Wednesday, June 19, 2013

نحو مشروع سينمائي عربي مشترك بين الواقع والحلم


قد يكون ما تردد في بعض وسائل الإعلام، عن أن تسعة بلدان عربية تفكر في تأسيس مشروع سينمائي مشترك، وهو التفكير الذي بدأ خلال مهرجان "كان" الأخير، قد يكون مجرد أمنية طافت على الألسنة في لحظة من لحظات حلم اليقظة، وربما يكون حقيقة واقعة تكمن وراءها النوايا الطيبة، لكنها في الحالتين، حلما كانت أم حقيقة، تحتاج إلى أن تستند إلى العديد من عوامل التحقق على أرض الواقع، حتى يكتب لها النجاح أولا، ثم الدوام والاستقرار من بعد ذلك. دعنا نبدأ بما هو قائم حاليا من أوضاع السينما في البلدان العربية، وربما كان هناك بعض التجاوز في استخدام كلمة "السينما" ذاتها، لأن الأمر الواقع يقول إنه ربما كان لدينا أفلام في هذا البلد أو ذاك، لكن الحقيقة المريرة هي أنه لا يوجد لدينا "سينما"، والتي تعني مؤسسات راسخة، سواء في البنية التحتية المقصود بها الاستوديوهات والتجهيزات والتقنيات، بالإضافة إلى ما يكفي كل السكان من دور العرض، أو البنية الفوقية التي نعني بها "كوادر" كاملة من الفنانين والفنيين في كل مجال، وشركات التسويق والتوزيع التي تعرف جيدا كيف تنجح في توصيل الفيلم إلى جمهوره في المكان والزمان المناسبين، ثم معاهد تعليمية تواكب آخر ما توصل إليه الفن السينمائي في العالم، هذا الفن الذي لا يخفى على أحد أنه يشهد كل يوم تطورات جمالية وتكنولوجية هائلة، تجعل أغلب ما نصنعه من أفلام أقرب إلى الأعمال البدائية. وقد يقول قائل إن الحاضر والماضي يؤكدان عكس ما ذكرناه الآن، أولا لأن المخرج المغربي عبد اللطيف قشيش فاز بالجائزة الكبرى في "كان"، لكن هل قشيش يخرج أفلاما "عربية" حقا، وهو الذي يقوم في كل أفلامه على تنفيذها في فرنسا؟! وثانيا لأن هناك تراثا كبيرا للسينما المصرية على وجه الخصوص، يشير بحق إلى أنها كانت – إلى حد كبير – تواكب السينما العالمية (الإيطالية على سبيل المثال) في الخمسينيات والستينيات، لكن ذلك ليس الآن إلا ذكرى نعيش أحيانا على حلاوتها، لنستيقظ على الواقع المرير، الذي يشير دون مواربة إلى أن السينما المصرية تخلفت كثيرا حتى عن صناعات سينما بدأت بعدها، كالسينما الكورية على سبيل المثال. من هذا الواقع نريد أن ننطلق، أيا كانت درجة مرارته، بحثا عن إمكانية تحقيق "مشروع سينمائي عربي مشترك"، لنتساءل في البداية: ما هو هذا المشروع؟ يمكننا أن نفترض في الحد الأدنى أنه نوع من الإنتاج المشترك لأفلام، وهو مشروع جدير حقا بالاهتمام، خاصة أن عوامل تحقيقه ممكنة، بل إنه تحقق بالفعل منذ وقت طويل، وليس غريبا أن صناعة السينما المصرية ظلت حتى الخمسينيات تعتمد في الأغلب على تمويل عربي من خارج مصر، كما كانت العديد من شركات الإنتاج السينمائية تحمل أسماء عائلات لبنانية، مثل بيضا وتلحمي وبهنا، وكان لذلك أثره الإيجابي في التوزيع، إذ يسعى المنتج إلى تسويق فيلمه في العديد من البلدان العربية، والأهم أنه كان له تأثيراته الثقافية والاجتماعية والسياسية، فكان الفيلم "العربي" (والمقصود به الفيلم "المصري") يجمع جمهورا من بلدان عديدة بما يحقق نوعا من الوحدة بمعناها الحقيقي. ما تزال البلدان العربية تملك إمكانية هذا الإنتاج المشترك، حين يتوفر التمويل من بلد، والفنانون والفنيون من بلد ثانٍ، ويتم التصوير في بلد ثالث. وهذا الشكل من الإنتاج عرفته السينما الأوربية على سبيل المثال، حين أدركت أنه الوسيلة الأهم لمواجهة المنافسة العنيدة من السينما الهوليوودية، بل عرفته صناعات سينما أسيوية خلال العقود الأخيرة، من أجل صنع أفلام "عالمية" بمعنى الكلمة، فجاء فيلم "غاندي" بإنتاج مشترك مع الهند، و"الإمبراطور الأخير" و"نمر رابض، تنين مختبئ" مع الصين، على سبيل المثال لا الحصر. ولا نذهب بعيدا إذا أشرنا إلى أن هوليوود ذاتها لا تخجل من الإنتاج المشترك، بل تسعى إليه سعيا، حين تبحث عن أماكن ومواقع تصوير رخيصة، بدلا من بناء ديكورات باهظة التكاليف، وبهذه الطريقة في الإنتاج صنعت أفلاما ملحمية مبهرة، مثل "الوصايا العشر" و"كليوباترا" و"بن هور"، وما تزال تصنعه كفيلم "سيريانا" الذي تعتمد حبكته على خطوط درامية عديدة تدور في أماكن مختلفة من العالم. وإذا أردت أمثلة ناجحة قامت بها بلدان عربية بإنتاج سينمائي مشترك مع دول أجنبية، خاصة مع إيطاليا، فيكفي أن أذكر لك مثلا "طوق الحمامة المفقود" للمخرج التونسي ناصر خمير، بلغته السينمائية الفريدة التي تحاول أن تجد مفردات بصرية عربية تضرب بجذورها في التراث، أو فيلم المخرج الإيطالي جيلو بونتيكورفو المشترك مع الجزائر، والذي يحمل اسم "معركة الجزائر"، ويسجل للمراحل الأولى من نضال جبهة التحرير الجزائرية، ورغم أن الفيلم قد مضى عليه أكثر من أربعين عاما، فهو ما يزال يستخدم في كل المعاهد السينمائية العالمية، لتدريس كيفية استخدام أسلوب تسجيلي في فيلم روائي. ولم يكن غريبا أن ذكاء المخرج المصري الأشهر يوسف شاهين قاده في فترة من فترات حياته الفنية للإنتاج المشترك، ليس فقط مع فرنسا في أفلامه الأخيرة، ولكن أيضا مع الجزائر في أفلام مهمة في مسيرته، وربما لولا الإنتاج المشترك ما كان لها أن تتحقق، مثل "العصفور" الذي سجل فيه وجهة نظره عن أسباب هزيمة 1967، وضرورة مواجهة العدو الداخلي والخارجي معا، أو "اسكندرية ليه"، الذي كان باكورة سلسلة أفلام سيرته الذاتية كما يراها أو كما يتمنى أن تكون، كذلك "عودة الابن الضال" الذي يحاول فيه أن يرسم خريطة لقوى الصراع السياسي في قرية مصرية، هي في حقيقتها رمز لمصر كلها، وربما للوطن العربي أيضا. لكن لا يمكن أن تفوتنا الإشارة إلى فيلم إنتاج مشترك، كان مصيره يلخص المخاطر التي تعوق مثل هذا النوع من الإنتاج، وهو فيلم "ناجي العلي" المشترك بين مصر ولبنان، والذي حاول أن يغزل نسيجا متشابكا بين سيرة حياة فنان الكاريكاتير الفلسطيني المناضل، وتاريخ القضية الفلسطينية ذاتها. وبرغم الطموح الفني الهائل في سيناريو بشير الديك، وإخراج عاطف الطيب، وبطولة نور الشريف، فقد واجه الفيلم هجوما بالغ الشراسة من بعض الصحافيين المصريين، ويقول البعض إن وراء هذا الهجوم مصالح ذاتية ومادية، بينما طفت على السطح مبررات سياسية مزعومة، حتى أن مجلس الشعب المصري انشغل بالفيلم، ليستخرج البعض منه اتهامات لـ"مصر" اعتبروها مسئية، وهنا تبدأ المشكلة الكبرى والعائق الأكبر في تحقيق أي مشروع "إنتاج سينمائي عربي مشترك" في هيئة فيلم، بما يطرح مجموعة بالغة الأهمية من الأسئلة: هل تحتمل البلدان التي ينتمي إليها شركاء الإنتاج أي وجهة نظر قد لا تتفق مع وجهة النظر الرسمية؟ وهل يعني هذا أن هناك موضوعات لا يمكن الاقتراب منها، وذلك في الحقيقة يؤدي دائما إلى سينما باهتة تافهة وإن كانت باهظة التكاليف؟ وهل نحن العرب نريد أن نصنع سينما عالمية لأن السينما وسيط فني مهم، أم لأنها أداة دعائية فقط؟ ولعل تلك الأسئلة تذكرنا بسؤال هاملت الشهير: "أكون أو لا أكون"، وترجمته هنا: إما أن نصنع سينما حقيقية، أو فلننفق أموالنا على أي وسيلة ترفيه وتسلية أخرى!! لعل النقطة الجوهرية في تحقيق حلم مشروع سينمائي عربي مشترك تكمن أولا وقبل كل شيء في "الإرادة السياسية"، الإرادة التي تتعامل بنضج مع هذا "الفن" وكل أشكال الإبداع الأخرى، التي لا يمكن أن تفرض عليها رؤية واحدة مسبقة، وإلا سوف يكون المصير مثل مصير بعض أفلام مخرجين بالغي الأهمية، لكنهم صنعوا أفلاما شديدة التواضع، لأنها كانت بوقا للسلطة الحاكمة. لقد صنع المخرج المصري الشهير صلاح أبو سيف للعراق فيلم "القادسية"، الذي أُريدَ به أن يكون دعما لحرب الخليج الأولى، فكانت النتيجة فيلما هزيلا أعيدت كتابة السيناريو الخاص به عدة مرات أثناء التصوير، لإرضاء المسئولين السياسيين. أما المخرج الرائع الذي لم يصنع قط فيلما لإرضاء السلطة، توفيق صالح، مما أدى به للعيش في المنفى لفترة، فقد اضطرته الظروف لصنع فيلم "الأيام الطويلة"، عن سيرة حياة صدام حسين في شبابه، فجاء فيلما يشبه أفلام الواقعية الاشتراكية الدعائية، حيث البطل لا يمكن أن يشعر بالألم أبدا مثل بقية البشر!! ويأخذنا فيلم توفيق صالح إلى تجربة مهمة أخرى له كانت على النقيض تماما، حين صنع في سوريا "المخدوعون" أو "رجال في الشمس" عن إحدى روايات غسان كنفاني، وصنع توفيق صالح الفيلم برؤيته السياسية التي يؤمن بها، وكانت النتيجة أن السلطات آنذاك وضعت الفيلم "على الرف"، ولم تعرضه في المهرجانات العالمية إلا بعد أن ذاع صيته في أنحاء مختلفة من العالم! تلك إذن بعض مخاطر المشروعات المشتركة، إذا اصطدمت لسبب ما مع هذه الجهة أو تلك، ومع ذلك فإن هناك تجارب "فردية" كُتب لها النجاح، على الأقل على مستوى التحقق، فصنع السينمائي الكويتي خالد الصديق فيلم "عرس الزين" في السودان، عن رواية الأديب السوداني الشهير الطيب صالح، وقام المخرج المغربي عبد الله المصباحي بصنع فيلمه "سأكتب اسمك على الرمال" مع الممثلين المصريين مثل عزت العلايلي وناهد شريف ومريم فخر الدين، وحاكاه أيضا المخرج المغربي مؤمن السميحي، بقدر أكبر من الرغبة في صنع فيلم "بالمواصفات الشعبية" للسينما المصرية، في فيلم "سيدة القاهرة"، الذي اشترك في بطولته يسرا وعبد العزيز مخيون. لعلك لاحظت يا عزيزي القارئ أننا حتى هذه اللحظة نتحدث أيضا عن إمكانية صنع "أفلام" بالإنتاج المشترك، وليس "سينما" بمعنى الصناعة المتكاملة. ولعل هذا يعكس قدرا من الشعور بصعوبة تحقيق هذا الحلم في الظروف الراهنة، لكن دعنا نحلم قليلا بتحقيق الحلم. الغريب أن هذا الفيلم قد تحقق بالفعل (وما يزال يتحقق) في مجال الدراما التليفزيونية، ولعلنا نذكر كيف كانت استوديوهات التسجيل العربية في تونس والشارقة في الثمانينات تستضيف الفنانين والمصريين، لصنع مسلسلات بقيت في الذاكرة حتى الآن، وربما كان أهمها "ليلة سقوط غرناطة"، من تأليف الكاتب المصري محفوظ عبد الرحمن، وإخراج المخرج الأردني عباس أرناؤوط، ويسجل المسلسل في كل حلقة منه ساعة من ساعات ليلة سقوط غرناطة، مع إسقاطات رائعة على الواقع المعاصر، لذلك عرض المسلسل في جميع البلدان العربية، ما عدا مصر!! إننا نؤكد مرة أخرى على أن البلدان العربية – مجتمعة وليست متفرقة – تملك إمكانية تأسيس صناعة سينمائية راسخة، فنحن نملك التمويل، ونستطيع شراء آخر ما في العالم من تكنولوجيا، وأن نجلب لفترة من الزمن خبراء لتدريب بعض فنيينا على استخدام هذه التقنيات الجديدة، وبذلك تتوفر البنية التحتية الضرورية، ليبقى الجانب الأهم والأصعب، وهو الجانب الإبداعي، الذي يبدأ بكتابة سيناريوهات قوية بحق، وتكليف مخرجين حرفيين وفنانين لتنفيذها، واختيار فريق الممثلين من كل البلدان العربية. وفي الأغلب سوف يستغرق الأمر وقتا حتى نستطيع بحق أن نقول أننا نصنع فنا سينمائيا جديرا بالمنافسة عالميا، لكن كما يقولون: إنك قد تبدأ متأخرا، لكن ذلك أفضل من ألا تبدأ أبدا. وإذا كانت تلك هي "الشروط" لإقامة صناعة سينما عربية، فيبقى السؤال: لماذا نريد أن نصنع سينما "عربية"؟ أليس في العالم ما يكفي من الأفلام؟ وهل تنقصنا نحن العرب كمتفرجين أفلام من كل الأنواع، تأتينا من كل بقاع الأرض؟ وذلك في الحقيقة هو الهدف الرئيسي من صنع سينما عربية: السينما ليست مجرد وسيلة ترفيه، السينما بين الفنون هي أقواها قدرة للتعبير عن الذات، وفهم هذه الذات. والسينما لغة فكر قبل أن تكون مجرد صور، فهذه الصور في جوهرها تجسيد لفكر، وهي تعكس رؤيتك الحقيقية عن نفسك وعن العالم، ونحن إذا أردنا أن "نكون" على خريطة العالم، والتاريخ المعاصر، فإن علينا أن نقدم لأنفسنا وللعالم "صورنا"، أو قل في الحقيقة رؤيتنا ووجهة نظرنا عن العالم، كيف نراه وكيف نريد أن نتفاعل معه، ونؤثر فيه بدلا من الاكتفاء بالتأثر به. هل هو حلم بعيد المنال؟ سوف أذكرك بحقيقة واحدة، هي أن أوربا حققت هذا الحلم، رغم أنها لا تملك ما تملكه البلدان العربية من إمكانات مادية ومعنوية، ويكفي أن بلداننا تتشارك في لغة واحدة، وثقافة مشتركة، وليست تنويعات هذه الثقافة بين الخليج العربي والمحيط الأطلسي إلا مزيدا من ثرائها، فما الذي ينقصنا؟ لعلنا نهمس بالقول مرة أخرى أنها الإرادة السياسية، على المستوى الفردي والجماعي بالنسبة للبلدان، وإيمان حقيقي بالديموقراطية وضرورة التعاون الوثيق بين أطراف هذا المشروع. الغريب أن العالم المعاصر قدم حلا عبقريا وعمليا لتحقيق مثل هذه المشروعات، والأغرب أن الحل جاء من الوسيط المنافس للسينما: التليفزيون! لقد أصبحت اليوم الشبكات التليفزيونية العالمية، مثل "بي بي سي" البريطانية، و"كانال بلوس" الفرنسية، و"زد دي إف" الألمانية، و"تي في إي" الإسبانية، تشارك في مشروعات سينمائية عالمية، في تعاون وثيق بين وسيطين كانا في الماضي عدوين، ثم اكتشفا أن ضمان استمرارهما ونجاحهما مرتبط ارتباطا وثيقا بالعمل المشترك، فالشبكة التليفزيونية تضمن من جانب حصة لا بأس بها من عائدات فيلم ما، كما أنها تملك حق عرض الفيلم وتوزيعه على الشبكات الأخرى. إن هذا يثير لدينا في النهاية السؤال عن "هدر إمكاناتنا"، فالكثير من شبكاتنا التليفزيونية الفضائية تنفق مبالغ طائلة على برامج أقل ما توصف به أنها متواضعة، والأجدر بها أن تفكر بجدية في المشاركة ليس فقط في إنتاج الأفلام، بل أيضا إنشاء الاستوديوهات وتأسيسها، لتصلح لعملها التليفزيوني والإنتاج السينمائي معا. لذلك قد نرى في التحليل الأخير أن حلم تحقيق مشروع سينمائي عربي ليس مستحيلا، سواء كان فيلما أو حتى صناعة سينمائية، وإذا كان هذا الحلم قد تحقق في أماكن أخرى من العالم، فإن هذا يؤكد أنه ليس وهما أو سرابا، الواحة موجودة في الأفق، لكن الوصول إليها يتطلب شيئا بسيطا وصعبا في آن: الإرادة!

Friday, May 31, 2013

التحليل النفسي للإعلانات في العالم المظلم للا وعي


أصبح من المتعارف عليه الآن، في عالم تسوده السلع الاستهلاكية، ووتنازع فيه بضراوة الشركات التي تنتج هذه السلع، أن الإعلانات تأخذ القدر الأكبر من تكاليف الإنتاج، فإذا كانت سلعة ما تتكلف دولارا واحدا لكي تصبح منتجا نهائيا، فإنها تحتاج إلى ما يزيد على خمسة دولارات لتسويقها، لأن السوق أصبحت أرض معركة مفتوحة، يدافع فيها المنتجون القدامى عما اكتسبوه، بينما يبحث دائما فريق من الجدد عن موطئ قدم في هذا العالم الضاري الذي لا يعرف إلا الهزيمة أو الانتصار. والسلاح الأساسي في التسويق هو "الإعلان"، الذي تراه قد اكتسح كالفيضان حياتنا وبتنا أقرب إلى السباحة فيه، وأصبح الوقت الأكبر من بث محطاتنا التليفزيونية والفضائية مكرسا للإعلان، وأصبحت ما كانت "نكتة" حقيقة واقعة: نحن نتفرج على إعلانات تقطعها في بعض الأحيان برامج أو مسلسلات. والأهم في هذا السياق أن الإعلانات ذاتها أصبحت أرضا زلقة للمنتج والمستهلك معا، فإذا كان عليها أن تجذب المتفرج، فإن عليها أيضا أن "تسرق" انتباهه من الإعلانات الأخرى. وللإعلانات المعاصرة عدة وسائل في هذا السياق، لعل أهمها هو استخدام نجم أو نجمة محبوبين لكي يكونا مرتبطين بالإعلان عن السلعة، فأنت إذا رأيت أحمد حلمي على سبيل المثال قفز في ذهنك على الفور السلعة أو السلع التي يقوم ببطولة الإعلانات عنها، كذلك دنيا سمير غانم مثلا، أو حتى رجاء الجداوي أو عبلة كامل. بل إن بعض الإعلانات التي قدمها ممثلون أو ممثلات مجهولون أصبحت طريقهم إلى الشهرة ثم النجومية في بعض الأحيان، مثل جيهان نصر التي قامت ببعض الأدوار القصيرة في السينما مثل فيلم "الكيت كات"، وإن كان معظمهم لم يثبت موهبته الحقيقية في عالم التمثيل. ووجود النجم في الإعلان له ضرورته، إذ يتيح للمتفرج لحظة من "التوحد" مع هذا النجم، ببساطة إذا استهلك السلعة ذاتها التي يقول النجم أنه يستخدمها، سواء كانت هذه السلعة سيارة أو مشروبا أو خطا تليفونيا. لكن المعلنين أدركوا في الآونة الأخيرة أن وجود النجم وحده لا يكفي، وأن رؤية المتفرج له في عالم بالغ الرفاهية قد لا يكون مؤثرا كما ينبغي، لذلك تزايد في الآونة الأخيرة وجود هذا النجم في سياق "عادي" من حياتنا اليومية، وكثيرا ما تراه وسط عائلة من الطبقة المتوسطة تشبه عائلاتنا، وتحيطه وجوه مألوفة مثل تلك التي نراها في نشاطاتنا المعتادة. الهدف من ذلك كله بطبيعة الحال هو إقناع المتفرج (المستهلك) أن يشتري السلعة المعلن عنها، إذا لمس الإعلان في نفسه وترا أن حياته مع هذه السلعة سوف تكون "أفضل". لكن ما وجه التفضيل؟ ما الذي ينقصنا في حياتنا ونريد تحقيقه (أو تعويضه، وهذا هو الأهم!!)، ويقول لنا الإعلان أن ذلك ممكن فقط مع هذه السلعة بالذات؟ وهنا يبدأ تلاعب الإعلان بلا وعي المتفرج، وأصبح من المتعارف عليه أن السلعة لا تلبي بالضرورة "احتياجا" أصيلا لدى المستهلك، أي أنه ببساطة يمكن أن يعيش بدونها دون أن يشعر بأي فرق أو نقص، ودور الإعلان هو أن "يخلق" لديه هذا الاحتياج، بل قل يخترعه اختراعا، والإعلان في هذا الشأن يشبه "المخدر" الذي قد يتعاطاه المرء، تحت وهم أنه سوف يكون أفضل، لكي ينتهي به الأمر إلى إدمانه والحاجة إليه، لمجرد أن يعيش حياة "شبه عادية"!! لكن الإعلان يشبه المخدر أيضا، الذي لا ينجح الإغواء به إلا مع من يشعرون أنهم في "حاجة" للهروب من واقعهم لسبب ما، بالطبع دون أن يحقق لهم هذا المخدر أي واقع جديد، كذلك الإعلانات، التي تخاطب عن وعي الجانب اللا واعي لدى المتفرج، فالسلعة هنا ليست مهمة في ذاتها، بل الإحساس "النفسي" الذي يقترن بها. تأمل مثلا أفضل الإعلانات التي شاهدناها مؤخرا من الناحية الفنية، تجده يتحدث عن ضرورة وجود الحب الذي يربط بين الناس جميعا على اختلاف أماكنهم وأعمالهم وطبقاتهم، وأكاد أقول إن الإعلان حقق نجاحا لأن الناس في الواقع تشعر بفقدان هذه الرابطة الحقيقية بينهم، ودليلي على ذلك هو ظهور الإعلان ذاته على الإنترنيت، وقد حمل كلمات مناقضة تماما تتحدث عن العدوانية غير المبررة بين الجميع، وكان نجاح المحاكاة الساخرة أكبر بكثير من الإعلان الأصلي، لأنها لمست وترا حساسا لدى المتفرجين. وتقول لك بعض الإعلانات إن تلك العلاقات الاجتماعية التي أصبحت فاترة، مبتورة، قصيرة وعابرة، يمكن أن تكون أقوى إذا تشاركنا جميعا في "الحجم الكبير" من السلعة، فهذا الحجم سوف يعيش معنا زمنا أطول!! لكن تلك المشاعر الإيجابية كادت أن تختفي من الإعلانات (وربما من الواقع أيضا!)، وحل محلها مشاعر بالغة السلبية، تعكس في الحقيقة أمراضا نفسية واجتماعية ليست في حاجة إلى أي سلع، بل هي في حاجة ملحة لعلاج أسبابها. ولعل أهم تلك الأمراض التي تتلاعب بها الإعلانات الآن هو "فقدان الهوية"، والسعي إلى امتلاك هوية بديلة، تكون أقوى وأكثر شراسة، لكي يستطيع المرء مواجهة مصاعب الحياة. وتوحي لك بعض الإعلانات أنك لو شربت هذا المشروب أو أكلت تلك الحلوى لأصبحت في نظر الآخرين أكثر "رجولة"!! أو على العكس، قد ترى العالم في صورة ألطف كثيرا عما هو في حقيقته، فإذا نشأ مثلا نزاع بينك وبين سيدة قاسية في منتصف العمر، لكان عليك أن تأخذ قضمة من السلعة المعلن عنها، فإذا بك أمام فتاة لطيفة رقيقة. والإعلان هنا يساعدك على تحقيق الوهم، وأنت تعرف تماما أنه وهم!! لكن أخطر أنواع هذا الوهم، وأكثرها دلالة وانتشارا هذه الأيام، هو ذلك الذي يرتبط بالعنف والعدوانية، ربما ضد الآخرين، كل الآخرين. يقول لك الإعلان مثلا إن عليك ألا تفرط فيما تملكه من السلعة، وإذا اضطررت أن تعطي منها فبالنزر اليسير، وأن تدافع عنها إلى آخر قطرة دماء، لكي "تنتقم" ممن سلبوك إياها أو بعضا منها! وربما تكون في الواقع شخصا مهذبا متحضرا، وقد يجعلك هذا في نظر الآخرين ضعيفا، فلماذا لا تعوض ذلك بالاشتراك في إحدى شركات الإنترنيت، التي تتيح لك أن تلعب ألعابا لا تنتهي، تتحول فيها إلى مقاتل شرس يدافع عن نفسه بالمدافع الرشاشة سريعة الطلقات؟ أو لعلك لو شربت هذه السلعة لأصبحت فدائيا يربط حول خصره حزاما من علب المشروب، ويهرب من مواجهتك الآخرون! أو ربما تتحول إلى قاتل، يرفع السكين في وجه أحد أقاربه، لكي ينتزع السلعة من بين يديه انتزاعا، لأنه لا يملك مقاومة انجذابه إليها، هذا الانجذاب الذي يتم تصويره في إعلان آخر بشيء يشبه الإدمان على نحو حرفي، حيث يتحول المستهلك إلى لص، وخاطف، ولا يقلل من ذلك التأثير النفسي بالغ السلبية محاولة الإيهام بطرافة الإعلان، الذي تم تصويره بطريقة "الكاميرا الخفية". في أحد الإعلانات التي لا يمكن أن تمر مرور الكرام على التحليل السياسي والنفسي لمجتمعنا المصري المعاصر، هناك أكشاك مزروعة في العديد من أحياء مدينة القاهرة، متفاوتة المستوى والطبقات، وخلف زجاج الكشك تبدو أكوام السلعة المعلن عنها، وتدعوك لافتة للحصول عليها إن استطعت، فإذا بجميع المارة من مختلف الشرائح يتحولون إلى رعاع ودهماء بالمعنى الحرفي للكلمة، ومرة بعد أخرى يحاولون تحطيم الواجهة الزجاجية، بالركل بالأقدام والعصي الخشبية والحجارة وقضبان الحديد، حتى إذا ما كسروا الزجاج سارعوا إلى "نهب" محتويات الكشك نهبا، حتى أصحاب السيارات الفارهة، الذين انخرطوا في تحويل أكوام السلعة إلى حقائب سياراتهم!! قد يقول البعض إن هذه الإعلانات تخاطب أحاسيس وأفكارا هي موجودة بالفعل في المجتمع، لكن ذلك ليس مبررا، فإن تستغل "المرض" لكي تزيده وعمقا، وتجعله أمرا طبيعيا، هو أمر في الحقيقة ليس أخلاقيا بأي حال، لكنه من جانب آخر نذير بأن المجتمع على حافة حالة من الانفجار، هي الأولى بالمواجهة والعلاج، ولتذهب السلع وإعلاناتها إلى الجحيم!!

Wednesday, May 15, 2013

مستقبل السينما الرقمية هل سوف تختفي "الأفلام"؟


أرجو ألا يصدم القارئ عندما تختفي السينما المصرية أو تكاد، عندما نتحدث عن السينما الرقمية، ليس لأن السينما المصرية لا تستخدمها، وإنما لأنها لا تعرف حتى الآن إمكاناتها الحقيقية، ويكاد استخدام التقنيات الرقمية أن يقتصر على مرحلة المونتاج (في حدودها الدنيا) كما سوف يأتي لاحقا، أو لصنع سينما قليلة التكاليف، يطلقون عليها خطأ مصطلح "السينما المستقلة"، كما هو الحال في أفلام مثل "عين شمس" و"هليوبوليس"، وإن كان معظم السينما المصرية "مستقلة" بالمعنى الدقيق للكلمة!! دعنا في البداية نقدم تعريفا بسيطا للسينما الرقمية. هناك العديد من المصطلحات في هذا الفن نشأت لأسباب غريبة، ثم أصبحت واقعا لا نسأل عن سبب وجوده، فمصطلح "سينما" على سبيل المثال هو نطق خاطئ للكلمة الإغريقية "كينما" أي "حركة"، وما تزال هناك بلدان أقرب للنطق الصحيح فتطلق على هذا الفن "كينو"، كما أن مصطلح "فيلم" نشأ عن ذلك الشريط الرقيق من السليولويد، الذي تسجل عليه "كادرات" الفيلم، ويمكن لفه في بكرات تمر أولا من خلال الكاميرا من أجل التصوير، ثم من خلال آلة العرض في مرحلة مشاهدة "الفيلم". وبرغم اختفاء الفيلم (شريط السليولويد) في مشاهدة السينما في التليفزيون مثلا، أو بواسطة شريط فيديو، فإننا ما زلنا نستخدم تعبير "فيلم". لكن شيئا فشيئا تم اكتشاف أن الصورة يمكن تسجيلها وعرضها دون الحاجة مطلقا لأي "فيلم"، إذ تتحول نبضات الضوء إلى كهرباء، يتم تسجيلها على أقراص أو رؤوس صلبة (كما في الكومبيوتر كمثال للتبسيط)، وتستعاد الصورة بعملية عكسية، وبذلك أمكن مشاهدة الأفلام بطرق مختلفة تماما عما عرفناه في دور العرض، ناهيك عن مزايا أخرى عديدة، منها أننا لم نعد في حاجة للبكرات كبيرة الحجم لحفظ الفيلم ونقله، وأنت مثلا يمكنك أن تحمل عشرة أفلام في "فلاشة" صغيرة تضعها في جيبك. كما أن شريط الفيلم كان يتعرض للتلف عندما يمر مرات عديدة في آلة العرض، بينما يتيح التسجيل الرقمي استعادة المشاهدة مئات المرات دون أن تفقد الصورة نقاءها. ولكي نصنع قدرا أكبر من التقريب للتقنية الرقمية، تخيل مثلا أنني أكتب لك هذا المقال بالورقة والقلم، وكان عليّ أن أقدمه للمجلة صحيحا من أي خطأ، فهذا يعني أنني لو أخطأت في حرف واحد لاضطررت للكتابة من أول وجديد!! أما لو كتبته على "الكومبيوتر"، فسوف يمكنني إجراء عشرات التعديلات بالحذف والإضافة، ويظل المقال مرتبا بدون أخطاء. إن تلك المراجعة الفورية هي إحدى مزايا التقنية الرقمية، فعندما كان يتم التصوير على السليولويد، لم يكن أمام المخرج فرصة لمراجعة اللقطات سوى أن ينتظر تحميضها وطبعها، لكنه مع التقنية الرقمية يستطيع مراجعتها في التو واللحظة، وهذا ما دعا مثلا مخرجا مخضرما عُرف بالتدقيق الشديد مثل سيدني لوميت، إلى استخدام التصوير الرقمي في آخر أفلامه "قبل أن يعرف الشيطان بموتك"، وليستخرج من الممثلين إيثان هوك وفيليب سيمور هوفمان أفضل ما لديهما من أداء. ولعل مرحلة التصوير الرقمي بالذات هي التي أتاحت للمخرجين إمكانات هائلة، بالمقارنة مع القدرات المحدودة لشريط السليولويد، منها مثلا أن الكاميرا العادية لا تستطيع استيعاب أكثر من عشر دقائق من التصوير المتصل، وإذا كان فيلم هيتشكوك "الحبل" – الذي تم تصويره بالسليولويد - قد بدا أنه لقطة واحدة متصلة، فإن ذلك قد تحقق بواسطة الخدع، بينما استطاعت السينما الرقمية أن تصنع فيلما مثل "الطوف الروسي"، الذي يمتد أكثر من ساعة ونصف في متحف "الإرميتاج"، ليصبح استعراضا لمجمل التاريخ الروسي في لقطة واحدة متصلة دون قطع واحد، اشترك في تمثيلها مئات الممثلين!! من جانب آخر تمكن فيلم "تايم كود" (شفرة الزمن) من تسجيل أربع لقطات متصلة تدور في وقت واحد في أماكن مختلفة (فيما يشبه شاشات المراقبة)، وعرضها معا ليحقق تشويقا من نوع غريب. وإذا كان التصوير الرقمي يُتهم أحيانا بأنه لا يرقى لدقة التصوير "الفوتوغرافي" على السليولويد"، فإن الدقة التقنية للتصوير الرقمي تتضاعف كل عام، ولن يكون من الغريب أن يتفوق قريبا على التصوير بالسليولويد. بل إن هذا "العيب" التقني تم استخدامه جماليا في العديد من الأفلام، خاصة تلك التي صنعها المخرج مايكل مان، الذي يفضل التصوير في الأضواء المتاحة حتى في ساعات الليل ذات الضوء الشحيح، لذلك ظهرت مدينة سان فرانسيسكو في فيلمه "ضحية المصادفة" بشكل شبحي، يتلاءم تماما مع أجواء قصة مجرم محترف، أخذ سائقا كرهينة ليطوف معه في المدينة، حيث يريد أن ينفذ خمسة اغتيالات في ليلة واحدة، وليلقى المجرم مصرعه في النهاية في قطار الفجر، حيث لا يلتفت أحد لوجوده إذ يتصورونه نائما!! لكن المونتاج الرقمي هو الذي شهد قفزات تقنية وجمالية لم يكن من الممكن تخيلها، لذلك يتم الآن تحويل "كل" أفلام السليولويد بعد التصوير إلى الشكل الرقمي، بهدف إجراء المونتاج عليها، ثم تطبع منها نسخ العرض بالسليولويد مرة أخرى. لقد كان على المونتير والمخرج أن يعلق في غرفته عشرات الشرائط، يراجعها مرة بعد أخرى، ويقطع ويلصق، ثم يعيد القطع واللصق، في عملية بالغة الإجهاد، ولا تتيح إبداعات جمالية كبيرة. أما الآن فهناك أمام المونتير "أيقونات" على شاشة الكومبيوتر، يعرض هذه أو تلك، ويقطع مونتاجيا بينها ويعيد المونتاج، دون أي قص أو لصق، وليجري عشرات التجارب في زمن قياسي، ودون أن يفقد شيئا من مادة اللقطات على أرضية غرفة المونتاج. وفي هذه المرحلة يمكن إجراء كل ما تعرفه من حيل بصرية، حيث تستطيع أن تضيف مثلا ديكورات لمدينة روما القديمة دون أن تبني ديكورات فعلية كما في فيلم "المصارع" مثلا، وأن تجعل عشرة من "الكومبارس" يظهرون كأنهم مئات في فيلم "ملك الخواتم"، وأن تجسد شخصيات وكائنات لا وجود لها كما في "أفاتار"، وأن تجمع بين ممثل ونمر بنغالي على سطح قارب صغير في "حياة باي"، وأن تحول الصور الحقيقية إلى تحريك لكي تضفي عليها جوا كابوسيا كما في "حياة اليقظة". وربما يقول البعض إن المشكلة الحالية هي أن أغلب دور العرض لا تصلح إلا لعرض شرائط السليولويد، لكن تلك مشكلة تقنية شهدها تاريخ السينما مرات عديدة، وكان على دور العرض أن تتواءم مع التجديد عاجلا أم آجلا، حدث ذلك عند الانتقال من السينما الصامتة إلى الناطقة، أو التحول إلى تقنية الشاشة العريضة. لذلك سوف يأتي اليوم الذي تعرض فيه دور العرض جميعا أفلامها بالتقنية الرقمية، عن قريب من خلال أقراص تشبه ما نعرفه من "دي في دي"، ثم من خلال بث الفيلم عن طريق الأقمار الصناعية من الشركة صاحبة الفيلم إلى دار العرض مباشرة!! هل تغيرت السينما حقا مع حلول التقنية الرقمية؟ تتفاوت الإجابات كثيرا حول تلك المسألة، لكن ما نشهده الآن هو مزيد من ازدهار السينما في العالم كله، وليس غريبا أن التقنيات الرقمية قد جعلت حتى الأفلام "الخيالية" أكثر "واقعية" وإقناعا، وهذا هو السبب في التزايد المتسارع لصنع أفلام الخيال العلمي، والكوارث، والرعب، والأفلام التاريخية والحربية، التي لم تعد تحتاج إلى بناء ديكورات ضخمة باهظة التكاليف، فكل شيء أصبح متاحا بواسطة التقنيات الرقمية. وحتى أفلام الأطفال أصبحت أكثر بهجة، تذكر مثلا فيلم "البحث عن نيمو" (الذي سوف يشهد قريبا جزءا ثانيا)، فتلك القصة الخيالية تدور حول رحلة سمكة أب للبحث عن ابنه، ليخوض مغامرات مثيرة في أجواء عالم البحار، هذا العالم الذي لم يكن ممكنا تجسيده بهذا القدر من الإبهار قبل السينما الرقمية. أخيرا: هل يختفي مصطلح "فيلم" لمجرد اختفاء شريط السليولويد؟ لا نظن، فقد أصبحت الأفلام كائنا حيا له وجوده الخاص به، أيا كان شكل تسجيلها أو طريقة تصويرها وعرضها، وسوف تظل الأفلام دائما مصدر متعة للصغار والكبار، وأداة تشكيل للوعي ليس لها نظير.

Friday, May 10, 2013

انتقاد سلبيات التليفزيون بسينما رديئة فيلم "سمير أبو النيل" نموذجا


العلاقة بين السينما والتليفزيون علاقة متشابكة، بل ملتبسة أحيانا، فعندما ظهر التليفزيون لأول مرة في خمسينيات القرن الماضي، كان يشكل للسينما عدوا حقيقيا عندما سرق منها جمهورها، وحاولت السينما أن تصد الهجوم بالاستعانة بتقنيات العرض المبهر، مثل الشاشة العريضة والألوان، لكنها سرعان ما استسلمت، حتى أنها عادت فصنعت أفلامها بتناسب الشاشة القديم لتلائم العرض في التليفزيون، وانتهى الأمر بنوع من التعايش الإيجابي بين الوسيطين الفنيين، خاصة في عصر ظهور الاندماجات العالمية الكبرى التي تجمع داخل الشركة الواحدة العديد من الوسائط الفنية والتقنية. ومع ذلك، كان يظهر بين الحين والآخر أفلام تنتقد تأثير التليفزيون على المتفرج والمجتمع، لعل أهمها فيلم سيدني لوميت "شبكة التليفزيون"، الذي يحاول من وجهة نظره الكشف عن التحيزات السياسية وراء ما يبدو على السطح معالجة موضوعية، أو فيلم أوليفر ستون "قتلة بالفطرة"، ذلك الهجاء المأساوي الجامح لقدرة التليفزيون على جعل القتلة أساطير إعلامية. لكن السينما المصرية نادرا ما قدمت معالجة جادة لتلك العلاقة وذلك التأثير، برغم أن "صرعة الفضائيات" التي وصلت إلى كل منزل قد مثلت واقعا جديدا كان مادة لبعض الأفلام المصرية. لعلك تذكر مثلا "أصحاب واللا بيزنيس"، الذي دار حول صراع بين صديقين (مصطفى قمر وهاني سلامة) يعملان في هذا المجال، ويتخذان برامجهما أداة لتحقيق مصالح شخصية وغرامية خاصة، بل إن الفيلم يحشر القضية الفلسطينية حشرا، ليقوم باستغلالها كنوع من التطهير الذاتي لأحد البطلين. ويأتي فيلم "جاءنا البيان التالي" دون أي بيان لهدفه، إذ ينقل أحداث فيلم أجنبي يدور عن عالم الصحافة إلى عالم التليفزيون، ليمضي في سلسلة من "النمر" لمحمد هنيدي الذي يظهر في شخصية مذيع تليفزيوني كاريكاتوري. أما "حمادة يلعب" فقد كان ملعبا ومرتعا للممثل الذي يفترض أنه كوميدي أحمد رزق، مع الممثلة غادة عادل، ليدور الفيلم حول مسابقة تليفزيونية للزواج. وبرغم أن أفلام المخرج يسري نصر الله تبدو للمثقفين على أنها جادة، فهي جدية سطحية تماما، إذ تنظر للعالم دائما من وراء زجاج سميك، وهو يجعل عالم التليفزيون مسرحا لفيلمه "إحكي ياشهرزاد"، الذي يمضي بدوره في سلسلة من "النمر" حول ما يفترض أنه مشكلات المرأة المصرية، التي لا يعلم صانعو الفيلم عنها شيئا كثيرا ذا بال!! أرجو أن تكون قد لاحظت يا عزيزي القارئ أن تعبير "النمر" قد تكرر في وصفنا لهذه الأفلام، وهي آفة أصبحت ملازمة للسينما المصرية هذه الأيام، فلا بناء دراميا من أي نوع، بل سلسلة من المواقف التي يمكنك أن تضيف لها أو تحذف منها ما شئت، أو تقدم أو تؤخر فيها وسوف يظل الفيلم على حاله. وصل ذلك إلى ذروته المتهالكة مع فيلم الممثل أحمد مكي الأخير "سمير أبو النيل"، الذي لن يضيف لك شيئا أن تعرف أنه من "تأليف" أيمن بهجت قمر، و"إخراج" عمرو عرفة، فليس فيه تأليف أو إخراج، وإن كان هذا هو التأليف والإخراج الآن في السينما المصرية فلتقل "عليه العوض"!! فإذا كان هناك فيلم يحمل اسم شخصية، فلابد أنها تجسد ملامح لن تنساها أبدا، وتاريخا له أهميته، وشريحة اجتماعية لها وجودها، ومع ذلك فلا شيء من هذا كله. يقضي الفيلم نصف زمن عرضه بالضبط مع هذا الـ"سمير أبو النيل"، ولن تعرف عنه شيئا إلا أنه "بخيل": إنه يؤجر الشقة التي ورثها عن أبيه لإحدى قريباته، لكنه لا يأخذ منها أجرا ويكتفي بأن يفرض نفسه عليها لكي يأكل، كما أنه يمارس نفس الشيء مع خالته (نهير أمين) التي نراها مشغولة بخطبة ابنتها، ويحشر سمير نفسه في الموضوع ليلقي ببعض السخافات على الخطيب (إدوار). وهناك في الخلفية أمين الشرطة أشرف (محمد لطفي) الذي تربطه به قرابة لا نعرفها تماما، لكن هذه الشخصية سوف تصبح "السنّيد" التقليدي للبطل كما هو الحال في السينما المصرية، وأخيرا هناك أيضا امرأة تتصل بسمير من الخارج، ولها لكنة مصطنعة، وسوف تظهر في آخر مشاهد الفيلم لنعرف أن التي تقوم بأدائها هي الممثلة منة شلبي. يمضي سمير (البخيل) في حياته اليومية، ونراه يتشاجر مع البقال، وبائع الفول، ويضرب البلطجية في قسم الشرطة (!!)، كل ذلك في ضجيج سمعي وبصري لا يتوقف، وهي سمة أخرى للسينما المصرية المعاصرة، خاصة أن النكات تنبعث دائما من السوائل البشرية، أو الضرب على الأقفية. ولسبب ما يظهر لسمير أخ (علاء مرسي) يبدو متدينا، لكنه سرعان ما يختفي لننساه تماما. وفي الدقيقة الثلاثين تقريبا تبدأ الحبكة في اتخاذ مسار جديد غامض، فلسمير قريب بالغ الثراء، يخبر بطلنا أنه مريض وذاهب للخارج للعلاج، وأنه سوف يودع عنده ثروة طائلة تقدر بمئات الملايين من الجنيهات. لماذا يأتمنه هذا القريب الثري، ليتركه يضع الأموال في غرفة على السطح؟!! لن تقنعك كل مبررات العالم بسبب مقنع واحد، لكن الفيلم يريد أن تهبط على سمير ثروة هائلة. وما الذي سوف يفعله سمير بهذه الثروة؟ سوف يفتتح قناة فضائية. طيب ما علاقة ذلك ببخله؟ لا شيء بالمرة!! وهكذا تدرك التخبط في الكتابة والإخراج والتمثيل، حيث لا توجد أي وحدة عضوية بين المشاهد، فالمهم هي الفرجة على أحمد مكي وهو يحاول أن يكون مضحكا. في منتصف الفيلم تماما يبدأ هدفه الجديد: السخرية من القنوات الفضائية، حين يفتتح سمير محطة تحمل اسم "صبحة تي في"، بمساعدة سيدة أعمال (نيكول سابا) يمكنك أن تحذف دورها أو تنساها، لكنها تمثل مزيدا من عرض البضاعة أمام الزبون متفرج الفيلم. وهنا تبدأ سلسلة من "تقليد" أحمد مكي لبعض البرامج التليفزيونية، وهو في الحقيقة تقليد ماسخ بلا طعم أو لون: برامج سياسية، ورياضية، وطهي، ونشرة جوية، ومسابقات بلهاء، والإعلان عن مستحضرات وهمية، كل ذلك يساعده فيه قريبه أمين الشرطة الذي طرد من الخدمة، بينما نرى صحافية تسعى إلى فضحه (فضح ماذا؟ لا نعرف بالضبط)، فيتآمر على ضربها ضربا مبرحا. إلى أين سوف ينتهي هذا الخلط؟ بالطبع سوف يدرك البطل خطأه (مرة أخرى: ما هذا الخطأ؟ لا ندري تماما)، ويعود قريبه الثري للظهور فنعرف أنه احتال عليه ليقوم بدلا عنه بغسيل أمواله القذرة، كما نرى الشقيق المتدين وقد افتتح محطة فضائية تحمل اسم "سبحة تي في"، في إشارة لاتجاه قديم جديد لم يجرؤ الفيلم على معالجته بجدية، وأخيرا ترجع الحبيبة الغامضة من السفر الطويل، وتقرر الزواج من سمير، الذي يعود لممارسة البخل من جديد. الغريب في الأمر كله أن المتفرج العادي يعرف من خبايا عالم القنوات الفضائية أكثر مما قاله الفيلم بكثير، كما أن المعالجة افتقدت العمق أو خفة الظل، وليس هناك سبب واحد لصنع الفيلم، إلا أن يكون بدوره نوعا من "الغسيل"!! لكن الأهم في ذلك كله أن السينما المصرية لم تدرك حتى الآن الفرق بين الوسيط السينمائي والوسيط التليفزيوني، فإذا كان هذا الأخير يحتمل التكرار والمط والتطويل، لأن المتفرج قد يقطع المشاهدة بممارسة بعض نشاطاته المنزلية، فإن السينما تعتمد على التكثيف والتركيز والاختزال، لأنه يفترض فيها أن تستغرق المتفرج تماما في ظلام قاعة العرض. وإذا كان التليفزيون لا يتعارض مع قدر من المبالغة، فشاشته صغيرة في كل الأحوال، فإن المبالغة على شاشة السينما الكبيرة تبدو نوعا من الغلظة المنفرة. لذلك إذا كانت هناك تهمة يمكن أن نوجهها إلى التليفزيون لأنه قد يعمد إلى تضليل المتفرج، فإن تهمة السينما المصرية المعاصرة أفدح، لأنها تحول المتفرج إلى كائن يفتقر إلى أدنى قدر من رهافة الإحساس، وإدراك العقل.

Sunday, May 05, 2013

البطل والبطولة في السينما المصرية


فجأة بات صناع السينما المصرية مشغولين بسؤال بدا بالنسبة لهم ملحا: ما هي ملامح بطل المرحلة القادمة في السينما المصرية؟ وهو سؤال منطقي ومشروع لو كانت هذه السينما مؤسسة صناعية بحق، وليست بالعشوائية التي تسير عليها منذ عقود. فصناعات السينما الجادة تقوم بالفعل باستشارة مؤسسات علمية في مجال علم الاجتماع والسياسة، لتستشرف بين مرحلة وأخرى ملامح البطل الذي يجب أن تعمل السينما على التأكيد عليه، حتى تضمن أن أفلامها سوف تلقى صدى وهوى من جانب الجمهور. لكن السينما المصرية يؤرقها سؤال آخر وإن لم تفصح عنه: هل سوف يستمر نجوم المرحلة الحالية في اجتذاب رواد شباك التذاكر؟ بكلمات أخرى: هل أحمد السقا مثلا يصلح أن يكون "نجم شباك" كما كان منذ عقد مضى؟ لكن صناع السينما المصرية كان ينبغي عليهم أن يصيغوا السؤال كالآتي: ما الذي جعل أحمد السقا نجما خلال هذه الفترة؟ وهل هذه الأسباب ما تزال قائمة؟ وفي الحقيقة أن النجومية في السينما مرهونة دائما بمفهوم "البطولة"، فالنجم هو البطل في عين المتفرج، وعندما يحدث التوحد بينهما يشعر المتفرج بالبطولة أيضا. غير أن معنى البطولة لا يخلو من ضبابية والتباس أيضا، فهي ليست دائما ذات دلالة تتعلق بالفارس القديم المغوار، الذي لا يشق له غبار، كما كان أبو زيد الهلالي مثلا، الذي يصلح بطلا في سياق مجتمع يؤمن بقوة الساعد والسيف، فقد كان علي الزيبق في سياق آخر بطلا، وهو الذي يعتمد أكثر على الحيلة والدهاء. يمكنك ببساطة أن تقول إن الهلالي هو "البطل"، بينما الزيبق هو "البطل المضاد"، والأول يجسد السمات الإيجابية الصريحة للبطولة، لأن مجتمعه وزمنه يؤمنان بهذه السمات في سياق يضع خطا فاصلا بين القوة والضعف، أما الثاني فقد جاء في مجتمع أكثر تعقيدا بكثير، حيث تشوش هذا الخط الفاصل، ولم يعد القوي بطلا بل شريرا، لذلك كان من الضروري ولادة بطل مضاد، قد لا يخلو أحيانا من دوافع شريرة، أو قد يعمد إلى استغلال وسائل غير شريفة، لأن سياقه هو الذي يدفعه لذلك. عرفت السينما هذين النوعين من البطولة بتنويعات متعددة، وسوف أضرب لك مثلا واحدا: في فترة الكساد الاقتصادي الذي ضرب المجتمع الأمريكي في ثلاثينيات القرن الماضي، بدت السينما الأمريكية حائرة، فهي لا تريد أن تصنع أفلاما "واقعية" لأن الجمهور لديه ما يكفيه من مرارة الواقع، وكان الحل هو ولادة صورتين متناقضتين للبطل على الشاشة، كانت الأولى مجسدة في إيرول فلين ودوجلاس فيربانكس، اللذين يتمتعان بجسد رياضي، ويصوران أبطالا "فرسانا" يخوضان المعارك النبيلة ويفوزان فيها، ليمنحا المتفرج جرعة من التفاؤل (حتى لو كان زائفا)، أما الصورة الثانية فتجسدت في بول موني وجيمس كاجني، بطلي أفلام العصابات، وهي الأفلام التي كانت تصور بطلا مضادا اختار طريق الجريمة في مجتمع ظالم، ليفرغ المتفرج معه شحنة الانتقام من هذا الظلم، وإن كانت السينما تعاقبه في نهاية الفيلم، بعد أن تكون قد احتفت واحتفلت بانتصاراته!! سوف نتوقف هنا والآن عند تنويعات "البطل" كما قدمتها السينما المصرية، وربما تجسد التنويع الأول في حسين صدقي أو محمد أفندي بطل "العزيمة"، إنه ابن الطبقة الفقيرة الباحث لنفسه عن مكان تحت شمس الحياة، في ظل مجتمع كان يعاني من الطبقية والاستعمار معا، ويقف على مشارف الحرب العالمية الثانية التي سوف يخوضها دون أن تكون له ناقة أو جمل فيها، ويعاني محمد أفندي في طريقه للصعود، لكن الفيلم يقول له إن نجاحه مرهون بقبوله بالشروط الاجتماعية السائدة، التي تتضمن طلبه المساعدة من "الباشا". وهكذا تعني البطولة التمسك بالأخلاقيات الراهنة، دون أدنى قدر من التمرد عليها. ومع اقتصاد الحرب العالمية، كانت هناك فرصة "مالية" (ولا نقول اقتصادية) لبروز أكبر لأبناء طبقة متوسطة، ما يزالون بدورهم يعبرون عن التقيد بالأخلاقيات دون التمرد على الظروف، ويمكنك أن تتأمل صورة البطل عند أنور وجدي، الذي قد يكون من أبناء الطبقة المتوسطة متواضعة الحال، كما في ”ليلى بنت الأغنياء"، أو حتى معدما فقيرا كما في "ياسمين"، لكنه دائما نقي شريف شديد الإخلاص في مشاعره وعواطفه، وهو أيضا ينتظر الفرصة لكي يعطف عليه "الباشا" الذي يعيد الحق إلى نصابه. وإذا كان ابن الطبقة المتوسطة قد أصبح محاميا مثل كمال الشناوي في "الأستاذة فاطمة"، يحاول أن يواجه متاعب الحياة بخفة ظله وروحه، فإن النموذج الأكثر امتثالا للواقع ظهر واضحا مع بطل عماد حمدي، الذي كان يمثل اجترارا للمرحلة السابقة على ثورة 1952، التي شعرت خلالها الطبقة الوسطى أن عليها مجاراة الواقع، حتى لا تلقى عقابا بالطرد من جنة الأغنياء. اختلف الأمر تماما في المرحلة التالية، حين كان مشروع الثورة هو ذاته مشروع الطبقة الوسطى، القائم على الحق في الفرصة المتكافئة، ولم يعد البطل مضطرا لإظهار الخضوع والخنوع، بل إنه أصبح أكثر انفتاحا وإقبالا على الحياة، وتلك هي الصورة التي انعكست في أبطال أحمد رمزي وحسن يوسف والعديد غيرهما، وإن كان من المهم هنا أن نذكر أهمية صورة "البطلة" أيضا، كما جسدتها سعاد حسني ونادية لطفي، وهي الصورة التي عكست جانبا مطمئنا للحاضر، ومتفائلا بالمستقبل. جاءت السبعينيات لتنذر بانقلاب خفي في البداية، صريح في النهاية، على كل المشروعات القومية للطبقة الوسطى، وإن كنت في شك من ذلك أرجو أن تتأمل صورة البطل كما جسده حسين فهمي أو محمود ياسين، وحاول أن تتذكر ماذا كان يعمل هذا البطل ليكسب عيشه، وما الذي يؤرقه، وسوف تكتشف أن حياة مثل هذا البطل تدور وجودا وعدما حول قصص حب فارغة من المعنى (إلا فيما ندر)، وهذا ما انعكس في صورة أبطال آخرين مثل نور الشريف أو محمود عبد العزيز، فقد اختار نور أن يعود إلى عالم زائف لم يتخلص من أصوله الأجنبية، مثل "الكونت دي مونت كريستو" الذي تحول إلى "دائرة الانتقام"، أو "قطة على سطح صفيح ساخن" الذي تحول إلى "قطة على نار"، وربما لم يتخلص نور الشريف من تصوراته في الأداء التمثيلي إلا مع معالجات أكثر نضجا، كما في "الصعاليك" لداوود عبد السيد، عن رحلة الصعود في ظل اقتصاد الانفتاح الاستهلاكي، أو "كتية الإعدام" لأسامة أنور عكاشة وعاطف الطيب عن حرب أكتوبر التي سرق اللصوص مكاسبها، والأهم "سواق الأتوبيس" عن ابن الطبقة الوسطى الغارقة في طوفان اجتماعي قاسٍ. أما محمود عبد العزيز فقد بدأ تقليدا باهتا لحسين فهمي، كما في "المتوحشة" الذي كان بدوره تقليدا لفيلم "خللي بالك من زوزو"، لكن سرعان ما أدركته أيضا تغيرات جسمانية، أهلته للتعبير عن تغيرات اجتماعية طاحنة كما في "العار" و"الكيف"، حتى لو كان ذلك قد أتى في نغمة ميلودرامية صاخبة زاعقة. ولعل آخر تجليات ابن الطبقة المتوسطة في أوضح صورها كان ممدوح عبد العليم في "سوبرماركت"، البطل الضائع في سياق أصبح فيه كل شيء مطروحا للبيع. وبعدها، ومنذ ما يقرب من نصف قرن، تزايدت الصورة الباهتة للبطل في السينما المصرية، كما جسده أحمد السقا وكريم عبد العزيز وأحمد عز وغيرهم، وقد يشغل هذا الفيلم أو ذاك باله قليلا بأن يذكر لك مهنة البطل، لكنه ينساها تماما بعد ذلك، فكل ما يهتم به هو رسم ملامح بطل "رِوِش" بتعبير الشباب (ربما تغير هذا التعبير الآن، فقد أصبح شباب خمسة عشر عاما مضت كهولا)، وكأن السبعينيات قد عاودت الظهور مرة أخرى، حين لم يعد هناك وجود لمشروع قومي ما، واختلطت المعاني والدلالات، وأصبح الطوفان قريبا، وإن كانت السينما المصرية تفعل المستحيل لكي ينساه المتفرج، ليغرق في أوهام بطولة زائفة، هي أقرب لمفهوم "البطل المضاد"، الذي يحتاج بدوره أن نتوقف عنده قليلا. قد يكون مفاجئا لنا أننا بقدر قليل من التأمل لتاريخ صورة "البطل" في السينما المصرية، سوف نكتشف أنها كانت في أغلب الأحوال صورة باهتة، بينما كانت صورة "البطل المضاد" أكثر قوة ووضوحا، وربما أكثر جاذبية أيضا!! فليس من الغريب على المتفرج أن يرى بطلا ممتثلا للواقع، يرضى بالقليل حتى ينعم بالكثير في نهاية الفيلم، تعبيرا عن حلم مؤجل التحقيق، لكن من المثير بحق أن يكون هناك بطل مضاد، متمرد على الواقع، ويحاول معرفة نقاط الضعف في المجتمع لكي ينفذ منها ويحقق أهدافه، وينتصر في النهاية، وإن كان أحيانا انتصارا بطعم الهزيمة. وإذا تساءلت كيف يمكن لبطل مضاد أن يكون جذابا، فسوف أذكرك على الفور بأفلام فريد شوقي عندما كان لقبه الأثير هو "وحش الشاشة"، لقد كانت تلك هي الخمسينيات التي نؤكد دائما على أنها كانت فترة الميلاد الحقيقي للطبقة الوسطى في المجتمع المصري، فكيف يمكن أن تشهد بطلا متمردا؟ علينا أن نتذكر بعض الحقائق في هذا السياق، أولها أن الفلسفة الاقتصادية لثورة يوليو لم تكن قد تبلورت بعد كما تبلورت في بداية الستينيات، لذلك لم يكن تكافؤ الفرص قد أتى بثماره الكاملة. من جانب آخر فإن البطل المضاد يعبر عن التمرد، وهو تمرد لم يكن مسموحا به قد في المرحلة السابقة، فعندما حاول عماد حمدى بطل "السوق السوداء" في عام 1945 أن يتمرد على المظالم الاجتماعية، تقرر على الفور رفع الفيلم من دور العرض!! قارن ذلك بأفلام "ملك الترسو" (أحد ألقاب فريد شوقي الأخرى)، التي كانت شديدة الجماهيرية. وإذا كان فريد شوقي قد جسد بطلا إيجابيا في "رصيف نمرة 5"، يعمل في سلاح خفر السواحل ليحارب تجار المخدرات، فإنه أيضا قد جسد بطلا مضادا لا يقل جماهيرية في "حميدو"، تاجرا للمخدرات هذه المرة، وإن كان الفيلم يعاقبه بالطبع في النهاية. بعدها استولى الولع على فريد شوقي في تصوير مثل هذه الشخصيات، وإن كان البطل المضاد عنده يمثل شرا أقل وأخلاقيات أكثر بالمقارنة مع شرير آخر كان يجسده دائما محمود المليجي، الذي كان الجمهور ينتظر المعركة الفاصلة بينهما في النهاية، التي لابد أن تنتهي بالطبع لصالح فريد شوقي. قد يكون مهما أيضا التأكيد في هذا السياق على أن صورة هذا البطل المضاد جاءت لأسباب فنية في جانب منها، وهي محاولة السينما المصرية تقديم نمط "الأكشن" بطريقتها التي برع فيها بحق المخرج نيازي مصطفى. لكن هذا البطل المضاد اختفى من السينما المصرية حتى عاود الظهور في صورة كوميدية هذه المرة، بتجسيد عادل إمام. وفي الحقيقة أن القول بأن نجومية عادل إمام تعود إلى موهبته التمثيلية فيه بعض المبالغة، فهو ينقل نفس البطل من فيلم إلى آخر، لكن ذكاءه الحقيقي يكمن في استغلال السياق الاجتماعي، الذي بدا مع نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات لا يعد بخير للباحثين عن مكان يليق بهم، وأصبح تحقيق الحلم مرهونا بالتسلق على الظروف الظالمة ذاتها. وليس غريبا أن معظم أفلام عادل إمام تمثل رحلة، في المكان أو في الطبقات الاجتماعية، مثلما كانت روايات "الصعاليك" الإنجليزية في القرن الثامن عشر، ويمكنك أن تتأمل "المحفظة معايا" أو "المتسول" أو "الأفوكاتو" أو "شعبان تحت الصفر"، أو حتى "حتى لا يطير الدخان الأكثر قتامة"، لترى بطلا مضادا يعرف من أين تؤكل الكتف، وهو لا يتمرد على الظروف ولكنه يستغلها لصالحه، أي أنه لا يسعى إلى تغييرها بل إلى اللعب بشروطها. ويمكنك أن تلخص رحلة عادل إمام وبطله المضاد معا في أن كلا منهما يلعب دور الفهلوي في السينما وخارجها معا، فهو يدعي العلم بأشياء ليست أبدا في نطاق معارفه، وهو يستخدم حيل "الشطارة" إذا اضطرته الظروف لذلك، ويجيب عن أكثر الأسئلة جدية بما يتصوره خفة ظل حتى لو لم يكن السياق يسمح بذلك، وباختصار فإنه يتقمص شخصية "جحا" مصري معاصر. غير أن عادل إمام كان تجسيد كوميديا نادرا في السينما المصرية للبطل المضاد، بينما ظهرت صور أخرى جادة وقاتمة، وإن كانت ملغزة وملتبسة أحيانا، فما الذي يجسده مثلا نور الشريف بطل فيلم "العار"؟ إنه الابن الذي عاش خلي البال في كنف أبيه ، حتى تقع عليه الصاعقة مع اعتراف الأب وهو على فراش الموت أنه رباهم من تجارة المخدرات، وأن على الابن أن يمضي في عملية تهريب أخيرة وضع فيها الأب كل ثروة الأسرة، وهي حبكة ميلودرامية مصطنعة لا تعبر إلا عن واقع فاسد، وتمنح البطل المضاد اختيارا متعسفا بين خسارة كل شيء أو السباحة في بحر الفساد حتى يفوز بالغنيمة!! لكن أحمد زكي كان الأكثر تعبيرا بحق عن البطل المضاد المعاصر، وربما ساعدته ملامحه المصرية الخالصة، وامتلاكه لموهبة حقيقية في التمثيل، بل أيضا تجربة شخصية لا تخلو من المعاناة، على تجسيد بطل الطبقتين الفقيرة والمتوسطة، وهو بطل لا ينعم بأي انتصار، بل ربما يلقى مصرعه في النهاية كما في "عيون لا تنام" أو "موعد على العشاء"، أو قد ينتهي به المطاف وراء أسوار السجن كما في "أحلام هند وكاميليا". وقريبا من ذلك البطل المضاد جاء تجسيد يحيى الفخراني في بعض أفلامه القليلة لبطل الطبقة الوسطى، الباحث دون جدوى عن النجاة من الطوفان، ولعل أكثر هذه التجسيدات وضوحا في فيلم "عودة مواطن"، للبطل الذي عاد من الغربة بأمل استعادة لم شمل الأسرة الصغيرة، لكنه اكتشف أن كلا من أفرادها ذهب إلى سبيل خاص به. عاود البطل المضاد الظهور في أفلام متناثرة، لكنها بالغة الدلالة، في الإشارة إلى سياق الانسحاق أمام تغيرات اجتماعية وسياسية جارفة، ففي "المرشد" من بطولة وإنتاج محمود الجندي بطل مضاد لا يجد قوت يومه من عمله اليدوي، فيلجأ للنصب واللصوصية، مما يوقعه فريسه في يد ضابط شرطة يساومه لكي يعمل "مرشدا" يبلغ عن زملائه، وهو ما يعتبره هذا البطل المضاد مهينا للكرامة أكثر من فاقته المالية، فتصبح هزيمة هذا الضابط – بوسائل عديدة – هي حلمه الوحيد الذي يعيش من أجله. أما محمود حميدة في "فارس المدينة" فهو "فارس" من نوع جديد، فارس عالم تهريب العملة والتجارة غير المشروعة فيها، وإذا كان هذا يبدو للوهلة الأولى نوعا من الشر الكريه، فإنك سوف تكتشف أن هناك ما هو أكثر شرا وخطرا بكثير، ليكون على فارس أن يخوض معركة فرضت عليه فرضا، ويخسر كل شيء في النهاية، ولا يكون أمامه خيار سوى أن يبدأ من جديد. أخيرا فإن هناك من جديد بطلا مضادا قد يسهل علينا أن نطلق عليه صفة "الكوميدي"، وإن كان للتهريج أقرب، ذلك هو بطل محمد سعد "لمبي"، الذي لا تدري إن كان أبله أم أنه يدعي البلاهة، وهو شخصية أثارت جدلا كبيرا بين بعض نقاد السينما المصرية، فقد اعتبره جانب منهم ظاهرة تشير إلى "سينما جديدة"، بل ذهب بعض المثقفين إلى أنه البطل الأهم منذ بطل فيلم "العزيمة".... وفي الحقيقة، وكما ترى، فإنه ليس بطلا، بل هو بطل مضاد، إنه لا يتمرد على الواقع، وليست لديه أية أحلام عن تغييره، وهو لا يقاومه وإنما يغيب عنه وسط دخان المخدرات، إنه باختصار أسوأ صور "البطولة" التي قدمتها السينما المصرية، أو أي سينما في كل أنحاء العالم!!

Friday, May 03, 2013

سينما المؤلف بين الحقيقة والأسطورة


لا يكاد مصطلح "سينما المؤلف" يثار في النقد السينمائي العربي، حتى يقفز للذهن على الفور يوسف شاهين، برغم مفارقة أنه لم "يؤلف" الكثير من أفلامه، أو بالأحرى لم يكتب سيناريوهاتها، وإن كان قد اشترك في كتابة بعضها، وأفضل أفلامه على الإطلاق "الأرض" عن رواية عبد الرحمن الشرقاوي، وسيناريو العديد من الكتاب الذين لم يكن من بينهم. لماذا إذن تنتشر فكرة أن يوسف شاهين "مؤلف" سينمائي؟ الحقيقة أن هناك خلطا بين مفهومين متشابكين، الأول هو أن يكتب المخرج السيناريو بنفسه، وبرغم ذلك فإن أفلامه لا تنتظمها وحدة واحدة، وهذا هو المخرج "الحِرَفي الذي "يصنع" أفلامه دون أن تعكس اهتمامات معينة تسيطر على أعماله الفنية، ولك في حسن الصيفي أو ناصر حسين مثالين في السينما المصرية، ولهما عشرات الأفلام التي لم تبق في ذاكرة التاريخ. أما المفهوم الثاني فهو المخرج الذي "يتدخل" في كتابة السيناريو، بحيث يمكنك أن ترى فيها جانبا من قلقه الخاص، الذي يريد دائما التأكيد عليه. لم يكتب ألفريد هيتشكوك مثلا أفلامه، لكنها في أغلبها تنتمي إلى عالمه الخاص، وكثيرا ما تجد عنده بطلا بريئا يتورط دون وعي أو رغبة منه في مشكلة ما، كبيرة كانت أو صغيرة، لا فرق بين "النافذة الخلفية" حيث يجلس صحفي مكسور الساق، مسترقا النظر إلى جيرانه، ليكتشف جريمة قتل فيها زوج زوجته، أو "الرجل الذي عرف أكثر من اللازم"، للبطل السائح الذي يعرف بالصدفة خطة اغتيال كبرى، ويختطف المتآمرون ابنه لكي يمنعوه من إفشاء السر. وقد يحار النقد والنقاد طويلا في تفسير ذلك "الهمّ" عند هيتشكوك، وهل يعكس قلقا شخصيا لا واعيا، أم أنه إشارة إلى عصر التوترات العالمية التي أفرخت حربين طاحنتين وحربا باردة طويلة، لكن أيا كان التفسير فإنها "سينما المؤلف" حتى لو لم يكتب المخرج أفلامه. ومن المفارقات أن فن السينما كان في بداياته لا يعرف فرقا بين كاتب للسيناريو ومخرج، وأن تلك التفرقة جاءت مع "تقسيم العمل" عندما أصبحت الصناعة أكثر تعقيدا، ومع ذلك فإن هذه الفترة الأولى شهدت "سينما مؤلف" راقية رائقة، ولعل أفضل مثال في هذا السياق هو شارلي شابلن، صاحب شخصية "الصعلوك" الذي لم يمنعه فقره من الحفاظ على كرامته وأخلاقياته، والذي انتقل به بين عشرات الأفلام، تراه في "أضواء المدينة" عاشقا لفتاة ضريرة، يساعدها دون أن تعرفه على استرداد بصرها، وها هي في المشهد الأخير تتعرف عليه عندما تتلامس الأيدي، كما يمكنك أن تراه في "العصر الحديث"، عاملا تطحنه الآلة وتطارده السلطة حيثما رحل، لكنه يظل ينطلق دائما نحو أفق متفائل. على عكس هذا التفاؤل، تجد تشاؤما يسري في أفلام المخرج ستانلي كوبريك، الذي يرى أنه لا مستقبل هناك أمام الحضارة الغربية التي سارت في طريق مسدود، وهو في "2001 أوديسّا الفضاء" يشير إلى أن الإنسان الذي بدأ رحلته باختراع الآلة سوف ينتهي عبدا لها، كما أنه في "خزانة مدفع مليئة بالطلقات" يرصد كيف تحول النزعة العسكرية الأمريكية البشر إلى أدوات غير عاقلة للقتل. وبالمثل فإن أوليفر ستون يعكس في أغلب أفلامه حالة من الالتباس التي يعيشها المواطن الغربي، فهو في "جي إف كيه" يحلل خليط المعلومات حول اغتيال كينيدي، وكيف أن الحقيقة ضاعت وسط كل هذا التشوش، كما أنه في "أي يوم أحد" يرى أن عالم الرياضة أصبح انعكاسا كاملا لوهم "الحلم الأمريكي" الرأسمالي الذي يطحن الجميع. لكن من الحق القول أيضا أن صناعة السينما الأمريكية لا تسمح كثيرا بأن يكون للمخرج "رؤية" تنتظم أفلامه، لذلك فإن تلك النزعة لا تظهر إلا في مجال "السينما المستقلة"، حيث يمارس المخرج أدوارا عديدة في أفلام قليلة التكاليف، بلا مخاطرة كبيرة في شباك التذاكر. وعلى العكس تماما من كل التوقعات، عرفت السينما المصرية "سينما المؤلف" دون أن تسميها كذلك، وربما كان السبب هو أن صناعة السينما عندنا ليست من التعقيد بحيث تطلب درجة عالية من تقسيم العمل، كما هو الحال في هوليوود، بل ربما كان الأمر بالنسبة للمنتج أفضل (من ناحية التكاليف!!) أن يقوم المخرج بكتابة السيناريو أيضا. لذلك يمكنك بقدر من التأمل أن تجد سينما المؤلف في مصر عند مخرجين في مجال الأفلام التجارية، مثل أنور وجدي، الذي كان يترك مهمة كتابة الحوار لغيره من المتخصصين، لكنه كثيرا ما يكتب القصة والسيناريو، مثل "غزل البنات" و"ياسمين" و"حبيب الروح"، وهو يصنع هذه الأفلام وعينه على شباك التذاكر، ليقدم "توليفة" بالغة الطرافة من الرومانسية والميلودراما والمطاردات والغناء. تماما كما كان حسن الإمام يميل إلى الحبكات الميلودرامية، التي يشتعل فيها الصراع بين الخير والشر، والتسامح والانتقام، والجسد والروح، مثل أفلامه "اليتمتين" و"بائعة الخبز" و"الجسد"، وإنك لو تأملت القصة التي كتبها لفيلم "خللي بالك من زوزو" لوجدت فيها ذلك كله، وإن كان سيناريو وحوار صلاح جاهين قد أضفى عليها روحا بالغة التفاؤل. على النقيض من حسن الإمام تجد عز الدين ذو الفقار، وهو أيضا لم يكتب سيناريوهات أفلامه وإن كان قد اشترك فيها، وترى عنده دائما روحا رومانسية حزينة متشائمة تسري في أبطال تعذبهم البراءة، في عالم يخلو من هذه البراءة، وحتى عناوين أفلامه تعكس هذه الروح، مثل "سلوا قلبي" أو "وفاء" أو "موعد مع السعادة" أو "موعد مع الحياة"، ومن المؤكد أن القارئ يتذكر تلك القلوب الصافية في "الشموع السوداء" (تأمل العنوان هنا أيضا)، وهي تتحاب برغم كل الفوارق، بينما الشر يخيم بظلاله ويهدد بالكارثة، وليس ما يدل على تلك الروح المتشائمة أكثر من وجود كلب أليف وفي للبطل، بينما الشقيق لا يتورع عن تدبير جريمة قتل! كذلك صلاح أبو سيف، الذي عمل كثيرا مع نجيب محفوظ كاتبا للسيناريو، واختار في الأغلب قصصا تدور حول النوازع والغرائز البشرية التي تحدد العلاقات الاجتماعية، وتجعل من البشر وحوشا، لا فرق بين "لك يوم ياظالم" أو "شباب امرأة"، وإن كان قد خرج أحيانا من هذا العالم الغرائزي ليدخل إلى التحليل الاقتصادي والاجتماعي في أفلام مثل "الفتوة"، ليرصد آليات صعود طغاة السوق بمساعدة فساد السلطة، أو "بين السماء والأرض" حيث انحشر المجتمع في لحظة تحول تاريخي، وهو أخيرا في "البداية" (هذه المرة مع لينين الرملي كاتبا للسيناريو) يقدم حكاية رمزية عن تكون المجتمعات ونشأة السلطة. لكن ربما كان الأجدر بمصطلح "سينما المؤلف" بين المخرجين المعاصرين اثنين متميزين، رأفت الميهي وداود عبد السيد. أما الأول فقد اختار ما أسماه "الفنتازيا" وهو إلى السخرية الجامحة أقرب، سخرية يوجهها إلى أي شيء وكل شيء، إلى الفساد السياسي في "الأفوكاتو"، وإلى علاقات الرجل والمرأة في "السادة الرجال"، والأخلاقيات السائدة في "تفاحة"، وأمور وقضايا فلسفية يتعمد غموضها في "ميت فل" (ويسميه بالإنجليزية "لنقتل أبانا")، لكن هذا الجموح المتزايد أدى بسينما رأفت الميهي إلى نوع من الغربة ولا نقول الاغتراب، حتى أنها فقدت حسها الثوري المفترض. ويأتي داود عبد السيد، لا ليعكس عالما "كليا" في أفكاره وأيديولوجياته، وإنما رغبة أعمق في التعبير السينمائي الصافي على طريقة أنطونيوني وفيسكونتي، حيث لا يمكنك تلخيص العمل في "قصة" أو حبكة، بل لابد لهما من التكامل مع العناصر البصرية. لذلك قد تسيطر السيريالية مثلا على "البحث عن سيد مرزوق"، في ضياع الخط الفاصل بين الحقيقة والحلم، أو قد تطغى روح أفلام العصابات في "أرض الخوف" برغم الإشارات التي تدل على أبعاد فلسفية. وهذا الطموح قد أبعد أفلامه عن الجمهور العريض، وإن كان هو الطموح ذاته الذي حقق لفيلمه "الكيت كات" جماهيرية فائقة ونجاحا نقديا كبيرا، لأنه اعتمد على محاولة الوصول إلى فلسفة الشعب المصرى في بقائه على قيد الحياة، برغم الظروف الطاحنة التي كانت كفيلة بالقضاء عليه. وبرغم اعتماد الفيلم على رواية ابراهيم أصلان بنفس الاسم "الكيت كات"، فإنه يستحق أن يكون مثالا على "سينما المؤلف"، التي لا نعرف عنها الكثير من الحقائق، وإن كنا نردد عنها الكثير من الأساطير.

Monday, March 04, 2013

فيلم "خمس كاميرات مكسورة"

من المؤكد أن وصول فيلم عربي للترشيحات النهائية لمسابقة الأوسكار السنوية يعتبر حدثا فريدا، ليس فقط لأنها المسابقة الأهم على مستوى العالم، على الأقل من الناحيتين الدعائية والتجارية، ولكن لأنها أيضا تلقي الضوء على البلد المنتج للفيلم المرشح، وصناعته السينمائية، ناهيك عن الجوانب السياسية فيه. ومن المؤكد أيضا أن معظم بلدان العالم تغتنم هذه الفرصة لتحقيق مكاسب على كل المستويات، حتى لو كان الفيلم روائيا أو يتناول فترة أصبحت من الماضي البعيد من تاريخ هذا البلد، فكيف الحال وقد وصل هذا العام فيلم تسجيلي، يتحدث عن "هنا والآن"، عن أخطر قضية عاشها ويعيشها الشعب العربي، وسوف يعيشها حتى يستعيد أرضه وكرامته... ذلك هو الفيلم الفلسطيني (الذي شاركت في إنتاجه جهات عديدة) "خمس كاميرات مكسورة"؟! للأسف مر هذا الحدث مرور الكرام، برغم أهمية الفيلم وموضوعه ومضمونه وشكله، وبرغم أن هذه الفرصة قد لا تسنح لنا مرة أخرى قريبا!! يشير عنوان الفيلم "خمس كاميرات مكسورة" إلى الكاميرات التي استخدمها صانع الفيلم اللسطيني عماد برناط، خلال رحلة طويلة من تسجيل كفاح قريته الصغيرة بلعين ضد الجدار العازل الذي تقيمه قوات الاحتلال الإسرائيلي، الكفاح الذي أصبح يشكل الحياة اليومية لأهالي القرية، وأفراحهم وأحزانهم، ومرة بعد أخرى كانت الكاميرا تُكسر على يد الجنود الصهاينة، ليحمل صانع الفيلم كاميرا أخرى، ويواصل كفاحه. قد يبدو للبعض أن اقتران كلمة "الكفاح" بالسينما نوعا من المغالاة، لكن الحقيقة أن الكاميرا السينمائية يمكن أن تصبح بندقية (هل من الغريب أن تكون هناك كلمة واحدة بالإنجليزية للتعبير عن "الطلقة" و"اللقطة"؟)، ومن يحمل الكاميرا وسط أهوال القضايا الساخنة لا يقل أبدا عن الجندي، خاصة في مجال السينما التسجيلية. فهذا النوع من السينما يقوم بمهام بالغة الخطورة قد لا نكون في عالمنا العربي قد أدركنا أهميتها وخطرها بعد، فهي لا تقوم بالتوثيق فقط للحدث، لكنها تنقله إلى كل مكان، لتجعل الجميع مشتركين فيه، حيث لا مجال للتنصل بأن أحدا لا يعرف. ولعل من الأمثلة المهمة في هذا السياق لقطة أصبحت أيقونة في عالم السينما التسجيلية، لطفلة تجري عارية هاربة من قنابل النابالم التي كانت الطائرات الأمريكية تلقيها على المدنيين في حرب فييتنام، فهذه اللقطة تركت تأثيرا كبيرا في الرأي العام الأمريكي، الذي تحول بعدها للوقوف ضد هذه الحرب الظالمة. وللأسف غابت السينما التسجيلية العربية كثيرا عن قضايانا الملحة، وما تزال غائبة إلى حد كبير، وإذا كانت القضية الفلسطينية هي بالنسبة لنا القضية المحورية، ليس فقط لأنها تمس شعبا عربيا يعاني من حرمانه من وطنه، وإنما لأنها هي القضية التي يحدد موقفك منها كل مواقفك الأخرى من قضايا الوطن: الاستقلال والكرامة والتقدم والعدالة. لكن برغم هذا الغياب، يمكننا أن نتعقب فيلمين مهمين سابقين من الأفلام التسجيلية التي تناولت قضايا فلسطينية، لندرك أهمية هذه السينما. الفيلم الأول هو "الطريق 181"، الذي اشترك فيه الفلسطيني ميشيل خليفي مع إيال سيفان الذي رفض أن يعيش في إسرائيل، بعد أن تيقن أنها تمثل وجها فاشيا للاستعمار الغربي. وعنوان الفيلم يشير إلى الخط الذي وضعته الأمم المتحدة في عام 1947 ليفصل بين دولتين، الأولى لشراذم الصهاينة وعصاباتهم، والأخرى للفلسطينيين الذي طُردوا من أرضهم. وفي الفيلم يقطع المخرجان رحلة طويلة من الجنوب إلى الشمال، متتبعين هذا الخط الذي انتهكه الصهاينة طويلا، بل كان سببا في اندلاع حروب عدوانية عديدة ضد العرب، طوال ما يزيد على خمسين عاما من رسمه. وفي الفيلم يتبدى دائما وجه عنصري بغيض من جانب الصهاينة، وقد ترى أحيانا يهوديا عريبا مهاجرا من بلد عربي، ليحكي لك عن أنه لم يجد بعد هجرته "وطنا" بالمعنى الحقيقي، لكن الأغلب هو أن تسمع من "الإسرائيليين" قولهم أنهم يتصورون العالم أفضل لو تمت إبادة الفلسطينيين. ولا يتورع الصهاينة عن استخدام تعبيرات "نازية" بالمعنى الحرفي للكلمة، حيث يتحدثون عن "محرقة" للعرب، ويخبرك أحدهم في صفاقة استعمارية صريحة: "سوف نتخلص من أهم مشكلاتنا لو فعلنا مع العرب ما فعلته أمريكا مع الهنود الحمر"!! وفي لحظة كاشفة يذكِّر صانعا الفيلم بعض الصهاينة، بالقصة التوراتية التي تحكي عن النبي سليمان، الذي أتته امرأتان تتنازعان طفلا، ليأمر سليمان بتقسيمه بينهما، ليطرحا السؤال: من التي ارتضت بالتقسيم، الأم الحقيقية أم الأم الزائفة؟!! يمكنك أن تجد الإجابة في فيلم تسجيلي آخر، هو "جنين جنين" للممثل السينمائي والمسرحي محمد بكري، إنه الفيلم الذي يسجل لتدمير مدينة جنين على يد المحتل الإسرائيلي، فالأم الزائفة، اللصة، لا تتورع عن التدمير، لأن ما يتم تدميره ليس وطنها، وإنما الأرض التي تنوي اغتصابها حتى لو كانت خرابا. وبرغم أنه كان من الممكن لمحمد بكري أن يكتفي بشهرته التي وصلت إلى مصاف العالمية، فقد قرر استغلال هذه الشهرة لكي يطرح على العالم كله قضية شعبه، ليسجل شهادات سكان مخيم ومدينة جنين، اللذين اجتاحتهما القوات الصهيونية، وقتلت المئات ودفنتهم تحت الأنقاض، ولم تترك حجرا أو شجرا في مكانه، إذ اقتلعت الجرافات الإسرائيلية الجمادات والأحياء من جذورها، لكن الفيلم يقول لك ببساطة ودون أي تصنع أن من المستحيل أن تقتلع شعبا من جذوره. لقد منعت إسرائيل الأمم المتحدة من إرسال لجنة تقصٍ للحقائق في جنين، فقرر بكري أن يقدم هذه الشهادة للعالم كله، ويسجل مقابلات مع من عاشوا المذبحة واستطاعوا البقاء على قيد الحياة، العجائز والأطفال، الرجال والنساء، الأصحاء والمعوقين، والجادين والساخرين... وقد نرى طفلة أو رجلا يحكيان عن ألم المعاناة، والاستمرار مع ذلك في المقاومة، لينفجرا في البكاء بسبب الشعور أن الجميع قد تخلى عنهم. وفي أحد مشاهد الفيلم ينفجر رجل بالصراخ: "وينك ياالله؟"، ليتمتم بعدها: "أستغفر الله العظيم". هذا إذن شعب قرر أن يحارب وحده واحدة من أشرس القوى العسكرية في العالم، قرر أن يقاوم بكل الوسائل الممكنة، ومنها "سلاح" السينما التسجيلية، التي استخدم من أجلها عماد برناط "خمس كاميرات مكسورة"، وسوف نراه في الفيلم قد تعرض لجرح بالغ كاد أن يودي بحياته، مما دفع زوجته لنصحه أن يتخلى عن الكاميرا، ويفكر في أسرته وأبنائه الأربعة، لكنه برغم الكاميرات المكسورة لا يعرف معنى لانكسار الإرادة، ويصنع فيلمه عبر سنوات طويلة، ويذهب لحضور حفل الأوسكار بعد ترشحه للتصفيات النهائية، ليتعرض للاحتجاز ساعات طويلة في المطار هو وأسرته، لولا تدخل السينمائي التسجيلي مايكل مور!! لقد اعتبرته السلطات الأمريكية التي تزعم الديموقراطية إرهابيا، لأنه فلسطيني، ولأنه حمل معه "وثيقة" وشهادة إرهاب رأس الحربة الصهيوني للاستعمار الأمريكي في المنطقة، ولأن أمريكا تعرف خطر السينما التسجيلية، التي نرجو أن تدرك الأنظمة العربية أيضا في يوم ما خطرها. لعل أهم ما في فيلم "خمس كاميرات مكسورة" هو أنه يمسك بجوهر السينما التسجيلية: إنك تحمل كاميرتك في الواقع الحي، لتسجل الأحداث وهي تقع، وربما على الأرجح لا يكون بإمكانك التدخل في مجرياتها أو مجراها، كما أنك لا تعرف ما سوف تنتهي إليه الأمور. لكنك بتلك التلقائية تضع المتفرج في قلب الحدث، وتتركه مع الأسئلة المطروحة، وقد تساعده بشكل أو بآخر على الوصول إلى إجابة، من خلال المونتاج في أغلب الأحوال، حين استطعت بعد نهاية التصوير أن ترتب اللقطات وتعيد ترتيبها. في الفيلم إذن وقائع الحياة اليومية لقرية بلعين الصغيرة في الضفة الغربية المحتلة، لكنها الحياة التي اكتسبت شكلها وإيقاعها من النضال ضد جدار عازل، تقيمه قوات الاحتلال بزعم أمن وأمان الكيان الصهيوني، على حساب سرقة أراضٍ جديدة كل يوم من الشعب الفلسطيني. وفي كل يوم تخرج مظاهرات ضد هذا الجدار، الذي يقتلع في طريقه عشرات أشجار الزيتون التي مدت في الأرض جذورا عميقة، وسوف تنتابك القشعريرة وأنت ترى تلك االلقطات لاقتلاع الأشجار، لكنك سوف تشعر بالكرامة والكبرياء أيضا لانتمائك إلى عروبة هذا الشعب الذي يرفض كل أشكال الاقتلاع. وفي كل مرة يقتلع فيها العدو أشجارا، يحمل الرجال والأطفال نَبْتات زيتون جديدة يزرعونها، وكأنهم يقولون دون كلمة واحدة: هذا وطننا، وسوف يبقى وطننا إلى الأبد. ومع كل هدم لمنزل يبنى أبناء الشعب الفلسطيني بيتا جديدا، ومع كل عدوان من الجنود الصهاينة، يترك وراءه جرحى وشهداء، وبعد تشييع الجنازات، يقيم أهل القرية احتفالات يغنون فيها ويرقصون للوطن، وسوف يتوقف بك الفيلم عند بعض الشخصيات ذات الأثر الخاص، مثل "الفيل"، ذلك الشاب صاحب الروح الطفولية المبتسم دائما، والذي يقود المسيرات بشعارات لا تخلو من المرح، أو مثل "أديب"، الرجل الغاضب الصاخب، الذي يواجه جنود الاحتلال بإصرار لا ينفد أبدا، أو مثل "الضبع"، شقيق الفيل، الذي لن تنسى لقطة القبض عليه على أيدي قوات الاحتلال، التي لا تتورع عن إطلاق الرصاص على ساقه وهو مقيد، لعلهم يكذبون بالقول أنه كان يقاومهم. كل ما في القرية يحمل بصمات المقاومة، حتى أبناء صانع الفيلم الأربعة الذين سوف نعرف أن مولد كل منهم اقترن بحادث مهم من تاريخ القرية والمقاومة الفلسطينية، لكن الفيلم يجعل من الابن الصغير "جبريل" محورا يمتد في الفيلم كله، منذ أن كان رضيعا وحتى نطقه بأول الكلمات، التي لن يدهشك أن تكون "جدار" و"مطاط" و"جيش"، ثم ذهابه مع أقرانه إلى المظاهرات، وتعرضه للقنابل المسيلة للدموع، وعندما تعلم الكتابة خط اسمه على الجدار. في المقابل هناك الجد العجوز والد صانع الفيلم، الذي يشهد المرة بعد الأخرى القبض على أبنائه، أو حتى إصابتهم بالرصاص، إنه يقاوم قوات الصهاينة عند القبض على ابنه الصغير خالد، ويرمي بنفسه على السيارة المصفحة، لكنك لا تراه يبكي أبدا، فقد أصبحت حياته سلسلة من ألم فراق أبنائه، وفرحة اللقاء بهم عند الإفراج عنهم. ولعلك تسأل نفسك وأنت تشهد لقطات القبض على الإخوة: ما هو موقف صانع الفيلم في تلك اللحظة وهو يلتقط هذه اللقطات ذاتها لأشقائه؟ وهذا بالفعل هو أحد الأسئلة الجوهرية في عالم السينما التسجيلية، إنه سؤال أخلاقي وجمالي في وقت واحد، لكن الإجابة الملتبسة تصل في أغلب الأحوال إلى أن الكاميرا هنا تمد يد المساعدة بطريقتها، إنها بتسجيلها للواقعة تساهم في أن تجعل العالم كله يراها، ليأخذ موقفا منها. وقد يبدو الفيلم في بعض أجزائه أقرب لروح الهواية وعدم الإتقان الحرفي، لكن ذلك لم يعد اليوم يشكل جانبا سلبيا على الإطلاق في السينما التسجيلية، بل إن السينما الروائية تحاول أحيانا الإيحاء بواقعية لقطات ما، فتستخدم تلك "الخشونة" الأسلوبية عن عمد. لذلك فإن روح الأصالة والصدق تتبدى في اللقطات التي اهتزت فيها الكاميرا، أو كانت الصورة ضعيفة الجودة، بل إن من أهم لقطات الفيلم تلك التي تتقطع فيها حبيبات الصورة وخطوطها، في اللحظة ذاتها التي "تنكسر" الكاميرا، ولكل كاميرا مكسورة من هذه الكاميرات الخمس تاريخ ميلاد ووفاة، يسجلها الفيلم على الشاشة، كما يسجل واقعة إصابتها، بقنبلة غاز أو حتى رصاصة، فكأنها شهادة لا يمكن إنكارها على بشاعة الاحتلال وقواته الغاشمة. وإذا كانت قد هزتك لقطات مداهمة البيوت، والقبض على الأطفال، وإغراق القرية في وابل من القنابل المسيلة للدموع، فماذا أنت قائل عن لقطة مصرع "الفيل" بطلقة قاتلة؟ إنك قد شاهدت كيف استطاع الفيل أن يعيش مبتسما على الدوام، حتى أنك عشت معه يوما بيوم، ولم يكن صانع الفيلم يعلم عندما بدأ تصويره أنه سوف يسجل يوما مصرع هذا الشاب الذي يفتح ذراعيه للحياة، لكن تلك بدورها إحدى النقاط الإيجابية في السينما التسجيلية. ولا يمضي الفيلم أبدا لاستغلال هذا الحدث المفجع وتحويله لبكائية، لكنه يسجل "احتفال" توديع القرية له، وقد غطت صور الشهيد جدرانها، ووضع الأطفال على وجوههم أقنعة تمثل وجهه المبتسم، بينما يقابل جنود الصهاينة تلك المظاهر بالعنف المفرط. وأكثر من مرة تمتد يد غاشمة لتسد عدسة الكاميرا، مرة على يد جندي وأخرى بيد مستوطن، لكن ليست هناك مطلقا أية قوة تستطيع أن تمنع الحقيقة في السينما التسجيلية من أن تصل إلى العالم كله، خاصة إذا كانت مصحوبة بذلك التعليق الهادئ من خارج الكادر بصوت صانع الفيلم عماد برناط، مصحوبا بعزف منفرد على عود أو ناي. لقد أصبحت السينما التسجيلية اليوم، أكثر من أي وقت مضى، لغة تكاد أن تصل إلى درجة "الكلام"، أي أنها لغة يتحدث بها الجميع إبداعا وتذوقا، فلم تعد السينما التسجيلية الآن غريبة على الواقع اليومي لمتفرج يتعامل كل لحظة مع مادة تسجيلية ما، سواء في نشرات الأخبار التليفزيونية، أو في اللقطات والأفلام القصيرة بالمئات والآلاف على شبكة الإنترنيت. ومن السهل اليوم امتلاك كاميرا تصور بها وقائع من حياتنا اليومية، ومن السهل أيضا وجود برنامج للمونتاج على الكومبيوتر، حتى أن من المثير للاستغراب حقا السؤال حول السبب في عدم ازدهار السينما التسجيلية في العالم العربي الآن. ربما يكمن الجانب الأكبر من الإجابة في مجالات ليست سينمائية تماما، مثل نظرتنا إلى الثقافة بشكل عام، وموقع السينما منها، وهل السينما مجرد أداة للترفيه حتى أنها تقنصر على السينما الروائية التجارية فقط، أم أن لها آفاقا أوسع لابد لنا من ارتيادها حتى ننتمي بحق إلى عصرنا. لكن قد يكون هناك جانب آخر من الإجابة يكمن في تصورنا عن المعرفة، وعلاقتها بالحرية، إنك لو سرت في أي شارع عربي لوجدت عشرات الموضوعات والمشكلات التي يستحق كل منها فيلما تسجيليا، لكن الأمر مرهون بإرادتنا وحريتنا أن نعرف، لذلك فإن من المثير للأسى حقا أن يكون لدينا فيلم عربي في مسابقة الأوسكار، ثم يمر مرور الكرام، برغم أنه يثبت أن الكاميرات قد تنكسر، لكن الإرادة يجب ألا تنكسر أبدأ!!