقى ليس إلا تقليدا باهتا لرؤية سلبية مسبقة، فحتى أبناء الشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى كانت لهم مباهجهم التي تتناسب مع أعمارهم، أما تجارب البطلة ذات فليست إلا سلسلة من المآسي الصغيرة، تبدأ مع رحيل العائلة اليهودية، وتمر مع الختان الذي يقترن سياقه هنا مع "تورط" مصر في ثورة اليمن، ناهيك عن قصص الحب المجهضة، والتي عاشتها ذات من طرفها فقط، حتى زواجها من عبد المجيد (باسم سمرة)، الذي يبدو عاديا إلى درجة الابتذال، حتى أنها يغتصبها في ليلة الزفاف، التي تقترن هنا مع خوض مصر لحرب أكتوبر مع إسرائيل!! هل خرج المتفرج بأي رؤية جعلته أكثر فهما لواقعه؟ الحقيقة أن لا وعيه ربما قد تأثر على نحو بالغ السلبية، بذلك العرض المنحاز ضد الشخصية المصرية، بل التاريخ المصري المعاصر كله، بما يجعل "ذات" مسرحا لرؤية غير موضوعية على الإطلاق، ولا يترك للمتفرج نقطة ضوء يستطيع من خلالها أن يتلمس الجوانب الإيجابية في هذا التاريخ، أو يعطيه المتفرج أملا حقيقيا في المستقبل.