Friday, July 01, 2011

من قتل سعاد حسني؟


أرجو ألا يتصور القارئ أن ما سوف يقرأه الآن هو تحقيق صحفي عن "مصرع" سعاد حسني، مثل تلك التحقيقات التي يقرأها في الصحافة الفنية من هذا الموسم كل عام، وكانت لها هذا العام مناسبة خاصة هي رحيل نجمة السينما المصرية منذ عشر سنوات تماما. الحقيقة أن سعاد حسني كان مقررا لها أن ترحل معنويا قبل رحيلها الجسماني، وهي التي اختفت عن الأنظار أو كادت في السنوات العشر الأخيرة من حياتها، لذلك من الأجدى أن يتحول سؤال "من قتل سعاد حسني؟" إلى "من قتلوا سعاد حسني؟"، و"ماذا قتل سعاد حسني؟".
مثل كل فنانات الأداء في العالم بدأت سعاد حسني مشوار الفن وهي طفلة صغيرة، وربما لم يتح للبعض فرصة للظهور إلا متأخرا، لكن سعاد جاءتها الفرصة مبكرا، ولعلها لم تكن تعي بعد ما هو الفن عندما ظهرت في البرنامج الإذاعي للأطفال "بابا شارو"، لتغني "أنا سعاد أخت القمر"، كما كان من المحتمل أن تختفي بعد أن تكبر مثلما يحدث لمعظم النجوم والنجمات من الأطفال، لكنها عادت للظهور مع أول أفلامها على الشاشة الفضية "حسن ونعيمة" (1959) من إخراج بركات.
وجه بالغ البراءة يعبر عن الفلاحة الشابة نعيمة، التي عشقت المغني القروي حسن، وبرغم حب الفلاحين للغناء فإنهم ينظرون إلى من يمارسه كمهنة باعتباره شاردا "بلا وطن"، وفي الفيلم يرد حسن على هذه التهمة: "أنا فنان، كل البلاد أوطاني". كانت تلك هي الفترة من حياة مصر والوطن العربي التي يعاد فيها النظر في العديد من التقاليد القديمة، وكأنها رحلة الخروج من الشرنقة لتطير الفراشة في أجواء العالم الحر. وكانت صورة سعاد، وأداؤها الساذج الذي لم يكن يعرف آنذاك أسرار حرفة التمثيل، تأكيدا على أنها سوف تمثل بحق روحا جديدة في السينما المصرية والعربية، وهو ما تأكد مع فيلمها الثاني، في فقرة من "البنات والصيف" (1960) في القصة الثالثة التي أخرجها عز الدين ذو الفقار، وفيها قامت بدور شقيقة عبد الحليم حافظ، التي تشجعه على أن يصرح بحبه لابنة الجيران زيزي البدراوي.
يقول البعض من النقاد اليوم أن هذا الدور لسعاد قد نجح لأنها كانت تقف في صف عبد الحليم، بينما لم يكتب لزيزي البدراوي نفس القدر من النجاح لأنها كانت ترفض حبه (!!)، وفي الحقيقة أن ذلك اختزال مخل للواقع. لقد ظهر في تلك الفترة ذاتها العديد من الوجوه الجديدة من الفتيات، وسوف نضرب فقط بعض الأمثلة هنا: زبيدة ثروت، ومديحة سالم، وإيمان، وكريمان، وليلى طاهر، وماجدة الخطيب، وآمال فريد، فلماذا حققت سعاد حسني كل هذا النجاح وفشلت فيه أخريات (نستثني نادية لطفي لموهبتها الحقيقية)؟
كان دور سعاد في "البنات والصيف" هو ابنة الطبقة المتوسطة، وكانت تلك الفترة بدورها تعطي دورا كبيرا في التطور الاجتماعي لتلك الطبقة، لتتزامن رحلة الممثلة والطبقة الصاعدتين. الآن، وعندما ترجع بذاكرتك إلى ذلك التاريخ، سوف تتأكد من أن سعاد عندما تظهر على الشاشة كانت تبعث قدرا كبيرا من الألفة والحميمية، والشعور بأنك تعرفها على نحو ما، لعلها الأخت أو ابنة الجيران أو الزميلة أو الصديقة، التي تجمع على نحو مصري وعربي خالص، بين "الشقاوة" المحببة إلى النفس، والمشبعة بالحيوية والتلقائية، وبين الخجل والحياء الرقيق.
ظلت سعاد حسني طوال الستينيات نموذجا تقلده بنات الطبقة المتوسطة، في ملابسها وزينتها وطريقة كلامها، وفي عشرات الأفلام تبلورت شخصية الفتاة خفيفة الظل، التي تتعامل مع الحياة بإيجابية دون ابتذال، وربما تكررت الشخصية معها حتى أصبحت نمطا جاهزا، بين "السبع بنات" و"شقاوة بنات"، و"الساحرة الصغيرة"، و"الثلاثة يحبونها"، و"صغيرة على الحب"، و"حلوة وشقية"، وفي عنوان هذا الفيلم الأخير تدرك ملامح الشخصية على الفور. لكن لسعاد وجها آخر، هو الذي أعطاها قدرة أكبر على الاستمرار، وهو امتلاكها موهبة "التمثيل" بكل ما في الكلمة من معنى، والأهم هو إرادتها الحديدية سعيا للإجادة الفنية.
عندما عادت سعاد لعالم القرية مرة أخرى في فيلم صلاح أبو سيف "الزوجة الثانية" (1967)، تؤكد لنا هذه الحقيقة، فما أبعد الفرق بين "نعيمة" العاشقة الساذجة، وهذه "الزوجة الثانية"، فهي هذه المرأة الناضجة التي تعمل في "التراحيل" مع زوجها الفقير، وعندما يطمع فيها العمدة الفظ ويشتهيها يجبر الزوج على تطليقها لكي يتزوج هو منها، وهنا يتجلى للزوجة الثانية وجه آخر ينضح بالمرارة والهوان بسبب مواجهة لم تخترها، فتلجأ إلى قدرتها الفطرية على استخدام دلالها الأنثوي، لتنتصر أخيرا على العمدة الطاغية.
ورويدا رويدا تتسلل ظلال قاتمة على الحياة الفنية لسعاد حسني، وربما كان هذا انعكاسا لحالة الانكسار التي أصابت الحلم المصري والعربي بعد 1967، وتجلت في عودة السينما المصرية إلى الرومانسيات المتشائمة. في فيلم "نادية" (1969)، حيث تقوم سعاد بدورين لشقيقتين متشابهتي الملامح: الأول لفتاة عابثة مقبلة على الحياة، بينما الدور الآخر للشقيقة الرصينة التي تفضل الوحدة والانزواء. ينتهي الفيلم بموت الفتاة "الشقية"، ليبدو أن سعاد، والمجتمع كله، يدخلان إلى مرحلة جديدة.
فهي تنال عقابا صارما على شخصيتها العابثة في "غروب وشروق" (1970)، حيث تحاول أن تُبقي على بعض من جاذبيتها وقدرتها على التلاعب بقلوب الرجال، إلا أن ذلك يؤدي إلى مصرع زوجها، لتضطر إلى قبول الزواج من كهل تجاوز مرحلة الشباب، لكن الزواج هذه المرة لا يمثل مشهد النهاية التقليدية السعيدة في الأفلام المصرية، بل البداية لعلاقة متوترة يخيم عليها الألم والقلق. كانت سعاد في مرحلتها الأولى هي مركز "الفعل" الإيجابي للدراما، ففتاة الشاشة الشابة مثل فتاة الواقع آنذاك كانت تبحث لنفسها عن مكان تحت الشمس، لكن مع تواري الحلم لم يعد لها سوى أن تمثل "رد الفعل"، وهو ما تجسد في سلسلة أفلام "زوجتي والكلب"، و"الاختيار"، و"الحب الذي كان"، و"غرباء"، و"أين عقلي".
ونؤكد أن "الموهبة" الحقيقية هي التي أمدت سعاد حسني بالقدرة على الاستمرار في فترة تراجع خلالها دور "فتاة الشاشة"، وأصبح مجرد فتاة جميلة تشبه نجلاء فتحي أو آثار الحكيم أو ميرفت أمين، إنها "موضوع" لمشاعر البطل، وعندما تصبح "ذاتا" فإنها تتحول إلى امرأة غاوية على طريقة ناهد شريف، التي "تطورت" فيما بعد إلى نبيلة عبيد ونادية الجندي!! ربما ظلت سعاد (ومعها نادية لطفي) قادرة على التجدد... إلى حين. حتى في فيلم "خللي بالك من زوزو" الذي بدا أنه محاولة الفتاة التي كانت تمثلها طوال العقد الماضي للبقاء على قيد الحياة، فإنه في الحقيقة كان يخفي الوجه الآخر من الصورة: من السطح ترى الفيلم تنويعا على شخصية البنت الشقية، مع مسحة أكثر إيجابية ونضجا في التعامل مع الحياة، لكن حلمها بدا في التحليل الأخير (وفي الجانب اللاواعي من الفيلم) مختزلا في الاقتران بفتى الأحلام الثري الذي يمكن أن ينقذها من الوضع الاجتماعي المتدني الذي تعيش فيه.
حتى ذلك الدور التابع للرجل، في عالم ميلودرامي تشحب فيه ملامح الواقع الحي، أصبح أكثر ذبولا مع تحول المجتمع المصري خلال السبعينيات إلى "الانفتاح" وأحلامه الفردية الزائفة، وهو ما تبدى في ""أميرة حبي أنا" و"المتوحشة". بدءا من تلك المرحلة لم يكن أمام سعاد سوى اختيار التخلي بإرادتها عن هذا العالم المصطنع، والدخول في مغامرات فنية محدودة تكون أكثر تعبيرا عن الواقع وآلياته، مثل "شفيقة ومتولي" و"أهل القمة" و"الجوع" لعلي بدرخان، و"حب في الزنزانة" لمحمد فاضل، و"موعد على العشاء" لمحمد خان.
يقول البعض أن فشل "الدرجة الثالثة" كان من بين أسباب انعزال سعاد، وربما كان في ذلك بعض الحقيقة، لكن النجاح والفشل واردان في عالم السينما، خاصة في صناعة سينمائية راسخة. إن موهبة مثلها لم تكن تتوارى أبدا لمجرد فشل أحد أفلامها، أو لأنها أصبحت أكبر سنا، وتأمل كيف أن لورين باكول مثلا ما تزال تظهر في الأفلام الأمريكية، أو أن ميريل ستريب تحصد الجوائز وتنتزعها من الممثلات الشابات. لكن هناك في مسيرة سعاد حسني عامل تدهور السينما المصرية، المرتبط بدوره بانحدار شامل في المجتمع، لذلك لم يكن لها دور بعد "الراعي والنساء"، قبل عشر سنوات تماما على رحيلها. تأمل دورها هنا، للأرملة المحرومة في صحراء الحياة القاحلة، وعبر الأحداث تراها تضحك أو تبكي، وفي الحالتين تلتمع عيناها ببريق ساحر، وتتورد وجنتاها بدماء السعادة أو تحتقنان من الألم، لكنك تشعر دائما أن هناك حزنا خفيا يسكن في أعماقها، قد يكون سببه الأسى على الماضي الجميل والخوف من المستقبل المجهول.
إنه حزن وأسى وقلق سعاد حسني وليس حزن سيندريلا كما أطلقت عليها الصحافة الفنية، لكنها مثل سيندريلا عاشت قلق الانسحاب من الأضواء والعودة إلى الظل، عندما تسمع على حين غرة دقات الساعة الثانية عشرة، التي تؤذن بأن الفرصة السحرية قد أوشكت على الانتهاء.
وكانت الساعة قد دقت قبل عشر سنوات من الرحيل عن الحياة. ربما دعانا هذا إلى التساؤل: ماذا يمكن أن تسمي السياق الثقافي والسياسي الذي يجعل موهبة مثل سعاد تنزوي عن العالم طوال تلك السنوات؟ وإذا كانت هناك شكوك حول جريمة وراء مصرعها، فالجريمة الأكبر هي غياب الوطن الذي يرعاها، والسينما التي تضعها في دائرة الأضواء، ووجودهما ليس مرتبطا بظهور "فارس الأحلام" الذي ينقذ سيندريلا وحدها، بل يعطي الفرصة لكل سيندريلا تستحق مكانا تحت شمس الحياة.

Monday, June 20, 2011

فيلم "خارجون على القانون" هل تصنع الميزانيات الباهظة أفلاما حقيقية؟


إحساسان متناقضان يسيطران عليك وأنت تشاهد فيلم "خارجون على القانون"، الذي كان يمثل الجزائر في مسابقة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي هذا العام، وهو إنتاج جزائري مشترك مع فرنسا وبلجيكا وتونس وإيطاليا، بالإضافة إلى جهات أخرى. الإحساس الأول هو الإعجاب الشديد بالمستوى الحِرَفي للفيلم، والذي لا تصل إليه أغلب الأفلام المصرية التي ما تزال تقف عند مستوى التمثيليات التليفزيونية. وفي الحقيقة أن الجزائر عرفت في مجال السينما كيف تستفيد إلى أقصى حد ممكن من الإنتاج المشترك، سواء على مستوى توفير الميزانيات العالية أو تبادل الخبرات الفنية، وهو ما انعكس منذ فترة طويلة مع دخولها إلى المهرجانات السينمائية العالمية، الذي بدأ في منتصف السبعينيات بفيلم الاخضر حامينا "وقائع سنوات الجمر"، وانتهاء بأفلام المخرج رشيد بوشارب، الذي لم يكن "خارجون على القانون" أول أفلامه المهمة، فقد سبق أن وصل فيلمان آخران له للأوسكار.
نأتي إلى الإحساس الثاني المناقض، فطوال مشاهدتك للفيلم تشعر كأنك منفصل عنه على نحو ما، قد تنبهر بلا شك للحظات لكنه انبهار فيه قدر غير قليل من الاغتراب، وليس حميميا بما يكفي لكي تقيم علاقة وثيقة مع ما تراه على الشاشة. كان هذا هو السؤال الذي استولى عليّ خلال المشاهدة: لماذا هذا التناقض؟ وكيف لم يستطع الفيلم التواصل مع جمهوره برغم كل تلك الإمكانات التقنية والإنتاجية المتاحة له؟ وفي الحقيقة أنه سؤال لا ينفصل كثيرا عن قراءتنا في مقال سابق للفيلم الإسرائيلي "مدير شئون العاملين"، الذي لم تبلغ ميزانيته المليون دولار، لكنه لمس أوتارا بالغة الرهافة، بينما تعامل "خارجون على القانون" مع أوتار صادحة صارخة تتناسب مع ميزانية فاقت العشرين مليونا، ولم يحقق مثل هذا التواصل.
اسمح لي أولا بأن أشير إلى أن "تيترات" الفيلم تذكر عنوانه بالعربية (إلى جانب العنوان الفرنسي) باسم "خارج على القانون" بصيغة المفرد، بينما كل المراجع الإخرى تذكره بصيغة الجمع، وقد فضلت هذه الأخيرة لسبب جوهري، هو أن الفيلم يضع في مكان القلب منه ثلاثة إخوة، ويمضي لكي يتعقب سيرة حياتهم عبر مرحلة طويلة من الزمن، وقد اضطر كل منهم للخروج على القانون بطريقته، وإن كان خروجا على قانون ظالم، يجعلك – كما يفترض الفيلم – تتعاطف معهم ومع قضيتهم على الفور.
ربما تكمن مشكلة تناقض الفيلم في هذه الجملة الأخيرة، وهي مشكلة تقع فيها أغلب أفلامنا العربية على نحو غريب، إنها "تفترض" مسبقا أن المتفرج سوف يمنح تعاطفه مع الشخصية أو الشخصيات الرئيسية. لكن لتحقيق هذا التعاطف، والذي يصل أحيانا لدرجة التوحد مع البطل أو الأبطال (حتى لو كان مجرما)، فإن هناك شروطا أساسية أصبحت مدونة في كل كتب تعليم السينما. وقد يكون السبب في افتقادنا لها، نحن السينمائيين العرب، هو أن خبرتنا في السينما تكاد أن تقتصر على "الحِرَفية" واستخدام الأدوات السينمائية، بينما تكون خبرتنا بالـ"دراما" بالغة الخفوت، ولعل السبب هو أن الفنون الدرامية، وعلى رأسها المسرح، باتت في الآونة الأخيرة في حالة تراجع بعدما شهدت ازدهارا في الستينيات، ورأيي أن ذلك التراجع يعود إلى سيادة أنظمة "ديكتاتورية" صريحة، لا تخجل من أن تعلن عن ديكتاتوريتها، بينما المسرح هو في جوهره فن "ديموقراطي" بمعنى الكلمة، لأنك تعيش مع جمهور تراه بجوارك في الصالة في حالة "حية" من التفاعل مع ممثلين على المنصة، وإذا فقدت هذا التفاعل في الحياة فإن من العبث أن تبحث عنه وتجده في الفن!
تقول الدراما أنك لكي تحقق التعاطف أوالتوحد مع شخصياتك الرئيسية، فإن عليك أن تستغل قسم "العرض" في بناء القصة في الاقتراب من هذه الشخصيات، وتتوقف عند رسم ملامحهم الإنسانية، والأهم هو أن تجعل المتلقي يرى العالم "من خلال وجهة نظرهم"، بالمعنى المجازي والحرفي معا. وهناك مثال شهير على ذلك يدرسونه في كتب السينما، هو المشهد الافتتاحي من فيلم ستيفن سبيلبيرج "إنقاذ الجندي رايان"، فلمدة نصف ساعة كاملة تكون أنت كمتفرج مع الجنود الأمريكيين في زوارقهم وهم يستعدون للنزول على شواطئ نورماندي، وعندما تسقط القنابل فوق رؤوسهم فإنها تسقط فوق رأسك أيضا وتصيبك بالدوار، وإذا سقطوا في مياه البحر أخذتك الكاميرا معهم تحت سطح الماء، بينما لا ترى جنديا واحدا من جنود "الأعداء"، وهكذا يجعلك الفيلم ودون أن تشعر تقف مكان هؤلاء "الأبطال" الأمريكيين وحدهم.
ولأن "خارجون على القانون" يريد أن يحكي طرفا غير يسير من رحلة نضال الشعب الجزائري نحو الاستقلال عن الاحتلال الفرنسي، فقد كان من المأمول أن يحقق هذا التوحد الوجداني – والسياسي بالضرورة – مع أبطاله الجزائريين، لكن دعنا نتأمل كيف عالج موضوعه. يستخدم الفيلم العناوين المكتوبة بين فقراته ليوضح زمان ومكان الحدث، وفي مشهد ما قبل العناوين يقول أننا في الجزائر في العام 1925، ووسط صحراء شاسعة يغلب عليها السطوع تحت الشمس الحارقة، هناك رجل وامرأة وثلاثة أطفال يعملون في الأرض، التي تنبت بصعوبة بالغة، ومن الأفق يظهر الحاكم الجزائري يخبر الأب بضرورة الرحيل عن الأرض التي ليست لديه أوراق بملكيتها. ومع موسيقى عميقة الشجن (هي من بين العناصر البارزة في الفيلم)، نرى الأسرة تستعد للرحيل، وتجمع الأم حفنة من تراب الأرض تلفها في كيس، سوف تحتفظ به طوال حياتها، وسوف نراها في مشهد متأخر من الفيلم، عندما تمرض وتشعر بقرب النهاية، توصي أحد أبنائها بأن يدفنها في بلادها، وإذا اضطر أن يدفنها في بلاد غريبة فليضع معها تلك الحفنة من تراب الوطن.
ينتقل الفيلم إلى يوم 8 مايو 1945، وهناك لقطات تسجيلية في باريس، لفرحة الشعب الفرنسي بانتصاره على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، واللقطات بالأبيض والأسود، وقد تم (بواسطة التقنيات الكومبيوترية) تلوين العلم الفرنسي الذي يحمله المحتفلون في الشوارع. في الواقع أن هذه المشاهد – من الناحية الأسلوبية – هي البداية الحقيقية للفيلم، الذي يتنهي بلقطات مشابهة في 5 يوليو 1962، والشعب الجزائري يحتفل باستقلاله عن فرنسا، والأعلام الجزائرية هنا أيضا هي العناصر الوحيدة الملونة في الصورة، فكأن الفيلم يريد أن يصنع توازيا بين نضال الفرنسيين في الحرب العالمية، وبين نضال الجزائريين في حرب استقلالهم عن الاحتلال الفرنسي، ليصبح السؤال: لماذا تنكر فرنسا الحرية على بلدان تحتلها، وهي التي ذاقت مرارة الصراع وحلاوة الانتصار من أجل هذه الحرية؟
لم يكن مشهد ما قبل العناوين إذن إلا "شرحا" للعلاقات بين أفراد أسرة جزائرية فقيرة سوف نمضي معهم طوال الفيلم، وقد انتقلنا الآن إلى ذلك اليوم الذي شهد احتفالات الفرنسيين بانتصارهم، لكنه شهد أيضا مذابح عديدة في أنحاء الجزائر، حين خرج أبناء البلد مطالبين بالاستقلال، ومن بينهم أهل "سطيف" حيث تسكن الأسرة الآن. لقد كبر الإخوة الثلاثة، وذهب الأكبر مسعود (رشدي زيم) مجندا في القوة الأفريقية التابعة للجيش الفرنسي إلى فييتنام، وأصبح الأصغر سعيد (جميل دبوز) صعلوكا يرتزق بإقامة مباريات الملاكمة، بينما الأوسط عبد القادر (سامي بو عجيلة) هو المثقف الذي تدفعه مشاعره الوطنية للاشتراك في المظاهرة الحاشدة، التي يطلق عليها الفرنسيون الرصاصات العشوائية، فيلقى الأب (أحمد بن عيسى) مصرعه، ويلقى القبض على عبد القادر، ويبقى سعيد مع أمه (شافية بو دراع) التي سوف يرحل معها إلى فرنسا.
تظل الأحداث تنتقل في المكان والزمان، فهناك مثلا مشهد يحمل عنوان "سطيف خريف العام 1954"، يحكي عن قيام "شخص" جزائري بإطلاق النار على مقهى يجلس فيه فرنسيون فيلقى العديدون منهم مصرعهم، وقد وضعت كلمة "شخص" بين قوسين لأن الفيلم لا يقول لنا عنه أو عن الفرنسيين "الضحايا" شيئا على الإطلاق، لذلك من المتوقع أن المتفرج الغربي سوف ينظر له على أنه "إرهابي"، بما قد يضعف الرسالة المفترضة للفيلم. كما سوف يقرر سعيد أن يقتل الحاكم الجزائري للمنطقة (الذي تسبب في نزوحهم عن أرضهم في مشهد ما قبل العناوين)، برغم أن ذلك يتناقض تماما مع شخصيته كما رسمها الفيلم، مبتعدا عن السياسة وباحثا عن خلاصه الشخصي.
نحن الآن في فرنسا في شتاء عام 1955، في حي نانتير الذي يحتشد بأكواخ المهاجرين الفقيرة، وقد وصل إليها سعيد والأم، ويعيشان في فقر مدقع، بينما عبد القادر سجين سياسي سوف يفرج عنه قريبا، ويخطط للانضمام لحركات المقاومة الجزائرية. أما مسعود فيعود من حرب فرنسا في فييتنام وقد فقد إحدى عينيه. عندما يجتمع شمل الأسرة من جديد، يكون سعيد قد انخرط في العمل قوادا أحيانا، ومنظما لمباريات الملاكمة أحيانا أخرى، لأنه قد حدد طريقه بأن يصبح ثريا، وبذلك - كما يتصور ويصور للآخرين - ينتصر على الفرنسيين أنفسهم. أما مسعود وعبد القادر فيبدآن في تكوين تنظيم سري يكون نواة لـ"جبهة التحرير الوطني"، يلقى صعوبة في البداية في أن ينضم له آخرون، كما أن هناك مجموعة أخرى تدعو لمنهج إصلاحي هي "الحركة الوطنية الجزائرية"، ويتجسد الصراع بين الحركتين في ممارسة الإهانة التي يلقاها عبد القادر ومسعود على يدي زعيم التنظيم الآخر، يردان عليها بقتل الخصم خنقا بحبل سوف يحمله مسعود في جيبه طوال الفيلم، وبدءا من تلك اللحظة ينتقل الفيلم إلى طابع سينمائي مختلف تماما.
كانت المعالجة حتى ذلك المشهد تبدو أقرب لفيلم سياسي تاريخي، لكنها تنقلب فجأة لنمط أفلام العصابات، مما جعل الكثيرين من النقاد الأمريكيين – ومعهم الحق – يقيمون تشابها بين "خارجون على القانون" و"الأب الروحي"، لأن الفيلم الجزائري يصبح سلسلة من عمليات القتل المتبادلة، خاصة عندما يظهر رجل الأمن الفرنسي الكولونيل فيفر (بيرنار بلانكان)، ويقرر إنشاء منظمة سرية تدعى "اليد الحمراء"، تمارس عمليات إرهابية مضادة ضد الجزائريين الذين ينفذون عملياتهم في فرنسا. وتتصاعد التوترات مع استغراق عبد القادر في نزعته الانتقامية، وشعور مسعود بالحيرة والألم في ممارسته القتل، وانخراط سعيد في افتتاح ملهى ليلي أو تنظيم مباراة بين ملاكم جزائري وبطل فرنسا في الملاكمة، بينما منظمة "اليد الحمراء" تزرع المتفجرات في حي المهاجرين الجزائريين الفقراء.
تأتي ذروة الفيلم في ربيع عام 1960مع مشهد يستمر سبع دقائق كاملة: مسعود وعبد القادر يهربان أسلحة من ألمانيا، وعندما يعرف سعيد أن هناك كمينا يترصدهما يهرع إليهما، ليشهد معركة حامية الوطيس بإطلاق الرصاص، يموت مسعود على إثرها، وتنهمر دموع سعيد. ينتقل الفيلم إلى ذروة أخرى، في باريس يوم 17 أكتوبر من عام 1961، لقد قرر المهاجرون الجزائريون إشعال المظاهرات المطالبة بالاستقلال في كل أنحاء فرنسا، لتحدث مذبحة بالمعنى الحرفي للكلمة، ويموت عبد القادر أمام عيني سعيد، الذي تنهمر دموعه مرة أخرى. لا ندري إن كانت هناك دلالة رمزية لأن يكون سعيد هو الوحيد الباقي على قيد الحياة بينما يموت أخواه، لكن الواضح أن الفيلم اختار أن يتوقف طويلا عند مشاهد تبادل إطلاق الرصاص، والموت بين أذرعة الأشقاء، بتصور أنها سوف تجلب التعاطف لأبطال وقضية الفيلم.
كانت مجزرة باريس في 17 أكتوبر 1961 محورا للدراما في عمل مرهف هو فيلم "المُخَبَّأ" للمخرج مايكل هانيكه، وبرغم أن المجزرة لم تظهر على الشاشة أبدا، وبرغم أن هذا الفيلم يستخدم ما يسمى أسلوب "المينيماليزم" (أي أقل الإمكانات والتقنيات السينمائية)، فإن شعور الذنب من هذه المجزرة كان يثقل روح البطل تماما، ويلقي بظلاله الكثيفة على حياته حتى الآن. لكن "خارجون على القانون"، الذي بدت نفس الحادثة هي هدفه، لم يجعلنا نشعر بخطرها، وهنا أعود لما بدأت به المقال: لماذا لم يحقق الفيلم تأثيره برغم إمكاناته الهائلة؟ لا تستغرب يا عزيزي القارئ إن قلت لك أن هذه الإمكانات ذاتها كانت السبب وراء هذا الإخفاق، فقد اهتم صناع الفيلم بـ"تنفيذ" اللقطات المبهرة ببراعة لا شك فيها، لكن هذا لا يكفي في الفن الحقيقي أبدا.
هناك أزمة لدى معظم السينمائيين العرب تدفعهم إلى إتقان المشاهد المبهرة، ربما ليثبتوا لأنفسهم أنهم ليسوا أقل من أقرانهم الغربيين، وإن كان هذا فهما خاطئا تماما، وسوف أذكرك بما قلناه عن الأفلام الإسرائيلية ذات الميزانيات المتواضعة خلال العقد الأخير. تأمل مثلا كيف أن رشيد بوشارب مهتم بالكادرات ذات المسحة الفوتوغرافية (لقد كانت تلك أيضا "عقدة" يوسف شاهين)، بقدر اهتمامه باللقطات العامة لأنها توحى بقدرة أكبر على التنفيذ، وهناك على سبيل المثال لقطة لا أدري إن كانت مصنوعة للفيلم أم أنها مأخوذة عن فيلم آخر، للطائرات وهي ترمي بجنود المظلات فوق غابات فييتنامية، فالحقيقة أنها لا ضرورة لها على الإطلاق سوى أنها "مبهرة". وقارن ذلك أيضا بلقطة لمجموعة فرنسية تساعد الجزائريين وتجمع لهم الأموال، وتراهم الكاميرا من لقطة عامة جدا وهم على خشبة مسرح وهم يعدون تلك الأموال، بينما كان من الطبيعي أن يتم ذلك في غرفة صغيرة بعيدة عن الأنظار.
باختصار فإن الفيلم اهتم بالخطوط العريضة للعالم الأكبر (ماكرو)، وأهمل تماما الخطوط التفصيلية المرهفة للعوالم الصغرى (ميكرو)، وسوف ترى الشخصيات جميعا بملامح نمطية يمكن أن تلخصها في كلمة أو اثنتين، وهو ما انعكس أيضا على الشحصيات الثانية والثانوية، مثل زهرة (لويزا نهار) زوجة مسعود، أو هيلين (سابرينا سيفيكو) الفرنسية التي أحبت عبد القادر. والأهم هو وقوع الجميع – نتيجة هذا التنميط – في أداء مسرحي، مثل مشهد إعدام أحد الثوار، وبدلا من التناول المرهف والإنساني لهذا المشهد ينخرط الجميع في غناء النشيد الوطني الجزائري.
هناك فرق جوهري بين السينمائي الذي يجيد حِرْفته والسينمائي "الفنان"، الأول يكتفي بالتنفيذ الذي يبهرك وأنت تشاهد الفيلم، لكنك تنسى الفيلم تماما بعد أن تغادر قاعة العرض. أما الفنان فهو الذي يترك فيك أثرا لمدة طويلة، ويجعلك تعيد التفكير فيما كنت تتصور أنك واثق منه. الأول يتوقف عند السطح من الشخصيات والأحداث والمضمون، أما الثاني فيجعلك تنفذ إلى ما بين السطور، لترى ما لم تره من قبل، وتكوِّن رؤية جديدة لحدث قديم، رؤية ليست جاهزة أو مفترضة مسبقا. ونرجو من فنانينا السينمائيين أن ينضموا لهذا الفريق الأخير، لأننا في أمس الحاجة إلى أن يعرف العالم بقضايانا، وليس فقط أن يعرف أننا نصنع أفلاما ملحمية. والأمر لا يحتاج إلى ميزانيات باهظة كما في حالة "خارجون على القانون"، بل إنه يحتاج إلى أن نكون أبسط، وأعمق، وأكثر فنا بالمعنى الحقيقي لكلمة فن.

Saturday, June 18, 2011

سينما اللون الواحد، أسود وأسود!!



فجأة، اكتشف الشعب المصرى أنه شعب متدين، وكان هذا التدين متجسدا فى ألا نستخدم إلا "السلام عليكم" بدلا من كل أنواع التحية الأخرى، متصورين أنها "تحية الإسلام"، مع أن اليهود المتطرفين كانوا ولا يزالون يستخدمونها بلغتهم العبرية "شالوم عليكم"!! ترى هل كانت عبارات مثل "صباح الخير" و"صباح النور" و"نهارك زى الفل" و"اقعدوا بالعافية"، وعشرات العبارات الجميلة الأخرى التى تميز الشعب المصرى، هى العبارات الكافرة التى كان يقولها أبو جهل؟! هل كان يطيل لحيته بطريقة تختلف عن الرسول (ص)؟ هل لم تكن الحدود المطبقة هى ذاتها حدود الجاهلية، واليهودية من قبلها؟ أم أن رسالة الإسلام أعمق بما لا يقارن مع تلك الدعاوى الشكلية جدا، والمؤقتة جدا، والمرتبطة جدا بعصرها وبيئتها؟؟؟
كما أيقظت ثورة يناير بعضا من طاقتنا الإيجابية، فى أن نحلم بأن نصنع لأنفسنا وطنا أفضل، فإنها أيقظت أيضا الكثير من الطاقة السلبية، التى تستنفد الجهد تماما فى معارك جانبية عديدة، تدور كلها حول زعم البعض أنهم أكثر تدينا من كل المصريين الآخرين، وباتوا يعدون العدة لفرض تصورهم المقيت عن الحياة، تصور ينحصر فى تكميم أفواه الناس وتعمية عيونهم، من أجل أن يمرح من يستولون من بينهم على السلطة ويرتعون، ومن يحاول أن يفتح عينيه يجد نفسه متهما ... بالخروج عن الدين والعياذ بالله!!
ظهرت التباشير فى قول بعض الإخوان أنهم يعدون العدة لصنع فن "إسلامى"، وللأسف سوف يصدقهم البعض، متصورين أن ذلك يعنى مثلا "السينما الأخلاقية"، على طريقة السعودية التى لم تعرف طريق صناعة السينما لأنها ما تزال تناقش موضوع تحريم قيادة المرأة للسيارة. لكن إذا كان من الممكن تصور أن يحدث ذلك فى بيئة مثل السعودية، لم تخرج من الثقافة البدوية إلا من بضع عشرات من السنين، فكيف يمكن أن يطرأ على عقل إنسان أن ذلك يمكن أن ينطبق على الثقافة المصرية، التى أعطت عبر آلاف السنين مذاقا خاصا حتى لممارسة الطقوس الدينية، مثل تراتيل الكنائس وتلاوة القرآن والأذان؟
المشكلة الأساسية فى ذلك كله أن بعض "الإخوان" يزعمون – وهم يعرفون أنهم لا يقولون الحقيقة – أنهم وحدهم الذين يحمون الأخلاق، بطريقة "المطوعين" الذين يمسكون بالعصى ويطوفون فى الطرقات يضربون الناس ويسبونهم، لأنهم فرضوا أنفسهم "آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر"، ولعل القارئ يعرف مدى تحلى هؤلاء المطوعين (أو مدى تخليهم) عن الأخلاق التى يزعمون حمايتها.
أسوأ ما يمكن أن يفعله إنسان أن يختزل النشاط الإنسانى فى كلمة واحدة، أيا كانت هذه الكلمة، أو أن يجعل تلك الكلمة هى المعيار الوحيد الذى يقيس به كل الأشياء. إنهم يقولون لك أن "الدين" مثلا يفرض أن تكون السينما "أخلاقية"، لكن معنى الأخلاق عندهم ينحصر فى "الجنس"، الذى يطل عندهم برأسه فى كل همسة ولمسة وإيماءة، وربما لو كان سيجموند فرويد ما يزال حيا لوجد عندهم دليلا فشل هو ذاته فى العثور عليه لإثبات نظريته.
دعنا نرد الأمور إلى أصلها ياعزيزى القارئ: الإنسان كائن متعدد النشاطات، وبين هذه النشاطات علاقات متبادلة التأثر والتأثير، لكن لا يمكن القول على الإطلاق بسيادة نشاط منها على الآخر. إن أردت الدقة فالفن الراقى يصنع أخلاقا راقية، لكن الأخلاق الراقية لا تؤدى بالضرورة إلى فن راقٍ، وإلا كان بابا روما وعلماء الدين الإسلامى فنانين أكثر من غيرهم. والأخلاق ليست أيضا ناتجة عن نشاط واحد (أن تذهب مثلا للمسجد لأداء الصلاة بانتظام)، بل هى تعبير عن مجمل العلاقات الاجتماعية كلها، وأن تجد عملا ترتزق منه، ومسكنا لائقا تأوى إليه، وتعليما جيدا لأولادك، وعلاجا مضمونا لأفراد اسرتك، وأن يتحقق ذلك كله بالعدل، تلك هى الأخلاق، وما عداها فهى دجل ونصب وإعادة إنتاج لسلطة تسرق الناس، لكنها هذه المرة ترفع شعار الدين والأخلاق!!
لقد دافع كاتب هذه السطور دائما عن وجهين للفن: حرية الإبداع من جانب، والأخلاق من جانب آخر. والأخلاق كما نفهمها هى أن يساهم العمل الفنى فى أن يرتقى بالإنسان، بأن يدرك إمكاناته، وقدرته على صنع مصيره، هذا المصير الذى يروج بعض المتمسحين بالدين أنه خارج الإرادة البشرية. المهم هنا هو أن تناضل من أجل مجتمع عادل أولا، ثم تترك للفنان ممارسة فنه بحرية كاملة، لا أن تفرض عليه النواهى والمحظورات. وفى مجتمع عادل، ومجتمع حر، سوف تكون العملة الجيدة فى الفن قادرة على طرد العملة الرديئة, أما أن يأتى فلان وعلان ليعين نفسه "مطوعا" أو"محتسبا" فإن هذا لن يؤدى فى النهاية إلى فن مشوه ومجتمع أكثر تشويها.
والعينة بينة، فقد ظهر السيد صبحى صالح (الذى جعلوه يشارك فى الإصلاحات – أو ما يفترض أنها إصلاحات - التى هى لا مؤاخذة دستورية!!) ليعلن كفر بعض من صفوة الثقافة المصرية فى العصر الحديث، الذين إن شطبت عليهم بهذا النزق فلن تترك من هذه الثقافة شيئا مذكورا. تذكرت ذلك وأنا أتصفح بعض سطور من مقال قديم للكاتب الرائع يحيى حقى، وهو يتحدث عن تجريته خلال الطفولة مع السينما. "دخلت السينما ... وإذا بالفيلم قصة دينية، مستقاة من التوراة، كلها لت وعجن، وحركات ثقيلة، وسحن حزينة ... وأغنام ونعاج، وامرأة عجوز تتطلع إلى السماء طويلا، وشيخ يبارك قوما قد جلسوا القرفصاء".
يتساءل "الطفل" يحيى حقى فى براءة كل عاشق للسينما: "ليس فى هذه القصة لص واحد، ولا مبارزة، ولا مطاردة، ولا قطار، ولا جياد ... لماذا نسوا ماشيست وشارلى شابلن؟!" ... وهاهو صبحى صالح ومن يصدقونه يريدون مسح ماشيست وشابلن من تاريخ السينما أيضا. والفن هو المتعة التى ينكرونها على الناس ويحتفظون بها لأنفسهم وبطريقتهم ومعاييرهم، وليتهم يتركون الفن فى حاله، ويتركوننا فى حالنا أيضا، نحن المصريين الذين يعرفون الله بكل خشوع وهم يتمايلون طربا مع موسيقى القرآن. إننا لو صدقنا ما يقولون عن "شرعية" تصرف إنسانى ما، لتحولت كل الشخصيات فى الأفلام إلى تحية "السلام عليكم" دون غيرها، وربما يزعمون يوما أن هناك لونا "شرعيا" واحدا، ويقررون إلغاء كل الألوان الأخرى لأنها حرام، بينما الحرام هو ما يفعلون، فالحياة متعددة الألوان، والموت فقط له لون وحيد.

Thursday, June 16, 2011

الفيلم الإسرائيلي "مدير شئون العاملين" كيف تصنع فيلما سياسيا بارعا دون أن تتحدث في السياسة؟!


تبدو قضية السينما الإسرائيلية بالنسبة لنا دائما قضية شائكة، إذ نتجاهلها في الأغلب الأعم بتصور أن ذلك يعكس رفضنا لها، وموقفا سياسيا يقف ضد إسرائيل وما تمثله وما يمثلها. لكن أليس من الأجدى أن نطرح تصورا بديلا، أعتقد أنه التصور الأنضج في التعامل مع الحياة؟ إنك لكي تتعامل مع مرض السرطان فإن عليك أن تعرف طبيعته وحجمه وقدر انتشاره، وهذه المعرفة لا تعنى القبول به والاستسلام له، وإنما تساعدك على مقاومته. كذلك إسرائيل، فما أتصوره موقفا صحيحا هو معرفة أكبر وأعمق بها وما تنتجه في كل المجالات، وأن "تعرف" لا يعني أنك "تعترف"، وعندما تعي قدر الخطر في وجود إسرائيل فإن هذا لا يعني أنك تقول أن هذا الوجود شرعي، بل ربما كان الخطوة الأولى في الاتجاه الصحيح نحو مقاومة هذا الخطر.
مشكلتنا في الفترة الأخيرة أننا أصبحنا نكتفي بأنفسنا، نتحدث في قضايانا كأننا نتحدث إلى ذواتنا، أو إلى الذين يعرفون بالفعل ما نتحدث عنه، بينما إسرائيل تدرك تماما أنها تتحدث إلى العالم، المتعاطف معها بالفعل أو ذلك الذي تريده أن يزداد تعاطفا. كنت منذ شهور قد تناولت على هذه الصفحة الفيلم المصري "أولاد العم"، وأشرت إلى أنه يحول قضية الصراع إلى فيلم "أكشن" رديء، يفترض أن المتفرج سوف يقف إلى صف "البطل" لأنه كريم عبد العزيز، الذي يمثل ضابط المخابرات المصري، إنه يذهب إلى تل أبيب لإنقاذ امراة مصرية من براثن ضابط مخابرات إسرائيلي، ودون أن أكمل لك الحبكة لابد أنك تعرف كيف يمكن لصانع فيلم مصري أن يمضي فيها.
حاولت أن أبحث في ذاكرتي عن فيلم مصري واحد يخاطب الجمهور في العالم حول هذه القضية فلم أجد، وعلى العكس تماما هناك عشرات الأفلام الإسرائيلية التي تنقل وجهة نظرهم بقدر هائل من البراعة التي لا يمكن إنكارها. هذا ما تأكد لي مرة أخرى عندما شاهدت الفيلم الإسرائيلي "مدير شئون العاملين" أو "مدير الموارد البشرية"، الذي تقدمت به إسرائيل في مسابقة هذا العام لأوسكار أفضل فيلم أجنبي، وبرغم أنه لم ينجح في الوصول إلى التصفيات النهائية، فإنه نجح على الأقل في توصيل رسالته التي سوف نتوقف عندها هنا. أذكرك فقط في البداية أن مخرجه هو عيران ريكليس، الذي نجح من قبل في أن يقدم فيلمين بالغي التأثير، الأول هو "العروس السورية" (2004) عن زواج شابة درزية على الجانب الإسرائيلي من الحدود مع سوريا، من شاب على الجانب الآخر، ليرسم الفيلم صورة للعلاقات الإنسانية المتشابكة بين كل الأطراف، بمن فيهم الطرف الإسرائيلي المتمثل هنا في ضابط الحدود. أما الفيلم الثاني فهو "شجر الليمون" (2008) عن المرأة الفلسطينية التي تملك حديقة لأشجار الليمون، مهددة بالإزالة بعد إقامة وزير إسرائيلي بجوارها، ولا يقف معها في هذه المعركة سوى امرأة إسرائيلية هي زوجة هذا الوزير!!
ها أنت ترى أن البعد السياسي في هذين الفيلمين يتواريان في الخلفية، أو يتم التعبير عنهما بشكل رمزي خافت، وهو أمر يميز الكثير من الأفلام الإسرائيلية المعاصرة، فهي لا تجنح أبدا إلى الخطابة التي كانت تميز هذه الأفلام حتى بداية الثمانينيات، حين كان البطل الإسرائيلي تنويعا على شخصية "الكاوبوي"، بل على العكس تماما، لقد أصبح هذا البطل الآن يعاني من أزمة "وجودية" يجد حلها في قتل العربي!! بل إن هذا العربي ذاته يختفي، ليصبح في الخلفية خطرا بلا وجه لكنه يظل جاثما على الحبكة طوال الوقت، إنه موجود وغير موجود، والأفضل – كما توحي هذه الأفلام - ألا يكون موجودا حتى لا تتأزم الأمور كما تراها على الشاشة!!
ليس في فيلم "مدير شئون العاملين" عربي واحد، ومع ذلك فإنه موجود طوال الوقت!! تلك هي النظرة الفنية والسياسية البارعة التي يتخذها الفيلم كاستراتيجية له، ولتتأمل معي خط "التيمة" الرئيسية للفيلم: امرأة مهاجرة من بلد ما في أوربا الشرقية، لا يحددها الفيلم وإن كانت هناك تلميحات أنها رومانيا، هذه المرأة تحمل درجة في الهندسة لكن الظروف القاسية تدفع بها للعمل في إسرائيل كعاملة للنظافة. إنك لن ترى هذه المرأة أبدا إلا في لمحات خاطفة للقطات صورها ابنها لها في الماضي على هاتفه المحمول، لكن حضورها هنا يصبح جثة بعد مصرعها في حادث "إرهابي" في مدينة القدس، ويكون على بطل الفيلم أن يحمل هذه الجثة على عاتقه – بالمعنى المجازي أحيانا، لكن بالمعنى الحرفي أيضا أحيانا أخرى – لأن هناك التزاما "أخلاقيا يدفعه لذلك.
قبل أن أمضي معك في تفاصيل الفيلم سوف أتوقف بك قليلا عند هذه "التيمة": إن الفيلم لا يعنيه من بين كل الخطوط إلا هذه الجملة الأخيرة، الالتزام الأخلاقي الذي تتحمله إسرائيل عن طيب خاطر، إسرائيل التي تتجسد في بطل تسيل منه المشاعر الإنسانية (والدموع أحيانا) في كل لحظة تجاه حتى من لم يعرفهم من قبل، مثل هذه المرأة "المسيحية" المهاجرة، وتجاه أهلها الذين يراهم ويرونه للمرة الأولى فتجمعه بهم أواصر بشرية هي من سمات المتحضرين. من جانب آخر فإن الفيلم لا يتساءل بالطبع لحظة واحدة عن هؤلاء "الوحوش" الذين قاموا بالعمل "الإرهابي" ودوافعهم وقضيتهم، وهو بالتالي يغيِّبهم عن المتفرج كبشر، ووجودهم يُختزل في خطر الموت الذي يهدد الجميع في أية لحظة، كل ذلك والفيلم لم يتحدث في السياسة!!
يبدأ فيلم "مدير شئون العاملين" بلقطات تسجيلية لمصنع خبز تبدو كأنها إعلان رائع عن الخبز الإسرائيلي (!!)، ونرى البطل (مارك إيفانير) مستعدا لمغادرة الصنع بعد انتهاء عمله، وسوف تلاحظ على الفور أن هناك حزنا خفيا يختفي وراء قسمات وجهه، وهو ما سوف يتأكد بعد ذلك عندما نعلم أنه بعد انتهاء حياته العسكرية، وبداية حياته المدنية، لم ينجح كثيرا في زواجه بسبب تفانيه في عمله، وهو دائما يلقى اللوم من زوجته السابقة على عدم حرصه على الرعاية الكاملة لابنتهما طالبة "الباليه". هذا البطل الممزق سوف يفاجأ بمزيد من الأعباء، فالأرملة العجوز صاحبة مصنع الخبز (جيلا ألماجور، إحدى الممثلات المخضرمات في إسرائيل) تستدعيه لأن هناك مهمة عاجلة تتطلب تدخله: بسبب حادث "إرهابي" وقع منذ أيام تم العثور على جثة لم يتعرف عليها أحد، ووضعت في المشرحة حتى اُكتشف أنها امرأة تدعى يوليا تعمل في مصنع الخبز بفضل "قسيمة" مرتبها التي وجدت مع الجثة. الآن سوف يجد مصنع الخبز نفسه مهددا بالتشهير لإهماله تغيب موظفة تنتمي إليه، ومهمة البطل هي أن يعالج هذا الأمر كله.
أرجو أن تلاحظ أن الشخصيات (فيما عدا الجثة!) لا تحمل أسماء، إنها في الحقيقة رموز إن تأملت ما بين السطور، وفي حوار حميم بين صاحبة مصنع الخبز والبطل تدرك أن "الأرملة العجوز" تمثل إسرائيل ذاتها، إنها "الوطن" وهي بنص كلماتها مدينة للبطل على كل تضحياته من أجلها، لكنه مدين لها أيضا بأنها جعلت له كيانا، وحتى لو كان يشتاق أحيانا للهروب إلى حياة أكثر حرية، فهو مرتبط بها كما أنها مرتبطة به إلى الأبد. من جانب آخر هناك ذلك الالتزام الأخلاقي تجاه "الجثة"، وأنت تعرف كيف أن إسرائيل لا تتوقف عن التفاوض من أجل "رفات" ضحاياها (قارن ذلك للأسف بما تفعله بعض الأنظمة العربية تجاه شهدائها)، فالطرف الذي يهدد المصنع بالفضيحة هو صحفي (غوري ألفي) يتسم بالعدوانية ويطلقون عليه "ابن عُرْس" (أو "العِرْسة" في العامية المصرية)، فهو يطارد البطل ويتهمه بالقصور، ويخبره بأنه ليس مهتما بالجثة في حد ذاتها، فرسالته إلى الأحياء، بأن إسرائيل لن تتخلى عنهم حتى لو لقوا مصرعهم.
يحاول البطل أن يفك الخيوط المتشابكة في هذه القضية، والسؤال الذي يبدأ به: كيف لم يدرك وهو مدير شئون العاملين تغيب المرأة المهاجرة طوال هذه الأيام؟ تأتي الإجابة على لسان رئيس وردية الليل، لقد قرروا الاستغناء عن العمالة الزائدة، ومنها هذه المرأة، التي أشفق عليها رئيس الوردية فأبقاها في كشوف المرتبات حتى تجد عملا مناسبا، وفي الحقيقة أنه وقع في غرامها كأنها ملاك هبط من السماء. الكل إذن تصرف على نحو أخلاقي، وليس هناك شبهة إهمال أو ازدراء للبشر. يذهب البطل إلى حي اليهود في القدس حيث كانت تقيم يوليانا باسم "روث"، في غرفة هي أشبه بالدير الذي يوحي بالطمأنينة، ثم يذهب إلى الدير المسيحي في المدينة، باحثا عن مدفن يأوي الجثة المسكينة، وحيث يقابل راهبة (سيلينا دوري) تتحدث بدورها عن يوليانا بإنسانية بالغة، لكن الوقت يكون قد تأخر، فقد نشر الصحفي اتهاما بالتقصير للمصنع ومدير شئون العاملين فيه، وليس هناك سوى حل واحد تقترحه "الأرملة": أن يذهب البطل بالجثة إلى وطنها (كلمتا الوطن والبيت هما في العبرية كلمة واحدة).
في معظم مقالاتي عن الأفلام أحاول ألا أكشف عن كامل حبكتها، حتى أترك للقارئ مساحة للاستمتاع عندما يشاهد الفيلم بنفسه، لكن لا حل هنا سوى أن أمضي معك في بقية الفيلم حتى نحاول معا أن نفهم مزيدا من الأبعاد السياسية فيه. لقد قالت الراهبة في مشهد الدير السابق أن يوليانا قد وجدت ضالتها في مدينة القدس، برغم أن "الأمر معقد هنا لكنه يشبع الروح". غير أن البطل مضطر لأن يبدأ رحلة لم يخطط لها لإعادة الجثة إلى الوطن، مع مبلغ من المال يمثل تعزية من "الأرملة" لأهل الضحية. وإذا كان هذا الفيلم يتسم بغلالة من الحزن الجاد في الجو العام له، فإن الخط الرئيسي فيه يذكرني بفيلم إسرائيلي آخر لكنه هذه المرة يتسم بخفة الظل، هو "شعرية" (2007) من إخراج إيليت ميناحمي، و"شعرية" هو الاسم الذي تعطيه بطلات الفيلم لطفل صيني قامت السلطات على غير موعد بترحيل أمه المهاجرة غير الشرعية، ليصبح الفيلم كله رحلة لإعادة الطفل إلى الأم في مغامرات طريفة. إنك لا تملك إلا أن تتساءل: كيف لإسرائيل أن تصبح هي البطلة الدائمة لإعادة المشتتين إلى ديارهم، وهي التي تنكر على أبناء فلسطين حق العودة؟! والإجابة ياعزيزي القارئ تشير إلى وعيهم بأهمية السينما في بث رسائل سياسية دون أن ينطقوا بكلمة سياسية واحدة!
يأخذ البطل جثة الضحية في تابوت، ويصحبه الصحفي الذي ينطلق من روح شكاكة ساخرة، ليبدآ رحلة طويلة في ذلك البلد من أوربا الشرقية، حيث يخيم الجليد على كل شيء، وتتلوى الطرق عبر الجبال الوعرة والقرى المتناثرة، ويغرق الجميع في فقر مدقع وعلاقات إنسانية متوترة. يتصور البطل أنه قد وجد زوج المرأة (بوجدان ستانيوفيتش) لكي يسلمه جثتها، لكنه يكتشف أنهما مطلقان، فيبحث عن ابنها المراهق المتمرد (نواه سيلفر) لكنه يدرك أنه غير مؤهل لاستلام الجثة لصغر سنه، فيقرر أن يسافر إلى القرية التي تنتمي لها المرأة، وفي الطريق يضطر مع رفاق الرحلة أن يبيت بضع ليال في مخبأ من الهجوم النووي تحت الأرض، وعندما تتعطل السيارة التي تحملهم يكمل الرحلة في مدرعة عسكرية، حتى يصل إلى القرية حيث تقيم الجدة العجوز (إيرينا بيتريسكو) صاحبة الأخاديد العميقة على الوجه. لكن الجدة ترجو البطل أن يأخذ الجثة معه مرة أخرى إلى القدس حيث تستحق أن تدفن، في المدينة التي "تشبع الروح".
إنهم عزيزي القارئ يتحدثون عن مدينة القدس، وليست هناك كلمة واحدة عن أصحابها الحقيقيين. هل نلوم إسرائيل على أنها تصنع مثل هذه الأفلام؟ لا أستطيع أن ألوم المعتدي وحده على عدوانه إذا كان من وقع عليه العدوان لا يفعل شيئا، وينتظر من العالم أن يفهم قضيته دون أن يتحدث بكلمة واحدة مفهومة. وهنا سوف أضطر آسفا أن أدخل إلى منطقة شائكة ملغومة، عن صناعة السينما العربية بشكل عام، والمصرية بشكل خاص. لا أدري إن كنا نتحدث حقا بلغة سينمائية متماسكة وتستطيع الوصول للناس، إذا كنا والصحافة السينمائية والنقد السينمائي العربي يحتفي ببعض التجارب التي تبدو لنا راقية، وهي في الحقيقة أقرب إلى الوليد المبتسر، لا فرق في ذلك بين تجارب ما بعد الحداثة التي لم أتعاطف معها ولم أفهمها أبدا مثل "يد إلهية" أو "الوقت المتبقي" لإيليا سليمان، أو الملحمية التي تفتقد الإمساك بالخط الرئيسي كما في "باب الشمس" ليسري نصر الله، أو في الفيلم الجزائري المشترك هذا العام في مسابقة أفضل فيلم أجنبي في الأوسكار "خارجون على القانون" من إخراج رشيد بو شارب (ربما سوف نتوقف عند هذا الفيلم الأخير في مقال قادم)، أو في التغريب الذي يعشقه يسري نصر الله لكنه يفتقد أي قدر من النضج كما في "جنينة الأسماك"، أو حتى في رصانة "رسائل البحر" لداود عبد السيد، رصانة تبدو أقرب للترنم بصلاة خاصة بصانع الفيلم لكنها لا تهم أحدا غيره.
إنني لا أطلب من صناع الأفلام العربية أن يصنعوا أفلاما من نوعية خاصة (سوف يتصور البعض أنني أقصد بها الأفلام ذات الرسالة أو المضمون السياسي)، لكنني أتساءل حقا لماذا يبدون كأنهم يقفون خارج تاريخهم؟! ولماذا يحتفي النقد السينمائي العربي في مجمله بهذه التجارب كأننا نتحدث إلى أنفسنا فقط؟ وأقارن ذلك بالفيلم الإسرائيلي الذي لم يبلغ أفاقا سينمائية راقية لكنه يترك في المتفرج أثرا عميقا. أنظر مثلا إلى لقطة النهاية وحاول أن تستشف منها الرسائل الخفية بين السطور: البطل والصحفي الإسرائيليان، وقد أدركا أن مهمتهما واحدة، يدخلان المدرعة ويغلقان غطاءها عليهما، فمهما تنازع الإسرائيليون فلا حل أمامهم سوى التوحد في هذا "الوطن" المحصورين والمحاصرين بداخله، وهما يحملان التابوت الذي يرمز للمسئولية الأخلاقية التي لا يتنكران لها، بينما تمضي المدرعة – كأن القوة العسكرية وحدها هي القادرة على إكمال المهمة – نحو الشمس التي تشرق من بعيد.
في فيلم ليست فيه وجوه تتسم بالوسامة من الممثلين، ولا يمثل فيه النجوم المزيفون دائما دور الولد "الفِتِك" أو البنت ساحرة الجمال، ودون تنميط في الأداء أو افتعال الكوميديا الساذجة أو "الأكشن" الأبله، وبإيقاع بالغ الهدوء وحبكة شديدة البساطة، وباستخدام لأقصى ما في مواقع التصوير الحقيقية من إمكانات درامية دون تعمد لأن تكون اللقطات سياحية، تحدث فيلم إسرائيلي عادي تماما عن السياسة دون كلمة سياسية مباشرة واحدة. هل تدري ما الذي سوف يبقى في ذهن المتفرج، الذي لا يعرف عن القضية الفلسطينية شيئا؟ إن إسرائيل هي "مصنع الخبز"، الذي يحمله البطل أينما رحل ليهديه للجميع، فكأن إسرائيل هي صانعة الحياة، وأنت تعلم جيدا أنها تصنع الموت، لكن من يعلم ذلك غيرى وغيرك ياعزيزي القارئ؟!!

Wednesday, June 15, 2011

المخرج المصري محمد خان يبحث عن وطن



هناك تعبير يجري على ألسنة صناع الأفلام المصرية، وعلى صفحات الصحافة السينمائية، يقول أن "القاهرة هي هوليوود الشرق". وبرغم ما في هذا التعبير من بريق، فإنه ليس دقيقا تماما، خاصة فيما يتعلق بادعاء البعض أن مصر تتسم بأنها "كوزموبوليتانية"، وهو يقصدون بذلك أنها تضم كل متناقضات العالم جنبا إلى جنب، حيث تتجاور العناصر دون أن تتصارع. لكن الحقيقة يا عزيزي القارئ – كما سوف نرى – مختلفة تماما.
ليس هذا جدالا نظريا، وإنما ذكرنا به ما تم نشره على موقع "فيسبوك" منذ أيام، من مناشدات العديد من السينمائيين المصريين أن تقوم السلطات المختصة بالموافقة على منح المخرج "المصري" محمد خان الجنسية المصرية!! وإذا كان هناك في الجملة السابقة ما يبدو أنه تناقض، دعنا نفسر الأمر في البداية: محمد خان ولد في القاهرة في عام 1942 لأب باكستاني يحمل الجنسية الإنجليزية، وبرغم أن محمد خان عاش طوال عمره في مصر، وصنع كل أفلامه فيها، تلك الأفلام التي لا يمكن أن تصفها إلا بأنها "مصرية جدا"، وقال النقاد أنها تسجل لروح المكان في مصر على نحو أقوى من كل الأفلام المصرية الأخرى، برغم ذلك جميعه لم ينجح محمد خان في الحصول على الجنسية المصرية حتى الآن!!
ماذا إذن عن "هوليوود الشرق"؟! هوليوود منذ بدايتها لم تعرف لنفسها جنسية أو قومية، واستضافت الفنانين من كل بلاد العالم، ولعل أكبر موجات الهجرة إليها كانت أيام صعود التيار النازي في أوربا، وآنذاك نزح عشرات الفنانين السينمائيين من كل التخصصات إلى هوليوود، ليس لأن هوليوود تؤمن بروح ثورية ما، وترحب بالمطرودين من أوطانهم لأسباب سياسية، وإنما لأنها "صناعة" كل ما يهمها هو الكسب المادي والمعنوي، وهي ما تزال حتى الآن "تستورد" الفنانين من كل أنحاء العالم عندما تجد أنهم سوف يضيفون إليها دماء جديدة. لكن تأمل كيف أن ذلك تحول إلى نزعة مناقضة تماما خلال الفترة الماكارئية في بداية الخمسينيات، حين بدأت سلسلة تحقيقات مع الفنانين المتهمين بنشاطات "معادية لأمريكا"، أدت إلى نزوح في الاتجاه المضاد.
وهذا هو الفرق بين مصر وهوليوود، والحضارة والكوزموبوليتانية، فمصر كانت وستظل دائما تضم البشر القادمين إليها من كل بلاد العالم، شرطها الوحيد أن يصبح هؤلاء "مصريين"، ليس بالأوراق الرسمية وإنما بالثقافة الإنسانية بالمعنى الواسع للكلمة. وليس غريبا أن تجد أسماء عائلات مصرية تدل على جذور من هنا أو هناك، مثل المغربي أو العراقي أو الموصلي أو الكردي أو الطرابلسي أو التونسي أو الجزايرالي أو التلمساني ... إنها ألقاب قد تشير إلى الجهة التي نزح منها الجدود، لكن لا يترتب عليها أبدا تفرقة من أي نوع بين مصري وآخر.
تلك هي "البوتقة" التي انصهرت فيها عوامل ثقافية عديدة في السينما المصرية على سبيل المثال، فمنذ البدايات الأولى لهذه الصناعة كان الإيطاليون المتمصرون هم الرواد، وتلاهم الشوام الذين كانوا يعملون في المسرح. وسوف تجد اسم ألفيزي أورفانيللي (الإيطالي) مصورا للعديد من الأفلام المصرية حتى بداية الستينات، وهو الذي عرف – وغيره من الإيطاليين العاملين في السينما المصرية آنذاك - أن اكتساب جمهور للأفلام يعتمد على وجود ممثلين مصريين وعرب، مثل فوزي الجزايرلي (واسمه يدل عليه) في "مدام لوريتا" (1919)، أو علي الكسار في "الخالة الأمريكانية" (1920)، أو فوزي منيب في "خاتم سليمان" (1922)، وجميعها أفلام قصيرة تسبق حتى التاريخ الرسمي لميلاد السينما المصرية.
وسوف توضع اللبنات الأولى لهذه السينما من خلال جهود التركي وداد عرفي، والأخوين ابراهيم وبدر لاما الفلسطينيين المهاجرين إلى شيلي في أمريكا اللاتينية. لكن إذا كان جهود هؤلاء متناثرة أو منسية أرجو أن تتأمل دور الفنانة آسيا، التي جاءت إلى مصر في عام 1923ولحقت بها ابنة شقيقتها ماري كويني، ولكل منهما إسهامات أساسية في السينما المصرية، لأنهما أثبتا القاعدة التي تقول أن الجنسية المصرية ليست منحة بل اختيارا من الشخص ذاته. لقد قررتا أن وطنهما هو مصر، وقامتا بتطوير مفاهيمهما عن السينما وتطوير السينما المصرية ذاتها، والتفاعل مع الظروف الاقتصادية، وتحولتا من التمثيل إلى إنتاج بعض من أهم الأفلام المصرية، مثل "رد قلبي" (1956) و"الناصر صلاح الدين" (1963) و"يوميات نائب في الأرياف" (1968).
يمكنك أن تعدد عشرات الأسماء في هذا السياق، لتكتشف أن العديد منها ليس من جذور مصرية خالصة لكنها مع ذلك مصرية مائة في المائة، بل إتك تستطيع أن تقول أنه بدون هذه الأسماء لم يكن للسينما المصرية – والفن المصري بشكل عام – أن يبلغ من النضج والتأثير ما استطاع تحقيقه. تأمل مثلا استيفان روستي، الإيطالي المجري (وفي بعض الأقوال النمساوي!!)، لكنه مصري حتى النخاع، ولن تجد من ينطق العامية المصرية بتلك الروح الساخرة التي كان متميزا بها. وسوف أذكرك هنا بأسماء أخرى دون أن أقول لك جذورها، إثباتا فقط لفكرة أن مصر لم يكن يعنيها أبدا من أين أتى هذا أو ذاك، ما دام قد اختار مصر وطنا وثقافة: نجيب الريحاني، ماري منيب، أنور وجدي، فريد الأطرش، أسمهان، هنري بركات، أحمد بدرخان، ليلى مراد، نور الهدى، فايزة أحمد، وعشرات غيرهم.
لم نسأل أبدا عن جذور أي من هؤلاء، فلماذا اليوم نتوقف عند محمد خان الذي ينتظر أوراقا مصرية تثيت هويته؟! لماذا التقاعس عن منحه إياها، وإن كان الأدق التشرف بمنحه إياها؟ يستطيع المرء أن يفهم ذلك الشعور الذي ينتاب محمد خان، وصرح به منذ ثلاث سنوات لكاتب هذه السطور خلال إعداد كتاب عنه: "يراودني في أغلب فترات حياتي شعور بعدم الأمان، حتى لو لم أجد لذلك أسبابا قوية ... ريما يكون السبب انحداري من "خليط" من الجنسيات، لكنه إحساس ينبع أحيانا من أن البعض يرغمونك على أن تشعر بنوع من "الغربة" إلى درجة المهانة. إنني أتساءل عن مصيري إذا تغيرت الظروف السياسية لسبب أو آخر، وصدرت قرارات بترحيل كل "الإنجليز"، ترى إلى أين أذهب؟ وماذا أفعل هناك؟ وهل يجب عليّ عندئذ أن أترك الوطن لأعيش في المنفى؟!".
محمد خان اختار مصر لتكون "الوطن"، بينما عبر عن انجلترا التي يحمل أوراقها بأنها "المنفى"!! ومع ذلك فإننا نتردد في أن نمنحه أوراقا لن تغير من الحقيقة الجوهرية القائلة بأنه مصري أصيل. ومنذ فيلمه القصير "البطيخة" في منتصف السبعينات، للموظف المصري العائد من عمله حاملا "البطيخة"، تدرك أن محمد خان عين مصرية خالصة، وهو الذي قام في أول أفلامه الروائية الطويلة "ضربة شمس" (1980) بتسجيل شوارع القاهرة خلال أوقات النهار والليل، وما تزال اللقطة الأخيرة لميدان التحرير عند الفجر توحي لك بقلب هذه المدينة، التي تتصور أنها نائمة لكنها تبقي عينيها مفتوحتين، تماما كما تفتح ذراعيها للجميع من أبناء البشر، الذين يرتضون بها أما رؤوما. وإذا كان المثل السائر يقول أن "مصر أم الدنيا"، فلا يجب أن نحرم هذه الأم من أبنائها، خاصة عندما يكونون بقدر مكانة وحب ومصرية محمد خان.

Monday, June 06, 2011

فيلم "المجهول" رحلة البحث عن الذات المفقودة


ربما كان أكثر الكوابيس تعبيرا عن الإحساس بالـ"بارانويا" هو ذلك الذي يجسده الفيلم الأمريكي "المجهول": يستيقظ البطل من آثار حادثة جعلته يغيب عن الوعي أياما أربعة، وعندما يعود إلى عالمه يكتشف أن زوجته تنكره، إنها تقول أنها لا تعرف من هو، بينما هناك رجل آخر يحتل مكانه وينتحل اسمه، وعندما يحاول البطل أن يمضي في رحلة تأكيد ذاته يكتشف أنه هدف لمن يطاردونه ولا يرضون عن قتله بديلا!!
تلك هي الفكرة الرئيسية في فيلم "المجهول" Unknown، والتي يمكن أن تجد لها بذورا في أعمال فنية أخرى، كان أشهرها وأهمها مسرحية الكاتب الفرنسي جان أنوي "المسافر بلا متاع" التي كتبها في عام 1937، واقتبستها فيما بعد العديد من الأعمال الفنية الأخرى، لكن هذه المسرحية تحمل ظلالا أبعد من مجرد ذلك الإحساس بالبارانويا، أو الجنون الذي يمزج بين الشعور بالعظمة والاضطهاد في آن واحد. إن البطل "المسافر بلا متاع" عائد من الحرب، التي أفقدته ذاكرته، فهو لا يعرف من هو وما هو الماضي الذي ينتمي إليه، وهو يتنقل بين أسر عديدة باحثا عن ذاته، بلا جدوى، وعندما يقترب من التعرف على أسرته ويسترد ماضيه، يدرك أنه ماضٍ بشع مليء بالمفاسد الأخلاقية. وفي مثل هذه الحبكة يتوقع المتفرج أن البطل سوف يتعلق دائما بأية قشة تعيده إلى جذوره، لكن أهمية "المسافر بلا متاع" هو أن بطلها يرفض هذا الماضي، ويرفض معه ذاته كما كانت، ويبدأ حياة جديدة من اختياره.
كان جان أنوي في هذه المسرحية على قدر كبير من البلاغة والوضوح في بلورة فكرة الفلسفة الوجودية في الجانب الأرقى منها: ليست هناك هوية مفروضة علينا، وقد يكون وجودنا الجسماني سابقا على هويتنا، لكننا نحن الذين نختار هذه الهوية، ونكون مسئولين عن اختيارنا. ومن الأعمال السينمائية التي اقتفت أثر "المسافر بلا متاع" الفيلم الأمريكي "هوية بورن" (2002) من بطولة مات ديمون وإخراج دوج ليمان، والاسم ذاته يحمل تورية إذ يمكنك أن تفهمه على أنه "الهوية الوليدة من جديد"، والبطل هو جيسون بورن، الذي يفيق من غيبوبة فاقدا ذاكرته بعد محاولة اغتياله فيكتشف أنه هدف للقتل، وفي رحلة هروبه يعرف أنه كان عميلا للمخابرات على درجة فائقة من الخبرة في فنون القتال، التي تساعده في حربه التي فرضت عليه الآن، ولأنه يدرك أنه كان آلة من آلات التدمير فإنه يرفض الاستمرار في هذه الهوية البغيضة، ليختار لنفسه هوية جديدة.
يبدو فيلم "المجهول" في جانب منه شبحا بالنسبة لسلفه "هوية بورن"، وأكثر شبحية لمسرحية "المسافر بلا متاع"، لكن أهمية "المجهول" بالنسبة لنا هي أنه تعبير عن الإحساس بالبارانويا الذي يستقر في الوجدان الجماعي للشعب الأمريكي، والذي تغذيه آلة الإعلام والفن والثقافة والسياسة، إنه الإحساس الذي عبر عنه جورج بوش الصغير ووافقه عليه الشعب الأمريكي في حربه المشينة على العراق، حين أعلن أنها دفاع عن "الطريقة الأمريكية في الحياة"، وكأن هناك أنواعا عديدة من الحيوات المختلفة والمتفاوتة في قيمتها، لذلك لا تهتز لهم في أمريكا شعرة عندما يلقى الآلاف من الأبرياء غير الأمريكيين مصرعهم، بينما يبكون فقدان جنودهم على أرض أجنبية قد احتلوها!
كيف تفعل الأفلام الأمريكية ذلك وتؤكد عليه بشكل قد لا يشعر به المتفرج، لكنها تترك فيه أثرا عميقا؟ دعني أبدأ من النقطة الأخيرة: في رحلة البطل الأمريكي للهرب من مطارديه يلقى العشرات مصرعهم، في مطاردات السيارات وحرائقها، وفي الانفجارات، وتبادل إطلاق الرصاص، ونحن لا نلتفت لحظة واحدة لهؤلاء الذين ماتوا بالصدفة، ولا ذنب لهم في كل ما يجري، لأن الأفلام تجهزك من اللحظة الأولى للتوحد مع البطل. وإذا كان لهذا التوحد مزاياه في تفاعل المتفرج مع ما يراه على الشاشة، فإن له خطره أيضا حين لا نرى شيئا إلا من خلال منظور هذا البطل وحده، أما ما عداه فهم مجرد "كومبارس" أو حتى "أكسسوار"، ليست لدينا لحظة واحدة لتأمل مصائرهم والشفقة عليهم.
إنها البارانويا ياعزيزي القارئ، الإحساس بأن هناك حياة أفضل من حيوات كل الآخرين! وتكتمل البارانويا في فيلم "المجهول" من خلال البناء الدرامي لنصف الساعة الأولى منه: نحن في طائرة تشق السحاب، وفيها الرجل الوسيم مارتين هاريس (ليام نيسون) الذي ترمي زوجته ليز (جانيواري جونز) برأسها على كتفه وهي تغط في نوم عميق. أليست هذه صورة لعلاقة زوجية رقيقة ودافئة، حيث الزوج هو الحارس اليقظ الساهر على زوجته التي تشعر بالأمان معه؟ تمهل أيضا فما تزال هناك خطوط لتأسيس العلاقة بين الزوجين، ففي وعي الزوج مارتين هاريس ذكريات جميلة عن زواجهما، يجعلنا الفيلم نراها معه على الشاشة، كما يتيح لنا الفيلم أيضا أن نرى ونسمع أكثر من مرة معلومات عن جواز سفره، إنه مارتين هاريس بلا جدال، عالم النبات الذي أتى إلى برلين لحضور مؤتمر للعالم الألماني بريسللر المتخصص في الكيمياء الحيوية، تحت رعاية وتمويل أمير عربي، يعلنان فيه عن التوصل إلى تقنية جديدة توفر الغذاء للدول الفقيرة في العالم.
لا يساورك الشك لحظة واحدة في هذا التأسيس للشخصية الرئيسية للبطل، لذلك سوف تصدمك المفاجأة القادمة كما تصدمه هو نفسه تماما. إنه يكتشف أنه نسي حقيبة في المطار، وقبل أن يدخل الفندق – الذي سبقته زوجته إلى دخوله وحدها – يقرر العودة إلى المطار في سيارة أجرة، تقودها تحت المطر السائقة الحسناء جينا (دايان كروجر)، التي يطلب منها أن تسرع، لكن ثلاجة تقع من شاحنة أمامها فتحاول ألا ترتطم بها، فتنزلق السيارة وتحطم حاجز الجسر وتسقط في النهر. ولولا شجاعة دينا فإن مارتين هاريس كان سيلقى حتفه في الحادث، إن قلبه الذي توقف لدقائق يعود إلى النبض، وها هو يستيقظ في المستشفى بعد أربعة أيام من الغيبوبة، فيقرر أن يذهب إلى الفندق مسرعا لأنه قلق على زوجته التي لابد أنها لا تعلم عنه شيئا، وهناك يرتطم بالصاعقة: إن زوجته تنكره تماما، إنها لا تعرفه ولا تعرف أسباب ادعائه بأنه زوجها، كما أن رجلا آخر (إيدان كوين) يظهر معها وهو يحتضنها في حنان، ويقول أنه .... مارتين هاريس!!
براعة مثل هذا الاستهلال في سيناريو أوليفر بوتشر وستيفن كورنويل (عن رواية "من داخل رأسي" للكاتب الفرنسي ديدييه فان كوالير) هو أنه جعلك في الدقائق الأولى ترى العلاقة بين الزوجين، وبعضا من ذكرياتهما الحميمة، وجواز السفر الخاص بالبطل، لذلك فإنك تجد نفسك – دون وعي كامل منك – تشاركه إحساس البارانويا. تخيل مثلا أن الفيلم يبدأ من لحظة أخرى، مع استيقاظ مارتين هاريس في المستشفى، ساعتها سوف تكون الهواجس خاصة به وحده، وربما تشك أنت فيها مع كل من يشكون في ادعائه داخل الفيلم، لكنك لن تجد لهذا الشك سبيلا وقد كنت شريكه في ذكرياته وهويته التي باتت معرضة الآن للضياع والإنكار، وأصبح هو ذاته معرضا للقتل في المستشفى تارة، وفي شوارع برلين المظلمة تارة أخرى، وأنفاقها المظلمة الخالية تارة ثالثة.
ترى ما السبب في إنكار الزوجة ليز له؟ وما هي حكاية مارتين هاريس الآخر؟ من هو مارتين الحقيقي فيهما؟ ولماذا هناك قوى غامضة تحاول تصفيته؟ ألمجرد أنه يحاول إثبات هويته؟! هل هو فاقد للذاكرة؟ أم أنه ضحية مؤامرة؟ وفي الحالتين: ما هي ذاكرته الحقيقية؟ أو من الذين يريدون اغتياله ولماذا؟
لن أجيب عن أي من هذه الأسئلة لأنها السبب "التجاري" وراء صنع الفيلم، فلن أحرمك من "متعة" معرفة الإجابة عليها بنفسك عندما تشاهد الفيلم. لكن ما نريد تأكيده هنا هو أن تلك الأسئلة جميعها تلتقي في بؤرة واحدة، وهي التأكيد على إحساس هوس العظمة والاضطهاد في بطل الفيلم والمتفرج على السواء. إنك سوف تمضي مارتين هاريس في رحلة التأكد من حقيقته، عندما يذهب إلى العجوز يورغين (برونو جانز) الذي كان يعمل في السابق في الشرطة السرية النازية، إن مارتين يسأل يورجين: هل تصدقني؟ وهو بدوره لا يملك إلا التصديق، فكل المقدمات تشير إلى أن البطل يبحث عن الحقيقة، بينما يمثل خصومه طرفا يلفه الغموض، خاصة لأن الفيلم لا يسمح لهم بصوت في السرد، ولأنه اختار أن يضعك في مكان مارتين هاريس وحده.
وبقدر براعة السيناريو في إحكام ذلك الإحساس الكابوسي، فإن هناك نقاط ضعف عديدة في الفيلم. تأمل على سبيل المثال تلك المصادفات التي توالت في البداية، وما كان لها أن تجتمع لولا التعسف الذي يرغمك الفيلم على التجاوز عنه: نسيان الحقيبة في المطار برغم أن فيها وثائق هوية البطل وزوجته، واكتشافه نسيانها قبيل دخوله الفندق فلن يتعرف عليه أحد عندما يعود إليه بعد أربعة أيام، والحادث المروع على الطريق، وإنقاذه على يد السائقة الحسناء جينا، التي سوف تختفي عن الأنظار طويلا قبل أن تظهر في السيناريو مرة أخرى. إنك يمكن أن تتساءل مثلا: لماذا سائقة وليست سائقا؟ وأنت تعرف بالطبع أنها المقاييس التجارية التي تفرض وجود علاقة عاطفية بديلة عن العلاقة التي فقدها البطل مع زوجته، كما يضيف الفيلم ملامح أخرى، فهي مهاجرة غير شرعية قادمة من البوسنة، وتعمل أحيانا في مطعم تركي من المطاعم المنتشرة في برلين، وتحلم أن تحصل على إقامة شرعية بعد أن تجمع قدرا من المال، وهو ما يربطها بمارتين هاريس في البداية لأنه يوفر لها هذا المال بالفعل، لكنها تكتشف الأخطار القاتلة، وتساعد البطل في القضاء على بعض "الأشرار".
من جانب آخر فإن الفيلم عبر سريعا على بعض الشخصيات التي كان من الممكن أن تصبح أكثر عمقا، وهو يتعامل معها جميعا (كما تعامل مع "لغز" الفيلم في النهاية) عن طريق الحوار وليس عن طريق الحدث الدرامي. ولولا براعة الممثل الألماني برونو جانز لأصبحت شخصية المفتش يورغين باهتة تماما، ولعلك تذكر جانز في الدور الشهير لشخصية هتلر في فيلم "السقوط" (إنه الفيلم الذي تحول أحد مشاهده المهمة على موقع "يوتيوب" إلى مادة لسخرية جامحة من السياسيين من جميع أنحاء العالم!!)، كذلك دوره عندما كان شابا في فيلم المخرج الألماني فيم فيندرز "أجنحة الرغبة" في دور الملاك الذي يقع في حب لاعبة السيرك. يعطي فيلم "المجهول" لبرونو جانز "مونولوجات" طويلة يتحدث فيها عن عمله المخابراتي القديم، الذي لا ينكره بل يفخر به، وهو يلتقي بصديق قديم لمارتين هاريس يدعى رودني كول (فرانك لانجيلا) الذي جاء إلى برلين لقتل مارتين وليس لإنقاذه، فيدرك يورغين أنه (لسبب غامض سوف ندركه لاحقا) ليس أمامه أيضا إلا الانتحار. تأمل أداء برونو جانز لهذه الشخصية: انحناءة ظهره، وطريقة إمساكه للسيجارة، والسعال الذي ينتابه من لحظة إلى أخرى، وتلك اللحظة التي وضع لنفسه السم في "فنجان" الشاي وتقليبه له في هدوء وأسى، فكلها لمسات الممثل العظيم الذي يدرك أن عليه وحده أن يكسو الشخصية التي يؤديها لحما ودما.
المشكلة الحقيقية في فيلم مثل "المجهول"، وكذلك سلسلة "بورن" من قبله، هي الإمساك بنغمة سائدة في الفيلم كله، لكن الجو الكابوسي الذي يفترض أنه المسيطر في هذه الدراما يغرق كثيرا في مشاهد "الأكشن"، ويبدو أن خبرة المخرج الأسباني الشاب جوم كوليه سيرا لم تسمح له بالسيطرة على الإيقاع العام للفيلم، خاصة أن خبرته السينمائية تكاد أن تنحصر في أفلام الرعب، مثل "متحف الشمع" و"اليتيمة"، لذلك أصبح الفيلم تمرينا في إخراج مشاهد مطاردة السيارات وانفجارها، حتى أن أحد هذه المشاهد يستغرق سبع دقائق كاملة (!!)، يكاد المتفرج خلالها أن ينسى الحبكة الرئيسية للفيلم، وهي الحبكة التي تدور حول فقدان الهوية، ومحاولة استردادها.
في أحد مشاهد الفيلم المهمة، يذهب مارتين هاريس إلى معمل العالم الألماني بريسللر الذي جاء مارتين إلى برلين لمقابلته وحضور مؤتمره، إنه يريد أن يؤكد لبريسللر أنه مارتين الحقيقي، وهناك يجد مارتين الآخر. إن كلا منهما يردد نفس المزاعم عن أنه "مارتين"، يكمل كل منهما جملة الآخر، كأنهما الواقع وصورته في المرآة، لكنك لا تعلم أين الواقع، وأين الصورة، بل إنك لا تعلم (وذلك مربط الفرس في الحبكة كما سوف تكتشف عندما تشاهد الفيلم) إذا ما كان الواقع نفسه أصيلا أم زائفا، تماما كما أن البارانويا تبدو مرضا أمريكيا لصورة زائفة عن الذات، وإدراك مشوه عن العالم.

Sunday, June 05, 2011

لم يعد هناك مكان لزوزو!!


انتهيت لتوى من مشاهدة فيلم "خللى بالك من زوزو"، الذى مر على إنتاجه الآن حوالى أربعين عاما، تغيرت فيها مياه كثيرة فى النهر، أو قل إن النهر توقف عن الجريان، فأصبحت مياهه راكدة آسنة، تفوح منها رائحة العطن.
تساءلت بينى وبين نفسى: إذا ظهرت سعاد حسنى الآن، هل سوف يتاح لها أن تصبح نجمة لامعة كما كانت بالنسبة لنا طوال عقود الستينيات؟ بكل الأسى سوف تكون الإجابة هى النفى، لأن المجتمع المصرى اكتشف فجأة أنه "متدين"، بالمعنى السطحى للكلمة، وكأن أجدادنا وآباءنا وأمهاتنا لم يكونوا كذلك!!
يحكى "خللى بالك من زوزو" - كما لابد أن القارئ يعرف – عن الفتاة التى نشأت فى شارع محمد على، الذى كانت وظيفته صنع البهجة حتى لو كان أبناؤه يتجرعون الألم، وهم إذا أرادوا الخروج من الوصمة التى ألصقها بهم المجتمع، أعادتهم القيم التقليدية إلى عالمهم مرة أخرى، لكن الفيلم ينتصر فى النهاية لقيم التصالح مع النفس، إن زوزو لن تتنكر لأهلها ولن تنكرهم، وهى فى الوقت ذاته تنجح فى أن تجد لنفسها مكانا تحت الشمس، بالعلم والعمل والموهبة والتفوق.
ترى ماذا يمكن أن يقول المجتمع المصرى الآن لزوزو؟ سوف يقول لها: ليس لك أى مكان تحت الشمس، مكانك فى الظل، فأنت عورة يجب أن تختفى، ونحن لن نرى فيك إلا جسدا يثير شهواتنا، والعيب ليس فينا نحن الذين نحيل كل شىء إلى الجنس، بل فيك، لأنك .... امراة!!
وبالطبع فإن مثل هذا الفيلم، الذى أوصل رسالته بقدر كبير من متعة الفرجة، لن يجد اليوم فرصة للإنتاج، لأنه سوف يكون هدفا للقادمين من كهوف التاريخ، ويزعمون أنهم يتحدثون باسم الدين. إنهم ينسون أن مصر ليست صحراء بلاد العرب، أو كهوف أفغانستان، إنها الوادى الذى عرف كيف يغزل الدين والدنيا فى بوتقة أخلاقية واحدة، هى الإيمان بالإنسان، لا فرق بين عِرْق أو جنس أو عقيدة، وهو يؤمن أيضا بأنه لا تعارض بين مرضاة الله والاستمتاع بالحياة.
إنهم يخططون لقتل زوزو، ودفن تراث الضمير الإنسانى المصرى، وفن تلاوة القرآن ونداء الأذان بالطريقة المصرية النشوانة، وتحويلهما إلى ذلك النشاز الذى يزعمون أنه "الشرعى"!! أرجو ألا نصدقهم أبدا، وألا نتخلى عن تلك الطبقات من الحضارة عبر عصور الديانة المصرية القديمة، والمسيحية، والإسلام، لأنها الجذوة التى جعلت مصر وطنا مختلفا، يعرف المعنى الحقيقى للدين وهو يمارس أجمل ما فى الحياة.