Monday, August 22, 2011

شيوخ وإعلانات



حرام والله ما تفعله فينا محطات التليفزيون، نجلس نحن فى استرخاء أمام الشاشة بينما هى تسرق منا حياتنا عينى عينك، ويمكنك أن تحسب مثلا عدد ساعات الإرسال الحقيقى وتقارنها بتلك المخصصة للإعلانات، فحلقة المسلسل قد تستغرق مثلا ساعة كاملة، لكن أكثر من نصفها مواد إعلانية تعاد وتتكرر المرة بعد الأخرى، كما أنهم اخترعوا لك طريقة جديدة فى تلخيص كل إعلان فى خمس ثوان فى نهاية الفقرة الإعلانية، كأنها المراجعة العامة النهائية التى يتأكدون بها أنك قد حفظت الإعلان عن ظهر قلب.
المصيبة أن إعلانات اليوم لا يمكن حفظها، فهى سقيمة لا تتمتع بأى خفة ظل، بينما كانت هناك فترة ذهبية اعتبرت فيها الإعلانات هى "فولكلور" الأطفال، تلك كانت الثمانينيات من القرن الماضى، حين لم تكن هناك إلا قناة تليفزيونية واحدة أو اثنتان، وكان الآباء والأمهات يضطرون إلى ترك أبنائهم فى المنزل ويذهبون للعمل، وفى تللك الساعات كان التليفزيون يقوم بدور "جليسة الأطفال"، ومن مواده تكون وعى جيل كامل سواء بالمسلسلات أو الأفلام أو الأغنيات الأجنبية، والإعلانات أيضا. كانت تلك هى فترة المشروب الذى يعلن عنه حسن عابدين فى "مسلسل" إعلانى كوميدى، ومعجون الحلاقة صاحب "الثلاثة أسباب" لاستعماله، والمبيد الذى ينتشر ويتوغل، ناهيك عن الأطعمة البسيطة التى تعلن عنها فتيات جميلات تلعبن حواجبهن وتغنين أغنية قصيرة.
استدعت نوعية البضائع المعلن عنها فى ذهنى فكرة أراها دالة، فالإعلانات فى كل فترة تشير إلى دلالات اجتماعية واقتصادية وسياسية طريفة. قارن مثلا تلك البضائع التى تستهلكها الشريحة الأكبر من الطبقة المتوسطة حتى الثمانينيات، بتلك التى انتشرت خلال العقد الماضى. لم يعد البلوبيف أو الجبن هو المطلوب ترويجه، بل السيارات فى بلد يعانى من أزمة مرور حادة، وهكذا لا تقوم الدولة بحل المشكلة حلا حقيقيا مثلما تفعل الدول التى تعرف معنى المسئولية، حين تفكر فى وسائل النقل العامة وتعطيها أولوية، لكن الدولة فى مصر ظلت طوال عقود تدير ظهرها لحل المشكلات، وتروج فى الوقت ذاته للحلول الفردية التى تزيد المشكلة تفاقما، مثلما فعلت فى أزمة الإسكان أيضا، حين تزايدت على نحو فادح وفاضح إعلانات المدن السياحية، بينما كانت وما زالت هناك الملايين التى لا تجد مأوى غير العشوائيات القبور.
إننى أنظر للإعلانات اليوم فأجد مفارقات تثير الضحك أحيانا والأسى فى أكثر الأحيان، فقد توقع الجميع انخفاضا هائلا فى نسبة الإعلان فى رمضان هذا العام، بشكل يترك تأثيرا على إنتاج الدراما التليفزيونية، وربما خفضت الوكالات الإعلانية أسعارها، لكن المحصلة فى هذا كله هو أن الإعلانات احتلت معظم ساعات الإرسال، بمواد باهتة تفتقد أى سحر أو خفة ظل، برغم التكلفة الباهظة فى صنعها، مثل إعلان إحدى شركات المحمول، التى استغلت أزمة ساويرس الذى أوقع نفسه فى مأزق توزيع نكتة سقيمة، فإذا بها تتحول إلى سلاح ضده بإهانة الإسلام (!!! إلى ما لا نهاية من علامات التعجب)، وتنتشر دعوة للناس بترك شركة المحمول التى يشارك فيها، وها هى شركة منافسة تقول لعملائها الجدد "شكرا" على تحولهم إليها، وقد استعارت لحنا من ألحان سيد درويش لتجعله المصاحب للإعلان الذى ظهر فى جزء منه مجموعة كبيرة من لاعبى ومدربى كرة القدم.
وهكذا يختلط الدين بالبيزينيس مثلما يحدث فى عالم السياسة هذه الأيام على نحو ينذر بخطر بالغ، لكننى سوف أرجئ هذا الحديث حتى آخر المقال، لنكمل معا رحلتنا فى عالم الإعلان، وإن لم نبتعد عن "الدين" أيضا، فإذا كان العقدان الماضيان هما حقبة "السيراميك" فى التاريخ المصرى (سماها الروائى صنع الله ابراهيم فى روايته "ذات" عصر "السرمكة")، فما يزال هناك جديد فى عالم السيراميك، فربما جاء الأوان لاختفاء رجال أعمال الحزب الوطنى السابق العاملين فى هذا المجال، ليحل محلهم رجال أعمال من الإخوان المسلمين، فالواضح تماما أن الإخوان ليس لديهم أى برنامج اقتصادى أو اجتماعى مختلف عن أسلافهم من الحزب الوطنى، وخطاب هؤلاء مثل خطاب أولئك، كل الفرق هو بداية الكلام بالبسملة والحوقلة، ووضع كلمة "الإسلام" هنا وهناك، أما الباقى فكله سيراميك!!
تذكرت أيضا حدوتة "عجلة الإنتاج"، التى صدعوا رؤوسنا بها وما يزالون، لقمع بذور الثورة فى وجدان الشعب المصرى، ولست أدرى فى الحقيقة عن أى "إنتاج" يتحدثون، بينما إعلانات البطاطس المقلية تطاردنى بأسماء تجارية مختلفة، وكأنها المشروع الصناعى القومى الذى سوف ينقذ مصر من الأزمة، والله يرحم أيام السد العالى، والحديد والصلب، تلك الأيام المتهمة بالشمولية لأن من كان يريد بطاطس مقلية كان يصنعها فى منزله من زيت التموين، ولا ينفق عليها الملايين كما يحدث اليوم. ولأن الشىء بالشىء يذكر فتلك النزعة الوطنية فى الأيام الخوالى تحولت على أيدى رجال البيزينيس والإعلانات إلى هزل سخيف، مثلما يحدث فى إعلان المشروب إياه الذى ما أن تتجرعه حتى تهتف بالنشيد القومى.
لكن أكثر الإعلانات سلبية بالمعنى الكامل للكلمة هى إعلانات "التسول"، التى تدعوك مثلا إلى التبرع لمستشفى بينما تعرض لك طفلا مريضا (نفس تكنيك المتسولات فى الشارع)، أو تقول لك أنك لو اشتريت السلعة الفلانية فأنت تساهم فى إدخال المياه النقية لبعض البيوت، لأن الشركة صاحبة السلعة تعدك بأنها – شخصيا – سوف تفعل ذلك، كما أن شركة شطائر النفايات الأمريكية الشهيرة سوف تساهم فى التعليم (هكذا!!)، ناهيك عن المشروع الوهمى الذى يزعم أنه يعطى الجوعى ما يسد رمقهم. تلك تجارة بالمشكلات الحقيقية للمجتمع المصرى، وهى ذات المشكلات القديمة الجديدة: الفقر والجهل والمرض، لكن بيزينيس التسول يشوه وعى الناس بها، فهو يحيل الحل إلى تبرعك أو شرائك لسلعة ما، والله وحده يعلم ماذا يفعلون بتبرعك غير إنفاق جزء منه على هذه الإعلانات، لكن الأهم هو ترسيخ مفهوم "الصدقة" فى حل المشكلات القومية، التى يجب أن تقوم بها الدولة وليس غيرها، وإن عجزت عن أن تفعل ذلك فعليها أن تتنحى جانبا وتترك غيرها يقوم بالمهمة.
ولأننا فى عصر الديموقراطية (هكذا يقولون ويريدوننا أن نصدقهم) فقد أقامت إحدى شركات المشروبات حملة للتصويت (يسمونه "الفوتينج" حتى تشعر أنك فى أمريكا!!)، ولا أدرى بالضبط والله فكرة هذا الإعلان، لكننى أراه سقيما تماما، فبالإضافة إلى أنه يدعوك لشراء المشروب، فهو يطلب منك أن ترسل رسالة بالهاتف المحمول، وهكذا تستفيد شركتان فى وقت واحد من غفلتنا، وتعمق فينا فكرة أن النهوض بالتعليم أو الرياضة أو مساعدة الفقراء سوف تأتى بأن نتجرع هذا المشروب!!
كانت الإعلانات تطاردنى على شاشات التليفزيون طوال شهر رمضان، لكن كلما حاولت أن أهرب منها كنت أجد نفسى محاصرا بهجوم آخر، هذه المرة من أصحاب اللحى الطويلة (وأحيانا القصيرة)، وليس هذا ذما فى تربية اللحية التى يربيها اليوم كل من هب ودب، لكنه نقد لمن يصور لنا أنها دليل على ورعه وتدينه، ذلك أن الله لا ينظر إلى صورنا بل إلى قلوبنا، كما أن تبجح البعض بأنه يملك "الحقيقة" حول "شرع الله" (تلك العبارة التى يستخدمونها بنزق بالغ لكنه محسوب تماما) ليس إلا تبجحا يعكس عدم فهم الآية القرانية الكريمة: "فلا تزكوا أنفسكم، هو أعلم بمن اتقى" (صدق الله العظيم)، بكلمات أبسط إن علينا ألا نتصور أو نصور للآخرين أننا "أفضل" وأكثر فهما للدين، فربما كان رجل بسيط يعمل فلاحا باليومية أو كناسا أكثر تقوى من "الشيخ" الذى يظهر فى الفضائيات وقد "رسم" التقوى على وجهه، علاماتها تلك اللحية الطويلة، وزبيبة الصلاة على جبهته.
أزعجتنى تماما تلك الهجمة الشرسة من الشيوخ المزعومين على شاشاتنا، والإسلام لم يعرف فى جوهره شيوخا يزعمون أن لهم وحدهم حق الإفتاء فى كل أمور حياتنا، وقد قال الرسول الكريم: "أنتم أعلم بشئون دنياكم"، فهل ترى شيوخ الفضائيات أدرى فى هذه الشئون من الرسول عليه الصلام والسلام؟ مصدر الخطر بحق هو أن ذلك ليس فتوى فى مسائل دينية قد تقتنع بها أو تصرف النظر عنها، لكنها تدخل سافر فى أمورنا السياسية، و"غسيل مخ" للبسطاء من الناس بالمعنى الحرفى للكلمة. تأمل مثلا سحر عبارة "تطبيق الشريعة" أو "العودة إلى شرع الله"، ما يكاد الإنسان البسيط يسمعها حتى تولد فى ذهنه صورة لمجتمع يشبه "ألف ليلة وليلة"، حيث الجميع فى مرح وحبور، والسلطان (الخليفة) يتنكر فى الليل ليطوف بالأسواق ليتعرف على مشكلات الناس!! لكن هل هناك حقا شىء اسمه "الشريعة" بلا خلاف أو وجهات نظر؟ وإذا كان الأمر كذلك لماذا إذن قتل بعض الصحابة بعضهم البعض؟ لكن الحقيقة أنه لا يوجد مثل هذه "الشريعة" النقية فى كل الأمور الحياتية.
يحدثونك فى الفضائيات عن بعض تصوراتهم عن تلك الشريعة، فيقولون أنها تطبيق الحدود، وعلى الفور ينبثق إلى الذهن صورة دموية لقطع يد السارق. وهنا نتساءل: هل الحدود (أو العقوبات)هى البداية لتكوين مجتمع عادل؟ أليست ذلك هو الوجه الآخر لنفس سياسات المرحلة الفاسدة الماضية التى كانت تتصور أن حل كل شىء يبدأ وينتهى بسن القوانين، أى أن كل ما يفعله الإسلاميون هو استبدال عقوبة بأخرى؟ وإذا كان "القطع" بصورته الدموية تلك هو الضامن لتحقيق مجتمع أفضل لماذا تستمر السرقة فى مجتمعات تقوم بتطبيقه؟ وهل تنطبق هذه العقوبة على من يسرق رغيفا فقط، أم تمتد إلى من يختلس الملايين، وهو فى حكم "الشريعة" التى يتحدثون عنها ليس سارقا، لأنه أخذ من "بيت المال" الذى له فيه نصيب؟
وإذا كان هؤلاء الشيوخ يتحدثون عن ضرورة تطبيق "الحجاب" مثلا بالقوة، فذلك نموذج على الخلط الفادح الفاضح، فكلمة "الحجاب" لا تعنى فى القرآن نوعا من الملابس، وليس هناك ما يسمى رداء إسلاميا، فملابس الكفار (وأسماؤهم بالمناسبة أيضا) هى ملابس المسلمين فى بداية الدعوة، ومن المؤكد أن الرسول (ص) كان سيرتدى ملابس عصرية لو عاش بيننا، وكانت أمهات المؤمنين سوف ترتدين ملابس متزنة لا علاقة لها بما يدعو إليه الإسلاميون. كان الرسول سوف يتستخدم التليفزيون والسيارة والكومبيوتر، مثلما استخدم أدوات عصره، وإذا كان القرآن يقول: "وأعدوا لهم ما استطعتم من رباط الخيل" فإنه لا يقصد الخيل تحديدا بالطبع. وإذا كان – مرة أخرى - الشىء بالشىء يذكر، لماذا يتجاهل الإسلاميون حديث الرسول الكريم: "أنتم شركاء فى ثلاثة: الماء والنار والكلأ"، أى فى كل مصادر الإنتاج الرئيسية؟ لكن الإسلاميين ينتقون ما يعزز سلطتهم الفاشية فقط.
كان هذا هو طابع رمضان على شاشات التليفزيون هذا العام، أراه حتى الآن منذرا بالخطر، فما نزال نعيش حالة من تغييب الوعى أو تشويهه، بين برامج استضافة أسامة سرايا ومصطفى الفقى، وإعلانات التسول، وفتاوى شيوخ العودة إلى عصر الخلاء. لا أملك إلا أن أحلم برمضان قادم أفضل وأجمل، فهل سوف يتحقق الحلم أم أنه سوف يتحول إلى كابوس؟

Thursday, August 18, 2011

مسلسل "خاتم سليمان" استعراض الممثل الواحد


في رمضان من العام الماضي، كان هناك مسلسل يحمل اسم "أهل كايرو"، الذي حقق جماهيرية واسعة بسبب حبكته البوليسية التي أحبطت المشاهدين في نهاية الحلقات، لأنها جاءت بحل مفاجئ لم تكن له أي إشارات سابقة في الأحداث أو رسم الشخصيات. وكان الممثل خالد الصاوي هو بطل الحلقات، لكن بالرغم من ذلك كانت هناك إلى جانبه العديد من الشخصيات الرئيسية والثانوية، والإيقاع المتدفق السريع، والحوار الذي يلمح إلى الكثير من تناقضات الحياة في مصر في الآونة الأخيرة، وكانت كل تلك العوامل مجتمعة هي أسباب إضافية للنجاح النسبي للمسلسل، ويبدو أن ذلك قد أغرى خالد الصاوي بتكرار التجربة، ليقوم هذا العام ببطولة "خاتم سليمان"، الذي بدأ في حلقته الأولى بداية مشجعة، لكنه مع توالي الحلقات يشي بنقاط ضعف عديدة جعلته يتراجع يوما بعد يوم.
لعلك قد لاحظت منذ اللحظة الأولى تلك "الموضة" في التورية التي يحملها عنوان المسلسل، الذي يحمل اسم بطله "سليمان"، لكنه يضيف إليه خاتما سوف يجعله يرتديه لسبب غامض، فكأنه إشارة ملتبسة لخاتم النبي سليمان الذي يسخّر به الجن، فكذلك بطلنا سليمان الذي يأتي بالأعاجيب بين الحين والآخر، برغم المآزق التي يمر بها وتكاد أن تعصف به، لكنه يقوم من عثرته قويا ليعاود سحره من جديد.
هذا "السحر" الذي يملكه سليمان – الذي يقوم بدوره بالطبع خالد الصاوي – هو محور كل الحلقات، التي كتبها محمد الحناوي وأخرجها أحمد عبد الحميد، لكنك تلمس في كل التفاصيل تدخل البطل الممثل الذي يبدو أنه اعتبر نفسه "نجما"، وليست القضية أن يكون ذلك صحيحا أو لا (فالنجومية شيء نسبي تماما، خاصة إذا أصدر صاحبها حكما بشأنها)، لكن القضية هي أن تصبح هذه النجومية هي البداية والنهاية، وبدلا من أن تكون في خدمة العمل الفني، تصبح كل عناصر العمل في خدمتها!
تبدأ الحلقة الأولى بداية قوية، وهي الحلقة التي تمثل "قسم العرض" في البناء الدرامي، فهناك مستشفى شهيرة تحمل اسم صاحبها سليمان العريني، جراح القلب البارع الذي يصفه الحوار كالعادة بأنه "أشطر جراح قلب في مصر"، وتدير هذه المستشفى الدكتورة شاهيناز (رانيا فريد شوقي) زوجة سليمان، وهي تمسك بحزم بمقاليد الأمور فيها، وهو ما نراه في لمسات سريعة في إصدارها الأوامر هنا وهناك، حيث وصل إلى المستشفى أحد الوزراء مصابا بجلطة في القلب، لكن المشكلة أن الدكتور سليمان كعادته غائب في مكان مجهول.
دعك الآن من "منطقية" أن يكون هناك في الواقع جراح شهير على هذه الشاكلة، فلابد أنك تتسامح مع هذه التفاصيل قليلا لكي تستمتع بالعمل الفني، وسوف تعرف سريعا أن بطلنا جالس يلعب "طاولة" في مقهى شعبي، تنطلق من قلبه الضحكات الطفولية الصافية وهو ينتصر على خصمه. بعد أن ينتهي بطلنا من اللعب يصحبنا إلى سطح منزل فقير في قلب الحي القديم من القاهرة، لينطلق في تأملات عن منظر المدينة في الليل، لكن هدفه في التواجد في هذا المكان هو استعادة "حمامة زاجلة" له، كانت قد ضلت طريقها إلى عش غريب، ويدفع سليمان مبلغا كبيرا لاستعادتها وهو راضٍ بذلك.
كانت السلطات تبحث عن الدكتور سليمان في كل مكان لكي ينقذ الوزير المريض في تلك اللحظات الحاسمة من حياته، وينجحون بالفعل في النهاية، ويصحبونه عائدين إلى المستشفى، لكنه يبدو لاهيا بحكاياته مع الضابط الذي يصحبه، عن هواياته الغريبة وذكرياته المضحكة عن وزير الصحة الذي كان زميلا قديما له أيام الدراسة. لقد كان المسلسل هنا (وطوال الحلقات) يريد أن يضع خطوطا أكثر وضوحا حول شخصية سليمان، لكنه كلما حاول ذلك زاد الشخصية غموضا، حتى أنك تسأل نفسك: هل هو عابث ليس لديه إحساس بالمسئولية؟ هل يعاني من اضطراب نفسي ما؟ أم أنه متمرد على نجاحه ويريد أن يعيش حياة عادية مليئة بالمباهج الصغيرة؟
عبثا تحاول أن تجد إجابة واضحة على تلك الأسئلة حول بناء الشخصية الرئيسية، ويبدو أن صناع المسلسل بدورهم لا يملكون إجابة واضحة عنها، فما أغراهم بها هو أنها تقترب من شخصية "زوربا اليوناني"، التي ظهرت في الفيلم الشهير من بطولة أنتوني كوين، عن رواية الأديب اليوناني الكبير نيكوس كازانتزاكس، وهي شخصية تغري بالفعل أي ممثل بتجسيدها لما تملكه من تناقضات بالغة الحيوية، لكنها تحتاج إلى قدر هائل من الرهافة حتى لا تبدو هذه التناقضات – كما هو الحال هنا – أقرب إلى التشوش والاضطراب.
سوف يحاول المسلسل بالطبع أن يضع هذه الشخصية في مواقف تبرز تناقضاتها وحيويتها، لكن هذه المواقف سوف تصبح أقرب إلى "نمر" فيها الكثير من الافتعال، وقد تستغرق إحدى هذه النمر حلقات بأكملها، حتى إذا انتهت ينساها المسلسل ليمضي إلى نمرة أخرى. تبدأ هذه النمر مع كارثة حقيقية يعيشها سليمان وزوجته شاهيناز، فابنتهما الشابة الوحيدة شهد تذهب مع إحدى صديقاتها إلى موسيقي شهير، حيث تتكشف الليلة عن مصرع هذا الموسيقي، ليقع الاتهام بالقتل على الابنة، ويمضي سليمان في مغامرات بالغة السذاجة في محاولة للكشف عن الفاعل الحقيقي، مستخدما واحدا من أصدقاء الطفولة تحول إلى ممارسة الدجل والشعوذة، اللذين يصبحان سلاحه في اكتشاف أسرار الجريمة!
في "منطقة" أخرى من المسلسل (فكأن المسلسل مناطق معزولة دراميا عن بعضها البعض) نرى الصحافية الشابة عبير، التي تحاول الحصول على سبق صحفي يؤهلها للتعيين في الصحيفة التي تعمل بها، فتمضي خلف قصة الوزير المريض، وتدعي المرض لتدخل المستشفى لتكون قريبة من مصدر الأخبار، وحين تتكشف حقيقتها وتبدو قريبة من تلقي العقاب، يكشف لنا المسلسل عن أنها مريضة بسرطان الدم، وتلك كما ترى تطورات لا علاقة لها بأي بناء درامي متماسك، حيث لا علاقة بين مرضها ومغامراتها الصحفية، تماما كما يسير المسلسل في خط جديد عندما يقابل سليمان مجموعة من المجرمين، يدخل معهم في محاورات تجعلهم – مثلنا – حائرين في فهم شخصيته!!
من هذه الخطوط القصصية العشوائية تدرك أن البناء البوليسي هنا يفتقد الحد الأدنى من التماسك والإقناع، وذلك للانشغال بما يراه المسلسل أكثر أهمية وهو شخصية سليمان، لكنه هنا أيضا يفتقد المصداقية، ليس فقط لأن الشخصية بعيدة عن الواقعية، وإنما لأنها غير متكاملة الملامح بالمعنى الدرامي للكلمة. دائما يتحدث نقاد الدراما عن "الدافع" الذي يقود الشخصية لتصرفاتها، حتى لو كانت هذه التصرفات بالغة الغرابة, لكن الشخصية هنا ولدت "هكذا" وبدون أية دوافع، ولا تجد سوى "مونولوجات" طويلة من الحوار يتحدث بها البطل عن نفسه، أو يتحدث بها الآخرون عنه، وبصرف النظر عن أن هذه المونولوجات تربك إيقاع الأحداث تماما، أو أنها تجعل الممثلين يسترسلون في أداء "زاعق" بالمعنى الحرفي للكلمة، فإنك لا تستطيع أن تبني دراميا شخصية ما من خلال الحوار وحده، خاصة عندما يكون محتشدا بعبارات غائمة تصف سليمان بأن "بحر مليء بالألغاز" أو بأنه "شبح"، كما جاء بالنص في المسلسل!!
يدور المسلسل إذا عن سليمان، وكل الشخصيات تدور في فلكه، وكل الأحداث تمضي إليه، لذلك تبدو كل عناصر المسلسل مكرسة له، أو بالأحرى لخالد الصاوي، الذي يظهر كما لو كان يقف على خشبة مسرح، يلون في نغمات صوته وحركات جسده على نحو شديد المبالغة بما لا يتناسب مع رهافة الشاشة الصغيرة، التي تسجل النفاصيل الدقيقة فلا تتطلب من الممثل كل هذا القدر من تضخيم الأداء.
ربما تحمل الحلقات الأخيرة من "خاتم سليمان" نفسيرا لهذه الشخصية، لكن ذلك سوف يكون بدوره عن طريق جمل الحوار وحدها، وبعد ثلاثين حلقة من مسلسل كان يكفي فكرته فيلم في أقل من ساعتين، لكن همه كان أن يمنح بطله عرضا متصلا لأن يثبت موهبته، فإذا به يتحول في النهاية إلى أن يكون عرضا للممثل الواحد!!

Wednesday, August 17, 2011

الكبير أوي الضحك من غير سبب ليس دائما قلة أدب


أحيانا ما يتعامل النقد مع الأعمال الكوميدية بمنطق الاستخفاف، وينظر لها على أنها لا ترقى لمستوى النقد، وغالبا يكون السبب الرئيسي في ذلك أن النقد يتعامل أساسا مع المضمون، بينما يهمل الشكل أو يتجاهله ويجهله. فأغلب المقالات النقدية تبدأ بعبارة: "هذا العمل يتناول ..."، فإذا كان هذا الذي يتناوله العمل الفني جادا في مظهره أصبح في عرف الناقد جديرا بالاحترام، حتى لو كانت المعالجة هزيلة. وهناك أمثلة عديدة هذه الأيام لأعمال الفنية ضعيفة، لكنها تختفي وراء الزعم بمعالجة قضية جادة، وذلك في الحقيقة أخطر من ألا يتناول العمل مثل تلك القضايا أصلا، فغايته في هذه الحالة تكون هي الضحك بمعناه البسيط، وهو إن لم ينفع لا يضر، وذلك تماما هو حال المسلسل التليفزيوني "الكبير أوي"، الذي يأتي هذا العام جزأه الثاني ليحقق نسبة عالية في المشاهدة.
أثار حيرتي في البداية نجاح هذا المسلسل "الخفيف"، بين الكبار أو الأطفال على السواء، وأهملته بعض الوقت لكن تزايد النجاح جعلني أقترب منه بالتحليل، فإذا بي بالفعل أمام عمل قد يبدو للوهلة الأولى سهلا، لكنه يحتاج إلى جهد كبير في التنفيذ، وصياغة دقيقة رقيقة للعناصر الدرامية والبصرية معا، لأنه يستفيد كثيرا من ثقافة سينمائية وتليفزيونية واسعة، عربية وغرببة على السواء، وهذا في رأيي أحد أسباب نجاحه، فنكاته تشبه نكات أفلام التحريك الأمريكية المعاصرة، التي تحتوي على مستويين، الأول مباشر يخاطب الأطفال، والثاني موجه للكبار أصحاب قدر من الثقافة يسمح لهم بإدراك الأبعاد التي تفوت على من لا يملكها.
دعنا في البداية نلقِ نظرة على البناء العام للمسلسل الذي كتب فكرته وقام ببطولته أحمد مكي: هناك رجل صعيدي يدعى "الكبير قوي" يعمل عمدة لقرية تسمى "المزاريطة"، يفاجأ أن له شقيقا توأما تربى في أمريكا ويحمل اسم "جوني"، ويظهر جوني ذات يوم ليعيش في القرية أيضا، وهنا تتصادم الثقافات المتباينة تصادما مضحكا، خاصة أن القرية تحمل أحيانا ظلالا رمزية من فكرة "الوطن". إن هذا التصادم يميل أحيانا إلى السخرية من "الخواجة"، لكنه يوجه سهام نقده أيضا للعمدة الصعيدي، فالمسلسل لا يقع في مأزق الانحياز لأيهما، أو السخرية الفجة من الصعيدي مثلما فعلت أعمال أخرى كانت مجرد نكات جامحة من ذلك النوع الذي يتداوله الناس في حياتهم اليومية.
بالطبع يلعب أحمد مكي دوري الشقيقين، بينما يكتب السيناريو والحوار كل من مصطفى صقر ومحمد عز الدين وتامر نادي، ويتناوب على الإخراج إسلام خيري وأحمد الجندي. لكنك تستطيع أن تلمس تأثير أحمد مكي في كل التفاصيل، خاصة اختيار فريق الممثلين الذين يعملون معه دائما، ويشكلون بالفعل فريقا متجانسا يجيد الأداء على نحو يندر أن تجده في أعمالنا الفنية المعاصرة، لا فرق في ذلك بين ممثل رئيسي أو "كومبارس" يلقي جملة حوار واحدة، خاصة أن العمل يقتضي في بعض الحلقات استخدام مجاميع هائلة، مثل الحلقات الثلاث التي تحدثت عن قدوم فريق كرة قدم أمريكية إلى القرية، في تنافس يحمل بعض دلالات وطنية.
في تلك الحلقات – كمجرد مثال – نموذج على أسلوب المسلسل كله: فهناك تأثر واضح بأفلام الألعاب الرياضية الأمريكية، حيث يأتي التحدي من فريق كرة قدم أمريكية فلا يجد البطل مناصا من قبوله لأنه يمس شرفه، وهو هنا الشقيق جوني، فإذا به يجمع مجموعة من البسطاء الذين لا يعرفون بالطبع شيئا عن هذه اللعبة، لذلك فهم يبدأون من الصفر أو ما هو دونه، وعندما يبدو الأمل ضعيفا يظهر شخص يملك قدرات خاصة، وهو هنا لص يدعى "القطر" (أي القطار)، سريع العدو بحيث لا يستطيع أحد اللحاق به، ويأتي يوم النزال، ويتجمع أهل القرية جميعا على نحو فريد، وأعتقد أن صناع المسلسل بذلوا جهدا فائقا في تصوير هذه المباراة، ولعل ذلك استغرق منهم يوما كاملا لالتقاط العديد من اللقطات العفوية لكي يمكن فيما بعد تجميعها في المونتاج.
وكعادة أفلام الرياضة ينهزم في البداية فريق البطل جوني، بينما يجلس الشقيق الكبير قوي في المدرجات متخفيا لأنه يعتبر الاشتراك في هذه اللعبة عارا. وينزل "القطر" إلى الملعب ليحمل بعض الأمل للفريق المهزوم، لكنه يصاب ليضيع هذا الأمل، وهنا يقرر الكبير قوي أن ينزل إلى أرض الملعب ليشترك مع شقيقه في الدفاع عن شرف القرية، وعندما يتحقق الانتصار الصعب نرى على الشاشة تقليدا ساخرا من طريقة التليفزيون المصري في الاحتفال بتلك الانتصارات الرياضية في مبالغة مضحكة.
من أهم سمات "الكبير أوي" أنه يوزع سخرياته بجدية بالغة، فهو لا يميل أبدا للتهريج في التمثيل الذي أصبح من علامات هذا الفن في مصر في الآونة الأخيرة، خاصة فيما عرف باسم "كوميديا الموقف" أو "السيتكوم"، وبلغ هذا التهريج ذروته العام الماضي في مسلسل "عايزة أتجوز" وأصبح الجميع يقلدونه، لكن "الكبير أوي" يحافظ على الشعرة الدقيقة الفاصلة بين الجد والهزل، ولعل هذا هو السبب في أن الممثلين يحققون هنا درجة عالية من الإتقان والإقناع، نذكر من بينهم دنيا سمير غانم في دور هدية زوجة الكبير قوي، أو هشام اسماعيل في دور الخفير فزّاع، أو محمد شاهين في دور توماس صديق جوني ومساعده.
لا يبتعد "الكبير أوي" في بنائه العام عن كوميديا الموقف أيضا، فقد تأتي كل حلقة منفصلة بذاتها، أو تتجمع حلقتان أو ثلاث معا في حكاية واحدة. وهذا البناء يسمح لصناع المسلسل باستضافة بعض الممثلين المشهورين في بعض الحلقات، كما يسمح لهم أيضا بأن ينتقلوا في الزمان والمكان، حتى أن هناك بعض الحلقات تمضي إلى الماضي لتحكي عن نزوات الأب المضحكة في شبابه. هناك سمة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن المسلسل لا يقع في الثرثرة المملة التي تهدف إلى التطويل بأي ثمن، وجرب مثلا أن تفوت جزءا من بداية حلقة ما وسوف تكتشف أنه قد فاتك الكثير، ففي قسم عرض المعلومات الرئيسة تشعر بتدفق الإيقاع السريع سواء في الأحداث أو الحوار، كما أن المشاهد الطويلة نسبيا تعمد على الفور إلى استخدام المونتاج لخلق هذا الإيقاع.
غير أن السمة الأهم هي الاعتماد على السخرية من أعمال سابقة. تأمل مثلا الحلقة التي شك فيها الكبير قوي في أن توماس جاسوس، بسبب أسئلته الفضولية وتصويره لأماكن عديدة في القرية، فيذهب بطلنا إلى المخابرات المصرية، حيث يجد ضابطا هو ابن الضابط الذي كان مسئولا عن رأفت الهجان، ويقلد يوسف شعبان الذي قام بهذا الدور!! ولتلاحظ أيضا التناقض بين منطوق بعض جمل الحوار ومضمونها، إن الضابط يقول للكبير: "خد راحتك كأنك بتكلم واحد صاحبك"، بينما يشي الأداء بالتهديد والوعيد!!
في حلقة أخرى يصبح هدف السخرية هو الفيلم الأمريكي "تبديل الوجوه"، الذي قام فيه المجرم جون ترافولتا بسرقة وجه نيكولاس كيدج، فلم يجد هذا الأخير إلا أن يكتسي بوجه الأول ليمضي الفيلم في مفارقات تحتشد بالتشويق و"الأكشن"، أما هنا فإن الكبير يشاهد الفيلم قبل نومه فيحلم بكابوس يرى فيه تبديل الوجوه مع شقيقه جوني، وتتصاعد المفارقات حتى أن الجميع في القرية يبدلون وجوههم مع بعضهم البعض.
تعتمد مثل هذه المحاكاة هنا على إدراك التفاصيل السينمائية والبصرية وليس مجرد البناء العام للحبكة فقط، لذلك فإن "المتعة" في مشاهدة "الكبير أوي" قد تتوقف بالنسبة لبعض المتفرجين عند الضحك، لكنها تمتد عند البعض الآخر إلى إدراك التشابه مع الأعمال التي يتم السخرية منها، وإلى دقة التنفيذ التليفزيوني التي يمكن أن تجد لها مثالا في مشهد يودع جوني والكبير فيه كل منهما الآخر حتى أنهما يحتصنان، وإذا أتيحت لك فرصة مشاهدة هذا المشهد مرة أخرى فسوف يدهشك براعة المونتاج واستخدام "الدوبلير" في وقت واحد.
في سياق من التوترات ذات المستويات العديدة يأتي مسلسل "الكبير أوي" ليمنح المتفرج بعضا من لحظات اللهو البريء النظيف، وذلك هدف يستحق العناء بالفعل، وصل إليه صناع المسلسل بالكثير من الجهد، فاستحقوا نجاحا جماهيريا، وليثبتوا أن الضحك من غير سبب ليس دائما قلة أدب!!

Tuesday, August 16, 2011

رمضان والصيام عن الثورة


يأتى شهر رمضان هذا العام بطعم مختلف ... منذ ثلاثين عاما أو يزيد تعود المصريون أن ينظروا إلى هذا الشهر على أنه شهر التليفزيون، وأصبحت الأجيال تُنسب إلى "فوازيرها"، فذاك جيل فطوطة أو نيللى، وهذا جيل شيريهان، وفجأة انقطعت الأجيال أو تمييزها على الأقل بهذه الطريقة، فقد باخت الفوازير إلى درجة أن أحدا لن يتذكر مثلا أنه قد ظهرت فى العام الماضى "واحدة" تدعى ... (نسيت اسمها للحظة ثم تذكرته: مريم فارس)، قدمت فوازير ليست فوازير، ورقصا أشبه بارتعاشات الصرع، وأغنيات أقرب إلى الزار. كان السبب فى فقدان بهجة الفوازير هو أن الحياة اليومية باتت فزورة كبرى، كان خاتمتها الانتخابات التشريعية "بتاعة" أحمد عز، التى فاق التزوير والفُجر العلنى فيها كل تصور، ثم جاءت فزورة "خليهم يتسلوا"، أو بكلمات أخرى: "فيلشربوا من البحر، أو يخبطوا رأسهم فى الحيط"، وكان أن خبطنا رؤوسنا بالفعل، ولكن فى رأس النظام، الذى تهاوى بعد أن خاض دور شطرنج طويلا مع الشعب.
نتصور أحيانا أننا قد انتصرنا فى هذه المباراة، والحقيقة أن "الطابية" قد تدخلت بما بدا للحظة أنه لصالحنا، لكن بعد استراحة قصيرة من توتر اللعب أدركنا الحقيقة المرة: الطابية تريد أن تصبح الملك!! لذلك يأتى رمضان هذا العام بطعم مختلف.
فى كل صباح رمضانى هناك فرصة أمام ربات البيوت بشكل خاص أن ترين المسلسلات والبرامج التى لم تتمكن من رؤيتها فى الليلة السابقة، لكن فى اليوم الرابع عشر من رمضاننا هذا كانت المحطات تذيع محاكمة حبيب العادلى "المدنية" بتهمة قتل الثوار، فى "شو" إعلامى لطيف يجلس فيه الرجل كأنه فى نزهة قصيرة. فى الوقت ذاته كان هناك حدث مهم يجرى دون أن يدرى به أحد، لأن التليفزيون لم يهتم به حتى كخبر قصير، وهو تحويل أسماء محفوظ للنيابة "العسكرية"، ولأنها غير مشهورة بالمعنى التليفزيونى، ولا يراد أن تكون مشهورة، فقد قامت وسائل الإعلام بأن "كفت على الخبر ماجور"!! من هى أسماء محفوظ؟! فتاة مصرية تشبه أخواتنا وبناتنا، كانت من بين شباب مصر الذى خرج فى يوم 25 يناير، وقامت على أكتافه كل الأمجاد المزعومة التى تشدقت بها فصائل عديدة، مثل حديث عصام العريان عن "خطط" الإخوان المسلمين" للثورة منذ زمن طويل، وهم الذين انتهزوا ومايزالون ينتهزون أى انتصار يحرزه غيرهم.
لماذا تم تحويل أسماء للنيابة العسكرية؟ لأنها نبهت إلى أن المجلس العسكرى يرتكب خطأ فادحا بتصرفاته التى يحار فى فهمها كل لبيب، وحذرت من أن سياسة المجلس إياه سوف تؤدى إلى تيارات من العنف. النكتة الأولى هنا هو اتهام الفتاة البريئة بالدعوة إلى العنف، وهى التى بح صوتها ورفاقها من أبناء الشعب المصرى بالهتاف: "سلمية سلمية"، بينما كانوا يلاقون أبشع وسائل العنف على أيدى رجال العادلى، الذى كان يبتسم فى قفص محاكمته فى يوم التحقيق مع أسماء.
النكتة الثانية هى أن جلسة محاكمة العادلى "المدنية" انتهت بينما استمر التحقيق "العسكرى" مع أسماء ساعات عديدة. عبثا حاولت أن تقنع المحققين بجدية تحذيرها، الذى لا يعنى أبدا أنها شخصيا سوف تلجأ للعنف، وإنما أن المجلس العسكرى يمارس مرة أخرى سياسة "خليهم يتسلوا"، بما سوف يعيد الدائرة إلى بدايتها (أنظر أعلاه!!)، أو لأن هذه السياسة التى تلعب لعبة خطيرة هى التى تستخدم قوى العنف والإرهاب لتضرب قوى الثورة، وما تزال مظاهرات السلفيين فى الأذهان، ورفعهم صور بن لادن ورايات تنظيم القاعدة وأعلام السعودية، ولم يتم التحقيق مع أحدهم أبدا برغم ارتكابهم ما يرقى إلى الخيانة العظمى، كما لم يتم التحقيق مع ما يسمونهم "البلطجية"، الذين اعتدوا على الثوار تحت سمع وبصر المجلس العسكرى مرتين، مرة فى "الجمل" وأخرى فى "العباسية"، بينما يتم التحقيق مع أسماء لأنها أطلقت نداء على "تويتر"!!
أُفرج عن أسماء بكفالة عشرين ألف جنيه فى النيابة العسكرية، فى الوقت الذى كانوا قد أفرجوا عن عائشة عبد الهادى فى النيابة المدنية بنصف هذا المبلغ لاشتراكها فى "معركة الجمل"!! ولم تظهر هيئة سياسية واحدة تعرض دفع الكفالة فقام الشباب بجمعها من بعضهم، وقد فات عليهم – لأنهم مشغولون بالثورة – أن يشاهدوا مسابقة "بيبسى" المحمومة على شاشات التليفزيون، التى تعرض جوائز تكفى للإفراج عن العديد منهم أمام النيابة "العسكرية"، وربما تفادى الثوار أن يستعينوا بـ"بيبسى" حتى لا تثبت التهمة التى أطلقها "واحد" يقال أنه مطرب وملحن، اسمه عمرو مصطفى، ظهر فى العديد من البرامج التليفزيونية الرمضانية هذا العام، ليقول إن هذا البيبسى خطط للثورة تحت شعار "اشرب وعبّر" أو "اتكلم واشرب"، لست أدرى على وجه اليقين، وأن بيبسى حين ذكر احتفاله بمرور 125 عاما على انطلاقه كان يعطى إشارة بدء الثورة لأتباعه فى اليوم 25 من الشهر 1!! جاء ذلك فى أحد البرامج التليفزيونية، بينما كان موقع "يوتيوب" يبث شريطا قصير يؤكد فيه أن كلمة "بيبسى" تعنى "ادفع كل قرش لتنقذ اسرائيل"، مع أن اسم هذا المشروب يعود إلى "إنزيم" يدعى "بيبسين"، كما أنه ظهر قبل أن يكون لكلمة "إسرائيل" أى معنى غير الإشارة لنبى الله يعقوب، ولكى يزداد الأمر "لخبطة" فقد كان هذا الشريط الهزلى لمرشح الرئاسة عن السلفيين حازم أبو اسماعيل، الذى كان "الوحيد" – حتى كتابة هذه السطور – الذى أدان بكلمات بالغة الحدة والوضوح تحويل الشباب الثائر للمحاكمات العسكرية!! حد فاهم حاجة؟!!
فى هذا الواقع المضطرب أتى رمضان هذا العام، وكنت لسذاجتى قد توقعت أن يكون رمضان ساخنا، يتحول فيه "الميدان" إلى ساحة للاحتفال السياسى والكرنفالى فى وقت واحد، فإذا بنا نقرر أن نأخذ "أجازة" من السياسة فى رمضان لنجلس أمام شاشات التليفزيون، فى الوقت الذى قرر فيه المجلس العسكرى "احتلال" الميدان، مع أول يوم من الشهر، وأن يُجلى عنه قوات "الأعداء" الذين جاءوا للإفطار فيه، بينما احتلت قوات الثورة المضادة شاشات التليفزيون.
جلسنا أمام الشاشات نتلقى برامج غسيل الدماغ، التى تعبث فى عقول ملايين المتفرجين، الذين باتوا أقرب لعدم فهم ما يجرى بسبب التباس المواقف، هل ما حدث ثورة؟ هل قامت الثورة بهدف إقصاء مبارك أو حتى محاكمته، لكى يجلس مكانه "جنرال" من نظامه، لتصدق "نبوءة" عمر سليمان عن الانقلاب العسكرى، ليكون ذلك هو أول انقلاب عسكرى يُعلن عنه قبل وقوعه؟ هل المسألة مجرد تغيير فى الوجوه بينما يبقى الوضع على ما هو عليه، هذا الوضع الذى يعنى أن تظل مصر دولة تابعة، وأن يقوم اقتصادها على الطفيلية التى من توابعها أقصى درجات الظلم الاجتماعى؟ وهل بدأت الديكاتورية حقا مع نظام عبد الناصر الذى يقع ضمن "الستين عاما" التى يذكرونها دائما عندما يتحدثون عن "الماضى"، لتزول الفروق الجوهرية بين نظام ناصر الذى لا يفرق بين الديموقراطية السياسية والاجتماعية، ونظامى السادات ومبارك الذين يقومان على تكوين عصابات النهب المنظم للأوطان؟
وسط هذه "اللخبطة" ظهرت برامج رمضانية تكائرت كأنها الخميرة التى كانت نائمة ثم استيقظت فجأة، وأنا أعترف للقارئ بعجزى عن معرفة إذا ما كانت تلك مصادفة أم تخطيطا منظما، أن يظهر مثلا تامر أمين فى العديد من الشاشات على مدى أيام متناثرة، ليقول أنه وزملاءه فى "البيت بيتك" هم الذين أشغلوا فتيل الثورة، أو أن نرى أسامة سرايا يشرح فلسفته فى الدفاع عن الحزب الوطنى، أو حسام البدراوى يحكى بالتفصيل الممل عن "نضاله" لكى يعود مبارك إلى صوابه، ناهيك عن طلعت زكريا، أو تامر الآخر (حسنى). ولست ضد أن يظهر هؤلاء وغيرهم ليدافعوا عن مواقفهم، لكن ما دام التليفزيون قد قرر أن يأتى هذا العام ببرامج "سياسية" فى قالب ترفيهى، فلماذا لم يستخدم ذلك فى تصحيح بعض المفاهيم بدلا من زيادة تشويهها على طريقة "الليبرالية يعنى أن أمك تقلع الحجاب" (!!!)، ولماذا لا يهدف للتنوير بدلا من ضرب كل الكراسى فى "الكلوبات" بالسخرية الجامحة من أى حديث سياسى جاد، فى عشرات البرامج التى تحاكى بشكل هزلى برامج "التوك شو"، حين يقال لنا مثلا أن الحرية اشتقت اسمها من "الحر"، أى من الجو الحار؟!!
من جانب آخر هناك برامج تغذى النزعة العدوانية فى نفوس المشاهدين (ما هى ناقصة!!)، برامج تقول للمتفرج أن يضحك وهو يرى شخصا فى مأزق رهيب، وكأنها فى الحقيقة نوعا من تعويد الناس على العنف الذى استشرى فى الآونة الأخيرة منذ ما أُسمى "الانفلات الأمنى"، وهو اسم الدلع للتفريط الأمنى المتعمد، من السلطات القائمة على شئون البلاد، السلطات السابقة واللاحقة، التى تستخدم هذه الفوضى لتأسيس سلطتها والحاجة للاستعانة بها. ولست أدرى فى الحقيقة أين ذهبت "الدولة"، فالثورة لم تتوجه للحظة لتقويض الدولة أبدا، بل للنظام، فكانت النتيجة أن اختفت الدولة وبقى النظام!!
ما الذى يحدث؟ إننى أنظر إلى شاشات التليفزيون وأحاول القراءة، فلا أرى سوى إعادة إنتاج للمرحلة السابقة، كل ما حدث أن مبارك وولديه وراء القضبان، بشكل مؤقت أو دائم؟ حقيقة أم تمثيلية؟ لا يهم، فالمهم ألا يتغير شىء، بل ربما يصير أسوأ، حين تصبح المحاكمات العسكرية هى "العادية"، فخلف كل قيصر يموت قيصر جديد كما قال الرائع الراحل أمل دنقل، لكن هل لن تبقى وراء شهدائنا إلا دمعة سدى؟ هل نصوم طويلا عن السياسة؟ هل نعود إلى الحظيرة؟ تساؤلات تجعل لرمضان هذا العام طعما آخر، كأنها الهزيمة بنكهة الانتصار، وياليتها لا تكون!!

Wednesday, August 10, 2011

مسلسل "سمارة" استنساخ نادية الجندي ونبيلة عبيد!!


"سمارة، زهرة برية نشأت وترعرعت في جو أسود رهيب"، هكذا كان صوت المذيع والمخرج المصري ديمتري لوقا يعلن بعد ظهيرة كل يوم، في الخامسة والربع تماما، ويتجمع المصريون حول أجهزة المذياع في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي حتى تكاد الشوارع أن تخلو من المارة. كانت تلك هي الفترة التي بدأت فيها تقاليد المسلسل الدرامي الإذاعي المصري، التي أصبحت اليوم من بين ذكرياتنا الفولكلورية، وبعد القليل من المسلسلات ذات الطابع البوليسي أو النفسي، مثل "حب وإعدام" و"هل أقتل زوجي؟" و"العنب المر"، جاء مسلسل "سمارة" الذي كتبه محمود اسماعيل، وقامت ببطولته سميحة أيوب ومحسن سرحان، ليؤسس تقاليد مسلسلات العصابات على الطريقة المصرية، التي انتقلت فيما بعد للسينما ثم التليفزيون.
من المفارقات المهمة أن نمط دراما رجال العصابات الأقدم في أمريكا كان وما يزال يضع المجرم في القلب من الحبكة، ولا تحتل المرأة فيه إلا مكانا هامشيا، لكن الدراما المصرية جعلت في الكثير من الحالات البطلة هي الأهم، وكانت في البداية نموذجا للنقاء الذي اضطرته الظروف لأن يتلوث، وفيها قسوة ظاهرة لكن قلبها يفيض بالرقة عندما تجد من يدرك فيها هذا البعد، وهي باختصار ليست "الفاتنة القاتلة" على الطريقة الأمريكية، لكنها الضحية، أو "الزهرة البرية التي نشأت وترعرعت في جو أسود رهيب"!
لا ندري على وجه الدقة السبب وراء اتجاه صناع الدراما التليفزيونية المصرية للعودة إلى "سمارة"، وإن كنا نستطيع أن نخمنه، فقد مر أكثر من نصف قرن حتى لا يكاد أغلب الجمهور اليوم أن يعرف من هي "سمارة" كما كانت لدى الجيل الأقدم. دعنا نؤكد من البداية أننا لسنا ضد إعادة "تيمة" ما عشرات المرات، إذا كانت تُقدم في كل مرة ومعها تفسير فني جديد، يلقي الضوء "المعاصر" على حكاية قديمة، وربما كان أشهر "المقتبسين" هو شكسبير، الذي صنع معظم مسرحياته عن قصص سابقة عليه، ومع ذلك استحق أن يكون المؤلف الدرامي الأول في تاريخ الإنسانية.
فلنفترض أنه سحر الحدوتة إذاً هو الذي حدا بكاتب السيناريو والحوار مصطفى محرم، والمخرج محمد النقلي، أن يعيدا روايتها، ويضعاها كما ورد في صدر الحلقة الأولى في "القاهرة 1945"، ليبدآ كل حلقة لثوانٍ بالأبيض والأسود لينتقلا بعد ذلك للألوان. وبرغم الحلقات الثلاثين الممتدة عبر شهر كامل، يدور المسلسل في عالم درامي ضيق خانق، بين الحي الشعبي الذي تقيم فيه سمارة (غادة عبد الرازق)، والحي الراقي الذي أتى منه البطل كمال (أحمد وفيق)، وإذا كان من الخيال الجامح أن تلتقي مثل هاتين الشخصيتين في الواقع، فإن المسلسل يجمعهما في علاقة غرامية مشبوبة، تظل تراوح مكانها طوال الوقت دون أن تتحرك قيد أنملة، لكنها تتيح للبطلة أن ترقص وتمثل وتضحك وتبكي.
يجب أن تصدق منذ اللحظة الأولى أن سمارة تملك من الجمال ما يجعل "كل" الرجال يقعون في حبها، بل إن من يخطبونها يلقون مصرعهم بشكل غامض، وسوف نعرف أن وراء هذه الجرائم رجلين مزواجين من "أهل الحتة"، الأول هو المعلم سلطان (حسن حسني)، تاجر المخدرات الكبير الذي يتخفى وراء تجارة الفاكهة، ويتعامل مع رجل غامض يطلقون عليه "البك الكبير" هو الذي يجلب المخدرات إلى البلاد، أما الثاني فهو المعلم فتوح (سامي العدل) الذي بدا صبيا للأول، ثم تحول بدوره إلى تجارة المخدرات أيضا وراء قناع تجارة الخضروات.
وسوف يظل سلطان وفتوح غريمين في حب سمارة، وإن كانت تجمعهما الجريمة. وبينهما تقف بطلتنا تغازل هذا مرة وذاك مرة، بدافع من أمها (لوسي) النهمة إلى المال بأي ثمن، ويصطنع لها المسلسل قصة في الماضي إذ عشقها والد سمارة (زكي فطين)، ابن الحسب والنسب، الذي ترك أسرته من أجل محبوبته الراقصة وضيع عليها ثروته، وأصبح اليوم مدمنا على الخمر، مستذلا مهانا من الأم التي لا تتورع عن أن تتخذ لنفسها رجلا آخر تعيش في حماه، مثل المجرم العريق في الإجرام صالح أبو شفتورة (ضياء عبد الخالق)، الخارج لتوه من السجن، ويذكرنا اسمه بالاسم المستعار الذي اتخذه ضابط الشرطة المتنكر في المسلسل الإذاعي القديم: سيد أبو شفة!!
على الجانب الآخر من هذا العالم الدرامي يقيم الأغنياء من رجال السياسة، الذين يتحدثون عن الفضيلة وإن كان يجب أن تتوقع أن يسفروا عن نقيضها. وفي القلب من هذه الطبقة يوجد عبد المجيد بك (عبد الرحمن أبو زهرة) صاحب المركز المرموق في حزب الشعب، الذي يرأسه فهمي باشا (عمر الحريري)، لكن ما يهمنا أن عبد المجيد هو والد كمال، الأستاذ في الجامعة، والمشغول ببحث عن تأثير البيئة في سلوك البشر، والذي يذهب إلى الحي الشعبي الذي تقيم فيه سمارة، لأنه الحي المشبوه الذي مُنعت نساؤه من ممارسة الرذيلة، ليذهب بطلنا ليدرس كيف ترك ذلك تأثيرا على أبناء الحي، أو بالأحرى بناته.
تأتي هذه المعلومة في سياق الحوار مرة أو مرتين، لكنك لن تراها أبدا مجسدة على الشاشة، فكمال لن ينشغل لحظة واحدة بهذه الدراسة المزعومة، والسبب: أنه وقع في حب سمارة في اللحظة التي وقعت عليها عيناه!! تأمل كيف يعبر المسلسل عنها: تقع سمارة أمام سيارة كمال، فتصرخ وتولول، وينزل هو ليرى ما حدث، وفجأة ينطلق سهم "كيوبيد" ليصيب القلبين، وتصدح الموسيقى معلنة عن ميلاد الحب، فقد قررت سمارة أن تعشق هذا الفتى، كما سوف ينسى هو خطيبته ويهجرها من أجل سمارة.
أرجو ألا تسيء الظن ببطلنا، فهو لن ينسى دراسته، لكنه سوف يجعل سمارة موضوعا لها، لينتقل المسلسل في بعض الحلقات لاقتباس "بيجماليون" أو "سيدتي الجميلة"، حين يأخذ كمال محبوبته إلى صالون التجميل، ويعلمها كيف تتخلى عن تعبيراتها السوقية لتستخدم قواعد المجتمعات الراقية، ويذهبان إلى منزل أسرته حيث تقنعهم بالفعل أنها زميلته في الجامعة. لكن المسلسل لا يكتفي بهذا الاقتباس وحده، ولك أن تتخيل مثلا أنه سوف يمضي أيضا لتقليد "خللي بالك من زوزو"، حين تقرر سمارة أن تصارح أسرة حبيبها بحقيقتها، فتفاجئ الجميع برقصة "هز بطن" مثيرة، وبرغم أن الموقف يشي بأنه دليل على شعور سمارة بالهوان، فلن تتوقف إلا بعد أن تؤدي الرقصة كاملة!!
بكلمات أخرى أوضح فإن المسلسل لا يدور حول شخصية فنية تدعى "سمارة"، بل حول غادة عبد الرازق، الممثلة والمؤدية التي قررت أن تكون النسخة الجديدة القديمة من نادية الجندي ونبيلة عبيد، في دور المراة التي تجسد "ملكة النحل" القاتلة، يسعى إليها كل الرجال، وفي الوصول إليها هلاكهم، كما أن الدراما المصنوعة تمنحها دائما فرصة للانتقال من الحضيض إلى القمة لكي تعود إلى الحضيض في النهاية، وهو ما يمنح النجمة فرصة لاستعراض "الإمكانيات"، خاصة النواح والعويل من جانب، والدلال والرقص من جانب آخر.
ترك هذا الاصطناع في الكتابة أثره الفادح على التمثيل، ليأتي في أسوأ حالاته على الإطلاق، ولن تصدق مثلا أن لوسي التي قدمت أفضل أدوارها مع داوود عبد السيد في "سارق الفرح"، أو أسامة أنور عكاشة في "أرابيسك"، هي ذاتها التي تؤدي هنا بشكل مفرط في المبالغة: تنطق ببطء وصخب وتشيح بالأيدي وتنظر بتحديق، ولن يفلت أي من الممثلين الآخرين من هذا الأسلوب، فهم يقفون في صف واحد كأنهم على خشبة مسرح، وينتظر أحدهم في صمت وسكون حتى يأتي دور سطر حواره فإذا به يتحرك وينطق فجأة!!
كانت "سمارة" القديمة رمزا للبراءة التي وضعتها الظروف في "جو أسود رهيب"، لذلك أصبحت "فولكلورا" لأن المتلقي تعاطف معها وأراد لها أن تنجو من هذا السياق، وحتى عندما ماتت في نهاية المسلسل الإذاعي أحب الجمهور أن تنجو ليظهر لها جزء ثان. أما الحال في المسلسل التليفزيوني، فالبداية والنهاية هي "الفرجة" وليس التعاطف، وتلك من آفات الدراما المصرية في الفترة الأخيرة، لذلك إذا ماتت سمارة في نهاية الحلقات لن يتأثر المتفرج، ولن يشعر بالحنين إلى أن تنجو مثل هذه البطلة من الموت!!

Saturday, August 06, 2011

مسلسل "دوران شبرا" عن دراما التشابه والاختلاف


من الرموز الشائعة في عالم السرد الروائي والدرامي في مصر في الفترة الأخيرة رمز "العمارة"، أو البناية التي تضم قطاعات مختلفة من الناس، حتى أنها تصبح تجسيدا لوطن كامل في لحظة معينة. ولعل شهرة رواية علاء الأسواني "عمارة يعقوبيان" كانت دافعا لظهور مزيد من هذه الأعمال، وإن لم تكن "يعقوبيان" هي الأولى في هذا المجال، وربما لا يتذكر المتفرج مثلا فيلم جلال الشرقاوي في النصف الثاني من الستينيات "الناس اللي جوه"، الذي كان بدوره نوعا من المحاكاة لمسرحيتي نعمان عاشور "الناس اللي تحت" و"الناس اللي فوق". ومنذ سنوات قليلة ظهرت رواية نعيم صبري "شبرا"، لتعرض في نسيج رقيق كيف أن المصريين المسلمين والمسيحيين يتعايشون معا عبر الأجيال.
وإذا بدا لك للوهلة الأولى أن هناك تشابها بين هذه الرواية ومسلسل "دوران شبرا"، الذي كان اسمه "شبرا" فقط قبل أن يغير صناعه اسمه حتى لا تثبت شبهة التشابه، فإن هذا لا يبخس المسلسل حقه أبدا، فهو بكتابة عمرو الدالي، وإخراج خالد الحجر، يدرك جيدا ما هي صنعة الدراما، التي تبدأ بخلق شخصيات من لحم ودم، لا تقع في الإطار النمطي للأخيار والأشرار، وهي تتلاقى وتتباعد، تتحالف وتتصارع، وتغير من مواقفها مع تغيرات الأحداث، وبذلك فإنها تظل تشد المتلقي إليها دائما، وهي سمة من النادر أن تتحقق في الآونة الأخيرة في الدراما المصرية، التي فقدت للأسف أهم الأبجديات الدرامية.
دعنا في البداية نتوقف قليلا عند "جغرافية" العمارة القديمة في حي شبرا القاهري: هناك بدروم تسكن فيه عائلة من يحرسون العمارة، وفي القلب منها المرأة الشابة عزة (حورية فرغلي) التي سوف نعرف على الفور أنها تحملت عشر سنوات من غياب زوجها ناصر (هيثم زكي) في السجن، ظلت خلالها تعمل خادمة لدى سكان العمارة، لتربي أيضا الفتى يوسف شقيق زوجها الذي أصبح الآن صبيا يافعا، ولتتلقى دائما تبكيت أمها مبروكة (حنان يوسف)، التي تبيع الخضار أمام باب العمارة. أما في الطابق الأول فهناك شقتان متجاورتان، لامرأتين تقتربان من خريف العمر، الأولى هي المسيحية لولا (دلال عبدالعزيز)، زوجة عزيز (سامي العدل) صاحب محل العطور، وأم ابنها الوحيد أشرف (أحمد عزمي) الذي يتلقى منها التدليل على الدوام. أما الشقة الثانية فتسكنها المسلمة أم سامي (عفاف شعيب)، وأولادها سامي الذي يعمل في إحدى دول الخليج وعاد لتوه منها خاوي الوفاض، وهاني موظف البنك الذي يجتهد للبحث عن شقة ليتزوج من زميلته، وعماد (محمد رمضان) الذي يبدو عابثا لكنه في الحقيقة يبحث لنفسه عن مكان تحت الشمس التي لا يكاد يراها، لأنه يعمل عملا ليليا في "سوبرماركت"، بمرتب لا يكفي نزواته العابرة، ويحلم بالسفر ليحقق الحرية التي يحلم بها. وإلى جانب هاتين العائلتين هناك رفعت (بطرس غالي)، الأرستقراطي العجوز الذي يعيش وحيدا، حتى تأتيه في الأجازة حفيدته نورا لتقضي الصيف معه. وفي الأعلى يقيم المدرس زيدان (زكي فطين)، الأعزب الذي يخفي عن جيرانه استقباله في منتصف الليل بعض فتيات الشوارع.
برغم الاختلاف بين أفراد هذه "الشريحة" من المجتمع المصري، سواء في الطبقة أو الديانة أو العمر أو حتى النظام الأخلاقي، فإنهم جميعا يكونون نسيجا واحدا، وهو ما يعبر عنه المسلسل بالعديد من الطرق. تأمل مثلا كيف أن صلاة الصبح تربط الشخصيات معا في لقطات تنتقل بينهم كأنها لقطة واحدة متصلة، لا فرق بين أبناء دين وآخر، أو قارن كيف أن أغنية تنطلق من المذياع تربط بين أحد المشاهد والمشهد التالي له حتى لو تغيرت الشخصيات. وربما سوف تتكرر كثيرا تلك العادة في المجتمعات المصرية التقليدية (وحي شبرا من أهم هذه المجتمعات) عندما تنفتح البيوت على بعضها في الأتراح والأفراح.
تمضي الأحداث بتلقائية ونعومة لأنها أحداث الحياة اليومية، المعتادة منها والاستثنائية. يخرج ناصر من السجن مثلا، وهو الذي كان شقيا "بلطجيا" لكنه قرر التوبة خلال سجنه، إنه يحلم بحياة كريمة يكسب فيها رزقه بعرق جبينه، لكن الواقع لا يتركه في حاله، ليجد نفسه ممزقا من ناحية بين سلطة يجسدها ضابط المباحث عمر (أحمد كمال)، الذي يريد أن يعمل ناصر لديه مرشدا، مع تهديد أمين الشرطة رضا الذي يحمل ثأرا قديما لأن ناصر ضربه "علقة" قبل أن يدخل السجن، ومن ناحية أخرى هناك حسن ماريكا، زميل ناصر القديم الذي يريد أن يعود لمشاركته طريق الخروج على القانون. اختيار صعب يعيشه ناصر، ولا يجد من يحميه سوى الجماعات الدينية التي لا يعرف هدفها الحقيقي، لكنها تتيح له على الأقل ما يكفيه لكي يعيش حياة كريمة.
قصة ناصر تلك تمثل نموذجا للدراما المكتوبة والمنفذة بشكل جيد، فالصراع بداخل الشخصية وخارجها معا، وسوف يحملها المسلسل (كما سوف تحمل المسلسل) إلى مستويات جديدة من الصراع، حين يقرر ناصر أن يخوض التجربة المريرة والخطيرة للتلاعب بأطراف الصراع. كما أن قصة الشاب أشرف بدورها تمثل نواة درامية أخرى: إن أباه عزيز سوف يلفظ أنفاسه الأخيرة في صباح عادي من الأيام العادية، بينما هو يضحك على نكتة ألقاها عليه صبي المقهى، وهو الموت الذي سوف يجعل الابن أشرف يواجه الحياة بجدية ربما للمرة الأولى في حياته، ليكتشف أن أباه مدين بمبلغ كبير للبنك، فيقرر أن يحول محل العطور لنادٍ إلكتروني بإيعاز من ماجدة، الشابة التي تغريه بالزواج منها واحتوائه بما يجعل أمه – لولا – تشعر بالأسى من هذا المصير.
إنك لا تستطيع أن تلوم الأم لولا على مشاعرها، لكنك أيضا لا تستطيع أن تلوم الابن أشرف على تصرفه، بل إنك لا تشعر بالكراهية تجاه ماجدة، فهي شخصيات درامية كاملة، وكل منها لديها دوافعها التي لا يساورك الإحساس بالشك في صدقها. إن هذا يمتد أيضا لعائلة أم سامي وأبنائها الثلاثة، الذين سوف يتواجهون في لحظة صراع قاسية على الشقة، التي يبدو بيعها للجميع كأنه الحل الوحيد لمشاكلهم أو أنها سبب مشاكلهم، ومن المشاهد عميقة التأثير في المسلسل ذلك المشهد الذي تلجأ فيه أم سامي للمسجد، وتبحث جارتها لولا عنها فيه حتى تجدها، لتبدو لك المرأتان وجهين لعملة واحدة، فليس هناك في الحقيقة أي اختلاف بينهما على عكس ما يبدو على السطح: نفس السعادة، ونفس الشقاء.
التشابه والاختلاف في آن هو سر حيوية مسلسل "دوران شبرا"، ففيهما يتحقق الصراع الدرامي بشكل راقٍ. كما أن المسلسل يحتفظ ببعض الشخصيات التي تبدو ثانوية، حتى يأتي أوان استخدامها بشكل أكثر درامية، فتكتشف أنها في الحقيقة شخصيات رئيسية على نحو ما، ولعل شخصية سمية، شقيقة عزة الأصغر، تجسد هذا الدور، فهي تظهر في الحلقات الأولى بشكل عابر، لكنها تصبح محور بعض اللحظات والصراعات، إنها تحاول التلاعب بطريقتها بمراهقي الحي، الذين يغازلونها ولا تصدهم ربما سعيا إلى هدية تافهة أو نزهة عابرة، لكن ذلك قد يجر الأحداث إلى صراع أعمق وأكثر شراسة وعنفا. وبنفس القدر تلعب نورا، حفيدة رفعت الزائرة من فرنسا، دورا مهما في حياة الصبي يوسف (شقيق ناصر)، لكن صداقتهما البريئة تشعل نارا بين الفرقاء، كما تثير لدى المتفرج أسئلة جوهرية حول ما يجمع أو يفرق بين أبناء الوطن الواحد.
بين المستوى الواقعي لمسلسل "دوران شبرا"، والمستوى الرمزي له، علاقة وثيقة، والعمارة هنا هي الوطن، في لحظة فارقة من حياته، حيث الكل في مفترق طرق، تبدو مسالكهم متباعدة مشتتة، لكنها في الحقيقة طريق واحدة، لكن إداركها يعتمد على قدرتنا على فهم أن ما يوحدنا أعمق ألف مرة مما يبدو أن يفرِّق بيننا.

Wednesday, July 20, 2011

أسطورة البطولة المطلقة



شاعت في الفترة الأخيرة في الصحافة الفنية المصرية تعبيرات غريبة، إن كانت قد فاتت على صحافي مبتدئ فلا ندري كيف فاتت على الصحافيين الكبار، مثل تعبير "السيرة الذاتية"، التي يقصدون بها الأعمال التي تتناول سيرة حياة أحد المشاهير، أما "الذاتية" فلا تطلق إلا على من يكتب سيرة حياته بنفسه. وبالمثل أصبح تعبير "البطولة المطلقة" شائعا بدرجة تثير الضحك، وهو تعبير لا يمكن ترجمته إلى أي لغة في العالم، فهل يعنون به أن الممثل الفلاني أو الممثلة الفلانية سوف تمثل الفيلم وحدها، بدون أبطال آخرين أو شخصيات ثانية أو ثانوية، أو ربما أيضا بدون ديكور أو "أكسسوار" ما دامت البطولة "مطلقة"؟!!
يتجاهل هذا التعبير – ولعله يجهل – أن السينما، كأي نشاط في الحياة، لا تعتمد أبدا على أي وجود "مطلق" لشخص ما، ولا يمكن لجسد أن يعيش بنوع واحد من الخلايا أيا كانت درجة أهميتها. ودائما ما كانت الأدوار الثانية والثانوية في الأفلام عميقة التأثير على البناء الكلي للفيلم، ناهيك عن أن هناك أفلاما – ربما توقفنا عندها في مقال لاحق – تقوم على عدم وجود "بطولة" من أي نوع لشخصياتها. تعال نتذكر مثلا عبد الوارث عسر في دور الأب لعبدالحليم حافظ في "الوسادة الخالية"، دور قصير لكنه يجعل قصة الحب تقف على أرض الواقع الخاص بالطبقة المتوسطة آنذاك، و"التيمة" الرئيسية للقصة هي ذلك بالتحديد: أنه لا وجود حقيقيا لأي قصة حب إذا لم تضرب بجذورها في واقع الحياة.
أعرف أنك تملك ياعزيزي القارئ عشرات الأمثلة على هذه الأدوار الثانية المهمة، مثل حسين رياض في "شارع الحب"، أو زكي رستم في "الفتوة"، أو فريد شوقي في "السقا مات" أو "خرج ولم يعد"، أو صلاح منصور في "الزوجة الثانية"، ومئات الأدوار الأخرى. إننا نتحدث هنا عما يسمى "الأدوار المساعدة"، التي أصبحت من الأهمية بحيث يخصصون لها جوائز خاصة في المهرجانات العالمية. وفي الأغلب الأعم فإنها الأدوار التي تصبح نمطية، وتلتصق بالممثل من فيلم إلى آخر، مثل دور الأب والأم والحماة والصديق (السنّيد) والطبيب والشرير والراقصة، إلى آخر هذه الشخصيات، لكن قيمة الممثل الحقيقية تأتي من قدرته على تقديم تنويعه الخاص لهذه الشخصية النمطية، وخروجه أحيانا منها لكي يؤدي أدوارا أكثر عمقا ورحابة.
من بين من قاموا بالدور النمطي لشخصية تلقي بظلال قاتمة على الحبكة صلاح نظمي مثلا، فهو "العزول" بين الحبيبين، وعندما تقدمت به السن قدم فيلم "الجحيم" في دور الزوج الثري الذي تعتبره الزوجة وعشيقها عقبة في طريقهما فيقرران التخلص منه. لكن تأمل كيف أخذ عادل أدهم هذه الشخصية نفسها لتصبح أكثر تأثيرا، في بعض الأحيان من خلال المبالغة الكاريكاتورية المقصودة، وأحيانا أخرى بإضفاء ملامح إنسانية مرهفة عليها. من جانب آخر كان أشهر أشرار السينما المصرية هو محمود المليجي، الذي تكفي نظرة عينه، ورفع حاجبه، لترتعد فرائص ضحيته، لكن انظر كيف أنه قام بأدوار بالغة الرهافة والقوة معا في "الأرض" مثلا، حتى أن الفلاح محمد أبو سويلم أصبح "فولكلورا" لدى جمهور السينما العربية، ورمزا لمقاومة الرجال للظلم والقهر. هل أذكرك أيضا بممثل اسمه "عدلي كاسب"؟ تراه في فيلم "السفيرة عزيزة" في دور الجزار الذي يسيطر على شقيقته (سعاد حسني) طمعا فيما ورثته، حتى أنه يكاد أن يمنعها عن الزواج من الجار الطيب حبيب القلب (شكري سرحان)، ففي هذا الدور يصبح عدلي كاسب كالعاصفة الهوجاء التي لا تبقي ولا تذر، لكنه يظهر على العكس تماما في أفلام كوميدية مثل "عائلة زيزي" أو "سر طاقية الإخفاء".
هؤلاء الممثلون الذين يجري تصنيفهم على أنهم ممثلو الأدوار الثانية هم الرصيد الحقيقي الذي تملكه أي صناعة سينما، وبدونهم تصبح الأفلام "استعراض الشخص الواحد" كما هو الحال اليوم في صناعة السينما المصرية. وبقدر اتساع قاعدة هؤلاء الممثلين في الماضي ضاقت رقعتهم اليوم بشكل لا يصدق، إن أردت مثلا واحدا لشخصية أكبر في العمر فلن تجد سوى حسن حسني، وأحيانا صلاح عبد الله، وهما لا يفعلان سوى إلقاء سطور الحوار بطريقة هزلية وبدون الإحساس بأي شخصية فنية مرسومة لدوريهما، ليس لأنهما يفتقدان موهبة وحرفة التمثيل، فحسن حسني هو الذي أدى دور "رُكْبة" في فيلم داود عبد السيد "سارق الفرح"، ذلك الرجل الأعرج الذي يتمنى أن يطير في أجواز الفضاء، وصلاح عبد الله هو "المخبر" في فيلم داود أيضا "مواطن ومخبر وحرامي"، ليصبح معادلا لسلطة ثقيلة اليد بليدة الفكر.
بل إن أهمية أصحاب الأدوار الثانية تأتي أيضا من أنها مرحلة التكوين لقطاع كبير من الممثلين والممثلات، وربما كان النموذج الأهم هو فريد شوقي، الذي بدأ رحلة حياته في أدوار بلا اسم، حيث كان يطلق عليه فقط "رجل العصابة"، وعبر سنوات أثبت أنه قادر على أداء أدوار أكثر تركيبا، ليصبح في مرحلة لاحقة "ملك الترسو" بتعبيرات تلك الأيام. كذلك اسماعيل ياسين الذي استمر عشر سنوات في أدوار صغيرة قبل أن يصبح أول ممثل مصري تكون له سلسلة أفلام تحمل اسمه الحقيقي. وهو الأمر الذي ظل القاعدة لسنوات طويلة في السينما المصرية، فقد انتقلت شادية مثلا من دور الأخت أو الصديقة إلى أدوار البطولة، كذلك فؤاد المهندس ومحمد عوض اللذين كانت لهما أفلامهما الخاصة بهما، بعدما كانا مجرد مضحكين صغيرين في عشرات الأفلام. وحتى السبعينيات كان نور الشريف أو عادل إمام يقومان بهذه الأدوار الثانية، قبل أن يصبح الأول بطلا في عشرات الأفلام الجادة، ويحتل الثاني قمة الأفلام الكوميدية التي ما يزال يتشبث بها. لكن ما الذي حدث في الفترة الأخيرة؟
إن شئت الحقيقة فإن ما حدث في السينما كان انعكاسا لما يحدث في المجتمع ككل، فإذا لم تكن القيمة الوحيدة للإنسان مستمدة مطلقا من موهبته أو مهاراته، بل من السلطة التي يملكها، سلطة الحكم أو سلطة المال، وحيث تختفي كل المعايير الحقيقية والعادلة التي تسمح بالصعود الاجتماعي لمن يستحق ذلك بالفعل، فقد ظهر السعي إلى تلك الأسطورة التي تحمل مصطلح "البطولة المطلقة". ومثلما تجد في واقع الحياة "أبطالا مطلقين" ظهروا فجأة على سطح عالم السياسة والمال، بدون أن تعرف من اين أتوا بما يملكون، فإن الكثيرين من العاملين في مجال السينما تملكتهم هذه الرغبة أيضا في الصعود بأي ثمن.
بالأمس حاول ممثل مثل طلعت زكريا أن ينتقل من صفوف الممثلين الثانويين إلى صفوف البطولة، وليس في هذا أي عيب، لكن المشكلة تأتي من استخدام وسائل بعيدة تماما عن الفن والموهبة، ولعلك تعرف ما آلت إليه محاولاته الآن. وفي سياق قريب تجد محاولات الصعود من رامز جلال، وماجد كدواني، وخالد سرحان، وعشرات غيرهم، وكانت جميعا محاولات فاشلة.
السبب ليس أنهم أقل في إمكاناتهم ممن أصبحوا أبطالا لأعمال فنية، لكن السبب يكمن في السياق العام، سياق يقلل من أهمية الأدوار الثانية والثانوية برغم أهميتها. تأمل مثلا كيف أن ميريل ستريب، الممثلة والنجمة، لا ترفض أدوارا مساعدة في أفلام مثل "ساعات" أو "اقتباس"، كذلك فرانسيس ماكورماند في "تربية أريزونا"، أو صامويل جاكسون في "قصة شعبية رخيصة"، أو جورج كلوني وبراد بيت ومات ديمون في سلسلة أفلام "عصابة أوشان".
كلمة السر هنا هي أنه لا يوجد شيء اسمه "البطولة المطلقة"، وفي الحياة والفن توجد أعمال حقيقية يقوم فيها كل منا بدوره، لا فرق بين دور كبير أو صغير، وقد تتغير الأدوار من وقت إلى آخر، ليس المهم من قام بالبطولة، لكن المهم أن ينجح العمل ككل، وهذا ما يجب أن نسعى إليه، أن تكون لدينا أفلام، وأن يكون لدينا وطن.