Saturday, April 28, 2012
نجيب محفوظ قلب الثائر وعقل الصوفى (نشرت فى سبتمبر 2006)
Wednesday, April 25, 2012
مقالة قديمة عن الأيام الخوالى...... عن أبى وعبد الحليم وعبد الناصر
كان أبى رحمه الله إنساناً بسيطاً، فى عمله وحياته وملبسه ومأكله ومشربه، وعندما يخلو إلى نفسه بعد عناء يوم طويل يجلس إلى جوار المذياع، لا يسمع فيه إلا تلاوة القرآن ونشرة الأخبار وأم كلثوم، ولم تكن له علاقة مباشرة بالسياسة، لكننى أدركت من حرصه على سماع النشرة اهتماماً عفوياً وأصيلاً بأحوال البلاد فى تلك الفترة من بدابة الخمسينات. مازالت أذكر ذلك اليوم، وأنا أراه يستمع إلى خبر عن نجاح الضباط الأحرار فى توقيع اتفاقية الجلاء "بدون قيد أو شرط"، فى تلك اللحظة نظر تجاهى وابتسامة الفرحة تنطلق على شفتيه اللتين كان من النادر أن تزايلهما الصرامة، وفى عينيه التماعة الفخر، وهو يقول لى بينما يشير إلى المذياع: "سامع؟! بدون قيد أو شرط". لا أدرى إن كنت قد فهمت حينئذ معنى الكلمات، لكن من المؤكد أن فرحة أبى وفخره تسللا إلى وجدانى، فى ذلك الزمن الذى غنى فيه محمد قنديل "ع الدوار، راديو بلدنا يجيب أخبار"، وصدح كارم محمود: "أمجاد ياعرب أمجاد، فى بلادنا كرام أسياد" التى صارت شارة وأشارة على الإذاعة التى أطلقها عبد الناصر، وحملت اسم "صوت العرب".
كان عبد الحليم حافظ جزءاً من ذلك المناخ، الذى كانت فيه مشاعر "الوطنية" تتخلل كل نواحى حياتنا، ببساطة بالغة ودون زعيق أو افتعال، على عكس ما يردده البعض من اتهامات للأغنيات الوطنية لثورة يوليو بالصراخ والافتعال، لكن السمة الحقيقية لها فى تلك الفترة كانت الصدق فى التعبير، لأن "الوطنية" لم تكن – كما أصبحت فيما بعد – تجارة وشطارة، بل مشروع حياة تسودها العدالة الاجتماعية، لذلك لم يكن غريباً أبداً أن يغنى عبد الحليم حافظ فى بداية حياته بلسان العامل، بكلمات عبد الفتاح مصطفى وألحان عبد الحميد توفيق زكى :"بدلتى الزرقة لايقة فوق جسمى، فى جمال لونها مركزى واسمى، بدلتى الزرقا من نسيج إيدى، لبسها يزينى حتى يوم عيدى"، فكأن تلك الفترة كانت - بعد موجة 1919 وسيد درويش – الموجة الثانية للأغنيات التى تنطق باسم "تحالف قوى الشعب العاملة" الذى ألغاه دستور الاستفتاء، وفى بساطة تلك الكلمات والألحان والأداء عرفت من هو الشعب بالمعنى الحقيقى للكلمة.
أقول "عرفت" لأنه لم يكن من بين أفراد عائلتى عامل يرتدى "بدلة زرقا"، لكننى توحدت تماماً مع عبد الحليم حافظ عندما غنى أغنية تحمل عنوان "ذات ليلة" فى عام 1959. كنت عندئذ فى الثانية عشرة من عمرى، وكنت قد أدركت كم عانى أبى من أجل تعليم أخواتى الكبار، وكأنه يناضل لكى يجد لهم مكاناً تحت الشمس، بينما استطاع أن يلقى العبء عن كاهله بتعليمى وإخواتى الأصغر فى ظل "مجانية التعليم" التى أتاحته الثورة له ولكل أفراد الشعب. كانت أغنية عبد الحليم من كلمات مرسى جميل عزيز وألحان كمال الطويل، وتحكى عن طالب يسهر الليالى لكى يشق طريقه لكن الصعوبات الاقتصادية تقف فى وجهه حتى تأتى الثورة فتفتح الأبواب للجميع، كل ذلك بكلمات غاية فى البساطة وألحان تقترب من حافة الدراما وأداء بالغ الصدق: "ذات ليلة وأنا والأوراق والأقلام فى عناق، نقطع الأزمان والأبعاد وثباً فى اشتياق.. ذات ليلة هبت الريح وهزت فى عناد بابيا، أطفأت أمن حياتى أطفأت مصباحيا.....لم أجد ناراً لدى، لم أجد فى البيت شى، غير أم هى لا تملك إلا الدعوات، وأب لم يؤت غيرى للسنين الباقيات، والنهايات السعيدة، أصبحت عنى بعيدة، ذات ليلة وأنا رهن الظنون المجدبة، دقت قلوب طيبة، قالت انهض وتقدم لا تبالى، بالليالى وتصاريف الليالى... قم فباب العلم رحب فى انتظارك، قم وشارك وابن بالعلم الوطن، قلت من أين أتـى هذا الشعاع، قالت الأصداء من قلب شجاع. إنه قلب جمال".
بالطبع كان هو جمال عبد الناصر، وليس أى جمال زائف مصطنع، ومع الأغنية كان صوت عبد الحليم يأخذنى من الضياع إلى الأمل إلى الفرحة، لأدرك بحق مدى "النعمة" التى أنعم بها، وأسهر الليالى "وأنا والأوراق والأقلام فى عناق"، وأنظر إلى أبى وهو يسبح بحمد الله. ذهب ذلك كله أدراج الرياح، وأصبحت كلمات مثل "الوطنية" أو "مجانية التعليم" تثير إما الحسرة أو السخرية، وألغيت "المكاسب الاشتراكية" وحلت محلها "البيئة" فى الدستور، وكأنه "دستور بيئة"، واجتمع اللاصقون العرب فى كراسى السلطة لكى يقدموا لإسرائيل عربون محبة تحت اسم "المبادرة العربية" وهم يعلمون أن إسرئيل لن ترضى إلا بالرضوخ الكامل، ولا يعلمون أن اعترافهم بكيان استعمارى أقيم بذريعة دينية يفتح أبواب جهنم أمام كل التيارات السياسية الدينية التى يتصورون أنهم سدوا الطريق فى وجهها بنص دستورى. لذلك كله أحن إلى صوت عبد الحليم، وزمن عبد الناصر، وتلك النظرة من الفرحة والزهو والكبرياء التى رأيتها فى عينى أبى عندما عرف أنه جلاء "بدون قيد أو شرط"، وكم أتمنى قبل أن أموت أن تعرف تلك النظرة طريقها إلى عينى، "ذات ليلة".
(نشرت فى أبريل 2007 فى جريدة العربى القاهرية)
Sunday, April 08, 2012
أحزان رمضانية!! نشر هذا المقال فى 21 أغسطس 2011
يأتى شهر رمضان هذا العام بطعم مختلف ... منذ ثلاثين عاما أو يزيد تعود المصريون أن ينظروا إلى هذا الشهر على أنه شهر التليفزيون، وأصبحت الأجيال تُنسب إلى "فوازيرها"، فذاك جيل فطوطة أو نيللى، وهذا جيل شيريهان، وفجأة انقطعت الأجيال أو تمييزها على الأقل بهذه الطريقة، فقد باخت الفوازير إلى درجة أن أحدا لن يتذكر مثلا أنه قد ظهرت فى العام الماضى "واحدة" تدعى ... (نسيت اسمها للحظة ثم تذكرته: مريم فارس)، قدمت فوازير ليست فوازير، ورقصا أشبه بارتعاشات الصرع، وأغنيات أقرب إلى الزار. كان السبب فى فقدان بهجة الفوازير هو أن الحياة اليومية باتت فزورة كبرى، كان خاتمتها الانتخابات التشريعية "بتاعة" أحمد عز، التى فاق التزوير والفُجر العلنى فيها كل تصور، ثم جاءت فزورة "خليهم يتسلوا"، أو بكلمات أخرى: "فيلشربوا من البحر، أو يخبطوا رأسهم فى الحيط"، وكان أن خبطنا رؤوسنا بالفعل، ولكن فى رأس النظام، الذى تهاوى بعد أن خاض دور شطرنج طويلا مع الشعب.
نتصور أحيانا أننا قد انتصرنا فى هذه المباراة، والحقيقة أن "الطابية" قد تدخلت بما بدا للحظة أنه لصالحنا، لكن بعد استراحة قصيرة من توتر اللعب أدركنا الحقيقة المرة: الطابية تريد أن تصبح الملك!! لذلك يأتى رمضان هذا العام بطعم مختلف.
فى كل صباح رمضانى هناك فرصة أمام ربات البيوت بشكل خاص أن ترين المسلسلات والبرامج التى لم تتمكن من رؤيتها فى الليلة السابقة، لكن فى اليوم الرابع عشر من رمضاننا هذا كانت المحطات تذيع محاكمة حبيب العادلى "المدنية" بتهمة قتل الثوار، فى "شو" إعلامى لطيف يجلس فيه الرجل كأنه فى نزهة قصيرة. فى الوقت ذاته كان هناك حدث مهم يجرى دون أن يدرى به أحد، لأن التليفزيون لم يهتم به حتى كخبر قصير، وهو تحويل أسماء محفوظ للنيابة "العسكرية"، ولأنها غير مشهورة بالمعنى التليفزيونى، ولا يراد أن تكون مشهورة، فقد قامت وسائل الإعلام بأن "كفت على الخبر ماجور"!! من هى أسماء محفوظ؟! فتاة مصرية تشبه أخواتنا وبناتنا، كانت من بين شباب مصر الذى خرج فى يوم 25 يناير، وقامت على أكتافه كل الأمجاد المزعومة التى تشدقت بها فصائل عديدة، مثل حديث عصام العريان عن "خطط" الإخوان المسلمين" للثورة منذ زمن طويل، وهم الذين انتهزوا ومايزالون ينتهزون أى انتصار يحرزه غيرهم.
لماذا تم تحويل أسماء للنيابة العسكرية؟ لأنها نبهت إلى أن المجلس العسكرى يرتكب خطأ فادحا بتصرفاته التى يحار فى فهمها كل لبيب، وحذرت من أن سياسة المجلس إياه سوف تؤدى إلى تيارات من العنف. النكتة الأولى هنا هو اتهام الفتاة البريئة بالدعوة إلى العنف، وهى التى بح صوتها ورفاقها من أبناء الشعب المصرى بالهتاف: "سلمية سلمية"، بينما كانوا يلاقون أبشع وسائل العنف على أيدى رجال العادلى، الذى كان يبتسم فى قفص محاكمته فى يوم التحقيق مع أسماء.
النكتة الثانية هى أن جلسة محاكمة العادلى "المدنية" انتهت بينما استمر التحقيق "العسكرى" مع أسماء ساعات عديدة. عبثا حاولت أن تقنع المحققين بجدية تحذيرها، الذى لا يعنى أبدا أنها شخصيا سوف تلجأ للعنف، وإنما أن المجلس العسكرى يمارس مرة أخرى سياسة "خليهم يتسلوا"، بما سوف يعيد الدائرة إلى بدايتها (أنظر أعلاه!!)، أو لأن هذه السياسة التى تلعب لعبة خطيرة هى التى تستخدم قوى العنف والإرهاب لتضرب قوى الثورة، وما تزال مظاهرات السلفيين فى الأذهان، ورفعهم صور بن لادن ورايات تنظيم القاعدة وأعلام السعودية، ولم يتم التحقيق مع أحدهم أبدا برغم ارتكابهم ما يرقى إلى الخيانة العظمى، كما لم يتم التحقيق مع ما يسمونهم "البلطجية"، الذين اعتدوا على الثوار تحت سمع وبصر المجلس العسكرى مرتين، مرة فى "الجمل" وأخرى فى "العباسية"، بينما يتم التحقيق مع أسماء لأنها أطلقت نداء على "تويتر"!!
أُفرج عن أسماء بكفالة عشرين ألف جنيه فى النيابة العسكرية، فى الوقت الذى كانوا قد أفرجوا عن عائشة عبد الهادى فى النيابة المدنية بنصف هذا المبلغ لاشتراكها فى "معركة الجمل"!! ولم تظهر هيئة سياسية واحدة تعرض دفع الكفالة فقام الشباب بجمعها من بعضهم، وقد فات عليهم – لأنهم مشغولون بالثورة – أن يشاهدوا مسابقة "بيبسى" المحمومة على شاشات التليفزيون، التى تعرض جوائز تكفى للإفراج عن العديد منهم أمام النيابة "العسكرية"، وربما تفادى الثوار أن يستعينوا بـ"بيبسى" حتى لا تثبت التهمة التى أطلقها "واحد" يقال أنه مطرب وملحن، اسمه عمرو مصطفى، ظهر فى العديد من البرامج التليفزيونية الرمضانية هذا العام، ليقول إن هذا البيبسى خطط للثورة تحت شعار "اشرب وعبّر" أو "اتكلم واشرب"، لست أدرى على وجه اليقين، وأن بيبسى حين ذكر احتفاله بمرور 125 عاما على انطلاقه كان يعطى إشارة بدء الثورة لأتباعه فى اليوم 25 من الشهر 1!! جاء ذلك فى أحد البرامج التليفزيونية، بينما كان موقع "يوتيوب" يبث شريطا قصير يؤكد فيه أن كلمة "بيبسى" تعنى "ادفع كل قرش لتنقذ اسرائيل"، مع أن اسم هذا المشروب يعود إلى "إنزيم" يدعى "بيبسين"، كما أنه ظهر قبل أن يكون لكلمة "إسرائيل" أى معنى غير الإشارة لنبى الله يعقوب، ولكى يزداد الأمر "لخبطة" فقد كان هذا الشريط الهزلى لمرشح الرئاسة عن السلفيين حازم أبو اسماعيل، الذى كان "الوحيد" – حتى كتابة هذه السطور – الذى أدان بكلمات بالغة الحدة والوضوح تحويل الشباب الثائر للمحاكمات العسكرية!! حد فاهم حاجة؟!!
فى هذا الواقع المضطرب أتى رمضان هذا العام، وكنت لسذاجتى قد توقعت أن يكون رمضان ساخنا، يتحول فيه "الميدان" إلى ساحة للاحتفال السياسى والكرنفالى فى وقت واحد، فإذا بنا نقرر أن نأخذ "أجازة" من السياسة فى رمضان لنجلس أمام شاشات التليفزيون، فى الوقت الذى قرر فيه المجلس العسكرى "احتلال" الميدان، مع أول يوم من الشهر، وأن يُجلى عنه قوات "الأعداء" الذين جاءوا للإفطار فيه، بينما احتلت قوات الثورة المضادة شاشات التليفزيون.
جلسنا أمام الشاشات نتلقى برامج غسيل الدماغ، التى تعبث فى عقول ملايين المتفرجين، الذين باتوا أقرب لعدم فهم ما يجرى بسبب التباس المواقف، هل ما حدث ثورة؟ هل قامت الثورة بهدف إقصاء مبارك أو حتى محاكمته، لكى يجلس مكانه "جنرال" من نظامه، لتصدق "نبوءة" عمر سليمان عن الانقلاب العسكرى، ليكون ذلك هو أول انقلاب عسكرى يُعلن عنه قبل وقوعه؟ هل المسألة مجرد تغيير فى الوجوه بينما يبقى الوضع على ما هو عليه، هذا الوضع الذى يعنى أن تظل مصر دولة تابعة، وأن يقوم اقتصادها على الطفيلية التى من توابعها أقصى درجات الظلم الاجتماعى؟ وهل بدأت الديكاتورية حقا مع نظام عبد الناصر الذى يقع ضمن "الستين عاما" التى يذكرونها دائما عندما يتحدثون عن "الماضى"، لتزول الفروق الجوهرية بين نظام ناصر الذى لا يفرق بين الديموقراطية السياسية والاجتماعية، ونظامى السادات ومبارك الذين يقومان على تكوين عصابات النهب المنظم للأوطان؟
وسط هذه "اللخبطة" ظهرت برامج رمضانية تكائرت كأنها الخميرة التى كانت نائمة ثم استيقظت فجأة، وأنا أعترف للقارئ بعجزى عن معرفة إذا ما كانت تلك مصادفة أم تخطيطا منظما، أن يظهر مثلا تامر أمين فى العديد من الشاشات على مدى أيام متناثرة، ليقول أنه وزملاءه فى "البيت بيتك" هم الذين أشغلوا فتيل الثورة، أو أن نرى أسامة سرايا يشرح فلسفته فى الدفاع عن الحزب الوطنى، أو حسام البدراوى يحكى بالتفصيل الممل عن "نضاله" لكى يعود مبارك إلى صوابه، ناهيك عن طلعت زكريا، أو تامر الآخر (حسنى). ولست ضد أن يظهر هؤلاء وغيرهم ليدافعوا عن مواقفهم، لكن ما دام التليفزيون قد قرر أن يأتى هذا العام ببرامج "سياسية" فى قالب ترفيهى، فلماذا لم يستخدم ذلك فى تصحيح بعض المفاهيم بدلا من زيادة تشويهها على طريقة "الليبرالية يعنى أن أمك تقلع الحجاب" (!!!)، ولماذا لا يهدف للتنوير بدلا من ضرب كل الكراسى فى "الكلوبات" بالسخرية الجامحة من أى حديث سياسى جاد، فى عشرات البرامج التى تحاكى بشكل هزلى برامج "التوك شو"، حين يقال لنا مثلا أن الحرية اشتقت اسمها من "الحر"، أى من الجو الحار؟!!
من جانب آخر هناك برامج تغذى النزعة العدوانية فى نفوس المشاهدين (ما هى ناقصة!!)، برامج تقول للمتفرج أن يضحك وهو يرى شخصا فى مأزق رهيب، وكأنها فى الحقيقة نوعا من تعويد الناس على العنف الذى استشرى فى الآونة الأخيرة منذ ما أُسمى "الانفلات الأمنى"، وهو اسم الدلع للتفريط الأمنى المتعمد، من السلطات القائمة على شئون البلاد، السلطات السابقة واللاحقة، التى تستخدم هذه الفوضى لتأسيس سلطتها والحاجة للاستعانة بها. ولست أدرى فى الحقيقة أين ذهبت "الدولة"، فالثورة لم تتوجه للحظة لتقويض الدولة أبدا، بل للنظام، فكانت النتيجة أن اختفت الدولة وبقى النظام!!
ما الذى يحدث؟ إننى أنظر إلى شاشات التليفزيون وأحاول القراءة، فلا أرى سوى إعادة إنتاج للمرحلة السابقة، كل ما حدث أن مبارك وولديه وراء القضبان، بشكل مؤقت أو دائم؟ حقيقة أم تمثيلية؟ لا يهم، فالمهم ألا يتغير شىء، بل ربما يصير أسوأ، حين تصبح المحاكمات العسكرية هى "العادية"، فخلف كل قيصر يموت قيصر جديد كما قال الرائع الراحل أمل دنقل، لكن هل لن تبقى وراء شهدائنا إلا دمعة سدى؟ هل نصوم طويلا عن السياسة؟ هل نعود إلى الحظيرة؟ تساؤلات تجعل لرمضان هذا العام طعما آخر، كأنها الهزيمة بنكهة الانتصار، وياليتها لا تكون!!
الرمز في فن السينما بين النوافذ المغلقة والأبواب المفتوحة
في الفيلم الكوميدي الأمريكي "كيف تقتل زوجتك"، تزوج البطل جاك ليمون من الزوجة الإيطالية الحسناء فيرنا ليزي، التي قلبت له حياته كرجل أعزب طليق رأسا على عقب، فكانت تحتل السرير بطعامها الإيطالي، وتتفرج ساعات طويلة في التليفزيون على أفلام "الكاوبوي"، وعندما تشاهد معركة طاحنة بإطلاق الرصاص كان يختلط عليها الأمر، فتسأل زوجها: "من الذين يرتدون القبعات البيضاء؟ الأخيار أم الأشرار؟" قد تبدو هذه الجملة مجرد نكتة، لكنها حقيقة سينمائية في كل أفلام "الكاوبوي" حاول بها صناعها إرسال رسالة رمزية إلى المتفرج، تتسلل إلى وعيه دون أن يفكر كثيرا، وتلك هي وظيفة الرمز في الفن بشكل عام، والسينما بشكل خاص.
وقد عرض في مصر مؤخرا فيلم لخالد يوسف" يحمل اسم "كف القمر"، يقول صناعه أنه "رمزي"، إذ أنه يحكي عن امرأة تدعى قمر، ويؤكدون في أحاديثهم الصحفية عن الفيلم أنها ترمز إلى مصر، لقد تفرق أبناؤها في البلاد، وعندما يبدو أن وفاتها قد اقتربت تدعو ابنها الأكبر أن يلم شمل أخواته، وتقطع يدها (!!) وتعطيها له كي يجمع الأصابع الخمس، وبالطبع فإن الرمز هنا شديد الفجاجة إلى درجة عدم التصديق، الأمر الذي يجعله أيضا مشوشا وغامضا ولا يوحي بدلالات تتجاوز هذه المعادلة الفجة!!
مشكلة الرمز في الفن أن البعض يتصورونه أقرب إلى الرموز والمعادلات الرياضية، س تساوي كذا وص تساوي كيت، بما يحيل الفن إلى كائن ميت، ويجعل العمل الفني قابلا للاختزال في جملة أو اثنتين، لكن الدور الحقيقي للرمز هو أن يجعل العالم الخاص للفيلم أكثر رحابة، أو أنه يراوغ نوعا من الرقابة التي تمنع الإشارة الصريحة لحقيقة ما. تأمل مثلا الرمزية في فيلم واقعي تماما، هو "سارقو الدراجة" لدي سيكا: البطل العاطل وجد عملا يتطلب منه أن تكون لديه دراجة، لكنها تسرق منه فجأة، وهنا تتجول الكاميرا معه بجنون في شوارع المدينة، لترى الدراجات تجري هنا وهناك، فلا تملك إلا أن تقول لنفسك: أليس وراء كل منها قصة مأساوية مشابهة؟ وفي مشهد آخر تذهب الزوجة لتبيع ملاءات السرير بسبب الحاجة إلى المال، فتتصاعد الكاميرا إلى صف طويل من الملاءات، ليدرك المتفرج المعنى الرمزي بأن الفقر يضرب بجذوره في هذا المجتمع.
سوف تجد في السينما العالمية العديد من نماذج الرمزية وتنويعاتها، مثل "استعراض ترومان"، الذي قد يعني اسم بطله "الإنسان الحقيقي"، والبطل (جيم كاري) يعيش حياة رتيبة يرضى بها دون تذمر، لكنه يكتشف فجأة أنه يمثل دون أن يشعر في برنامج تليفزيوني يراقبه طوال يومه وليله، إنه إذن يعيش حياة مقررة سلفا بواسطة المخرج، وهو يريد أن يتحرر من هذا المصير. وفي فيلم "فوريست جامب" بطل (توم هانكس) ليست رحلة حياته كلها إلا تلخيصا للتاريخ الأمريكي المعاصر، كما أن "أوديسا الفضاء" يصل به الطموح إلى محاولة تلخيص مسيرة البشر منذ مئات الآلاف من السنين في الماضي والمستقبل. وعلى جانب الرسالة الرمزية غير الواعية، توصل لك الأفلام في أحيان كثيرة أفكارا عنصرية، ولعلك تتذكر أننا في طفولتنا كنا نفرح لأن "طرزان" الأبيض الوسيم يقهر الأفريقيين المتوحشين، لتستقر في أذهاننا ولا وعينا رسالة عن تفوق العنصر الأبيض على كل الملونين، ونحن منهم!!
قد تبحث في السينما المصرية طويلا حتى تجد هذا البعد الرمزي الخفي، ولعل السبب الرئيسي في اللجوء إلى الرمز هنا هو الهروب من قيود رقابية وسياسية، لتسريب النقد الحاد إلى الواقع، مثلما هو الحال مع فيلم جلال الشرقاوي "الناس اللي جوه"، الذي حاول تقديم هجاء للواقع الاحتماعي، متمثلا في عمارة آيلة للسقوط، لكن معظم سكانها ينكرون ذلك أو يتجاهلونه، بينما أصحاب البيت (السلطة) لاهية في الاستمتاع بمزاياها. وهو ما تكرر بشكل أنضج في فيلم صلاح أبو سيف "القضية 68"، عن سكان يتصارعون بينما يجب عليهم التوحد أمام خطر داهم يهدد الجميع. وسوف تقابل في هذا المجال صلاح أبو سيف كثيرا، ففيلمه المهم "بين السماء والأرض" يرمز إلى وطن في مرحلة صعود بمجموعة غير متجانسة من الناس يركبون مصعدا، يقف بهم فجأة بين الأدوار، ليتنازعوا طريقة حل هذه الأزمة، بينما يضع المخرج (والمؤلف نجيب محفوظ كاتب السيناريو) عبارات نقدية حادة على لسان مجنون من ركاب المصعد!
في نوع آخر من المراوغة بالرمز هربا من الرقابة تجد بعض الأفلام التي تكاد أن تصبح حكاية رمزية خيالية، مثل "عنتر ولبلب"، الذي أدركت الرقابة في بدايات عام 1952 أنه يشير بطرف خفي إلى الصراع العربي الإسرائيلي عندما كان اسمه "شمشون ولبلب" فقررت تغيير اسمه، إن شمشون جاء إلى الحارة الشعبية بهدف احتلالها ماديا ومعنويا، لكن ابن البلد لبلب يقرر مقاومته حتى لا يختطف منه خطيبته، فيدخل معه في مراهنة بالمقالب بأن ينجح لبلب في أن يضرب شمشمون سبع صفعات متوالية. كما أن فيلم "النوم في العسل" يلجأ إلى رمز العجز الجنسي الذي اجتاح الرجال، في إشارة لعجز أكبر عن الفعل أو حتى إبداء الألم من هذا العجز. وأخيرا فإن "مواطن ومخبر وحرامي" يحاول أن يتلمس التقلبات الاجتماعية في الثلاثين عاما الأخيرة، وقلبت كل الموازين، وقد بلغت المأساة حدا – كما تقول كلمات أغنية النهاية – أن القط تزوج من الفأر!
وعندما يصبح الرمز أكثر ثقلا، إما أن يصبح الفيلم أكثر عمقا أو يتحول إلى لغز يستعصي على التفسير. ففيلم "البداية" على سبيل المثال يحكي عن طائرة سقطت في الصحراء، فيجد ركابها أن عليهم أن يبنوا من جديد نوعا من الحياة الاجتماعية، وخلال محاولة التكيف مع الظروف القاسية تتكون الطبقات والسلطة والمحكومين، ليصبح الفيلم كله رمزا لتقسيم المجتمع منذ بداية الحياة الإنسانية. بينما يحاول فيلم "الدرجة الثالثة" مرة أخرى مناقشة العلاقة بين السلطة والشعب من خلال نادٍ رياضي، حيث يستولي سكان المقصورة وحدهم على انتصارات النادي، ويحرمون منها مشجعي الدرجة الثالثة الذين لا يمكن لأي نادٍ أن يحقق بدونهم هذه الانتصارات. وفي "إشارة مرور" لمحة من فيلم "بين السماء والأرض"، هذه المرة من خلال مجموعة من البشر اضطرتهم الظروف للتوقف في إشارة مرور، بينما هم في الحقيقة يرمزون إلى المجتمع بشرائحه المختلفة. لكن الرمز يميل إلى الغموض في فيلم "أرض الخوف"، الذي يحاول أن يشير إلى رحلة الإنسان في الأرض، لكن الرسالة لا تصل أبدا للمتفرج، بسبب أن المستوى الواقعي للفيلم (ضابط وسط عصابات المخدرات) يطغى على هذه الرسالة الرمزية. أما "الريس عمر حرب" فيصل إلى أقصى درجات التعسف والالتباس، حتى أن المعنى الذي أدركه المتفرج يتناقض تماما مع المعنى الذي أشار إليه صناع الفيلم في حواراتهم الصحفية.
أجمل أنواع الرمز إذن هو ما يتضافر فيه المستوى الواقعي للفيلم مع مستواه الرمزي، وسوف أضرب لك الآن بعض الأمثلة القليلة من السينما المصرية، التي تصل نادرا إلى هذا المستوى. في فيلم "سواق الأوتوبيس" رحلة حياة للبطل الذي يكتشف أن رأسمال أبيه معرض للضياع، ويحاول أن يستجمعه ويبقي عليه بلا جدوى، في إشارة لمرحلة تنذر بانقطاع عن مسيرة التقدم، وكان الأسى المسيطر على الفيلم هو بالفعل مرثية لمرحلة أصبحنا نبكي عليها اليوم. وسوف تجد شيئا قريبا من ذلك في أفلام مثل "الطوفان" و"عودة مواطن" و"كتيبة الإعدام". ولعل مخرجنا الكبير توفيق صالح هو الأكثر براعة في هذا السياق، وكل أفلامه تشير دائما إلى فكرة أكبر من سطح الحدوتة، كما في "المتمردون" أو "صراع الأبطال" أو"السيد البلطي" أو "يوميات نائب في الأرياف"، وفيها جميعا يتجلى الصراع بين التخلف والتقدم في غلالة رمزية راقية رائقة.
بدون الرمز يصبح العمل الفني عالما ضيقا مغلقا على نفسه، بينما تنفتح بالرمز نوافذ وأبواب ليعود بنا العمل الفني من جديد إلى عالمنا، لندرك بعضا من حقائقه، التي تفوت علينا في حياتنا اليومية لولا أن أضاءها هذا الرمز الجميل في السينما.
Wednesday, April 04, 2012
كشرى السينما المصرية
"الكشري" وجبة طعام مصرية، ذات مذاق لاذع، ولعل هذا المذاق هو الذي يخفي فقرها إلى اللحوم أو أي عنصر دسم، لكنه محبوب لدى مختلف الطبقات، لا فرق في ذلك بين غني وفقير، وإذا فكرت أن تعد مكونات هذا الطبق لاستولت عليك الحيرة، فهو مكون من العديد من الأطعمة النباتية، ومن المفارقات أن "الكشري" – تلك الوجبة التي تلقى هوى لدى كل المصريين، والعرب أيضا – أصبح السمة المميزة للسينما المصرية!!
تتميز كل صناعات السينما في العالم بأنها تعتمد إلى حد كبير على ما يسمى "الأنماط الفيلمية"، وهي أنواع "الحواديت" السينمائية التي أصبحت مادة راسخة وثابتة، فأنت تدخل دار العرض لتشاهد – مثلا – فيلما تسجيليا، مثل فيلم مايكل مور "فهرنهايت 911"، ولابد أنك تتوقع عندئذ مادة سينمائية مختلفة عما سوف تشاهده لو قررت أن ترى فيلما روائيا من نوعية الخيال العلمي مثل فيلم سبيلبيرج "إي تي". النمط الفيلمي إذن هو الذي يحدد لك من البداية طريقة تذوقك للفيلم: هل سوف تعتبره وقائع حقيقية تم تسجيلها على شريط سينمائي، أم أنك سوف تلعب مع الفيلم لعبة تصديق ما تراه برغم أنك تعلم يقينا أنه من صنع الخيال؟
لكن الفيلم التسجيلي من جانب، والروائي من جانب آخر، ليسا إلا نمطين شديدي العمومية، ففي السينما الروائية ذاتها عشرات الأنماط الفيلمية، وداخل كل نمط هناك العديد من الأنماط الفرعية، ولعل أشهر مثال يمكن أن نستخدمه في هذا السياق هو فيلم "الويسترن"، أو ما نسميه "أفلام الشجيع"، التي تتحدث عن بطل أبيض يذهب إلى مناطق جديدة، ليواجه مصاعب قسوة الطبيعة، والهنود الحمر، والخارجين على القانون، ولأنه يمثل التمدين والأخلاق – كما يصوره الفيلم – فإنه ينتصر في النهاية. عرف هذا النمط تحولات عميقة على مر الزمن، فإذا كان الممثل الأمريكي جون وين قد ظل طويلا نموذجا لهذا البطل، كما في فيلم "عربة السفر"، فإن هناك التنويع الإيطالي الذي يعرف باسم "ويسترن سباجيتي" الذي برع فيه المخرج سيرجي ليوني، حيث لا يوجد خير وشر، بل صراع قاس بين الجميع للبقاء على قيد الحياة. ثم يأتي كلينت إيستوود (البطل السابق في أفلام ليوني) ليخرج فيلمه "الذي لا يمكن غفرانه"، وفيه نرى فى لمحة نادرة "كاوبوي" زنجيا، لكن الأهم هو تلك المسحة المأساوية التي تغلف عالم الفيلم كله. وأخيرا فإن كيفن كوستنر قدم معالجة متفردة في "الرقص مع الذئاب"، لنرى رؤية متعاطفة مع الهنود الحمر، الشعب الأصلي لأمريكا، حيث لا يظهرون باعتبارهم خطرا جاثما ينذر بالشر.
من نمط "الويسترن" وتنويعاته تدرك أن أي نمط فيلمي يعتمد على شخصيات ومواقف شبه ثابتة، ومصدر متعة المتفرج في الفرجة عليها هو أنه يتوقع نهايات معينة، غير أن الفيلم يتلاعب بها لتزداد المتعة. لكن السينما المصرية نادرا ما تلجأ إلى وضع فيلم ما في نمط محدد، برغم العديد من المحاولات طوال تاريخها. ومن الغريب أن تبدأ السينما المصرية بنوع من محاكاة "الويسترن"، في شكل عربي خالص، يمكن أن تسميه "الأفلام البدوية"، التي كانت في الأغلب متأثرة أيضا بأفلام رودولف فالانتينو، ليظهر بدر لاما في أول أو ثاني أفلام السينما المصرية، في الفيلم الذي أخرجه شقيقه ابراهيم لاما "قبلة في الصحراء". وبرغم عودة هذا النمط في أفلام نيازي مصطفى التي تتحدث عن بطولات عنترة بن شداد، فإن التحديث الذي طرأ على العالم العربي خلال القرن العشرين لم يترك فرصة لهذا النمط أن يعيش طويلا، ليحل محله تنويع مصري خالص، هو أفلام "الفتوات"، التي برع فيها نيازي مصطفى أيضا، وكتب سيناريوهات العديد منها الروائي نجيب محفوظ.
لكنك إن دققت النظر في هذه الأفلام البدوية، ثم أفلام الفتوات، سوف تجدها تحتشد بالكثير من عناصر الأنماط الأخرى، وهنا نطرح السؤال الذي نعرف الإجابة عنه مقدما: هل يكاد أن يخلو فيلم مصري من الكوميديا؟ ولماذا تبدو الأغنيات عنصرا ثابتا في معظم الأفلام المصرية؟ وكيف تصبح "الخناقة" والمطاردة فقرات لا مفر منها في أي فيلم مصري؟ ألا تسيطر الميلودراما الفاجعة الفاقعة على حبكة الكثير من الأفلام المصرية؟ والإجابة على هذا كله هي: إنها "كشري" السينما المصرية!!
لقد دخلت الكوميديا إلى السينما المصرية قادمة من المسرح، مع أمين عطا الله ونجيب الريحاني وعلي الكسار، ومن بعدها لم تخرج من الأفلام إلا نادرا. كما تسللت الميلودراما من المسرح أيضا، خاصة مع يوسف وهبي. أما الأغنية فقد جاءت من رغبة المتفرج في أن يرى مطربيه ومطرباته المحبوبين، أم كلثوم في "وداد"، ومحمد عبد الوهاب في "الوردة البيضاء"، ومن بعدهما تدفق عشرات من فرسان وفارسات الغناء، وحتى في الأفلام غير الغنائية لابد من أغنية، ولعل أشهر مثال على ذلك هو فيلم "العزيمة"، الذي يُعتبر أول أفلام الواقعية المصرية، ومع ذلك فإن الفيلم يتضمن أغنية بطريقة "الدوبلاج" على صورة الممثلة فاطمة رشدي!!
ليس غريبا إذن أن ترى هذه "التوليفة" في الكثير من أفلام السينما المصرية بمختلف أنماطها، فالفيلم شبه المجهول لصلاح أبو سيف "الصقر" يبدو في ظاهره فيلما بدويا، وإن كان ذا ظلال سياسية تتحدث عن ضرورة الوحدة أمام الخطر الأجنبي (في إشارة قوية لفلسطين)، لكن الفيلم يستخدم الأغنية على نحو فريد، في مفارقة طريفة ومريرة في آن واحد، فإذا كانت القبائل اللاهية تغني في فرح "ياصحرا المهندس جاي"، فإن المتفرج يعلم أن هذا "المهندس" ليس إلا مستعمرا متخفيا!! وفيلم صلاح أبو سيف أيضا "شباب امرأة" يبدو مغرقا في واقعية من نوع خاص، وهو يتحدث عن امرأة في منتصف عمرها تغوي الشباب الغض لترميهم بعدها (كأنها إشارة للحياة ذاتها)، لكن الفيلم يستخدم المطربة شادية لتغني بضع أغنيات لا علاقة لها بسياق الفيلم على الإطلاق! وعندما يفكر المخرج السيد بدير في صنع أول أفلام الرعب المصرية في "ليلة رهيبة"، فإنه يجعل بطلة الفيلم شريفة فاضل تسترسل في الأغنيات، حتى لو أدى ذلك لانقطاع سير الأحداث!
يبدو هذا "الكشري" السينمائي متأثرا أكثر بمخاوف المنتجين من فشل أي فيلم مصري، إن لم يشمل التوليفة المعتادة، حتى لو تناقضت مع عالم الفيلم ذاته. لكن ذلك كان تأكيدا على ذوق المتفرج المصري والعربي، وعندما يكون الفنان واعيا بهذا الذوق فإنه يستطيع أن يتوجه له دون أن يفقد رسالته الأكثر عمقا. إن فيلم يوسف شاهين "عودة الابن الضال" نموذج واضح على ذلك، فهو يتضمن الأغنية، والخناقة، والميلودراما، والكثير من عناصر الفرجة المصرية الأخرى (من بينها الأراجوز الشعبي)، ليحاول تقديم رسالة تحذير سياسية عن مستقبل ينذر بالصدام الدموي، وإن كان الفيلم قد فقد الكثير من قدرته على التأثير بسبب المونتاج المتلاحق اللاهث الذي كان من سمات يوسف شاهين السلبية. كما أن فيلم على بدرخان "شفيقة ومتولي" يعيد صياغة الحكاية الشعبية، ليحكي عن رسالة عن قمع الوطن والمرأة معا، لكنه يعمد إلى استخدام الأغنية والرقص والكوميديا والراوي الشعبي في مزيج رائق راق. (من الملاحظات الجديرة بالذكر أن صلاح جاهين اشترك في كتابة سيناريو هذين الفيلمين السابقين). وأخيرا فإن فيلم داود عبد السيد "مواطن ومخبر وحرامي" يستخدم العديد من عناصر هذه التوليفة (من مفاجآت الفيلم استغلاله لشهرة المغني الشعبي شعبان عبد الرحيم استغلالا ذكيا!)، ليشير إلى أن الواقع ذاته أصبح خليطا من عناصر غير متآلفة، تغلب عليها السوقية والتفاهة من جانب، وتعمد تشويش التناقضات السياسية والاجتماعية، حتى يصعب التعامل معها بالتحليل والتغيير.
"الكشري" السينمائي المصري قد يبدو في بعض الأحيان عائقا أمام الإبداع الفني الأصيل، مدفوعا فقط بالرغبة في تحقيق نجاح تجاري، لكنه أيضا قد يكون وعاء لرسالة فنية وسياسية جادة، بشرط وعي الفنان برسالته من جانب، والتوجه لذوق الجماهير من جانب آخر. ليس العيب إذن في "الكشري" ذاته، ولكن فيمن يصنعه!!
Tuesday, March 06, 2012
أفلام القصص المتعددة: أزمة أم حل؟
مرة أخرى يثور بين النقاد المصريين جدل محتدم حول قضية تبدو بديهية، فمع ظهور فيلم "سينما علي بابا"، الذي أخرجه أحمد الجندي للممثل أحمد مكي، بدا أننا أمام "تجربة" جديدة، ليس فقط على السينما المصرية، وإنما على السينما على الإطلاق!! كانت الفكرة من وراء هذا الفيلم محاكاة شكل لم يعد متوافرا الآن في دور العرض المصرية، خاصة الشعبية منها، والتي كان شعارها "ثلاثة أفلام في بروجرام واحد"، حيث يدخل المتفرج إلى قاعة العرض في ضوء النهار، ولا يخرج منها إلا بعد أن يسدل الليل أستاره.
كانت المفارقة أن تسمع من بعض النقاد – وحتى صناع السينما – تعليقات من نوع أن ذلك يعبر عن "عجز"، لأن الأفلام القصيرة التي يتألف منها الفيلم تعبر عن عدم القدرة على صنع فيلم طويل، وذلك يذكرنا بنكتة قديمة تتساءل عن السبب في أن طبيب الأطفال لم يكمل دراسته ليعالج الكبار!! وفي مجال الأدب والفن لا يعني بالطبع أن كاتب القصة الصغيرة عاجز عن كتابة رواية، أو أن مسرحية الفصل الواحد تدل على أن كاتبها لم يستطع أن "يمطها" إلى ثلاثة فصول، فهذه أشكال فنية لكل منها روحها الخاصة، تماما كما أن الفيلم القصير له مذاقه الذي يختلف عن الفيلم الطويل.
كما قال لك البعض الآخر أنها "بدعة" سرعان ما سوف تختفي، والغريب أن فن السينما كان منذ مولده يأخذ شكل الأفلام القصيرة، التي يتم تجميع العديد منها لتعرض في سهرة كاملة. وبرغم أن ذلك أملته التقنيات المحدودة آنذاك، عندما لم يكن من الممكن صنع أفلام طويلة، التي أصبحت في مرحلة لاحقة هي السائدة، فإن الفيلم القصير ظل محافظا على مكانته خاصة فيما يعرف بـ"سينما الفن" الأوربية، التي ترفض أن تنصاع لمتطلبات السوق وحدها.
يقبل النقاد عندنا مثلا أن يشاهدوا فيلما للمخرج الأمريكي كوينتين تارانتينو، أو لتلميذه روبرت رودريجيز، مثل "قصة شعبية رخيصة" أو "مدينة الخطيئة"، وهي الأفلام التي تقوم على سلسلة من القصص داخل نفس الفيلم، بينما يرفضونها من فيلم مصري رفضا مبدئيا!! وسوف أتوقف معك الآن عند العديد من هذه التجارب العالمية، التي تؤكد رسوخ هذا الشكل، الذي يحمل أسماء عديدة بعضها لا يخلو من طرافة، فهو "الفيلم الباقة"، أو "الفيلم الحافلة"، الذي يحتوي على أكثر من قصة يربطها رابط ما. هناك مثلا رابطة المكان الواحد كما في فيلم "قصص نيويورك" الذي يجمع ثلاثة قصص منفصلة، لكنها ترسم معا لوحات لسكان هذه المدينة التي يقال عنها: "إما أن تقع في هواها أو تمقتها بلا حدود"، تماما كما جاء فيلم "أحبك يا باريس" ليلقي الضوء على زوايا مختلفة بل متناقضة من مدينة النور.
قد يكون الرابط شخصية ما مثل فيلم "أربع غرف"، الذي يحكي أربع قصص مختلفة عن مواقف يعيشها نفس البطل في أربع غرف محتلفة من فندق. والأشهر هو أن يكون الرابط شيئا ما، إنه مثلا "الرولز رويس الصفراء" التي تتنقل من مالك إلى آخر، ومع كل منهم قصة مختلفة، أو يأتي فيلم "قهوة وسجائر"، حيث طاولة يأتي إليها شخصيات مختلفة ووراء كل منهم عالم كامل، أما الأكثر طموحا فهو فيلم "آلة الكمان الحمراء"، الذي يبدأ مع تصنيع هذه الآلة على يد العازف الشهير ستراديفاريوس منذ ثلاثة قرون، لتنتقل من يد إلى أخرى حتى تصل إلى عصرنا.
هناك نماذج أكثر تعقيدا أصبحت تظهر في الآونة الأخيرة، ولا يخلو موسم سينمائي واحد من مثل هذه الأفلام، ففي فيلم "أشياء يمكن أن تعرفها بمجرد النظر إليها" تسع قصص عن النساء، وقد تمتد كل قصة إلى عشر دقائق، لكن كلا منها يتم تصويرها في لقطة متصلة واحدة دون قطع مونتاجي واحد. أما نموذج "ترافيك" أو "كراش" أو "بابل" أو "21 جرام" أو "الساعات" أو عشرات غيرها، فهي جميعا أفلام تضفر القصص المختلفة معا، لتتلاقى وتتباعد كأنها روافد صغيرة تصب جميعا في نهر أكبر. وقد يصبح الفيلم كله عبارة عن "نمر" منفصلة كما في "سحر البرجوازية الخفي"، الذي يحكي بروح كأنها الحلم أو الكابوس أحيانا عن مجموعة من أبناء الشريحة المثقفة من الطبقة الوسطى، يتنقلون من مكان إلى آخر بحثا عن طعام لا يجدونه أبدا.
تؤكد لك كل الأمثلة السابقة على أن هذا الشكل من الأفلام، الذي يقوم على تجميع عدة قصص في فيلم واحد، هو في الحقيقة شكل راسخ من الأشكال الفنية لصناعة الأفلام، وليس عجزا أو بدعة كما يزعم البعض. لكن ما هو موقف السينما المصرية منه؟ لعل شكل "النمر" هو الأقرب في هذا السياق، ومنذ "عنتر ولبلب" تجد سبع قصص متتالية يحاول فيها البطل لبلب (شكوكو) أن ينتصر على غريمه عنتر (سراج منير)، في رهان على سبع صفعات يوجهها الأول للثاني. وكانت الستينيات هي الفترة الذهبية لهذا الشكل في السينما المصرية، ليس فقط بالنسبة للمخرجين الجدد بل المخضرمين أيضا، ومن ينسى مثلا "البنات والصيف" الذي اختار ثلاث قصص لإحسان عبد القدوس ليخرجها عزالدين ذو الفقار وصلاح أبوسيف وفطين عبد الوهاب؟ توالت بعدها أفلام مثل "3 قصص" و"ثلاثة لصوص" و3 نساء" و"3 وجوه للحب"، ليختفي هذا الشكل وإن عاد مؤخرا بصورة أخرى، فأفلام مثل "سهر الليالي" أو "كاباريه" أو "الفرح" أو "معالي الوزير" أو "ديل السمكة" أو "عمارة يعقوبيان" أو "على جنب ياأسطى" ليست في حقيقتها إلا تجميعا لعدة قصص في فيلم واحد.
أين المشكلة إذن؟ إنها تكمن في مفاهيم قاصرة من جانب بعض صناع السينما والنقاد المصريين، الذي يتصورون أن "السينما" هي الفيلم الروائي الطويل وحده وبلا منازع!! إن ذلك لا ينعكس فقط على عدم الاهتمام كما ينبغي بالفيلم القصير أو الطويل المحتوي على أفلام قصيرة، بل ينعكس أيضا في غياب لأشكال فنية مهمة في السينما، فما يزال الفيلم التسجيلي يعاني مثله في ذلك مثل فيلم التحريك (المعروف عندنا باسم الكارتون)، بينما السينما العالمية تصنع نصيبا وافرا منهما كل عام، وأصبحت هذه الأفلام تعرض في دور العرض التجارية كالأفلام الروائية الطويلة تماما، بل إن هناك تجارب بالغة النضج في المزج بين هذه الأنواع المختلفة من السينما، ففيلم "بيرسيبوليس" مثلا فيلم تحريك روائي، ناهيك عن عشرات أفلام التحريك الروائية التي تخرج من هوليوود، كما أن الفيلم الإسرائيلي "رقصة الفالس مع بشير" فيلم تحريك يأخذ شكل السينما التسجيلية، بهدف خلق حالة تشبه الحلم تغرق المتفرج في فكرة الفيلم شديدة الخبث.
ويبقى السؤال: هل الأفلام القصيرة المجمعة تمثل أزمة أم حلا؟ للإجابة عن هذا السؤال ربما كان من المفيد أن نتذكر أن السينما الإيطالية في أوائل الخمسينيات كانت تعاني من خطر مزدوج: الإمكانات المحدودة من جانب، وفيضان الأفلام الأمريكية المبهرة التي انهالت على السوق الإيطالية بعد الحرب العالمية الثانية من جانب آخر، وكان أحد أبواب التغلب على هذا الخطر هو اشتراك العديد من المخرجين (حتى الكبار من قامة روسيلليني على سبيل المثال) في أفلام قصيرة يضمها عرض واحد. وليس سرا أن النهضة التي تشهدها السينما الإسبانية في الآونة الأخيرة سببها فتح الباب على مصراعيه أمام صناع الأفلام القصيرة، التي تتنافس على صنعها الإدارات المحلية في المقاطعات المختلفة!
إلى جانب الفيلم الروائي "سينما علي بابا"، أيا كان الحكم على مستواه الفني، تشهد دور العرض المصرية حاليا تجرية تسجيلية من ثلاثة أفلام قصيرة، هي "الطيب والشرس والسياسي"، للمخرجين تامر عزت وعمرو سلامة وآيتن أمين، وربما يكون ذلك هو القطرة التي تعلن عن اقتراب الغيث. وليس من الغريب أن تجد السينما المصرية أن هذا الشكل الفني يمكن أن يكون أحد الحلول للخروج من الأزمة، وإذا كان هناك خوف من استقبال الجمهور لها، الذي اعتاد على شكل واحد ومحدد من الأفلام، فإن الإصرار سوف يخلق تيارا جديدا في صنعها واستقبالها. إننا – الشعب العربي – هو الذي اخترع سلسلة القصص القصيرة التي يضمها خيط ممتد، وإن كنت في شك من ذلك، عد إلى قراءة "ألف ليلة وليلة"!!
Monday, February 27, 2012
الإعلانات في السينما، والسينما كإعلان
على طريقة "امسك حرامي"، يحلو لبعض النقاد والصحفيين السينمائيين أحيانا تصيد بعض الملاحظات في الأفلام، ويصنعون بعدها من الحبة قبة، ومن هذه الملاحظات ما يرد على لسان ممثل ما كلام عن سلعة محددة، فيسارع البعض باتهام صناع الفيلم بالترويج الإعلاني لهذه السلعة. هل يمكن أن يكون هذا اتهاما بالمعنى الحقيقي للكلمة؟ من المؤكد أن الشخصيات داخل الفيلم سوف تركب سيارة ما، وتستخدم الهاتف، وترتدي ملابس، وترتاد المحلات، وتتناول المشروبات والمأكولات، وتتفرج على التليفزيون، فهي لا تعيش في عالم تجريدي، لذلك كله لا يمكن أن تتصور أنه عالم يخلو من السلع والبضائع التي نستعملها جميعا في حياتنا اليومية.
أعرف وأعترف أن هناك في المنطق السابق قليلا من المغالطة، وأكاد أسمع القارئ يقول: ولماذا سلعة ذات علامة تجارية محددة، وليست علامة أخرى؟ وذلك بلا شك هو بيت القصيد، لماذا مثلا تتوقف الكاميرا في لقطة قريبة من فيلم "تقرير الأقلية" نرى فيها النجم توم كروز يتحدث في هاتف محمول من "ماركة" معينة؟ والغريب أيضا أنه فيلم خيال علمي تدور أحداثه بعد خمسين عاما من الآن!! وإذا أردت مزيدا من أفلام الخيال العلمي التي تتضمن إعلانات فهناك "أنا إنسان آلي" حيث يرتدي ويل سميث نوعا محددا من الأحذية الرياضية الشهيرة، ويقول لك الفيلم أنها تساعده على الجري بسرعة فائقة، كما أن ثلاثية "ماتريكس" تحتشد بمشاهد المطاردات بسيارات ذات علامة تجارية واضحة.
أما الأمثلة من السينما المصرية فهي بدورها عديدة، فمنذ بداياتها كانت أفلامنا "تحشر" الإعلانات حشرا مضحكا، بل كانت هناك عادة في "تيترات" الأفلام لوحة خاصة تقول لك بوضوح: "الأثاث من المحل الفلاني"، ولا مانع أيضا – كما في فيلم "ليلى بنت الريف" أن تذكر لك زوزو شكيب اسم هذا المحل في جملة مقحمة على الحوار، وفي فيلم "سي عمر" يدخل نجيب الريحاني صيدلية تبدو لافتتها واضحة تماما للعيان. أما السينما المصرية المعاصرة فيمكنك أن تدخل في سباق مع نفسك وأنت تشاهد أي فيلم من إخراج طارق العريان، الذي يضرب رقما قياسيا في هذا المجال، سواء في "تيتو" أو "السلم والثعبان". أما أطرف المواقف هنا فهو فيلم أحمد مكي الأخير "سينما علي بابا"، فقد انهالت عليه القضايا المرفوعة ضده من جهات عديدة، لأنه استخدم أسماء بعض الأدوية لتحملها شخصيات ذات سمات عدوانية، أو لأنه ذكر اسم "محل كشري" في سياق يدعو للسخرية!!
الحقيقة أن العلاقة بين السينما والإعلان علاقة وثيقة وقديمة، وهي تتلخص في التمويل، فإذا كان البطل سوف يشعر في مشهد ما بالاضطراب، ويخرج علبة سجائر من جيبه ليدخن إحداها، فلماذا لا يتفق صناع الفيلم مع شركة السجائر على إظهار العلامة التجارية الخاصة بها، مقابل أن تدفع الشركة مبلغا محددا، وإن لم توافق فسوف يذهب المنتج لشركة سجائر أخرى؟ (سوف نتوقف عند هذا المثال لاحقا بتفصيل أكثر). فالسينما في جانب مهم منها عملية تجارية تهدف للربح، والفيلم الذي لا يغطي تكاليفه ويحصد قدرا من الأرباح لن يمكن منتجه من صنع فيلم آخر. ومن هنا تبدأ في صناعات السينما الراسخة تخصصات في التسويق، الذي يستخدم الإعلان داخل الفيلم بطريقتين، يمكن أن نسمي الأولى الإعلان من المنبع، والأخرى الإعلان عند المصب. ومثال شركة السجائر هي النموذج على الطريقة الأولى، أما الثانية فهي الأهم والتي تكاد أن تكون غائبة تماما عن صناعات السينما في بلادنا، وهي خلق "سلع مرتبطة" بالفيلم (وهذه هي الترجمة العربية الدقيقة لوصفها)، وقد لا يصدق القارئ مثلا أن هذه السلع تحقق ربحا أكبر من الفيلم ذاته، فالملابس التي تشبه ما ارتاده أبطال سلسلة "حرب النجوم" تباع في كل المحلات الأمريكية على نطاق مذهل، والنماذج المصغرة من شخصيات أفلام التحريك (مثل وودي أو باز من سلسلة أفلام "قصة لعبة") تستخدم لترويج بعض المأكولات حيث تباع إلى جانبها، وكل أفلام الأكشن الأمريكية تتحول على الفور إلى لعبة فيديو مستقلة، يشعر فيها المستخدم أنه يعيد إخراج الفيلم بطريقته!
ذلك واقع لا يمكن تجنبه في صناعة وتجارة مثل السينما، وإن كان الأخطر هو نوع آخر خفي من الإعلان، ليس عن سلعة بعينها، بل عندما يصبح الفيلم كله هو هذا الإعلان. تأمل مرة أخرى البطل الذي يدخن سيجارة كلما استولى عليه القلق: إن الفيلم – دون أن تشعر – يقول لك أن هذا هو السلوك "الطبيعي"!! أنت هنا أمام "ترويج" طريقة في الحياة، وكل السينما في الحقيقة تقوم بهذا الأمر. في الخمسينيات كانت السينما الأمريكية تقول لك أن النساء نوعان: رقيقة حالمة مثل دوريس داي، وفاتنة عاصفة مثل مارلين مونرو، وعليك أن تختار الأولى كزوجة، لكن لا مانع من الأخرى كنزوة!! وإذا مددت الخط إلى آخره فلن تجد وجودا لفتاة مستقلة وحرة ولها اختياراتها، وترفض أن تكون تابعة للرجل، وكل النماذج التي ظهرت على هذا الشكل كان الفيلم يعاقبها في النهاية على تمردها، وهكذا كانت السينما تروج وتصنع إعلانات خفية عن النموذج التي تريد به تشكيل وعي جماعي واجتماعي بطريقة سابقة التجهيز.
لا شك أن ذلك يتم عمدا في صناعات السينما القوية، كالسينما الأمريكية التي تستعين بخبرات السياسيين وعلماء الاجتماع لصياغة المفاهيم، وإن اضطرت أحيانا أن تأخذ طريقا عكسيا، عندما تروج لمفهوم طارئ وجد انتشارا بين الجماهير، فقد كان جيل الخمسينيات الشاب المتمرد الذي ظهر في أمريكا، ويرفض أن يصدق حقيقة تضحيات الجيل السابق في الحرب العالمية الثانية التي يسمع عنها ولم يشارك فيها، هذا الجيل يجد تجسيدا في صورة مارلون براندو أو جيمس دين، لكن هذا البطل المتمرد في السينما يكتشف أن تصرفه سوف يؤدي به إلى الهلاك، وهكذا "تروج" السينما وتعلن عن ضرورة عودة الابن الضال مرة أخرى إلى القطيع.
في هذا العقد ذاته، يمكنك أن تجد السينما المصرية "تقلد" قرينتها الأمريكية، فثنائية "الملاك – الشيطان" التي تجسد المرأة على الشاشة تراها في صورتي فاتن حمامة وهند رستم، والفتى المتمرد تجدها مثلا في أحمد رمزي ثم حسن يوسف. لكن أكثر صور الإعلانات السياسية خبثا في السينما هي التي تتسلل إليك دون أن تنتبه لها، وليس أكثر وضوحا على ذلك من أفلام جيمس بوند، حيث يصب هذا الفيلم أو ذاك فى لاوعيك صورة محددة عن "الرجولة"، التي تمزج بين العنف البارد والجاذبية الجنسية معا، مع إضفاء ظلال عنصرية تجعلك تكره شعوبا بأكملها، وحسب تاريخ إنتاج كل فيلم سوف تجد "الأشرار" ينتمون إلى قومية بعينها، هم أحيانا الروس، أو اليابانيون، أو الصينيون، وهم مؤخرا العرب والمسلمون!
الإعلان هنا ليس عن سلعة، بل السلعة هي نمط الحياة، وطريقة التفكير، والموقف السياسي، لقد تحول الفيلم كله في هذه الحالة إلى إعلان مدته ساعتان، والأهم أنك تدخل بغرض التسلية وتقضي وقتا لطيفا في قاعة العرض، بينما لا تدرك أنك تتعرض – بالمعنى الحرفي للكلمة – لعملية غسيل مخ، وتخرج بعدها بمفاهيم تم زرعها في عقلك ووجدانك، وتصبح مادة طيعة في أيدي من يقررون لك مصيرك. والحل؟ قدر غير قليل من الوعي ونحن نتفرج على الأفلام، ليس فقط لننتبه إلى السلع الاستهلاكية التي يتم الإعلان عنها هنا وهناك بطريقة صريحة، ولكن الوعي بالرسائل الغامضة والخفية التي تشكل بها الأفلام حياتنا دون أن نشعر، فتلك هي الإعلانات الأهم والأخطر على الإطلاق.
Subscribe to:
Posts (Atom)






