Saturday, August 10, 2013

مسلسل "موجة حارة".... وحوش آدمية في غابة درامية


يُحكى أن رجلا مسافرا بالباخرة، تعطلت رحلته ذات ليلة في ميناء فرنسي بسبب قسوة العوامل الجوية، واضطر لقضاء ليلته في حانة في الميناء، حيث وجد الرواد يشربون النبيذ، وتقوم على خدمتهم نادلة شقراء، وعندما عاد إلى بلاده سألوه عن فرنسا، فقال إن جوها عاصف لا يتوقف فيه المطر، وكل الرجال الفرنسيين يحتسون الخمر، وكل النساء الفرنسيات شقراوات. ومن المؤكد أن الرجل قد تصور أنه كان دقيقا في وصفه، لأن ذلك هو "الواقع" الذي رآه. تلك بالضبط هي مشكلة "الواقع" و"الواقعية" في الفن، وربما ليست هناك كلمات أكثر مراوغة وغموضا منهما، لذلك لا تصدق كثيرا تلك العبارة التي تتصدر مسلسل "موجة حارة"، وتتحدث عن قسوة الواقع، فيما يشبه الاعتذار والتبرير لكل تلك الفجاجة التي يحتشد بها. ولأننا في عالم النقد الفني والصحافة الفنية في وطننا العربي نميل إلى التعميم والآراء المسبقة، فسوف تقرأ كثيرا قدرا هائلا من المديح للمسلسل،لا لشيء سوى أنه مأخوذ عن رواية "منخفض الهند الموسمي"، لكاتب الدراما التليفزيونية البارع أسامة أنور عكاشة، ولأن كاتبة السيناريو هي مريم نعوم، التي اشتهرت بعد نجاح معقول لفيلمها الأول "واحد صفر"، لمجرد أنه مختلف عن الأفلام السائدة. وفي الحقيقة أنه ليست كل أعمال أسامة أنور عكاشة على مستوى واحد، والأدق أن نقول أنه يتميز بحق وسط كتاب الدراما التليفزيونية، لكن أعماله الأدبية متوسطة القيمة، لأنه افتقد فيها رهافة رسم الشخصيات كما فعل في مسلسلاته، ومال إلى نوع من الميلودراما الصارخة التي انعكست أيضا في الأفلام القليلة التي كتبها، مثل "كتيبة الإعدام" أو "دماء على الأسفلت". ومن الحق القول أيضا أن أسامة عكاشة كان يبحث في الميلودراما عن قالب "جماهيري"، يحتشد "بالدم والدموع" بتعبير الدكتور علي الراعي، لكي يقترب من جمهور يسعى إلى التوابل اللاذعة، وهي المحاولة التي شاركه فيها منذ أكثر من عقدين المخرج عاطف الطيب، وكاتب السيناريو بشير الديك. لكن المفارقة تبدأ عندما تصبح الميلودراما غاية وليست وسيلة، فيبدو العالم الذي يتم تصويره بالغ القتامة، يزعم أنه يقترب من المناطق المظلمة من الواقع، وهو في الحقيقة يغرق في كهوف لا علاقة لها بالواقع، إلا التشابه السطحي، الذي يذكرك مثلا بصفحات الحوادث في الصحف، فهي مأخوذة من الواقع، لكن هل هي الواقع؟! وبالطبع، كلما كانت الحادثة أكثر سخونة وغرابة وابتعادا عن المألوف، فإن القراء يتسابقون لقراءتها، ولا تسأل بعد ذلك إن كانوا قد أصبحوا أكثر اقترابا من "فهم" الواقع، وإدراك أبعاده. ولأن كاتبة السيناريو (وصاحبة ورشة الكتابة) مريم نعوم تميل بدورها إلى تصوير "واقع" أقرب إلى الكوابيس، خاصة في أبعاده السياسية (مسلسل "ذات" مثال شديد الوضوح على ذلك)، فقد وجدت ضالتها في نسيج رواية "منخفض الهند الموسمي"، التي يعبر اسمها عن "موجة حارة" تجتاح البلاد والعباد، كان أسامة أنور عكاشة يريد بها الإشارة إلى واقع خانق، فانتهى العالم الفني في الرواية والمسلسل معا إلى أجواء مغلقة، قد تأخذ من الواقع المصري المعاصر بعض الظواهر الخارجة عن المألوف، لكنها لا ترى في هذا الواقع إلا تلك الظواهر الشاذة، والأهم أنها لا تشير من قريب أو بعيد إلى السياق الذي صنعها، بما قد يوحي في النهاية إلى الانطباع بأنه لا سبيل لتغيير مثل هذا العالم. تأمل هذا العالم الميلودرامي المتشابك في المسلسل، إلى درجة تصعب على التصديق، وربما قد لا تجدها إلا في بعض أفلام حسن الإمام، أو الأفلام الهندية التجارية. هناك في البداية صراع محتدم بين ضابط مباحث الآداب سيد العجاتي (إياد نصار) وصاحب شركة السياحة والقواد حمادة غزلان (سيد رجب)، وكالعادة فإن الضابط يظل مستحوذا عليه ضبط القواد في حالة تلبس، لكن هذا الأخير يستطيع دائما الهروب بجريمته، لأنه يرتكبها خلف نشاطات أخرى، أو لأن له علاقات "بالناس اللي فوق"، دون أن يتطرق المسلسل إلى هذه العلاقات. وبرغم أن المسلسل يبدأ بمصرع فتاة مجهولة في مصعد العمارة الموجود فيها شركة غزلان للسياحة، فإن هذا الخط يتم نسيانه إلى حد كبير، لكنه يكون على الأقل مصدرا لشك الضابط مرة أخرى في القواد، ومعاملته معاملة قاسية، فيقرر الأخير أن ينتقم من الضابط، فما هي يا ترى وسيلة الانتقام؟ كالعادة في الميلودراما الصارخة يحاول القواد استدراج زوجة الضابط شاهندة (رانيا يوسف)، التي تعاني من الحرمان العاطفي بسبب غياب زوجها طوال الوقت في عمله، وليس لها من صديقة سوى ليلى (درة) زوجة الضابط كمال (خالد سليم) زميل سيد في العمل، التي سوف نكتشف في حلقات لاحقة أنها على علاقة شائنة مع عشيق، وتبرر ذلك بأنها تحب الزوج لكن مرتبه "ما يأكلش عيش حاف" (هكذا!!). تتردد شاهندة على صالون للتجميل، تديره امرأة هي زوجة سرية للشيخ سعد العجاتي (سيد فؤاد)، عم ضابط الشرطة، والذي يحترف الدعوة الدينية في التليفزيون، لكنه لا يعلم أن زوجته تلك قوادة شريكة لحمادة غزلان في مهنته الحقيرة!! أما حمادة غزلان نفسه فهو متزوج من الزوجة الثانية الشابة نوسة (هنا شيحة)، صاحبة العلاقة الشاذة مع امرأة عجوز كانت رفيقتها في السجن!! وسوف يعاقب القدر الميلودرامي حمادة غزلان عندما يعلم أن ابنته تزوجت عرفيا من شاب، فيثور لكرامته لأنه يعتبر تلك العلاقة نوعا من الدعارة(!!)، كما أن صديقه المنحرف محسن العرايشي، الذي يسميه المسلسل بعد حلقتين أو ثلاث محسن السواحلي (مدحت صالح)، يستدرج ابن غزلان لعالم الخمر والمخدرات، فيكاد الرجل أن يشرف على الانهيار. هناك خطوط درامية فرعية تبدو تقليدية تماما في معالجتها، فالشقيق الأصغر نبيل العجاتي يحب جارته بثينة، لكن أمه دولت (معالي زايد) ترفض الزواج رفضا قاطعا لأن ابنا متوفيا لها كان يحب الفتاة نفسها (ما يذكرك على نحو ما بثلاثية نجيب محفوظ)، ولأن نبيل ثوري فلابد أنه يعلق على حوائط غرفته صور جيفارا ومانديلا وغاندي (ولا تسأل عن العلاقة بين الثلاثة)، ولا يسمع سوى أغنيات الشيخ إمام. كل تلك العلاقات المتشابكة نراها في أجواء صارخة الوحشية على الدوام، وحوارات تمتلئ تارة بالدموع وتارة أخرى بمونولوجات طويلة تشرح لنا ما خفي من أحداث. ومن الحق القول إن مجموعة الممثلين جميعا قدموا أداء لعله هو الذي أنقذ المسلسل من عدم تصديق المتففرج له، وربما عاد ذلك أيضا إلى إخراج محمد ياسين الكلاسيكي تماما، البعيد عن المبالغات الأسلوبية. أين جوهر الضعف في هذا العالم؟ إنه يكمن دائما في فقدان "السياق"، فكأن الأحداث تقع خارج الزمان والمكان، والإشارات إلى أي منهما تبدو متعسفة تماما، مثل صورة لحسني مبارك على الحائط، أو خطاب يذاع له في التليفزيون (في وقت الفجر!!). فخارج هذا العالم "الواقعي" الضيق يوجد واقع أكثر صدقا، يمثل النسيج الذي يمكن للأحداث أن تقع فيه، واقع مؤلف من ملايين الناس الساعين وراء لقمة العيش، في ظروف تزداد صعوبة، وربما ارتكبوا جرائم صغيرة، دون اضطرار لاحتراف البغاء، او ارتكاب جريمة تليق بعنوان عريض في صفحة الحوادث. قارن مثلا بخطوط درامية قريبة من تلك التي رأيناها في المسلسل، في فيلم "أهل القمة" المأخوذ عن رواية قصيرة لنجيب محفوظ ومن إخراج علي بدرخان، فهناك ضابط يرعى أسرته الصغيرة في شقة متواضعة، ومعه شقيقته الصغرى التي لا تشعر بالراحة من معاملة زوجة شقيقها، ولا يملك الضابط ما يمكن له به أن يقتني مكانا أكبر، وعندما يظهر في الأفق لص كان له تاريخ مع الضابط، وقد تحول في زمن الانفتاح إلى رجل أعمال، تمضي الشقيقة معه، ويبقى البطل عاجزا أمام التغيرات الاحتماعية والاقتصادية الجارفة. تلك شريحة مأخوذة من الواقع، تقول لنا لماذا تتصرف الشخصيات على هذا النحو أو ذاك، وتضعها في سياقها الأكبر، والأهم أن تخبرنا أن من الممكن لتلك الشخصيات أن تكون أفضل لو تحسنت الظروف. لكن عندما تصور عالما وحشيا منزوعا من سياقه، فكأنك تقول أن هذا الواقع أزلي أبدي، وليست تلك هي الواقعية بأي حال.

Thursday, August 08, 2013

مسلسل "بدون ذكر أسماء"... محاولة الطفو في بحار الغرق


لأعمال المؤلف وحيد حامد الدرامية، السينمائية والتليفزيونية، نكهة خاصة لا يمكن أن تخطئها العين، في براعته الشديدة في رسم الشخصيات، وإدارة حوار متدفق بينها. وأيا ما كان موقفك السياسي من بعضها، حين يبدو انحيازه الصارخ لطرف دون آخر، فإنك لا تملك في أغلب الأحوال إلا أن تعترف بامتلاكه الحرفية الدرامية، فهو الذي ساهم مثلا في صنع صورة نجومية عادل إمام الجماهيرية مع مسلسل ""ابراهيم الطاير"، الذي كان علامة على مرحلة بأكملها، أصبح فيها "الفهلوي" رمزا للتفاعل مع مجتمع تسوده التناقضات، ثم حمل هذه النجومية إلى آفاق جديدة منذ فيلم "اللعب مع الكبار"، حين أصبح عادل إمام شخصية مؤثرة في مجريات السياسة آنذاك!! لكن برغم أن وحيد حامد هو مؤلف مسلسل "بدون ذكر أسماء"، فإن ما يبهرك بحق هو إخراج تامر محسن له، فهناك حالة فريدة من الواقعية الصادقة في كل التفاصيل، يندر أن تجدها في مسلسلاتنا (الرمضانية بشكل خاص)، والتي تغرق في الأغلب الأعم في عوالم "منزوعة الدسم" إن جاز التعبير، سواء دارت في أجواء العاطفة الرومانسية أو في قصور الطبقة الثرية، أو كان يغلب عليها طابع "الأكشن" المتأثر مباشرة بالسينما الأمريكية. لكنك مع مسلسل "بدون ذكر أسماء" سوف تشاهد عالما مصريا خالصا، حتى لو بدا مبالغا فيه في بعض الأحيان، أو كأنه يستعير بعضا من تقاليد الرواية الواقعية الإنجليزية، خاصة روايات تشارلز ديكنز. وتكاد خيوط الدراما في المسلسل أن يشكل كل منها قصة منفردة، تصلح أن تكون موضوعا لمسلسل منفصل، وربما كان هذا هو السبب في أن الملل لا يتسرب إليك وأنت تتابع الشخصيات العديدة، وحكاياتها بالغة الثراء، وإن كانت غارقة في مستنقع الفقر المدقع لعالم الطبقة (أو بالأحرى الطبقات) الفقيرة، التي تتراوح بين دنيا الشحاذين، والباعة المتجولين، وأبناء الفقراء الطامحين إلى أن يجدوا لأنفسهم موطئ قدم تحت شمس الحياة. وأرجو أن تلاحظ أن المسلسل يبدأ بعنوان "القاهرة 1984"، وهو ما تؤكده أيضا براعة المخرج في اختيار طابع لوني ينتمى إلى تلك الفترة، لكن هذه العنوان يثير في نفسك السؤال والإجابة معا، فواقعنا الراهن امتداد لهذا التاريخ الذي مضى عليه حوالي ثلاثة عقود، وكهول الحاضر الذين يصنعون القرارت الآن هم الشباب المحبط الحائر الذي كانوه في الماضي. سوف نتتبع بعض الخيوط الرئيسية هنا، لنقترب من تلك التفاصيل المرهفة، فهناك في البداية عائلة عم ربيع (عبد العزيز مخيون)، بائع البسبوسة على عربة على الرصيف، والذي يعيش برغم فقره بأخلاق نقية، أورثها لابنتين وابن ذكر وحيد هو عاطف (أحمد الفيشاوي)، الذي يحلم بأن يقترب من عالم نجوم كرة القدم، وتقوده الصدفة إلى التقاط صورة لبعضهم، تحقق له مكانة مفاجئة في عالم التصوير الصحفي، مما يجعله موضع مؤامرات من "الكبار"، لولا أن سيدة غامضة ذات نفوذ (شيرين رضا) تظلل عليه برعايتها. لكننا نظل أيضا مع العائلة، والأب الذي يشعر بالمرارة من جموح ابنه الذكر الوحيد، كما يعاني من تسلط السلطة عليه من جانب، مجسدة في ضابط الشرطة الذي يريد من الجميع الإذعان له، ومن جانب آخر من تزايد سطوة شيخ الجامع شفيع (أحمد حلاوة)، الذي يبث الأفكار السلفية حيث ذهب، ويبدو الجميع راضين بأحكامه. (تلك في الحقيقة ثنائية السلطة الفاسدة والتطرف الديني التي تغلب على معظم أعمال وحيد حامد). وسوف تقود سطوة الشيخ السلفي إلى زواج الابنة الكبرى نوارة (حورية فرغلي) من فني إصلاح التكييف معتمد (وليد فواز)، الذي سرعان ما يحول – تحت وطأة أفكاره الدينية المتطرفة – نضارتها إلى الذبول، وهو الأمر الذي جعل الابنة الصغرى تختار طريقا أكثر نضجا للارتباط بشريك حياتها القادم. من خط عائلة عم ربيع، يولد خط آخر مختلف تماما، فالشاب الصعلوك رجب الفرخ (محمد فراج، الذي يمثل هذا الدور اكتشافا حقيقيا له) على علاقة صداقة وثيقة بعاطف، وبرغم مظهره البائس فهو يملك أخلاقيات الرجولة النبيلة، لكن عمله الحقيقي هو أن يكون "فتوة" يحمي مجموعة من الشحاذين، التابعين للمعلمة أصيلة (فريدة سيف النصر، في ثوب مختلف تماما عن كل صورها السابقة)، ويسميها أتباعها "العجة" لضخامة جثتها، وتكاد أن تكون رمزا أكثر من كونها شخصية حقيقية، فهي تجمع بين القسوة والطيبة، حتى أنها تقرر أن تتزوج من رجب زواجا صوريا حتى يرث ممتلكاتها بعد وفاتها، وهي الممتلكات التي يأتي على قمتها أراضٍ في مناطق حيوية من المدينة. ومن بين الشحاذين – الذين نطلق عليهم أحيانا "أبناء الشوارع"، ذلك المصطلح الذي يخلو من الفهم والرحمة – نتوقف عند الفتاة مبسوطة (روبي)، في ملابسها المهلهلة ووجهها الذي لم يعرف الماء والصابون منذ شهور، وتبيع الفل في إشارات المرور، وتصادف المغنية نعناعة (صفوة) في سيارتها، وسوف تساعدها هذه على الهروب من المعلمة، ويبدو أن أمامها حياة جديدة تماما كراقصة، لكنك لا تدري إن كانت أكثر شرفا من حياتها كشحاذة. وأخيرا يأتي الخط الدرامي لمهندس شاب، هو ابن لحلاق الحمير في القرية، ويلجأ لأحد المسئولين الكبار لكي يتوسط له في إيجاد عمل، لكن الأمر ينتهي به متورطا مع المسئول في قضايا أكبر وأخطر من أحلامه، لكنها أكثر ربحا، وتلتقي كل هذه القضايا في حروب إقليمية كما هو الحال في أفغانستان ولبنان. هناك خطوط وخيوط درامية صغرى عديدة، تتناثر هنا وهناك لتقيم روابط بين هذه الخيوط التي تبدو متباعدة، لكن يجمعها جميعا (وتلك براعة الكتابة بلا جدال، ويفتقدها الكثيرون من مؤلفي الدراما التليفزيونية) وجود "تيمة رئيسية، هي الغرق في بحر الفقر، ومحاولة الطفو اليائسة البائسة، والسباحة بحثا عن بر للأمان. وبلا شك فإن وحيد حامد يملك ناصية الحوار تماما، حتى لو تناثرت فيه بين الحين والآخر بعض الأقوال الحكيمة التي يمكن أن تنسبها للمؤلف وليس الشخصية التي تتفوه بها. لكن ما يثير الإعجاب بحق هو تنفيذ المخرج تامر محسن لها، فالحوار في تمثيلياتنا يدور في الأغلب بين شخصيات تجلس على "الكنب" (الأرائك)، أو وهي سائرة في النادي مثلا، لكن في مساسل "بدون ذكر أسماء" تبدو كل الشخصيات في حركة عمل أو طقوس يومية وهي تتبادل الحوار، ولتتأمل مثلا مشهدا يذهب فيه الأب ربيع إلى الضابط، يرجوه العفو عن ابنه الطائش، بينما يقوم حلاق بحلاقة ذقن الضابط، بما يجعله أكثر استهانة بمشاعر الأب. أو لك أن تتأمل أيضا مشهدا يثور فيه الأب على ابنه، فتشعل الأم (وهي التي بلا حوار في المشهد) عودا من البخور لتبعد عنهما وساوس الشيطان. غير أن أكثر العناصر براعة في التنفيذ الإخراجي هو ذلك الحس البصري الفائق، ويكاد أن يكون سينمائيا، فبينما تغلب الديكورات على معظم أعمالنا الدرامية، يتم تصوير أغلب المشاهد في مواقع حقيقية تماما، وهناك مشاهد في شوارع وسط المدينة المزدحمة، في أسلوب تسجيلي خالص، ولابد أن هذه المشاهد اعتمدت على تلقائية الممثلين من جانب، وحيوية المصور من جانب آخر. كما أنك سوف تجد تأثرا واضحا بالتقنيات السينمائية، في أحجام "الكادرات"، وزوايا التصوير، وتغيير البؤرة داخل اللقطة الواحدة، والتكوين البصري الذي يوصل معنى دراميا، واستخدام الكاميرا المتحركة عند الحاجة إليها وليس بشكل مستمر مثل "الموضة" الأخيرة في مسلسلاتنا. وربما حلا للبعض البحث عن "أسماء" حقيقية وراء الشخصيات الدرامية، كما في رواية "الشطار" لخيري شلبي أو "عمارة يعقوبيان" لعلاء الأسواني على سبيل المثال، لكن هذا هو ما لم يرده وحيد حامد مؤلفا أو تامر محسن مخرجا، فقد صنعا لوحة دقيقة رقيقة، وإن كانت مليئة بالمرارة، للماضي الذي صنع الحاضر الذي نعيش فيه، ونخشى أن يمتد تأثيره إلى المستقبل.

Thursday, August 01, 2013

مسلسل "العراف".... والنصب على المشاهدين


إن أردت أن تتعلم كيف يمكن لك أن تصنع عملا دراميا من لا شيء، وينتهي إلى لا شيء أيضا، فيمكنك أن تأخذ مسلسل "العراف" نموذجا: هاتِِ نجما كبيرا مثل عادل إمام بأي أجر يريده، وسوف تسترد ما دفعته وأكثر من المعلنين الذين سوف يتسابقون لوضع إعلاناتهم بين فقرات المسلسل، ولتأتِ بأي فكرة مستهلكة ظهرت في عشرات الأعمال السينمائية العالمية والعربية، واصنع منها حلقات طويلة تبلغ الثلاثين عددا (وهذا سوف يزيد مكسبك على أي حال)، واجعل الأحداث تمضي بلا أي منطق، ثم اخترع حبكة فرعية تضمن لك زيادة جديدة في المط والتطويل، وليس مهما أبدا أن يكون هناك منطق درامي أو واقعي يحكم الأحداث والشخصيات، فوجود نجم بحجم عادل إمام سوف ينسي الجميع قواعد الدراما وأصولها. قد يكون غريبا أن نبدأ هذه المقالة بالحكم النقدي، بدلا من أن ننتهي إليه كما هو المتبع، لكن هذا الحكم هو الانطباع الأول والأخير الذي سوف يلازمك طوال مشاهدتك للحلقات، التي يثور فيها دائما في وجدان المتفرج بعض الأسئلة المحورية: هل هناك في المسلسل ما يشدني حقا لمتابعته؟ وهل حرص صانعوه على أولويات أي عمل درامي جماهيري، بخلق حالة من التعاطف بين المتفرج والبطل؟ وهل يوجد في الأحداث ما يدل على تصاعد درامي؟ وتلك بالضبط هي الأسئلة التي أثارها مسلسل عادل إمام في العام الماضي، الذي قد يصعب على المرء تذكر اسمه (كان اسمه "فرقة ناجي عطا الله"). لكن هذا ليس غريبا، فالتوليفة واحدة، والمؤلف هو يوسف معاطي الذي ينفذ رغبات النجم، في إعطائه أكبر مساحة للظهور بسبب أو بدون سبب، ناهيك عن فرص تقبيل كل من يقابلهن من النساء، اللائي لا تملكن مقاومته أمام جاذبيته (في هذا العمر!). كما أن المخرج هو رامي إمام، الذي لا يملك أي لمسة إخراجية مميزة، وتتسم أعماله بالفتور وقدر هائل من التقليدية، ولا نبالغ كثيرا عندما نقول إنه لم يترك بصمة واحدة في أفلامه ومسلسلاته برغم الفرص العديدة المتاحة له، بل إنه يفتقد الإحساس الكوميدي المرهف، الذي قد يخلق من المواقف العادية لمسات تلقي الضوء على مفارقات الحياة والدراما، التي تثير مزيجا من الضحكات والدموع. إليك يا عزيزي القارئ تلخيصا للحبكة الأصلية، التي تدور حول شخصية نصاب بارع (عادل إمام)، يذكرك مثلا بالفيلم الأمريكي "امسك بي لو استطعت"، أو الفيلم المصري "العتبة الخضراء"، وهي شخصية تتيح وحدها عددا لا نهائيا من "النمر"، بقدر براعة صانعي العمل في إتقان رسم عمليات النصب المتتالية. وبالطبع هناك ضابط شرطة على وشك التقاعد دائما (هكذا الحال في عشرات الأفلام الأمريكية)، يقوم بدوره هنا حسين فهمي، ويدعى سامح سيف الدين، وكما في "البؤساء" وحتى "الهارب" يظل هذا الضابط مشغولا طوال حياته بالقبض على النصاب الذي هرب منه في الأيام الخوالي. وأخيرا لابد من صحافية (رشا مهدي)، ليست لها أي حياة خاصة أو ملامح درامية لشخصيتها، وهي بدورها باحثة عن الحقيقة في مطاردة هذا المحتال بالغ الذكاء. وقد يكون هناك تفسير للعدد الوافر من الأفلام المصرية الأخيرة التي تناولت شخصية المحتال، مثل "سنة أولى نصب" أو "ابن القنصل"، فربما كانت انعكاسا لقيم اجتماعية مغلوطة ومقلوبة انتابت المجتمع المصري في الآونة الأخيرة، لكنها كانت أيضا تقليدا أعمى لموجة من الأفلام الأمريكية الحديثة حول هذه الشخصية، وإن اتسمت الأفلام الأمريكية بحيلة "الانقلاب الدرامي"، التي تجعل النصاب ذاته ضحية لعملية احتيال كبرى، كما هو الحال في فيلم "رجال عيدان الثقاب" (في العامية الأمريكية يعني هذا المصطلح "المحتالون"). لكن المشكلة الأهم لدى صناع ذلك النمط من الأفلام هي كيفية إثارة تعاطف المتفرج مع البطل، وهو الأمر الذي يحتاج إلى قدر هائل من براعة رسم الشخصية، وصنع تاريخ لها يبرر تحولها إلى الجريمة، وهذا ما تنجح فيه بالفعل معظم الأفلام الأمريكية. لكنك مع مسلسل عادل إمام "العراف" لن تجد لمثل هذا التعاطف سببا واحدا، بل إنك سوف تسخر من صناع العمل الذين سوف يبررون ذلك بأنه انتحل في بداية حياته شخصية محامٍ، ويقولون أيضا إنه كان محاميا ناجحا (!!)، واستقرت حياته آنذاك لولا اكتشاف أمره، مما اضطره للهرب، وأصبح انتحاله شخصية بعد أخرى مهنة اضطر إليها. لكن: ما الذي جعله يلجأ للانتحال أول مرة؟ وهل يكفي للتعاطف معه أنه عادل إمام؟! مع هروب المحتال إلى بلاد أخرى، وانتحاله أسماءً ومهنا جديدة، تأتي الحبكة الفرعية الثانية، فقد ترك وراءه في كل بلد ابنا أو ابنة، وبالطبع يحمل كل منهم اسم أب مختلفا عن الآخر، كما أنهم لا يعرفون أباهم أصلا، وهو الآن يعاود الظهور في حياتهم الواحد بعد الآخر، أما السبب فلأنه يريد أن يترك لهم ثروته. وقد تصدق تلك الحبكة الفرعية إذا كان المقصود منها هو إضافة لمسات إنسانية هنا وهناك، حتى لو كانت مفتعلة، لكن التلفيق يطغى عليها تماما عندما يزعم صناع العمل أنهم يريدون بها رسم خريطة للمجتمع المصري المعاصر، لذلك جاء الأبناء على النحو التالي: ضابط شرطة، وسلفي يميل إلى التطرف، ومهرب صغير، وأخيرا ابنة أصبحت ضحية لقسوة زوج أمها البخيل. سوف تظهر هذه الشخصيات جميعا وتختفي كيفما اتفق، بدءا من ضابط الشرطة الكبير الساعي إلى القبض على المحتال، ومرورا بالصحافية التي بلا ضرورة لوجودها أصلا، وحتى هؤلاء الأبناء وأمهاتهم، ولأن الشخصيات لا تتمتع بالحد الأدنى من رسم أي ملامح درامية، فقد جاء أداء الممثلين جميعا "يتمتع" بمزيج عجيب من المبالغة والسطحية، مما يؤكد مرة أخرى أن "المخرج" رامي إمام لا يفهم جزءا مهما من حرفة الإخراج، وهو فن إدارة الممثلين، خاصة وأن الرتابة والملل سيطرا على العديد من المشاهد، التي كان يصاحبها شريط صوتي من موسيقي لا تتوقف، وتنتقل فجأة (حسب الطلب) من جو إلى آخر. لكن الغريب حقا (ولعله ليس غريبا تماما) هو أداء عادل إمام بالغ التقليدية، وهنا نشير إلى أن بعض الممثلين يزدادون إتقانا للحرفة كلما كبروا في العمر، لكن بعضهم الآخر – مثل عادل إمام – يفقدون كثيرا من لياقتهم النفسية والجسمانية، الذي تكاد لا تراه هنا إلا جالسا في معظم المشاهد، يلقي سطور حواره كأنه يقرأها لأول مرة في "بروفة القراءة الأولى". بنفس القدر من الرتابة والملل يحشر المسلسل مشاهد طويلة لقيادة السيارة مثلا، والخروج منها، والوصول إلى الباب.... إلى آخره، فيما يسمى في الدراما "الزمن الميت" الذي يجب أن يحذف في المونتاج، كذلك كانت الحلقة الأولى مثالا على ذلك الكسل الإخراجي، فهي ليست سوى قطع مونتاجي متبادل (طوال الحلقة) بين حفل شديد البذخ لبعض رجال الأعمال، وعائلة فقيرة تسكن على سفح جبل المقطم، ويضطر عائلها للسطو المسلح على بعض السيارات حتى يوفر لهم لقمة العيش. وربما يبرر لك صناع المسلسل تلك الحلقة بأنها تفسر تحول البعض إلى الجريمة، لكن ما الذي يدفعني كمتفرج أن أواصل الفرجة على شخصيات لا أعرف عنها شيئا مطلقا؟ أخيرا هناك أهم مقومات أي عمل درامي يتناول شخصية المحتال، وهو إتقان "نمر" الاحتيال ببراعة كاملة، لكن تأمل النمرة الأولى سوف يكشف لك عن مدى التلفيق: إن البطل يتقمص شخصية رئيس إدارة الأموال العامة في وزارة الداخلية، ويستأجر مبنى يضع عليه لافتة توحى بذلك، ويجند عشرات من الكومبارس ليقوموا بأدوار ضباط وجنود ومخبري الإدارة، كل ذلك تحت ستار أنه يصور فيلما، ليستدرج العديد من رجال الأعمال الكبار ويحتال عليهم قبل أن يختفي. وهنا لابد أن تسأل نفسك: هل هناك رجل بهذا المنصب يهبط فجأة على عشرات رجال الأعمال الذين لا يعرفونه، برغم تعاملهم الدائم مع الإدارة؟ وكيف لا يمكن تعقب المحتال ولديك عشرات من شركائه الكبار والصغار، الذي يمكن لأي واحد منهم أن يشي به؟ وكيف يصدق هؤلاء الكومبارس أن هناك فيلما يتم تصويره دون كاميرا واحدة، ودون تحديد لموقع تصوير في المبنى، الذي يدور العمل في كل جنباته في كل لحظة؟ لن تجد لهذه الأسئلة إجابة، ولن يشغل صناع المسلسل أنفسهم بها، فهم يعتمدون على استمرارك في"الفرجة" لأن البطل هو عادل إمام. وقد يكون "العراف" يحكي عن نصاب بارع مفترض، لكن العمل يبقى في التحليل الأخير عملية نصب غير بارعة مطلقا على المشاهدين.

Wednesday, July 31, 2013

مسلسل "ذات"... رؤية منحازة وغير موضوعية للواقع المصري


مغامرة حقيقية أن تفكر مجموعة من فناني التليفزيون (أو السينما أو المسرح) في تحويل رواية "ذات" للأديب المصري صنع الله ابراهيم، إلى عمل درامي. فهي في الأصل ليست رواية بالمعنى التقليدي، إذ يختلط فيها عالمان: عالم الشخصيات التي ابتدعها الكاتب من خياله، وعالم تسجيلي خالص مؤلف من قصاصات الأخبار الصحفية، التي تبدو كأنها متناثرة ولا تحمل علاقة بينها، وإن كان الكاتب قد اختارها بعناية فائقة. وهذا العالمان يجمعهما نسيج واحد برغم تناقضهما الظاهر، بأسلوب يبدو هو ذاته يحمل مفارقة خفية، إذ يحكي صنع الله ابراهيم عن الشخصيات بما يشبه الموضوعية المتأملة المحايدة والباردة، ومع ذلك فإنه ينثر سخرياته منها هنا وهناك، في نوع من التعليق المستتر على مسار حياتها، لكنه في التحليل الأخير يترك القارئ يستخلص النتائج بنفسه. تبدو مغامرة تحويل رواية "ذات" إلى رواية أكثر جموحا، عندما تتذكر أن مسار حياة الشخصيات الروائية ذاتها يخلو من أي آثار أو تحولات دراماتيكية، إنها تعيش حياة "عادية" تماما، لا شيء خاصا أو مميزا فيها، بل إنها تشبه حياة الآلاف أو حتى الملايين من النساء والرجال، في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية جارفة، وهنا تكمن مفارقة أكبر، فاسم الشخصية الرئيسية، وعنوان الرواية "ذات"، يتناقض مع تحول هذه الذات إلى "موضوع"، يفتقد الحد الأدنى من الفردية الإنسانية. جاءت كاتبة السيناريو مريم نعوم إلى هذه التجربة وفي وعيها الفني هذا التحدي، وربما بدا للبعض من النقاد والجمهور أن هناك براعة في تحويل هذا النسيج "العادي" إلى دراما، وإن كان الدافع الأساسي لإعجابهم يأتي من نوع من الحنين إلى الماضي الخاص بهم، وليس الخاص بالعمل الدرامي ذاته، الذي افتقد الرؤية الموضوعية لصنع الله ابراهيم وأسلوبه الساخر معا، وكان مصدر الجانب السلبي للمسلسل مرجعه هو "اختيار" أحداث بعينها، والقفز على أحداث أخرى، بما يوحي برؤية مسبقة جاهزة لدى صناع العمل، تتعمد أن تترك لدى المتفرج انطباعا محددا، حتى بشكل غير واعٍ، ولا تسمح له بأن يُكوّن وجهة نظره عن مسارات حياة الشخصيات، وتقاطعها مع السياق الكامل للمجتمع المصري في نصف قرن أو يزيد. وبرغم نفي المخرجة كاملة أبو ذكري أن هناك مسحة "نسوية" في المسلسل، عزاها البعض إلى أن معظم الفنانين الذين صنعوه من النساء، فهو يحمل بالفعل تلك المسحة، بدءا من اختيار عنوان أكثر وضوحا، هو "بنت اسمها ذات"، ومرورا بالالتصاق ببطلته التي جسدت دورها نيللي كريم، في تحولات حياتها منذ الميلاد وكل التغيرات الجسمانية والعاطفية التي تشعر بها البنات، وانتهاء بالزواج والإنجاب والعمل غير المجدي والدوران في طاحونة الأعباء المنزلية التي لا تنتهي، في ظل وجود ذكور (صبيان ورجال) هم في أغلب الأحوال كائنات تفتقر إلى الحساسية. وكان من الممكن أن ينجح المسلسسل في هذا الإطار، لكنه اختار سياقا أكثر طموحا وتحيزا في الوقت ذاته، فلم تعد ذات (البطلة) مجرد تجسيد لجانب كبير من نصف المجتمع المظلوم، لكنها أصبحت رمزا للوطن ذاته، وبالتحديد من ليلة ثورة يوليو 1952، التي اقترنت بالصدفة بميلاد البطلة، لتمضي الأحداث السياسية (في تصور صناع المسلسل) موازية لمصير هذه البطلة. وقد لا ننكر هذا الطموح الفني والسياسي، لكننا نؤكد أنه كان يجب أن يستند إلى قدر أكبر كثيرا من الاتساق الفني أولا، والموضوعية السياسية ثانيا. فمن نقاط الضعف الرئيسية في معظم أعمالنا الدرامية (السينمائية والتليفزيونية)، الغياب الكامل لتحديد موقع "السارد" أو الراوي من الأحداث، فيمكنك أن تختار بين أن تروي على نحو يساوي بين كل الشخصيات، فتصبح عارفا بمشاعرها وأفكارها ومصائرها جميعا، أو بين أن تلتزم برؤية شخصية منها، لتجعل المتلقي يتوحد معها، عندما لا يعلم سوى ما تعلم هذه الشخصية. وكان من الممكن أن يكون هذا الاختيار الأخير (الرؤية الذاتية لذات) هو أسلوب العمل كله، خاصة أنه يمنحها منذ اللحظة الأولى "مونولوجا" من المستحيل وجوده واقعيا، فهو يصور العالم مقلوبا من وجهة نظرها بعد خروجها مباشرة من رحم أمها، مع تعليق صوتي لها وهي تشرح ما نراه على الشاشة. لكن هذا الاختيار كان يحتم أيضا استمرار وجهة النظر تلك والتعليق طوال السرد، لكنه كان يختفي حلقات طويلة، ليظهر في مشاهد نادرة متناثرة. كما أن هناك مشاهد كاملة في حلقات تالية، تشرح للمتفرج ما لا تعرفه ذات أو لم تره، مثل المشهد بين زميلتها الثورية صفية، وحبيبها عزيز، يوضح لنا أن ذات قد خدعت نفسها بأن عزيز يحبها. تلك الحيرة الأسلوبية بين أن تحكي "من وجهة نظر" ذات أو "عنها"، لا تجد لها معادلا في الجانب السياسي من المسلسل، فهنا موقف يقيني قاطع، إذ هو يأخذ من تاريخ مصر منذ عام 1952 موقفا سلبيا تماما، يبدو في اختياراته لأحداث تتقاطع مع مصير البطلة ذات. ألا يبدو غريبا على سبيل المثال أن تكون أول شخصية نراها مع أول مشهد هي شخصية اليهودي المصري زكي شلهوب، صاحب محل البقالة، وأن يجعلنا المسلسل نبكي بعد بضع حلقات على "اضطراره" للرحيل عن مصر، مع تعليق "الله يجازي اللي كان السبب"؟ ولا يقول لك المسلسل شيئا هنا عن المؤامرات الصهيونية الإرهابية التي كانت تهدف لإثارة الرعب في نفوس اليهود المصريين حتى يرحلوا عن مصر، كما لا يعبأ المسلسل بأن يعرض لك أي شخصية يهودية تمسكت بمصريتها، وقررت عدم الرحيل. وقبل أن تحتار طويلا في معرفة "السبب" لتلك الهجرة، تأمل اختيار الأحداث السياسية والتعليق عليها، فالمسلسل يأتي لك بلقطات عن لحظة إعلان عبد االناصر تأميم قناة السويس، مما أدى للعدوان الثلاثي. والمسلسل لا يقول لك أبدا السياق الذي كان التأميم جزءا منه (رفض البنك الدولي لإقراض مصر لبناء السد العالي)، كما أنه يقول إن القناة كانت ستعود من تلقاء نفسها بعد اثني عشر عاما مع انتهاء العقد مع الشركة الأجنبية لقناة السويس، ويكتفي بمشاهد الدمار الذي أحدثه العدوان الثلاثي، دون كلمة أو لقطة واحدة عن مقاومة المصريين، أو عن النصر السياسي الذي تحقق بانسحاب قوات العدوان دون أن تحقق هدفها، فالنتيجة الوحيدة لهذه الحرب كما يراها المسلسل هي رحيل اليهود عن مصر. هذا الاختيار لأحداث بعينها، وإهمال أحداث أخرى أو السياق الكامل لها، ينسحب على كل مسلسل "ذات"، ليعكس رؤية جاهزة ومنحازة ضد مصر يوليو 1952، فلا حديث مثلا عن مجانية التعليم (ربما لم تكن ذات وقريناتها تملكن فرصة التعلم لولاها)، أو عن القرارات الاشتراكية، لكن هناك تأكيدا على "هزيمة" 1967 الساحقة، التي جاءت بدورها دون سياق، بينما يوجد تجاهل تام لإعادة بناء الجيش المصري، وخوض حروب الاستنزاف التي كلفت العدو الصهيوني خسائر فادحة. دعني أؤكد يا عزيزي القارئ أنني لم أكن أريد أن ينزلق مسلسل "ذات" إلى تلك الرؤية السلبية، التي أراها أيضا تعكس عيبا أصيلا في سرده. إنك عندما تحكي مثلا عن الطفلة ذات، كان يمكنك أن تصور عالمها الطفولي، ورؤيتها واكتشافها له، فهل يتذكر الأطفال الأحداث السياسية الكبرى فقط، أم أن هناك على سبيل المثال ذكرى ألعاب الطفولة، وأول يوم في دخول المدرسة، والصداقات التي تولد فيها، وأول مرة تذهب فيها إلى السينما، وعشقها لمجلات الأطفال؟ لذلك فإن كل ما يتبقى ليس إلا تقليدا باهتا لرؤية سلبية مسبقة، فحتى أبناء الشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى كانت لهم مباهجهم التي تتناسب مع أعمارهم، أما تجارب البطلة ذات فليست إلا سلسلة من المآسي الصغيرة، تبدأ مع رحيل العائلة اليهودية، وتمر مع الختان الذي يقترن سياقه هنا مع "تورط" مصر في ثورة اليمن، ناهيك عن قصص الحب المجهضة، والتي عاشتها ذات من طرفها فقط، حتى زواجها من عبد المجيد (باسم سمرة)، الذي يبدو عاديا إلى درجة الابتذال، حتى أنها يغتصبها في ليلة الزفاف، التي تقترن هنا مع خوض مصر لحرب أكتوبر مع إسرائيل!! هل خرج المتفرج بأي رؤية جعلته أكثر فهما لواقعه؟ الحقيقة أن لا وعيه ربما قد تأثر على نحو بالغ السلبية، بذلك العرض المنحاز ضد الشخصية المصرية، بل التاريخ المصري المعاصر كله، بما يجعل "ذات" مسرحا لرؤية غير موضوعية على الإطلاق، ولا يترك للمتفرج نقطة ضوء يستطيع من خلالها أن يتلمس الجوانب الإيجابية في هذا التاريخ، أو يعطيه المتفرج أملا حقيقيا في المستقبل.

Wednesday, July 24, 2013

الكبير أوي – الجزء الثالث استعراض الممثل الواحد


اعتاد الجمهور العربي منذ عامين، على أن يأتي شهر رمضان بمسلسلاته وبرامجه بالكثير من التوتر المغلف بادعاء الترفيه والتسلية، توتر يتراوح بين المقالب التي تخفي الكثير من الأمراض النفسية، والدراما التي تدور عادة حول قصص مغرقة في فواجعها ومفاجآتها. لكن القليل من هذه "الفرجة" الرمضانية هو الذي يتضمن نوعا من الكوميديا، ومن بينها يتفرد مسلسل "الكبير أوي" (بالنطق المصري للهجة العامية) بإثارة ضحك بريء، وربما كان يفتقد العمق الذي قد يأمل فيه الناقد، لكن من المؤكد أنه قد حقق نجاحا جماهيريا في موسميه الماضيين، في الأغلب لأن المتفرجين يبحثون عن لحظة من خلو البال، كأنهم يبحثون عن إبرة في كوم قش، في هذا الزمن الذي يحفل بالكثير من الهموم. يعتمد "الكبير أوي" على فكرة شهد لها تاريخ الفن عشرات أو ربما مئات التنويعات، وهي فكرة الشبيهين إلى درجة التطابق، لكنها لا تستخدم هنا لحيلة استبدال الواحد منهما بالآخر، ولكن للتناقض بينهما. إنهما العمدة الصعيدي الذي يحمل اسم "الكبير، ويتسم بالخشونة في المظهر وإن كان يخفي تحت السطح رغبة في ممارسة طفولة مفتقدة، أما الآخر فهو "جوني" الأمريكي، وهو شقيق توأم تربى في بلاد الغرب ليصبح الوجه الآخر تماما، وها هو يظهر ليطالب بنصيبه من ميراث أبيه، لكن تحلو له الإقامة في القرية، ليتولد عن ذلك عشرات المفارقات، التي تكشف في العديد من الحلقات عن مزايا كل منهما، مما قد يدعو إلى تكاملهما وليس إلى التنافس بينهما. يأخذ الجزء الثالث هذه المفارقة إلى مدى أبعد في الحلقات الأولى منه، إذ يظهر أخ ثالث (من أم أخرى)، ويحمل الاسم الغريب حزلقوم (ينطق بالعامية المصرية حزلئوم)، وهو نموذج للشاب العادي تماما، كل ثقافته تأتي من الأغنيات الشائعة، ولا يتوقف عن تقليد المشاهير، وهو في نزقه وطيشه يقع في العديد من المآزق، التي يكون على أخويه إنقاذه منها، لكنهما يسعيان في بعض هذه الحلقات المبكرة للتخلص منه، غير أنه كان يعود دائما لهما غير مدرك لتحايلهما ضده، فهو في الحقيقة يحمل في قلبه قدرا هائلا من طيبة القلب التي لا تقل بحال عن خفته، فهو فطري المشاعر والأفكار، سريع البكاء والصفح، ويقع في الأخطاء رغما عنه ليحاول حلها بمزيد من الأخطاء. وسرعان ما سوف يتخلص منه هذا الجزء من المسلسل، بحجة سفره إلى أمه التي تزوجت في الغربة، ولعله سوف يعود في الحلقات الأخيرة. من المؤكد أن قدرا كبيرا ممن عبء هذا المسلسل يعتمد على قدرة ممثله (وصاحب فكرته) أحمد مكي على التقليد وتجسيد شخصيات مميزة متنوعة، بما يسمى في فن التمثيل "الكاراكتر"، التي قد لا تكون واقعية إلا في بعض التفاصيل، لكنها في مجملها أقرب إلى شخصيات أفلام "الكارتون" للأطفال، وهو ما ينعكس أيضا على حبكة كل حلقة، في الحلقات المتصلة المنفصلة، فهي حبكة تشبه "النمر" المضحكة، وهي لا تمضي بمنطق يمكنك أن تصدقه في الواقع، لكنك تتقبله باعتباره جزءا من هذا العالم الكوميدي الطريف. لكن وكما هو الحال في معظم أعمالنا الفنية، انتهى المسلسل في جزئه الثالث إلى أن يصبح استعراض الممثل الواحد، بعد أن كان يحفل بشخصيات عديدة. فقد اختفى على سبيل المثال "توماس" الصديق الأمريكي لجوني، وكان يحمل عبئا دراميا قويا بما يجعل الحكايات تمضي إلى الأمام، لكن اختفاءه هنا (ربما لأسباب إنتاجية) أدى إلى حالة من البطء في تطور الأحداث أحيانا، أو تكرارها في أحيان أخرى. بل إن الأداء الرائع للممثلة دنيا سمير غانم، في دور هدية زوجة الكبير، لم يجد له مساحة كافية، لتتحول الشخصية في معظم الأحيان إلى ظل باهت لا ينقذه إلا براعة الممثلة. كذلك ينطبق الحال على شخصيات أهل القرية، خاصة فزاع (هشام اسماعيل) خفير العمدة، أو هجرس (تُنطق هادريس بلهجة من لهجات الصعيد! ويؤدي الدور محمد سلام)، الذي يقلد الشقيق الأمريكي جوني ويكاد أن يتماهى معه في مفارقات مضحكة. وكانت هناك في حلقات الموسمين الماضيين شخصيات بالغة الطرافة، تظهر أحيانا في بعض النمر، مثل الممرض الذي يدعي أنه طبيب، ويأتي بعائلة خطيبته إلى القرية ليوهمهم بأهميته، ليتضح أن والد الخطيبة ذاته ليس إلا مدعيا يصطنع حكايات وهمية عن بطولاته. وأخيرا كانت هناك مجاميع أهل القرية أنفسهم، الذين كان المسلسل يستخدمهم ببراعة هائلة، كما في تكوين فريق لكرة القدم الأمريكية على سبيل المثال. لقد اختفى كل ذلك، ولم يبق سوى أداء أحمد مكي في الشخصيتين أو الثلاثة، وهو أداء لا شك في إتقانه، لكن المسلسل هنا افتقد كثيرا من حيويته، التي كان يستمدها من تنوع وتعدد الشخصيات. ومن الحق القول إن مسلسلا كهذا يعتمد ليس فقط على أداء الممثل في شخصيات متناقضة، فذلك يحتاج أيضا إلى قدر كبير من إتقان الحرفة، التي تقتضي الجمع بينهم أحيانا، وهو ما يمكن أن يجد لنفسه حلا قريبا باستخدام "الدوبلير"، أو حتى بالمزج الإلكتروني لصورتين أو أكثر في كادر واحد (هناك لقطات تجمع بين الإخوة الثلاثة في بعض المواقف)، لكن الأكثر تعقيدا هو المونتاج بين واحد منهم والآخر، وهذا ما تحقق ببراعة لا يمكن إنكارها، ويشير إلى رسم الكادرات مسبقا قبل تصويرها، بما يطلق عليه "الديكوباج". لكن استخدام الحيل السينمائية والتليفزيونية ليس كافيا لتحقيق مسلسل ممتد ناجح، فلابد من أن تحتوي الحبكة على الثقل والتعقيد اللذين يدفعان المتفرج لانتظار طريقة حلها. غير أن معظم "نمر" هذا الجزء تأتي على نحو متوقع سلفا، وهي تعتمد في الأغلب على وصول غرباء إلى القرية، كلهم متشابهون في الأثر حتى لو بدوا مختلفين، فسوف يكون وجودهم مصدرا للتنافس بين الكبير وجوني، اللذين يجدان نفسيهما في النهاية واقفين على أرض واحدة. تأمل على سبيل المثال حلقة هبوط من يدعون أنهم فريق تصوير فيلم ما، وهم في الحقيقة تجار مخدرات، وبينما يتنافس الكبير وجوني على الحصول على دور "البطولة" المزعوم، يتعاونان معا للإيقاع بهذه العصابة، على نحو يذكرك كثيرا بقصص مجلات الأطفال المصورة، مثل "ميكي" و"توم وجيري". لكن هذه السلبيات لا تخفي أيضا بعض الإيجابيات التي لا يمكن إنكارها، فالمسلسل يخلو تماما من ثرثرة الحوار التي عهدناها في معظم الأعمال التليفزيونية، وهو يقفز في اختصارات عديدة عى ما سبق لنا أن عرفناه. كما أنه يعكس قدرا كبيرا من التأثر بالسينما العالمية وأساليبها، وهو الأمر الذي يمكنك أن تلحظه مثلا في حكاية جوني عن رحلته لاعتناق رياضة اليوجا الروحية، لكن ما نراه على الشاشة يتناقض تماما مع صوته على شريط الصوت، إذ نعرف أنه قد كان في ذلك فاشلا كبيرا. وربما كان الأكثر طرافة هو السخرية من الذات أحيانا، خاصة في حلقة حكاية جوني عن تمثيله في هوليوود لفيلم يدعى "تايتانيك 2"، فإذا بك أمام السبكي أشهر من أنتج الأفلام المصرية الجماهيرية، وقد أصبح مخرجا هوليووديا، يسأل جوني عن مواهبه التمثيلية: "تعرف تهز؟"، في إشارة لنوعية الأفلام التي حفلت بها السينما المصرية مؤخرا. من الحق القول إن أحمد مكي يملك قدرا غير قليل من الثقافة السينمائية والموسيقية الشائعة (ناهيك عما يمكننا أن نسميه "ثقافة الشارع")، وقدرة لا تنكر على تقمص الشخصيات، لكن هذا لا يكفي لصنع أعمال هي في جوهرها فن جماعي، بينما تتحول هنا إلى أن تكون - في التحليل الأخير - استعراض الممثل الواحد.

Friday, July 19, 2013

مقالب تليفزيونية، وأمراض نفسية!!


تعكس نوعية البرامج والمسلسلات التليفزيونية السائدة في فترة ما، نوعا من المزاج العام والذوق الجماعي، فلا يمكن مثلا أن يدعو مسلسل إلى السعادة والاستمتاع بالحياة بينما الناس يعيشون في ضنك بالغ، كما أنه لا يمكنك أن تطلب من الجمهور أن يمارس التسامح بينما كل شيء في المحيط الذي يعيش فيه يدعو إلى التعصب. ومن الصعب أن نحدد بشكل واضح ويقيني إذا ما كانت برامج ومسلسلات التسلية انعكاسا للواقع فقط، أم أنها هي التي تؤثر في هذا الواقع، والأغلب أن فيها العنصرين معا: إنها تحث المتفرج على سلوكيات ما، يكون لديه استعداد لممارستها. لكن ما يحار فيه المرء بحق هو هذا التكاثر الغريب لما يسمى "برامج المقالب"، التي تجتمع أيا كان شكلها على شيء واحد، هناك ضيف سوف يتحول إلى "ضحية" دون أن يدري (ولعل بعضهم يدري، ويمثل دور الضحية)، وسوف يتعرض لأقصى وأقسى أنواع التعذيب أو المهانة، وبالطبع فإن هناك رد فعل واحدا: الخوف خلال الموقف، والغضب بعد أن يدرك المقلب. والمطلوب منا نحن الجمهور أن نضحك من خوفه ورعبه، ونسخر من غضبه، وهو ما يشبه إلى حد ما أدنى أنواع الضحك على الإطلاق، كأن تضحك مثلا على رجل يتزحلق في قشرة موز، أو امرأة تسقط في بركة أوحال! ما الذي يدفعنا إلى الضحك في مثل هذه المواقف السخيفة؟ سوف نؤجل الرد حتى نلقي نظرة على بعض هذه البرامج، التي انهمرت علينا كالمطر بمناسبة المهرجان التليفزيوني السنوي، الذي يبدو بديلا لاحتفالاتنا الشعبية القديمة بهذا الشهر الكريم، غير أننا كنا في الماضي شركاء في الألعاب، بينما نحن الآن مجرد متفرجين مرغمين عليها. تأمل على سبيل المثال برنامجا يحمل اسم "الساحر"، المفترض أنه يدور في "سيرك"، بينما أحد الحواة يقدم ألعابه التي يستخدم فيها "خفة اليد"، أو بعض الحيل الآلية الخفية. وبعد أن يستمتع الجمهور، الذي يغلب عليه الأطفال، يأتي دور النمرة "المقلب"، فالساحر يختار طفلا يصحبه والده للاشتراك في لعبة الاختفاء في الصندوق، حيث يفترض أن يختفي الطفل مرة (في غرفة أسفل الصندوق بالطبع) ثم يعود للظهور. والمقلب هنا هو أن الساحر يدعي عجزه عن استعادة الطفل، ليأتي الأب أو الأم أو كلاهما ليمسكا بخناقه، وقد استولى عليهما "الرعب" بالمعنى الحرفي للكلمة، من أن يكون الطفل قد تعرض لنوع ما من الإيذاء. وبعد أن "نستمتع" قليلا بالفرجة على الوالدين الخائفين، وربما أيضا بعض اللكمات التي يوجهانها للساحر، يظهر الطفل محمولا على "حصان بشري"، ويتعالى التصفيق، على ماذا لا ندري على وجه التحديد! ويصل الرعب إلى مستويات جديدة مع برنامج "في الهوا سوا"، الذي يعتمد باختصار على أن يتوقف "تليفريك" في الهواء، بينما يكون الضيف الضحية حبيسا مع حيوان مفترس!! وهنا يأتي دور الممثل "الكوميدي" إدوار الذي يقدم البرنامج ويصحب الضيف في رحلته، فهو يزيد من جرعة الرعب المجاني بادعاء أن الحيوان على وشك الهجوم، ولا ندري أيضا ماذا يمكن أن تنتظر من أي إنسان في مثل هذا الموقف، سوى أن يستولى عليه الخوف على حياته؟ لكن "ما زاد وغطى" باستخدام التعبير المصري الدارج، هو انتظام الممثل رامز جلال كل عام في تقديم برنامج، أقل ما يوصف به هو السخافة، وهو في عامنا هذا يدعى "رامز عنخ آمون"، وتقوم فكرته على استضافة ممثل أو ممثلة للقيام بجولة سياحية مصورة، بادعاء أنها مساهمة في تنشيط السياحة في مصر، ليمضي الضيف الضحية في دهاليز تزداد ضيقا، بينما يراقبه رامز من أمام كاميرات المراقبة، ليلقي بين الحين والآخر سخرياته من الضيف وخوفه الطبيعي، غير أن الأمر يصل إلى حالة تثير "القرف" حقا، عندما يتم إغلاق حجرة ضيقة تحت الأرض على الضيف، تخرج له فيها الثعابين والخفافيش من بين الشقوق، ويبدو أن مومياء محنطة كأنها دبت فيها الحياة. لا تستغرب بالطبع في هذه الحالات جميعا أن تنتاب الضحية كل مشاعر الفزع والرعب، أو ربما يصاب أيضا بالإغماء، لكن مقدم البرنامج رامز جلال لا يتوقف عن السخرية والضحك! لكن مشاعر الضحية تتحول في برامج أخرى إلى السخط نتيجة الإهانة، ففي "فلفل شطة" هناك مسابقة مزعومة بين ضيفة وممثلة مغمورة تقوم بدور المنافسة، أما موضوع المسابقة فهو "طهي الطعام"، لكن ممثلة دور المنافسة تتعمد إثارة الضيفة بتعليقات خارجة على المألوف، يتعلق معظمها بذوق الملابس والماكياج وما إلى ذلك من أمور "نسائية"، وتظل تلك التعليقات تتصاعد حتى تصل إلى درجة الإهانة، والمطلوب منا أن نراقب الضحية، هل سوف تنتقم لكرامتها، أم تنسحب في هدوء؟ وإذا كانت الإهانة هنا موجهة لسيدة من عامة المتفرجين، فإن برنامج "من غير زعل" يوجه سخافاته إلى واحد من المشاهير، ويعتمد البرنامج على اثنين من المقدمين: المغني الشعبي سعد الصغير، والمذيعة الممثلة ريهام سعيد، والسر في ذلك هو أنهما سوف يتبادلان الأدوار، فإذا كان الضيف رجلا يقوم سعد الصغير بدور المنافس الذي يكيل له الإهانات، التي تتصاعد رويدا حتى تصل إلى ذروة، بينما تلعب ريهام سعيد هذا الدور في حالة إذا ما كان الضيف سيدة، مستغلة أيضا مشاعر الغيرة "الحريمي"!! وبعد أن يتحمل الضيف هذه الإهانات، يصارحانه أن الأمر كان مجرد "مقلب"، ويتبادلون جميعا الأحضان والقبلات، بعد أن كانوا من دقيقة واحدة يتبادلون الشتائم وربما اللكمات!! لعلك قد لاحظت في كل البرامج السابقة أنها تخلو من أي بعد جاد، لكن مهلا، فهناك برنامج مقالب آخر يدعي أن له بعدا سياسيا (!!)، هو "يا ثورة ما تمت"، ويعتمد على استضافة ضيف من أحد أطياف السياسة في مصر، بينما يقوم ممثل مغمور بلعب دور صاحب الاتجاه السياسي المضاد. لكن هدف البرنامج ليس إثارة الأفكار كما قد تتصور للوهلة الأولى، بل إثارة الرعب، فبعد أن يحتدم الجدال بين الطرفين، يقتحم الاستوديو فجأة مجموعة من "البلطجية"، يرغمون الضيف على التوقيع على موقف يناقض مبادئه. ومرة أخرى، ماذا يمكن أن تنتظر من إنسان أن يفعل، وقد فاجأته هذه المجموعة التي تهدد بالعنف؟ كما أن الانطباع الذي قد يبقى في لا وعي المتفرج أن كلا من الموقفين السياسيين ليس في حقيقته إلا نوعا من البلطجة التي لا تستند إلى أي حق أو حقيقة. عبثا تحاول أن تجد "مضمونا" من أي نوع لكل هذه البرامج دون استثناء، لكن لها "تأثيرا" ما في المتفرج بطبيعة الحال. إنها جميع تقوم على مفهوم "التلصص"، كأنك تنظر على شخص ما من ثقب الباب، وهو غير واع أن هناك من يراقبه، لأنه هنا يتصرف بشكل تلقائي تجاه موقف نعرف نحن (بينما لا يعرف هو) أنه موقف زائف مفتعل. وإذا كان التلصص في بعض الأحوال مفيدا لدراسة سلوك الناس وهي على طبيعتها، فإنه في أغلب الأحوال يكون تجسيدا لمرض نفسي يعاني منه الشخص الذي يقوم بالتلصص، وهذا ما تقوم به للأسف هذه البرامج مع جمهورها، أن تزيد هذا المرض عمقا، وتضفي عليه مشروعية، بحجة الضحك!! لكن الضحك الصحي بالفعل هو ذلك الذي يجعلنا نضحك من عيوبنا ونقاط ضعفنا، عندما نراها في الكوميديا الراقية متجسدة في شخص آخر، أما عندما نضحك لأن شخصا غيرنا أصيب بمكروه، ونستمتع كلما زادت أزمته أو خوفه أو إهانته، فهذا ليس إلا تأكيدا على مشاعر العدوانية التي تثيرها هذه البرامج، وتصل إلى درجة الإصابة بمرض "السادية"، الذي لا علاقة له بالترفيه أو التسلية، وإنما يحتاج إلى الذهب فورا إلى طبيب نفسي بحثا عن علاج!!

Monday, July 08, 2013

تأملات نقدية في إعلانات مسلسلات رمضان


الإعلان في أي مجال هو نوع من الوعد، بأن تحصل على منفعة معينة لو استهلكت السلعة المعلن عنها، لا فرق في ذلك بين معجون الأسنان أو السيارة الفارهة، لكن هناك مجالا جديدا للإعلان نشهده كل عام، عندما يقترب شهر رمضان الكريم، وتتسابق القنوات الفضائية في الإعلان عن المسلسلات التي سوف تقدمها. ولعلك تسأل نفسك أولا: ما الذي يدفع المحطات التليفزيونية إلى ذلك؟ إنها في الحقيقة لا تسعى إلى تقديم الترفيه والتسلية لك، بقدر ما تسعى إلى "بيعك" إلى المعلنين، الذين سوف يضعون إعلانات سلعهم – كما هي العادة – بين أوصال المسلسل بعد تقطيعه. وبالطبع كلما زاد عدد المشاهدين، ارتفعت أسهم المحطة في عين المعلنين. وهكذا تكتشف مع إعلانات المسلسلات أن القنوات الفضائية لا تهدف إلى تقديم سلعة، كما هو الحال مع بقية الإعلانات الأخرى، بل هي فقط طريقة لـ"جر الرجل" كما يقول التعبير العامي المصري، الذي يشير إلى نوع مخفف من الاحتيال على الزبون، ليدخل المحل كي يشترى سلعا أخرى. وهنا تختلف إعلانات الأفلام عن إعلانات المسلسلات، فالأولى تقدم سلعا، بينما الثانية ليست إلا واجهة لتقديم سلع، لكن المفترض – برغم اختلافهما – أنهما يتشاركان أيضا في بعض السمات، من أهمها أن يقدم الإعلان "التيمة" أو الفكرة الرئيسية للعمل من جانب، ووجوه من سوف يجسدونها من النجوم من جانب آخر. وبتأمل بعض إعلانات المسلسلات هذا العام، تكتشف أن الأهم عند من صنعوا الإعلان هو صور النجوم والنجمات، وأن هذه الصور ليست في معظمها إلا تنويعات على الصورة النمطية لهذا النجم أو ذاك. إن مصطفى شعبان على سبيل المثال سوف يظهر في إعلان مسلسل "مزاج الخير"، وهو يذكرك كثيرا بالعديد من أدواره في الآونة الأخيرة، التي تعتمد على كون بطله مزواجا تتهافت النساء على إغوائه وإرضائه. فيما يشبه صورة المرآة، نرى في إعلان مسلسل "حكاية حياة"، بطلة غادة عبد الرازق، التي يحوطها الرجال من كل جانب في مراحل حياتها المختلفة، وهي تأسرهم دائما حيثما حلت. وليس غريبا أن تكون مسلسلات غادة عبد الرازق تنويعا تليفزيونيا على أفلام نادية الجندي التي باتت "قديمة"، فالحبكة المصطنعة تقودها دائما من القاع إلى القمة، وتمنحها لحظات من "التمثيل" الذي لن يعني إلا مزيدا من التقلص والمبالغة. في هذا السياق أيضا يأتي إعلان مسلسل "العراف"، الذي يظهر فيه وجه النجم الألمع في تاريخ السينما المصرية عادل إمام مليئا بالغضون والتجاعيد، وكأن الزمن قد رسم على هذا الوجه خريطة حياته، ومن الغريب على عادل إمام أن يخلو الإعلان من "إفيهاته" المعتادة، ويكتسي بدلا منها نوعا من الحزن، كما أن لمحات الإعلان تشير بطرف خفي إلى حكاية رجل له أبناء عديدون، وقرر أن ينتقل من عالم ثرائه إلى عالم الفقراء، ليؤثر فيه ويتأثر به. تلك هي تماما أيضا الحبكة التي تبدو من إعلان مسلسل يسرا "نكدب لو قلنا ما بنحبش"، في عنوان مقتبس عن أغنية لأم كلثوم، فيسرا كما هي العادة تبدو كما لو كانت تدخل عالما متشابكا من العلاقات العاطفية، لتلعب دائما دور حمامة السلام، التي لا تلبث بدورها أن تقع في شباك الغرام. من الصور المكررة لدرجة الإملال تلك التي يقدمها أحمد عيد في إعلان مسلسل "ألف سلامة"، فلأن من المفترض أنه ممثل كوميدي، فلابد أن يلقي بالإفيهات في "كل" المشاهد والمواقف، بطريقة تبدو أقرب إلى فنون الموالد ومسرح الارتجال، بحيث يفقد رسم الشخصية معناه تماما، فالبطل في مثل هذه الأعمال يبدو هزليا وهازلا حتى في المواقف الجادة، وهي المواقف التي تلعب بشكل خاص في منطقة السياسة، حتى يظهر العمل في ظاهره نقديا وجادا، وهو في الحقيقة ليس كذلك. وبنفس القدر من اللعب بالسياسة – وإن كان هذه المرة في عمل أقرب إلى الجدية – يأتي إعلان مسلسل "ذات" الذي طال انتظاره طويلا واعترضته العقبات في تنفيذه، وهاهو يظهر للنور أخيرا، ليحكي عن بطلة رواية الروائي المصري المهم صنع الله ابراهيم، والتي تحمل أيضا هذا الاسم الغريب "ذات". تلك البطلة في الرواية رمز حي متجسد للطبقة الوسطى المصرية، والتغيرات التي حدثت للـ"ذات" خلال السبعينيات والثمانيات، لكن المسلسل يبدو أكثر طموحا، أو قل جموحا فذلك أقرب إلى الدقة، عندما ينزلق إلى ادعاء أن البطلة رمز لمصر منذ ثورة 1952، لذلك فإنه يقع في دائرة التسطيح والأفكار المكررة الجاهزة، التي تنظر إلى هذه الثورة بعين الإدانة المطلقة!! وهناك إعلانات تشير إلى مسلسلات تدور في الماضي القريب، منها على سبيل المثال مسلسل "أهل الهوى"، الذي يحكي عن الموسيقي الأشهر في تاريخ الموسيقى المصرية سيد درويش، ويقوم بدوره هنا حفيده إيمان البحر درويش، الذي سوف يواجه تحديا حقيقيا، بين استنساخ صورة الجد على نحو باهت، وبين الإبداع الفني الجديد. لكن الإعلان يعدك بأن يحكي من بين ما يحكي عن السياق التاريخي، خاصة ثورة 1919، وعن بعض الحكايات الشخصية للفنان، الذي وقع في "الهوى" فكان ذلك إلهاما لفنه، كما سوف يتطرق بالطبع إلى سبب وفاته الذي ما يزال مثيرا للكثير من الشكوك، لكن ربما كان الأهم في هذا العمل الموسيقى التصويرية التي سوف تغلفه، وتقتبس ألحانها الرئيسية من فنان الشعب القدير. لكن هناك أعمالا تشير على نحو مباشر وواضح إلى الحاضر، ويأتي على قمتها مسلسل "الداعية"، الذي يبشرك بأنه يتحدث عن ظاهرة الداعية الديني التليفزيوني، تلك الظاهرة التي تركت تأثيرا قويا في أبناء الطبقة الوسطى والشريحة العليا منها بشكل خاص، مما أدى إلى تغيرات جوهرية في البناء الثقافي للمجتمع المصري في الآونة الأخيرة. ويتطرق المسلسل إلى التساؤل حول صدق هؤلاء الدعاة فيما يدعون إليه، ومدى اتساق أقوالهم مع أفعالهم، وصورتهم العامة مع حياتهم الخاصة، وتلك بالطبع منطقة ملغومة في ظل الأجواء السياسية المعاصرة. ويحاول مسلسل "الركين" أن يسبر أغوار عالم مناقض، هو عالم الطفيليين الباحثين عن أي عمل، ويستغلون الأزمات للحصول على لقمة العيش، وإن كان الإعلان يشير إلى احتمال أن يكون هؤلاء ضحايا لعالم أكبر وأقوى منهم، وهذا بالضبط ما يبدو أيضا أنه ما يعبر عنه مسلسل "فرعون" الذي يدور في أجواء البلطجية، واتصال أعمالهم ببلطجة أعمق وأخطر، بينما يتحدث مسلسل "بدون ذكر أسماء" بدوره عن عالم الفقراء، الذين يتحولون إلى ضحايا ومدانين في وقت واحد، في سياق يتداخل فيه الذئاب والحملان، والملوثون والأنقياء. هناك عملان يتناولان قصة حب، وإن كان لكل منهما دائرة مناقضة تماما، الأول هو "آدم وجميلة"، الذي يظهر من عنوانه كأنه تنويع على "روميو وجولييت"، حيث عذابات الحب النقي، الذي سوف يزيده نقاء أجواء مدينة الإسكندرية. أما العمل الثاني فهو "الزوجة الثانية"، المأخوذ كما قد يعلم الجميع من الفيلم الذي يحمل هذا الاسم، وأخرجه صلاح أبو سيف منذ ما يقرب من نصف قرن، وهو ما سوف يشكل إمكانية للمقارنة بين المعالجتين، وأداء الممثلين في كل منهما، خاصة أن الفيلم أصبح من "فولكلور" السينما المصرية، وتجري على الألسنة بعض الجمل الشهيرة من حواره، وإن كان إعلان المسلسل سوف يشير إلى امتداد المعالجة إلى ما بعد قصة الزوج والزوجة من الفلاحين الفقراء، اللذين يناضلان ضد طغيان العمدة. قد تكون هذه الإعلانات قد نجحت إلى حد ما في الإشارة إلى موضوعها، على نحو قد يجذب المتفرج لانتظارها ومتابعتها، لكن هناك إعلانات أخرى رسبت في هذا الاختبار، حين فشلت تماما في توصيل أي رسالة، لأنها اكتفت بأن تكون مجموعة من "القص واللصق" لمشاهد من هنا وهناك، مثل إعلان مسلسل "خلف الله" من بطولة نور الشريف، أو "الرجل العناب" الذي يبدو سلسلة من النمر الهزلية التي بلا رابط حقيقي. لكن بين هذا النجاح وذاك الفشل في صنع صورة عن مسلسلات رمضان من خلال الإعلانات، سوف ننتظر حتى تأتي المسلسلات ذاتها لكي نستمتع بها، أو نتحمل عذابها!!