Monday, September 26, 2011

فيلم "شجرة الحياة" عندما يتلاقى الشعر والفلسفة في الصورة السينمائية


تيرانس ماليك، طالب الفلسفة ومدرسها في مقتبل شبابه، ومترجم بعض أعمال الفيلسوف الألماني هايدجر، والمنحدر عن أصل إيراني أو ربما لبناني من المهاجرين إلى الولايات المتحدة، عشق السينما وتحول إليها، لكنه عبر حوالي أربعين عاما لم يقدم إلا خمسة أفلام، وبينما كان يتكسب عيشه من إصلاح سيناريوهات أفلام متواضعة يرفض أن يذكر عليها اسمه، فقد حققت أفلامه القليلة شهرة واسعة، لكنه أبى أن يكون له في هذه الشهرة نصيب، فهو يفضل أن بنزوي ويختفي عن أنظار الصحافة الفنية، وهو لا يحضر أبدا استلام أية جائزة تحصل عليها أفلامه بوفرة، كما حدث في مهرجان "كان" الأخير، الذي فاز فيه فيلمه "شجرة الحياة".
وإن كان هذا يمثل بالنسبة لك لغزا، فاللغز الأكبر هو أفلامه ذاتها، التي تبدأ بفيلم "الأراضي البور" (1973) الذي كان في جوهرة أنشودة رثاء للطفولة، مثلما كان "أيام الجنة" (1978) رثاء للبراءة، وأتى "الخط الأحمر الرفيع" (1998) ليتخذ من الفيلم الحربي مبررا لطرح أسئلة الوجود الكبرى، وأخيرا "العالم الجديد" (2005) عن لقاء الحضارات الأصلية بالحضارات المعاصرة. إنها أفلام لا تشبه أفلاما أخرى، وإن أردت مني أن اذكر لك ما هو وجه اختلافها فيكفي أن أقول لك أن كلا منها يمثل سؤالا حائرا في أعماق صانعها، وهي جميعا تكرر نفس السؤال المرة بعد الأخرى، لأنه لا يجد إجابة شافية، ولعله في ذلك يتلاقى – ولا نقول يتشابه – مع مخرجين قلائل في تاريخ السينما، مثل البولندي أندريه فايدا والألماني فيم فيندرز، فالسينما عندهم هي أداة للبحث في أي شيء وكل شيء، بحيث لا تجد خطا فاصلا بين ما هو روائي وما هو تسجيلي، وما هو تأثيري أو سيريالي، وما هو تجريبي أو تجريدي. وفي كل أفلام تيرانس ماليك سوف تجد هذا البحث متجسدا في "مونولوج" داخلي، يتوزع على الشخصيات جميعا، ولأن هذا المونولوج في حقيقته ليس إلا ما يهمسه ماليك لنفسه، فسوف تعجز أحيانا عن أن تحدد من بين شخصيات الفيلم من هو صاحب التعليق الآتي من خارج "الكادر".
إنه مونولوج متصل وإن سمعته متقطعا، يبدو كأنه حديث الإنسان، الهامس أحيانا، الصارخ أحيانا إخرى، لقوة أو قوى مجهولة لا يعرفها بشكل يقيني، إنه يتحدث إليها وإن كان ينتابه الشك أحيانا في أن أحدا يسمعه وينصت إليه، وذلك تجسيد للمشاعر الوجودية التي تجعل المرء ضعيفا ووحيدا ومهجورا في هذا الكون. لكن هذه "الفلسفة" لا تأتي أبدا عند ماليك في شكل أفكار مجردة، بل في شكل "صورة" محسوسة وملموسة على نحو يلمس أعماقك، إنها صورة تحقق الشعر في السينما، من خلال القدرة على التجسيد والتجريد والتكثيف معا، وتتركك لكنها ترفض أن تغادرك، فسوف تبقى معك أياما بعد مشاهدة الفيلم، تؤرقك وتبعث بداخلك نفس الأسئلة التي أرقت ماليك وقضت مضجعه.
ولأن الصورة تأخذ المركز الأهم عنده، فإن الحبكة القصصية تتراجع لتصبح مجرد نقطة الانطلاق لتأملات لا تنتهي، وفيلم "شجرة الحياة" يبدأ بالفعل وينتهي بصورة واحدة غامضة: الظلمة يشقها الضوء المائل للاحمرار والذي يتراقص ويتخذ أشكالا تجريدية، وتتداخل أصوات الطيور مع لحن كورالي، وصوت تعليق من خارج الكادر: "أمي، أبي، شيء ما قادني إلى بابكما". ليس لهذه الصورة تفسير محدد، لكنها توحي ببداية التكوين كما جاءت في الديانات الكتابية، خاصة أنها تأتي مباشرة بعد آيات من سفر النبي أيوب، على لسان الله وهو يحدث أيوب فيما يشبه اللوم على جهله أو تجاهله: "أين كنت حين أسستُ الأرض ... على أي شيء قرّتْ قواعدُها ... عندما ترنمت كواكب الصبح معا وهتف جميع بني الله" (أيوب 38).
حقا، أين كان الإنسان؟ وهل لأنه لم يكن موجودا فإنه يحق له أن يتجاهل المعجزة أو يقلل من شأنها؟ يبحث العلم كثيرا في بداية خلق الكون، وتتعرض الآن آخر نظرياته عن "الانفجار الكبير" للتشكيك، وهذا الشك هو ما يبرر وجود الفلسفة، التي ينقلها ماليك هنا للفن. وقد يفكر أغلب الناس في أن تلك قضايا ثانوية، أو هي من شأن الغيب، لكن هناك من يهتز فَرَقَا ورعبا عندما يداهمهم هذا الغيب بإحدى المعجزات الصغيرة الكبيرة مثل الميلاد والموت، اللذين يمران أيضا بدورهما مرور الكرام عند العامة كأنها قضايا مسلمة بها، لكن ماليك يجعلها محور حبكة الحدوتة، إن كان في الفيلم أية حدوتة على الإطلاق.
لم أرَ عملا فنيا يملك كل هذا القدر من الطموح على طرح القضايا الكونية إلا عند نجيب محفوظ، الذي مايزال ينتظر الكثير من الكشف والاكتشاف، ولكاتب هذه السطور منذ ربع قرن دراسة نقدية عن رواية "قلب الليل" التي قد لا ترقى فنيا لمصاف روايات أخرى له، لكنها تحمل بذور الأسئلة الأكبر في تاريخ الإنسانية، حيث يتلاقى ما هو كوني مع ما هو تاريخي، ويمكنك أن تجد أحد هذه الأسئلة في بداية فيلم "شجرة الحياة" من خلال تعليق من خارج الكادر: أي طريق نختار؟ طريق الطبيعة أم طريق النعمة (أو طريق الله)؟ طريق الاستسلام لقوانين الطبيعة أم لتعاليم الأديان (إن كان هناك تناقض بينها حقا)؟ طريق إشباع غرائزنا الأساسية أم كبح هذه الغرائز والسيطرة عليها؟
"النواة" القصصية في الفيلم ليست إلا حكاية ولادة صبي، ونموه وسط أسرة أمريكية من الطبقة المتوسطة، التي تعيش في مناطق الضواحي عند منتصف القرن الماضي، ولعلها مقتبسة عن بعض ذكريات ذاتية لتيرانس ماليك نفسه. إننا في بداية الفيلم نشاهد حالة هي أشبه بالحياة في الفردوس، جنة عدن، أو ما قبل السقوط إلى الأرض. الكاميرا تطير وتطفو على نحو ناعم غريب، كأنها عين راعية تعرف كل شيء وتسهر عليه وتوجد في كل مكان، وهناك أب (براد بيت) وأم ( جيسيكا شاستين) وأطفالهما الذكور الثلاثة، يتأرجحون ويلعبون في استرخاء واستمتاع كاملين. وكما حدث في الجنة، ينتهي كل ذلك على نحو غامض، عندما يصل للأسرة خبر عن موت أحد أبنائها.
صدقني إن قلت لك أنني لا أعرف – برغم أنني شاهدت الفيلم مرات عديدة – أين يقع هذا الحدث وسط مسار الأحداث، لكنه هنا يقع في البداية، ليمثل "السقوط" من الفردوس إلى الأرض، ويجسد المفارقة الإنسانية الأكبر، إن هذا الفقدان مؤلم لكن الحياة تمضي ... هل هذا شيء طيب أم سيء؟ إن الله (أو الطبيعة عند البعض) تعطي ثم تأخذ، إنه – كما جاء على لسان الجدة – ولسبب ما يرسل الذباب لجروح كانت تنتظر شفاؤها، فما هو السبب؟ ما هو السر؟ هذا ما يعيشه الابن الأكبر (شون بين) الذي نراه الآن وسط مبانٍ عصرية تتناقض تماما في خطوطها وألوانها عما عاشه في طفولته، وإن كانت قراءتنا صحيحة فإنه الآن على"الأرض" بعد سقوطه من الجنة الأولى.
ربما كان الفيلم كله بعد هذه النقطة هو تداعيات من ذكريات هذا الابن، أو لعلها تأملاته وتأملات ماليك نفسه، وهي التأملات التي تبدأ بسرب هائل من الطيور التي تحوم في السماء، ويأخذ السرب أشكالا منسابة متعددة تشبه إلى حد كبير فنون التلاعب البصري (أوب آرت)، فتسأل نفسك: هل ذلك يحدث وفق قانون أم أنها المصادفة؟! إنه السؤال الذي ينطبق على سر الخلق ذاته، الذي سوف يبدؤه ماليك معك في سلسلة مبهرة بحق من الصور التي قد لا تجدها إلا في أرقى الأفلام التجريبية: الضوء يشق الظلام، ويتخلق الدخان والموج والأضواء والظلال، وقطرة ملونة تنتشر في الماء فتصنع أشكالا كأنها السديم الذي يأخذ أشكالا معجزة، وحمم بركانية تتدفق، والنيران وألسنة اللهيب، ومن كل ذلك تنمو ما يشبه الكائنات الأولى التي تزداد تعقيدا وهي تسبح في البحار، فلا تملك إلا أن تقول: يالروعة معجزة الحياة!!
من قلب هذه المعجزة يولد سؤال: هناك في المروج ديناصوران بداائيان، من الواضح أن أحدهما يحتضر، يشمه الآخر ويمضي إلى حال سبيله، فهل الحياة الرائعة في إعجازها هي أيضا بهذه القسوة؟ هل الحياة قوة دافعة لا تعرف ولا تعترف إلا بقوتها واستمرارها حتى أنها لا تعبأ بالموت أو الموتى؟ كان هذا هو السؤال الدائم في أعماق تيرانس ماليك حول التناقض بين الروعة والقسوة، وهذا ما سوف يعرضه لك فيما يشبه سردا تسجيليا لحياة الصبي الأكبر للعائلة، وهي الحياة التي تتلاقى في الكثير من خطوطها وخيوطها مع حياة أغلب البشر، إن لم يكن البشر جميعا.
دعني أعرض لك طرفا من هذه الوقائع العادية وغير العادية في آن واحد: الأب والأم شابان متحابان في مقتبل العمر، وصورة أيقونية تتردد في معظم أفلام ماليك لستائر النافذة تؤرجحها الريح، والأب يلمس بطن الأم الحامل في حنان، وخروج الابن إلى الدنيا في استعارة سيريالية كأنه يخرج من قلب الماء، ويد الأب أو الأم تحتضن قدم الوليد فلا تكاد أن تبلغ في طولها إصبعا، ومرة أخرى تهمس بينك وبين نفسك: يالروعة الحياة!! في حضن الأم يبدو العالم كأنه النعيم، ويرعاه الأب في مشيه، وتعلمه الأم الكلمات الأولى، وفراشة تحط على يد الأم، وتقترب قطة في توجس.
وعند قدوم طفل آخر يبدأ هذا الفردوس في التلاشي، وتظهر الغيرة في عيني الطفل الأكبر، ويحوم القلق فوق هذه الجنة الأرضية الصغيرة، وإذا كانت الأم تمثل الحنان الهادئ، فالأب هو الأوامر الصارمة. وعندما يصبح الأطفال ثلاثة، ويكبرون قليلا، تشعر كأنك تشاهد عائلة من الأسود مثلا، حيث الأشبال تلهو في مرح ممزوج بالعنف، كأن الطبيعة تدربهم على قسوتها، ويشارك الأب في هذا التدريب كأنه يشحذ مخالب صغاره، وتراه أحيانا وحيدا يرقب الفضاء من حوله لأنه يريد أن يحمي العائلة من الأخطار المحتملة (إنني أطلق على ذلك "الإحساس الديكي"، لأنني في طفولتي كنت أرى الديك لا يتمتع بالأكل أبدا، إنه يقف منتبها دائما، يلقط بين الحين والآخر حبة ذرة، بينما الدجاجات من حوله منهمكات في التهام الغذاء!!)، كما ترى الأم تستمع باللهو مع أطفالها كأنها عادت هي الأخرى إلى طفولتها.
وفي مسحة من علم النفس، الذي تتردد أصداؤه أيضا في بعض نظريات علم الاجتماع عند القبائل البدائية، تلمح الصراع الخفي بين الابن والأب، إن الابن يفكر في لحظة عابرة في "قتل الأب"، كأن العالم مع الأم وحدها سوف يصبح أفضل بدونه، كما يعرف الابن أحاسيسه الغريزية الأولى باستراق النظر إلى الأم، وتزداد خشونة الابن في ألعابه. هل هذا "الأب" – وضف إلى ذلك رمز الأبوة في الأفكار الميتافيزيقية – قاسٍ أكثر من اللازم، أم أن هذه القسوة تعبير عن الحنان العميق؟ هل يريدنا "الأب" أن نكون نسخة منه برغم أن ذلك مستحيل وغير إنساني؟ وهل في تلك الرغبة ما يشير إلى أنه لم يستطع أن يحقق ذاته فأراد تحقيقها من خلالنا؟
قد تبدو لك تلك الرحلة على الورق مجردة، لكنها في الحقيقة مجسدة في صور لن تنساها أبدا، وفيها خلاصة القلق الوجودي عند ماليك وعند الكثيرين منا حتى لو لم نعترف بذلك. إن هذا القلق يجد حلا من خلال فكرة الحياة من جديد، عندما يتلاقى السابقون واللاحقون عند البعث، الذي يصوره الفيلم في مشهده الأخير والابن الأكبر في كهولته يمضي في طريق من صحراء جبلية قاحلة، ويدخل من باب خشبي بلا بناء، فإذا به يسير على لسان من الأرض وسط البحر يقوده الصبي الذي كانه في طفولته، وأسراب من البشر تتلاقى، هنا يلتقي بأمه وأبيه شابين في مقتبل عمرهما، وبأخويه اللذين رحلا (حتى الآن لا أعرف إن كان الاثنان الآخران قد ماتا أم واحد فقط!!)، ويشمل الجميع فرح عذب لا ينتهي.
وكما بدأ الفيلم بالضوء الذي يشق الظلام فإنه ينتهي به، عودا على بدء، فلا تدري إن كنت قد شاهدت فلسفة أم شعرا أم مزيجا رائقا راقيا منهما. وفي إشارة بالغة الذكاء والخفاء نرى الأم في لقطة تذكرك كثيرا ببطلة فيلم إنجمار بيرجمان "بيرسونا"، وكأنها إشارة ولاء من ماليك للسينمائي الفيلسوف بيرجمان، الذي يشترك معه في همومه الوجودية، بما يبعده أيضا عن مقارنته مع ستانلي كوبريك، الذي سوف يحلو للكثير من النقاد تشبيه فيلم "شجرة الحياة" مع "أوديسا الفضاء 2001"، لكن الحقيقة أن كوبريك يبدأ فلسفته بالتشاؤم من مصير الحضارة الغربية، أما تشاؤم تيرانس ماليك فهو ليس تشاؤما حقيقيا، أنه رغبة في الكشف عن قانون الوجود والحياة، فربما بعد أن نعرفه سوف نرتاح بالاستسلام له، الاستسلام للصراع بين ما نسميه الخير والشر، واللذين قد يكونان وجهين لجوهر واحد.
ألم أقل لك أنه فيلم ليس هناك الكثير من الأفلام التي تشبهه؟!

Monday, September 05, 2011

مقلب برامج المقالب


منذ ظهور البرنامج التليفزيوني الأمريكي "الكاميرا الخفية" في حوالي منتصف القرن الماضي، جاءت بعده نسخ عديدة منه في مختلف المحطات التليفزيونية وبالعديد من اللغات. كان هناك سحر خفي في فكرة البرنامج، أن ترصد ردود أفعال الناس تجاه موقف مفاجئ ما، لكن نجاحه كان يعتمد في الحقيقة على عدة عوامل: إخفاء الكاميرا التي تسجل وتلتقط أكثر الانفعالات العفوية رهافة، وتحقيق متعة "شبه مرضية" عند المتفرج، هي متعة "التلصص" على الآخرين، لكن برغم بعض الاعتراضات على فكرة البرنامج من جانب بعض المؤسسات الاجتماعية، فقد استمر منذ ذلك الحين، حين وجد من يدافع عنه بحجة أنه قد يفيد فى البحث النفسي عن ردود أفعال الناس العاديين.
وكان طبيعيا أن ينتقل البرنامج إلى مصر ولو أنه تأخر بعض الشيء، وحمل عدة أسماء من بينها "الكاميرا الخفية" أو حنى "زكية زكريا"، وتفاوتت الاستجابات تجاه الفكرة، لكن أكثر ما استفز البعض هو ما بدا من اصطناع المواقف في الكثير من الأحيان، والاتفاق منذ اللحظة الأولى بين من يصنعون البرنامج ومن يقع في الفخ المزعوم، وبذلك فإنه كان يفتقد سبب وجوده. في العام الماضي جاءت تنويعات أخرى، انتقلت بالفكرة إلى أماكن لم تكن تخطر على بال، مثل "الميكروباص" أو وسائل النقل الجماعي، وهي تمثل في مصر الآن – وبسبب زحام المرور غير المعقول – مكانا "اجتماعيا" يقضي فيه المصري وقتا طويلا، ويلتقي فيه بغرباء لم يكن يتصور في يوم ما لقاءهم، ويخطط من يقدمون البرنامج لظهور مفاجئ لشخصية غريبة الأطوار، لتسجل الكاميرا ردود أفعالهم تجاهه.
بالطبع كان اختراع الكاميرات متناهية الصغر، والتقنية الرقمية التي تنقل وتسجل برهافة غير مسبوقة، وراء إمكانية صنع مثل هذه البرامج، وبقدر تفاهة المضمون في بعضها، فقد جاءت برامج أخرى بهدف أكثر عمقا، مثل "تاكسي مصر"، الذي يرمي إلى معرفة آراء الناس العاديين فيما يجري من أحداث، فكأنه نوع من استطلاعات الرأي العشوائية، التي قد تفيد معرفتها أحيانا، وإن كانت لا تخلو من ضرر قد نتطرق له في مقال قادم.
لكن المثير للاهتمام هذا العام هو هذا الفيضان من برامج "المقالب"، وهي جميعا من نوع لا يخلو من خطورة ما، وسوف نتوقف بالتأمل عند بعضها الآن. هناك برنامج يدعى "هاكشن"، ولعلك ترى كيف أنه حتى الاسم يتضمن سخرية من النمط الفيلمي المسمى "أكشن"، أي الأفلام التي تتضمن مشاهد حركة خطرة. لكن البرنامج هنا لا يخلو من سذاجة الفكرة والتنفيذ: استضافة أحد الممثلين أو إحدى الممثلات (من أهل الكوميديا خاصة بما يعكس أن المسألة لن تتعدى التهريج!)، وإقناعهم بتصوير بعض اللقطات أمام شاشة خضراء، تمهيدا لإجراء خدع إلكترونية بعد ذلك. إنهم يطلبون من الممثل أن يركب حصانا صغيرا سوف يرفسه، أو يدرب كلبا سوف ينبح فيه، أو يصعد فوق حبال يقال له بعد دقائق أنها تالفة. الهدف: إثارة الخوف في الممثل بأي طريقة!! لكن الهدف الذي نراه دون أن يقصد إليه صناع البرنامج هو توضيح كيف أن كثيرا من الأعمال الفنية عندنا يتم صنعها بقدر غير يسير من الهذر والهزل، أي أنهم غالبا ما يضحكون على عقولنا عندما يصورون أنهم يصنعون لنا "فنا"!!
لكن العدد الأكبر من برامج المقالب يضع ضيفه في مأزق قبل وصوله بالفعل إلى مكان "العمل"، ولعل أكثر هذه البرامج خطرا من ناحية الفكرة والتنفيذ هو "ما كانش يومك"، فهناك اتفاق مع ممثل أو ممثلة على عمل ما، وهو في الطريق له يلقى ما لم يتوقع أبدا أن يقابله. سوف أضرب لك مثلا بحلقة منة فضالي، إنها في سيارة التوصيل إلى موقع التصوير، يبادلها السائق بعض كلمات الترحيب المهذبة، لكنه شيئا فشيئا يسفر عن قدر غير قليل من الطيش والجلافة، فهو تارة يطلب منها "بقشيشا"، وتارة أخرى يصطنع عيوبا في السيارة تجعلها ترتج وتتمايل من حين إلى آخر. وهنا يظهر بالطبع الخوف فى عيني الممثلة ووجهها، ويتزايد صياحها في السائق الذي يتلقى منها ما لذ لها وطاب من عبارات السباب (والسيدة فضالي لا تعجز عن استدعاء قاموس كبير في هذا المجال!!)، لكن الأمر يصل إلى درجة ظهور قطاع طرق أيضا يهددون الممثلة، وعندما تصل تجد نفسها في فندق في غرفة رجل لا تعرفه، ثم تظهر زوجته التي توسع الممثلة ضربا!!
لا أدري بشكل يقيني ما دار في ذهن صناع هذا البرنامج عندما خططوا له، لكني سوف أحدثك عن رد فعل المتفرج عندما يرى ما حدث على الشاشة: إذا حدثت له مثل هذه المواقف (فهي ليست موقفا واحدا) فسوف يقابلها إما بالبلاهة، أو بسلاطة لسان مقتديا بالممثلة التي يفترض أنها نموذج يسعى الكثير من المتفرجين لتقليده!! وهي سلاطة اللسان ذاتها التي يحتشد بها برناج "بين السما والأرض" حتى أن هناك العديد من الحذف فيه في مرحلة المونتاج، غير أن ذلك لن يخفى على المتفرج بأية حال.
الفكرة هنا مقتبسة عن فيلم "بين السماء والأرض" (1959) الذي كتبه نجيب محفوظ وأخرجه صلاح أبو سيف": ركوب أسانسير يقف فجأة بين الأدوار، ويظهر أن أحد ركابه يتصرف على نحو غريب، فماذا يكون رد فعلك؟ في حلقة هالة فاخر يدخل فجأة زوجان يتشاجران في المصعد في جلبة واضطراب، وفي حلقة سامي العدل يقتحم المصعد فتى يطالب بالاشتراك في استخدامه ويوقفه عن العمل. هنا يمكنك أن ترى ما يمكن للكاميرا الخفية أن تحققه، باستخدام ممثلين غير محترفين يصطنعون موقفا ما، وفوق أكتافهم يقع عبء تطور الموقف، وهو ما يبدو أنهم عاجزون عنه بعد دقائق قليلة، فإذا بالحلقة تقع في مأزق التكرار أو السكون، أو افتعال تصعيد الموقف مرة أخرى، أحيانا لدرجة الخطر إذا اضطر الممثل غير المحترف إلى ذلك، إذا بدا له أن الأمر بات أقرب للانتهاء من قبل أن يبدأ!!
عبثا تحاول أن تبحث عن أي شيء كان صناع هذا البرنامج يسعون له عندما خططوا له، فلا تجد هدفا سوى إثارة الخوف في نفس "الضيف"، لتصبح مهمتنا هنا هي "الفرجة" عليه وهو في هذا المأزق. ومن الغريب أن يأتي برنامج آخر، بنفس الفكرة والاسم، هذه المرة هو "الأسانسير"، والفرق الوحيد أن "الفريسة" شخص عادي، يعرف عنه معدو البرنامج بعض المعلومات، ويوقعونه في مصعد معطل مع شخصية أخرى تكشف له عن بعض هذه المعلومات، مما يثير المفارقات. في إحدى الحلقات على سبيل المثال تصعد سيدة في المصعد، ويوقعها "حظها" مع سيدة أخرى تقول أنها الزوجة الأخرى السرية لزوج السيدة الأولى، وهنا يجب أن تنوقع سيل الشتائم والإهانات التي سوف يتم تبادلها بين الطرفين!!
أخيرا يأتي "رامز قلب الأسد"، والذي يبدو أنه حقق مشاهدة كبيرة بين المتفرجين، ويقدمه رامز جلال ويعتمد على استضافة ممثل شهير، وهو أيضا يصعد في مصعد يصل به إلى أحد الأدوار ليجد أسدا في انتظاره على الباب. أنت طبعا تتوقع أن الضيف سوف يبهت ويحتار في التصرف، و"متعتنا" هي التلصص عليه على نحو لا يخلو من انحراف نفسي، فبدلا من أن تأخذنا الشفقة عليه، أو على الأقل نتعاطف معه لأننا قد نكون في نفس الموقف، فإننا نضحك لأن الخطر لا يواجهنا ويواجه شخصا آخر، وهذا هو الأثر السلبي الفادح الذي ينتج عن مثل هذه البرامج.
تأمل كيف أن الواقع العربي يحتشد الآن بقدر هائل من الفواجع الحقيقية ذات الجذور السياسية، وها هو التليفزيون يصنع لنا فواجع بديلة، مستعارة ومصطنعة، ومملة في بعض الأحيان أيضا، إننا نقلب بين الفضائيات، ونتجنب أن نرى نشرات الأخبار والضحايا الذين يسقطون هنا وهناك، ونتفرج بدلا من ذلك على برامج المقالب، وياله من مقلب دبره لنا صناع مثل هذه البرامج!!

برامج اللعب في الدماغ


تستطيع في كل البرامج التي تقدمها الفضائيات العربية أن تعثر على الأصل الأجنبي لها، ماعدا نوعا واحدا منها هو "برامج اللعب في الدماغ"، أو النميمة التي يختلط فيها كل شيء بأي شيء، حيث تستضيف شخصا لا علاقة له بالموضوع الذي تناقشه، وتطرح عليه أسئلتك كأنه الخبير الذي يدلي بدلوه، فإذا به يزيد البئر تعكيرا، لأنه أولا ليس لديه أدنى وضوح في الرؤية، وهو ثانيا يردد عبارات شائعة على ألسنة العامة، فتكون النتيجة أن يخرج المتفرج من هذا كله إما بفقدان الاهتمام بالموضوع، أو بمزيد من الاضطراب والتشوش.
في كل عام كانت برامج رمضان تحفل بهذه النوعية، لكنها لم تكن تقترب من السياسة، أما هذا العام فقد أصبحت السياسة بديلا عن حرب الشائعات بين الفنانين والفنانات، وهي الحرب التي وصلت إلى ذروتها في العام الماضي، وكانت إشارة مستترة لمحاولة إلهاء الناس عن قضايا باتت قريبة، أما وقد فرضت هذه القضايا نفسها فقد عادت الفضايات إلى سياسة الإلهاء، هذه المرة باستخدام القضايا الملحة ذاتها!
لا ندري على وجه اليقين إذا كان التكاثر الغريب لهذه البرامج فجأة على هذا النحو مصادفة أم تخطيطا، لكن المؤكد أنها "سهلة" جدا على عكس ما توحي به للوهلة الأولى، حتى لو كانت تستعين بديكورات بالغة الفخامة، أو بشاشات كومبيوتر عديدة وعملاقة كأنك في وكالة الفضاء الأمريكية (!!)، فكل ما يحتاجه الأمر هو مقعدان متقابلان، يجلس مقدم البرنامج في أحدهما، والضيف أو الضيفة في الآخر، ثم تتوالى الأسئلة المكررة، مع صدور مؤثرات صوتية مخيفة، أو ظهور مؤثرات بصرية خاطفة، عند هذه الجملة أو تلك، كأنك تشاهد فيلما من أفلام الرعب.
سوف نتوقف أمام بعض حلقات بعض هذه البرامج ونحاول أن نفهم، ربما أدركنا المغزى من تكاثرها الغامض. هناك مثلا برنامج "نصف الحقيقة" الذي تقدمه لميس الحديدي، والذي يقول في عناوينه هو أنه يدعوك إلى أن تتساءل: هل الضيف يقول نصف الحقيقة، أم كل الحقيقة، أو لا شيء من الحقيقة؟ وفي الحقيقة أن البرنامج لا يدعوك مطلقا إلى أن "تشغل عقلك" حتى تصل إلى إجابة. في إحدى حلقاته تظهر الكاتبة لميس جابر، التي اشتهرت فجأة بعد كتابتها مسلسل "الملك فاروق"، وبدت لنا في ثوب "المؤرخة". ومن المؤكد أن التاريخ ليس حكرا على أحد، وهناك من أساتذة التاريخ المحترفين من شوهوه، بينما كان هناك "هواة" تركوا بصمة لا تمحى، لعل أهمهم هو صبحي وحيدة صاحب كتاب "في المسألة المصرية". لكن الخطر في هذه الحالة هو أن يتم تقديم لميس جابر بوصفها "صاحبة التوكيل الرسمي للتأريخ"، بينما الحقيقة أنها تستند إلى مجلات ودوريات شائعة، وتُغرق المتفرج في قصص فرعية قد تبدو طريفة، لكي تُمرر وجهة نظر غير موضوعية، لعل من بينها النظرة المتعالية على الجماهير، وإلقاء اللوم عليهم بدلا من تحميل النظم السياسية مسئوليتها عن كبتهم، أو مثل وضع ستين عاما في تاريخ مصر منذ قيام ثورة يوليو حتى اليوم في سلة واحدة، دون النظر إلى الفروق الدقيقة بين مراحل هذه الفترة ذاتها.
هناك نوع آخر من التاريخ، يكتبه "نجوم" السياسة التليفزيونيون، وبرنامج "أنت وضميرك" الذي يقدمه الصحفي مجدي الجلاد يبرز في هذا المجال. تأمل مثلا الحلقة التي استضاف فيها المحامي المشهور مرتضى منصور، الذي أخذ يكرر "حواديته" عن خصومه السياسيين، بالتفاصيل التي لا تهم أحدا غيره، مع استخدامه لغة هي أقرب للغة رجل الشارع (وهو يفخر بذلك)، مع توجيه السهام في كل اتجاه، وإلقاء معلومات لا يعلم حقيقتها إلا الله، مثل العثور على "40 مليون جنيه في ميدان التحرير" خلال أحداث الثورة، وهو أمر لم يذكره مصدر آخر وليس عليه دليل واحد، لكن كما يقول المثل المصري: "العيار اللي ما يصيبش يدوش"، فقد لا تصيب الرصاصة التي تطلقها، لكنها على الأقل سوف تحدث انفجارا صوتيا مثيرا للرعب!!
استضاف نفس البرنامج الممثل الكوميدي طلعت زكريا، الذي اشتهر عنه إطلاق أقوال طائشة، من بينها أن المتظاهرين في ميدان التحرير كانوا يتعاطون المخدرات، ويمارسون علاقات مشبوهة. كان الغريب أن طلعت زكريا قد ضرب رقما قياسيا في الظهور في هذه البرامج، وهو أمر لم يحققه أكثر الثوار حماسا، ولعل هذا يشير لك إلى أين تحاول هذه البرامج أن تمضي، فالممثل الكوميدي يؤكد في كل مرة يظهر فيها أنه شاهد بعينيه هذه الظواهر الغريبة، وأن ميدان التحرير كان يحتشد بأناس يزورونه من أجل "الفسحة"، بينما لا توجد كلمة شافية واحدة – حتى لو كانت معارضة – عن الاحتجاجات ذاتها.
جاء طلعت زكريا بابنه عمرو أيضا ليشهد على صدق كلامه في برنامج "الشعب يريد" الذي يقدمه طوني خليفة، وهو البرنامج الأعقد في "شكله" من أقرانه، فهو يلعب بالديكور والإضاءة، وتتصاعد فيه الموسيقى المتوترة عند كلمات معينة، ناهيك عن طريقة مقدمه في محاصرة الضيوف حتى أنهم لا يجدون فرصة لإكمال جملة مفيدة واحدة. تأمل كيف يتم استخدام عبارة كانت شعارا في بلدان عديدة لتصبح عنوانا للبرنامج، الذي يردد فيه طلعت زكريا أن "المخدرات كانت بتتوزع في ميدان التحرير"!! وعندما تحين الفرصة لحديث سياسي أكثر جدية، مثل حلقة خالد يوسف، يقوم مقدم البرنامج بتشتيت أي فكرة فلا تكتمل أبدا.
قدمت المذيعة والممثلة ريهام سعيد برنامجا يُدعى "فاصل ونعود"، تقوم فكرته على إيهام الضيف بتوقف التصوير بينما يتم تسجيل الحوار معه، وهو ما يفترض أنه سوف يؤدي إلى انطلاقه في آراء صريحة قد لا يطلقها في الجزء المذاع، ولابد أنك تعرف بالطبع أنه مادام هذا الحوار "السري" قد أذيع فإن الضيف قد وافق عليه. قد تصلح هذه الفكرة مثلا لحوارات النميمة الفنية، مثل حلقة منة فضالي التي تفتخر بأنها "أكثر من يصدر عنه الشائعات"، لكن أن يمتد ذلك إلى السياسة فإن الأمر يتحول إلى هزل كامل، كما في حلقة المؤلف الموسيقي عمرو مصطفى، الذي يقول أنه قدم لمصر إنجازات أهم من نجيب محفوظ وأحمد زويل. من جانب آخر فإنه يعطي المتفرجين درسا في ألا يصدقوا إلا ما هو "صوت وصورة"، وعندما يصطدم ببعض هذه الأصوات والصور يقول أنها تلفيق ناتج عن استخدام "الفوتوشوب"!!
ليس هناك أي جديد في برنامج هبة الأباصيري "كش ملك"، بل إن هذا العنوان ذاته لا يعني أي شيء، فالحكاية كلها إعادة لنفس الحوارات الفنية التي سبق لك رؤيتها في أعوام سابقة، مع الاتجاه أحيانا لبعض آراء هذا الفنان أو هذه الفنانة فيما يجري من أمور، دون أن تكون لهذه الآراء قيمة حقيقية. على النقيض يأتي برنامج الممثلة بسمة "من أنتم؟" الذي يحاكي في شكله مواجهات برنامج "الاتجاه المعاكس"، لكن مقدمة البرنامج هنا تفتقد الخبرة والمعرفة التي تؤهلها لأن تتحكم في مجريات الحوار. وقد تأتي بعض الحلقات ساخنة مثل حلقة تامر أمين ووائل الإبراشي، لكن الطابع العام يظل مرتبطا بقدر غير قليل من الخفة. إنها تستضيف مثلا الممثلة عفاف شعيب، التي كانت سببا في إثارة بعض الانتقادات التي لا تخلو من سخرية، لتصريحها بأن الشعب المصري كان يعاني من أزمة خلال المظاهرات لعدم توفر الكباب والكفتة والبيتزا، وبعيدا عن هذا الموضوع فإنها كررت مرة أخرى أنها علمت من أقاربها في أمريكا ولندن (هكذا) أن هناك مؤامرة ضد مصر، لأنها "أكبر بلد في العالم"، وهذه المؤامرة هي تدريب جنود أجانب على التحدث بالعامية المصرية، وإنزالهم الشوارع لاختطاف الدبابات!!
لعلك تبتسم الآن ياعزيزي القارئ، وهذا هو بالفعل ماأثار بعض برامج أخرى قائمة على السخرية، ربما نتوقف عندها في مقال قادم، لكن ما يثير المرء حقا هو أنه إذا كانت برامج الفضائيات في رمضان هذا العام قد قررت أن تناقش السياسة، فلماذا لم تفكر لحظة واحدة في أن تضفي على هذه البرامج عمقا وجدية؟ أم أن تحويلها إلى الخفة والاستخفاف كان مقصودا، بهدف اللعب في الدماغ؟

Monday, August 22, 2011

شيوخ وإعلانات



حرام والله ما تفعله فينا محطات التليفزيون، نجلس نحن فى استرخاء أمام الشاشة بينما هى تسرق منا حياتنا عينى عينك، ويمكنك أن تحسب مثلا عدد ساعات الإرسال الحقيقى وتقارنها بتلك المخصصة للإعلانات، فحلقة المسلسل قد تستغرق مثلا ساعة كاملة، لكن أكثر من نصفها مواد إعلانية تعاد وتتكرر المرة بعد الأخرى، كما أنهم اخترعوا لك طريقة جديدة فى تلخيص كل إعلان فى خمس ثوان فى نهاية الفقرة الإعلانية، كأنها المراجعة العامة النهائية التى يتأكدون بها أنك قد حفظت الإعلان عن ظهر قلب.
المصيبة أن إعلانات اليوم لا يمكن حفظها، فهى سقيمة لا تتمتع بأى خفة ظل، بينما كانت هناك فترة ذهبية اعتبرت فيها الإعلانات هى "فولكلور" الأطفال، تلك كانت الثمانينيات من القرن الماضى، حين لم تكن هناك إلا قناة تليفزيونية واحدة أو اثنتان، وكان الآباء والأمهات يضطرون إلى ترك أبنائهم فى المنزل ويذهبون للعمل، وفى تللك الساعات كان التليفزيون يقوم بدور "جليسة الأطفال"، ومن مواده تكون وعى جيل كامل سواء بالمسلسلات أو الأفلام أو الأغنيات الأجنبية، والإعلانات أيضا. كانت تلك هى فترة المشروب الذى يعلن عنه حسن عابدين فى "مسلسل" إعلانى كوميدى، ومعجون الحلاقة صاحب "الثلاثة أسباب" لاستعماله، والمبيد الذى ينتشر ويتوغل، ناهيك عن الأطعمة البسيطة التى تعلن عنها فتيات جميلات تلعبن حواجبهن وتغنين أغنية قصيرة.
استدعت نوعية البضائع المعلن عنها فى ذهنى فكرة أراها دالة، فالإعلانات فى كل فترة تشير إلى دلالات اجتماعية واقتصادية وسياسية طريفة. قارن مثلا تلك البضائع التى تستهلكها الشريحة الأكبر من الطبقة المتوسطة حتى الثمانينيات، بتلك التى انتشرت خلال العقد الماضى. لم يعد البلوبيف أو الجبن هو المطلوب ترويجه، بل السيارات فى بلد يعانى من أزمة مرور حادة، وهكذا لا تقوم الدولة بحل المشكلة حلا حقيقيا مثلما تفعل الدول التى تعرف معنى المسئولية، حين تفكر فى وسائل النقل العامة وتعطيها أولوية، لكن الدولة فى مصر ظلت طوال عقود تدير ظهرها لحل المشكلات، وتروج فى الوقت ذاته للحلول الفردية التى تزيد المشكلة تفاقما، مثلما فعلت فى أزمة الإسكان أيضا، حين تزايدت على نحو فادح وفاضح إعلانات المدن السياحية، بينما كانت وما زالت هناك الملايين التى لا تجد مأوى غير العشوائيات القبور.
إننى أنظر للإعلانات اليوم فأجد مفارقات تثير الضحك أحيانا والأسى فى أكثر الأحيان، فقد توقع الجميع انخفاضا هائلا فى نسبة الإعلان فى رمضان هذا العام، بشكل يترك تأثيرا على إنتاج الدراما التليفزيونية، وربما خفضت الوكالات الإعلانية أسعارها، لكن المحصلة فى هذا كله هو أن الإعلانات احتلت معظم ساعات الإرسال، بمواد باهتة تفتقد أى سحر أو خفة ظل، برغم التكلفة الباهظة فى صنعها، مثل إعلان إحدى شركات المحمول، التى استغلت أزمة ساويرس الذى أوقع نفسه فى مأزق توزيع نكتة سقيمة، فإذا بها تتحول إلى سلاح ضده بإهانة الإسلام (!!! إلى ما لا نهاية من علامات التعجب)، وتنتشر دعوة للناس بترك شركة المحمول التى يشارك فيها، وها هى شركة منافسة تقول لعملائها الجدد "شكرا" على تحولهم إليها، وقد استعارت لحنا من ألحان سيد درويش لتجعله المصاحب للإعلان الذى ظهر فى جزء منه مجموعة كبيرة من لاعبى ومدربى كرة القدم.
وهكذا يختلط الدين بالبيزينيس مثلما يحدث فى عالم السياسة هذه الأيام على نحو ينذر بخطر بالغ، لكننى سوف أرجئ هذا الحديث حتى آخر المقال، لنكمل معا رحلتنا فى عالم الإعلان، وإن لم نبتعد عن "الدين" أيضا، فإذا كان العقدان الماضيان هما حقبة "السيراميك" فى التاريخ المصرى (سماها الروائى صنع الله ابراهيم فى روايته "ذات" عصر "السرمكة")، فما يزال هناك جديد فى عالم السيراميك، فربما جاء الأوان لاختفاء رجال أعمال الحزب الوطنى السابق العاملين فى هذا المجال، ليحل محلهم رجال أعمال من الإخوان المسلمين، فالواضح تماما أن الإخوان ليس لديهم أى برنامج اقتصادى أو اجتماعى مختلف عن أسلافهم من الحزب الوطنى، وخطاب هؤلاء مثل خطاب أولئك، كل الفرق هو بداية الكلام بالبسملة والحوقلة، ووضع كلمة "الإسلام" هنا وهناك، أما الباقى فكله سيراميك!!
تذكرت أيضا حدوتة "عجلة الإنتاج"، التى صدعوا رؤوسنا بها وما يزالون، لقمع بذور الثورة فى وجدان الشعب المصرى، ولست أدرى فى الحقيقة عن أى "إنتاج" يتحدثون، بينما إعلانات البطاطس المقلية تطاردنى بأسماء تجارية مختلفة، وكأنها المشروع الصناعى القومى الذى سوف ينقذ مصر من الأزمة، والله يرحم أيام السد العالى، والحديد والصلب، تلك الأيام المتهمة بالشمولية لأن من كان يريد بطاطس مقلية كان يصنعها فى منزله من زيت التموين، ولا ينفق عليها الملايين كما يحدث اليوم. ولأن الشىء بالشىء يذكر فتلك النزعة الوطنية فى الأيام الخوالى تحولت على أيدى رجال البيزينيس والإعلانات إلى هزل سخيف، مثلما يحدث فى إعلان المشروب إياه الذى ما أن تتجرعه حتى تهتف بالنشيد القومى.
لكن أكثر الإعلانات سلبية بالمعنى الكامل للكلمة هى إعلانات "التسول"، التى تدعوك مثلا إلى التبرع لمستشفى بينما تعرض لك طفلا مريضا (نفس تكنيك المتسولات فى الشارع)، أو تقول لك أنك لو اشتريت السلعة الفلانية فأنت تساهم فى إدخال المياه النقية لبعض البيوت، لأن الشركة صاحبة السلعة تعدك بأنها – شخصيا – سوف تفعل ذلك، كما أن شركة شطائر النفايات الأمريكية الشهيرة سوف تساهم فى التعليم (هكذا!!)، ناهيك عن المشروع الوهمى الذى يزعم أنه يعطى الجوعى ما يسد رمقهم. تلك تجارة بالمشكلات الحقيقية للمجتمع المصرى، وهى ذات المشكلات القديمة الجديدة: الفقر والجهل والمرض، لكن بيزينيس التسول يشوه وعى الناس بها، فهو يحيل الحل إلى تبرعك أو شرائك لسلعة ما، والله وحده يعلم ماذا يفعلون بتبرعك غير إنفاق جزء منه على هذه الإعلانات، لكن الأهم هو ترسيخ مفهوم "الصدقة" فى حل المشكلات القومية، التى يجب أن تقوم بها الدولة وليس غيرها، وإن عجزت عن أن تفعل ذلك فعليها أن تتنحى جانبا وتترك غيرها يقوم بالمهمة.
ولأننا فى عصر الديموقراطية (هكذا يقولون ويريدوننا أن نصدقهم) فقد أقامت إحدى شركات المشروبات حملة للتصويت (يسمونه "الفوتينج" حتى تشعر أنك فى أمريكا!!)، ولا أدرى بالضبط والله فكرة هذا الإعلان، لكننى أراه سقيما تماما، فبالإضافة إلى أنه يدعوك لشراء المشروب، فهو يطلب منك أن ترسل رسالة بالهاتف المحمول، وهكذا تستفيد شركتان فى وقت واحد من غفلتنا، وتعمق فينا فكرة أن النهوض بالتعليم أو الرياضة أو مساعدة الفقراء سوف تأتى بأن نتجرع هذا المشروب!!
كانت الإعلانات تطاردنى على شاشات التليفزيون طوال شهر رمضان، لكن كلما حاولت أن أهرب منها كنت أجد نفسى محاصرا بهجوم آخر، هذه المرة من أصحاب اللحى الطويلة (وأحيانا القصيرة)، وليس هذا ذما فى تربية اللحية التى يربيها اليوم كل من هب ودب، لكنه نقد لمن يصور لنا أنها دليل على ورعه وتدينه، ذلك أن الله لا ينظر إلى صورنا بل إلى قلوبنا، كما أن تبجح البعض بأنه يملك "الحقيقة" حول "شرع الله" (تلك العبارة التى يستخدمونها بنزق بالغ لكنه محسوب تماما) ليس إلا تبجحا يعكس عدم فهم الآية القرانية الكريمة: "فلا تزكوا أنفسكم، هو أعلم بمن اتقى" (صدق الله العظيم)، بكلمات أبسط إن علينا ألا نتصور أو نصور للآخرين أننا "أفضل" وأكثر فهما للدين، فربما كان رجل بسيط يعمل فلاحا باليومية أو كناسا أكثر تقوى من "الشيخ" الذى يظهر فى الفضائيات وقد "رسم" التقوى على وجهه، علاماتها تلك اللحية الطويلة، وزبيبة الصلاة على جبهته.
أزعجتنى تماما تلك الهجمة الشرسة من الشيوخ المزعومين على شاشاتنا، والإسلام لم يعرف فى جوهره شيوخا يزعمون أن لهم وحدهم حق الإفتاء فى كل أمور حياتنا، وقد قال الرسول الكريم: "أنتم أعلم بشئون دنياكم"، فهل ترى شيوخ الفضائيات أدرى فى هذه الشئون من الرسول عليه الصلام والسلام؟ مصدر الخطر بحق هو أن ذلك ليس فتوى فى مسائل دينية قد تقتنع بها أو تصرف النظر عنها، لكنها تدخل سافر فى أمورنا السياسية، و"غسيل مخ" للبسطاء من الناس بالمعنى الحرفى للكلمة. تأمل مثلا سحر عبارة "تطبيق الشريعة" أو "العودة إلى شرع الله"، ما يكاد الإنسان البسيط يسمعها حتى تولد فى ذهنه صورة لمجتمع يشبه "ألف ليلة وليلة"، حيث الجميع فى مرح وحبور، والسلطان (الخليفة) يتنكر فى الليل ليطوف بالأسواق ليتعرف على مشكلات الناس!! لكن هل هناك حقا شىء اسمه "الشريعة" بلا خلاف أو وجهات نظر؟ وإذا كان الأمر كذلك لماذا إذن قتل بعض الصحابة بعضهم البعض؟ لكن الحقيقة أنه لا يوجد مثل هذه "الشريعة" النقية فى كل الأمور الحياتية.
يحدثونك فى الفضائيات عن بعض تصوراتهم عن تلك الشريعة، فيقولون أنها تطبيق الحدود، وعلى الفور ينبثق إلى الذهن صورة دموية لقطع يد السارق. وهنا نتساءل: هل الحدود (أو العقوبات)هى البداية لتكوين مجتمع عادل؟ أليست ذلك هو الوجه الآخر لنفس سياسات المرحلة الفاسدة الماضية التى كانت تتصور أن حل كل شىء يبدأ وينتهى بسن القوانين، أى أن كل ما يفعله الإسلاميون هو استبدال عقوبة بأخرى؟ وإذا كان "القطع" بصورته الدموية تلك هو الضامن لتحقيق مجتمع أفضل لماذا تستمر السرقة فى مجتمعات تقوم بتطبيقه؟ وهل تنطبق هذه العقوبة على من يسرق رغيفا فقط، أم تمتد إلى من يختلس الملايين، وهو فى حكم "الشريعة" التى يتحدثون عنها ليس سارقا، لأنه أخذ من "بيت المال" الذى له فيه نصيب؟
وإذا كان هؤلاء الشيوخ يتحدثون عن ضرورة تطبيق "الحجاب" مثلا بالقوة، فذلك نموذج على الخلط الفادح الفاضح، فكلمة "الحجاب" لا تعنى فى القرآن نوعا من الملابس، وليس هناك ما يسمى رداء إسلاميا، فملابس الكفار (وأسماؤهم بالمناسبة أيضا) هى ملابس المسلمين فى بداية الدعوة، ومن المؤكد أن الرسول (ص) كان سيرتدى ملابس عصرية لو عاش بيننا، وكانت أمهات المؤمنين سوف ترتدين ملابس متزنة لا علاقة لها بما يدعو إليه الإسلاميون. كان الرسول سوف يتستخدم التليفزيون والسيارة والكومبيوتر، مثلما استخدم أدوات عصره، وإذا كان القرآن يقول: "وأعدوا لهم ما استطعتم من رباط الخيل" فإنه لا يقصد الخيل تحديدا بالطبع. وإذا كان – مرة أخرى - الشىء بالشىء يذكر، لماذا يتجاهل الإسلاميون حديث الرسول الكريم: "أنتم شركاء فى ثلاثة: الماء والنار والكلأ"، أى فى كل مصادر الإنتاج الرئيسية؟ لكن الإسلاميين ينتقون ما يعزز سلطتهم الفاشية فقط.
كان هذا هو طابع رمضان على شاشات التليفزيون هذا العام، أراه حتى الآن منذرا بالخطر، فما نزال نعيش حالة من تغييب الوعى أو تشويهه، بين برامج استضافة أسامة سرايا ومصطفى الفقى، وإعلانات التسول، وفتاوى شيوخ العودة إلى عصر الخلاء. لا أملك إلا أن أحلم برمضان قادم أفضل وأجمل، فهل سوف يتحقق الحلم أم أنه سوف يتحول إلى كابوس؟

Thursday, August 18, 2011

مسلسل "خاتم سليمان" استعراض الممثل الواحد


في رمضان من العام الماضي، كان هناك مسلسل يحمل اسم "أهل كايرو"، الذي حقق جماهيرية واسعة بسبب حبكته البوليسية التي أحبطت المشاهدين في نهاية الحلقات، لأنها جاءت بحل مفاجئ لم تكن له أي إشارات سابقة في الأحداث أو رسم الشخصيات. وكان الممثل خالد الصاوي هو بطل الحلقات، لكن بالرغم من ذلك كانت هناك إلى جانبه العديد من الشخصيات الرئيسية والثانوية، والإيقاع المتدفق السريع، والحوار الذي يلمح إلى الكثير من تناقضات الحياة في مصر في الآونة الأخيرة، وكانت كل تلك العوامل مجتمعة هي أسباب إضافية للنجاح النسبي للمسلسل، ويبدو أن ذلك قد أغرى خالد الصاوي بتكرار التجربة، ليقوم هذا العام ببطولة "خاتم سليمان"، الذي بدأ في حلقته الأولى بداية مشجعة، لكنه مع توالي الحلقات يشي بنقاط ضعف عديدة جعلته يتراجع يوما بعد يوم.
لعلك قد لاحظت منذ اللحظة الأولى تلك "الموضة" في التورية التي يحملها عنوان المسلسل، الذي يحمل اسم بطله "سليمان"، لكنه يضيف إليه خاتما سوف يجعله يرتديه لسبب غامض، فكأنه إشارة ملتبسة لخاتم النبي سليمان الذي يسخّر به الجن، فكذلك بطلنا سليمان الذي يأتي بالأعاجيب بين الحين والآخر، برغم المآزق التي يمر بها وتكاد أن تعصف به، لكنه يقوم من عثرته قويا ليعاود سحره من جديد.
هذا "السحر" الذي يملكه سليمان – الذي يقوم بدوره بالطبع خالد الصاوي – هو محور كل الحلقات، التي كتبها محمد الحناوي وأخرجها أحمد عبد الحميد، لكنك تلمس في كل التفاصيل تدخل البطل الممثل الذي يبدو أنه اعتبر نفسه "نجما"، وليست القضية أن يكون ذلك صحيحا أو لا (فالنجومية شيء نسبي تماما، خاصة إذا أصدر صاحبها حكما بشأنها)، لكن القضية هي أن تصبح هذه النجومية هي البداية والنهاية، وبدلا من أن تكون في خدمة العمل الفني، تصبح كل عناصر العمل في خدمتها!
تبدأ الحلقة الأولى بداية قوية، وهي الحلقة التي تمثل "قسم العرض" في البناء الدرامي، فهناك مستشفى شهيرة تحمل اسم صاحبها سليمان العريني، جراح القلب البارع الذي يصفه الحوار كالعادة بأنه "أشطر جراح قلب في مصر"، وتدير هذه المستشفى الدكتورة شاهيناز (رانيا فريد شوقي) زوجة سليمان، وهي تمسك بحزم بمقاليد الأمور فيها، وهو ما نراه في لمسات سريعة في إصدارها الأوامر هنا وهناك، حيث وصل إلى المستشفى أحد الوزراء مصابا بجلطة في القلب، لكن المشكلة أن الدكتور سليمان كعادته غائب في مكان مجهول.
دعك الآن من "منطقية" أن يكون هناك في الواقع جراح شهير على هذه الشاكلة، فلابد أنك تتسامح مع هذه التفاصيل قليلا لكي تستمتع بالعمل الفني، وسوف تعرف سريعا أن بطلنا جالس يلعب "طاولة" في مقهى شعبي، تنطلق من قلبه الضحكات الطفولية الصافية وهو ينتصر على خصمه. بعد أن ينتهي بطلنا من اللعب يصحبنا إلى سطح منزل فقير في قلب الحي القديم من القاهرة، لينطلق في تأملات عن منظر المدينة في الليل، لكن هدفه في التواجد في هذا المكان هو استعادة "حمامة زاجلة" له، كانت قد ضلت طريقها إلى عش غريب، ويدفع سليمان مبلغا كبيرا لاستعادتها وهو راضٍ بذلك.
كانت السلطات تبحث عن الدكتور سليمان في كل مكان لكي ينقذ الوزير المريض في تلك اللحظات الحاسمة من حياته، وينجحون بالفعل في النهاية، ويصحبونه عائدين إلى المستشفى، لكنه يبدو لاهيا بحكاياته مع الضابط الذي يصحبه، عن هواياته الغريبة وذكرياته المضحكة عن وزير الصحة الذي كان زميلا قديما له أيام الدراسة. لقد كان المسلسل هنا (وطوال الحلقات) يريد أن يضع خطوطا أكثر وضوحا حول شخصية سليمان، لكنه كلما حاول ذلك زاد الشخصية غموضا، حتى أنك تسأل نفسك: هل هو عابث ليس لديه إحساس بالمسئولية؟ هل يعاني من اضطراب نفسي ما؟ أم أنه متمرد على نجاحه ويريد أن يعيش حياة عادية مليئة بالمباهج الصغيرة؟
عبثا تحاول أن تجد إجابة واضحة على تلك الأسئلة حول بناء الشخصية الرئيسية، ويبدو أن صناع المسلسل بدورهم لا يملكون إجابة واضحة عنها، فما أغراهم بها هو أنها تقترب من شخصية "زوربا اليوناني"، التي ظهرت في الفيلم الشهير من بطولة أنتوني كوين، عن رواية الأديب اليوناني الكبير نيكوس كازانتزاكس، وهي شخصية تغري بالفعل أي ممثل بتجسيدها لما تملكه من تناقضات بالغة الحيوية، لكنها تحتاج إلى قدر هائل من الرهافة حتى لا تبدو هذه التناقضات – كما هو الحال هنا – أقرب إلى التشوش والاضطراب.
سوف يحاول المسلسل بالطبع أن يضع هذه الشخصية في مواقف تبرز تناقضاتها وحيويتها، لكن هذه المواقف سوف تصبح أقرب إلى "نمر" فيها الكثير من الافتعال، وقد تستغرق إحدى هذه النمر حلقات بأكملها، حتى إذا انتهت ينساها المسلسل ليمضي إلى نمرة أخرى. تبدأ هذه النمر مع كارثة حقيقية يعيشها سليمان وزوجته شاهيناز، فابنتهما الشابة الوحيدة شهد تذهب مع إحدى صديقاتها إلى موسيقي شهير، حيث تتكشف الليلة عن مصرع هذا الموسيقي، ليقع الاتهام بالقتل على الابنة، ويمضي سليمان في مغامرات بالغة السذاجة في محاولة للكشف عن الفاعل الحقيقي، مستخدما واحدا من أصدقاء الطفولة تحول إلى ممارسة الدجل والشعوذة، اللذين يصبحان سلاحه في اكتشاف أسرار الجريمة!
في "منطقة" أخرى من المسلسل (فكأن المسلسل مناطق معزولة دراميا عن بعضها البعض) نرى الصحافية الشابة عبير، التي تحاول الحصول على سبق صحفي يؤهلها للتعيين في الصحيفة التي تعمل بها، فتمضي خلف قصة الوزير المريض، وتدعي المرض لتدخل المستشفى لتكون قريبة من مصدر الأخبار، وحين تتكشف حقيقتها وتبدو قريبة من تلقي العقاب، يكشف لنا المسلسل عن أنها مريضة بسرطان الدم، وتلك كما ترى تطورات لا علاقة لها بأي بناء درامي متماسك، حيث لا علاقة بين مرضها ومغامراتها الصحفية، تماما كما يسير المسلسل في خط جديد عندما يقابل سليمان مجموعة من المجرمين، يدخل معهم في محاورات تجعلهم – مثلنا – حائرين في فهم شخصيته!!
من هذه الخطوط القصصية العشوائية تدرك أن البناء البوليسي هنا يفتقد الحد الأدنى من التماسك والإقناع، وذلك للانشغال بما يراه المسلسل أكثر أهمية وهو شخصية سليمان، لكنه هنا أيضا يفتقد المصداقية، ليس فقط لأن الشخصية بعيدة عن الواقعية، وإنما لأنها غير متكاملة الملامح بالمعنى الدرامي للكلمة. دائما يتحدث نقاد الدراما عن "الدافع" الذي يقود الشخصية لتصرفاتها، حتى لو كانت هذه التصرفات بالغة الغرابة, لكن الشخصية هنا ولدت "هكذا" وبدون أية دوافع، ولا تجد سوى "مونولوجات" طويلة من الحوار يتحدث بها البطل عن نفسه، أو يتحدث بها الآخرون عنه، وبصرف النظر عن أن هذه المونولوجات تربك إيقاع الأحداث تماما، أو أنها تجعل الممثلين يسترسلون في أداء "زاعق" بالمعنى الحرفي للكلمة، فإنك لا تستطيع أن تبني دراميا شخصية ما من خلال الحوار وحده، خاصة عندما يكون محتشدا بعبارات غائمة تصف سليمان بأن "بحر مليء بالألغاز" أو بأنه "شبح"، كما جاء بالنص في المسلسل!!
يدور المسلسل إذا عن سليمان، وكل الشخصيات تدور في فلكه، وكل الأحداث تمضي إليه، لذلك تبدو كل عناصر المسلسل مكرسة له، أو بالأحرى لخالد الصاوي، الذي يظهر كما لو كان يقف على خشبة مسرح، يلون في نغمات صوته وحركات جسده على نحو شديد المبالغة بما لا يتناسب مع رهافة الشاشة الصغيرة، التي تسجل النفاصيل الدقيقة فلا تتطلب من الممثل كل هذا القدر من تضخيم الأداء.
ربما تحمل الحلقات الأخيرة من "خاتم سليمان" نفسيرا لهذه الشخصية، لكن ذلك سوف يكون بدوره عن طريق جمل الحوار وحدها، وبعد ثلاثين حلقة من مسلسل كان يكفي فكرته فيلم في أقل من ساعتين، لكن همه كان أن يمنح بطله عرضا متصلا لأن يثبت موهبته، فإذا به يتحول في النهاية إلى أن يكون عرضا للممثل الواحد!!

Wednesday, August 17, 2011

الكبير أوي الضحك من غير سبب ليس دائما قلة أدب


أحيانا ما يتعامل النقد مع الأعمال الكوميدية بمنطق الاستخفاف، وينظر لها على أنها لا ترقى لمستوى النقد، وغالبا يكون السبب الرئيسي في ذلك أن النقد يتعامل أساسا مع المضمون، بينما يهمل الشكل أو يتجاهله ويجهله. فأغلب المقالات النقدية تبدأ بعبارة: "هذا العمل يتناول ..."، فإذا كان هذا الذي يتناوله العمل الفني جادا في مظهره أصبح في عرف الناقد جديرا بالاحترام، حتى لو كانت المعالجة هزيلة. وهناك أمثلة عديدة هذه الأيام لأعمال الفنية ضعيفة، لكنها تختفي وراء الزعم بمعالجة قضية جادة، وذلك في الحقيقة أخطر من ألا يتناول العمل مثل تلك القضايا أصلا، فغايته في هذه الحالة تكون هي الضحك بمعناه البسيط، وهو إن لم ينفع لا يضر، وذلك تماما هو حال المسلسل التليفزيوني "الكبير أوي"، الذي يأتي هذا العام جزأه الثاني ليحقق نسبة عالية في المشاهدة.
أثار حيرتي في البداية نجاح هذا المسلسل "الخفيف"، بين الكبار أو الأطفال على السواء، وأهملته بعض الوقت لكن تزايد النجاح جعلني أقترب منه بالتحليل، فإذا بي بالفعل أمام عمل قد يبدو للوهلة الأولى سهلا، لكنه يحتاج إلى جهد كبير في التنفيذ، وصياغة دقيقة رقيقة للعناصر الدرامية والبصرية معا، لأنه يستفيد كثيرا من ثقافة سينمائية وتليفزيونية واسعة، عربية وغرببة على السواء، وهذا في رأيي أحد أسباب نجاحه، فنكاته تشبه نكات أفلام التحريك الأمريكية المعاصرة، التي تحتوي على مستويين، الأول مباشر يخاطب الأطفال، والثاني موجه للكبار أصحاب قدر من الثقافة يسمح لهم بإدراك الأبعاد التي تفوت على من لا يملكها.
دعنا في البداية نلقِ نظرة على البناء العام للمسلسل الذي كتب فكرته وقام ببطولته أحمد مكي: هناك رجل صعيدي يدعى "الكبير قوي" يعمل عمدة لقرية تسمى "المزاريطة"، يفاجأ أن له شقيقا توأما تربى في أمريكا ويحمل اسم "جوني"، ويظهر جوني ذات يوم ليعيش في القرية أيضا، وهنا تتصادم الثقافات المتباينة تصادما مضحكا، خاصة أن القرية تحمل أحيانا ظلالا رمزية من فكرة "الوطن". إن هذا التصادم يميل أحيانا إلى السخرية من "الخواجة"، لكنه يوجه سهام نقده أيضا للعمدة الصعيدي، فالمسلسل لا يقع في مأزق الانحياز لأيهما، أو السخرية الفجة من الصعيدي مثلما فعلت أعمال أخرى كانت مجرد نكات جامحة من ذلك النوع الذي يتداوله الناس في حياتهم اليومية.
بالطبع يلعب أحمد مكي دوري الشقيقين، بينما يكتب السيناريو والحوار كل من مصطفى صقر ومحمد عز الدين وتامر نادي، ويتناوب على الإخراج إسلام خيري وأحمد الجندي. لكنك تستطيع أن تلمس تأثير أحمد مكي في كل التفاصيل، خاصة اختيار فريق الممثلين الذين يعملون معه دائما، ويشكلون بالفعل فريقا متجانسا يجيد الأداء على نحو يندر أن تجده في أعمالنا الفنية المعاصرة، لا فرق في ذلك بين ممثل رئيسي أو "كومبارس" يلقي جملة حوار واحدة، خاصة أن العمل يقتضي في بعض الحلقات استخدام مجاميع هائلة، مثل الحلقات الثلاث التي تحدثت عن قدوم فريق كرة قدم أمريكية إلى القرية، في تنافس يحمل بعض دلالات وطنية.
في تلك الحلقات – كمجرد مثال – نموذج على أسلوب المسلسل كله: فهناك تأثر واضح بأفلام الألعاب الرياضية الأمريكية، حيث يأتي التحدي من فريق كرة قدم أمريكية فلا يجد البطل مناصا من قبوله لأنه يمس شرفه، وهو هنا الشقيق جوني، فإذا به يجمع مجموعة من البسطاء الذين لا يعرفون بالطبع شيئا عن هذه اللعبة، لذلك فهم يبدأون من الصفر أو ما هو دونه، وعندما يبدو الأمل ضعيفا يظهر شخص يملك قدرات خاصة، وهو هنا لص يدعى "القطر" (أي القطار)، سريع العدو بحيث لا يستطيع أحد اللحاق به، ويأتي يوم النزال، ويتجمع أهل القرية جميعا على نحو فريد، وأعتقد أن صناع المسلسل بذلوا جهدا فائقا في تصوير هذه المباراة، ولعل ذلك استغرق منهم يوما كاملا لالتقاط العديد من اللقطات العفوية لكي يمكن فيما بعد تجميعها في المونتاج.
وكعادة أفلام الرياضة ينهزم في البداية فريق البطل جوني، بينما يجلس الشقيق الكبير قوي في المدرجات متخفيا لأنه يعتبر الاشتراك في هذه اللعبة عارا. وينزل "القطر" إلى الملعب ليحمل بعض الأمل للفريق المهزوم، لكنه يصاب ليضيع هذا الأمل، وهنا يقرر الكبير قوي أن ينزل إلى أرض الملعب ليشترك مع شقيقه في الدفاع عن شرف القرية، وعندما يتحقق الانتصار الصعب نرى على الشاشة تقليدا ساخرا من طريقة التليفزيون المصري في الاحتفال بتلك الانتصارات الرياضية في مبالغة مضحكة.
من أهم سمات "الكبير أوي" أنه يوزع سخرياته بجدية بالغة، فهو لا يميل أبدا للتهريج في التمثيل الذي أصبح من علامات هذا الفن في مصر في الآونة الأخيرة، خاصة فيما عرف باسم "كوميديا الموقف" أو "السيتكوم"، وبلغ هذا التهريج ذروته العام الماضي في مسلسل "عايزة أتجوز" وأصبح الجميع يقلدونه، لكن "الكبير أوي" يحافظ على الشعرة الدقيقة الفاصلة بين الجد والهزل، ولعل هذا هو السبب في أن الممثلين يحققون هنا درجة عالية من الإتقان والإقناع، نذكر من بينهم دنيا سمير غانم في دور هدية زوجة الكبير قوي، أو هشام اسماعيل في دور الخفير فزّاع، أو محمد شاهين في دور توماس صديق جوني ومساعده.
لا يبتعد "الكبير أوي" في بنائه العام عن كوميديا الموقف أيضا، فقد تأتي كل حلقة منفصلة بذاتها، أو تتجمع حلقتان أو ثلاث معا في حكاية واحدة. وهذا البناء يسمح لصناع المسلسل باستضافة بعض الممثلين المشهورين في بعض الحلقات، كما يسمح لهم أيضا بأن ينتقلوا في الزمان والمكان، حتى أن هناك بعض الحلقات تمضي إلى الماضي لتحكي عن نزوات الأب المضحكة في شبابه. هناك سمة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن المسلسل لا يقع في الثرثرة المملة التي تهدف إلى التطويل بأي ثمن، وجرب مثلا أن تفوت جزءا من بداية حلقة ما وسوف تكتشف أنه قد فاتك الكثير، ففي قسم عرض المعلومات الرئيسة تشعر بتدفق الإيقاع السريع سواء في الأحداث أو الحوار، كما أن المشاهد الطويلة نسبيا تعمد على الفور إلى استخدام المونتاج لخلق هذا الإيقاع.
غير أن السمة الأهم هي الاعتماد على السخرية من أعمال سابقة. تأمل مثلا الحلقة التي شك فيها الكبير قوي في أن توماس جاسوس، بسبب أسئلته الفضولية وتصويره لأماكن عديدة في القرية، فيذهب بطلنا إلى المخابرات المصرية، حيث يجد ضابطا هو ابن الضابط الذي كان مسئولا عن رأفت الهجان، ويقلد يوسف شعبان الذي قام بهذا الدور!! ولتلاحظ أيضا التناقض بين منطوق بعض جمل الحوار ومضمونها، إن الضابط يقول للكبير: "خد راحتك كأنك بتكلم واحد صاحبك"، بينما يشي الأداء بالتهديد والوعيد!!
في حلقة أخرى يصبح هدف السخرية هو الفيلم الأمريكي "تبديل الوجوه"، الذي قام فيه المجرم جون ترافولتا بسرقة وجه نيكولاس كيدج، فلم يجد هذا الأخير إلا أن يكتسي بوجه الأول ليمضي الفيلم في مفارقات تحتشد بالتشويق و"الأكشن"، أما هنا فإن الكبير يشاهد الفيلم قبل نومه فيحلم بكابوس يرى فيه تبديل الوجوه مع شقيقه جوني، وتتصاعد المفارقات حتى أن الجميع في القرية يبدلون وجوههم مع بعضهم البعض.
تعتمد مثل هذه المحاكاة هنا على إدراك التفاصيل السينمائية والبصرية وليس مجرد البناء العام للحبكة فقط، لذلك فإن "المتعة" في مشاهدة "الكبير أوي" قد تتوقف بالنسبة لبعض المتفرجين عند الضحك، لكنها تمتد عند البعض الآخر إلى إدراك التشابه مع الأعمال التي يتم السخرية منها، وإلى دقة التنفيذ التليفزيوني التي يمكن أن تجد لها مثالا في مشهد يودع جوني والكبير فيه كل منهما الآخر حتى أنهما يحتصنان، وإذا أتيحت لك فرصة مشاهدة هذا المشهد مرة أخرى فسوف يدهشك براعة المونتاج واستخدام "الدوبلير" في وقت واحد.
في سياق من التوترات ذات المستويات العديدة يأتي مسلسل "الكبير أوي" ليمنح المتفرج بعضا من لحظات اللهو البريء النظيف، وذلك هدف يستحق العناء بالفعل، وصل إليه صناع المسلسل بالكثير من الجهد، فاستحقوا نجاحا جماهيريا، وليثبتوا أن الضحك من غير سبب ليس دائما قلة أدب!!

Tuesday, August 16, 2011

رمضان والصيام عن الثورة


يأتى شهر رمضان هذا العام بطعم مختلف ... منذ ثلاثين عاما أو يزيد تعود المصريون أن ينظروا إلى هذا الشهر على أنه شهر التليفزيون، وأصبحت الأجيال تُنسب إلى "فوازيرها"، فذاك جيل فطوطة أو نيللى، وهذا جيل شيريهان، وفجأة انقطعت الأجيال أو تمييزها على الأقل بهذه الطريقة، فقد باخت الفوازير إلى درجة أن أحدا لن يتذكر مثلا أنه قد ظهرت فى العام الماضى "واحدة" تدعى ... (نسيت اسمها للحظة ثم تذكرته: مريم فارس)، قدمت فوازير ليست فوازير، ورقصا أشبه بارتعاشات الصرع، وأغنيات أقرب إلى الزار. كان السبب فى فقدان بهجة الفوازير هو أن الحياة اليومية باتت فزورة كبرى، كان خاتمتها الانتخابات التشريعية "بتاعة" أحمد عز، التى فاق التزوير والفُجر العلنى فيها كل تصور، ثم جاءت فزورة "خليهم يتسلوا"، أو بكلمات أخرى: "فيلشربوا من البحر، أو يخبطوا رأسهم فى الحيط"، وكان أن خبطنا رؤوسنا بالفعل، ولكن فى رأس النظام، الذى تهاوى بعد أن خاض دور شطرنج طويلا مع الشعب.
نتصور أحيانا أننا قد انتصرنا فى هذه المباراة، والحقيقة أن "الطابية" قد تدخلت بما بدا للحظة أنه لصالحنا، لكن بعد استراحة قصيرة من توتر اللعب أدركنا الحقيقة المرة: الطابية تريد أن تصبح الملك!! لذلك يأتى رمضان هذا العام بطعم مختلف.
فى كل صباح رمضانى هناك فرصة أمام ربات البيوت بشكل خاص أن ترين المسلسلات والبرامج التى لم تتمكن من رؤيتها فى الليلة السابقة، لكن فى اليوم الرابع عشر من رمضاننا هذا كانت المحطات تذيع محاكمة حبيب العادلى "المدنية" بتهمة قتل الثوار، فى "شو" إعلامى لطيف يجلس فيه الرجل كأنه فى نزهة قصيرة. فى الوقت ذاته كان هناك حدث مهم يجرى دون أن يدرى به أحد، لأن التليفزيون لم يهتم به حتى كخبر قصير، وهو تحويل أسماء محفوظ للنيابة "العسكرية"، ولأنها غير مشهورة بالمعنى التليفزيونى، ولا يراد أن تكون مشهورة، فقد قامت وسائل الإعلام بأن "كفت على الخبر ماجور"!! من هى أسماء محفوظ؟! فتاة مصرية تشبه أخواتنا وبناتنا، كانت من بين شباب مصر الذى خرج فى يوم 25 يناير، وقامت على أكتافه كل الأمجاد المزعومة التى تشدقت بها فصائل عديدة، مثل حديث عصام العريان عن "خطط" الإخوان المسلمين" للثورة منذ زمن طويل، وهم الذين انتهزوا ومايزالون ينتهزون أى انتصار يحرزه غيرهم.
لماذا تم تحويل أسماء للنيابة العسكرية؟ لأنها نبهت إلى أن المجلس العسكرى يرتكب خطأ فادحا بتصرفاته التى يحار فى فهمها كل لبيب، وحذرت من أن سياسة المجلس إياه سوف تؤدى إلى تيارات من العنف. النكتة الأولى هنا هو اتهام الفتاة البريئة بالدعوة إلى العنف، وهى التى بح صوتها ورفاقها من أبناء الشعب المصرى بالهتاف: "سلمية سلمية"، بينما كانوا يلاقون أبشع وسائل العنف على أيدى رجال العادلى، الذى كان يبتسم فى قفص محاكمته فى يوم التحقيق مع أسماء.
النكتة الثانية هى أن جلسة محاكمة العادلى "المدنية" انتهت بينما استمر التحقيق "العسكرى" مع أسماء ساعات عديدة. عبثا حاولت أن تقنع المحققين بجدية تحذيرها، الذى لا يعنى أبدا أنها شخصيا سوف تلجأ للعنف، وإنما أن المجلس العسكرى يمارس مرة أخرى سياسة "خليهم يتسلوا"، بما سوف يعيد الدائرة إلى بدايتها (أنظر أعلاه!!)، أو لأن هذه السياسة التى تلعب لعبة خطيرة هى التى تستخدم قوى العنف والإرهاب لتضرب قوى الثورة، وما تزال مظاهرات السلفيين فى الأذهان، ورفعهم صور بن لادن ورايات تنظيم القاعدة وأعلام السعودية، ولم يتم التحقيق مع أحدهم أبدا برغم ارتكابهم ما يرقى إلى الخيانة العظمى، كما لم يتم التحقيق مع ما يسمونهم "البلطجية"، الذين اعتدوا على الثوار تحت سمع وبصر المجلس العسكرى مرتين، مرة فى "الجمل" وأخرى فى "العباسية"، بينما يتم التحقيق مع أسماء لأنها أطلقت نداء على "تويتر"!!
أُفرج عن أسماء بكفالة عشرين ألف جنيه فى النيابة العسكرية، فى الوقت الذى كانوا قد أفرجوا عن عائشة عبد الهادى فى النيابة المدنية بنصف هذا المبلغ لاشتراكها فى "معركة الجمل"!! ولم تظهر هيئة سياسية واحدة تعرض دفع الكفالة فقام الشباب بجمعها من بعضهم، وقد فات عليهم – لأنهم مشغولون بالثورة – أن يشاهدوا مسابقة "بيبسى" المحمومة على شاشات التليفزيون، التى تعرض جوائز تكفى للإفراج عن العديد منهم أمام النيابة "العسكرية"، وربما تفادى الثوار أن يستعينوا بـ"بيبسى" حتى لا تثبت التهمة التى أطلقها "واحد" يقال أنه مطرب وملحن، اسمه عمرو مصطفى، ظهر فى العديد من البرامج التليفزيونية الرمضانية هذا العام، ليقول إن هذا البيبسى خطط للثورة تحت شعار "اشرب وعبّر" أو "اتكلم واشرب"، لست أدرى على وجه اليقين، وأن بيبسى حين ذكر احتفاله بمرور 125 عاما على انطلاقه كان يعطى إشارة بدء الثورة لأتباعه فى اليوم 25 من الشهر 1!! جاء ذلك فى أحد البرامج التليفزيونية، بينما كان موقع "يوتيوب" يبث شريطا قصير يؤكد فيه أن كلمة "بيبسى" تعنى "ادفع كل قرش لتنقذ اسرائيل"، مع أن اسم هذا المشروب يعود إلى "إنزيم" يدعى "بيبسين"، كما أنه ظهر قبل أن يكون لكلمة "إسرائيل" أى معنى غير الإشارة لنبى الله يعقوب، ولكى يزداد الأمر "لخبطة" فقد كان هذا الشريط الهزلى لمرشح الرئاسة عن السلفيين حازم أبو اسماعيل، الذى كان "الوحيد" – حتى كتابة هذه السطور – الذى أدان بكلمات بالغة الحدة والوضوح تحويل الشباب الثائر للمحاكمات العسكرية!! حد فاهم حاجة؟!!
فى هذا الواقع المضطرب أتى رمضان هذا العام، وكنت لسذاجتى قد توقعت أن يكون رمضان ساخنا، يتحول فيه "الميدان" إلى ساحة للاحتفال السياسى والكرنفالى فى وقت واحد، فإذا بنا نقرر أن نأخذ "أجازة" من السياسة فى رمضان لنجلس أمام شاشات التليفزيون، فى الوقت الذى قرر فيه المجلس العسكرى "احتلال" الميدان، مع أول يوم من الشهر، وأن يُجلى عنه قوات "الأعداء" الذين جاءوا للإفطار فيه، بينما احتلت قوات الثورة المضادة شاشات التليفزيون.
جلسنا أمام الشاشات نتلقى برامج غسيل الدماغ، التى تعبث فى عقول ملايين المتفرجين، الذين باتوا أقرب لعدم فهم ما يجرى بسبب التباس المواقف، هل ما حدث ثورة؟ هل قامت الثورة بهدف إقصاء مبارك أو حتى محاكمته، لكى يجلس مكانه "جنرال" من نظامه، لتصدق "نبوءة" عمر سليمان عن الانقلاب العسكرى، ليكون ذلك هو أول انقلاب عسكرى يُعلن عنه قبل وقوعه؟ هل المسألة مجرد تغيير فى الوجوه بينما يبقى الوضع على ما هو عليه، هذا الوضع الذى يعنى أن تظل مصر دولة تابعة، وأن يقوم اقتصادها على الطفيلية التى من توابعها أقصى درجات الظلم الاجتماعى؟ وهل بدأت الديكاتورية حقا مع نظام عبد الناصر الذى يقع ضمن "الستين عاما" التى يذكرونها دائما عندما يتحدثون عن "الماضى"، لتزول الفروق الجوهرية بين نظام ناصر الذى لا يفرق بين الديموقراطية السياسية والاجتماعية، ونظامى السادات ومبارك الذين يقومان على تكوين عصابات النهب المنظم للأوطان؟
وسط هذه "اللخبطة" ظهرت برامج رمضانية تكائرت كأنها الخميرة التى كانت نائمة ثم استيقظت فجأة، وأنا أعترف للقارئ بعجزى عن معرفة إذا ما كانت تلك مصادفة أم تخطيطا منظما، أن يظهر مثلا تامر أمين فى العديد من الشاشات على مدى أيام متناثرة، ليقول أنه وزملاءه فى "البيت بيتك" هم الذين أشغلوا فتيل الثورة، أو أن نرى أسامة سرايا يشرح فلسفته فى الدفاع عن الحزب الوطنى، أو حسام البدراوى يحكى بالتفصيل الممل عن "نضاله" لكى يعود مبارك إلى صوابه، ناهيك عن طلعت زكريا، أو تامر الآخر (حسنى). ولست ضد أن يظهر هؤلاء وغيرهم ليدافعوا عن مواقفهم، لكن ما دام التليفزيون قد قرر أن يأتى هذا العام ببرامج "سياسية" فى قالب ترفيهى، فلماذا لم يستخدم ذلك فى تصحيح بعض المفاهيم بدلا من زيادة تشويهها على طريقة "الليبرالية يعنى أن أمك تقلع الحجاب" (!!!)، ولماذا لا يهدف للتنوير بدلا من ضرب كل الكراسى فى "الكلوبات" بالسخرية الجامحة من أى حديث سياسى جاد، فى عشرات البرامج التى تحاكى بشكل هزلى برامج "التوك شو"، حين يقال لنا مثلا أن الحرية اشتقت اسمها من "الحر"، أى من الجو الحار؟!!
من جانب آخر هناك برامج تغذى النزعة العدوانية فى نفوس المشاهدين (ما هى ناقصة!!)، برامج تقول للمتفرج أن يضحك وهو يرى شخصا فى مأزق رهيب، وكأنها فى الحقيقة نوعا من تعويد الناس على العنف الذى استشرى فى الآونة الأخيرة منذ ما أُسمى "الانفلات الأمنى"، وهو اسم الدلع للتفريط الأمنى المتعمد، من السلطات القائمة على شئون البلاد، السلطات السابقة واللاحقة، التى تستخدم هذه الفوضى لتأسيس سلطتها والحاجة للاستعانة بها. ولست أدرى فى الحقيقة أين ذهبت "الدولة"، فالثورة لم تتوجه للحظة لتقويض الدولة أبدا، بل للنظام، فكانت النتيجة أن اختفت الدولة وبقى النظام!!
ما الذى يحدث؟ إننى أنظر إلى شاشات التليفزيون وأحاول القراءة، فلا أرى سوى إعادة إنتاج للمرحلة السابقة، كل ما حدث أن مبارك وولديه وراء القضبان، بشكل مؤقت أو دائم؟ حقيقة أم تمثيلية؟ لا يهم، فالمهم ألا يتغير شىء، بل ربما يصير أسوأ، حين تصبح المحاكمات العسكرية هى "العادية"، فخلف كل قيصر يموت قيصر جديد كما قال الرائع الراحل أمل دنقل، لكن هل لن تبقى وراء شهدائنا إلا دمعة سدى؟ هل نصوم طويلا عن السياسة؟ هل نعود إلى الحظيرة؟ تساؤلات تجعل لرمضان هذا العام طعما آخر، كأنها الهزيمة بنكهة الانتصار، وياليتها لا تكون!!