Monday, February 13, 2012

خريطة التمثيل والممثلين في السينما المصرية (4 من 4) فتاة الشاشة التي ضاعت في زحام الفوضى

كان النجم – الرجل – هو السلعة الأولى التي تبيعها الأفلام، وليست النجمة الجميلة التي تعلو صورتها لوحات الإعلانات. قد يبدو ذلك للوهلة الأولى متناقضا، فكيف يمكن ألا تكون نجمات السينما، بكل ما يملكن من بريق وشهرة، هن السلعة الأساسية في عالم صناعة السينما؟ الإجابة ببساطة هي أن الجمهور المستهدف الأول في كل صناعات السينما في العالم هو الرجل، ومعظم صناع الأفلام من الرجال، والأغلب الأعم من القصص السينمائية تتم روايتها من وجهة نظر البطل الرجل حتى لو كانت الشخصية الرئيسية امرأة، لذلك كله كان مطلوبا من المتفرج أن يتوحد مع النجم، ويرى العالم من خلاله، وهو عندما يشعر المتفرج تجاه النجمة البطلة بالحب أو الكراهية فلأن البطل يملك المشاعر ذاتها. وبرغم أن تاريخ السينما حافل بعدد هائل من النجمات، اللائي يطلق عليهن "فتيات الشاشة"، فيمكنك أن ترى أن صورة المرأة في السينما تبدو في الأغلب "موضوعا" وليست "ذاتا"، فنادرا ما تجد الفيلم يتحدث بصوت البطلة، ويعبر عنها من داخلها، إننا ننظر إليها دائما على الشاشة "من الخارج"، ولا نتوحد أو نتعاطف معها. لكن هذه الصورة تنقسم أيضا إلى نوعين متناقضين، فالمرأة على الشاشة إما أن تكون ملاكا أو شيطانا، هكذا كانت منذ مولد السينما ويبدو أنها سوف تظل هكذا لفترة طويلة، إنها تتجسد مثلا في النجمة إنجريد بيرجمان، بوجهها البريء واستسلامها لقدرها، أو في مارلين مونرو التي يتم تصويرها كأنها مثيرة الشهوات حتى للرجال في منتصف العمر، وفي الحالتين تكون فتاة الشاشة هي موضوع الأحلام البريئة أو غير البريئة للمتفرجين من الرجال! من النادر تماما أن تظهر صورة ثالثة للمرأة، على النحو الذي بدت فيه مثلا كاترين هيبورن أو لورين باكول في السينما الأمريكية خلال الثلاثينيات والأربعينيات، مستقلة في قراراتها ومعتزة بذاتها، ومع ذلك فإنها تدور في فلك البطل الرجل، فقد ارتبطت صورة هيبورن بمشاركتها البطولة مع سبنسر تريسي، تماما كما ارتبطت باكول مع همفري بوجارت. الغريب أن السينما المصرية بدأت بهذا النموذج الذي تبدو فيه فتاة الشاشة هي الأهم، لأن المرأة كانت أسبق لدخول حلبة الإنتاج السينمائي في مصر، وخلال سنوات قليلة ظهرت أسماء مثل عزيزة أمير وبهيجة حافظ وآسيا وماري كويني وأخريات، لكن صورة المرأة آنذاك ظلت أسيرة لعالم ميلودرامي خانق، تكون فيه دائما هي الضحية إما للظلم أو حتى رغبتها في التمرد. لم تدرك السينما المصرية بالرغم من ذلك أهمية فتاة الشاشة إلا بعد فترة، لكنها اختارتها من بين "السلع" التي يرغب المتفرج في أن يراها على الشاشة، فظهر سيل من المطربات مثل ليلى مراد وأسمهان ونور الهدى وصباح وسعاد محمد، وراقصات مثل سامية جمال وهاجر حمدي. ومن المفارقات أن "الراقصة" تحية كاريوكا كانت أول فتاة شاشة من النوع الثاني، المثير للغرائز، ولأنها ممثلة موهوبة فقد نجحت بالفعل في أن تترك بصمة مهمة في هذا السياق. وسرعان ما ظهر النوع الثاني، الملائكي، متجسدا في فاتن حمامة، إنها دائما المظلومة الضعيفة التي لا تفعل شيئا سوى انتظار أن يتخذ البطل قرارا بشأنها. طوال سنوات تالية كان هذا الانقسام هو السائد في السينما المصرية بين صورتي فتاة الشاشة، وكانت هند رستم هي النموذج المتفجر للأنثى خلال الخمسينيات، بينما كانت هناك مجموعة كبيرة تمثلن الصورة الملائكية، أغلبهن من صاحبات الجمال الرائق، مثل ليلى فوزي ومريم فخر الدين وزبيدة ثروت. وربما لم تنجح ممثلة (الغريب أنها في الأصل مطربة) في أن تجسد النموذجين سوى هدى سلطان، إنها الزوجة الحنون في "الأسطى حسن"، لكنها أيضا المرأة الشاردة في "امرأة في الطريق". فجأة ومع تغيرات اجتماعية وسياسية جديدة في بداية الستينيات، حان الوقت لظهور فتاة شاشة من نوع جديد، بدت إرهاصاتها الأولى مع لبنى عبد العزيز في بعض أفلام صلاح أبو سيف، مثل "الوسادة الخالية"، لكن نموذج سعاد حسني كان مختلفا بحق، في صورة الفتاة التي تجمع بين الجرأة والحياء معا، وكانت رمزا لمرحلة تتسم بالتفاؤل في صنع مستقبل أفضل جديد. ولأن سعاد امتلكت موهبة التمثيل ولم تكن مجرد "فتاة للشاشة"، فقد تميزت بين مجموعة كبيرة ممن حاولن محاكاتها، مثل زيزي البدراوي وآمال فريد ومديحة سالم، ولعل الوحيدة التي استطاعت أن تخرج من هذا الإطار كانت نادية لطفي، التي بدأت في دور الفتاة الجميلة البرئية لتنتقل سريعا إلى أدوار أكثر تركيبا وصعوبة. ومع التغيرات الجارفة في السبعينيات، على المستوى السياسي والاقتصادي والاحتماعي، وسيادة المفاهيم الانفتاحية التي تعلي من شأن "فتى الشاشة" الذي يأتي بالمال من أي طريق، توارت فتاة الشاشة وإن لم تختفِ، وتلك كانت مرحلة ميرفت أمين ونجلاء فتحي وآثار الحكيم وليلى علوي، وهن فتيات شاشة غارقات في قصص الحب المفرطة في ميلودراميتها، والبعيدة إلى أقصى درجة عن صدق الحياة الواقعية، كعلامة على محاولة السينما المصرية الهروب بالمتفرج من هذا الواقع، ليعيش حلما زائفا مصنوعا من الأوهام. في انقلاب على هذه الصورة تأتي صورة "امرأة الشاشة" (وليست "فتاة الشاشة") في التسعينيات، لتحتل النجمات هذه المرحلة، وتدور القصص السينمائية عن بطلاتهن، اللائي يعشن مغامرات وغزوات لا تتوقف عند حدود قصص الحب الملتهبة، بل تتجاوزها إلى عالم العنف و"الأكشن"، كما يبدو في سلاسل أفلام نادية الجندي ونبيلة عبيد، التي تطورت سريعا في سباق مع الابتذال لتصبح فيفي عبده (!!) هي بطلة هذه النوعية من الأفلام. لم يكن أحد يتصور أن تصبح تلك هي فتاة الشاشة، موضوع الأحلام البريئة أو غير البرئية للمتفرج، لكن هذا كان متسقا مع مرحلة غائمة وبلا ملامح أو هدف، مرحلة "الفرجة" على الحياة وعدم اتخاذ موقف إيجابي تجاهها! لتستمر هذه الفرجة طوال العقدين الماضيين، يشهد على ذلك تواري فتاة الشاشة عن الأنظار برغم ظهور العشرات من الممثلات (وغير الممثلات أيضا!) في الدور النسائي، مثل منى زكي وحنان ترك وهلا شيحة وغادة عادل وياسمين عبد العزيز وبسمة ودنيا سمير غانم في جانب الصور الملائكية، أو علا غانم وروبي وسمية الخشاب وغادة عبد الرازق في الصورة المناقضة، وربما هناك من لا يمكنك أن تضعها هنا أو هناك مثل زينة أو بشرى. في التحليل الأخير، ليست هناك لفتاة الشاشة المعاصرة ملامح محددة، تماما كما هو الحال بالنسبة لفتى الشاشة، لأن السياق الاجتماعى والسياسي ما يزال بدوره في مرحلة غائمة، ولم يحدد موقفه بوضوح تجاه العديد من القضايا الملحة فكأنه يهرب من هذه المسئولية. ولأن السينما في جانب كبير منها انعكاس للواقع، فقد أصبح التمثيل والممثلون والممثلات بدورهم يعانون من تحديد صورة واضحة لكل الشخصيات على الشاشة، لا فرق في ذلك بين الشخصيات الثانوية أو الرئيسية، وصارت الأفلام في معظم الحالات منقطعة الصلة عن الواقع، إنها أحيانا أحلام كاذبة، وأحيانا أخرى كوابيس (لعل هذا هو السبب في ظهور أفلام رعب مصرية في الفترة الأخيرة!)، وهي في الحالتين تغرق المتفرج في طوفان من الصور، لعلك تحاول فيها أن تبحث عن ملامح للشخصيات فلا تجد، وسوف ننتظر كثيرا أو قليلا حتى يتحدد شكل السياق السياسي والاجتماعي الذي سوف تتخذه المجتمعات العربية في المستقبل.

خريطة التمثيل والممثلين في السينما المصرية (3 من 4) أين اختفى فتى الشاشة الحقيقي في زمن التحولات؟

في البدايات الأولى لصناعة السينما، لم تكن شركات إنتاج الأفلام تكتب أسماء الممثلين على إعلانات الفيلم، حتى أسماء هؤلاء الذين يقومون بالأدوار الرئيسية. كان الهدف من وراء هذا التصرف الذي يبدو لنا اليوم غريبا هدفا ماليا بحتا، فقد كانت الشركات لا تريد أن يشعر الممثلون بأهميتهم في تقديم السلعة السينمائية، فيطالبوا برفع أجورهم! لكن لم يمض على ظهور أول فيلم سوى عقد واحد، حتى ارتبط الجمهور بهذه الصور الكبيرة على الشاشة البيضاء في ظلام قاعة العرض، لوجوه أصبح يألفها فيلما بعد الآخر، فأصبح بعض الممثلين والممثلات نجوما ونجمات، وأسس بعضهم شركات خاصة به لإنتاج أفلامه. لقد اتضحت الحقيقة وراء هذا الشكل الفني الجديد، الفيلم، إنه ليس السلعة في حد ذاته، بل إن النجم هو السلعة!! تبدو النجومية في السينما أحيانا كأنها نوع من السر الغامض، فلماذا يصبح بعض الممثلين متوسطي الموهبة (في أغلب الأحوال) نجوما، بينما يفشل ممثلون آخرون في تحقيق هذه النجومية؟ لكن الإجابة ببساطة هي أن المتفرج لا يدخل إلى عالم الفيلم ليقيس مواهب من صنعوها، والسينما بطبيعتها الساحرة تشكل عالما مستقلا يغرق فيه المتفرج طوال الفيلم، وهو يبحث في هذا العالم عن شيئين في وقت واحد: تشابه مع العالم الحقيقي الذي جاء منه، واختلاف محدد عن هذا العالم، وهذا الاختلاف يتجسد في أن الأماني التي لا تتحقق في الواقع تجد الفرصة لتحقيقها في الفيلم حتى لو كان ذلك وهما. باختصار: الفيلم مزيج من الواقع والحلم معا، والنجم هو تجسيد هذا المزيج الغريب. ولن ينجح النجم في ذلك إلا بمواصفات خاصة متغيرة، فليست هناك قاعدة مطلقة في هذا السياق، إذ يجب أن يكون النجم تعبيرا عن زمان ومكان محددين، أو قل تعبيرا عن مجتمع بعينه، ومواصفات النجم في عصر تختلف عن عصر آخر حتى لو كان يفصل بين العصرين سنوات قليلة. في العشرينيات والثلاثينيات مثلا كان إيرول فلين وفالنتينو ودوجلاس فيربانكس هم فتيان الشاشة في السينما الأمريكية، فقد كانت وسامتهم هي المفتاح لقلوب الجماهير التي تمنت في ظلام قاعة العرض أن تعيش بطريقتهم. لكن بعد الحرب العالمية الثانية، ووسط مناخ يتسم بالشك في الساسة والسياسيين، كان همفري بوجارت بسماته النفسية المتشائمة هو الأقرب لوجدان هذه الجماهير، بينما كان مارلون براندو وجيمس دين هم نجوم جيل الخمسينيات المتمرد، الذي رفع راية العصيان على الأفكار التقليدية الجاهزة للثقافة الأمريكية المعاصرة. حين اكتشفت صناعة السينما هذه العلاقة الوثيقة بين النجم والسياق الاجتماعي، لم تترك الأمور للصدفة، وبدأ اختيار النجوم للترويج لأفكار اجتماعية بعينها، وهذا ما نسميه أحيانا "صناعة النجم". والسؤال هنا: هل نجحت السينما المصرية في ذلك حقا، أم أن الأمر كله يمضي على نحو عشوائي؟ خرجت السينما المصرية من دهاليز المسرح، سواء الميلودرامي أو الغنائي الكوميدي، وانتقل نجوم هذا المسرح إلى الشاشة، من يوسف وهبي إلى نجيب الريحاني، لكن هؤلاء لم ينطبق عليهم مصطلح "فتى الشاشة" بحق، في الوقت الذي جاء فيه الأخوان بدر وابراهيم لاما من بلاد أمريكا اللاتينية ليصنعوا فتى شاشة يشبه فالنتينو، في أفلام تصور فتى بدويا يكتشف في النهاية أنه ابن أحد الأرستقراطيين الذي ضاع من أسرته في طفولته!! لكن عندما أصبحت السينما - بالقرب من نهاية الثلاثينيات - هي وسيلة الترفيه الأولى للطبقة الوسطى، كان من الضروري ظهور فتى شاشة يشبه على نحو ما أبناء هذه الطبقة، مثل حسين صدقي وأنور وجدي ومحسن سرحان. ولم يكن غريبا أن يعبر فيلم "العزيمة" مثلا عن أحلام هذه الطبقة في الصعود الاجتماعي، ممثلا في "محمد أفندي" الذي يجسده حسين صدقي، وأن يؤكد الفيلم أن هذا الصعود لن يأتي بالجهد وحده، ولكن برعاية الطبقة الأرستقراطية أيضا. في ذلك العصر ذاته كانت الإذاعة تمارس تأثيرا كبيرا على الجمهور، الذي يسمع هذا المطرب أو ذاك دون أن يعرف شكله إلا من خلال الصحف، فجاءت السينما لتعرض المطرب حيا بصوته وجسده، لتدخل مجموعة من هؤلاء المطربين واحدا بعد الآخر لعالم الأفلام، مثل محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وعبد الغني السيد، وأن يسفر دخولهم أيضا عن التطورات الاجتماعية، فمحمد فوزي على سبيل المثال أقرب لأبناء الطبقة الوسطى، بينما كان عبد العزيز محمود وكارم محمود أكثر قربا من أبناء الطبقة العاملة. في الخمسينيات كانت الطبقة الوسطى في طريقها إلى للصعود الاجتماعي والسياسي، لذلك كان فتى الشاشة – حتى في صورة المطرب أو المغني – منتميا لهذه الطبقة، وكان عبد الحليم حافظ وأقرانه تجسيدا لهذا الفتى، برومانسيته وصدقه الأخلاقي، بينما ظهرت سلسلة من فتيان الشاشة في تنويعات عديدة: عماد حمدي الذي يتفانى في التعامل مع قضاياه العاطفية والواقعية، وشكري سرحان بقدر من التمرد الذي ينتهي عادة بالرضا، وأحمد رمزي وحسن يوسف بما يمكن أن نسميه "شقاوة" الشباب وطيشه، بينما كان رشدي أباظة تجسيدا للرجولة وتحمل المسئولية. شهدت السبعينيات انقلابا كاملا في مفهوم فتى الشاشة، فبعد سيادة أفكار التفاعل مع الواقع بشكل إيجابي في المرحلة السابقة، والتفاؤل بهذا التفاعل، جاء وقت بيع أحلام الرفاهية والثراء مع ما يسمى سياسة الانفتاح، ليكون نموذج فتى الشاشة متجسدا في اثنين من الممثلين الذين صنعوا آنذاك عشرات الأفلام: محمود ياسين وحسين فهمي، وبرغم الاختلاف الشكلي بينهما إلا أنهما يشتركان في ملامح نفسية واحدة، فهما لا يمارسان في الفيلم عملا محددا، لكنهما مشغولان تماما بقضايا عاطفية خالصة، تدور في أجواء لا علاقة لها بالواقع الحقيقي من قريب أو بعيد، وكان ذلك بيعا صريحا من السينما لحلم وهمي لجمهورها. وعندما اصطدمت الأجيال الجديدة في العقد التالي بالواقع المرير، كان لابد أن يظهر بطل جديد، له ملامح نفسية ممزقة، وملامح جسمانية تبتعد تماما عن الصورة التقليدية، ليصبح أحمد زكي أو يحيى الفخراني نموذجا جديدا لفتى الشاشة، أو حتى عادل إمام في أفلام الثمانينات قبل أن ينتقل لمرحلة نجومية زائفة، فقد كان آنذاك يمثل "الفهلوي" الضعيف الذي يتحايل لكي يطفو وينجو من الطوفان الاجتماعي، باستخدام القواعد المشوهة لهذا المجتمع ذاته. لكن "الزلزال" السياسي على المستوى العالمي والقومي، بين الثمانينات والتسعينيات، والمستمر حتى اليوم، أدى لمتغيرات لا تعبر بحرية وتلقائية عن متغيرات اجتماعية أو اقتصادية، فأصبح نموذج فتى الشاشة يتم اختياره بشكل زائف أو سطحي في أفضل الأحوال. لقد أصبح المسرح التجاري بالغ الإسفاف هو مصدر استيراد فتيان الشاشة إلى السينما، وهكذا ظهرت مجموعة من يسمون "المضحكون الجدد"، مثل محمد هنيدي ومحمد سعد وعلاء ولي الدين، ومن المستحيل أن ينطبق على هؤلاء وأمثالهم مفهوم "النجم" بمعناه الأصيل، حيث لا يتوحد الجمهور مع أحد منهم أو يتصور نفسه مكانه، لقد أصبح فتى الشاشة نوعا من "الفرجة"، يمكن أن يقلدها المتفرج أحيانا لكنها لا تمثل له حلا ولو وهميا لمشكلاته النفسية والواقعية. من جانب آخر جاء نموذج فتى "الأكشن"، أحمد السقا وأحمد عز وكريم عبد العزيزوهاني سلامة وأشباههم مثل مصطفى شعبان ومحمد رجب، إنه الفتى الذي يتصور نفسه خفيف الظل لكنه في الحقيقة يتعامل مع الأمور الجادة بخفة، لترويج مفاهيم التماشي مع العصر والزمن والظروف بما يُطلَق عليه "تكبير الدماغ"!! وإذا كان يبدو أن هذا البطل سوف يستمر لفترة إذا لم يكن هناك في الأفق ما يدل على تغيير اجتماعي حقيقي، فإن هناك مجموعة من الممثلين الذين يصلحون للتعبير عن فتى شاشة جديد، مثل عمرو واكد وآسر ياسين ومحمد رمضان، لكن هل سوف يتم السماح لهم بذلك؟ سؤال لن تجيب عليه صناعة السينما وحدها، لكنه مرهون أيضا بظهور سياق اجتماعي وسياسي جديد، يكون أكثر التصاقا بالواقع وأصدق تعبيرا عنه، لكن هذا ما يزال جنينا في رحم المستقبل، ينتظر اللحظة المناسبة لكي يظهر إلى الوجود.

Saturday, January 21, 2012

خريطة التمثيل والممثلين في السينما المصرية (2 من 4) "السنِّيد": المرآة التي يرى فيها البطل نفسه!!

يخترع النقد الأمريكي أحيانا مصطلحات تبدو للوهلة الأولى غامضة، لأنه يستعين فيها بكلمات عامية، ففي عالم الأشكال الدرامية كالمسرح أو السينما أو التمثيليات التليفزيونية هناك شخصية يطلق عليها النقاد الأمريكيون "البطانة اللامعة"، أو "الرقاقة المعدنية"، وعبثا إن حاولت أن تجد لمثل هذه الكلمة أثرا في الدراسات الأكاديمية، برغم أنها تعني ببساطة ما نطلق عليه "السنيد"، وسبب التسمية الأمريكية هو أن هذه الشخصية – رجلا كانت أم امرأة – ترافق البطل أو البطلة، مهمتها ومعنى وجودها أنها تبرز ما يفكر فيه البطل أحيانا، أو أن يبدو السنيد ضعيفا فتتضح قوة البطل، أو أن يكون السنيد مترددا فتصبح شجاعة البطل بادية للعيان. هناك العديد من التنويعات على هذه الشخصية طوال تاريخ الفنون الدرامية، بل إنها تصبح أهم في بعض اللحظات من العمل، ففي مسرحية شكسبير "روميو وجولييت" على سبيل المثال، يكون مصرع صديق البطل لحظة فارقة، إنه يلقي ضوءا قويا على عبثية الصراع بين العائلتين المتقاتلتين للحبيبين، وفي "الملك لير" يكون المهرج هو صوت العقل الذي ينبه الملك العجوز أنه يرتكب حماقة كبرى عندما يمنح مملكته لابنتيه وهو ما يزال حيا. وفي حالات أخرى يمكن للسنيد أن يكون هو القوة الحامية للبطل في الأزمات، أو الإنسان الذكي الذي يساعد البطل على فهم ما يحدث له. اعتدنا للأسف في فنوننا الدرامية على عدم الاهتمام كثيرا بهذه الشخصية، برغم أنها المرآة التي يرى فيها البطل نفسه، ويساعدنا نحن أيضا على مزيد من وضوح الرؤية. ولعل مصدر هذا الموقف من صناع أعمالنا، وأفلامنا بشكل خاص، يأتي من الاهتمام شديد المبالغة بشخصيات الأبطال على حساب كل شيء آخر، سواء من حيث مساحة الدور أو حتى خصائص رسم الشخصية، وربما يعود ذلك إلى المفهوم السائد الخاطئ عن "البطولة" الفردية، التي تعمل وحدها كأنها في فراغ، تهبط فجأة علينا فنمنحها تفويضا كاملا بالتحكم في أمور حياتنا، وقليلا ما ننتبه إلى أنه لا يمكن أن يكون هناك إنجاز حقيقي في أي مجال إلا بالاشتراك الجماعي في صنعه. ومن الملاحظ في السينما المصرية أن ممثلي وممثلات دور السنيد كانوا في الأغلب يقبعون في الظل، متوارين إلى جوار البطل أو البطلة، برغم أنه في حالات كثيرة كانت تلك الشخصية الثانية هي التي تبقى في ذاكرة المتفرج، بفضل موهبة صاحبها وبريق حضوره. وإذا كانت السينما الأمريكية على سبيل المثال هي التي بدأت بصنع هذه "التوليفة" وقلدتها صناعات السينما الأخرى، فقد انتبهت منذ وقت مبكر لأهمية دور السنيد، وليس أدل على ذلك من أن جوائز "الأوسكار" تُمنح لأفضل ممثل مساعد وممثلة مساعدة, بل شهدت السنوات الأخيرة قيام ممثلين بارزين بأداء هذه الأدوار، مثل مورجان فريمان في فيلم "سبعة" إلى جانب براد بيت، أو أن النجم الساطع حاليا جورج كلوني ينتج ويخرج فيلم "تصبحون على خير وحظا سعيدا" فلا يحتكر دور البطولة لنفسه، بل يختار بمنتهى التواضع دور السنيد. وإذا كانت السينما المصرية قد وُلدت في بداياتها الأولى من عالم المسرح، وشهدت بطولات يقوم بها ممثلون كوميديون مثل فوزي الجزايرلي أو على الكسار، فسرعان ما انتقل هؤلاء إلى دور السنيد، عندما حان الوقت لظهور "فتى الشاشة" على الطريقة الهوليودية، الوسيم الأنيق الرزين الذي لا يمكن أن يكون ذا نزعة ساخرة أو تهريجية. وهكذا ظهرت سلسلة طويلة من ممثلي دور السنيد الذين لا يتوقفون عن إلقاء النكات أو أداء الحركات التي تثير الضحك، حتى في أكثر اللحظات صعوبة، بما يسمونه في الدراما "عوامل تخفيف التوتر"، لعل الضحكة تجعل المتفرج أكثر قدرة على تحمل ثقل الأحداث وتعقيدها. ومن هؤلاء الممثلين نجد على سبيل المثال عبد الفتاح القصري بلهجته الشعبية وادعائه الزائف بالشجاعة، وحسن فايق بضحكته الساخرة التي تميز بها وبقدر من التصرفات الخرقاء، أو حتى شكوكو الذي يلقي النكات هنا وهناك، لكنه يمثل سببا لكي نسمع – نحن المتفرجين - ما يفكر فيه البطل، وأخيرا عبد السلام النابلسي أو عبد المنعم إبراهيم، اللذان يضع السيناريو على لسانيهما بعض الجمل التي تضيء لنا ما يجري من أحداث، أو تفتح طريقا للخروج من أزمة وصلت لها الدراما. من بين هؤلاء الممثلين الكوميديين الذين تخصصوا في دور السنيد، لم يتح إلا لاسماعيل ياسين وحده أن يتحول إلى دور البطولة بل النجومية، على نحو لم يتح في أية فترة لاحقة إلا لعادل إمام. وربما كانت هناك صلة بين الحالتين، إن اسماعيل ياسين ظهر في الخمسينيات، حين حان ظهور البطل ذي الملامح العادية أو حتى التي تخلو من الوسامة، إنه يبحث له عن مكان تحت شمس الحياة، سلاحة هو طيبة قلبه. في الثمانينيات كانت هناك حاجة مماثلة لظهور بطل مشابه، لكنه يتسلح هذه المرة بقدر هائل من "الفهلوة"، يتناسب مع ما أصاب المجتمع من تعقيد، حيث أصبح المعيار هو ما يملك الإنسان من مال أو سلطة، ولم يعد هناك مكان لطيبي القلوب! ومع صعود الطبقة الوسطى خلال الخمسينيات ثم الستينيات، كانت شاشة السينما مستعدة لظهور ممثلين جدد في أدوار السنيد، وهو هذه المرة ليس مهرجا خفيف الظل، كما أنه لا يقل عن بطل الفيلم وسامة، فكان عمر الحريري نموذجا لهذه الشخصية، ومن بعده صلاح ذو الفقار ورشدي أباظة وأحمد مظهر (الذين انتقلوا سريعا لأدوار البطولة). وفي الجانب النسائي لم يكن الحال مختلفا، فظهرت ممثلات مثل زهرة العلا، وسهير البابلي، وليلى طاهر. بعدها دخل دور السنيد في أزمة، فمنذ السبعينيات وحتى اليوم هناك العديد من أجيال الممثلين الذين يقومون بهذا الدور، لكنها أجيال مظلومة بحق، إذ اقتصرت الأضواء على الأبطال والبطلات فقط، وربما كان الممثل أو الممثلة اللذان يقومان بهذا الدور لا يفكران إلا في اليوم الذي سوف ينتقلان فيه إلى أدوار أهم تقترب بهم من النجومية, وكان هذا في الحقيقة انعكاسا لمناخ اجتماعى يضع "الفرد" في مكانة أهم من "المجموع"، وباتت معايير النجاح تتجاوز الشروط الأخلاقية لتحقيقه. سوف أذكر لك هنا بضع أسماء على سبيل المثال لا الحصر، وحاول أن تتذكرها: نبيل الحلفاوي، وصبري عبد المنعم، وعبد الله محمود، ووائل نور، وعماد رشاد، وخالد زكي، ومن بين الممثلات حنان سليمان، وناهد رشدي، وفايزة كمال، وإجلال زكي، وبثينة رشوان، وجيهان فاضل. إنهم جميعا لا يقلون موهبة عن آخرين صعدوا فجأة إلى النجومية، بينما انتهى الحال بهؤلاء إلى الظل في أغلب الأحوال. سأضرب لك مثالا على براعة بعضهم: دور نبيل الحلفاوي في فيلم محمد خان "سوبرماركت"، دور قصير لكنه بالغ الأهمية، لأنه الوجه الآخر والعملي لشخصية البطل الضائع في زحام الحياة، كذلك دور بثينة رشوان في فيلم رضوان الكاشف "ليه يابنفسج"، للفتاة الفقيرة التي تناضل عبثا من أجل تحقيق أمنيتها المتواضعة بأن تنال قلب محبوبها. ويمكنك أن تتخيل هذين الفيلمين بدون هذين الدورين، وسوف تكتشف أنهما سوف يفتقدان الكثير من التأثير الدرامي. يعكس الوضع الحالي لأدوار السنيد ما وصلت إليه السينما المصرية من عشوائية كاملة، فإذا كان هناك ممثلون موهوبون مثل ماجد كدواني أو ياسر جلال، وممثلات موهوبات مثل كارولين خليل أو حورية فرغلي، يؤدون هذا الدور وهم يتمتعون بموهبة حقيقية، فقد فتح المنتجون أبوابهم أمام عشرات من الذين لا يمتلكون أية موهبة، مثل أمير شاهين أو تامر هجرس أو ساندي، فباتت الأفلام نوعا من "التسلية" بالمعنى السلبي للكلمة، ليس تسلية الحمهور والترفيه عنه، ولكن تسلية من يقومون بصنع الفيلم ذاته، وهكذا تخلت السينما المصرية عن أبسط أدوارها، حين تخلت عن ذلك الدور الذي يبدو بسيطا وإن كان مهما: دور السنيد.

Friday, January 20, 2012

خريطة التمثيل والممثلين في السينما المصرية (1 من 4) ممثلو الشخصيات الثابتة: أبطال حقيقيون لكنهم ليسوا أبطالا سينمائيين

مأساة السينما المصرية المعاصرة تتلخص في عبارة من كلمتين: "البطولة المطلقة"، ذلك المفهوم الزائف الذي انتشر كما النار في الهشيم، فكل الممثلين يسعون إلى العثور على أدوار البطولة التي تدور فقط حول الشخصية التي يجسدونها، خاصة إذا كانت تظهرهم في هالة من الشطارة و"الفهلوة" والوسامة، كأن هذا الفيلم أو ذاك بطاقة يقدمها الممثل لأهل عروس منتظرة، وليس عملا فنيا يحتوي على شخصيات لا علاقة لها بالملامح الأصلية للممثل، وإن كانت تعبر بالضرورة عن شخصيات في الواقع الفني الذي هو في التحليل الأخير انعكاس للواقع الحقيقي. ينسى ممثلونا أو يتناسون أنه لا وجود لعمل درامي دون أن تكون هناك شخصيات عديدة، منها الرئيسي ومنها الثانوي، بل إن الشخصيات الثانية والثانوية هي الأرض التي تقف عليها الشخصيات الرئيسية، وبقدر صدق وبراعة الشخصيات الثانوية يكتسب الفيلم مصداقية لدى المتفرج. ويمكنك أن تدرك عمق الأزمة التي يعاني منها "فن" السينما في مصر الآن من ندرة الممثلين الذين يؤدون الأدوار الثانوية أو الثانية، حتى أصبح تكرار ظهور القلة منهم مدعاة للسخرية أحيانا (يمكنك مثلا أن تعد عدد الأفلام التي يظهر فيها الآن حسن حسني في دور الأب!)، على عكس الفترة الكلاسيكية لهذه السينما، التي كان فيها عبد الوارث عسر وحسين رياض وعشرات غيرهم يؤدون هذا الدور. الأبطال الحقيقيون لأي فيلم هم هؤلاء الذين يؤدون ما يسمى "أدوار الشخصيات النمطية"، إن عليهم أن يجسدوا شخصية ثابتة فيلما بعد الآخر، ومع ذلك لابد أن يقدموا قدرا كبيرا من الصدق في هذا الأداء، وتلك هي الصعوبة الكبرى في عملهم. وفي السينما العالمية أصبح من الراسخ الاعتراف والتقدير لمثل هؤلاء الممثلين، الذين قد تفرض عليهم بعض العوامل أن يظلوا محصورين في دور واحد، فقد يكون السبب هو الملامح الجسمانية للممثل (خاصة أن السينما هي فن الصورة والسمات الظاهرة)، فقد يكون الممثل قصيرا أو بدينا أو عملاقا، أو قد يكون وجهه طفوليا بريئا أو ينم عن الشراسة، أو لعله يبدو عليه تقدم العمر برغم كونه صغيرا، كما أن صوته يحدّ أيضا من الأدوار التي يجسدها. وهناك حالات كثيرة كان السبب هو نجاح الممثل في دور بعينه، فأصبح ملتصقا به في معظم حياته الفنية، ولا يقلل ذلك أبدا من موهبته، والأمثلة لا تحصى من السينما الأمريكية، إن ستيف بوشيمي اشتهر بدور المجرم البليد المشاعر والغبي في بعض الأحيان، وبول جاماتي التصق بدور الرجل العاطفي الذي لا تنم ملامحه عن ذكاء متقد، وظل الممثل الشكسبيري المسرحي القدير جيمس إيرل جونز محصورا في أدوار القائد أو المدير الغامض، بسبب صوته الجهوري العميق، الذي أهله أيضا ليقوم بالأداء الصوتي في بعض أفلام التحريك. لن يكون غريبا أن يجد هؤلاء الممثلون يوما فرصة لامعة لأداء مساحة أكبر من الأدوار، لأن السينما الأمريكية تقدم تنويعة كبيرة من الأفلام، وأصبح بوشيمي وجاماتي الآن من ممثلي الصف الأول أيضا. لكن الأمر يختلف في السينما المصرية، التي لم تعرف هذا التنوع في أنماطها السينمائية، وقد زاد الأمر صعوبة في الفترة الأخيرة، عندما لم يعد هناك إلا نمطان فيلميان هما "الأكشن" والكوميديا وحدهما. لكن تأملا لتاريخ السينما المصرية، حتى وقت قريب، يدل على وفرة هائلة في المواهب التي تقوم بأدوار الشخصيات الثابتة، وسوف نذكر الآن بعضا منها حتى ننعش ذاكرتنا. ابحث مثلا عن شرير، فسوف تجد استيفان روستي شريرا له مسحة خاصة تكاد أن تقترب من الكوميديا، كما أن هناك علوية جميل كامرأة لا تتحدث إلا شرا! هل تريد فتوة؟ على الفور سوف يتبادر إلى الذهن فريد شوقي ومحمود المليجي (في المرحلة الأولى من حياتهما) وزكي رستم، أما شيخ الجامع فهو مثلا حسن البارودي أو محمد شوقي، والخادمة وداد حمدي، والنوبي علي الكسار، والأبله يبرع فيه عبد الغني قمر أو محمد توفيق، والأمي خفيف الظل عبد الفتاح القصري، والأم فردوس محمد، والشاويش رياض القصبجي، والصعيدي محمد التابعي وعبد الغني النجدي والسيد بدير، حتى أدوار ثقلاء الظل الذين يجسدون عبئا نفسيا على البطل أو البطلة فهناك صلاح نظمي في أدوار الرجال و لولا صدقي في أدوار النساء. ربما بدا للوهلة الأولى أن هؤلاء وأمثالهم يعانون من سوء الحظ لانحصارهم في أدوار بعينها، لكن الحقيقة عكس ذلك تماما من الناحية الحرفية، فممثل الشخصيات الثابتة قد يجد عملا في عشرة أفلام بينما لا يجد ممثل لأدوار أكبر فرصة إلا في فيلم أو اثنين، كما أن هناك ممثلين برعوا في العديد من الشخصيات الثابتة والمتنوعة أيضا إلى درجة التناقض أحيانا، مثل عدلي كاسب أو فاخر فاخر أو جميل راتب، الذين يمكنك أن تتخيلهم دون عناء في أدوار الأشرار أو الأخيار. الحال اليوم أصبح للأسف الشديد مختلفا تماما، وربما انقلب أيضا على نحو مثير للدهشة، فقد انتقلت الأدوار النمطية إلى من يسمون أنفسهم باسم "النجوم"!! منذ عقدين أو ثلاثة، لم يكن أحد يتصور أن يصبح الشخص المتخلف عقليا شخصية رئيسية في العديد من الأفلام، وربما يكمن تفسير ذلك في السياق الاجتماعي الذي يعيش فيه الغبي مرتاحا لأنه متسق مع الظروف (!!)، وهكذا ظهرت شخصية لمبي مثلا في فيلم "الناظر"، لتنال استحسان الجمهور، ويمسك محمد سعد بتلابيبها ولا يفلتها من بين يديه أبدا، ويقدم عليها تنويعات عديدة. وبالمثل تبدو شخصية الأم كما أدتها عبلة كامل، تتسم بالفظاظة ولا علاقة لها بالحنان الذي كان من الملامح التقليدية للأم، لتصبح بطلة في "خالتي فرنسا" وغيرها. وينجح "قرموطي" أحمد آدم في مسلسل إعلاني يدعى "سر الأرض" تنتجه وزارة الزراعة، فيصبح بطلا في فيلم "معلهش إحنا بنتبهدل"، ويشتهر أحمد مكي في مسلسل "تامر وشوقية" بشخصية شاب مستهتر، ذي شعر منفوش، اسمه "إتش دبور"، فيصنع له فيلما بهذا الاسم، كما ينقله إلى فيلم "مرجان أحمد مرجان"، ولأن أحمد مكي بارع في صنع هذه الشخصيات ذات الملامح الخاصة، تراه يستعيرها في أفلامه مثل شخصية "الكبير قوي" أو "حزلقوم"!! الغريب أن تمتد هذه المحاولات إلى شخصيات لا يمكن وصفها إلا بأنها عابرة، مثل وديع وتهامي بطلي إعلانات إحدى الفضائيات التي صنعت لهما فيلما هذا العام طواه النسيان سريعا، ويقال أن في الطريق إلينا شخصيتين معتوهتين اسمهما شبرو وبكرو ظهرا في مسلسل "شارع عبد العزيز"، وفي الأغلب لن يكون لهما الكثير من الحظ. إن ذلك ليس نوعا من التنبؤ، بل إنه التوقع المبني على أبجديات الفن والدراما، فقد تصور صناع الأفلام المصرية وتجارها في الفترة الأخيرة أنه كلما زادت غرابة الشخصية الثابتة (إلى درجة إثارة النفور أحيانا)، ازداد إعجاب الجمهور بها. وهذا المفهوم يعتمد على اعتبار أن السينما أقرب إلى فنون "الفرجة" بالمعنى السلبي للكلمة، مثل السيرك أو صندوق الدنيا. لكن الحقيقة غير ذلك، فالسينما في جوهرها تعتمد على الدراما، في رسم الشخصيات أو بناء الحبكة، وليس الشخصيات بالغة الغرابة. إن أجمل ما في السينما هو أننا نرى في الأضواء والظلال على الشاشة جزءا من واقعنا، وجزءا من حلمنا، وهذا ما ابتعدت عنه السينما المصرية في الآونة الأخيرة، وهو ما ينعكس أيضا على خريطة التمثيل والممثلين بها، وإذا كان هذا هو حال ممثل الشخصيات الثانوية الآن، فذلك هو مصير باقي أجزاء الخريطة، لا فرق بين "السنيد" أو النجوم والنجمات، فحتى فتيان الشاشة وفتياتها لن يفلتوا من نفس المصير!!

Wednesday, October 05, 2011

فيلم "حتى المطر" إنهم يسرقون منا سر الحياة!!


"حتى المطر"، عبارة يمكنك أن تنطقها بطرق عديدة، بشكل تقريري، أو استفهامي، أو استنكاري، وهذا هو المقصود تماما في الفيلم الإسباني "حتى المطر"، الذي يدور حول مهزلة ومأساة تعيشها الطبقات الفقيرة، في دول تسيطر عليها حكومات عميلة، ففي بوليفيا في بداية القرن الواحد والعشرين، اتفقت الحكومة مع شركات متعددة الجنسية على فكرة شيطانية، بأن يبيعوا للمزارعين الفقراء مياه المطر، وهو ما يذكرك بمشروع مماثل كانت تفكر فيه الحكومة المصرية ببيع مياه الري للفلاحين، ولا أدري إن كانت الفكرة ما تزال قائمة، فلا تملك إلا أن تصرخ: "حتى المطر؟!!".
يأتي هذا الفيلم الإسباني في سياق مراجعة راديكالية من جانب بعض المثقفين في أسبانيا الآن، للسياسات الغربية التي حملت تناقضات الرأسمالية بكل شراهتها للمال، على حساب أي شيء وكل شيء. إنها المراجعة التي تنظر إلى الماضي في أسى وغضب معا، كأن الحضارة الغربية تسأل نفسها: "ماذا فعلتُ للإنسانية وبها، بذلك المشروع الاستعماري من عصر النهضة حتى الآن؟". ونحن – أهل الشرق – تعودنا بدورنا ألا نثق في هذه المراجعات، بينما لا نفعل شيئا في الحقيقة سوى الاستهجان، أو إصدار أحكام متعجلة تصل إلى درجة الرعونة، وهو ما يذكرني بقول البعض أن فيلما سابقا للمخرج الأمريكي تيرانس ماليك، هو "العالم الجديد"، يكرر الدعاوى العنصرية حول اكتشاف الأمريكتين، بينما كان الفيلم في جوهره هجاء لمصطلح "العالم الجديد" ذاته، فهذا العالم كان موجودا قبل أن يعرفه الأوربيون، وله حضارته الراسخة، لكن بعضنا يحلو له الإطاحة حتى بمن يقفون في صفوفنا، أو قل بالأحرى صفوف الإنسانية بمعناها الشامل.
وفيلم "حتى المطر" ليس بعيدا عن إعادة اكتشاف لتيمة استكشاف هذا "العالم الجديد"، وسوف تجد بداخله فيلما عن كريستوفر كولومبس وهو يرسو على شاطئ البلاد التي تصورها بشكل خاطئ على أنها الهند، وأطلق على أهلها "الهنود الحمر"، وقال إنه يضم هذه البلاد للإمبراطورية الإسبانية، وفي الوقت الذي رفع شعار التبشير بالمسيحية، و"هداية" أهل البلاد للجنة والنار، ليرفع عنهم الخطيئة، كان يمارس أبشع الخطايا الإنسانية، فقد كان جل همه هو أن يجمع له كل فرد منهم قدرا من الذهب كل يوم، ومن يفشل تُقطع يده، بينما هو يحرق المتمردين منهم أحياء!!
كتب المؤرخ الأمريكي البارز "هوارد زين" عن ذلك أن الغربيين أعطوا الإنجيل إلى الهنود الحمر، وأخذوا منهم أرضهم مقابله، وياليتهم تركوا لهم الأرض ولم يقوموا بهذه الصفقة الظالمة!! وسوف تقرأ إهداء في بداية فيلم "حتى المطر" إلى هوارد زين، الذي تأثر به صناع الفيلم كثيرا. لكن الفيلم ليس في جوهره عن رحلة كولومبس في حد ذاتها، فتلك المشاهد التي رويتها لك ليست في الحقيقة إلا فيلما داخل الفيلم، فالحبكة الرئيسية تدور حول فريق من السينمائيين يذهب إلى بوليفيا ليصور هذا الفيلم، وبرغم أن بوليفيا لم تكن الأرض الأولى التي رسا فوقها كولومبس، فقد تم اختيارها لأنها فقيرة، حيث يمكن تأجير فرد "الكومبارس" بدولارين كل يوم، لا ليمثل فقط وإنما لكي يقوم بالأعمال اليدوية أيضا، ومصدر المفارقة الساخرة المريرة هنا هو أن صناع الفيلم يصنعون فيلما عن الاستعباد الذي قام به كولومبس، لكنهم هم ذاتهم يمارسونه!!
أرجو أن تلاحظ هذه اللمسة الساخرة من الذات في كل ثنايا الفيلم، الذي يستخدم حبكة "الفيلم داخل الفيلم" ليصنع توازيات واختلافات بين الواقع والفن، لكن دعنا نبدأ من البداية. نحن مع المخرج سيباستيان (جايل جارسيا ماركيز) الحالم منذ سنوات بتفيذ هذا المشروع الناقد لكولومبس، وهو يأتي إلى هنا بصحبة المنتج المنفذ كوستا (لويس توسار) الذي لا يهتم إلا بتوفير أكبر قدر من المال، وهو ما يبدو على الفور مع مشهد اختيار كومبارس من أهل البلد الفقراء، المصطفين في طابور طويل انتظارا للقرار، لكنهم يصدمون عندما يعرفون أنه ليست هناك حاجة إليهم، ليثور من بينهم رجل يصطحب ابنته، وبينما يتعاطف معه المخرج فإن المنتج يرى في ذلك تضييعا للوقت، لكن حماس الرجل، ووجهه المنحوت كأنه تمثال هندي أحمر قديم، يقنعان المخرج بأن يسند دور زعيم المتمردين إليه.
بدءا من هنا يبدأ نوع من التداخل بين الإطار الخارجي (صناعة الفيلم حول كولومبس) وفيلم كولومبس بالداخل، ليس فقط من أجل محاولة خلق توازٍ بين هذا وذاك، على العكس فإن الخطين يتلاقيان أحيانا لكنهما يتباعدان في أكثر الأحيان، خاصة أن مساعدة المخرج تصور أحيانا لقطات بكاميرتها لفريق العمل, ونرى هذه اللقطات على الشاشة، وهكذا تكون لديك ثلاث مستويات للسرد: فيلم عن المخرج وحلمه بأن يصنع فيلما، ومشاهد من الفيلم الذي يصنعه، وثالث تصوره مساعدته يجعلك تصدق أن ما تراه من الفيلمين السابقين حقيقي تماما.
يجتمع الممثلون لكي يجروا "بروفات" القراءة، وهنا نتعرف على الممثل الذي يقوم بدور كولومبس، إنه العجوز أنطون (كارا إليخالدي) الذي تشعر أنه يحمل على كتفيه سنوات مثقلة بالأمال المحبطة، حتى أنه يغرق في شرب الخمر، لكن المثير هو أنه يرفض تماما النزعات اللا إنسانية عند كولومبس الذي يجسده، لكنه في أول مشهد يظهر فيه يبدو مندمجا تماما في الشخصية، إنه يقف في مطعم الفندق يتلو بعض سطور من دوره، ويعلن عن أنه نزل إلى هذه الأرض التي أصبحت ملكا لملكة إسبانيا ولله (!!)، ويتوجه إلى عاملة المطعم التي يتعامل معها على أنها هندية حمراء، ويلاحظ القرط الذهبي في أذنها فيخلعه ويحمله في يده ويسألها في انبهار وقسوة من أين أتت بهذا الذهب، وهي لا تجيب بالطبع لأنها لا تعرف ما يدور، ليفيق في النهاية من انماجه في الشخصية ويعتذر لها.
وبقدر حماس الممثل الذي يقوم بدور كولومبوس للهنود الحمر، نرى موقفا معاكسا من الممثل ألبيرتو (كارلوس سانتوس) الذي يجسد دور القس لاس كاساس، هذا القس الذي أدرك المظالم التي يعاني منها الهنود باسم المسيح، فالممثل يبدو لا مباليا بمضمون دوره، أو يتصرف أحيانا على عكس هذا المضمون. وهذا الانقلاب للأدوار يبدو أوضح ما يكون مع المخرج سيباستيان الذي يبدأ متعاطفا، والمنتج كوستا الذي يبدأ استغلاليا، فكل منهما سوف ينتهي عكس ما بدأ، وهذا التحول يؤكد على "الدراما" المطلوب وجودها في أي فيلم جيد، لأنها تتوقف عند المشاعر والأفكار المرهفة وتغيراتها، بما يجعل المتفرج أقرب للتفاعل والتوحد. أما الشخصية الوحيدة في الفيلم التي سوف ينطبق وجودها في الواقع وفي الفيلم داخل الفيلم فهو دانييل (خوان كارلوس أدوفيري)، الهندي الأحمر المتمرد، سواء في بوليفيا المعاصرة، أو في دور "آتوي" زعيم التمرد في الفيلم عن كولومبس.
مصدر التصادم والتعارض والتلاقي بين الواقع والفن هو ما يحدث في هذه القرية البوليفية الآن، حيث السلطات تمنع أهل البلاد من حفر الآبار بحثا عن مياه المطر، لأنها تنوي أن تبيع لهم هذه المياه عن طريق شركة أمريكية. وهنا يتزعم دانييل اعتراض أهل القرية ضد السلطات، إنه يذهب إلى المدينة حيث يقود المظاهرات، بما يعرضه للضرب المبرح من رجال الشرطة والجروح التي تصيب وجهه. وما يهم المنتج كوستا في ذلك كله ليس معاناة الأهالي أو القمع الذي يتعرضون له، فكل ما يهتم به هو الخسارة المالية التي سوف يتعرض لها الفيلم، إن لم يستطع دانييل إكمال دوره بعد أن قطعوا شوطا في التصوير، فكأنه الوجه المعاصر لاستغلال كولومبس، برغم أن يصنع فيلما انتقاديا لاستغلال كولومبس.
يبرز هذا النقد الذاتي في أفلام إسبانية عديدة معاصرة، لعل من أهمها الفيلم القصير عن "المطاردة"، والذي يبدأ وسط أدغال أفريقية، حيث تجار العبيد الأوربيون ينزلون على الشواطئ، ويطاردون الزنوج على نحو دموي شرس، ومن يتم القبض عليه يُشحن على السفن إلى أوربا، وفجأة تنتقل المطاردة إلى الغابات الأوربية في الزمن المعاصر، للقبض على الأفريقيين المتسللين إلى أوربا وإعادتهم إلى بلادهم، فكأن هذا الفيلم القصير يقدم رؤية لا تخلو من مرارة تجاه الذات، من الحضارة الأوربية التي كانت في الماضي تخطف الأفارقة وتأخذهم كعبيد، بينما هي الآن تمنع عليهم أن يبحثوا عن لقمة عيش في البلدان التي كان أجدادهم عبيدا فيها!!
تلك هي المرارة الذاتية التي تبدو في العديد من مشاهد "حتى المطر"، مرارة لا تخلو من حزن وأسى، سواء في الفيلم داخل الفيلم، حيث الهندي الأحمر يساعد رفاقه الذين وقعوا أسرى في أيدي رجال كولومبس، أو في الإطار الخارجي في بوليفيا المعاصرة، حيث القتال الشرس بين المدنيين العزل المدافعين عن حقهم المشروع في مياه المطر، وفرق مكافحة الشغب التي تستخدم العنف المفرط. إنه نفس النضال، والحاضر يكرر الماضي، بين من يمارسون الاضطهاد ومن يعانون منه، بين الأغنياء والفقراء، بين من يرفعون لواء الحضارة وهم يتصرفون بوحشية، وأناس يبدو بسطاء في حياتهم لكنهم هم جوهر كل حضارة إنسانية حقيقية.
في أحد مشاهد الفيلم المهمة – وأرجو ألا يتوقع مني القارئ أن أذكر له كل المشاهد – تقوم الكلاب بمطاردة الهنود الحمر في زمن كولومبس، ويقترب كلب متوحش من الكاميرا في مواجهتنا تماما كأننا بدورنا سوف نقع ضحية الافتراس، وسوف نعرف أنه حدث في التاريخ أن نساء القيبلة قررن ألا تتركن أطفالهن الرضع لتنهشهم الكلاب، فقررن إغراقهن في النهر!! يالقسوة الحقيقة، التي تصبح أكثر قسوة هنا، لأن المخرجة الإسبانية إيثار بولين أدركت بحس المرأة وطأة الموقف، فقررت أن تتوقف عنده بالتأمل. إن مخرجنا يريد تصوير هذا المشهد، باستخدام خداع المونتاج بالطبع، وعبثا يحاول إقناع نساء القرية المعاصرة بإعادة تمثيله، فتلك الحقيقة التاريخية المرعبة تتجاوز أي قدرة على تمثيلها من جديد.
وبينما كان أهل المدينة يعيشون حالة من الرعب بسبب القمع على يد الشرطة، كان الموظفون الرسميون في الحكومة يقيمون حفل استقبال لفريق عمل الفيلم، إنك تسمع الصرخات وأصوات طلقات الرصاص في الخارج، بينما "المثقفون" يناقشون بهدوء في الداخل سر "الأزمة" بين الفقراء والأغنياء، يختلفون في الرأي وهم يقارعون الكئوس، بما يذكرك بأحوال بعض البلدان العربية التي تشهد ثورة شعبية، و"سفسطة" سياسية، تنتهي بإدانة الجميع للجميع، ومصافحة الجميع للجميع!! إن أنطون (ممثل شخصية كولومبوس) ينتقد الحكومة البوليفية لأنها لا تدرك أهمية الماء لأهل البلاد، وتتعامل معهم بنظرية ماري أنطوانيت، فما حاجتهم للمياه إذا كانت الخمر موجودة؟!! لكن الموظف الرسمي يجيبه بأن فريق عمل الفيلم لا يختلف كثيرا عن الحكومة في استغلاله فقر الكومبارس، فيبتسم الجميع!!
سوف يلعب المنتج كوستا على حث الهندي الأحمر دانييل على البحث عن خلاصه الفردي وحده، فلماذا يربط نفسه بأقرانه إذا كان يستطيع أن يحصل على مال أكثر من الفيلم، يمكنه من شراء ما يريده من مياه؟ فيجيبه الرجل: "الماء هو الحياة، وأنت لن تفهم ذلك". لكن كوستا في الفيلم لا يبدو أبدا ذلك المنتج الشرير الذي يدوس على كل شيء من أجل تحقيق المال، وهو "إنسان" بالمعنى الدرامي وليس نمطا لشخصة في فيلم، خاصة مع أداء الممثل لويس كوسار أحد أشهر الممثلين الإسبان حاليا، وهو أيضا بطل فيلم "الزنزانة 211" الذي تنافس مع "حتى المطر" للوصول إلى الأوسكار في بداية هذا العام، والذي قد نتوقف عنده في مقال قادم. إنك تشعر أن لكوستا عالما خفيا، وحياة ليست سعيدة بأية حال، برغم أن عليه أن يصبح "الأب" بالنسبة للجميع، يشجعهم ويطيب خاطرهم لكنه هو نفسه لا يجد التشجيع من أحد، وهذا ما يمهد لتحوله في الجزء الأخير، حيث يكون عليه أن يختار بين أن يهرب بمشروع الفيلم من هذا المكان المضطرب، أو أن يخوض رحلة بين النيران والرصاص لكي يصل بابنة دانييل للمستشفى لعلاجها من جرح خطير.
لا يعود كوستا من رحلة فيلمه إلا بهدية دقيقة الحجم من دانييل، يفتحها فيجد زجاجة مياه صغيرة، وينطق اسمها بلغة أهل البلاد: "ياكو"، فقد عرف الكلمة ومعناها. وهذا هو ما يرجوه منك فيلم "حتى المطر"، أن تدرك أهمية هذه القضايا الحيوية للبسطاء، ملح الأرض وصانعي مجدها الحقيقيين، الذين توقفت عندهم كاميرا الفيلم طويلا في لقطات تسجيلية حميمة، تضبف بعدا آخر للدراما، التي امتزجت فيها طبقات من الأساليب، تلتقي جميعا معا في الرغبة في منح الفيلم طاقة حيوية وصدقا عميقا، وهو يتحدث عن هؤلاء الناس الذين يجب أن نصنع الأفلام عنهم، ومن أجلهم، لأنهم هم الذين يصنعون الحياة.

Saturday, October 01, 2011

فيلم "أجورا" ياإخوتنا في الإنسانية، هناك ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا!!


من أين تأتي كراهية الإنسان لأخيه الإنسان؟ هل هناك مصدر أزلي أبدي تنبع منه هذه الكراهية، حتى يبدو أنه ليس ثمة أمل في أن تحيا البشرية كلها في سلام؟ ذلك هو السؤال الذي يطرحه فيلم "أجورا" وإن لم يكن بشكل مباشر، وبرغم أن الفيلم يعود عرضه إلى عام 2009، فإنه يبدو كأنه يتحدث عن هنا والآن، في مناخ ينذر باندلاع الحرب الطاحنة في أية لحظة، بسبب حالة من "الغباء المتعمد" تسيطر على قطاعات هائلة من الناس والبلدان. فهل تصدق مثلا أن الإسرائيليين يرددون أن السبب في أزمة التفاوض هو "تعنت" الفلسطينيين؟!! وأنه قد ظهرت فجأة في مصر نزعات تناقش مسألة "الهوية"، وتريد في الحقيقة أن تنزع عن الوطن هويته المصرية، تحت ستار الدين والتدين؟!!
ما هذا الجنون؟ هذا هو ما تجد نفسك تردده وأنت تشاهد فيلم "أجورا"، بشرط أن تتحلى أنت أيضا بالتسامح بلا حدود، وتتخلى عن أي تعصب للأفكار الجاهزة المسبقة، ويستقر بداخلك الإيمان بأننا جميعا سواء، وأن ما يفرقنا هو من صنعنا، من اختراعنا، وليس قدرا مفروضا علينا. ليس هذا التسامح أو التخلي عن التعصب سهلا، فهو يمس أحيانا مناطق "الإيمان" في النفس البشرية، والتي تترك العقل وراء ظهرها، فالمؤمن في أي دين يعتنق مفهوم أن "التسليم" بالمعتقدات هو البداية والنهاية، ولا دخل للعقل أو المنطق في ذلك، وأنا لا أستطيع أن أجعلك تهجر هذا المفهوم، لكني أسألك فقط: لماذا تحتفظ لنفسك وحدك بالحق فيه وتنكره على غيرك؟ فالمؤمن بدين آخر هو أيضا يسلم بمعتقداته، ويراها غير خاضعة للمنطق، فلا مناص إذن من الاختيار بين أن يتعايش الجميع في سلام، أو أن تستمر الحرب الدامية بين البشر بلا نهاية إلا الفناء.
ولكي يناقش هذه الفكرة، اختار المخرج الإسباني أليخاندرو أمينابَرْ الفترة التاريخية التي تقع بين نهاية القرن الرابع وبداية القرن الخامس الميلاديين، والمكان هو مدينة الإسكندرية المصرية، الواقعة آنذاك تحت الحكم الروماني، و"أجورا" هي الساحة الرئيسية في أي مدينة، الساحة التي تشهد الوقائع اليومية من بيع وشراء ومجادلات ونزاعات وتحالفات، ومن هذه الوقائع تتألف شيئا فشيئا – وبقدر غير قليل من الغوغائية - الأحداث الكبرى التي قد تغير مجرى التاريخ. لقد كانت الإسكندرية – مثلها مثل مصر الآن – ساحة كبرى تصطرع بالأفكار المتناقضة، خاصة على مستوى الدين، بين ديانة يسمونها "وثنية" تجمع بين آلهة المصريين والرومان القدماء، وديانة تحمل صفة "السماوية" هي المسيحية، لا تكاد إحداهما تترك الأخرى تعيش وتتعايش في سلام، ولا مهرب إلا أن يقضي أتباع هذه أو تلك على أتباع الأخرى، وفي قلب هذا الصراع يضيع من يمثل التسامح الإنساني الرحب، القائل بأن البشر جميعا سواء.
يتجسد هذا التسامح في هيباتيا (ريتشيل وايز)، الفيلسوفة التي تؤمن بالحرية بلا قيود، وهي شخصية تاريخية حقيقية، كانت مهمومة بالبحث عن إجابات لأسئلة العلم والفلسفة، وبرغم جمالها وشبابها فقد وهبت حياتها لأفكارها وأبحاثها، وقد جمعت من حولها شبابا من مختلف العقائد، كمثال على التعايش بين الجميع. وفي جمال بالغ البساطة تؤدي وايز الدور على نحو يقنعك أنها هيباتيا الحقيقية، التي يبدأ الفيلم بها وهي تلقي محاضرة بين طلابها، الذين يشعر بعضهم بالميل نحوها، لكنها تطرح جانبا على الدوام أي علاقات جسدية، ليس لأنها راهبة، ولكن لأنها تعرف مكانها في العالم في تلك اللحظة من التاريخ الإنساني، فهي إن رضيت بأن تكون زوجة في هذا المجتمع الأبوي فسوف تتخلى عن حريتها في البحث والاستقلالية اللذين لا تقبل بغيرهما بديلا، وهي تدرك أيضا أن البعض ينظر لها نظرة مثالية، لكنها امرأة من لحم ودم، حتى أنها تصدم البعض من محبيها بحقائق الجسد التي قد تبعث على النفور.
هيباتيا إذن كامرأة حقيقية رمز للعقل المنفتح لأي حقائق علمية أو فكرية جديدة، فلا تقبل بالمسلمات إن تناقضت مع ما يكتشفه الإنسان كل يوم من جديد. إنها الحركة في مقابل السكون الذي تسعى إليه العقائد، وهي تجد معنى الوجود في البحث الدائم للإجابات عن الأسئلة، بينما الآخرون يركنون لأكثر الإجابات بساطة عن أكثر الأسئلة صعوبة. ويختار السيناريو – الذي شارك مع أمينابر في كتابته ماتيو جيل - لتجسيد هذا الصراع بعض الشخصيات الرئيسية، فمن بين طلاب هيباتيا هناك أوريستيس (أوسكار إيزاك)، الذي يحبها ويعلن عن حبه أمام حشد هائل، لكنه يرضى باختيارها أن تبقى "حرة" وإن لم يتوقف عن حبها، وهو الذي سوف يتحول فيما بعد إلى المسيحية ويصبح واليا على الإسكندرية، ليقف موقف الاختيار بين الإذعان لتعاليم "رجل الدين" (وليس الدين نفسه) بأن يضع هيباتيا في مكانها في المجتمع كامرأة محكوم عليها بأن تبقى في موضع التابع، أو أن يدافع عن حريتها إلى النهاية.
هناك الشخصية الأخرى ديفوس (ماكس مينجيلا)، وهو شخصية متخيلة من خلق صناع الفيلم، وأراه بالفعل شخصية مهمة كأنها الضوء الكاشف على جوهر هذا العمل الفني. إنه عبد شاب، يتبع هيباتيا في كل مكان، يستمع إلى محاضراتها العلمية في شغف، يفهمها ويعلق عليها بذكاء حقيقي، كما أنه خادمها حتى في حمامها، تعتمل في أعماقه الرغبة فيها لكنه لا يستطيع حراكا، وهي لاهية تماما عن وجوده كأنه قطعة جماد. ديفوس هنا هو الوجه الآخر من أزمة هيباتيا، إنها الحرة التي تعاني من نقص حريتها لأنها "امرأة"، بينما هو عبد سُلبت منه حريته كإنسان. ولعل الخطأ من جانب هيباتيا هو أنها لم تدرك أن معركة الحرية التي تناضل من أجلها لا تتجزأ، فلا يمكنها أن تحصل عليها ما دام المجتمع (أو الثقافة، أو الفكر، أو الديانة) يعطي الحرية للبعض وينكرها على آخرين.
سوف يجد ديفوس خلاصه في الساحة، التي تشهد صراعا محتدما بين أصحاب الديانة القديمة والديانة الجديدة، فكل منهما يوجه سهام نقده (أو الحقيقة سبابه) إلى آلهة الطرف الآخر، وفي هذا السياق الهيستيري سوف يرى البعض في المصادفات نوعا من المعجزات، كأن يسير شخص على النار بسرعة فلا يصيب منه اللهب إلا قليلا، بينما يحرق شخص من أتباع الديانة الأخرى. لكن هنا أيضا يبدو معنى ومغزى ولادة ديانة جديدة: إنك عندما ترى على الشاشة الأتباع الجدد وقد ضموا إلى صفوفهم كل المحرومين والمضطهدين، الجوعى والفقراء والمساكين والمرضى، تدرك أن الديانات تولد من أجل هؤلاء، وتبشرهم بأن يرثوا الأرض وبالملكوت، وفي أحد المشاهد المهمة يذهب ديفوس بصحبة المسيحي الغيور أمونيوس (أشرف برهوم) إلى كنيسة، حيث يرى الفقراء يمدون أيديهم نحوه في استعطاف، ليعطيهم الخبز الذي اشتراه لأسياده، فقد علم أن هناك لهؤلاء المحرومين سيدا أعلى، إنه يعطيهم كسرات الخبز وفي الوقت ذاته يعرف معنى أن يكون حرا. لكن سوف يطرح عليك الفيلم سؤالا كلما تقدمت حبكته: إذا كانت الديانة الجديدة تحرر المضهدين، لماذا يحدث دائما أن تخلق لنفسها مضطهدين جددا؟ لماذا تنادى بالحرية في بدايتها، ثم تعمد إلى تقسيم العالم مرة أخرى إلى أحرار وعبيد؟
من المؤكد أن الديانات ذاتها ليست السبب في هذا التناقض الجوهري، وإنما في تحول الدين إلى "مؤسسة" يدافع عنها (وليس عن الدين) المنتفعون منها، ليجعلوا من أنفسهم سادة ومن الآخرين عبيدا!! وهكذا تولد العقائد الجديدة ضد السابقة عليها، ولكن بدلا من أن تدور المعركة بينهما على أرض تحقيق المساواة بين الجميع، فإنها تدور حول "الآلهة"، لتشهد الساحة (أجورا) الصراع بين الوثنيين من جانب، والمسيحيين واليهود من حانب آخر، لتقع مذبحة حقيقة ينتصر فيها الطرف الأخير، ويلجأ الوثنيون – ومعهم هيباتيا – إلى المكتبة، ليعيشوا في حالة حصار قاسية، وتحاول هيباتيا أن تجد العزاء في الانشغال في أبحاثها، لكنها لا تستطيع أن تتجاهل أن أباها الفيلسوف ثيون (مايكل لونسديل) قد جرح في الساحة جرحا بليغا على أيدي الدهماء، بما سوف يؤدي إلى احتضاره وموته.
من أكثر المشاهد التي أثارت الاعتراضات من جانب الكثير من متفرجي الفيلم ذلك المشهد الذي يجتاح فيه المسيحيون المكتبة، فيلحقون بها دمارا كاملا، وتحاول هيباتيا أن تنقذ ما تستطيع دون جدوى. بالطبع سوف يقول البعض أن هذا لم يحدث على هذا النحو من البشاعة، وهم يتصورون أنهم بذلك يدافعون عن الديانة المسيحية، لأنها لا تنادي بالعنف على الإطلاق، لكن التاريخ يؤكد أن هذا قد حدث، ليس لأن المسيحية تنادي بذلك، وإنما لأن الغوغائية تسود في هذا المناخ التاريخي المضطرب، الغوغائية التي يصورها الفيلم من خلال لقطة من أعلى، للدهماء كنقاط سوداء صغيرة تتحرك في عشوائية هنا وهناك، إنهم ليسوا "مسيحيين" بشكل محدد، وإنما جموع تحركها شهوة الانتقام، متسلحة بما تتصور أنه ديانة جديدة، وما يؤكد هذه النزعة التي قطعت العلاقة الوثيقة مع عالمية الدين هو أن أتباع المسيحية سوف يطردون من الإسكندرية حلفاء الأمس، أتباع اليهودية.
وسط المذبحة يقدم الفيلم مشهدا دالا، هيباتيا محاصرة في المكتبة، ويعثر عليها العبد ديفوس المؤمن بالمسيحية سرا، لقد جاءته الآن فرصة أن ينتقم لكل رغباته المكبوتة، إنه يسعى لاغتصاب هيباتيا، لكن سرعان ما ينهار ويبكي على صدرها، ويعطيها سيفا لكي تقتله، لكنها بدلا من ذلك تخلع عن رقبته طوق العبودية، وتمنحه حريته. وفي سلسلة متلاحقة من المذابح المتبادلة بين أتباع الديانات، سوف تمضي هيباتيا مذهولة وسط الدمار، كأنها الصوت الوحيد الصارخ في البرية، لذلك فإن الطرف المنتصر في هذه المعركة سوف يطلب دمها، لكي تسكت إلى الأبد. في مشهد دال آخر، يقف رجل الدين ليلقي بعض الكلمات التي يخلع عليها صفة القداسة، ويطلب من الجميع الانحناء، أي الخضوع والتسليم المطلق له (وليس لأي إله في الحقيقة)، ويركع الجميع ما عدا هيباتيا، لأن الله الذي يتحدث عنه رجل الدين "ليس أكثر عدلا من أي إله سابق".
عندما يتحدث إنسان عن أنه ينطق بـ"كلمة الله"، تيقن من أنه يكذب، إنه يريد – أستغفر الله العظيم – أن يجعل من نفسه إلها، يقتل بدم بارد، متذرعا بأن ذلك هو "الشريعة"، التي قالوا أن هيباتيا قد انتهكتها لأن امرأة، مفروض عليها الصمت الكامل، وأن تختفي عن الأنظار!! يحاول أوريستيس الدفاع عن هيباتيا لكنه يتلقى حجرا يشج رأسه، وتتوالى الأحجار من الدهماء الذين يغذيهم من يلبسون مسوح رجال الدين. لقد أصبحت هيباتيا وحيدة إذن، لينتهي الفيلم بمشهد لا يعمد إلى أحداث عنيفة مباشرة على الشاشة، وإن كانت تقشعر له الأبدان، وهو يقتفي الوقائع التاريخية الحقيقية، لقد قرر المتطرفون "سلخ" هيباتيا حية، ثم تقطيع أوصالها، وحرقها، والتهمة: ساحرة، ولا تؤمن بإله!!
يحاول "أجورا" أن يغلق الصراع الدرامي على نحو لا يخلو من مغزى، إن ديفوس يقرر أن يخنق هيباتيا حتى ينقذها من عذاب هذا الموت البشع، وهي توافقه على ذلك، فتستسلم له، ويتصاعد على شريط الصوت لحن من صوت بشري غارق في الأسى. إنني أعلم تماما أن هناك من سوف يسرع بالاعتراض على الفيلم، وعلى هذا المقال، لأنهما يتماسان مع التصورات الدينية للبعض. وتلك في الحقيقة هي أزمة مصر الآن، فبدلا من البحث الجاد عن مشكلاتنا التي نعيشها في كل يوم، في كل لحظة، ينحرف بنا الخلاف إلى مسائل العقائد الدينية. وإذا كان هناك من يقول لآخر: "إلهي افضل من إلهك"، فهل يتصور نفسه مؤمنا موحدا حقا، أم أن هذا التجديف بعينه؟!!
يقدم "أجورا" قضيته على نحو بالغ العمق، فهذا الفيلم من النمط التاريخي لم يقلد أفلاما أخرى على طريقة "المصارع" على سبيل المثال، فالأداء التمثيلي والسينمائي ينحو إلى قدر كبير من الإحساس الواقعي، كما أنه لم يجعل هيباتيا شخصية مثالية، إنها الوجه الآخر لشخصية العبد ديفوس، وهي غير واعية بأن قضيتهما واحدة، وأي فكرة تريد إصلاح حال البشر لابد أن تضعهما معا في حساباتها، وليس هناك بديل عن أن تطلب الحرية لهيباتيا وديفوس معا، ولا معنى للحرية ما لم تتحقق على المستوى المادي والروحي معا. وأي فكر، وأي دين، لا يضع في حسابه تحرير العبيد، والأهم هو عدم صنع عبيد من نوع جديد، سوف يكون فكرا ودينا محكوما عليه بأن يعيد إنتاج القهر التاريخي، ليظل مصير الحرية في قبضة الغوغائية في الساحة، في "أجورا".

Monday, September 26, 2011

فيلم "شجرة الحياة" عندما يتلاقى الشعر والفلسفة في الصورة السينمائية


تيرانس ماليك، طالب الفلسفة ومدرسها في مقتبل شبابه، ومترجم بعض أعمال الفيلسوف الألماني هايدجر، والمنحدر عن أصل إيراني أو ربما لبناني من المهاجرين إلى الولايات المتحدة، عشق السينما وتحول إليها، لكنه عبر حوالي أربعين عاما لم يقدم إلا خمسة أفلام، وبينما كان يتكسب عيشه من إصلاح سيناريوهات أفلام متواضعة يرفض أن يذكر عليها اسمه، فقد حققت أفلامه القليلة شهرة واسعة، لكنه أبى أن يكون له في هذه الشهرة نصيب، فهو يفضل أن بنزوي ويختفي عن أنظار الصحافة الفنية، وهو لا يحضر أبدا استلام أية جائزة تحصل عليها أفلامه بوفرة، كما حدث في مهرجان "كان" الأخير، الذي فاز فيه فيلمه "شجرة الحياة".
وإن كان هذا يمثل بالنسبة لك لغزا، فاللغز الأكبر هو أفلامه ذاتها، التي تبدأ بفيلم "الأراضي البور" (1973) الذي كان في جوهرة أنشودة رثاء للطفولة، مثلما كان "أيام الجنة" (1978) رثاء للبراءة، وأتى "الخط الأحمر الرفيع" (1998) ليتخذ من الفيلم الحربي مبررا لطرح أسئلة الوجود الكبرى، وأخيرا "العالم الجديد" (2005) عن لقاء الحضارات الأصلية بالحضارات المعاصرة. إنها أفلام لا تشبه أفلاما أخرى، وإن أردت مني أن اذكر لك ما هو وجه اختلافها فيكفي أن أقول لك أن كلا منها يمثل سؤالا حائرا في أعماق صانعها، وهي جميعا تكرر نفس السؤال المرة بعد الأخرى، لأنه لا يجد إجابة شافية، ولعله في ذلك يتلاقى – ولا نقول يتشابه – مع مخرجين قلائل في تاريخ السينما، مثل البولندي أندريه فايدا والألماني فيم فيندرز، فالسينما عندهم هي أداة للبحث في أي شيء وكل شيء، بحيث لا تجد خطا فاصلا بين ما هو روائي وما هو تسجيلي، وما هو تأثيري أو سيريالي، وما هو تجريبي أو تجريدي. وفي كل أفلام تيرانس ماليك سوف تجد هذا البحث متجسدا في "مونولوج" داخلي، يتوزع على الشخصيات جميعا، ولأن هذا المونولوج في حقيقته ليس إلا ما يهمسه ماليك لنفسه، فسوف تعجز أحيانا عن أن تحدد من بين شخصيات الفيلم من هو صاحب التعليق الآتي من خارج "الكادر".
إنه مونولوج متصل وإن سمعته متقطعا، يبدو كأنه حديث الإنسان، الهامس أحيانا، الصارخ أحيانا إخرى، لقوة أو قوى مجهولة لا يعرفها بشكل يقيني، إنه يتحدث إليها وإن كان ينتابه الشك أحيانا في أن أحدا يسمعه وينصت إليه، وذلك تجسيد للمشاعر الوجودية التي تجعل المرء ضعيفا ووحيدا ومهجورا في هذا الكون. لكن هذه "الفلسفة" لا تأتي أبدا عند ماليك في شكل أفكار مجردة، بل في شكل "صورة" محسوسة وملموسة على نحو يلمس أعماقك، إنها صورة تحقق الشعر في السينما، من خلال القدرة على التجسيد والتجريد والتكثيف معا، وتتركك لكنها ترفض أن تغادرك، فسوف تبقى معك أياما بعد مشاهدة الفيلم، تؤرقك وتبعث بداخلك نفس الأسئلة التي أرقت ماليك وقضت مضجعه.
ولأن الصورة تأخذ المركز الأهم عنده، فإن الحبكة القصصية تتراجع لتصبح مجرد نقطة الانطلاق لتأملات لا تنتهي، وفيلم "شجرة الحياة" يبدأ بالفعل وينتهي بصورة واحدة غامضة: الظلمة يشقها الضوء المائل للاحمرار والذي يتراقص ويتخذ أشكالا تجريدية، وتتداخل أصوات الطيور مع لحن كورالي، وصوت تعليق من خارج الكادر: "أمي، أبي، شيء ما قادني إلى بابكما". ليس لهذه الصورة تفسير محدد، لكنها توحي ببداية التكوين كما جاءت في الديانات الكتابية، خاصة أنها تأتي مباشرة بعد آيات من سفر النبي أيوب، على لسان الله وهو يحدث أيوب فيما يشبه اللوم على جهله أو تجاهله: "أين كنت حين أسستُ الأرض ... على أي شيء قرّتْ قواعدُها ... عندما ترنمت كواكب الصبح معا وهتف جميع بني الله" (أيوب 38).
حقا، أين كان الإنسان؟ وهل لأنه لم يكن موجودا فإنه يحق له أن يتجاهل المعجزة أو يقلل من شأنها؟ يبحث العلم كثيرا في بداية خلق الكون، وتتعرض الآن آخر نظرياته عن "الانفجار الكبير" للتشكيك، وهذا الشك هو ما يبرر وجود الفلسفة، التي ينقلها ماليك هنا للفن. وقد يفكر أغلب الناس في أن تلك قضايا ثانوية، أو هي من شأن الغيب، لكن هناك من يهتز فَرَقَا ورعبا عندما يداهمهم هذا الغيب بإحدى المعجزات الصغيرة الكبيرة مثل الميلاد والموت، اللذين يمران أيضا بدورهما مرور الكرام عند العامة كأنها قضايا مسلمة بها، لكن ماليك يجعلها محور حبكة الحدوتة، إن كان في الفيلم أية حدوتة على الإطلاق.
لم أرَ عملا فنيا يملك كل هذا القدر من الطموح على طرح القضايا الكونية إلا عند نجيب محفوظ، الذي مايزال ينتظر الكثير من الكشف والاكتشاف، ولكاتب هذه السطور منذ ربع قرن دراسة نقدية عن رواية "قلب الليل" التي قد لا ترقى فنيا لمصاف روايات أخرى له، لكنها تحمل بذور الأسئلة الأكبر في تاريخ الإنسانية، حيث يتلاقى ما هو كوني مع ما هو تاريخي، ويمكنك أن تجد أحد هذه الأسئلة في بداية فيلم "شجرة الحياة" من خلال تعليق من خارج الكادر: أي طريق نختار؟ طريق الطبيعة أم طريق النعمة (أو طريق الله)؟ طريق الاستسلام لقوانين الطبيعة أم لتعاليم الأديان (إن كان هناك تناقض بينها حقا)؟ طريق إشباع غرائزنا الأساسية أم كبح هذه الغرائز والسيطرة عليها؟
"النواة" القصصية في الفيلم ليست إلا حكاية ولادة صبي، ونموه وسط أسرة أمريكية من الطبقة المتوسطة، التي تعيش في مناطق الضواحي عند منتصف القرن الماضي، ولعلها مقتبسة عن بعض ذكريات ذاتية لتيرانس ماليك نفسه. إننا في بداية الفيلم نشاهد حالة هي أشبه بالحياة في الفردوس، جنة عدن، أو ما قبل السقوط إلى الأرض. الكاميرا تطير وتطفو على نحو ناعم غريب، كأنها عين راعية تعرف كل شيء وتسهر عليه وتوجد في كل مكان، وهناك أب (براد بيت) وأم ( جيسيكا شاستين) وأطفالهما الذكور الثلاثة، يتأرجحون ويلعبون في استرخاء واستمتاع كاملين. وكما حدث في الجنة، ينتهي كل ذلك على نحو غامض، عندما يصل للأسرة خبر عن موت أحد أبنائها.
صدقني إن قلت لك أنني لا أعرف – برغم أنني شاهدت الفيلم مرات عديدة – أين يقع هذا الحدث وسط مسار الأحداث، لكنه هنا يقع في البداية، ليمثل "السقوط" من الفردوس إلى الأرض، ويجسد المفارقة الإنسانية الأكبر، إن هذا الفقدان مؤلم لكن الحياة تمضي ... هل هذا شيء طيب أم سيء؟ إن الله (أو الطبيعة عند البعض) تعطي ثم تأخذ، إنه – كما جاء على لسان الجدة – ولسبب ما يرسل الذباب لجروح كانت تنتظر شفاؤها، فما هو السبب؟ ما هو السر؟ هذا ما يعيشه الابن الأكبر (شون بين) الذي نراه الآن وسط مبانٍ عصرية تتناقض تماما في خطوطها وألوانها عما عاشه في طفولته، وإن كانت قراءتنا صحيحة فإنه الآن على"الأرض" بعد سقوطه من الجنة الأولى.
ربما كان الفيلم كله بعد هذه النقطة هو تداعيات من ذكريات هذا الابن، أو لعلها تأملاته وتأملات ماليك نفسه، وهي التأملات التي تبدأ بسرب هائل من الطيور التي تحوم في السماء، ويأخذ السرب أشكالا منسابة متعددة تشبه إلى حد كبير فنون التلاعب البصري (أوب آرت)، فتسأل نفسك: هل ذلك يحدث وفق قانون أم أنها المصادفة؟! إنه السؤال الذي ينطبق على سر الخلق ذاته، الذي سوف يبدؤه ماليك معك في سلسلة مبهرة بحق من الصور التي قد لا تجدها إلا في أرقى الأفلام التجريبية: الضوء يشق الظلام، ويتخلق الدخان والموج والأضواء والظلال، وقطرة ملونة تنتشر في الماء فتصنع أشكالا كأنها السديم الذي يأخذ أشكالا معجزة، وحمم بركانية تتدفق، والنيران وألسنة اللهيب، ومن كل ذلك تنمو ما يشبه الكائنات الأولى التي تزداد تعقيدا وهي تسبح في البحار، فلا تملك إلا أن تقول: يالروعة معجزة الحياة!!
من قلب هذه المعجزة يولد سؤال: هناك في المروج ديناصوران بداائيان، من الواضح أن أحدهما يحتضر، يشمه الآخر ويمضي إلى حال سبيله، فهل الحياة الرائعة في إعجازها هي أيضا بهذه القسوة؟ هل الحياة قوة دافعة لا تعرف ولا تعترف إلا بقوتها واستمرارها حتى أنها لا تعبأ بالموت أو الموتى؟ كان هذا هو السؤال الدائم في أعماق تيرانس ماليك حول التناقض بين الروعة والقسوة، وهذا ما سوف يعرضه لك فيما يشبه سردا تسجيليا لحياة الصبي الأكبر للعائلة، وهي الحياة التي تتلاقى في الكثير من خطوطها وخيوطها مع حياة أغلب البشر، إن لم يكن البشر جميعا.
دعني أعرض لك طرفا من هذه الوقائع العادية وغير العادية في آن واحد: الأب والأم شابان متحابان في مقتبل العمر، وصورة أيقونية تتردد في معظم أفلام ماليك لستائر النافذة تؤرجحها الريح، والأب يلمس بطن الأم الحامل في حنان، وخروج الابن إلى الدنيا في استعارة سيريالية كأنه يخرج من قلب الماء، ويد الأب أو الأم تحتضن قدم الوليد فلا تكاد أن تبلغ في طولها إصبعا، ومرة أخرى تهمس بينك وبين نفسك: يالروعة الحياة!! في حضن الأم يبدو العالم كأنه النعيم، ويرعاه الأب في مشيه، وتعلمه الأم الكلمات الأولى، وفراشة تحط على يد الأم، وتقترب قطة في توجس.
وعند قدوم طفل آخر يبدأ هذا الفردوس في التلاشي، وتظهر الغيرة في عيني الطفل الأكبر، ويحوم القلق فوق هذه الجنة الأرضية الصغيرة، وإذا كانت الأم تمثل الحنان الهادئ، فالأب هو الأوامر الصارمة. وعندما يصبح الأطفال ثلاثة، ويكبرون قليلا، تشعر كأنك تشاهد عائلة من الأسود مثلا، حيث الأشبال تلهو في مرح ممزوج بالعنف، كأن الطبيعة تدربهم على قسوتها، ويشارك الأب في هذا التدريب كأنه يشحذ مخالب صغاره، وتراه أحيانا وحيدا يرقب الفضاء من حوله لأنه يريد أن يحمي العائلة من الأخطار المحتملة (إنني أطلق على ذلك "الإحساس الديكي"، لأنني في طفولتي كنت أرى الديك لا يتمتع بالأكل أبدا، إنه يقف منتبها دائما، يلقط بين الحين والآخر حبة ذرة، بينما الدجاجات من حوله منهمكات في التهام الغذاء!!)، كما ترى الأم تستمع باللهو مع أطفالها كأنها عادت هي الأخرى إلى طفولتها.
وفي مسحة من علم النفس، الذي تتردد أصداؤه أيضا في بعض نظريات علم الاجتماع عند القبائل البدائية، تلمح الصراع الخفي بين الابن والأب، إن الابن يفكر في لحظة عابرة في "قتل الأب"، كأن العالم مع الأم وحدها سوف يصبح أفضل بدونه، كما يعرف الابن أحاسيسه الغريزية الأولى باستراق النظر إلى الأم، وتزداد خشونة الابن في ألعابه. هل هذا "الأب" – وضف إلى ذلك رمز الأبوة في الأفكار الميتافيزيقية – قاسٍ أكثر من اللازم، أم أن هذه القسوة تعبير عن الحنان العميق؟ هل يريدنا "الأب" أن نكون نسخة منه برغم أن ذلك مستحيل وغير إنساني؟ وهل في تلك الرغبة ما يشير إلى أنه لم يستطع أن يحقق ذاته فأراد تحقيقها من خلالنا؟
قد تبدو لك تلك الرحلة على الورق مجردة، لكنها في الحقيقة مجسدة في صور لن تنساها أبدا، وفيها خلاصة القلق الوجودي عند ماليك وعند الكثيرين منا حتى لو لم نعترف بذلك. إن هذا القلق يجد حلا من خلال فكرة الحياة من جديد، عندما يتلاقى السابقون واللاحقون عند البعث، الذي يصوره الفيلم في مشهده الأخير والابن الأكبر في كهولته يمضي في طريق من صحراء جبلية قاحلة، ويدخل من باب خشبي بلا بناء، فإذا به يسير على لسان من الأرض وسط البحر يقوده الصبي الذي كانه في طفولته، وأسراب من البشر تتلاقى، هنا يلتقي بأمه وأبيه شابين في مقتبل عمرهما، وبأخويه اللذين رحلا (حتى الآن لا أعرف إن كان الاثنان الآخران قد ماتا أم واحد فقط!!)، ويشمل الجميع فرح عذب لا ينتهي.
وكما بدأ الفيلم بالضوء الذي يشق الظلام فإنه ينتهي به، عودا على بدء، فلا تدري إن كنت قد شاهدت فلسفة أم شعرا أم مزيجا رائقا راقيا منهما. وفي إشارة بالغة الذكاء والخفاء نرى الأم في لقطة تذكرك كثيرا ببطلة فيلم إنجمار بيرجمان "بيرسونا"، وكأنها إشارة ولاء من ماليك للسينمائي الفيلسوف بيرجمان، الذي يشترك معه في همومه الوجودية، بما يبعده أيضا عن مقارنته مع ستانلي كوبريك، الذي سوف يحلو للكثير من النقاد تشبيه فيلم "شجرة الحياة" مع "أوديسا الفضاء 2001"، لكن الحقيقة أن كوبريك يبدأ فلسفته بالتشاؤم من مصير الحضارة الغربية، أما تشاؤم تيرانس ماليك فهو ليس تشاؤما حقيقيا، أنه رغبة في الكشف عن قانون الوجود والحياة، فربما بعد أن نعرفه سوف نرتاح بالاستسلام له، الاستسلام للصراع بين ما نسميه الخير والشر، واللذين قد يكونان وجهين لجوهر واحد.
ألم أقل لك أنه فيلم ليس هناك الكثير من الأفلام التي تشبهه؟!