Monday, March 07, 2011

عن أبى وعبد الحليم وعبد الناصر.. "ذات ليلة"



ملاحظة أولية
تعود هذه المقالة إلى تاريخ 29 مارس 2007
ربما فات عليها الزمن
لكننى ما زلت أنتظر
ذات ليلة


كان أبى رحمه الله إنساناً بسيطاً، فى عمله وحياته وملبسه ومأكله ومشربه، وعندما يخلو إلى نفسه بعد عناء يوم طويل يجلس إلى جوار المذياع، لا يسمع فيه إلا تلاوة القرآن ونشرة الأخبار وأم كلثوم، ولم تكن له علاقة مباشرة بالسياسة، لكننى أدركت من حرصه على سماع النشرة اهتماماً عفوياً وأصيلاً بأحوال البلاد فى تلك الفترة من بدابة الخمسينات. مازالت أذكر ذلك اليوم، وأنا أراه يستمع إلى خبر عن نجاح الضباط الأحرار فى توقيع اتفاقية الجلاء "بدون قيد أو شرط"، فى تلك اللحظة نظر تجاهى وابتسامة الفرحة تنطلق على شفتيه اللتين كان من النادر أن تزايلهما الصرامة، وفى عينيه التماعة الفخر، وهو يقول لى بينما يشير إلى المذياع: "سامع؟! بدون قيد أو شرط". لا أدرى إن كنت قد فهمت حينئذ معنى الكلمات، لكن من المؤكد أن فرحة أبى وفخره تسللا إلى وجدانى، فى ذلك الزمن الذى غنى فيه محمد قنديل "ع الدوار، راديو بلدنا يجيب أخبار"، وصدح كارم محمود: "أمجاد ياعرب أمجاد، فى بلادنا كرام أسياد" التى صارت شارة وأشارة على الإذاعة التى أطلقها عبد الناصر، وحملت اسم "صوت العرب".
كان عبد الحليم حافظ جزءاً من ذلك المناخ، الذى كانت فيه مشاعر "الوطنية" تتخلل كل نواحى حياتنا، ببساطة بالغة ودون زعيق أو افتعال، على عكس ما يردده البعض من اتهامات للأغنيات الوطنية لثورة يوليو بالصراخ والافتعال، لكن السمة الحقيقية لها فى تلك الفترة كانت الصدق فى التعبير، لأن "الوطنية" لم تكن – كما أصبحت فيما بعد – تجارة وشطارة، بل مشروع حياة تسودها العدالة الاجتماعية، لذلك لم يكن غريباً أبداً أن يغنى عبد الحليم حافظ فى بداية حياته بلسان العامل، بكلمات عبد الفتاح مصطفى وألحان عبد الحميد توفيق زكى :"بدلتى الزرقة لايقة فوق جسمى، فى جمال لونها مركزى واسمى، بدلتى الزرقا من نسيج إيدى، لبسها يزينى حتى يوم عيدى"، فكأن تلك الفترة كانت - بعد موجة 1919 وسيد درويش – الموجة الثانية للأغنيات التى تنطق باسم "تحالف قوى الشعب العاملة" الذى ألغاه دستور الاستفتاء، وفى بساطة تلك الكلمات والألحان والأداء عرفت من هو الشعب بالمعنى الحقيقى للكلمة.
أقول "عرفت" لأنه لم يكن من بين أفراد عائلتى عامل يرتدى "بدلة زرقا"، لكننى توحدت تماماً مع عبد الحليم حافظ عندما غنى أغنية تحمل عنوان "ذات ليلة" فى عام 1959. كنت عندئذ فى الثانية عشرة من عمرى، وكنت قد أدركت كم عانى أبى من أجل تعليم أخواتى الكبار، وكأنه يناضل لكى يجد لهم مكاناً تحت الشمس، بينما استطاع أن يلقى العبء عن كاهله بتعليمى وإخواتى الأصغر فى ظل "مجانية التعليم" التى أتاحته الثورة له ولكل أفراد الشعب. كانت أغنية عبد الحليم من كلمات مرسى جميل عزيز وألحان كمال الطويل، وتحكى عن طالب يسهر الليالى لكى يشق طريقه لكن الصعوبات الاقتصادية تقف فى وجهه حتى تأتى الثورة فتفتح الأبواب للجميع، كل ذلك بكلمات غاية فى البساطة وألحان تقترب من حافة الدراما وأداء بالغ الصدق: "ذات ليلة وأنا والأوراق والأقلام فى عناق، نقطع الأزمان والأبعاد وثباً فى اشتياق.. ذات ليلة هبت الريح وهزت فى عناد بابيا، أطفأت أمن حياتى أطفأت مصباحيا.....لم أجد ناراً لدى، لم أجد فى البيت شى، غير أم هى لا تملك إلا الدعوات، وأب لم يؤت غيرى للسنين الباقيات، والنهايات السعيدة، أصبحت عنى بعيدة، ذات ليلة وأنا رهن الظنون المجدبة، دقت قلوب طيبة، قالت انهض وتقدم لا تبالى، بالليالى وتصاريف الليالى... قم فباب العلم رحب فى انتظارك، قم وشارك وابن بالعلم الوطن، قلت من أين أتـى هذا الشعاع، قالت الأصداء من قلب شجاع. إنه قلب جمال".
بالطبع كان هو جمال عبد الناصر، وليس أى جمال زائف مصطنع، ومع الأغنية كان صوت عبد الحليم يأخذنى من الضياع إلى الأمل إلى الفرحة، لأدرك بحق مدى "النعمة" التى أنعم بها، وأسهر الليالى "وأنا والأوراق والأقلام فى عناق"، وأنظر إلى أبى وهو يسبح بحمد الله. ذهب ذلك كله أدراج الرياح، وأصبحت كلمات مثل "الوطنية" أو "مجانية التعليم" تثير إما الحسرة أو السخرية، وألغيت "المكاسب الاشتراكية" وحلت محلها "البيئة" فى الدستور، وكأنه "دستور بيئة"، واجتمع اللاصقون العرب فى كراسى السلطة لكى يقدموا لإسرائيل عربون محبة تحت اسم "المبادرة العربية" وهم يعلمون أن إسرئيل لن ترضى إلا بالرضوخ الكامل، ولا يعلمون أن اعترافهم بكيان استعمارى أقيم بذريعة دينية يفتح أبواب جهنم أمام كل التيارات السياسية الدينية التى يتصورون أنهم سدوا الطريق فى وجهها بنص دستورى. لذلك كله أحن إلى صوت عبد الحليم، وزمن عبد الناصر، وتلك النظرة من الفرحة والزهو والكبرياء التى رأيتها فى عينى أبى عندما عرف أنه جلاء "بدون قيد أو شرط"، وكم أتمنى قبل أن أموت أن تعرف تلك النظرة طريقها إلى عينى، "ذات ليلة".

Saturday, February 26, 2011

السينما تريد تغيير النظام



عندما طلب منى صديقى العزيز، وزميلى ورئيسى فى صفحة الفن ماهر زهدى، أن أكتب عن تصورى حول إصلاح حال السينما المصرية، كدت أن أعتذر لأننى كتبت كثيرا عن هذا الموضوع، وكانت المرة الأخيرة فى العدد 1234 من جريدة العربى، الصادر فى 28 نوفمبر الماضى، وبالطبع ذهبت الكلمات أدراج الرياح، وهو ما يجعلنى أشعر بالسأم من التكرار، ولا أريد أيضا من القارئ أن يشعر أنه قد قرأ هذه الكلمات من قبل. حاول صديقى تذكيرى بأن "مصر قبل 25 يناير غير مصر بعد 25 يناير"، ولم أعرف إن كان يجب علىّ أن أضحك أم أبكى، فبرغم ما فى هذا الشعار من بريق، فإنه بمعايير التغير التاريخى لا يعنى شيئا محددا، فلا الشعوب تتغير بين عشية وضحاها، ولا رياح التغيير تمضى دائما كما تشتهى السفن، فالأمر مرهون بإرادة ملاحيها، وبما يأخذونه من وسائل لتوجيه السفينة إلى مرفأها المبتغى.
أقنعنى صديقى ماهر فى النهاية بأن واجبنا الآن أن ندفع بكل ما نملك من قوة فى اتجاه التغيير المنشود، وها أنا أفعل قدر ما أستطيع، لكنى أذكّر قارئى فقط بأن حسن النوايا لا يكفى، وكم من ثورة أسفرت عن أنه لا جديد تحت الشمس، عندما لم تتوفر أدوات التغيير الحقيقى. وما زلت أومن – وأرجو أن يعذرنى القارئ فى هذا التشاؤم فى فترة يسود فيها التفاؤل – أن الثورات بقدر ما تفجر فى الشعوب أفضل ما فيها من نور ساطع، فإنها تفتح أيضا أنفاقا مظلمة لأسوأ ما فيها، فما تزال فى قصة الثورة المصرية فصول وفصول، يكتبها من يملك وضوح الرؤية وقوة العزيمة. وهناك يا قارئى العزيز من يريد سرقة الثورة، وهناك من يريد إعادة عجلاتها إلى الوراء، وهناك أيضا من سوف يركن سريعا ومرة أخرى إلى اليأس من التغيير للأفضل، حين يتأخر قطف الثمار، أو حين تتسلل الثعالب فى الليل لتلتهمها قبل الأوان.
وعندما نتحدث عن إصلاح حال السينما فلابد أن نتأمل الأبنية المادية والمعنوية التى تقوم عليها، وهى الأبنية التى كانت خلال الأربعين عاما الأخيرة جزءا من سياق أشمل، أدى بالسينما إلى ما آلت إليه من تدهور على مستوى الفن والرسالة بل والمتعة أيضا. فالسينما مثل كل النشاطات الإنسانية الأخرى جزء من كل، وهى لا تستطيع أن تفصل نفسها أبدا عن السياق، فإذا كان سياقا يقوم على النزعة الاستهلاكية الفردية (أو ما أسميه دائما نزعة البحث عن الخلاص الفردى والنجاة من الطوفان)، فلا تنتظر أبدا فنا يسعى إلى أن يخاطب "جمهورا" بالمعنى الحقيقى للكلمة. وكلمة الجمهور هنا تعنى وجود البعد الاجتماعى المشترك بين أبناء الوطن، الذين تجمعهم أحلام وآلام متقاربة، وهناك فنون جماعية بطبعها (لا أقول بأبعادها "الأونطولوجية" حتى لا أتلقى اتهامات من أقرب الناس لى – مثل أخى الأكبر - بالتقعر!)، مثل السينما والمسرح، فهى تعتمد فى تلقيها وتذوقها على اجتماع الجمهور معا فى مكان واحد وزمان واحد، وهو الاجتماع الذى لا يقتصر على الوجود الجسمانى فقط، فالأهم هو الوجود النفسى، إننا فى ظلام قاعة العرض نتخلى عن جانب كبير من فرديتنا ونصبح كلا واحدا، نذرف الدموع معا على البطلة فى محنتها، ونشهق من الخوف فى لحظة مفاجئة من فيلم رعب، أو ننتشى بالشجن فى مشاهد النبل الإنسانى العميق.
إن تلك التجربة المشتركة للتذوق لا تتحقق أبدا وسط جمهور لا يشعر أفراده أنهم جزء من كل، وهذا ما حدث ببساطة للسينما والمسرح خلال الفترة الماضية. فى بداية الستينات طمح الفنان المرهف يوسف إدريس لتأسيس "نظرية" مسرحية عربية، أسماها نظرية "التمسرح"، تقوم على ذلك الذوبان الذى يحدث للمتفرجين فى لحظة التذوق. مرة أخرى فإن هذه التجربة لا تحتاج فقط إلى "عمل فنى"، فالأهم أنها تحتاج إلى "شروط" من خارج الفن: شروط اجتماعية واقتصادية وسياسية، وهى فى كلمة واحدة "المشروع القومى" الذى يوحد أبناء الوطن، وفى غياب مثل هذا المشروع لا تنتظر أبدا أن تجد لعملك الفنى "جمهورا". لذلك فالبداية – وما أصعبها من بداية – لإصلاح حال السينما هى ألا يتصور السينمائيون أن الحل يكمن فقط فى إجراءات جزئية أو فئوية خاصة بهم، وإنما يكمن أولا وقبل كل شىء أن يصبحوا هم أنفسهم شركاء فى "همّ" جماعى مشترك، فى مشروع قومى نتوجه إليه فى المرحلة القادمة. ولنسأل أنفسنا: ماذا نريد حقا للوطن؟ وكيف نحققه؟
ثم يأتى دور الأبنية أو المؤسسات القائمة على صناعة السينما، وليس بجديد القول المأثور بأن السينما فن وتجارة وصناعة، لكن تلك الكلمات الثلاث لا تنفصل عن بعضها البعض، وهى فى الحقيقة عناصر من مفهوم واحد لفن مثل السينما. قد يحتاج ذلك للتوقف قليلا أمام "طبيعة وجود" هذا الفن مرة أخرى: فبينما يمكن لمعظم الفنون التقليدية القديمة أن تُنتج وتُستهلك بشكل فردى (يرسم الفنان التشكيلى لوحته فى الاستوديو، ويشتريها الزبون ويعرضها فى منزله)، فلا يمكن صنع الأفلام أو استهلاكها إلا على نحو جماعى (عشرات ومئات يشتركون معا فى صنع الفيلم، وعشرات وملايين المتفرجين يشاهدونها)، لذلك تحتاج السينما إلى "مؤسسات" للإنتاج والتوزيع والعرض، وتلك جميعا تحتاج إلى التمويل، الذى يبحث بالطبع عن الربح.
هنا يأتى دور السياق الاقتصادى: فى الدول الاشتراكية السابقة كانت "الدولة" هى التى تقوم بذلك، وفى العالم الرأسمالى هناك الشركات الكبرى (تدعى الاستوديوهات، وتصنع سينما التيار السائد)، وإلى جانبها شركات صغرى (تدعى السينما المستقلة أو سينما الفن أحيانا)، ومع قيام الرأسمالية بتجديد نفسها عرفت كيف تصوغ علاقة أنضج بين الكبار والصغار، لأن فى ذلك مصلحة للجميع. لكن ماذا تقول عن نظام اقتصادى هو فى حقيقته "لانظام" كما عاشته مصر فى الأربعين عاما الماضية؟ والنتيجة: شركات عشوائية لأناس قادمين من خارج صناعة السينما، يبحثون عن الربح السريع والاندماج اللذيذ مع عالم الفنانين والفنانات. وفى هذا السياق لا تنتظر من هؤلاء البحث الحقيقى عن مصلحة السينما، فهم سيهربون على الفور منها عائدين من حيث أتوا إذا ما أصبحت عبئا على مصالحهم الضيقة. دعنى أضرب لك مثالا (وهناك غيره عشرات الأمثلة): رجل الأموال كامل أبو على ينتج أول أفلامه "إزاى البنات تحبك" من إخراج أحمد عاطف، فيضع صانعو الفيلم على لسان إحدى الشخصيات جملة يقدمون بها البطلة: "بنت كامل بيه أبو على، الراجل الطيب"، فهل رأيت استخفافا أكثر من ذلك؟ نعم ياصديقى، سوف تتوالى الاستخفافات والسخافات، وفى فيلم "كلمنى شكرا" لخالد يوسف نفس طريقة "النقوط" والتحية للمنتج وشركائه، وفى أفلام السبكى سوف يصبح هذا النقوط نمرة ثابتة. لكن الأفدح أننا لم نلتفت إلى دور رجال المال (من أين أتوا به أصلا؟!!) فى تقويض بعض الثوابت الوطنية، ولكامل أبو على دور لا يضاهى فى هذا المجال، ففى فيلم "أبو العربى" تصبح حرب أكتوبر وشهداؤها مادة لعشرات "الإفيهات" السخيفة، وفى "درس خصوصى" ابتذال بلا حدود لـ"كل" التاريخ المصرى بلا مبالغة. وتبشرك الأخبار الفنية بأن السبكى سوف يصنع فيلما عن ثورة 25 يناير يحمل اسم "حظر تجول"، لأن "كله عند منتجى السينما المصريين لحس عقول"!!
كيف يمكن للسينما المصرية أن تخرج من هذا السجن الذى تفرضه قيود "فلوس" المنتجين والموزعين وأصحاب دور العرض، والذين هم بالمناسبة نفس الأشخاص، فى احتكار يضرب عرض الحائط بأبسط قواعد الرأسمالية المنتجة ذاتها؟!
سوف أحاول فى السطور التالية وضع تصور عام فى نقاط محددة، لعلها أن تساعد على نحو ما فى تحديد طريق لمستقبل السينما المصرية:
1) تكوين اتحاد للسينمائيين يجمع كل أطيافهم، يكون هدفه ليس محاولة العثور على فرص عمل فى المناخ السائد، وإنما تأسيس مناخ جديد يقوم على بعض أو كل النقاط التالية.
2) تأسيس كيان تابع للدولة (وليس للحكومة) تكون مهمته بحث وسائل دعم السينما وصنع الأفلام، مثلما هو الحال فى معظم دول العالم، مثل فرنسا وحتى "إسرائيل". وميزانيته الرئيسية تأتى من تذاكر السينما ويجب أن تعود للسينما وليس لنشاطات أخرى مثلما اعتادت وزارة الثقافة فى إنشائها لكنز "على بابا" المعروف بصندوق التنمية الثقافية. ومن بين مهام هذا الكيان البحث عن مصادر أخرى للتمويل، مثل القنوات الفضائية، ووسائل الإنتاج المشترك التى سوف تتطلب جهودا من وزارة التعاون الدولى أيضا.
3) المطالبة بتنقيح كل التشريعات التى تمثل عبئا على صناعة السينما، أو لا تساعدها على النمو، وفى مقدمتها تقديم كل التسهيلات الممكنة للشركات الصغرى للإنتاج السينمائى، ولإنشاء دور العرض الصغيرة (إننا نحتاج إلى الآلاف منها بمعنى الكلمة)، خاصة فى كل الأحياء والمدن الصغرى وحتى القرى. (بالإضافة إلى الفائدة الاقتصادية الأكيدة حيث سيتزايد الطلب على الأفلام ومن ثم إنتاجها، هناك الفائدة الحضارية التى سوف تعيد مصر إلى القرن الواحد والعشرين).
4) إعادة النظر فى قوانين الرقابة الحالية. وهنا أؤكد أن هذا لا يعنى وجود أى شكل من أشكال الرقابة، فوجود مثل هذه المؤسسة يحمى الفنان من أنواع الرقابة العشوائية التى قد تعرضه للمحاكمة أمام ادعاء أفراد أو هيئات، لتصبح الرقابة فى هذه الحالة هى المسئولة أمام مثل هذه الدعاوى. وربما كان أفضل شكل لها هو أن تتشكل من أبناء الصناعة أنفسهم، بطريق الانتخاب الحر، ويصبح من حق السينمائيين إعادة تشكيلها إذا لم يحقق أعضاؤها الهدف من انتخابهم.
5) إلغاء القيود الأمنية تماما على حق السينمائيين فى تصوير أفلامهم فى أى مكان، فتلك القيود لا تتعارض فقط مع مبدأ حرية التعبير التى لا خلاف عليها، لكنها من أسباب تخلف السينما التسجيلية مثلا، فى وقت أصبحت فيه مادة أساسية حتى فى دور العرض التجارية فى كل أنحاء العالم.
6) العمل الجاد على الجانب التثقيفى من صناعة السينما، بما فى ذلك عقد المهرجانات الجادة ذات الرسالة الفنية الواضحة، وإنشاء "سينماتيك" سينمائى متطور للسينما المصرية والعالمية، حيث يمكن مشاهدة الأفلام ومناقشتها جماعيا وعلى نحو منتظم. كذلك وجود إصدارات سينمائية متخصصة من مختلف مستويات التذوق للجمهور العام والخاص معا.
7) أؤكد من جديد أننا قد لا نحصد الثمار قريبا، فالأمل الحقيقى من وجهة نظرى يبدأ مع معهد حقيقى للسينما، تختفى فيه تماما نزعة اختيار الطلاب على أساس الواسطة أو القرابة، لتكون الموهبة هى المعيار الوحيد. ومن المهم أيضا تنقيح مناهج الدراسة بشكل جاد، ليصبح الجانب العملى هو الأغلب، مع استقدام فنانين أجانب من كل دول العالم (أكرر: فنانين)، فدراسة الفن ليست إتقان الأدوات التى تنتهى إلى وجود حرفيين، لكن تفجير الطاقات الإبداعية يحتاج إلى مران طويل بحق، وبشكل أصيل، وهو يحتاج إلى إضافة جادة لدراسة الفنون الأخرى مثل الفن التشكيلى والموسيقى، ناهيك بالطبع عن الدراما (تلك أضعف نقطة عند فنانينا السينمائيين للأسف).
8) الانفتاح على العالم بكل ما نملك من قوة، لقد أصابنى الأسى (وإن لم أشعر بالمفاجأة) من أن يترشح الفيلم الجزائرى "خارج القانون" هذا العام لمسابقة الأوسكار عن أفضل فيلم أجنبى، بينما خرج فيلمنا "رسائل البحر" من التصفية الأولى. ولنكن صرحاء مع أنفسنا: إننا فى أفضل أحوالنا ما نزال أسرى لسينما الستينات والسبعينات الفنية (فيسكونتى أو فاسبيندر مثلا، كما يبدو فى أفلام داود أو يسرى نصر الله)، بينما الفن السينمائى قفز قفزات إبداعية هائلة سواء فى السينما التجارية أو المستقلة. إننا نبدو كمن ينطق لغة قديمة مهجورة فى عالم أصبح يغير أدوات اللغة كل يوم. إن أردت دليلا على ذلك حاول أن تبحث الآن فى صحفنا عن نوعية الأخبار المنشورة حول مسابقة الأوسكار التى تعقد اليوم الأحد 27 فبراير، ولتسأل نفسك عن نوع التغطية التى تقدمها الصحافة الفنية، وبالمرة اسأل نفسك كم فيلما من الأفلام المتنافسة شاهدناها!!
سوف أنهى مقالى بنفس العبارات من مقالى السابق حول هذا الموضوع: لابد أن يدافع أصحاب المصلحة الحقيقية عن أنفسهم، فهذا الجيل الشائخ الشائه الذى يسود اليوم سوف يزول قريبا، ولا يجب أن نترك أمورنا فى أيدى ورثة هذا الجيل الذين سوف يجعلون الشيخوخة المشوهة علامة على مصر فى أدنى مراحل تحللها فى التاريخ المعاصر. هل نريد سينما أفضل، ووطنا أكثر جمالا وعدلا؟ المشوار طويل نعم، لكن إما هذا أو الرضا بالموت ونحن على قيد الحياة!!

السينما تريد تغيير النظام



عندما طلب منى صديقى العزيز، وزميلى ورئيسى فى صفحة الفن ماهر زهدى، أن أكتب عن تصورى حول إصلاح حال السينما المصرية، كدت أن أعتذر لأننى كتبت كثيرا عن هذا الموضوع، وكانت المرة الأخيرة فى العدد 1234 من جريدة العربى، الصادر فى 28 نوفمبر الماضى، وبالطبع ذهبت الكلمات أدراج الرياح، وهو ما يجعلنى أشعر بالسأم من التكرار، ولا أريد أيضا من القارئ أن يشعر أنه قد قرأ هذه الكلمات من قبل. حاول صديقى تذكيرى بأن "مصر قبل 25 يناير غير مصر بعد 25 يناير"، ولم أعرف إن كان يجب علىّ أن أضحك أم أبكى، فبرغم ما فى هذا الشعار من بريق، فإنه بمعايير التغير التاريخى لا يعنى شيئا محددا، فلا الشعوب تتغير بين عشية وضحاها، ولا رياح التغيير تمضى دائما كما تشتهى السفن، فالأمر مرهون بإرادة ملاحيها، وبما يأخذونه من وسائل لتوجيه السفينة إلى مرفأها المبتغى.
أقنعنى صديقى ماهر فى النهاية بأن واجبنا الآن أن ندفع بكل ما نملك من قوة فى اتجاه التغيير المنشود، وها أنا أفعل قدر ما أستطيع، لكنى أذكّر قارئى فقط بأن حسن النوايا لا يكفى، وكم من ثورة أسفرت عن أنه لا جديد تحت الشمس، عندما لم تتوفر أدوات التغيير الحقيقى. وما زلت أومن – وأرجو أن يعذرنى القارئ فى هذا التشاؤم فى فترة يسود فيها التفاؤل – أن الثورات بقدر ما تفجر فى الشعوب أفضل ما فيها من نور ساطع، فإنها تفتح أيضا أنفاقا مظلمة لأسوأ ما فيها، فما تزال فى قصة الثورة المصرية فصول وفصول، يكتبها من يملك وضوح الرؤية وقوة العزيمة. وهناك يا قارئى العزيز من يريد سرقة الثورة، وهناك من يريد إعادة عجلاتها إلى الوراء، وهناك أيضا من سوف يركن سريعا ومرة أخرى إلى اليأس من التغيير للأفضل، حين يتأخر قطف الثمار، أو حين تتسلل الثعالب فى الليل لتلتهمها قبل الأوان.
وعندما نتحدث عن إصلاح حال السينما فلابد أن نتأمل الأبنية المادية والمعنوية التى تقوم عليها، وهى الأبنية التى كانت خلال الأربعين عاما الأخيرة جزءا من سياق أشمل، أدى بالسينما إلى ما آلت إليه من تدهور على مستوى الفن والرسالة بل والمتعة أيضا. فالسينما مثل كل النشاطات الإنسانية الأخرى جزء من كل، وهى لا تستطيع أن تفصل نفسها أبدا عن السياق، فإذا كان سياقا يقوم على النزعة الاستهلاكية الفردية (أو ما أسميه دائما نزعة البحث عن الخلاص الفردى والنجاة من الطوفان)، فلا تنتظر أبدا فنا يسعى إلى أن يخاطب "جمهورا" بالمعنى الحقيقى للكلمة. وكلمة الجمهور هنا تعنى وجود البعد الاجتماعى المشترك بين أبناء الوطن، الذين تجمعهم أحلام وآلام متقاربة، وهناك فنون جماعية بطبعها (لا أقول بأبعادها "الأونطولوجية" حتى لا أتلقى اتهامات من أقرب الناس لى – مثل أخى الأكبر - بالتقعر!)، مثل السينما والمسرح، فهى تعتمد فى تلقيها وتذوقها على اجتماع الجمهور معا فى مكان واحد وزمان واحد، وهو الاجتماع الذى لا يقتصر على الوجود الجسمانى فقط، فالأهم هو الوجود النفسى، إننا فى ظلام قاعة العرض نتخلى عن جانب كبير من فرديتنا ونصبح كلا واحدا، نذرف الدموع معا على البطلة فى محنتها، ونشهق من الخوف فى لحظة مفاجئة من فيلم رعب، أو ننتشى بالشجن فى مشاهد النبل الإنسانى العميق.
إن تلك التجربة المشتركة للتذوق لا تتحقق أبدا وسط جمهور لا يشعر أفراده أنهم جزء من كل، وهذا ما حدث ببساطة للسينما والمسرح خلال الفترة الماضية. فى بداية الستينات طمح الفنان المرهف يوسف إدريس لتأسيس "نظرية" مسرحية عربية، أسماها نظرية "التمسرح"، تقوم على ذلك الذوبان الذى يحدث للمتفرجين فى لحظة التذوق. مرة أخرى فإن هذه التجربة لا تحتاج فقط إلى "عمل فنى"، فالأهم أنها تحتاج إلى "شروط" من خارج الفن: شروط اجتماعية واقتصادية وسياسية، وهى فى كلمة واحدة "المشروع القومى" الذى يوحد أبناء الوطن، وفى غياب مثل هذا المشروع لا تنتظر أبدا أن تجد لعملك الفنى "جمهورا". لذلك فالبداية – وما أصعبها من بداية – لإصلاح حال السينما هى ألا يتصور السينمائيون أن الحل يكمن فقط فى إجراءات جزئية أو فئوية خاصة بهم، وإنما يكمن أولا وقبل كل شىء أن يصبحوا هم أنفسهم شركاء فى "همّ" جماعى مشترك، فى مشروع قومى نتوجه إليه فى المرحلة القادمة. ولنسأل أنفسنا: ماذا نريد حقا للوطن؟ وكيف نحققه؟
ثم يأتى دور الأبنية أو المؤسسات القائمة على صناعة السينما، وليس بجديد القول المأثور بأن السينما فن وتجارة وصناعة، لكن تلك الكلمات الثلاث لا تنفصل عن بعضها البعض، وهى فى الحقيقة عناصر من مفهوم واحد لفن مثل السينما. قد يحتاج ذلك للتوقف قليلا أمام "طبيعة وجود" هذا الفن مرة أخرى: فبينما يمكن لمعظم الفنون التقليدية القديمة أن تُنتج وتُستهلك بشكل فردى (يرسم الفنان التشكيلى لوحته فى الاستوديو، ويشتريها الزبون ويعرضها فى منزله)، فلا يمكن صنع الأفلام أو استهلاكها إلا على نحو جماعى (عشرات ومئات يشتركون معا فى صنع الفيلم، وعشرات وملايين المتفرجين يشاهدونها)، لذلك تحتاج السينما إلى "مؤسسات" للإنتاج والتوزيع والعرض، وتلك جميعا تحتاج إلى التمويل، الذى يبحث بالطبع عن الربح.
هنا يأتى دور السياق الاقتصادى: فى الدول الاشتراكية السابقة كانت "الدولة" هى التى تقوم بذلك، وفى العالم الرأسمالى هناك الشركات الكبرى (تدعى الاستوديوهات، وتصنع سينما التيار السائد)، وإلى جانبها شركات صغرى (تدعى السينما المستقلة أو سينما الفن أحيانا)، ومع قيام الرأسمالية بتجديد نفسها عرفت كيف تصوغ علاقة أنضج بين الكبار والصغار، لأن فى ذلك مصلحة للجميع. لكن ماذا تقول عن نظام اقتصادى هو فى حقيقته "لانظام" كما عاشته مصر فى الأربعين عاما الماضية؟ والنتيجة: شركات عشوائية لأناس قادمين من خارج صناعة السينما، يبحثون عن الربح السريع والاندماج اللذيذ مع عالم الفنانين والفنانات. وفى هذا السياق لا تنتظر من هؤلاء البحث الحقيقى عن مصلحة السينما، فهم سيهربون على الفور منها عائدين من حيث أتوا إذا ما أصبحت عبئا على مصالحهم الضيقة. دعنى أضرب لك مثالا (وهناك غيره عشرات الأمثلة): رجل الأموال كامل أبو على ينتج أول أفلامه "إزاى البنات تحبك" من إخراج أحمد عاطف، فيضع صانعو الفيلم على لسان إحدى الشخصيات جملة يقدمون بها البطلة: "بنت كامل بيه أبو على، الراجل الطيب"، فهل رأيت استخفافا أكثر من ذلك؟ نعم ياصديقى، سوف تتوالى الاستخفافات والسخافات، وفى فيلم "كلمنى شكرا" لخالد يوسف نفس طريقة "النقوط" والتحية للمنتج وشركائه، وفى أفلام السبكى سوف يصبح هذا النقوط نمرة ثابتة. لكن الأفدح أننا لم نلتفت إلى دور رجال المال (من أين أتوا به أصلا؟!!) فى تقويض بعض الثوابت الوطنية، ولكامل أبو على دور لا يضاهى فى هذا المجال، ففى فيلم "أبو العربى" تصبح حرب أكتوبر وشهداؤها مادة لعشرات "الإفيهات" السخيفة، وفى "درس خصوصى" ابتذال بلا حدود لـ"كل" التاريخ المصرى بلا مبالغة. وتبشرك الأخبار الفنية بأن السبكى سوف يصنع فيلما عن ثورة 25 يناير يحمل اسم "حظر تجول"، لأن "كله عند منتجى السينما المصريين لحس عقول"!!
كيف يمكن للسينما المصرية أن تخرج من هذا السجن الذى تفرضه قيود "فلوس" المنتجين والموزعين وأصحاب دور العرض، والذين هم بالمناسبة نفس الأشخاص، فى احتكار يضرب عرض الحائط بأبسط قواعد الرأسمالية المنتجة ذاتها؟!
سوف أحاول فى السطور التالية وضع تصور عام فى نقاط محددة، لعلها أن تساعد على نحو ما فى تحديد طريق لمستقبل السينما المصرية:
1) تكوين اتحاد للسينمائيين يجمع كل أطيافهم، يكون هدفه ليس محاولة العثور على فرص عمل فى المناخ السائد، وإنما تأسيس مناخ جديد يقوم على بعض أو كل النقاط التالية.
2) تأسيس كيان تابع للدولة (وليس للحكومة) تكون مهمته بحث وسائل دعم السينما وصنع الأفلام، مثلما هو الحال فى معظم دول العالم، مثل فرنسا وحتى "إسرائيل". وميزانيته الرئيسية تأتى من تذاكر السينما ويجب أن تعود للسينما وليس لنشاطات أخرى مثلما اعتادت وزارة الثقافة فى إنشائها لكنز "على بابا" المعروف بصندوق التنمية الثقافية. ومن بين مهام هذا الكيان البحث عن مصادر أخرى للتمويل، مثل القنوات الفضائية، ووسائل الإنتاج المشترك التى سوف تتطلب جهودا من وزارة التعاون الدولى أيضا.
3) المطالبة بتنقيح كل التشريعات التى تمثل عبئا على صناعة السينما، أو لا تساعدها على النمو، وفى مقدمتها تقديم كل التسهيلات الممكنة للشركات الصغرى للإنتاج السينمائى، ولإنشاء دور العرض الصغيرة (إننا نحتاج إلى الآلاف منها بمعنى الكلمة)، خاصة فى كل الأحياء والمدن الصغرى وحتى القرى. (بالإضافة إلى الفائدة الاقتصادية الأكيدة حيث سيتزايد الطلب على الأفلام ومن ثم إنتاجها، هناك الفائدة الحضارية التى سوف تعيد مصر إلى القرن الواحد والعشرين).
4) إعادة النظر فى قوانين الرقابة الحالية. وهنا أؤكد أن هذا لا يعنى وجود أى شكل من أشكال الرقابة، فوجود مثل هذه المؤسسة يحمى الفنان من أنواع الرقابة العشوائية التى قد تعرضه للمحاكمة أمام ادعاء أفراد أو هيئات، لتصبح الرقابة فى هذه الحالة هى المسئولة أمام مثل هذه الدعاوى. وربما كان أفضل شكل لها هو أن تتشكل من أبناء الصناعة أنفسهم، بطريق الانتخاب الحر، ويصبح من حق السينمائيين إعادة تشكيلها إذا لم يحقق أعضاؤها الهدف من انتخابهم.
5) إلغاء القيود الأمنية تماما على حق السينمائيين فى تصوير أفلامهم فى أى مكان، فتلك القيود لا تتعارض فقط مع مبدأ حرية التعبير التى لا خلاف عليها، لكنها من أسباب تخلف السينما التسجيلية مثلا، فى وقت أصبحت فيه مادة أساسية حتى فى دور العرض التجارية فى كل أنحاء العالم.
6) العمل الجاد على الجانب التثقيفى من صناعة السينما، بما فى ذلك عقد المهرجانات الجادة ذات الرسالة الفنية الواضحة، وإنشاء "سينماتيك" سينمائى متطور للسينما المصرية والعالمية، حيث يمكن مشاهدة الأفلام ومناقشتها جماعيا وعلى نحو منتظم. كذلك وجود إصدارات سينمائية متخصصة من مختلف مستويات التذوق للجمهور العام والخاص معا.
7) أؤكد من جديد أننا قد لا نحصد الثمار قريبا، فالأمل الحقيقى من وجهة نظرى يبدأ مع معهد حقيقى للسينما، تختفى فيه تماما نزعة اختيار الطلاب على أساس الواسطة أو القرابة، لتكون الموهبة هى المعيار الوحيد. ومن المهم أيضا تنقيح مناهج الدراسة بشكل جاد، ليصبح الجانب العملى هو الأغلب، مع استقدام فنانين أجانب من كل دول العالم (أكرر: فنانين)، فدراسة الفن ليست إتقان الأدوات التى تنتهى إلى وجود حرفيين، لكن تفجير الطاقات الإبداعية يحتاج إلى مران طويل بحق، وبشكل أصيل، وهو يحتاج إلى إضافة جادة لدراسة الفنون الأخرى مثل الفن التشكيلى والموسيقى، ناهيك بالطبع عن الدراما (تلك أضعف نقطة عند فنانينا السينمائيين للأسف).
8) الانفتاح على العالم بكل ما نملك من قوة، لقد أصابنى الأسى (وإن لم أشعر بالمفاجأة) من أن يترشح الفيلم الجزائرى "خارج القانون" هذا العام لمسابقة الأوسكار عن أفضل فيلم أجنبى، بينما خرج فيلمنا "رسائل البحر" من التصفية الأولى. ولنكن صرحاء مع أنفسنا: إننا فى أفضل أحوالنا ما نزال أسرى لسينما الستينات والسبعينات الفنية (فيسكونتى أو فاسبيندر مثلا، كما يبدو فى أفلام داود أو يسرى نصر الله)، بينما الفن السينمائى قفز قفزات إبداعية هائلة سواء فى السينما التجارية أو المستقلة. إننا نبدو كمن ينطق لغة قديمة مهجورة فى عالم أصبح يغير أدوات اللغة كل يوم. إن أردت دليلا على ذلك حاول أن تبحث الآن فى صحفنا عن نوعية الأخبار المنشورة حول مسابقة الأوسكار التى تعقد اليوم الأحد 27 فبراير، ولتسأل نفسك عن نوع التغطية التى تقدمها الصحافة الفنية، وبالمرة اسأل نفسك كم فيلما من الأفلام المتنافسة شاهدناها!!
سوف أنهى مقالى بنفس العبارات من مقالى السابق حول هذا الموضوع: لابد أن يدافع أصحاب المصلحة الحقيقية عن أنفسهم، فهذا الجيل الشائخ الشائه الذى يسود اليوم سوف يزول قريبا، ولا يجب أن نترك أمورنا فى أيدى ورثة هذا الجيل الذين سوف يجعلون الشيخوخة المشوهة علامة على مصر فى أدنى مراحل تحللها فى التاريخ المعاصر. هل نريد سينما أفضل، ووطنا أكثر جمالا وعدلا؟ المشوار طويل نعم، لكن إما هذا أو الرضا بالموت ونحن على قيد الحياة!!

Friday, February 18, 2011

تأملات نقدية فى الثورة المصرية



لا شىء يولد من لا شىء، ذلك أحد قوانين الوجود والتاريخ، والواقع الذى يولد الآن هو ابن واقع ولد قبل عقود، وهو الذى سوف يلد بعد عقود أخرى واقعا جديدا. لعلى أجازف الآن بالخروج عن التيار السائد الذى يحتفى بثورة الشعب المصرى، ويردد أقوالا بأن مصر قبل 25 يناير غيرها بعدها، وأن "الشباب" أكثر حكمة من الشيوخ، فبرغم ما فى هذه الأقوال من بريق فإنها تنذر بالابتعاد عن النظرة التاريخية التى تضع الأمور فى سياقها. ولا أدرى إن كان من الأمور الملحة أن يدعى أحد أو جيل أو فصيل أو فئة أنهم وحدهم أصحاب الثورة، وبالتالى فهم الأولى باغتنام مكاسبها. فمن السابق لأوانه بكثير أن نتحدث عن غنائم (وليس هناك أسوأ من الحديث عن الثورة بهذا المفهوم)، ناهيك عن اعتقادى الذى أكرره مرة أخرى: لا شىء يولد من لا شىء.
نعم، لم يستطع أى منا أن يتنبأ بأن تحدث الثورة على هذا النحو الجارف، وأن تنتصر الإرادة الشعبية والسلمية على الأدوات القمعية والفاشية لنظام كان قد قرر أنه لن يسلم الوطن لأصحابه إلا محترقا، لكن هذا "العناد" الغبى والأبله من جانب النظام قابله "إصرار" عاقد العزم من جانب الجماهير. وبرغم عدم قدرتنا على التنبؤ بما حدث وما سوف يحدث، فإننا نستطيع على الأقل تحليله وقراءة ما يمكننا أن نفعل فى المستقبل القريب.
يحلو للبعض منا – خاصة من جيل الكهول والشيوخ - أن يعترف فى نوع من المازوكية بالتقصير، وبالإذعان لسلطة قمعية مارست كل أنواع المهانة والهوان للشعب. لكن هل بمثل هذه البساطة ننسى كيف انتهى بنا الأمر إلى ذلك؟ إننا لو نسينا فسوف نتعرض مرة أخرى لنفس ما تعرضنا له. وإذا كنت لا أدعى أبدا فهم السياسة، كما أننى لم ولن أفكر يوما فى ممارستها والانخراط فيها، فقد كنت على الأقل "شاهدا" على الفترة التى تعرّض فيها الشعب المصرى لمؤامرة بالمعنى الحقيقى للكلمة، برغم أن البعض منا كان يسخر من اللجوء إلى نظرية المؤامرة، وإن كان هذا ذاته جزءا من مؤامرة.
سوف يحكى التاريخ يوما، وبقدر أكبر من الحياد، عن هذه الأجيال السابقة واللاحقة، ويربط الأحداث ببعضها فى سياق متصل، وهذا ما أحاول أن أفعله الآن دون الزعم بأننى أملك فهما جاهزا له، بل إن كتابتى هذه ليست إلا محاولة للفهم، ولعلها تنجح أو تخفق، لكن ذلك لا يثنينى عن المحاولة.
إننى أتذكر الآن كيف تمت سرقة انتصار أكتوبر، على الأقل فى قدرته على إعادة الإيمان لنا بقدرتنا على الفعل، ليسلِّم نظام السادات إلى أمريكا "كل أوراق اللعبة"، ويقنعنا بدور المتفرج على لعبة القمار السياسية بأقدارنا. ولأن السياسة وحدها لا تستطيع تحويل مجرى الصراع بيننا وبين عدونا الأول إسرائيل، على الأقل بين عشية وضحاها، فقد استخدم السادات ووريثه مبارك سلاح الاقتصاد ليجعل الشعب المصرى يركع ويذعن، ويبتلع الهزيمة مرة بعد أخرى.
وإذا كانت الأوهام التى حاول النظام إشاعتها بيننا قد نجحت فى ذلك الحين فى التأثير فى قطاع كبير من أبناء جيلى، فإن هذه الأوهام ما تزال سائدة بين الجيل الشاب الذى يحاولون تحجيمه الآن من خلال تضخيمه بالقول بأنه الذى قام بالثورة وحده. من هذه الأوهام وُضع كل التاريخ المصرى (منذ قيام ثورة يوليو) فى سلة واحدة، لا فرق بين نظام عبد الناصر الوطنى ونظام السادات ومبارك القائم على التبعية والقيام بدور "السمسار" لأمريكا وإسرائيل. أضف إلى ذلك أيضا وهم أن ضعف الاقتصاد المصرى نتج عن حروبنا مع العدو الصهيونى، وإيهام الأجيال الشابة – التى لم تحضر فترة الصراع – بأن مصر كانت خرابا آنذاك.
إننى لا أقول ذلك تمجيدا لفترة عبد الناصر، فالتاريخ لا يعود أبدا إلى الوراء، وسياق الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى يختلف بالتأكيد عن السياق المعاصر، وبعض أحلامنا الماضية تختلف عن أحلام الجيل الشاب، لكن ما أريد أن اقوله هو أننا فرطنا فى "الثوابت" التى بدأت حتى قبل عبد الناصر ففقدنا الاتجاه، وأرجو أن نستعيده مرة أخرى لنصنع المستقبل على أرض راسخة.
فقد جيلى الاتجاه لأنه حورب فى أبسط احتياجاته الأساسية: التعليم والعلاج والعمل والمسكن. قيل لنا وصدقنا – وأخشى أن يستمر هذا المفهوم – أن "الحكومة ليست ماما"، وفى نفس الوقت قيل لنا أن "رئيس الجمهورية هو بابا"، وياله من تناقض!! تهاوت الحواجز بين الدولة والحكومة، وأصبح الوطن أرضا تباع وتُشترى وتُقدر قيمته بثمن المتر!! وكان علينا أن نمضى فى طوفان عارم ومصنوع ببراعة ليس أمامنا فيه إلا أن نبحث عن أن نطفو وينجو كل منا بجلده وبطريقته، نبحث لأبنائنا عن فرصة تعليم فى مدارس خاصة، لأن ما قدمه عبد الناصر لأفقر الفقراء من تعليم مجانى - تطبيقا لمقولة طه حسين الشهيرة - أصبح سياسة شمولية، ولا نجد العلاج إلا عند تجار الطب الذين يرتعون بلا ضابط أو رابط، ونسعى للبحث عن عملين أو ثلاثة لمجرد توفير هذه الحاجات الأساسية، ونتغرب سنوات حتى نجد مسكنا أصبح معرضا فيما بعد لأن تقوم الحكومة بتأجيره لنا تحت اسم الضرائب العقارية، ويهتم كل منا بأن تكون له سيارته الخاصة لأنه لم يعد هناك ما يسمى بوسائل النقل العام الموجود فى كل دول العالم، لكنهم عندنا قد ربطوا بين أى قطاع عام وبين الاشتراكية البغيضة كما صوروها لنا.
من هذا السعى المحموم للآباء والأمهات لتوفير الحاجات الأساسية للأبناء، وتجنيبهم بقدر الإمكان المصاعب التى واجهها جيل الكهول والشيوخ، خرج الجيل الشاب متحررا إلى حد ما من هذه العبودية التى تم فرضها علينا قطعة وراء أخرى، بطريقة أطلقتُ عليها فى مقالات سابقة "عوامل التعرية" النفسية. تأمل مثلا كيف بثوا فينا أخلاقيات القمار بالمعنى الحرفى للكلمة، بدءا من البورصة الوهمية التى جرّت إليها البسطاء الذين لا يفهمون فيها لكنها تعطيهم الحلم بربح ليس من ناتج العمل، تماما ككل مسابقات التليفونات وبرامج التليفزيون التافهة، مع غسيل مخ يومى بأن "مصر فوق الجميع"، و"مالناش دعوة بالعرب"، و"الفلسطينيين يستاهلوا اللى جرى لهم"، سواء فى صحف ومجلات وبرامج تليفزيونية ربما تخجل إسرائيل ذاتها عن أن تكرر ما فيها من غثاء سافل.
وربما لا يعرف الجيل الشاب أسماء مثل عصمت سيف الدولة، أو فؤاد مرسى، وعشرات غيرهم ناضلوا طويلا من أجل فضح سياسات السادات ومبارك، وقد أشرت فى إحدى مقالاتى منذ شهور قليلة إلى كتابات الدكتور فؤاد مرسى فى جريدة الأهالى منذ الثمانينيات عن وهم الإصلاح الاقتصادى، وهى الكتابات التى ما تزال تنطبق على اللحظة الراهنة، وفى المقابل كانت أحزاب المعارضة تتراجع، فى مؤامرة لتسليمها إلى السلطة، مما جعل أسماء أخرى تتراجع (دائما أتذكر فى هذا السياق الدكتور جودة عبد الخالق، فهو من أكثر محللى الاقتصاد وضوحا وبساطة، لكننى لم أعد أجده كثيرا)، كما ذوت مطبوعات هذه الأحزاب واختفى بعضها (حتى الآن لا أدرى سبب اختفاء مجلة "اليسار" مثلا). لقد كانت أجنحة الوطن يُنزع عنها الريش، ولا تبقى إلا محاولات فدائية مستميتة، بعضها من أساتذتى وأصدقائى فى هذه الجريدة، والأخرى متناثرة مثل كتابات الراحل مجدى مهنا.
لماذا أذكر هذا كله الآن؟ مرة أخرى لأن لا شىء يولد من لا شىء، فقد كانت روح المقاومة لا تذوى أبدا تحت الرماد، ومن خلال أحداث مرت بنا كان اللهب يزداد شيئا فشيئا، بدءا من مظاهرات المدارس تأييدا للانتفاضة الفلسطينية فى أواخر التسعينيات، ومرورا بتجرع مرارة العجز مرة أمام الاحتلال الأمريكى للعراق، ومرة أخرى أمام العدوان الإسرائيلى على غزة، مع حركات الرفض مثل كفاية، و6 أبريل، وإضراب موظفى الضرائب العقارية (بقيادة صديقى الذى لا يعرفنى شخصيا كمال أبو عيطة)، وكل حركات الاحتجاج الفئوية على الظلم الاجتماعى، وأكاد أجزم أن حادث كنيسة القديسين – الذى دبرته السلطة فى يقينى للإلهاء عن مهزلة سرقة الانتخابات الأخيرة – أضاف مرارة أخرى إلى مرارة تجرع صلف أحمد عز فى تنظيره الممجوج لسطو عصابته على حق تمثيل الشعب فى الانتخابات الأخيرة.
من كل تلك الحركات والمرارات، بالإضافة إلى الشعور الأكثر مرارة بأنه ليس لدينا وطن ودولة بالمعنى الحقيقى للكلمة، اندلعت شرارة الاحتجاج، الذى تحول إلى ثورة فى مواجهة بلادة نظام قال عنه أستاذنا هيكل منذ أكثر من عشر سنوات أن الشيخوخة قد تملكت من أوصاله. لذلك كله أعتقد أنه من الخطأ ترويج أسطورة ثورة الشباب، وهو الخطأ الذى سوف يتبعه محاولة استقطاب بعض عناصر شابة لتدخل مؤسسة النظام، وتتكرر مآسى سابقة عانينا منها مع جيل الستينيات والسبعينيات الذى دخل بعض أفراده دائرة الفساد الساداتى والمباركى، ليصبحوا أسوأ ما فى النظام.
النمل وأشباهه وحدهم هم الذين يكررون التاريخ ولا يتعلمون منه، لذلك ينبغى ألا يكون الهدف هو الاختيار بين البرادعى وأيمن نور وحمدين صباحى وأحمد زويل وما يستجد من أسماء ليكون رئيسا لجمهورية مصر، فليست القضية هى مساعدة شخص مثل محمد على ليكون واليا علينا كما حدث فى بداية القرن التاسع عشر، لكن الأهم هو أن يكون لنا "وطن"، ومؤسسات، وعقد اجتماعى عادل، وحرية تعبير حقيقية، وحقوق لا خلاف عليها فى التعليم والعلاج والعمل والمسكن، ولن يأتى هذا إلا إذا أطلقت الحريات السياسية الكاملة ليس فى إنشاء الأحزاب فقط وإنما فى ممارسة العمل السياسى فى كل مكان.
الطريق طويل، لكن هناك علامات له، وبرامج وخططا وأهدافا، ولا أدرى لماذا – على سبيل المثال لا الحصر – لا نراجع ورقة الدكتور محمد غنيم بشأن الإصلاح، وإذا كنا قد نسيناها فذلك دليل على الخطأ الذى نكرره بأن نبدأ فى كل مرة من نقطة الصفر من جديد، وسوف تكون حجتنا هذه المرة أنها ثورة الشباب، وعلى الكهول والشيوخ أن يتراجعوا إلى خلفية الصفوف. وبرغم أن التحمس للشباب يبدو ذا بريق خاص فإنه يعنى أننا ما نزال بعيدين عن مفهوم المؤسسات بمعناها الأصيل، فالأسماء والأعمار – أو أى فوارق أخرى – ليست هى المعيار، والمهم هو القدرة على العطاء، ولنتذكر دائما أن من يتولى مهمة ليس إلا موظفا لدى أصغر وأفقر مواطن فى مصر، الذى يملك الحق – إن لم يحصل على حقوقه المشروعة – أن ينحى رئيس الحى أو المدينة، ونائب مجلس الشعب، ورئيس الوزراء، ورئيس الجمهورية، من خلال صندوق الانتخاب الذى تتوفر كل الضمانات لعدم التلاعب به.
بل إن المعركة الأصعب هى أن بقايا النظام ما يزال يتمسك بطريقته السلطوية الأبوية، وهو ما يبدو على سبيل المثال فى خطاب رئيس الوزراء أحمد شفيق، الذى يبدو أن أمامه بعض الوقت لكى يتعود على محاسبتنا له، وليس لكى نتعود نحن على أن نبقى مستمعين متفرجين على بياناته التى لا تخلو لهجته فيها ومضمونها من قدر غير قليل من صلف النظام القديم.
تبقى بعض الأوهام التى يجب علينا أن نتخلص منها سريعا، بعضها يشبه سعادة الوقوع تحت تأثير مخدر، مثل القول بأننا شعب مختلف عن كل شعوب العالم، فوجه الاختلاف الوحيد هو قدرتنا على الضحك فى أكثر اللحظات قتامة (تأمل مثلا الشعارات المرفوعة وسط توتر الثورة)، لكن أسباب نهضة الشعوب واحدة فى كل مكان، وهى تبدأ دائما بتعزيز شعور الانتماء إلى وطن، والوطن ليس كلمة أو مفهوم مجرد، وإنما هو بيت وأسرة وحياة يومية كريمة. أما الوهم الأخطر من وجهة نظرى فسوف يكون الاكتفاء بالوقوف فى ميدان التحرير دليلا على الوطنية والعبقرية، وفى مجالى الوحيد الذى أنتمى إليه (النقد السينمائى) أتوقع أن أجد مخرجين وممثلين وكتاب سيناريو يقدمون أعمالا متواضعة، ويكشرون فى وجهك قائلين أنهم كانوا مع الثورة!! الثورة الحقيقية يا قارئى العزيز هى أن نتعلم منذ الآن كيف يتقن كل منا ما يصنعه، ويعود تفاعلنا مع العالم بعد أن اكتفينا بنفسنا وجهلنا طويلا، وكما ثرنا على نظام قمعى سرق منا أحلى سنوات عمرنا، يجب أن نثور أيضا على الضحالة والتفاهة والانكفاء المقيت على الذات ... لذلك فإن الثورة قد بدأت، لكنها لم تنته بعد.

Wednesday, January 19, 2011

فيلم "سحب مع توقع سقوط شطائر اللحم"


كلما رأيت فيلما أمريكيا من أفلام التحريك المعاصرة زادت دهشتي، فصناع هذه الأفلام على اختلاف أساليبها وشركاتها المنتجة لا تخلو أعمالهم أبدا من رسالة، برغم أن المفهوم الشائع أنها أفلام موجهة للأطفال وبالتالي فإنها للمتعة فقط، وهذا للأسف مفهوم خاطئ عن الفن، تسمعه من بعض فنانينا الذين يُفترض أنهم يصنعون أفلاما للناضحين من المتفرجين، فيزعم الفنانون أنهم لا يبحثون إلا عن المتعة، التي تعني في اعتقادهم "الهيافة"، أو قل في أفضل الأحوال تضييع ساعتين من وقت وعمر المتفرج، بزعم أن الهدف الوحيد هو "الضحك". في مقابل ذلك تأمل أفلام التحريك الأمريكية فلا تجد هذا الانفصام بين المتعة والرسالة، بل لعلهم يدركون أن الرسالة تصبح أكثر أهمية وخطرا عندما توجهها للأطفال، وهذا هو ماسوف تجده تحت السطح من فيلم "سحب مع توقع سقوط شطائر اللحم".
لعلك لاحظت أن عنوان الفيلم يشبه على نحو ساخر عبارات النشرة الجوية، وملاحظتك في محلها، إذ أن الفيلم يحكي عن مدينة تعيش على سمك السردين في كل طعامها، وهاقد أتت لهم أخيرا من السماء "معجزة" أن تتساقط أنواع الطعام المختلفة فوق رؤوسهم كأنها المطر المنهمر، فماذا ترى سوف يصنع هذا التغيير في حياتهم؟ ومن تلك "الفرضية" الفنية يصنع الفيلم عالما كاملا يكاد أن يضم بين جنباته الكثير من حقائق الحياة، البسيطة منها والمعقدة على السواء. والفيلم يعتمد على قصة مصورة ظهرت خلال الثمانينات، كتبت سطورها جودي بارنيت، ورسم رسومها رون بارنيت، وكتب سيناريو الفيلم وأخرجه فيل لورد وكريستوفر ميلر. ويكاد الفيلم في أجزاء عديدة منه أن يحاكي بعض هذه الرسوم، وهو في ذلك يسير في طريق سارت فيه السينما الأمريكية منذ أن قررت تحويل شخصيات القصص المصورة إلى أفلام، بدءا من زورو ومرورا بكل الأبطال الخارقين مثل سوبرمان وباتمان وسبايدرمان، ولقد امتدت هذه النزعة حتى إلى قصص أكثر جهامة، مثل "الطريق إلى الهلاك" من إخراج سام مينديز، أو "مدينة الخطيئة" من إخراج روبرت رودريجيز، تلميذ كوينتين تارانتينو النجيب.
تبدأ الحدوتة في "سحب مع توقع سقوط شطائر اللحم" مع طفل يدعى فلينت، يحلم أن يصبح مخترعا وإن كانت اختراعاته تنهي عادة بنوع من الكارثة المضحكة. إنه على سبيل المثال يحاول أن يحل للأطفال من أقرانه مشكلتهم في انحلال أربطة أحذيتهم، بأن يجد توليفة تحكم هذا الرباط، لكنها تتحول إلى لاصق للحذاء نفسه في القدم، حتى يستحيل خلعه أبدأ! ومرة أخرى "يخترع" فئران طائرة، فإذا بها تهاجم البلدة في أسراب كثيفة، لذلك فإن بطلنا الصغير فلينت لا يجد من أبيه تيم (صوت الممثل المخضرم جيمس كان) إلا التبكيت، بينما تشجعه أمه فران (صوت لورين جراهام)، التي تهديه معطفا أبيض يعطيه مظهر العالم، إن المعطف فضفاض عليه بشكل مضحك، لكنه سوف يصبح على مقاسه عندما يكبر (صوت بيل هيدر)، ويستمر في اختراعاته العجيبة، حتى بعد أن توفيت والدته ولم يعد هناك أمامه إلا اللوم الدائم من أبيه الذي يعقد حاجبيه دائما، حتى أن عينيه تختفيان تحت حاجبيه الكثيفين، ذلك لأن الأب يريد من الابن أن يتوقف عن هذه الأحلام، ليساعده في محل يخدم صناعة صيد السردين.
في هذه الخطوط الرئيسية التي يقدمها الفيلم في دقائقه العشر الأولى جوهر الصراع الدرامي، مع طرح ذكي للرسالة الخاصة بالفيلم، في مستواها البسيط والمعقد على السواء. تأمل على سبيل المثال هذه الأفكار: هل لأنك صغير فإنه يجب أن تتوقف عن أحلامك، خاصة إذا كانت لا تسير في التيار السائد الذي يريدونك أن تسير فيه، لكي تكرر مسيرتهم المعتادة؟ هل تستسلم للفشل إذا خابت تجاربك الأولى وسخر منك الآخرون؟ والسؤال الأعقد هنا – وأرجو أن تتذكر أن الجمهور المستهدف معظمه من الأطفال – هو إذا ماكان عليك أن تسمع نصيحة الأب لأن المفترض أنه يعرف الواقع أكثر منك؟ وهذا السؤال الأخير على نحو خاص سوف نؤجل البحث عن إجابته حتى يمضي الفيلم في أحداثه وتطوراته الدرامية.
فلنمضِ أولا مع الأحداث، ونرسم صورة المدينة التي تعيش فيها شخصيات الفيلم، إتها جزيرة صغيرة لا تننتج إلا الأسماك التي كانت تُصدِّرها إلى أنحاء العالم، لكنه الأمر الذي يعاني الآن من الكساد، حتى أن أهل البلاد لا يعيشون إلا على السردين الذي يصنعون منه كل أنواع مأكولاتهم. يبدو الجميع راضين بهذه الحياة، ولكنه الرضا الذي سوف يتضح أنه ليس صادقا تماما. لقد كبر بطلنا فلينت الآن وأصبح شابا يافعا، ولا يزال يمضي في اختراعاته الفاشلة التي تثير سخرية الآخرين، وفي تناقض له دلالته نرى أن بطل المدينة المشهور شخص مفتول العضلات، تتجمع حوله الفتيات في إعجاب بينما لا يستطيع فلينت أن يثير اهتمام إحداهن، كما أن هذا "النجم" يصحب العمدة شيلبورن (صوت بروس كامبيل) في كل مكان حتى يزيد من الشعبية السياسية للعمدة، الذي يبدو شخصا ضحلا في تفكيره حول مشروعاته لاجتذاب السائحين إلى الجزيرة.
سوف يصبح عمدة المدينة في التطور الدرامي للفيلم هو "الشرير" المضاد للبطل، وإن يكن ذلك بشكل لا يتسم بالعمق، لكنه كان كافيا بالنسبة للجمهور من الأطفال لكي يدركوا كيف يمكن للسياسة أن تصبح نوعا من التلاعب بمصالح الناس بدلا من أن تعمل لصالحهم. وسوف يبدو ذلك واضحا عندما يستكمل البطل فلينت اختراعاته العجيبة، بصنع آلة تصنع مختلف أنواع الطعام من الماء، ولإنه يحتاج لصنعها إلى طاقة كهربية عالية، فخلال احتفال يقيمه العمدة لاجتذاب السياح إلى المدينة، يتسلل فلينت إلى محطة الطاقة، وكعادته في تصرفاته الخرقاء يطير الاختراع إلى السماء، ويتحول إلى فرن هائل يحول السحب إلى طعام، ويكفي للمرء أن يفكر في نوع ما من الأطعمة لكي يجده ينهمر من السماء!
هل هناك حلم "ألذ وأشهى" من ذلك الاختراع؟ لكن مهلا، فالإنجازات العلمية لا تكفي لكي تحقق أحلام الناس كما ينبغي لها أن تكون، ودائما ما يحتاج العلم إلى "الأخلاق" لكي تتوجه الاختراعات الجديدة إلى اتجاهها الصحيح، وتلك رسالة أخرى من رسائل الفيلم. إن اختراع فلينت يبدو للجميع كأن يحقق عالما يشبه الجنة، لكن في أي شيء يفكر البشر؟ سوف يفكرون في كل الأطعمة التافهة التي لا تغني أو تسمن: شطائر "الهامبورجر" أو "البيتزا" أو "الاسباجتي"، تنهمر كأنها المطر فوق رؤوس الجميع فيسري الابتهاج في المدينة التي عاشت أعواما طويلة على السردين وحده.
مرة أخرى تجد بين السطور أفكارا أكثر عمقا مما تبدو في الظاهر: هناك مجتمعات تعيش حالة من التقشف نتيجة ظروف اقتصادية خاصة، ومن بين هذه الظروف على سبيل المثال تخصيص الجانب الأكبر من الموارد للتصنيع، وعادة ماتشعر هذه الشعوب بالحرمان نتيجة هذه السياسات دون أن تنظر إلى الهدف المستقبلي البعيد، وتتلاعب دول أخرى بمشاعر الحرمان تلك لكي تجعل الشعوب تفقد إيمانها بوطنها، تماما كما حدث خلال الحرب الباردة بين الكتلتين الشرقية والغربية، وهاهي دول المعسكر الشرقي قد انهارت لأن شعوبها استولى عليها الشعور بافتقاد كل السلع الاستهلاكية التي يتمتع بها أبناء النظم الرأسمالية، فهل بعد أن غزت تلك السلع بلدان الشرق تحقق لها "الرخاء" المأمول؟ إن ذلك يذكرنا بما حدث في بعض البلدان العربية التي فقدت خطط تصنيعها لكي تتحول إلى الاقتصاد الاستهلاكي، وأنت تعرف جيدا ما آلت إليه هذه البلاد على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. وربما تساءل القارئ: وهل يمكن لفيلم أمريكي موجه للأطفال أن يحتوي على هذه الأفكار "التقدمية"؟ وأرجو أن يحاول القارئ أن يعيد مشاهدة أفلام التحريك التي صنعتها شركة بيكسار الأمريكية، مثل "شركة الوحوش المتحدة" أو "حياة حشرة" لكي يرى كيف أن هذه الأفكار السياسية التقدمية تسري في هذه الأفلام.
سوف يتحول اختراع فلينت إلى كارثة، حين يتحول انهمار الطعام من السماء إلى فيضانات وموجات من الإعصار، ويمكنك أن تلاحظ في خلفية الصورة كيف أن نشرات الأخبار التليفزيونية تذيع أنباء عن حرب العراق تارة، وعن إعصار كاترينا تارة أخرى، لتدرك أن صناع الفيلم يقصدون هنا مجتمعا تحول إلى الرأسمالية الاستهلاكية تماما، وهو الأمر الذي يتجسد في العمدة رجل السياسة، الذي لا يتوقف عن التهام الطعام وما يزال يطلب المزيد، إنه يصبح بدينا على نحو لا يصدق، حتى أنه يتحرك على كرسي ذي عجلات، ومع ذلك فإنه يريد من فلينت أن يزاد انهمار الطعام من آلته العجيبة فوق المدينة، بزعم أن ذلك سوف يجعل السائحين يأتون إلى الجزيرة أفواجا، وأرجو أن تتأمل مصير هذا العمدة في نهاية الفيلم (وهنا أرجوك أن تبقى في دار العرض لتشاهد بعض اللقطات بعد نزول العناوين الأخيرة)، إن العمدة يسبح في الفيضان على طوف مصنوع من الطعام، إنه لا يتوقف عن التهامه، لذلك فإن الطوف نفسه يتآكل، ليغرق العمدة نتيجة شراهته التي بلا حدود، بما يذكرك بتعبير "الرأسمالية المتوحشة" التي تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله!
لن يجد بطلنا فلينت مفرا من أن يطير بنفسه إلى قلب الآلة العجيبة، التي تشبه جحيما حقيقيا، تصحبه في هذه الرحلة الخطرة صديقته الجميلة سام (أنَّا فاريس)، الصحافية التليفزيونية التي أتت للمدينة لتغطية بعض الأخبار، ونكتشف أنها كانت في الماضي مذيعة للنشرة الجوية، لكنها تعاني من فقدان الثقة بالنفس، وهي الثقة التي تستعيدها مع فلينت في الوقت الذي تؤكد له أيضا ثقته في نفسه. سوف يحاول فلينت أن يوقف الآلة الجهنمية عن إغراق الأرض بالطعام إلى الحد الذي يتحول فيه هذا الطعام إلى أكداس من القمامة، ومن خلال هذه المحاولة سوف يستعين فلينت بأبيه في مشهد شديد الإثارة، وسوف تلاحظ أن صانعي الفيلم قد نثروا مشاهد الحركة المثيرة خلال الفيلم في نوع من إبهار المتفرجين من الأطفال، وإن كانت بعض هذه المشاهد تتحول أحيانا إلى نوع من رحلة الملاهي التي تخلو من الدراما وإن لم تكن تخلو من المتعة، مثل المشهد الذي يسبح فيه فلينت وصديقته سام فوق "الجيللي" وبداخله، كأنه حلم مبهر جميل بفقدان الشعور بالجاذبية الأرضية.
هناك حيلة درامية بارعة ليتنا نتعلم منها في كتابة سيناريوهات أفلامنا، وهي ما يسمى "زرع" وسائل حل الأزمة الدرامية منذ بداية الفيلم، فإن كنت تذكر اختراعات فلينت الفاشلة في مستهل الأحداث، مثل لاصق رباط الأحذية، أو الفئران الطائرة، فتلك سوف تكون هي بعض الأدوات التي يستخدمها صناع الفيلم للوصول إلى النهاية السعيدة، ناهيك عن حل الصراع بين الأب والابن في اختلاف أفكارهما، لقد أدرك الابن في النهاية أن الأب كان على "بعض" الحق في ألا ينساق المرء أمام أحلامه دون أن يكون لديه هدف أخلاقي، كما أن الأب سوف يدرك أيضا أن الابن على بعض الحق في أن يحلم بواقع مختلف عن الواقع السائد، إن الأب قد لا يصرِّح بذلك، لكن فلينت كان قد اخترع آلة تحول الأفكار إلى كلمات منطوقة، وهاهي أفكار الأب يتم الإفصاح عنها في تدفق لتعرب عن إعجابه بذكاء وشجاعة ابنه، في مشهد عاطفي مؤثر يحقق التوافق بين مواقف الجيلين التي تبدو في ظاهرها متعارضة.
بقدر الإعجاب بأن فيلما للأطفال يحتوي على هذه الأفكار والرسائل الناضجة، فإن المرء يشعر بالأسى تجاه الكثير من أعمالنا الفنية التي تعامل جمهورها من البالغين باعتبارهم أطفالا لا يملكون عقولا! ولقد أدركت الكثير من أفلام التحريك الأمريكية في الآونة الأخيرة أهمية الرسالة التي يحملها العمل الفني، وهي في طريقها لتحقيق ذلك تجمع بين المتعة والجدية، ولتتأمل على سبيل المثال كيف أن الفيلم يجعل بطله يفقد أمه التي تموت قبل أن ترى حلمها يتحقق، وكأن الفيلم يزرع في الطفل بعض حقائق الحياة القاسية، وتأمل أيضا كيف يمكن للأحلام أن تتحول إلى كوابيس إن لم يكبح الإنسان جماحها، من خلال القيم الأخلاقية والإنسانية، لذلك كله نرجو من أعمالنا الفنية أن تتعلم من مثل هذه الأفلام كيف يمكن أن تجمع بين المتعة والرسالة، وأن تتذكر أن الفن، أي فن، ومهما كانت بساطته، يسعى دائما إلى الحق، والخير، والجمال.

Monday, January 10, 2011

البحث عن المسيح المصرى


لست أنسى تلك اللحظة من المرارة واليأس التى مرت بى، عندما استولى على روحى وعقلى شعور بأن تلك هى نهاية الطريق، إذ كلما نظرت حولى فى وسائل الإعلام أو على صفحات الجرائد لم أجد إلا حالة من الفوضى الهائلة والعبث الكامل، كأننا ندور فى دوامة لكننا لا ندرى أن بعدها الطوفان والغرق .... أدرت مؤشر المذياع إلى جوارى فى ملل أبحث عن أى ضجيج يملأ هذا الفراغ الذى يحيط بى ويتسلل إلى داخلى، وتوقفت بالمؤشر عند موسيقى غامضة أثارت فضولى، فلا هى شرقية ولا غربية، أتلمس فيها أحيانا بعضا من "سلطنة" محمد عثمان وزكريا أحمد، وكلاسيكية الموسيقى التركية القديمة، ولمحات من شجن همهمات المتصوفين، وآهات وكلمات لا أعرفها لكنى أشعر أنها صادرة من أعماق قلبى، محتشدة بذلك الشعور الذى يمزج بين السعادة والأسى، فإذا بى أدرك فجأة أن هناك المزيد من الجمال لكى أكتشفه فى هذا الوطن الذى يبدو كأنه يحتضر لكن به قوة هائلة ترفض أن تموت وتأبى إلا أن تحيا، وكان السبب وراء ذلك الشعور المتفائل هو الموسيقى التى وصلت إلى سمعى على غير موعد، وحين ترقبت لحظة معرفة كنهها جاء الخبر كمفاجأة أعرفها للمرة الأولى ولم أحسب لها حسابا : لقد كانت موسيقى لفرقة ديفيد بقيادة جورج كيرلس.
كانت إذن موسيقى "قبطية"، مصدر الجدة فيها أنها عزفت على آلات التخت كما نعرفها فى موسيقانا الشرقية : العود والقانون والكمنجة والناى، وليس فقط على نغمات الصنج المعتادة فى ألحان وتراتيل الكنائس، كما كانت أصوات المغنين تصدر من نفس أوتار الحنجرة وأركان القفص الصدرى التى غنى بها سيد درويش موشح "ياشادى الألحان"، ولا أخفى على القارئ أننى اكتشفت ساعتها أن بعضا من ألحان سيد درويش الشهيرة مثل "الحلوة دى قامت" أو "سالمة ياسلامة" فيها بعض لمحات تأثير قبطى عميق، وقلت لنفسى : "ياه !! أإلى هذا الحد المبهر استطاعت الثقافة المصرية ـ بتلقائية شديدة ودون أدنى تعسف ـ أن تكون بوتقة انصهرت فيها تيارات متعددة عبر التاريخ، لتشكل سبيكة متفردة يكاد أن يصعب عليك فيها أن تميز بين تراتيل الكنيسة وأناشيد المتصوفين؟!". ومن يتشكك فى هذا أرجو أن يحاول الاستماع إلى بعض التواشيح الدينية للشيخ على محمود صاحب الصوت الأوبرالى الفريد.
يقول المثل المصرى : "إيش لم الشامى على المغربى"، والإجابة هى "مصر"، التى جاءتها كليوباترا اليونانية فأصبحت مصرية، وحكمها الأكراد والمماليك وغيرهم فأصبحوا وأبناؤهم مصريين خالصين، مصر البلد الوحيدة التى يحتفل فيها القبطى والمسلم بذكرى أربعين الموتى، مصر التى أخذت من الفاطميين احتفالاتهم الدنيوية وتركت لهم كل تزمت دينى، مصر التى إذا مرت جنازة قبطى أو مسلم رفع الجميع سباباتهم للسماء، مصر وحدها التى يحتفل فيها كل أبنائها بعيد شم النسيم، ينبتون الحلبة والترمس فإذا بالحبة النيئة الجافة تدب فيها الحياة، فى اليوم التالى لعيد قيامة السيد المسيح من الأموات، وكأن العيد المصرى الخالص ـ وهو كذلك بالفعل ـ يعيد الطقس الدينى إلى أصله منذ أعياد أوزوريس فى الاحتفال والاحتفاء بعودة الطبيعة ذاتها من موات الشتاء إلى حياة الربيع، وهى العودة التى يتمسك بها المصريون مهما اسودت أمامهم دروب الحياة لأنها الأمل والدليل على أن من الممكن لهذه الأمة دائما أن "تبعث من جديد".
كيف يمكن لهذه الثقافة الفريدة والمقاومة للموت أن تواجه التعنت الذى نشهده اليوم من "رجال" الدين الإسلامى والمسيحى على السواء؟ ونحن نؤكد على أنهم "رجال" ولا يمكن أن يكونوا "الدين"، هؤلاء الذين اجتمعت آراؤهم على الوقوف فى وجه مشروع أى عمل فنى عن الأنبياء، لأن بعضهم يقولون أن من "المحرم" تمثيل الأنبياء والرسل وحتى الصحابة، والحقيقة أن تلك ليست الأسباب الحقيقية وراء "المنع"، فالسبب هو أن هؤلاء "الرجال" يريدون أن يحتكروا لأنفسهم تلك الشخصيات الدينية، فلا يسمحون لغيرهم أن يتناولوها بوجهة نظر جديدة "خارج المؤسسة"، وليس ببعيد عنا كيف أن كتاب عبد الرحمن الشرقاوى "محمد رسول الحرية" يكاد أن يواجه التجاهل رغم أهميته، وكيف مُنعت مسرحيتاه "ثأر الله" من السبعينات حنى اليوم لأنهما تتحدثان عن "الحسين ثائرا" و"الحسين شهيدا"، وفيهما أوجه تشابه كثيرة مع رحلة السيد المسيح إلى الصليب، فكلاهما ـ الحسين والمسيح ـ ثائر ضد الظلم فى هذا العالم، وحمل قلبه على كفه لكى يوصل رسالته، وسار إلى قدره الذى يعنى عند الظالمين موت الثورى، وهم لا يدركون أن ذلك بعينه يعنى ولادة الثورة وحياتها الأبدية.
منذ عدة أعوام أقدم ميل جيبسون على إنتاج فيلمه "الآلام" عن الساعات الأخيرة من حياة المسيح وصلبه، وواجه الفيلم انتقادات حادة من اليمين واليسار على السواء، لأن الفيلم تجاهل رسالة التسامح والعدالة والثورة التى جاء بها المسيح ليركز الفيلم على بث روح "الانتقام" الذى سوف يستقر لا محالة فى نفوس المتفرجين، ومع ذلك فإن أحدا لم يقف فى طريق صنع الفيلم. وهانحن اليوم، فى زمن تعود فيه فتوى تحريم "التماثيل" دون أن يتحدث من يفتى عن "التمثيل" بالمواطنين وتعذيبهم معنويا وجسديا فى ظل ظلم اجتماعى جائر وفادح وفاضح، هانحن مازلنا نمنع عرض مسرحيتى "ثأر الله"، ونقف فى وجه صنع فيلم مصرى عن المسيح، برغم أن الحسين والمسيح لنا جميعا ولا يملك أحد أن يفرض نفسه مالكا وحيدا وحصريا لهما أو لغيرهما. إن هؤلاء الذين يمثلون الدين "الرسمى" يستدعون إلى ذاكرتى دائما قصة أعيد تكرارها هنا، رواها مؤرخ الفن التشكيلى الأكبر جومبريتش، وأطلق عليها اسم "الفضيحة"، عن تكليف الكنيسة الكاثوليكية الفنان كارافاجو (1573-1610) بصنع لوحة عن القديس "متّى" وهو يكتب نسخته من الإنجيل، فقام الفنان بتصويره فى هيئة رجل عجوز فقير يكتب السطور بيده المعروقة وكأنه يناضل من أجل البحث عن الكلمات، لكن رجال الكنيسة رفضوا اللوحة لزعمهم أنها تقلل من قداسة "متّى"، وأجبروا الفنان على صنع لوحة أخرى يلتزم فيها بالتقاليد التى يجب أن يظهر فيها القديسون فى أبهى صورة، بينما يتلقون الوحى من الملائكة ويكتبون دون أى أثر من عناء.
لقد أراد كارافاجو أن يتوجه بعمله للبسطاء، بينما أراد "رجال" الدين الاحتفاظ بالأنبياء والقديسين محاصرين ومحصورين داخل جدران المعابد، ربما لأنهم لا يريدون أن تكون "أعمال الرسل" نموذجا يمنح البسطاء القدرة على المقاومة والرفض والتمرد والثورة، على نحو ما صنع بازولينى فى فيلمه "الإنجيل طبقا لرواية متى" (1966) الذى كان يحكى عن مسيح للفقراء يلقى عليهم تعاليمه التى تسعى لإرساء مبادئ المساواة والعدالة على الأرض. ولقد تحدث بيرنارد شو طويلا فى مقدمة مسرحيته "أندروكليز والأسد" عن رسالة المسيح الثورية التى تحولت بعده إلى مجموعة من التعاليم التى يمكن بها للسلطة الدينية ـ كما حدث بالفعل فى أوربا ـ أن تستخدمها لتكريس الوضع السائد للسلطة السياسية والاقتصادية. كما تحفل روايات كازانتزاكيس برجال دين ثوريين يقفون فى وجه رجال دين رجعيين، وهو الأمر الذى يحدث فى كل زمان ومكان فى سياق التاريخ البشرى، والمهم هو الاختيار بين هذا المعسكر أو ذاك، مثلما اختار رجال الدين فى إيطاليا خلال الحرب العالمية الثانية الوقوف مع الشيوعيين صفا واحدا لمقاومة الاحتلال النازى، كما أصبح "لاهوت التحرير" هو إنجيل الثوريين فى أمريكا اللاتينية. إن المسيح أو الحسين أو أى رمز دينى آخر لم يبقوا فى وجداننا بكل هذا العمق لأن رجال الدين فرضوهم علينا، ولكن لأنهم يضربون لنا المثل فى القدرة على مقاومة الموت بكل أشكاله. وأرجو أن تتأمل كلمات كازانتزاكيس : "لكى يصعد المسيح إلى الصليب، ونحو ذروة التضحية والفداء .... عبر المسيح كل المراحل التى يعبرها الإنسان فى نضاله، وهذا هو السبب فى أن آلامه تبدو مألوفة لنا، ولهذا فإننا نتقاسمها معه، ويبدو انتصاره النهائى وكأنه بشير لانتصارنا فى المستقبل..". وكم نتوق بعد كل هذه الآلام التى نعانيها للانتصار، والقيام من هذا الموت الذى فرضوه علينا، لكننا لن نموت مادام هناك فن حقيقى يبعث الحياة فى كل رموزنا للمقاومة، ويؤكد أن بداخل أعماقنا ذلك الرحيق من العذوبة والأسى الذى منحته لى موسيقى فرقة ديفيد القبطية المصرية العربية الشرقية...نعم، نحن أحياء، لأننا أقباطا ومصريين نؤمن بأن "الله حى".

Sunday, January 09, 2011

مجانين الإعلانات فى نعيم



لا شك أننا نعيش فى عصر الإعلان الذى يحاصرنا فى كل مكان، فلا تكاد تدير مفتاح التليفزيون أو تضغط على الريموت كونترول حتى تنهال عليك الإعلانات التى ابتلعت البرامج بداخلها وشفطت معها حياتك، تماما كما حدث فى فيلم كوميدى إيطالى للممثل والمؤلف والمخرج ماوريتسيو نيكيتى يحمل عنوان "سارقو النجفات"، يبدو فى ظاهره تنويعا ساخرا على فيلم دى سيكا الشهير "سارقو الدراجات"، لكنه فى أعماقه يحمل سخرية مريرة من عصرنا الاستهلاكى الذى لم تعد فيه سرقة دراجة تتم بدافع الجوع ولقمة العيش، وإنما لأن الإعلان خلق لدينا احتياجا زائفا لأشياء قد يمكننا أن نعيش بدونها، بل من المؤكد أننا سوف نعيش على نحو أفضل بدونها، ولكن ماذا يفعل بطل الفيلم وقد وجد نفسه مبتلعا ـ بالمعنى الحرفى للكلمة ـ داخل جهاز تليفزيون يقوده مثل "أليس فى بلاد العجائب" إلى عالم ملون بديل عن عالمه الحقيقى؟
تبدو الإعلانات دائما كالأحلام، وهو ما يتضمن أن حياتنا الحقيقية ينقصها شئ ما، لكن دور الإعلانات الاستهلاكية أنها لا تخبرك أبدا بالأشياء الحقيقية التى تنقص حياتنا لكى تصبح حياة جديرة بأن نحياها، وإنما تشتت انتباهك وتحكى لك عن أشياء زائفة وتعدك بحياة افتراضية هى فى الحقيقة "يوتوبيا" مشوهة. فلنبدأ من نقطة الصفر : يقول لك الإعلان أن تلفزيونك لا يعرض لك الألوان المبهجة لهذه اليوتوبيا، ويقترح عليك أن تشترى ـ الآن وفورا ـ تليفزيونا من الماركة "الفلانية"، ولكى يؤكد لك صدق كلامه فإنه يعرض عليك شاشتين إحداهما ذات ألوان باهتة والأخرى زاهية الألوان، وربما أدركت بفطنتك الخدعة وقلت لنفسك : "إذا كان تليفزيونى قد عرض بالفعل الألوان الزاهية فما حاجتى لتليفزيون آخر؟"، وهنا سوف يلاحقك إعلان آخر تظهر فيه الممثلة الفاتنة، تلتقطك أنت بالذات من بين ملايين المشاهدين وتدعوك أن تقترب بإشارة من إصبعها وابتسامة ونظرة تعيد الشيخ إلى صباه، وعندما تلبى إشارتها ممنيا النفس بالقرب فسوف تفاجأ بأنها ليست إلا شاشة تليفزيون ماركة "اللى بالى بالك"، فهو كما يقول الإعلان "حقيقى أكثر من اللازم"!
آه من "أكثر من اللازم هذه"، وياليت أصحاب هذه الإعلانات والسلع يعرفون أنها بالفعل أكثر من اللازم فى مجتمع يعانى من أزمات عميقة فادحة، وتعيش فيه الأغلبية تحت خط الفقر حيث يجدون بالكاد قوت يومهم، ويمضون لياليهم فى قلق من الغد، حيث لا توجد ضمانات لحقوق إنسانية بسيطة كالعلاج والمسكن، لكن لا تقلق فمبدأ الإعلانات هو "اللى ما يشترى يتفرج"، والإعلان سوف يسألك لماذا لا تنضم للألف أسرة فى "نعيم لاند" حيث حمامات السباحة والجولف؟ وصحيح : لماذا لا تفعل فتصبح هناك ألف أسرة وواحدة فى النعيم ولتذهب الأسر الباقية من المصريين إلى "جحيم لاند"؟ وإذا زنقت معك خالص فإن هناك إعلانا يؤكد لك أنه "لو اتصلت بنمرة كذا ممكن تكسب شقة"، مع الاعتذار لوزارة الإسكان لأنها لا تملك هذه النمر السحرية لآنها مشغولة فى "نمر" أخرى، أما إذا انشغل بالك بقلقك على صحتك فلتضع فى بطنك بطيخة صيفى لأن هناك من يجمع التبرعات ويستجدى المحسنين أن "يتصلوا الآن" من أجل مشروعات غامضة لعلاجك.
هل أنت طماع ياأخى ولدينا كل أرقام هذه التليفونات التى تغنيك عن مطالبة الدولة بحقوقك أو عن سؤال اللئيم؟ فكل شئ فى حياتنا الآن مرهون بذلك القمار التليفونى الذى من حقنا أن نشك فى النوايا وراء إثارته وتكريسه على هذا النحو، وتأكيد قيم البلادة والشعور بأننا لا نعيش فى وطن وإنما فى ناد للقمار حيث الركون للحظ الأعمى بالإجابة عن أسئلة بلهاء، ناهيك عن الشك فى مشروعية هذه النشاطات التى تذكرك بمؤامرة شركات توظيف الأموال التى ماتزال حتى اليوم تنتظر من يكشف عن التحالفات الغامضة وراء إنشائها وذيوعها، ومن المؤلم أن الشعب المصرى مايزال يتعرض للنصب فى كل المجالات مرة بعد أخرى لننسى سريعا ونصبح ضحايا عملية نصب جديدة، لكن على كل حال فإن العملية هذه المرة لا تحتاج لإنشاء مقر للشركة المزعومة وموظفين وأوراق وحسابات وإكسسوارات وكومبارسات، فكل الحكاية رقم تليفون،و نرجو من شركة الاتصالات الحكومية أن تدلنا على قانونية بيعها لهذه الأرقام التى تستخدم لنشاطات وهمية، لكننا نعرف مسبقا أن الشركة لن ترد ربما لآن تليفوناتها مرفوعة من الخدمة!
هناك فى الحقيقة جانب آخر من القضية، وهو أن قطاعا كبيرا من الاقتصاد المصرى قد توجه أخيرا ـ وبرعاية حكومتنا الرشيدة ـ إلى نشاطات ليست لها علاقة من قريب أو بعيد بالانتاج أو معدلات التنمية التى صدعوا أدمغتنا بها، ولكن إلى نشاطات خدمية تدر أرباحا هائلة من خلال رأسمال محدود، وتأتى التليفونات المحمولة على رأس هذه النشاطات، ولتتأمل الإعلان الذى يصور كل فئات الشعب المصرى وقد خرجت من رأسه ـ بالمعنى الحرفى للكلمة ـ إشارة الإرسال، وإذا صرفت النظر عن الأخطار الصحية الناجمة عن إشارة رأسك، فإن هذا يعنى ترسيخ مفهوم "الاتصال بدلا من التواصل"، ناهيك عن هول الأرقام التى تترجم مكاسب هذه الشركات، فهل فكر أحد الاقتصاديين فى دراسة دورة رأس المال فى الهواتف المحمولة ويقارنها ـ مثلا ـ بتلك التى فى صناعة الدواء؟
تقول لك الإعلانات ألا تشغل بالك كثيرا بمثل هذه الهموم، فالقمح الأمريكى ـ وعلى علبته ألوان ونجوم العلم الأمريكى ـ بديل عن القمح المصرى المأسوف على تاريخه الممتد لآلاف السنين، وشركات "الطعام النفايات" ـ كما يسميها الأمريكيون أنفسهم ـ ترعى الأيتام وتأخذ بالها منهم، والسينما الأمريكية تطل برأسها فى الإعلانات فى كادرات ولقطات مسروقة بالمسطرة من أفلام مثل "المرأة القط" و "مدينة الخطيئة"، ونجوم السينما المصرية أحمد ( السقا وعز وعيد ) سوف يدعونك لقرقشة البطاطس المقلية وشرب الحاجة الساقعة، أما المغنية الفلانية فيكفى أن تجلس براحتها أمام الكاميرا وتمص المشروب بينما تصدر أصوات فحيح الانبساط. وإن كنت تسأل من أين تأتى بالمال الذى يسهل لك شراء كل هذه السلع فهناك إعلان يبشرك أن "الملايين ـ الأرانب ـ هاتجرى وراك بعشرة جنيه بس يامؤمن"، ولا داعى لخوفك من الضرائب فى إعلان لا ندرى كم تكلف وإلى من يتم توجيهه وماهى المكاسب التى تحققت منه، بينما يتعرض المواطن المصرى الغلبان لكل أنواع الضرائب منذ لحظة ميلاده حتى مماته. وإذا كنت مثلى تدعو إلى التغيير فهناك إعلان يؤكد لك أن التغيير قد تم فعلا لأن "طعم السمنة إتغير"!! لعلك تفكر الآن ساخطا فى أن تسأل هؤلاء الإعلانيين :"كل هذه الإعلانات وتريدون أن تدخلوا الجنة؟"، لكنهم مظلومون معنا لأنهم جعلونا نعيش فى جنة بالفعل عندما طيروا البرجين الفاضلين فى رؤوسنا، وحولونا إلى مجانين، والمجانين ـ كما تعلم ـ فى نعيم!