Monday, January 10, 2011

البحث عن المسيح المصرى


لست أنسى تلك اللحظة من المرارة واليأس التى مرت بى، عندما استولى على روحى وعقلى شعور بأن تلك هى نهاية الطريق، إذ كلما نظرت حولى فى وسائل الإعلام أو على صفحات الجرائد لم أجد إلا حالة من الفوضى الهائلة والعبث الكامل، كأننا ندور فى دوامة لكننا لا ندرى أن بعدها الطوفان والغرق .... أدرت مؤشر المذياع إلى جوارى فى ملل أبحث عن أى ضجيج يملأ هذا الفراغ الذى يحيط بى ويتسلل إلى داخلى، وتوقفت بالمؤشر عند موسيقى غامضة أثارت فضولى، فلا هى شرقية ولا غربية، أتلمس فيها أحيانا بعضا من "سلطنة" محمد عثمان وزكريا أحمد، وكلاسيكية الموسيقى التركية القديمة، ولمحات من شجن همهمات المتصوفين، وآهات وكلمات لا أعرفها لكنى أشعر أنها صادرة من أعماق قلبى، محتشدة بذلك الشعور الذى يمزج بين السعادة والأسى، فإذا بى أدرك فجأة أن هناك المزيد من الجمال لكى أكتشفه فى هذا الوطن الذى يبدو كأنه يحتضر لكن به قوة هائلة ترفض أن تموت وتأبى إلا أن تحيا، وكان السبب وراء ذلك الشعور المتفائل هو الموسيقى التى وصلت إلى سمعى على غير موعد، وحين ترقبت لحظة معرفة كنهها جاء الخبر كمفاجأة أعرفها للمرة الأولى ولم أحسب لها حسابا : لقد كانت موسيقى لفرقة ديفيد بقيادة جورج كيرلس.
كانت إذن موسيقى "قبطية"، مصدر الجدة فيها أنها عزفت على آلات التخت كما نعرفها فى موسيقانا الشرقية : العود والقانون والكمنجة والناى، وليس فقط على نغمات الصنج المعتادة فى ألحان وتراتيل الكنائس، كما كانت أصوات المغنين تصدر من نفس أوتار الحنجرة وأركان القفص الصدرى التى غنى بها سيد درويش موشح "ياشادى الألحان"، ولا أخفى على القارئ أننى اكتشفت ساعتها أن بعضا من ألحان سيد درويش الشهيرة مثل "الحلوة دى قامت" أو "سالمة ياسلامة" فيها بعض لمحات تأثير قبطى عميق، وقلت لنفسى : "ياه !! أإلى هذا الحد المبهر استطاعت الثقافة المصرية ـ بتلقائية شديدة ودون أدنى تعسف ـ أن تكون بوتقة انصهرت فيها تيارات متعددة عبر التاريخ، لتشكل سبيكة متفردة يكاد أن يصعب عليك فيها أن تميز بين تراتيل الكنيسة وأناشيد المتصوفين؟!". ومن يتشكك فى هذا أرجو أن يحاول الاستماع إلى بعض التواشيح الدينية للشيخ على محمود صاحب الصوت الأوبرالى الفريد.
يقول المثل المصرى : "إيش لم الشامى على المغربى"، والإجابة هى "مصر"، التى جاءتها كليوباترا اليونانية فأصبحت مصرية، وحكمها الأكراد والمماليك وغيرهم فأصبحوا وأبناؤهم مصريين خالصين، مصر البلد الوحيدة التى يحتفل فيها القبطى والمسلم بذكرى أربعين الموتى، مصر التى أخذت من الفاطميين احتفالاتهم الدنيوية وتركت لهم كل تزمت دينى، مصر التى إذا مرت جنازة قبطى أو مسلم رفع الجميع سباباتهم للسماء، مصر وحدها التى يحتفل فيها كل أبنائها بعيد شم النسيم، ينبتون الحلبة والترمس فإذا بالحبة النيئة الجافة تدب فيها الحياة، فى اليوم التالى لعيد قيامة السيد المسيح من الأموات، وكأن العيد المصرى الخالص ـ وهو كذلك بالفعل ـ يعيد الطقس الدينى إلى أصله منذ أعياد أوزوريس فى الاحتفال والاحتفاء بعودة الطبيعة ذاتها من موات الشتاء إلى حياة الربيع، وهى العودة التى يتمسك بها المصريون مهما اسودت أمامهم دروب الحياة لأنها الأمل والدليل على أن من الممكن لهذه الأمة دائما أن "تبعث من جديد".
كيف يمكن لهذه الثقافة الفريدة والمقاومة للموت أن تواجه التعنت الذى نشهده اليوم من "رجال" الدين الإسلامى والمسيحى على السواء؟ ونحن نؤكد على أنهم "رجال" ولا يمكن أن يكونوا "الدين"، هؤلاء الذين اجتمعت آراؤهم على الوقوف فى وجه مشروع أى عمل فنى عن الأنبياء، لأن بعضهم يقولون أن من "المحرم" تمثيل الأنبياء والرسل وحتى الصحابة، والحقيقة أن تلك ليست الأسباب الحقيقية وراء "المنع"، فالسبب هو أن هؤلاء "الرجال" يريدون أن يحتكروا لأنفسهم تلك الشخصيات الدينية، فلا يسمحون لغيرهم أن يتناولوها بوجهة نظر جديدة "خارج المؤسسة"، وليس ببعيد عنا كيف أن كتاب عبد الرحمن الشرقاوى "محمد رسول الحرية" يكاد أن يواجه التجاهل رغم أهميته، وكيف مُنعت مسرحيتاه "ثأر الله" من السبعينات حنى اليوم لأنهما تتحدثان عن "الحسين ثائرا" و"الحسين شهيدا"، وفيهما أوجه تشابه كثيرة مع رحلة السيد المسيح إلى الصليب، فكلاهما ـ الحسين والمسيح ـ ثائر ضد الظلم فى هذا العالم، وحمل قلبه على كفه لكى يوصل رسالته، وسار إلى قدره الذى يعنى عند الظالمين موت الثورى، وهم لا يدركون أن ذلك بعينه يعنى ولادة الثورة وحياتها الأبدية.
منذ عدة أعوام أقدم ميل جيبسون على إنتاج فيلمه "الآلام" عن الساعات الأخيرة من حياة المسيح وصلبه، وواجه الفيلم انتقادات حادة من اليمين واليسار على السواء، لأن الفيلم تجاهل رسالة التسامح والعدالة والثورة التى جاء بها المسيح ليركز الفيلم على بث روح "الانتقام" الذى سوف يستقر لا محالة فى نفوس المتفرجين، ومع ذلك فإن أحدا لم يقف فى طريق صنع الفيلم. وهانحن اليوم، فى زمن تعود فيه فتوى تحريم "التماثيل" دون أن يتحدث من يفتى عن "التمثيل" بالمواطنين وتعذيبهم معنويا وجسديا فى ظل ظلم اجتماعى جائر وفادح وفاضح، هانحن مازلنا نمنع عرض مسرحيتى "ثأر الله"، ونقف فى وجه صنع فيلم مصرى عن المسيح، برغم أن الحسين والمسيح لنا جميعا ولا يملك أحد أن يفرض نفسه مالكا وحيدا وحصريا لهما أو لغيرهما. إن هؤلاء الذين يمثلون الدين "الرسمى" يستدعون إلى ذاكرتى دائما قصة أعيد تكرارها هنا، رواها مؤرخ الفن التشكيلى الأكبر جومبريتش، وأطلق عليها اسم "الفضيحة"، عن تكليف الكنيسة الكاثوليكية الفنان كارافاجو (1573-1610) بصنع لوحة عن القديس "متّى" وهو يكتب نسخته من الإنجيل، فقام الفنان بتصويره فى هيئة رجل عجوز فقير يكتب السطور بيده المعروقة وكأنه يناضل من أجل البحث عن الكلمات، لكن رجال الكنيسة رفضوا اللوحة لزعمهم أنها تقلل من قداسة "متّى"، وأجبروا الفنان على صنع لوحة أخرى يلتزم فيها بالتقاليد التى يجب أن يظهر فيها القديسون فى أبهى صورة، بينما يتلقون الوحى من الملائكة ويكتبون دون أى أثر من عناء.
لقد أراد كارافاجو أن يتوجه بعمله للبسطاء، بينما أراد "رجال" الدين الاحتفاظ بالأنبياء والقديسين محاصرين ومحصورين داخل جدران المعابد، ربما لأنهم لا يريدون أن تكون "أعمال الرسل" نموذجا يمنح البسطاء القدرة على المقاومة والرفض والتمرد والثورة، على نحو ما صنع بازولينى فى فيلمه "الإنجيل طبقا لرواية متى" (1966) الذى كان يحكى عن مسيح للفقراء يلقى عليهم تعاليمه التى تسعى لإرساء مبادئ المساواة والعدالة على الأرض. ولقد تحدث بيرنارد شو طويلا فى مقدمة مسرحيته "أندروكليز والأسد" عن رسالة المسيح الثورية التى تحولت بعده إلى مجموعة من التعاليم التى يمكن بها للسلطة الدينية ـ كما حدث بالفعل فى أوربا ـ أن تستخدمها لتكريس الوضع السائد للسلطة السياسية والاقتصادية. كما تحفل روايات كازانتزاكيس برجال دين ثوريين يقفون فى وجه رجال دين رجعيين، وهو الأمر الذى يحدث فى كل زمان ومكان فى سياق التاريخ البشرى، والمهم هو الاختيار بين هذا المعسكر أو ذاك، مثلما اختار رجال الدين فى إيطاليا خلال الحرب العالمية الثانية الوقوف مع الشيوعيين صفا واحدا لمقاومة الاحتلال النازى، كما أصبح "لاهوت التحرير" هو إنجيل الثوريين فى أمريكا اللاتينية. إن المسيح أو الحسين أو أى رمز دينى آخر لم يبقوا فى وجداننا بكل هذا العمق لأن رجال الدين فرضوهم علينا، ولكن لأنهم يضربون لنا المثل فى القدرة على مقاومة الموت بكل أشكاله. وأرجو أن تتأمل كلمات كازانتزاكيس : "لكى يصعد المسيح إلى الصليب، ونحو ذروة التضحية والفداء .... عبر المسيح كل المراحل التى يعبرها الإنسان فى نضاله، وهذا هو السبب فى أن آلامه تبدو مألوفة لنا، ولهذا فإننا نتقاسمها معه، ويبدو انتصاره النهائى وكأنه بشير لانتصارنا فى المستقبل..". وكم نتوق بعد كل هذه الآلام التى نعانيها للانتصار، والقيام من هذا الموت الذى فرضوه علينا، لكننا لن نموت مادام هناك فن حقيقى يبعث الحياة فى كل رموزنا للمقاومة، ويؤكد أن بداخل أعماقنا ذلك الرحيق من العذوبة والأسى الذى منحته لى موسيقى فرقة ديفيد القبطية المصرية العربية الشرقية...نعم، نحن أحياء، لأننا أقباطا ومصريين نؤمن بأن "الله حى".

Sunday, January 09, 2011

مجانين الإعلانات فى نعيم



لا شك أننا نعيش فى عصر الإعلان الذى يحاصرنا فى كل مكان، فلا تكاد تدير مفتاح التليفزيون أو تضغط على الريموت كونترول حتى تنهال عليك الإعلانات التى ابتلعت البرامج بداخلها وشفطت معها حياتك، تماما كما حدث فى فيلم كوميدى إيطالى للممثل والمؤلف والمخرج ماوريتسيو نيكيتى يحمل عنوان "سارقو النجفات"، يبدو فى ظاهره تنويعا ساخرا على فيلم دى سيكا الشهير "سارقو الدراجات"، لكنه فى أعماقه يحمل سخرية مريرة من عصرنا الاستهلاكى الذى لم تعد فيه سرقة دراجة تتم بدافع الجوع ولقمة العيش، وإنما لأن الإعلان خلق لدينا احتياجا زائفا لأشياء قد يمكننا أن نعيش بدونها، بل من المؤكد أننا سوف نعيش على نحو أفضل بدونها، ولكن ماذا يفعل بطل الفيلم وقد وجد نفسه مبتلعا ـ بالمعنى الحرفى للكلمة ـ داخل جهاز تليفزيون يقوده مثل "أليس فى بلاد العجائب" إلى عالم ملون بديل عن عالمه الحقيقى؟
تبدو الإعلانات دائما كالأحلام، وهو ما يتضمن أن حياتنا الحقيقية ينقصها شئ ما، لكن دور الإعلانات الاستهلاكية أنها لا تخبرك أبدا بالأشياء الحقيقية التى تنقص حياتنا لكى تصبح حياة جديرة بأن نحياها، وإنما تشتت انتباهك وتحكى لك عن أشياء زائفة وتعدك بحياة افتراضية هى فى الحقيقة "يوتوبيا" مشوهة. فلنبدأ من نقطة الصفر : يقول لك الإعلان أن تلفزيونك لا يعرض لك الألوان المبهجة لهذه اليوتوبيا، ويقترح عليك أن تشترى ـ الآن وفورا ـ تليفزيونا من الماركة "الفلانية"، ولكى يؤكد لك صدق كلامه فإنه يعرض عليك شاشتين إحداهما ذات ألوان باهتة والأخرى زاهية الألوان، وربما أدركت بفطنتك الخدعة وقلت لنفسك : "إذا كان تليفزيونى قد عرض بالفعل الألوان الزاهية فما حاجتى لتليفزيون آخر؟"، وهنا سوف يلاحقك إعلان آخر تظهر فيه الممثلة الفاتنة، تلتقطك أنت بالذات من بين ملايين المشاهدين وتدعوك أن تقترب بإشارة من إصبعها وابتسامة ونظرة تعيد الشيخ إلى صباه، وعندما تلبى إشارتها ممنيا النفس بالقرب فسوف تفاجأ بأنها ليست إلا شاشة تليفزيون ماركة "اللى بالى بالك"، فهو كما يقول الإعلان "حقيقى أكثر من اللازم"!
آه من "أكثر من اللازم هذه"، وياليت أصحاب هذه الإعلانات والسلع يعرفون أنها بالفعل أكثر من اللازم فى مجتمع يعانى من أزمات عميقة فادحة، وتعيش فيه الأغلبية تحت خط الفقر حيث يجدون بالكاد قوت يومهم، ويمضون لياليهم فى قلق من الغد، حيث لا توجد ضمانات لحقوق إنسانية بسيطة كالعلاج والمسكن، لكن لا تقلق فمبدأ الإعلانات هو "اللى ما يشترى يتفرج"، والإعلان سوف يسألك لماذا لا تنضم للألف أسرة فى "نعيم لاند" حيث حمامات السباحة والجولف؟ وصحيح : لماذا لا تفعل فتصبح هناك ألف أسرة وواحدة فى النعيم ولتذهب الأسر الباقية من المصريين إلى "جحيم لاند"؟ وإذا زنقت معك خالص فإن هناك إعلانا يؤكد لك أنه "لو اتصلت بنمرة كذا ممكن تكسب شقة"، مع الاعتذار لوزارة الإسكان لأنها لا تملك هذه النمر السحرية لآنها مشغولة فى "نمر" أخرى، أما إذا انشغل بالك بقلقك على صحتك فلتضع فى بطنك بطيخة صيفى لأن هناك من يجمع التبرعات ويستجدى المحسنين أن "يتصلوا الآن" من أجل مشروعات غامضة لعلاجك.
هل أنت طماع ياأخى ولدينا كل أرقام هذه التليفونات التى تغنيك عن مطالبة الدولة بحقوقك أو عن سؤال اللئيم؟ فكل شئ فى حياتنا الآن مرهون بذلك القمار التليفونى الذى من حقنا أن نشك فى النوايا وراء إثارته وتكريسه على هذا النحو، وتأكيد قيم البلادة والشعور بأننا لا نعيش فى وطن وإنما فى ناد للقمار حيث الركون للحظ الأعمى بالإجابة عن أسئلة بلهاء، ناهيك عن الشك فى مشروعية هذه النشاطات التى تذكرك بمؤامرة شركات توظيف الأموال التى ماتزال حتى اليوم تنتظر من يكشف عن التحالفات الغامضة وراء إنشائها وذيوعها، ومن المؤلم أن الشعب المصرى مايزال يتعرض للنصب فى كل المجالات مرة بعد أخرى لننسى سريعا ونصبح ضحايا عملية نصب جديدة، لكن على كل حال فإن العملية هذه المرة لا تحتاج لإنشاء مقر للشركة المزعومة وموظفين وأوراق وحسابات وإكسسوارات وكومبارسات، فكل الحكاية رقم تليفون،و نرجو من شركة الاتصالات الحكومية أن تدلنا على قانونية بيعها لهذه الأرقام التى تستخدم لنشاطات وهمية، لكننا نعرف مسبقا أن الشركة لن ترد ربما لآن تليفوناتها مرفوعة من الخدمة!
هناك فى الحقيقة جانب آخر من القضية، وهو أن قطاعا كبيرا من الاقتصاد المصرى قد توجه أخيرا ـ وبرعاية حكومتنا الرشيدة ـ إلى نشاطات ليست لها علاقة من قريب أو بعيد بالانتاج أو معدلات التنمية التى صدعوا أدمغتنا بها، ولكن إلى نشاطات خدمية تدر أرباحا هائلة من خلال رأسمال محدود، وتأتى التليفونات المحمولة على رأس هذه النشاطات، ولتتأمل الإعلان الذى يصور كل فئات الشعب المصرى وقد خرجت من رأسه ـ بالمعنى الحرفى للكلمة ـ إشارة الإرسال، وإذا صرفت النظر عن الأخطار الصحية الناجمة عن إشارة رأسك، فإن هذا يعنى ترسيخ مفهوم "الاتصال بدلا من التواصل"، ناهيك عن هول الأرقام التى تترجم مكاسب هذه الشركات، فهل فكر أحد الاقتصاديين فى دراسة دورة رأس المال فى الهواتف المحمولة ويقارنها ـ مثلا ـ بتلك التى فى صناعة الدواء؟
تقول لك الإعلانات ألا تشغل بالك كثيرا بمثل هذه الهموم، فالقمح الأمريكى ـ وعلى علبته ألوان ونجوم العلم الأمريكى ـ بديل عن القمح المصرى المأسوف على تاريخه الممتد لآلاف السنين، وشركات "الطعام النفايات" ـ كما يسميها الأمريكيون أنفسهم ـ ترعى الأيتام وتأخذ بالها منهم، والسينما الأمريكية تطل برأسها فى الإعلانات فى كادرات ولقطات مسروقة بالمسطرة من أفلام مثل "المرأة القط" و "مدينة الخطيئة"، ونجوم السينما المصرية أحمد ( السقا وعز وعيد ) سوف يدعونك لقرقشة البطاطس المقلية وشرب الحاجة الساقعة، أما المغنية الفلانية فيكفى أن تجلس براحتها أمام الكاميرا وتمص المشروب بينما تصدر أصوات فحيح الانبساط. وإن كنت تسأل من أين تأتى بالمال الذى يسهل لك شراء كل هذه السلع فهناك إعلان يبشرك أن "الملايين ـ الأرانب ـ هاتجرى وراك بعشرة جنيه بس يامؤمن"، ولا داعى لخوفك من الضرائب فى إعلان لا ندرى كم تكلف وإلى من يتم توجيهه وماهى المكاسب التى تحققت منه، بينما يتعرض المواطن المصرى الغلبان لكل أنواع الضرائب منذ لحظة ميلاده حتى مماته. وإذا كنت مثلى تدعو إلى التغيير فهناك إعلان يؤكد لك أن التغيير قد تم فعلا لأن "طعم السمنة إتغير"!! لعلك تفكر الآن ساخطا فى أن تسأل هؤلاء الإعلانيين :"كل هذه الإعلانات وتريدون أن تدخلوا الجنة؟"، لكنهم مظلومون معنا لأنهم جعلونا نعيش فى جنة بالفعل عندما طيروا البرجين الفاضلين فى رؤوسنا، وحولونا إلى مجانين، والمجانين ـ كما تعلم ـ فى نعيم!

Thursday, December 30, 2010

"ويندى ولوسى": أمريكا فى زمن الضياع


الأفلام مثل الموسيقى، هناك أفلام تشبه الأغنيات الرخيصة التى قد تجذب قطاعا كبيرا من الجمهور، ثم سرعان ما تنتهى إلى الزوال، مثلما كان الحال مع "لولاكى" إن كنتَ تتذكرها، وهناك أيضا أفلام جادة مبهرة تذكرك بالسيمفونيات التى قد تبدو عصية على التذوق الكامل، لكن التلاعب بالتوزيع الأوركسترالى الضخم والفخم، على طريقة تشايكوفسكى مثلا، يشد المتلقى لسماعها، وهناك أخيرا أفلام شديدة الاقتصاد فى أسلوبها وتقنياتها، ليس لديها الكثير من عوامل الجذب الجماهيرى، سوى تلك الألحان التى تبدو قادمة من أعماق الروح، وبناء فنى لا يفصح عن نفسه بسهولة، مثل رباعيات بيتهوفن الوترية، التى تحتاج منك أن تعطى لها نفسك، وعندئذ فقط تكشف لك هذه الرباعيات عن أسرارها.
عندما شاهدت فيلم "ويندى ولوسى"، بناء على نصيحة ابنى السينمائى الشاب خالد، تذكرت على الفور تلك الرباعيات الوترية، وفهمت لماذا أعطى النقاد الأمريكيون للفيلم درجات كبيرة على موقع "ميتاكريتيك"، بينما لم يمنحه الجمهور إلا درجات قليلة، وهذا التناقض يعود فى رأيى إلى أن النقد السينمائى لم يعد فى الفترة الأخيرة يبذل جهدا كبيرا فى التواصل مع المتفرج والقارئ، حين كاد الخط الفاصل بين النقد الجاد والتحقيق الصحفى أن يتلاشى، فكانت النتيجة أننا تركنا الجمهور لسينما تتسابق فى إبهار المتفرج وغسيل مخه، بل إحيانا – مثلما يحدث فى أفلامنا – فى تشويه أحاسيس المتفرج وتحويله إلى كائن متبلد.
لم يعرض فيلم "ويندى ولوسى" فى الأسواق العربية عرضا جماهيريا، لأن الموزعين وأصحاب دور العرض، مثل معظم المنتجين وصناع الأفلام، يخفون شراهتهم للمال وراء شعار "الجمهور عايز كده"، بما يعنى أن الجمهور "مش عايز" الأفلام من نوعية "ويندى ولوسى". وإذا كان هذا الموقف يمثل مصادرة مسبقة على حق المتفرج فى أن يرى ويحكم بنفسه، فهذا الموقف لن يزيد إلا من موقف الجمهور الرافض لهذه الأفلام لأنه لا يعرفها أصلا، عملا بالمقولة المصرية الشائعة والتى توردنا أحيانا موارد التهلكة: "اللى تعرفه أحسن من اللى ماتعرفوش"!
سوف نحاول هنا أن نجعل من فيلم "ويندى ولوسى" من نوعية "اللى تعرفه"، لعل ذلك يصنع يوما تيارا يطلب السينما بمعناها الرفيع، أو على الأقل يطالب بحقه فى أن يرى كل نوعيات الأفلام. ولأن الفيلم غير متاح فى دور العرض، برغم سهولة الحصول عليه من الإنترنيت، فإننا لن نخشى هنا أن نحكى للقارئ حكايته، فربما كان ذلك دافعا لأن يبحث عنه ويستمتع بمشاهدته. ولعلى لا أذهب بعيدا عن الحقيقة حين أقول أن معرفة القارئ بتفاصيل حكاية الفيلم سوف تزيد من متعة مشاهدته، فالحكاية ذاتها شديدة البساطة، لكن جمالها فى طريقة حكايتها، أو كما يقولون فى علم الجمال أنه ليس من المهم فقط "ماذا" تقول، لكن "كيف" تقوله أيضا.
نحن فى البداية بالقرب من مخزن لقطارات البضائع على أطراف مدينة صغيرة فى شمال الغرب الأمريكى، نرى حركة القطارات البطيئة ونسمع أصواتها الرتيبة المنتظمة، ثم ننتقل إلى أحد المروج القريبة حيث نشاهد الفتاة ويندى (ميشيل ويليامز) تلاعب كلبتها لوسى شديدة الذكاء. الفتاة ترتدى قميصا وسروالا قصيرا حتى أنها تشبه الصبيان، خاصة فى قَصَّة شعرها القصير، ووجهها الخالى من آثار مساحيق التجميل، والكاميرا تتحرك حركة بانورامية بطيئة لتوحى لك بإحساس مطمئن تتمنى فيه كمتفرج لو امتدت وطالت تلك اللحظة من الوداعة والسلام. تختفى الكلبة لوسى عن أنظار ويندى فيتسلل بداخلها إحساس بالخوف، حتى تجد كلبتها عند مجموعة من الشباب والشابات، هم أقرب إلى الصعاليك المشردين، ويدور حوار قصير نعرف منه أن ويندى مسافرة على الطريق، لقد أتت من ولاية بعيدة وتنوى إكمال رحلتها إلى ألاسكا، حيث تقول أن هناك فرصة للعمل فى مصنع لتعليب الأسماك، فى نفس الوقت الذى يحكى فيه الصعاليك عن أنهم عائدون من نفس المكان الذى تنوى ويندى أن تذهب إليه.
وهكذا وبلمسات شديدة الرهافة، يضع الفيلم أمامك فكرته الدرامية: فتاة وحيدة ليس لها فى العالم من صديق حميم إلا حيوانها الأليف، وحلم بالذهاب إلى آخر العالم بحثا عن عمل، وربما هربا من ظروف خانقة، لكنك تعرف أن هذا الحلم ليس ورديا بأية حال عندما ترى الصعاليك العائدين منه. وهنا سوف أتوقف بك قليلا لنتأمل ما يسمى "سياسات السينما"، التى لا علاقة مباشرة بينها وبين السياسة بمعناها الدارج، لكنها علاقة صانعى الفيلم بالشخصيات والعالم الذى يصورونه، بما يؤدى بهم إلى قرارات تقنية وجمالية محددة. إن صانعى الفيلم لن يخبروك بأية تفاصيل "معلوماتية" عن ويندى، فكأنهم لا يعلمون عنها الكثير سوى ما تعرفه أنت، لذلك فإنهم لن يتدخلوا بينك وبين ما تراه على الشاشة، وسوف يكتفون فقط "بتسجيل" العالم كما هو بأقل قدر من التقنيات. وأرجو أن تلاحظ على سبيل المثال أنه لا يوجد فى الفيلم "فلاش باك" يفسر ويشرح، وليست هناك حركة "زووم" واحدة تجعلك تقوم بالتركيز على عنصر درامى دون آخر ... قل فى النهاية أن هذا هو العالم أمامك، وعليك أن تفسره وتتفاعل معه بالطريقة التى تختارها.
لكن الفيلم لن يخلو أيضا من "سياسة" على نحو ما، ولم يخطئ النقاد الأمريكيون حين لاحظوا أن جانبا من مضمون الفيلم يصور أمريكا فى نهاية عصر بوش وفى أعقابه، أناس على الطريق، بدأوا من واقع طرَدَهم إلى حلم متواضع بالبحث عن لقمة عيش فى ظروف أفضل. ولعل القارئ يلاحظ أننى أستعين هنا بشهادة النقاد الأمريكيين فى الجانب السياسى، لأن الكثير من نقادنا يتصورون أن القراءة السياسية للأفلام هى نوع من التعسف! بل إن هذا الموقف السياسى فى الفيلم يتجسد فى شكل فنى فى أن كل الشخصيات هى بشكل أو بآخر امتداد أو انعكاس للبطلة ذاتها، وهو ما يطلق عليه "البناء المفتوح" فى الدراما.
فلنعد إلى الحكاية: ويندى لا تملك من المال لتكمل رحلتها إلا بضع مئات قليلة من الدولارات، تظل تعيد حسابها المرة بعد الأخرى فى خوف من نفادها قبل أن تصل إلى غايتها، وهى تبيت لياليها على الطريق بداخل سيارتها الصغيرة العتيقة مع كلبتها لوسى، لكن السيارة لن تدور فى الصباح، فتضطر إلى دفعها إلى طريق جانبى، بعيدا عن مكان خال يحرسه حارس عجوز (والى دالتون)، كل ما يفعله طوال يومه هو أن يقف على قدميه دون أن يعرف بالتحديد ما هو ذلك الشئ الذى يقوم بحراسته سوى هذه الأرض الخاوية. تستعين ويندى بدورات المياه فى محطات الوقود على الطريق لكى تغسل وجهها فى الصباح، وتغير بعض ملابسها، وتجمع من الغابة القريبة بعض المعلبات الفارغة وتذهب لبيعها، لكنها تجد طابورا طويلا من جامعى هذه المعلبات فتتراجع عن فكرتها. تذهب ويندى إلى متجر قريب، وتختلس علبة طعام لكلبتها، فيمسك بها أحد الفتيان العاملين فى المتجر، ويسلمها إلى رئيسه فى العمل، مؤكدا لكى يثبت كفاءته أن القانون يجب تطبيقه على الجميع.
من أجل علبة طعام الكلاب يقودون ويندى إلى الشرطة، فتترك كلبتها مقيدة إلى جوار المتجر، وبعد ساعات طويلة يفرجون عنها بعد أن تدفع غرامة، لتعود فلا تجد لوسى حيث تركتها. لا تستغرب أن تكون الكلبة الأليفة هى صديقها الوحيد فى هذا المجتمع، فهذا ما سوف يتأكد توا: إن ويندى تتصل بأختها فى الولاية البعيدة التى أتت منها، فلا تتلقى سوى عبارات فارغة من أية مشاعر أو تعاطف، فتبيت الليلة وحدها فى السيارة، وإن كانت تخرج بين الحين والآخر فى الظلام تنادى على لوسى فى لوعة، دون أن تسمع سوى صدى صوتها. فى الصباح التالى، وبنصيحة من الحارس العجوز، تذهب ويندى إلى حظيرة الكلاب الضالة فى المدينة فلا تجد لوسى، وأرجو أن تتأمل هنا كيف تستعرض الكاميرا، المتحركة ببطء وتمهل، أقفاص الكلاب الضالة التى تنظر إلى الكاميرا، إن وراء كل منها قصة ربما تكون مماثلة، مثلما أن قصة ويندى يمكن أن تتكرر فى هذا المجتمع القاسى الذى قد نصنع له صورة مثالية مغايرة للحقيقة، برغم أنه ليس فى النهاية إلا مجتمعا ينقسم إلى من يملكون ومن لا يملكون.
حتى الملاذ الأخير لدى ويندى الذى تبيت فيه، سيارتها القديمة المعطلة، سوف تفقدها عندما تذهب بها إلى ورشة تصليح السيارات، ولا تجد سوى الغابة تنام فيها، وهناك تستيقظ فى الليل على صعلوك متشرد يهذى بأنه ليس مجرما إذ يطالب بحقه كإنسان، ثم يختفى، لكن الهلع يسيطر على ويندى فتمضى هائمة فى شوارع المدينة فى الليل، وتلجأ إلى دورة المياه تختفى فيها وتبكى، لكنها تنظر فى المرآة الملطخة وتواسى نفسها وتشجعها على الاستمرار فى الرحلة. الآن عرفت ويندى أن السيارة أصبحت متهالكة تماما ولن تساوى تكاليف إصلاحها التى لا تملكها، وعندما تعثر على لوسى أخيرا تكتشف أن رجلا مقتدرا قد آواها. تتسلل ويندى إلى حديقة منزل الرجل، وهناك تلتقى ولوسى فى مشهد مؤثر بحق، لكنها بعد لحظة تدرك أن عليها أن تتخذ القرار الصعب، أن تترك لوسى هنا على أمل لا تدرى إن كان سيتحقق بالعودة لها عندما تمتلك المال، وفى لقطتين قريبتين لوجهى ويندى ولوسى يشعر المتفرج بلوعة هذا الفراق، وتمضى ويندى وحيدة لتتسلق أحد قطارات البضاعة الراحل إلى ألاسكا، من مخزن القطارات حيث بدأ الفيلم، وكأنه يرسم القوس الأخير للنهاية التى ما تزال مفتوحة.
أخرجت الفيلم كيلى ريتشارد، التى شاركت فى السيناريو مع كاتب القصة جون ريموند، كما اشتركت فى مونتاجه أيضا، وهو فيلم "مستقل" بالمعنى الحقيقى للكلمة، وذو ميزانية متواضعة تماما، حيث تم تصويره فى مواقع التصوير الحقيقية باستخدام الضوء المتاح، وشريط للصوت حافل بالمؤثرات الصوتية الطبيعية على الطريق السريع إلى جوار مدينة صغيرة، كما أنه مستقل فى فكرته ومعالجته، إنه من نمط "فيلم الرحلة" لكنه يقف عند نقطة من هذه الرحلة متأملا، نقطة اللاعودة وضرورة الاستمرار نحو المجهول، عندما تجد الشخصية الرئيسية نفسها محاصرة بأنها "لا تملك" فى مجتمع لا يعرف قيمة إلا لمن يملكون، ونحن نجد أنفسنا بدورنا محاصرين مع الشخصية، ووجود الكلبة لوسى فى هذه الحبكة هو الذى يتيح الفرصة لأكبر قدر من التوحد بيننا وبين البطلة، إذ يعطيها أبعادا لا تملك إلا التعاطف معها. ومن خلال براعة هائلة من كل الممثلين دون استثناء، تصدق أن هذه الشخصيات حقيقية، وأن الفيلم "يسجل" واقعا لم يخلقه أو يختلقه، وهو ما يجعل الفيلم درسا حقيقيا لسينمائيينا الشبان الباحثين عن سينما مستقلة بحق، إنه الدرس الذى يعلمك ألا تصنع "لولاكى" مثل آلاف غيرك، وإذا لم تكن قادرا على صنع السيمفونيات المبهرة فقد تكون قادرا على تأليف رباعية وترية شديدة الاقتصاد والبلاغة معا، وإن كان ذلك يحتاج إلى وعى سياسى وجمالى حقيقى، ليتنا نمتلكه يوما.

Tuesday, December 28, 2010

السينما المصرية فى الألفية الثالثة ... قبل الميلاد!!


هل تذكر حكاية "الألفية الثالثة" والحديث المزعوم عن دخول مصر إليها "برجلها اليمين"؟ لقد مضى العقد الأول من هذه الألفية، واتضح أن مصر، فى كل المجالات دون استثناء، كانت لا تدخل إليها، بل تخرج منها مولية الأدبار، بفضل مجموعة "الشطار" والعيارين التى تحكمنا الآن، ليس فى ذهن أحد منهم مصلحة الوطن بالمعنى الحقيقى للكلمة، بل هدفهم جميعا هو تحويل مصر إلى سوق و"سويقة"، وكل واحد وشطارته وصوته العالى وقدرته على إلباس الحق بالباطل، وإنكار وجود الشمس فى عز الظُهْر، ومن يستطيع منهم أن ينتزع "حتة" من الوطن ليأكلها لحما ويرميها عظما فهنيئا له ومريئا، وكله باسم الفكر الجديد وحماية الأمن القومى على طريقة الجدار الفولاذى ومصر فوق الجميع، والمصيبة أننا – نحن المنتمين إلى ما يفترض أنها المعارضة – نكتفى بأن نقوم بدور الموسيقى التصويرية لهذه الميلودراما، بالكثير من الكلام والقليل من الفعل، تأتى إلينا فرص اتخاذ مواقف سياسية فنأبى استثمارها، فحين يتحدث البرادعى عن الأوضاع المقلوبة نتوقف عند الدفاع عن شخصه، بينما كان الأجدر بنا أن ندافع باستماتة عن أفكاره بتعديل الدستور وإصلاح أوضاع الحياة الحزبية فى مصر، وحين فكّرنا يوما فيما أطلقنا عليه "العصيان المدنى السلمى" فات علينا أن نجمع الشعب المصرى على هذا الموقف بسبب "شبه" قانون الضريبة العقارية، الذى يصممون به على عَقْرنا فى عُقْر دورنا وديارنا.
وإذا كان الحال كذلك، حكومة ومعارضة، فقل لى بالله عليك كيف يحق لنا ولو للحظة واحدة أن نتحدث عن ألفية ثالثة، حتى لو كانت قبل الميلاد؟ وعندما نتناول أحوال السينما فى مصر فلن نجدها منفصلة أبدا عن هذه الفوضى الضاربة أطنابها فى كل شىء، الخالق الناطق هى نفس العشوائية والاضطراب، سواء فى الكثير من الأفلام التى تتم صناعتها دون أن تعرف بالضبط لماذا ولمن صُنعت، أو فى بعض الأحكام النقدية التى يحكمها الهوى أحيانا والجهل أحيانا أخرى، وأخيرا الأرقام المغلوطة وغير الدقيقة التى تطالعنا هنا وهناك، بينما لا نعير التفاتا للأرقام الموثوق بها. ليست "شطارة" أبدا من كاتب هذه السطور أن يراجع هذه الأرقام والمعلومات أو تلك، بل هو الحزن الحقيقى والأسى العميق من أنك لن تجد الكثيرين من النقاد يعانون من الأرق بسبب الحال الذى وصلت إليه صناعتنا السينمائية، فنحن ننقد الأفلام: هذا فيلم جيد وياسلام عليه، وهذا فيلم ردىء و"وِحِش"، ثم ننام ملء جفوننا. إننا نتعامل مع السينما، كما نتعامل الآن مع كل شىء فى حياتنا، بالقطعة، كجزئيات لا نخرج منها بصورة للكل، هذا الكل الذى وصل إلى حالة مزرية من التردى والتدهور والانحدار.
سوف أحاول معك فى هذا المقال أن نقف عند بعض النقاط، التى أرجو أن تفى بالغرض من إلقاء بعض الضوء على أوضاع صناعة السينما فى بلادنا. ولأبدأ معك بما نشره موقع "ميتاكريتيك" منذ أيام قليلة، عن أفضل مائة فيلم خلال العقد الأول من الألفية الثالثة، وذلك طبقا لمتوسط آراء أشهر النقاد الأمريكيين، ومع ذلك فإن المركز الأول فى القائمة احتله فيلم أسبانى مكسيكى، والثانى رومانى، وتوالت أفلام من اليابان واستراليا والصين وفرنسا وبريطانيا والبرازيل و"إسرائيل" وألمانيا وكندا وإيطاليا وكولومبيا وإكوادور وروسيا وإيران. لن أسألك أين مصر فى هذه القائمة، (لا وجود بالطبع لأفلام مثل "ابراهيم الأبيض" أو "جنينة الأسماك"، لا فرق)، لكن أرجو أن تلاحظ أن ثلاثة أرباع هذه الأفلام لم يعرض فى مصر عرضا عاما أو خاصا، وحتى الرُبع الذى أتيح له العرض لم يتناول معظمه أية مقالة نقدية جادة فى مصر، وهو مايشير فى واقع الأمر إلى غيابنا، جمهورا ونقادا، عما يحدث فى السينما فى العالم، بينما نهتم ونتجادل ونتشاجر ونمسك فى خناق بعضنا البعض حول أفلام مصرية تتلعثم – بالمعنى الحرفى للكلمة – فى أبجديات السينما وبديهيات الفن. إن هذا يحدث فى عصر الإنترنيت، حيث يمكن للنقاد المصريين الاطلاع على مايكتبه النقاد فى العالم كله، وتحميل ومشاهدة الأفلام التى لا تُعرض للجمهور المصرى، والكتابة عنها لضخ دماء جديدة متدفقة ودافئة فى الثقافة السينمائية، لأن من المفترض أن النقد لا يكتفى بالتهليل أو التنديد بتلك الأفلام المتواضعة المفروضة علينا، وتُفسد ذوقنا النقدى والجماهيرى حتى إن لم نكن نشعر بذلك بشكل واعٍ، لكن يجب على النقد أن يفتح آفاقا جديدة أمام صانع الفيلم والمتلقى معا. وعند هذه النقطة أود الإشارة إلى حقيقة مفزعة لا تحدث أبدا فى أى وسط ثقافى ينبض بالحياة (وسطنا الثقافى السينمائى ينبض بالموت إن جاز التعبير)، وهى غياب أية مطبوعة سينمائية جادة ومنتظمة الصدور، وكان الأجدر وجود العديد من المطبوعات التى تعبر كل منها عن اتجاه أو منهج نقدى بعينه، لذلك وقع النقد فى هوة الصحافة السينمائية مدفوعة الأجر، ماديا أو معنويا، والتى تتحدث عن نجومية فلان، و"البطولة المطلقة" لعلان، وترتان الذى "تفوق على نفسه"، ناهيك عن الأحكام المتعسفة والمتسرعة التى لا تساعد المتلقى بأية حال على التذوق الحقيقى للأعمال السينمائية.
أريد أن أكون منصفا فأقول أن بمصر الكثيرين من النقاد الجادين، لكنهم لا يقومون بواجبهم كما ينبغى لهم، ربما بسبب المناخ العام الذى أصابته الشيخوخة فى كل شىء، أو لأنهم لا يجدون لهم منبرا ثابتا، أو لأنهم مشغولون بالبحث عن لقمة العيش فى نشاطات تبعدهم عن ممارستهم النقد بشكل مستقر مستمر، أو لكل هذه الأسباب جميعا. من جانب آخر فسوف تجد بعض "كهنة" النقد السينمائى، وأتباعهم من أنصاف النقاد الذين يرددون العبارات خلفهم كالببغاوات، هؤلاء لهم منابرهم التى يطرحون فيها قضايا وأحكاما قاطعة مانعة ما أنزل الله بها من سلطان، وهم يُغيرون هذه الآراء على حسب المصلحة، فالرائد الأول فى الدعاية لتحويل الثقافة السينمائية إلى استثمار أصبح الآن يهاجم هذا الاتجاه، والله وحده يعلم السبب وراء "إيمانه" بالرأى ونقيضه على هذا النحو الذى يضفى الشك على ما يدعو إليه فى الحالتين. إن هذا النوع من "النقد" لا يبغى فى الحقيقة إلا المصالح الشخصية، أما القضايا الموضوعية فقل عليها السلام. أعطيك مثالا صارخا: هل قرأت لأى من النقاد ولو بضع سطور عن البيانات التى أصدرها الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء، حول أن عدد دور العرض السينمائى فى مصر الآن 250 دار، وعدد رواد هذه الدور فى عام 2008 لم يتجاوز 18 مليون مواطن، وهى أرقام هزيلة إلى حد مفزع، وفى ظلها لا يمكن الحديث عن أن لدينا صناعة سينما، فهى تعنى أن هناك دارا واحدة للعرض السينمائى لكل 300 ألف مواطن، وأن المتفرج المصرى يدخل السينما مرة واحدة كل أربع سنوات! هل يمكن أن نقارن ذلك بأية صناعة سينما أخرى، حيث المتوسط هو دار عرض لكل عشرة آلاف مواطن، وحيث يدخل المتفرج السينما أربع مرات كل عام؟!! وفى ظل هذه الأرقام يجب أن نسأل أنفسنا: لمن نصنع الأفلام إذن؟ ولماذا نصنعها؟ وهل السينما – باعتبارها فنا – تمارس دورها المفترض فى صناعة وصياغة وجدان الجماهير، أم أنها حتى كتجارة تتجاهل الاحتياجات الحقيقية لهذه الجماهير، وتترك عقولهم وأفكارهم نهبا لكل الأفكار والتيارات المتطرفة يمينا أو يسارا؟ وكيف يمكن لنا كنقاد أن نتناول بالنقد المتحمس أفلامنا المصرية، التى تزداد للأسف الشديد تدهورا وتحللا فى الشكل والمضمون، بينما نحن نعلم أن الأفلام لم تعد إلا سلعة لجمهور عابر يعتبرها وسيلة للتسلية من الدرجة العاشرة؟! ألسنا بذلك نساهم فى تدنى السينما المصرية ونظرة الجمهور لها؟!
إن ذلك يقودنا إلى من يقومون بالإنتاج والتوزيع السينمائى، الذين لا ينظرون إلى السينما إلا كمجرد "سبوبة" يستكملون بها أرباحهم المادية والمعنوية، إنها وسيلة للكسب السريع السهل، الذى يتماشى تماما مع كل السياسات الاقتصادية المتبعة فى مصر الآن، والقائمة على النهب والخطف، "إخطف وإجرِ"، وأضف إلى ذلك الوجاهة الاجتماعية بالاقتراب من عالم الأضواء، ومع ذلك فهؤلاء المنتجون الموزعون، بهذا الفكر القاصر، هم الذين يصوغون القيم الأخلاقية والسياسية لمن يتفرج على أفلامهم. لم يقف فى طريق هؤلاء أحد عندما يرتكبون الخطيئة الجوهرية فى أية صناعة سينما، فى جمعهم للإنتاج والتوزيع والعرض، فهذا الاحتكار لن يؤدى بعد سنوات قليلة إلا للانهيار، هذا الانهيار الذى يمكن أن تلحظ بوادره فى تراجع متزايد فى عدد الأفلام وتدنى مستواها. إلى جانب ذلك، أرجو أن تتأمل فقط أفلام إحدى هذه الشركات، التى جاءت بأموالها من عالم القرى السياحية، لتصنع أفلاما تسخر فى وقاحة من شهداء حرب أكتوبر، وتهزأ بـ"كل" التاريخ النضالى فى مصر، وبعد ذلك يتصور (أو الحقيقة: يزعم) البعض أنه يمكن أن يصنع من خلالها أفلاما "ناصرية" أو تنادى بالحرية الفكرية، أو تدعى أنها كذلك!! (لعلك تفهم لماذا يعمل الناقد الكبير إياه كبوق دعاية لأفلام هذه الشركة، لكن هل تستطيع أن تفهم لماذا يسير بعض الحواريين "الغلابة" خلفه؟).
أعرف الآن ياعزيزى القارئ أنك تنتظر منى قائمة تمثل – من وجهة نظرى – أفضل عشرة أفلام مصرية فى العقد الأول من القرن العشرين، وأعترف لك أننى بذلت جهدا كبيرا لكى أحدد هذه الأفلام العشرة (عشرة فقط فى عشر سنوات!!)، بل إننى أعترف لك أيضا أننى لا أرضى كل الرضا عن بعض مما جاء فى هذه القائمة، لكنها على أية حال، وكما أعتقد، تعطيك لمحة عن الأسماء التى تتعامل بجدية مع الفن السينمائى، وإن لم يكن بعضها يلتزم بذلك دائما! هذه الأفلام بترتيب عرضها: "أرض الخوف" (2000) لداود عبد السيد، "فيلم ثقافى" (2000) لمحمد أمين، "الأبواب المغلقة" (2001) لعاطف حتاتة، "مواطن ومخبر وحرامى" (2001) لداود عبد السيد، "سهر الليالى" (2003) لهانى خليفة، "باأحب السيما" (2004) لهانى فوزى، "بنات مصر الجديدة" (2005) لمحمد خان، "ملك وكتابة" (2006) لكاملة أبو ذكرى، "فى شقة مصر الجديدة" (2007) لمحمد خان، و"واحد صفر" (2009) لكاملة أبو ذكرى. ويمكن بالطبع وبدون أدنى شك للقارئ أو أى ناقد زميل أن يختلف مع هذه القائمة، لكن تلك هى رؤيتى الشخصية للإنجاز الإبداعى للسينما المصرية فى أعوامها الأخيرة، والذى يشير – كما أتصور – إلى أنه ما يزال للتيار الجاد من جيل الثمانينات، ممثلا فى داود ومحمد خان، حلمه وإصراره على صنع سينما حقيقية كلغة ورسالة بالمعنى الأعمق للكلمتين، وإن كانت الظروف تعانده بقوة، فداود على سبيل المثال قضى عشر سنوات لكى ينجز فيلمه الذى لم يعرض بعد "رسائل البحر"، وما يزال بعض من فرسان هذه الكتيبة لا يجدون الفرصة للعودة إلى السينما مثل خيرى بشارة. من جانب آخر فإن فرسانا جددا مثل عاطف حتاتة أو هانى خليفة لم يجدوا الفرصة إلا لصنع فيلم واحد، بينما بدأ محمد أمين طموحا وانتهى إلى السينما التى ترقص على السلم بمغازلة النقاد و"زغزغة" المتفرجين بأفلام مشوهة الشكل والمضمون، فى الوقت الذى تملك فيه مخرجة شابة مثل كاملة أبو ذكرى رهافة التعبير وعمقه، دون أن تقع (كما يحدث لمخرجات أخريات) فى إغراء البهلوانيات السينمائية الفارغة، وإن كانت تلجأ بين الحين والآخر إلى "تقفيل" فيلم تجارى متواضع.
لعلك لاحظت أبها القارئ العزيز أننى لم أتوقف عند أى فيلم لأى من النجوم أو النجمات الذين يحتلون السينما المصرية الآن، فاعتقادى الذى أومن به كل الاعتقاد أنهم نجوم مصطنعون، فإن غاب أحدهم أو إحداهن عن الشاشة (كما حدث بالفعل) فلن يشعر أحد منا بافتقاد شىء ما، وهو ما يتناقض مع مفهوم "النجومية" بمعناها الحقيقى، التى لا تعنى كما يتصور البعض أنها "البضاعة الأكثر مبيعا"، لكن النجم أو النجمة هما جزء من واقعنا وجزء آخر من أحلامنا، والنجومية ليست ظاهرة فنية فقط، بل إنها فى جوهرها ظاهرة اجتماعية وسياسية، إن النجم الحقيقى يظهر على الشاشة بالنيابة عنى لكى يقول ما أريد أن أقوله لكننى أعجز عن قوله، وهو الذى يفعل فى الأفلام ما لا أستطيع أن أفعله فى الحياة وإن كنت أتمناه. ولأن السياق الذى نعيش فيه يتضمن واقعا بائسا يائسا بلا أحلام، فلا وجود لنجوم حقيقيين فى السينما والسياسة على السواء... ليس هناك قادة ثقافيون أو سياسيون بالمعنى الحقيقى للكلمة، ولم يكن ذلك إلا سببا ونتيجة فى وقت واحد لثلاثة عقود من التراجع والتدهور المادى والمعنوى، وربما لو ظهر ابن إياس فى زماننا لوجده يضاهى أكثر العصور ظلاما فى تاريخ مصر، ومصر يا من تتحدثون عنها بوصفها "فوق الجميع" ليست كتلة مصمتة أو صنما معبودا، وهى ليست النظام الحاكم فى أى من العصور، إنها الآن أنا وأنت كما نعيش هذه اللحظة من التاريخ، وبقدر ما ننجز تكون "مصر"، لأنها كائن حى تتفاعل فيه ومعه كل المؤثرات الإيجابية والسلبية، إنها تصح وتمرض، وهى الآن فى طور متأخر من المرض، ولعلها يوما تسترد صحتها وعافيتها، لكى تدخل العقد الثانى من الألفية الثالثة، وتنسى العقود الثلاثة المظلمة التى لن تستحق من التاريخ سوى نظرة الشفقة الممتزجة بالازدراء تجاهنا، لأننا لم نؤدِ واجبنا البديهى ليس فقط تجاه مصر، بل تجاه ما يعبر عن أبسط شروط الكرامة والثقافة الإنسانيين.

Thursday, December 16, 2010

فيلم "نصفى البشع"


عندما توقظ الطفولة النقية نصفنا الجميل
لم أكف عن الابتسام أو حتى الضحك بصوت عالٍ وأنا أشاهد فيلم التحريك "نصفى البشع"، وهى ترجمة بتصرف لمعنى عنوانه الذى يمكن أن تترجمه أيضا "أنا الشنيع" مثلا، فالمهم أنه يشير إلى جانب شرير من النفس البشرية، وبرغم أن الفيلم موجه أساسا إلى الأطفال، وأن النكات التى يمكن للكبار وحدهم فهمها نكات قليلة متناثرة، على عكس معظم أفلام التحريك الحديثة التى تراعى – لأغراض تسويقية وفنية وأحيانا سياسية – أن يحتوى فيلم الأطفال على مستوى ثانٍ موجه للكبار، أقول أنه برغم ذلك فقد استمتعت بالفيلم تماما، ليس فقط لبساطة حدوتته والمغزى الأخلاقى فيها، وإنما لأن هذه البساطة تخفى براعة درامية حقيقية من صناعه، الذين لا يفهمون – كما قد نتصور – أن فيلم الأطفال سهل، بل على العكس فإنه ربما يزيد صعوبة فى صنعه، فأنت ما تزال تحتاج إلى الحفاظ طوال الوقت على الاستقطاب بين نقيضين، وهذا الاستقطاب هو ما يصنع أى دراما، وفى الوقت ذاته عليك أن تتعامل مع هذا الاستقطاب بقدر هائل من الرهافة التى لا تؤذى مشاعر الأطفال.
تبهرنى دائما تلك القدرة على البناء الدرامى فى مثل هذه الأفلام، حتى أنه يمكن اعتبارها دروسا أولية لمن يكتبون سيناريوهات، فى فترة من أضعف فترات السينما المصرية فى فنون الكتابة السينمائية، سواء على مستوى السيناريو أو الحوار. (بالمصادفة شاهدت مؤخرا فيلما أسبانيا بعنوان "الزنزانة 211"، من نمط أفلام السجن، ربما عولجت فكرته من قبل فى عشرات الأفلام، لكنه بدوره كان نموذجا للكتابة الدرامية، وربما حانت الفرصة لاحقا للكتابة عنه). الغريب أنك تشعر فى أحيان كثيرة بأنك فى حاجة إلى أن تعيد وتزيد فى الحديث عن مقومات أى دراما، لكن هذه الأبجديات أصبحت بالنسبة لنا – للأسف الشديد – لغة غير مفهومة وغير متداولة، حتى بالنسبة لأسماء كبيرة لم أكن أتصور أنها سوف تتخلى عما تعلمته وأنجزته فى الكتابة الدرامية من مختلف الأنواع. هل هو الاستسهال؟ ربما، فكل شىء يباع الآن ما دمت "تسلِّك أمورك"، وليس المعيار هو الجودة أبدا، وانظر مثلا إلى ساحة المسلسلات التليفزيونية المصرية لترى أين موقعنا من الدراما، ثرثرة و"رطرطة" لا ينتهيان، لا فرق فى ذلك بين أسماء كانت لامعة أو كتاب فرضوا أنفسهم بالإلحاح أو أشياء أخرى!
فى كل كتابة درامية ناضجة عناصر لابد أن تتوافر: شخصيات ذات أبعاد مختلفة تتراوح بين نقاط الضعف ونقاط القوة، أو بين الخير والشر، ثم توتر أو تقارب أو تباعد بين هذه الشخصيات يتصاعد شيئا فشيئا نحو الذروة قبل أن يأتى الحل، والأهم هو "التغيير"، فالعلاقات بين الشخصيات تؤدى إلى إحداث تغير فيها، ربما صار القوى ضعيفا وأصبح الضعيف قويا، وفى تبادل المواقع هذا يأتى فى النهاية المغزى من العمل، ليس فى شكل نصيحة بليغة أو خطبة عصماء كما يحدث فى الأغلب الأعم عندنا، ولكن عندما ترى آثار هذا التغيير على الشخصيات، فتخرج لتكتشف أن "الرسالة" قد تسللت دون وعى منك إلى وجدانك، وذلك بسبب عنصر بالغ الأهمية على الإطلاق – لكننا ننساه دائما – وهو الإجابة عن السؤال: ما الذى يجعلنى أهتم أصلا بما أراه على الشاشة؟ إنه ببساطة التعاطف أو التوحد مع الشخصية الرئيسية، إن الفيلم يجعلنى – دون تفكير – أرى العالم من خلال وجهة نظر هذه الشخصية، لذلك فإن التغير الدرامى الذى يحدث لها يحدث لى فى الوقت ذاته.
لا تستغرب أن يأتى هذا الحديث المستفيض عن الدراما فى سياق مشاهدة فيلم للأطفال مثل "نصفى البشع" أو غيره من عشرات الأفلام الأخرى، فهو فى حقيقته حديث ذو شجون يأسى لحال الدراما لدينا، حتى تلك التى يفترض أنها موجهة للجمهور من الكبار، لكنها تتعامل معهم باعتبارهم قطيعا يتلقى فى سلبية بلهاء كل ما يلقى إليه من أفلام ومسلسلات. لكن وجه الغرابة بالفعل فى فيلم "نصفى البشع" هو أن "البطل" فيه شخص شرير يفخر بأن يصف نفسه بأنه "أبشع الأشرار والأوغاد فى العالم"، فمن أين يأتى إذن عنصر التوحد أو التعاطف الذى تحدثنا عنه؟ دعنا إذن نبدأ من البداية. البداية لاذعة تماما: نحن فى صحراء الجيزة بمصر، بالقرب من الأهرام، وهناك سائحون يقتربون ومعهم طفل مشاغب، يصر على أن يتسلق الهرم الأكبر برغم منع الحراس له، إنه يجرى ويفلت منهم ليطير فى الهواء كأنه سوف يسقط فى هوة سحيقة، لكنه عندما يهبط إلى أسفل حيث يفترض أن الأحجار سوف تقطعه إربا يتلقاه سطح ناعم، لنكتشف الحقيقة المرعبة، لقد تمت سرقة الهرم ولا يوجد مكانه إلا بالون ضخم على هيئته، ومن المؤكد أن وراء الجريمة مجرم بالغ الخطورة قادر على هذا الفعل الخارق.
يحدث هذا المشهد الافتتاحى بدون كلمة حوار واحدة، وهى سمة سوف تسيطر على الفيلم كله الذى يعتمد على تجسيد الموقف الدرامى بالصورة، ولتتأمل المشهد التالى مباشرة والذى نرى فيه البطل: إنه رجل تجاوز منتصف عمره، يدعى جرو (صوت ستيف كاريل) ويمكنك أن ترى فى ملامحه وتصرفاته شخصية العجوز "النكدى" الكاره للبشر، إنه فى أول ظهور له يرى طفلا يبكى بسبب وقوع "الآيس كريم" منه، فيقترب للطفل متوددا ويخرج له بالونة صفيرة من جيبه، يصنع منها دمية حيوان بخفة يده، ويعطيها للطفل الذى يتوقف عن البكاء ويبدا فى الشعور بالسعادة، لكن جرو يخرج دبوسا يثقب به البالونة الصغيرة فتنفجر، ويترك الطفل ضاحكا لأنه جعله يشعر بمزيد من التعاسة، فهل هناك بلاغة أكثر من ذلك للتعبير عن كون هذا الرجل وغدا بشعا وشريرا؟ وفى لمسات متتالية سوف يضرب لك الفيلم أمثلة على ما يفعله الشرير فى حياتنا اليومية، إنه يستخدم مسدسا لتجميد الناس فى أماكنهم ليأخذ مكانهم فى مقدمة طابور طويل، وهو يقود سيارته الضخمة بدخانها الكثيف ويتعمد إخافة غيره من السائقين ليفسحوا له الطريق. (وهكذا يستخدم الفيلم لمحات شديدة البساطة ليجسد للمتفرج الطفل والكبير معا التصرفات "الشريرة" التى يجب ألا نقترفها حتى لا نصبح أشرارا!!).
يعيش هذا الرجل جرو سعيدا بما حققه فى مجال البشاعة، وهو قد صنع لنفسه كائنات آلية صفراء صغيرة تدعى "مينيون" تؤدى له كل ما يطلب، وكثيرا ما يقدمه الفيلم وهو يقف وسطها خطيبا مفوها يتحدث عن أنه قد حقق معهم وبهم لقب أبشع الأشرار فى العالم، وهم يحيونه بالهتاف الهستيرى بما يذكرك بالديماجوجية التى يمكن أن تراها فى أنظمة كثيرة من العالم. (أخشى أن أقول أن كل الساسة، حتى فى الدول التى تسمى نفسها ديموقراطية، يستخدمون هذه الوسائل ذاتها فى كل مكان، لتبقى "الجماهير" مجرد أقزام صغار متشابهين دورهم هو تنفيذ إرادة الزعيم!). مرة أخرى يتأكد عمق الشر فى جرو من خلال لمسات مرهفة: هناك ثلاث طفلات تطرقن باب داره فى محاولة منهن لبيع الكعك له،إنه ينكر نفسه، ويتحدث كأنه رسالة صوتية (!!) ويصرفهن فى غلظة، لكن تلك هى اللحظة التى يقدم لك فيها البناء الدرامى للفيلم شخصياته الجديدة التى سوف يعتمد عليها فى وجود الصراع، إنهن تلك الطفلات الشقيقات اللاتى تتفاوت ملامحهن النفسية تبعا لعمر كل واحدة منهن، الكبرى عند سن ما قبل المراهقة، وتدعى مارجو (صوت ميراندا كوسجروف)، وتتسم بالتعقل والحس العملى، والوسطى فى السادسة أو السابعة هى إديث (صوت دانا جاير)، مشاغبة جريئة وتتصرف بروح الصبيان، أما الصغيرة أجنيس (صوت إلزى فيشر) فهى البراءة النقية التى تكاد أن تجعل من ضعفها الرقيق قوة آسرة لأى إنسان.
كان من الممكن للفيلم أن يضع هنا طفلا واحدا أو طفلة واحدة، لكنه اختار عنصرا دراميا ناضجا آخر وهو "التنويع"، فالبنات الثلاث تنويعات متباينة على الطفولة، وفى كل منهن وجها مختلفا للبراءة، وهو الأمر الذى سوف يتأكد لك عندما سوف تعرف فورا أنهن يتيمات يقمن فى ملجأ للأطفال تديره المرأة غليظة الطباع الآنسة هاتى (صوت كريستين ويج)، التى يبدو واضحا أنها تكره الأطفال وتقوم باستغلالهم لبيع الكعك الذى تصنعه، وتضع فى مكتبها صندوقا يحمل اسم "صندوق العار" تهدد بأن تسجن فيه كل من يعصى أوامرها. لا غرابة إذن أن تصلى الفتيات الصغيرات كل ليلة قبل نومهن، ضارعات إلى الله أن يجد لهن من يتبناهن، ويخرجهن من تلك الحياة القاتمة المزرية. هنا سوف تسأل نفسك: ترى هل سوف تجدن تلك الأسرة العطوف؟ وسوف تأتيك الإجابة: إنه أكثر الأشخاص ابتعادا عن القيام بهذه الرسالة، جرو الشرير الذى يكره الأطفال، لكن ما الذى دفعه إلى ذلك؟
عاش جرو طوال حياته وأمامه هدف واحد، هو أن يصبح أكثر الناس شرا فى العالم، وسوف يقدم لك الفيلم تبريرا لذلك بما يحقق هدفا مزدوجا، لقد كان جرو فى طفولته يرى رواد الفضاء وهم يهبطون على القمر، فيحلم بأن يصنع صاروخا يذهب به إلى القمر، ويصارح بهذا الحلم أمه (صوت جولى أندروز، فى دور شديد الطرافة ويختلف عن صورتها النمطية المعروفة)، لكنها تتعامل مع أحلامه بروح اللامبالاة أحيانا والسخرية القاسية فى أكثر الأحيان. إننا نرى ذلك فى "فلاش باكات" خاطفة، يفسر بها الفيلم عدوانية جرو، لكنه يوصل أيضا رسالة للآباء مؤداها ببساطة ألا ينبغى قمع أحلام الأطفال المشروعة، وبذلك فإن الفيلم يميل إلى تفسير النزوع إلى ارتكاب الشر إلى البيئة والتربية، وينادى بأنه من الممكن علاج ذلك الجانب الشرير من خلال الوعى بتنمية قدرات أطفالنا، ومرة أخرى لا يملك المرء إلا أن يندهش من توجيه هذه الرسالة للأباء فى فيلم للأطفال! أما الجانب الآخر من هذا التفسير فهو أنه يجعلنا نتعاطف مع جرو بدلا من أن ننفر منه، ربما لأن بداخل معظم الكبار طفلا حالت الظروف بينه وبين تحقيق أحلامه.
لقد أصبح جرو إذن شريرا ولم يولد شريرا، ومن الممكن إصلاح هذا الشر فى نفسه، وذلك هو جوهر الصراع فى الفيلم. إن جوهر أزمة جرو الآن هو أنه أصبح عجوزا، وأن هناك جيلا جديدا من الأشرار يستخدم وسائل أكثر براعة، ومن هؤلاء ذلك الشرير الذى سرق الهرم الأكبر، إنه فيكتور (صوت جيسون سيجيل) الذى يقيم فى قلعة حصينة ينعم فيها بكل ما هو حديث فى مجال التكنولوحيا. يريد جرو أن يستعيد لقب "أكبر شرير فى العالم" بالتخطيط لعملية أكبر من سرقة الهرم، إنها سرقة القمر! ومن أجل ذلك يذهب إلى بنك الشر بحثا عن التمويل، وهنا أكثر سخريات الفيلم مرارة، فالبنك يقع داخل بنك عادى كبير، كأن تلك المؤسسات المالية المشروعة ظاهريا تمول أكثر الأعمال شرا، ناهيك عن أن الدخول إلى بنك الشر يتم عبر باب سرى سحرى يُفتح من قلب دورة المياه! أضف إلى ذلك أيضا أن مدير بنك الشر مستر بيركنز (صوت ويل أرنيت) ليس فى حقيقة الأمر سوى والد فيكتور سارق الهرم! سوف يشترط مدير البنك على جرو أن يحصل أولا على جهاز يصدر أشعة تقليص الأحجام، والذى يمكن به تقليص حجم القمر والعودة به إلى الأرض، وعندما يحاول جرو الحصول على الجهاز يختطفه منه فيكتور (سوف نفهم ضمنا أنها مؤامرة مشتركة مع مدير البنك ووالد فيكتور).
يقرر جرو أن يتبنى البنات الثلاثة لهدف واحد، مساعدته فى استعادة جهاز الإشعاع، بأن تذهبن لبيع الكعك إلى فيكتور، بما يتيح لهن دخول قلعته الحصينة، ويتيح لجرو أن يُدخل معهن آلاته الصغيرة التى يوجهها عن بعد لسرقة الجهاز. وبالطبع سوف يتاح للفيلم من خلال هذا المشهد ومشاهد أخرى (مثل اختطاف القمر) تحقيق التشويق والإبهار والإثارة، وبرغم ضرورة مثل هذه المشاهد فى الفيلم لجذب الأطفال، فإنها لا تصبح هدفا فى حد ذاته (مثلما يحدث عندنا فيما تسمى أفلام "الأكشن")، فالقلب الدرامى النابض للفيلم يظل هو ذلك التغير البطىء فى شخصية جرو، الذى بدأ باستغلال الأطفال لهدفه البشع ونيته على إعادتهن إلى الملجأ بعد تنفيذ المهمة، لكنه ينتهى وقد استعاد طفولته المفقودة من خلالهن، وهو الأمر الذى لا يحدث – كما قد نتصور وتعلمه لنا غلظة المعالجة فى أفلامنا – فى شكل انقلاب درامى، وإنما هو تغير بالغ الرهافة، يتأرجح بين نعم ولا، ليشق ببطء طريقا نحو العالم النفسى المغلق لجرو، الذى سوف يستيقظ فيه نصفه الطفل بدلا من نصفه الوغد، وسوف يجد فى ألعاب الأطفال المثيرة (مثل عربة التزحلق شديدة السرعة فى الملاهى) بديلا عن إثارة أفعاله الشريرة.
وإذا كنا نبحث عن بديل لأفلامنا "الشريرة" التى يبدو أن أشخاصا مثل جرو قد شاركوا فى صنعها، فربما نتعلم - حتى من أفلام الأطفال جيدة الصنع - كيف نصنع أفلاما ممتعة، مكتملة فى عناصرها الدرامية، وواعية بأنها دائما توصل رسالة ما للمتفرج، وهى رسالة سلبية بليدة وربما شريرة فى معظم أفلامنا الأخيرة، لأنها أفلام تخاطب نصفنا البشع، وتتجاهل قدرة المتفرج العربى على أن يكون فاعلا إيجابيا ومتحكما فى حياته ومصيره، لكن هل تريد السينما المصرية ومن يصنعونها ومن يقفون وراءهم أن نمتلك حقا هذه المصير؟ ولماذا تصر السينما المصرية مؤخرا على أن ترينا وجهها البشع؟

Wednesday, December 15, 2010

فيلم "المختبئ"


تجربة نادرة للبحث عن موقف سياسى فى ما بعد الحداثة
إما مجنون أو عبقرى! هذا هو الفنان السينمائى والمسرحى والتليفزيونى مايكل هانيكه، النمساوى الأصل والمقيم فى فرنسا. وبين وصف هذا الفنان بالعبقرية أواتهامه بالادعاء يحار فى أمره الكثيرون من النقاد، خاصة النقاد الأمريكيين، فأعماله تتسم فى ظاهرها بالبساطة الشديدة التى تصل إلى حد قيامه كسينمائى بكشف تقنياته للمتفرج، وفى أفلامه كثيرا ما تتحدث الشخصيات إلى الكاميرا والمتفرج مباشرة (هل تذكر وقوع بعض نقادنا فى وصف ذلك بالتغريب والتجريب فى فيلم يسرى نصر الله "جنينة الأسماك" كأن ذلك يحدث فى السينما لأول مرة؟). لكن أفلام هانيكه هى فى الوقت ذاته شديدة التعقيد تحت السطح، وإذا كان كاتب هذه السطور قد أشار فى مقال سابق إلى الجانب السلبى فى "ما بعد الحداثة" عند كوينتين تاراتينو، الذى يعجن ويخبز أفلامه من فتات أفلام سابقة، دون أن تكون له رؤية أصيلة للعالم، كما أنه يريد من المتفرج أن يكون متلقيا سلبيا يهرب من واقعه إلى عالم سينمائى منبت الصلة بأى واقع، فإننى أعترف هنا أننى رأيت – ربما للمرة الأولى – جانبا إيجابيا بحق فى "ما بعد حداثة" مايكل هانيكه، خاصة فى فيلمه "المختبئ" (2005).
فلأبدأ بالإشارة إلى أننى كنت أميل إلى أن أترجم اسم الفيلم إلى "المُخَبَّأ"، لولا قلقى من أن تختلط هذه الكلمة عند طباعتها مع "المَخْبَأ"، فالأصل فى "المُخَبَّأ" هو الشىء اللذى يقوم صاحبه بإخفائه، لا أن يختفى هذا الشىء بنفسه، والفيلم يتحدث عن كثير من الأشياء التى نخفيها كل يوم فى حياتنا، أشياء تبدو صغيرة وتافهة لكنها تصنع مصائرنا ومصائر الآخرين، كما أنها مرتبطة بسياق أكثر شمولا، فكأن الذاتى لا ينفصل عن الموضوعى، والفردى جزء لا يتجزأ من التاريخى، وثقافة شخص ما فى مجتمع هى انعكاس لثقافة عامة سائدة، حتى لو كان المثقفون يزعمون أنهم من الصفوة التى لا تنساق مع القطيع. يكشف هانيكه عن ذلك فى فيلمه "المختبئ"، بموضوع وأسلوب شديدى البساطة والغرابة، أراهما – فى جانب منهما – امتدادا لرؤية جان لوك جودار عن السينما وعلاقتها بالمتلقى، وإن كنت أرى أيضا أن أفلام هانيكه أكثر جمالا ونضجا وتعقيدا وتأثيرا.
سوف أقف معك عند اللقطة الأولى من الفيلم والتى تنزل العناوين متناهية الصغر فى بدايتها، إن اللقطة تمتد ثلاث دقائق كاملة، الكاميرا ثابتة ساكنة فى مكان ما لتصور شارعا جانبيا هادئا، وهناك منزل فى المواجهة، وعلى شريط الصوت (الذى يخلو فى الفيلم كله من أى موسيقى تصويرية) زقزقات عصافير ما بعد الظهيرة، أو صوت مرور شخص عابر، وفى خلفية الكادر تخرج امرأة من باب المنزل، ثم لا شىء يحدث ... فجأة تتوقف الحركة فى الكادر، بل تعود بالحركة السريعة إلى الخلف، وهنا تفاجأ بأنك لا تشاهد "الفيلم"، وإنما شريط فيديو داخل الفيلم! إنه شريط وجده الزوجان جورج (دانييل أوتويل) وآن (جولييت بينوش) عند عتبة منزلهما، وهما يشاهدانه الآن ونحن نشاهده معهما، وليس فى الشريط شىء ذو بال، غير أنه يقول لهما – ولنا – أنهما مراقبان بواسطة شخص ما، لكن من هو؟ ولماذا؟ لا إجابة! وهكذا يضعك الفيلم منذ اللحظة الأولى فى تشويق مزدوج، الجانب الأول فيه هو الإجابة عن هذه الأسئلة، أما الجانب الثانى والأهم فهو أنك لن تدرى طوال الفيلم إذا ما كنت تشاهد الفيلم، أم شريطا داخل الفيلم، وتظل حائرا حول إذا ما كنت ترى الواقع أم صورته.
إن ذلك هو الجانب "ما بعد الحداثى" فى فيلم "المختبئ"، فى تلك العلاقة الغامضة ذات الدلالة والأبعاد المتعددة بين العمل الفنى (الفيلم) من جانب، والمتلقى من جانب آخر. إنك تسأل نفسك وأنت تشاهد الفيلم: هل ينبغى علىّ أن أتفرج على الفيلم بوصفه واقعا، أم أنه صورة الواقع، خاصة إذا احتوى الفيلم بداخله على شرائط مصورة ليست هى الواقع الفيلمى بل صورته؟! وسوف تتوالى هذه الشرائط المجهولة على جورج وآن (بالمناسبة بطل وبطلة أفلام هانيكه يحملان دائما هذين الاسمين)، وفى كل مرة تبدأ اللقطة المصورة كأنها واقع موضوعى لتكتشف بعد لحظة أنها شريط من تلك الشرائط، لذلك فإن عين وعقل المتفرج يصبحان فى حالة يقظة دائمة طوال الفيلم، إن المتفرج يظل يفحص ما يراه بدقة لعله يرى "المُخَبَّأ" فيه، لذلك أصارحك بأنك ربما سوف تحتاج إلى مشاهدة الفيلم مرتين لكى "ترى" ما فات على عينك رؤيته.
أعرف أنك تريد الآن "حكاية" الفيلم، وكما سبق القول فإن الحكايات فى أفلام هانيكه بسيطة ومعقدة معا. جورج وآن زوجان من الشريحة المثقفة من الطبقة الوسطى الفرنسية، تُشكِّل الكتب جدران منزلهما، والزوج يعمل مقدم برنامج تليفزيونى شهير يناقش الأعمال الأدبية، والزوجة تعمل فى دار للنشر، وليس لهما سوى ابن يبلغ الثانية عشرة من عمره هو بييرو (ليستر ماكيدوفسكى)، الذى يبدو متمردا، والسبب الظاهر فى ذلك – كما يتصور والداه – هو معاناة فترة البللوغ. تمضى الحياة هادئة بالأسرة، التى تجمعها صداقة ببعض الشخصيات التى تنتمى لنفس الطبقة، وفى مشهد يذكرك بسيريالية لوى بونويل فى "سحر البرجوازية الخفى" نرى الزوجين والأصدقاء يتشاركون الطعام، وإذا كنت تتوقع أن الحديث بينهم سوف يكون جادا، فإن الحقيقة تأتى على العكس تماما، وسوف أتركك لتتورط معهم فى "نكتة" عبثية لا تشير إلا إلى الخواء الذى يسيطر على هذه الحياة، التى تبدو من الخارج براقة لامعة.
عندما يصل الشريط الأول للزوجين تثور التساؤلات، التى تزداد حيرة مع وصول شريط ثان مصحوب برسم طفولى لوجه يبصق دما، وعندما يشاهد جورج هذا الشريط تظهر على الشاشة لقطة خاطفة لطفل ينظر من خلف زجاج نافذة والدم على وجهه. إنها لقطة من لاوعى جورج، أو ذاكرته التى "أخفى" بها صورا وأحداثا تصورها قد ماتت فإذا بها حية تتبدى أمام عينيه وأعيننا. إن التوتر الذى يسرى فى نفس الزوج، الذى نعرف الآن أنه يخفى شيئا له علاقة بذلك الرسم الطفولى، هذا التوتر سوف ينفجر فى مشهد يبدو عابرا لكن له دلالته، خاصة مع المشاهدة الثانية للفيلم، فالزوج يحتك براكب دراجة زنجى، فيفجر جورج غضبه فيه كما لو كان هذا الزنجى العابر هو "الفاعل الحقيقى" وراء الشرائط والرسوم، وهو الغضب الذى يعكس أنه حتى فى أوساط المثقفين تجد ميلا للنظر إلى "الآخرين" بشكل نمطى سلبى، فلأن الشاب العابر زنجى فإن من الممكن أن يكون "المتهم"، وهكذا تنفجر البارانويا العدوانية فى أعماق جورج، الذى يتحدث عن خطر "الأغراب" فى "مدينتنا"، وأن من الممكن أن يحدث عمل إرهابى فى كل لحظة ... وأرجو أن تلاحظ أنه حين ظهر الفيلم فى عام 2005 كانت ما يزال ماثلا فى الأذهان تمرد المضطهدين من أبناء الجيلين الثانى والثالث من المهاجرين إلى فرنسا، الذين يقيمون فى أحياء عشوائية، محرومين من أبسط الاحتياجات الإنسانية.
يسيطر الخوف على جورج، الذى يبدو أمامنا حتى هذه اللحظة بريئا وضحية لإرهاب وابتزاز غامضين. لكن شريطا ثالثا يصل إليه، هذه المرة تم تصويره من داخل سيارة تمضى تحت المطر حتى تقف أمام البيت القديم الذى تربى فيه جورج صغيرا. إذن فمن يرسل الشرائط يعلم الكثير عن جورج، وهو يريد أن يشير إلى أمر ما. يعود جورج إلى منزل الطفولة، حيث يرى أمه العجوز (الممثلة الهائلة آنى جيراردو، التى كانت امرأة الأحلام لمن ينتمون إلى جيلى!)، وفى مشهد بالغ الهدوء على السطح، ندرك من الحوار مع الأم المريضة التى تلازم فراشها أن هناك أمرا يتعلق بصبى يدعى مجيد، يقول جورج أنه يحلم به، فنعرف الآن أنه ذلك الصبى ذو الفم الملوث بالدم. فى نفس الليلة، وفى منزل الطفولة الريفى، يستكمل جورج الحلم أثناء نومه: الصبى مجيد يذبح ديكا ينتفض أمامنا وهو يلفظ أنفاسه، بينما يقف صبى آخر (إنه جورج طفلا) وقد استولى عليه الفزع.
هذا الواقع المتوتر الغامض الذى يعيشه جورج، والكابوس الدموى الذى يلاحقه، يجعلاننا نتعاطف مع جورج فى المحنة التى يتعرض لها من "عدو" يتربص به، هذا العدو الذى سوف نزداد منه اقترابا عندما يصل إلى جورج شريط يسجل طريقة الوصول إلى مبنى يضم شققا صغيرة لأبناء الطبقة الفقيرة، فيقرر جورج أن يجعل هذا الشريط دليله، ويمضى إلى المبنى، ويطرق باب الشقة التى ظهر رقمها فى الشريط، فيفتح الباب رجل كهل (موريس بينيشوه) يرحب بجورج. إنه يعرف جورج، فلابد أنه "الفاعل"، لكن جورج شخصية مشهورة لأنه يظهر على شاشة التليفزيون، فلا غرابة أن يعرفه الرجل، لكن لماذا يقول أنه انتظره طويلا؟! هنا تتضح المفارقة: إنه ذاته مجيد! وهو ينكر تماما صلته بالشرائط والرسوم، لكن جورج يصر – ولديه أسبابه "المختبئة" – أن لدى مجيد أسبابه للانتقام ... ولكن الانتقام من ماذا؟!
فى مشهد اعتراف مؤلم من جورج، يفضى به إلى الزوجة آن، يحكى ما كان يخفيه، وعذره أنه أخفاه لأنه يعود إلى تصرفات الطفولة الطائشة. وهنا يتداخل التاريخى مع الشخصى: فى أكتوبر عام 1961 دعت جبهة التحرير الجزائرية كل الجزائريين المقيمين فى فرنسا للتظاهر فى باريس، وهى المظاهرة الحاشدة التى خرجت فى 17 أكتوبر، وقامت فيها قوات الأمن الفرنسية (بقيادة رجل كان من أعوان النازية) بتفريق المتظاهرين على نحو وحشى، وإغراق مائتين منهم فى نهر السين، كان من بينهم والدا مجيد اللذان كانا يعملان لدى أسرة الطفل جورج. وعندما تقرر الأسرة الفرنسية تبنى الطفل الجزائرى مجيد، تثور غيرة الطفل جورج، فيحيك الأكاذيب التى تؤدى إلى تخلى الأسرة عن مجيد وإيداعه الملجأ. هناك إذن ظلم عام تعرض له مجيد وأمثاله من الملايين، وظلم خاص انتهى به إلى الفقر، بل إن هذا الظلم يمتد من الماضى إلى الحاضر، حين يصبح الكهل مجيد متهما بتهديد جورج وأسرته.
لن أحكى لك كبف انتهت تلك الحبكة، فسوف أساهم بدورى فى "إخفاء" بعض خيوطها، لعلك تبحث عن الفيلم وتستمع بمشاهدته كاستمتاعى به، لكننى سوف أتوقف بك عند بعض التفاصيل "المختبئة" فى ثنايا الفيلم، ويريدك هانيكه أن تبحث عنها، وتدرك دلالتها بنفسك. أرجو مثلا أن تلاحظ فى الخلفية فى العديد من المشاهد، وعلى شاشة التليفزيون المفتوح دائما فى منزل الأسرة، نرى أحيانا مشاهد من نشرات الأخبار، للمذابح فى العراق وفلسطين، ولا يكاد جورج أن يلتفت إليها، فكأن الفيلم يقول لك: إن الجريمة مستمرة، والتواطؤ بالسكوت عليها ما يزال قائما، وإذا كانت هناك مأساة حدثت وما تزال تحدث لمجيد، فإنها تحدث أيضا لعشرات ومئات الألوف من الضحايا، وما تزال الشريحة "المثقفة" منغلقة على نفسها، ولا ترى إلا ذاتها. بل إن هناك أسرارا مختبئة أخرى فى الأسرة يلمح إليها الفيلم، فى وجود شك لدى الابن بييرو أن أمه تخون أباه مع صديق للعائلة. وأخيرا هناك السر فى المشهد الأخير، لن أبوح لك به أبدا: إنها لقطة تستمر ثلاث دقائق كاملة، وتنزل معها تيترات النهاية، وتصور بكاميرا ثابتة لحظات خروج الطلبة من مدرسة الابن بييرو ... لا شىء يحدث على السطح، لكن تأمل – وسط هذا الزحام – ما يحدث فى الجانب الأيسر من الكادر، فربما، أقول ربما، يحمل لك تفسيرا لما أخفاه عنك الفيلم.
اعتمد هانيكه على اللقطات الطويلة زمنيا، أغلبها من ثلاث دقائق، وإحداها تمتد إلى ست دقائق، ومعظمها من كاميرا ثابتة أو كاميرا محمولة لا تشعر بوجودها أبدا (على عكس اللقطات المهتزة الى أصبحت "موضة" فى أفلامنا حتى لو لم يكن لها أى ضرورة)، إن هذا يعنى أيضا اعتماد هانيكه على الميزانسين شديد الدقة للكاميرا والممثلين، الذين لن تدرى – بسبب التلقائية الشديدة – إن كانت براعة أدائهم تعود إلى قدرتهم على الارتجال، أم إلى البروفات المتقنة التى لم تترك شيئا للصدفة. من جانب آخر، فإن زاوية التصوير وحجم اللقطة تكررا – طبق الأصل – فى العديد من المشاهد، لتبحث أنت كمتفرج عن الفرق فى المحتوى والمضمون بين هذه اللقطة وتلك، أو تتساءل إذا ما كانت لقطة "واقعية" أم أنها "نسخة" مصورة من الواقع. وبذلك فإن هانيكه يجعلك شريكا فى الحدث، ومتواطئا فى الفعل، لأنك "تتفرج" فقط، بينما يجب عليك أن تأخذ موقفا، بأن تكتشف وتكشف ما هو "مُخَبَّأ" فى كل الأكاذيب التى نعيشها!

Friday, December 10, 2010

فيلم "الشبكة الاجتماعية"


كثير من التواصل الإلكترونى، قليل من التواصل الإنسانى


للمخرج الأمريكى ديفيد فينشر بصمة خاصة على معظم أفلامه، تنبع من رؤية يندر أن تجدها بين المخرجين الأمريكيين، فهو ينظر إلى الثقافة الأمريكية (بالمعنى الشامل لكلمة "ثقافة") نظرة التشكك والنقد وربما المرارة أيضا. إنك تلحظ هذا بقوة فى فيلمه "نادى القتال" (1999)، حيث البطل الذى يعيش حياة أمريكية نموذجية، فمنزله يخرج على الشاشة أمام أعيننا من صفحات مجلات الديكور، مزودا حتى بالمقاييس والأرقام، لكنه يشعر بحالة من الخواء الروحى والعاطفى، ربما لأنه يعيش دائما فى خطر أن يفقد كل تلك الرفاهية فى لحظة واحدة، فتلك هى إحدى "مزايا" ومخاطر الاقتصاد "الحر". يندفع هذا البطل شيئا فشيئا إلى خلق "قرين" له، فى حالة من ازدواجية الشخصية (بالمعنى الفنى وبعيدا عن المصطلح العلمى)، وهذا القرين يعوض إحساسه بعدم الأمان وكون إنسانا "عاديا" فى مجتمع غير عادى، أو قل كونه سويا فى مجتمع غير سوى، لذلك ينشئ القرين ناديا يتصارع فيه الأعضاء كأنهم وحوش، تعبيرا مجسدا عن الصراع الاجتماعى الذى يتخفى خلف بريق كلمات مثل الديموقراطية والليبرالية، بل يذهب الأمر بقرين البطل إلى أن يسرق "الدهن" الذى يتخلص منه الأثرياء فى عمليات التجميل، ليصنع منه متفجرات يدمر بها ناطحات سحابهم!!
كانت هذه الفكرة التى تقول أن المجتمع الأمريكى يدمر نفسه من داخله سببا فى حدث غامض، اختفى أثره من على الإنترنيت لاحقا، إذ استدعت المخابرات المركزية الأمريكية ديفيد فينشر بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر، لتسأله عن رأيه فيما إذا كانت الأحداث ناتجة عن "إرهاب داخلى" يشبه ما حدث فى ولاية أوكلاهوما منذ سنوات! وفى الجانب الفنى، فإن أفلام فينشر تؤسس – من وجهة نظر كاتب هذه السطور – نوعا جديدا من النمط الفيلمى المعروف باسم "فيلم نوار"، حيث يقيم بطل يعمل فى الغالب مخبرا خاصا، لكنه كلما مضى فى التحقيق فى إحدى الجرائم تتكشف له الحقيقة المفزعة: إن العالم والمجتمع من حوله أقسى مما كان يتصور، لذلك تغرق هذه الأفلام فى الظلال تجسيدا لهذه الظلمة الروحية. وإنك إن تأملت أفلام فينشر لوجدتها بدورها تغرق فى الظلام أيضا، لكن دون ذلك العالم الروائى المصطنع (تأمل على سبيل المثال فيلمه "زودياك"- 2007)، فالظلام يخيم على الواقع الذى يعيش فيه المجتمع الأمريكى، تماما كما أن معظم مشاهد فيلمه الأخير "الشبكة الاجتماعية" هى مشاهد داخلية فى الليل الأمريكى، الذى يحتشد بصراع تهون إلى جانبه صراعات الوحوش فى الغابة.
على السطح من فيلم "الشبكة الاجتماعية" حكاية عن إنشاء موقع الإنترنيت الشهير "فيس بوك"، الذى يتيح لـ"أعضائه" التواصل، وإن شئت الدقة قل الاتصال وليس التواصل، كما أن كلمة الأعضاء تشير الآن إلى ما يزيد عن نصف مليار من البشر، لكننا سوف نتوقف عند ذلك الأمر لاحقا. الحكاية فى سطور تدور عن مارك زوكيربيرج (جيسى آيزينبيرج)، الشاب فى جامعة هارفارد، احتل العالم الافتراضى للكومبيوتر كل ذهنه، حتى أنه يخفق فى العالم الحقيقى فى أن يقيم علاقة ناضجة. إنه ينفصل فى افتتاحية الفيلم عن صديقته إيريكا (رونى مارا) فى مشهد يحمل سخرية مريرة، فهو يبدو عاجزا تماما عن أن يجد موضوعا مشتركا للحديث بينهما، بل إنه لا يعبأ بأن يهينها بشكل غير واعٍ أو مكترث بالنتائج. وحين تتركه وحيدا يعود إلى مدونته الإلكترونية وقد قرر أن يشهر بها، وفى الوقت ذاته تواتيه فكرة إنشاء موقع خاص بطلبة هارفارد، يتيح فيه للطلبة التصويت على الطالبة الأكثر إثارة، ولأنه يحتاج إلى الصور ليضعها على الموقع بسرقتها من موقع الجامعة، فإنه يستعين بصديقه وزميل غرفته إدواردو سافيرين (أندرو جارفيلد) بخبرته فى عالم لوجاريتمات الكومبيوتر.
من هذه النقطة سوف تبدأ رحلة الفتيين إلى الهوس بإنشاء موقع يظل يتسع شيئا فشيئا، يمتد من النوادى ذات العلاقة بالجامعة، حتى يصل إلى أن يكون موقعا مفتوحا للعالم كله، ويدر ربحا هائلا من خلال الإعلانات التى تعتمد على تزايد عدد زواره. سوف تتقاطع هذه الرحلة مع محاولات شبان آخرين الدخول فى "اللعبة"، التى تجمع بين المقامرة و"البيزينس" معا، بما يذكرك على الفور بفيلم تليفزيونى يحمل عنوان "فى وادى السليكون"، ويحكى عن قصة صعود بيل جيتس، لتدرك أنها فى الحقيقة (مثل أى "بيزينيس" أمريكى) ليست أبدا ناتجة عن عبقرية مزعومة، بل هى سلسلة متصلة من الخداع والسرقة والدعاوى القانونية بين مجموعة من اللصوص!!
هذا هو الأمر مع "فيس بوك"، حيث نرى التوأمين كاميرون وتايلر فينكلفوس (قام بدورهما الممثل آرمى هامر فى لقطات كومبيوترية لا تشعر لحظة واحدة باصطناعها فى الصورة أو الصوت)، اللذين يعرضان على مارك توسيع المشروع وتمويله، وهما بدورهما من طلبة هارفارد القدامى ومن عائلة صاحبة مال ونفوذ، ثم نرى شون باركر (جوستين تيمبرليك) صاحب "نابستر"، أشهر موقع فى تحميل المواد البصرية والسمعية المقرصنة من على الإنترنيت، وهو يسحب مارك إلى أرضه، بينما يبعده عن صديقه القديم إدواردو. وهنا يدخل الفيلم إلى "شبكة" بالمعنى الحرفى للكلمة، وكأن شكله يعبر عن مضمونه، ففى الشبكة الإلكترونية (الإنترنيت) تجد روابط (لينكات) ترسل بك إحداهما إلى الأخرى فى متاهة قد لا تنتهى، أو تعيدك من حيث لا تدرى إلى نقطة البداية، وذلك هو البناء الدرامى نفسه الذى يمضى فيه الفيلم: فهناك تحقيقان مع مارك، الأول بسبب دعوى مرفوعة من الأخوين وينكلفوس، والآخر من إدواردو، وإذا كان الأول يدور حول صراع مالى، فإن الآخر لا يخلو من مرارة فقدان الصداقة بسبب السعى إلى "النجاح"، وكلا التحقيقين يمضيان فى تقاطع طوال الفيلم، كل نقطة تؤدى إلى الأخرى فى شبكة متداخلة، تجعلك تسأل أحيانا: من على حق ومن على صواب؟ وإن كان الأرجح أن كل ذلك الصراع يدور حول "نجاح" عبثى لأنه يعتمد على التقاليد الأمريكية، التى تجسد بأقوى تعبير المثل المصرى: "اللى تكسبه إلعب به"!! وبعد تحقيق ذلك النجاح خواء كامل، استغراق فى الجنس والمخدرات ومراقبة الحسابات فى البنوك، أما السعادة بمعناها الأكثر بساطة فلتذهب إلى الجحيم!!
ذلك هو الجزء المظلم من اللاوعى الجمعى الأمريكى، يقبع فى الظلال الثقافية التى تنسى أو تتناسى الفرق بين الأبيض والأسود، والخير والشر، تماما كما تتجسد على الشاشة فى تلك الظلمة، لا فرق فى ذلك بين غرف الطلبة فى الجامعة أو النوادى الليلية أو الشوارع الممطرة أو البيوت المغلقة على أصحابها. وتلك هى رؤية ديفيد فينشر للمجتمع الأمريكى، التى تطرح سؤالا صارخا حول معنى النجاح ومعاييره وشروط تحقيقه، إنه مجتمع يزعم أنه يحقق "الحرية" لأفراده، بينما هو فى الحقيقة يربطهم بأغلال قوية تجعلهم يدورون بلا نهاية فى الساقية، اكسب مالا واشتر منه سلعا كمالية أو حتى ترفيهية قصيرة العمر، وإن لم تملك الآن المال فالمصارف مفتوحة لكى تقترض، وفى الحالتين (وللأسف انتقلت هذه العدوى للكثير من بلادنا) فأنت عبد لاقتصاد يعتمد على دورة رأس المال التى لا تنتهى. ومن بين هؤلاء "العبيد" قد تواتى أحدهم الرغبة فى المقامرة، بكل ما فى المقامرة من معنى، لعله يصبح "غير عادى"، ثريا، مشهورا، وليس مهما الطريق لكى يصبح ذلك كله، فذلك ضمان آخر لأن تمضى دورة رأس المال دورتها العبثية، التى يريدون لنا أن نكون جزءا منها باسم الاقتصاد الحر تارة، أو النظام العالمى الجديد تارة أخرى، لكنها فى الحقيقة تقسم البشر إلى من يملكون ومن لا يملكون، وإن كنت فى شك من ذلك تأمل ما حدث فى المجتمع المصرى خلال السنوات الثلاثين الأخيرة، تحت عنوان "الإصلاح الاقتصادى، وأرجو أن يعود من يهمه الأمر إلى مقالات الدكتور فؤاد مرسى فى هذا الشأن منذ بداية الثمانينيات.
يدرك المخرج "الأمريكى" ديفيد فينشر هذه الرؤية عن مجتمعه ونحن الأكثر حاجة إلى إدراكها، إذ يترقى وزراؤنا فى مناصب فى صندوق النقد الدولى أو ما شئت من مؤسسات مالية "عالمية" لأنهم ينفذون هذه السياسة الأمريكية فى إفقار العالم ماديا وروحيا، بينما تثرى مجموعة من "المغامرين" (ولهم صفة أخرى من المؤكد أن القارئ يعرفها) على حساب الأغلبية من البشر، وسلِّم لى على الليبرالية وحرية الاقتصاد والسوق الحر!! إن تلك العبثية يبرزها فينشر فى أن الشخص الذى ينشئ "الشبكة الاجتماعية" فاشل تماما فى أن يخلق علاقة إنسانية واحدة سوية، إنه يحقق "النجاح" لأنه خلق عالما افتراضيا يشبه تماما الاقتصاد الافتراضى الذى تمثله البورصة وأشباهها (وأرجو بصدق أن يشرح لى أى متخصص ما هى تلك "البورصة" التى يراها شخصى المتواضع طاولة قمار كبرى لا تعكس أى اقتصاد أم إنتاج حقيقى، ومع ذلك تصبح جزءا من اقتصادنا وحياتنا). إنها العبثية التى دفعت بكلمات مخترعة إلى اللغة، إن أندرو يبتهج عندما تقول له صديقته: "فيس بوك مى" (أى راسلنى على الفيس بوك، فقد أصبح المصطلح من أفعال اللغة)، تماما كما تهجره صديقة أخرى لأنه لم يضفها بعد إلى قائمة أصدقائه على صفحته فى الفيس بوك!
قد تبدو هذه السطور معادية للتقدم التكنولوجى، بينما أنا أكتب مقالتى الآن على الكومبيوتر، لكنها فى الحقيقة محاولة للبحث عن المعنى فى أى تقدم تقنى، إنه وسيلة، وليس غاية، وهو أداة تساعدك على أن تعيش حياتك الحقيقة، لا أن تستغنى عنها لتعيش حياة افتراضية. وبقدر ما أن هذا التقدم يسمح بالإبداع، فإنه يتيح الابتذال، والنسخ، والمسخ، والتنفيس المرضى، وانقطاع الصلة الحميمة بين البشر. وإن كان هناك متسع وسط هذه القتامة لنكتة طريفة، فقد تذكرت الآن الرجل الأمريكى الذى وجد شابا فى جزر هاواى، مسترخيا على البحر، فوجه الرجل إليه اللوم لأنه لا يعمل، سأله الشاب: لماذا؟ قال الأمريكى: لتكسب المال، ويتسع ثراؤك، وتكون لديك شركات ضخمة، فيها مئات من الموظفين يعملون بدلا منك، لكى تستريح من بعد ذلك كله، فقال الشاب: ولكنى مستريح فعلا الآن!!
مرة أخرى إذا كان هناك فى أفلام فينشر من تشاؤم حول ذلك الصراع الاقتصادى والاجتماعى على الطريقة الأمريكية، فالهدف هو إعادة النظر فى المسلمات، والبحث عن المعنى من جديد، والعثور على الحياة الحقيقية. فى المشهد الأخير من الفيلم، يجلس صانع الفيس بوك أمام الكومبيوتر فى الظلام، طالبا بضغطة زر من فتاته القديمة أن تقبله صديقا على صفحتها، ويظل يضغط على الزر بين لحظة وأخرى لكى يجدد الصفحة، دون جدوى ... وربما سوف يظل ينتظر إلى أن تنهى حياته الافتراضية والحقيقية معا!!