Thursday, December 30, 2010

"ويندى ولوسى": أمريكا فى زمن الضياع


الأفلام مثل الموسيقى، هناك أفلام تشبه الأغنيات الرخيصة التى قد تجذب قطاعا كبيرا من الجمهور، ثم سرعان ما تنتهى إلى الزوال، مثلما كان الحال مع "لولاكى" إن كنتَ تتذكرها، وهناك أيضا أفلام جادة مبهرة تذكرك بالسيمفونيات التى قد تبدو عصية على التذوق الكامل، لكن التلاعب بالتوزيع الأوركسترالى الضخم والفخم، على طريقة تشايكوفسكى مثلا، يشد المتلقى لسماعها، وهناك أخيرا أفلام شديدة الاقتصاد فى أسلوبها وتقنياتها، ليس لديها الكثير من عوامل الجذب الجماهيرى، سوى تلك الألحان التى تبدو قادمة من أعماق الروح، وبناء فنى لا يفصح عن نفسه بسهولة، مثل رباعيات بيتهوفن الوترية، التى تحتاج منك أن تعطى لها نفسك، وعندئذ فقط تكشف لك هذه الرباعيات عن أسرارها.
عندما شاهدت فيلم "ويندى ولوسى"، بناء على نصيحة ابنى السينمائى الشاب خالد، تذكرت على الفور تلك الرباعيات الوترية، وفهمت لماذا أعطى النقاد الأمريكيون للفيلم درجات كبيرة على موقع "ميتاكريتيك"، بينما لم يمنحه الجمهور إلا درجات قليلة، وهذا التناقض يعود فى رأيى إلى أن النقد السينمائى لم يعد فى الفترة الأخيرة يبذل جهدا كبيرا فى التواصل مع المتفرج والقارئ، حين كاد الخط الفاصل بين النقد الجاد والتحقيق الصحفى أن يتلاشى، فكانت النتيجة أننا تركنا الجمهور لسينما تتسابق فى إبهار المتفرج وغسيل مخه، بل إحيانا – مثلما يحدث فى أفلامنا – فى تشويه أحاسيس المتفرج وتحويله إلى كائن متبلد.
لم يعرض فيلم "ويندى ولوسى" فى الأسواق العربية عرضا جماهيريا، لأن الموزعين وأصحاب دور العرض، مثل معظم المنتجين وصناع الأفلام، يخفون شراهتهم للمال وراء شعار "الجمهور عايز كده"، بما يعنى أن الجمهور "مش عايز" الأفلام من نوعية "ويندى ولوسى". وإذا كان هذا الموقف يمثل مصادرة مسبقة على حق المتفرج فى أن يرى ويحكم بنفسه، فهذا الموقف لن يزيد إلا من موقف الجمهور الرافض لهذه الأفلام لأنه لا يعرفها أصلا، عملا بالمقولة المصرية الشائعة والتى توردنا أحيانا موارد التهلكة: "اللى تعرفه أحسن من اللى ماتعرفوش"!
سوف نحاول هنا أن نجعل من فيلم "ويندى ولوسى" من نوعية "اللى تعرفه"، لعل ذلك يصنع يوما تيارا يطلب السينما بمعناها الرفيع، أو على الأقل يطالب بحقه فى أن يرى كل نوعيات الأفلام. ولأن الفيلم غير متاح فى دور العرض، برغم سهولة الحصول عليه من الإنترنيت، فإننا لن نخشى هنا أن نحكى للقارئ حكايته، فربما كان ذلك دافعا لأن يبحث عنه ويستمتع بمشاهدته. ولعلى لا أذهب بعيدا عن الحقيقة حين أقول أن معرفة القارئ بتفاصيل حكاية الفيلم سوف تزيد من متعة مشاهدته، فالحكاية ذاتها شديدة البساطة، لكن جمالها فى طريقة حكايتها، أو كما يقولون فى علم الجمال أنه ليس من المهم فقط "ماذا" تقول، لكن "كيف" تقوله أيضا.
نحن فى البداية بالقرب من مخزن لقطارات البضائع على أطراف مدينة صغيرة فى شمال الغرب الأمريكى، نرى حركة القطارات البطيئة ونسمع أصواتها الرتيبة المنتظمة، ثم ننتقل إلى أحد المروج القريبة حيث نشاهد الفتاة ويندى (ميشيل ويليامز) تلاعب كلبتها لوسى شديدة الذكاء. الفتاة ترتدى قميصا وسروالا قصيرا حتى أنها تشبه الصبيان، خاصة فى قَصَّة شعرها القصير، ووجهها الخالى من آثار مساحيق التجميل، والكاميرا تتحرك حركة بانورامية بطيئة لتوحى لك بإحساس مطمئن تتمنى فيه كمتفرج لو امتدت وطالت تلك اللحظة من الوداعة والسلام. تختفى الكلبة لوسى عن أنظار ويندى فيتسلل بداخلها إحساس بالخوف، حتى تجد كلبتها عند مجموعة من الشباب والشابات، هم أقرب إلى الصعاليك المشردين، ويدور حوار قصير نعرف منه أن ويندى مسافرة على الطريق، لقد أتت من ولاية بعيدة وتنوى إكمال رحلتها إلى ألاسكا، حيث تقول أن هناك فرصة للعمل فى مصنع لتعليب الأسماك، فى نفس الوقت الذى يحكى فيه الصعاليك عن أنهم عائدون من نفس المكان الذى تنوى ويندى أن تذهب إليه.
وهكذا وبلمسات شديدة الرهافة، يضع الفيلم أمامك فكرته الدرامية: فتاة وحيدة ليس لها فى العالم من صديق حميم إلا حيوانها الأليف، وحلم بالذهاب إلى آخر العالم بحثا عن عمل، وربما هربا من ظروف خانقة، لكنك تعرف أن هذا الحلم ليس ورديا بأية حال عندما ترى الصعاليك العائدين منه. وهنا سوف أتوقف بك قليلا لنتأمل ما يسمى "سياسات السينما"، التى لا علاقة مباشرة بينها وبين السياسة بمعناها الدارج، لكنها علاقة صانعى الفيلم بالشخصيات والعالم الذى يصورونه، بما يؤدى بهم إلى قرارات تقنية وجمالية محددة. إن صانعى الفيلم لن يخبروك بأية تفاصيل "معلوماتية" عن ويندى، فكأنهم لا يعلمون عنها الكثير سوى ما تعرفه أنت، لذلك فإنهم لن يتدخلوا بينك وبين ما تراه على الشاشة، وسوف يكتفون فقط "بتسجيل" العالم كما هو بأقل قدر من التقنيات. وأرجو أن تلاحظ على سبيل المثال أنه لا يوجد فى الفيلم "فلاش باك" يفسر ويشرح، وليست هناك حركة "زووم" واحدة تجعلك تقوم بالتركيز على عنصر درامى دون آخر ... قل فى النهاية أن هذا هو العالم أمامك، وعليك أن تفسره وتتفاعل معه بالطريقة التى تختارها.
لكن الفيلم لن يخلو أيضا من "سياسة" على نحو ما، ولم يخطئ النقاد الأمريكيون حين لاحظوا أن جانبا من مضمون الفيلم يصور أمريكا فى نهاية عصر بوش وفى أعقابه، أناس على الطريق، بدأوا من واقع طرَدَهم إلى حلم متواضع بالبحث عن لقمة عيش فى ظروف أفضل. ولعل القارئ يلاحظ أننى أستعين هنا بشهادة النقاد الأمريكيين فى الجانب السياسى، لأن الكثير من نقادنا يتصورون أن القراءة السياسية للأفلام هى نوع من التعسف! بل إن هذا الموقف السياسى فى الفيلم يتجسد فى شكل فنى فى أن كل الشخصيات هى بشكل أو بآخر امتداد أو انعكاس للبطلة ذاتها، وهو ما يطلق عليه "البناء المفتوح" فى الدراما.
فلنعد إلى الحكاية: ويندى لا تملك من المال لتكمل رحلتها إلا بضع مئات قليلة من الدولارات، تظل تعيد حسابها المرة بعد الأخرى فى خوف من نفادها قبل أن تصل إلى غايتها، وهى تبيت لياليها على الطريق بداخل سيارتها الصغيرة العتيقة مع كلبتها لوسى، لكن السيارة لن تدور فى الصباح، فتضطر إلى دفعها إلى طريق جانبى، بعيدا عن مكان خال يحرسه حارس عجوز (والى دالتون)، كل ما يفعله طوال يومه هو أن يقف على قدميه دون أن يعرف بالتحديد ما هو ذلك الشئ الذى يقوم بحراسته سوى هذه الأرض الخاوية. تستعين ويندى بدورات المياه فى محطات الوقود على الطريق لكى تغسل وجهها فى الصباح، وتغير بعض ملابسها، وتجمع من الغابة القريبة بعض المعلبات الفارغة وتذهب لبيعها، لكنها تجد طابورا طويلا من جامعى هذه المعلبات فتتراجع عن فكرتها. تذهب ويندى إلى متجر قريب، وتختلس علبة طعام لكلبتها، فيمسك بها أحد الفتيان العاملين فى المتجر، ويسلمها إلى رئيسه فى العمل، مؤكدا لكى يثبت كفاءته أن القانون يجب تطبيقه على الجميع.
من أجل علبة طعام الكلاب يقودون ويندى إلى الشرطة، فتترك كلبتها مقيدة إلى جوار المتجر، وبعد ساعات طويلة يفرجون عنها بعد أن تدفع غرامة، لتعود فلا تجد لوسى حيث تركتها. لا تستغرب أن تكون الكلبة الأليفة هى صديقها الوحيد فى هذا المجتمع، فهذا ما سوف يتأكد توا: إن ويندى تتصل بأختها فى الولاية البعيدة التى أتت منها، فلا تتلقى سوى عبارات فارغة من أية مشاعر أو تعاطف، فتبيت الليلة وحدها فى السيارة، وإن كانت تخرج بين الحين والآخر فى الظلام تنادى على لوسى فى لوعة، دون أن تسمع سوى صدى صوتها. فى الصباح التالى، وبنصيحة من الحارس العجوز، تذهب ويندى إلى حظيرة الكلاب الضالة فى المدينة فلا تجد لوسى، وأرجو أن تتأمل هنا كيف تستعرض الكاميرا، المتحركة ببطء وتمهل، أقفاص الكلاب الضالة التى تنظر إلى الكاميرا، إن وراء كل منها قصة ربما تكون مماثلة، مثلما أن قصة ويندى يمكن أن تتكرر فى هذا المجتمع القاسى الذى قد نصنع له صورة مثالية مغايرة للحقيقة، برغم أنه ليس فى النهاية إلا مجتمعا ينقسم إلى من يملكون ومن لا يملكون.
حتى الملاذ الأخير لدى ويندى الذى تبيت فيه، سيارتها القديمة المعطلة، سوف تفقدها عندما تذهب بها إلى ورشة تصليح السيارات، ولا تجد سوى الغابة تنام فيها، وهناك تستيقظ فى الليل على صعلوك متشرد يهذى بأنه ليس مجرما إذ يطالب بحقه كإنسان، ثم يختفى، لكن الهلع يسيطر على ويندى فتمضى هائمة فى شوارع المدينة فى الليل، وتلجأ إلى دورة المياه تختفى فيها وتبكى، لكنها تنظر فى المرآة الملطخة وتواسى نفسها وتشجعها على الاستمرار فى الرحلة. الآن عرفت ويندى أن السيارة أصبحت متهالكة تماما ولن تساوى تكاليف إصلاحها التى لا تملكها، وعندما تعثر على لوسى أخيرا تكتشف أن رجلا مقتدرا قد آواها. تتسلل ويندى إلى حديقة منزل الرجل، وهناك تلتقى ولوسى فى مشهد مؤثر بحق، لكنها بعد لحظة تدرك أن عليها أن تتخذ القرار الصعب، أن تترك لوسى هنا على أمل لا تدرى إن كان سيتحقق بالعودة لها عندما تمتلك المال، وفى لقطتين قريبتين لوجهى ويندى ولوسى يشعر المتفرج بلوعة هذا الفراق، وتمضى ويندى وحيدة لتتسلق أحد قطارات البضاعة الراحل إلى ألاسكا، من مخزن القطارات حيث بدأ الفيلم، وكأنه يرسم القوس الأخير للنهاية التى ما تزال مفتوحة.
أخرجت الفيلم كيلى ريتشارد، التى شاركت فى السيناريو مع كاتب القصة جون ريموند، كما اشتركت فى مونتاجه أيضا، وهو فيلم "مستقل" بالمعنى الحقيقى للكلمة، وذو ميزانية متواضعة تماما، حيث تم تصويره فى مواقع التصوير الحقيقية باستخدام الضوء المتاح، وشريط للصوت حافل بالمؤثرات الصوتية الطبيعية على الطريق السريع إلى جوار مدينة صغيرة، كما أنه مستقل فى فكرته ومعالجته، إنه من نمط "فيلم الرحلة" لكنه يقف عند نقطة من هذه الرحلة متأملا، نقطة اللاعودة وضرورة الاستمرار نحو المجهول، عندما تجد الشخصية الرئيسية نفسها محاصرة بأنها "لا تملك" فى مجتمع لا يعرف قيمة إلا لمن يملكون، ونحن نجد أنفسنا بدورنا محاصرين مع الشخصية، ووجود الكلبة لوسى فى هذه الحبكة هو الذى يتيح الفرصة لأكبر قدر من التوحد بيننا وبين البطلة، إذ يعطيها أبعادا لا تملك إلا التعاطف معها. ومن خلال براعة هائلة من كل الممثلين دون استثناء، تصدق أن هذه الشخصيات حقيقية، وأن الفيلم "يسجل" واقعا لم يخلقه أو يختلقه، وهو ما يجعل الفيلم درسا حقيقيا لسينمائيينا الشبان الباحثين عن سينما مستقلة بحق، إنه الدرس الذى يعلمك ألا تصنع "لولاكى" مثل آلاف غيرك، وإذا لم تكن قادرا على صنع السيمفونيات المبهرة فقد تكون قادرا على تأليف رباعية وترية شديدة الاقتصاد والبلاغة معا، وإن كان ذلك يحتاج إلى وعى سياسى وجمالى حقيقى، ليتنا نمتلكه يوما.

Tuesday, December 28, 2010

السينما المصرية فى الألفية الثالثة ... قبل الميلاد!!


هل تذكر حكاية "الألفية الثالثة" والحديث المزعوم عن دخول مصر إليها "برجلها اليمين"؟ لقد مضى العقد الأول من هذه الألفية، واتضح أن مصر، فى كل المجالات دون استثناء، كانت لا تدخل إليها، بل تخرج منها مولية الأدبار، بفضل مجموعة "الشطار" والعيارين التى تحكمنا الآن، ليس فى ذهن أحد منهم مصلحة الوطن بالمعنى الحقيقى للكلمة، بل هدفهم جميعا هو تحويل مصر إلى سوق و"سويقة"، وكل واحد وشطارته وصوته العالى وقدرته على إلباس الحق بالباطل، وإنكار وجود الشمس فى عز الظُهْر، ومن يستطيع منهم أن ينتزع "حتة" من الوطن ليأكلها لحما ويرميها عظما فهنيئا له ومريئا، وكله باسم الفكر الجديد وحماية الأمن القومى على طريقة الجدار الفولاذى ومصر فوق الجميع، والمصيبة أننا – نحن المنتمين إلى ما يفترض أنها المعارضة – نكتفى بأن نقوم بدور الموسيقى التصويرية لهذه الميلودراما، بالكثير من الكلام والقليل من الفعل، تأتى إلينا فرص اتخاذ مواقف سياسية فنأبى استثمارها، فحين يتحدث البرادعى عن الأوضاع المقلوبة نتوقف عند الدفاع عن شخصه، بينما كان الأجدر بنا أن ندافع باستماتة عن أفكاره بتعديل الدستور وإصلاح أوضاع الحياة الحزبية فى مصر، وحين فكّرنا يوما فيما أطلقنا عليه "العصيان المدنى السلمى" فات علينا أن نجمع الشعب المصرى على هذا الموقف بسبب "شبه" قانون الضريبة العقارية، الذى يصممون به على عَقْرنا فى عُقْر دورنا وديارنا.
وإذا كان الحال كذلك، حكومة ومعارضة، فقل لى بالله عليك كيف يحق لنا ولو للحظة واحدة أن نتحدث عن ألفية ثالثة، حتى لو كانت قبل الميلاد؟ وعندما نتناول أحوال السينما فى مصر فلن نجدها منفصلة أبدا عن هذه الفوضى الضاربة أطنابها فى كل شىء، الخالق الناطق هى نفس العشوائية والاضطراب، سواء فى الكثير من الأفلام التى تتم صناعتها دون أن تعرف بالضبط لماذا ولمن صُنعت، أو فى بعض الأحكام النقدية التى يحكمها الهوى أحيانا والجهل أحيانا أخرى، وأخيرا الأرقام المغلوطة وغير الدقيقة التى تطالعنا هنا وهناك، بينما لا نعير التفاتا للأرقام الموثوق بها. ليست "شطارة" أبدا من كاتب هذه السطور أن يراجع هذه الأرقام والمعلومات أو تلك، بل هو الحزن الحقيقى والأسى العميق من أنك لن تجد الكثيرين من النقاد يعانون من الأرق بسبب الحال الذى وصلت إليه صناعتنا السينمائية، فنحن ننقد الأفلام: هذا فيلم جيد وياسلام عليه، وهذا فيلم ردىء و"وِحِش"، ثم ننام ملء جفوننا. إننا نتعامل مع السينما، كما نتعامل الآن مع كل شىء فى حياتنا، بالقطعة، كجزئيات لا نخرج منها بصورة للكل، هذا الكل الذى وصل إلى حالة مزرية من التردى والتدهور والانحدار.
سوف أحاول معك فى هذا المقال أن نقف عند بعض النقاط، التى أرجو أن تفى بالغرض من إلقاء بعض الضوء على أوضاع صناعة السينما فى بلادنا. ولأبدأ معك بما نشره موقع "ميتاكريتيك" منذ أيام قليلة، عن أفضل مائة فيلم خلال العقد الأول من الألفية الثالثة، وذلك طبقا لمتوسط آراء أشهر النقاد الأمريكيين، ومع ذلك فإن المركز الأول فى القائمة احتله فيلم أسبانى مكسيكى، والثانى رومانى، وتوالت أفلام من اليابان واستراليا والصين وفرنسا وبريطانيا والبرازيل و"إسرائيل" وألمانيا وكندا وإيطاليا وكولومبيا وإكوادور وروسيا وإيران. لن أسألك أين مصر فى هذه القائمة، (لا وجود بالطبع لأفلام مثل "ابراهيم الأبيض" أو "جنينة الأسماك"، لا فرق)، لكن أرجو أن تلاحظ أن ثلاثة أرباع هذه الأفلام لم يعرض فى مصر عرضا عاما أو خاصا، وحتى الرُبع الذى أتيح له العرض لم يتناول معظمه أية مقالة نقدية جادة فى مصر، وهو مايشير فى واقع الأمر إلى غيابنا، جمهورا ونقادا، عما يحدث فى السينما فى العالم، بينما نهتم ونتجادل ونتشاجر ونمسك فى خناق بعضنا البعض حول أفلام مصرية تتلعثم – بالمعنى الحرفى للكلمة – فى أبجديات السينما وبديهيات الفن. إن هذا يحدث فى عصر الإنترنيت، حيث يمكن للنقاد المصريين الاطلاع على مايكتبه النقاد فى العالم كله، وتحميل ومشاهدة الأفلام التى لا تُعرض للجمهور المصرى، والكتابة عنها لضخ دماء جديدة متدفقة ودافئة فى الثقافة السينمائية، لأن من المفترض أن النقد لا يكتفى بالتهليل أو التنديد بتلك الأفلام المتواضعة المفروضة علينا، وتُفسد ذوقنا النقدى والجماهيرى حتى إن لم نكن نشعر بذلك بشكل واعٍ، لكن يجب على النقد أن يفتح آفاقا جديدة أمام صانع الفيلم والمتلقى معا. وعند هذه النقطة أود الإشارة إلى حقيقة مفزعة لا تحدث أبدا فى أى وسط ثقافى ينبض بالحياة (وسطنا الثقافى السينمائى ينبض بالموت إن جاز التعبير)، وهى غياب أية مطبوعة سينمائية جادة ومنتظمة الصدور، وكان الأجدر وجود العديد من المطبوعات التى تعبر كل منها عن اتجاه أو منهج نقدى بعينه، لذلك وقع النقد فى هوة الصحافة السينمائية مدفوعة الأجر، ماديا أو معنويا، والتى تتحدث عن نجومية فلان، و"البطولة المطلقة" لعلان، وترتان الذى "تفوق على نفسه"، ناهيك عن الأحكام المتعسفة والمتسرعة التى لا تساعد المتلقى بأية حال على التذوق الحقيقى للأعمال السينمائية.
أريد أن أكون منصفا فأقول أن بمصر الكثيرين من النقاد الجادين، لكنهم لا يقومون بواجبهم كما ينبغى لهم، ربما بسبب المناخ العام الذى أصابته الشيخوخة فى كل شىء، أو لأنهم لا يجدون لهم منبرا ثابتا، أو لأنهم مشغولون بالبحث عن لقمة العيش فى نشاطات تبعدهم عن ممارستهم النقد بشكل مستقر مستمر، أو لكل هذه الأسباب جميعا. من جانب آخر فسوف تجد بعض "كهنة" النقد السينمائى، وأتباعهم من أنصاف النقاد الذين يرددون العبارات خلفهم كالببغاوات، هؤلاء لهم منابرهم التى يطرحون فيها قضايا وأحكاما قاطعة مانعة ما أنزل الله بها من سلطان، وهم يُغيرون هذه الآراء على حسب المصلحة، فالرائد الأول فى الدعاية لتحويل الثقافة السينمائية إلى استثمار أصبح الآن يهاجم هذا الاتجاه، والله وحده يعلم السبب وراء "إيمانه" بالرأى ونقيضه على هذا النحو الذى يضفى الشك على ما يدعو إليه فى الحالتين. إن هذا النوع من "النقد" لا يبغى فى الحقيقة إلا المصالح الشخصية، أما القضايا الموضوعية فقل عليها السلام. أعطيك مثالا صارخا: هل قرأت لأى من النقاد ولو بضع سطور عن البيانات التى أصدرها الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء، حول أن عدد دور العرض السينمائى فى مصر الآن 250 دار، وعدد رواد هذه الدور فى عام 2008 لم يتجاوز 18 مليون مواطن، وهى أرقام هزيلة إلى حد مفزع، وفى ظلها لا يمكن الحديث عن أن لدينا صناعة سينما، فهى تعنى أن هناك دارا واحدة للعرض السينمائى لكل 300 ألف مواطن، وأن المتفرج المصرى يدخل السينما مرة واحدة كل أربع سنوات! هل يمكن أن نقارن ذلك بأية صناعة سينما أخرى، حيث المتوسط هو دار عرض لكل عشرة آلاف مواطن، وحيث يدخل المتفرج السينما أربع مرات كل عام؟!! وفى ظل هذه الأرقام يجب أن نسأل أنفسنا: لمن نصنع الأفلام إذن؟ ولماذا نصنعها؟ وهل السينما – باعتبارها فنا – تمارس دورها المفترض فى صناعة وصياغة وجدان الجماهير، أم أنها حتى كتجارة تتجاهل الاحتياجات الحقيقية لهذه الجماهير، وتترك عقولهم وأفكارهم نهبا لكل الأفكار والتيارات المتطرفة يمينا أو يسارا؟ وكيف يمكن لنا كنقاد أن نتناول بالنقد المتحمس أفلامنا المصرية، التى تزداد للأسف الشديد تدهورا وتحللا فى الشكل والمضمون، بينما نحن نعلم أن الأفلام لم تعد إلا سلعة لجمهور عابر يعتبرها وسيلة للتسلية من الدرجة العاشرة؟! ألسنا بذلك نساهم فى تدنى السينما المصرية ونظرة الجمهور لها؟!
إن ذلك يقودنا إلى من يقومون بالإنتاج والتوزيع السينمائى، الذين لا ينظرون إلى السينما إلا كمجرد "سبوبة" يستكملون بها أرباحهم المادية والمعنوية، إنها وسيلة للكسب السريع السهل، الذى يتماشى تماما مع كل السياسات الاقتصادية المتبعة فى مصر الآن، والقائمة على النهب والخطف، "إخطف وإجرِ"، وأضف إلى ذلك الوجاهة الاجتماعية بالاقتراب من عالم الأضواء، ومع ذلك فهؤلاء المنتجون الموزعون، بهذا الفكر القاصر، هم الذين يصوغون القيم الأخلاقية والسياسية لمن يتفرج على أفلامهم. لم يقف فى طريق هؤلاء أحد عندما يرتكبون الخطيئة الجوهرية فى أية صناعة سينما، فى جمعهم للإنتاج والتوزيع والعرض، فهذا الاحتكار لن يؤدى بعد سنوات قليلة إلا للانهيار، هذا الانهيار الذى يمكن أن تلحظ بوادره فى تراجع متزايد فى عدد الأفلام وتدنى مستواها. إلى جانب ذلك، أرجو أن تتأمل فقط أفلام إحدى هذه الشركات، التى جاءت بأموالها من عالم القرى السياحية، لتصنع أفلاما تسخر فى وقاحة من شهداء حرب أكتوبر، وتهزأ بـ"كل" التاريخ النضالى فى مصر، وبعد ذلك يتصور (أو الحقيقة: يزعم) البعض أنه يمكن أن يصنع من خلالها أفلاما "ناصرية" أو تنادى بالحرية الفكرية، أو تدعى أنها كذلك!! (لعلك تفهم لماذا يعمل الناقد الكبير إياه كبوق دعاية لأفلام هذه الشركة، لكن هل تستطيع أن تفهم لماذا يسير بعض الحواريين "الغلابة" خلفه؟).
أعرف الآن ياعزيزى القارئ أنك تنتظر منى قائمة تمثل – من وجهة نظرى – أفضل عشرة أفلام مصرية فى العقد الأول من القرن العشرين، وأعترف لك أننى بذلت جهدا كبيرا لكى أحدد هذه الأفلام العشرة (عشرة فقط فى عشر سنوات!!)، بل إننى أعترف لك أيضا أننى لا أرضى كل الرضا عن بعض مما جاء فى هذه القائمة، لكنها على أية حال، وكما أعتقد، تعطيك لمحة عن الأسماء التى تتعامل بجدية مع الفن السينمائى، وإن لم يكن بعضها يلتزم بذلك دائما! هذه الأفلام بترتيب عرضها: "أرض الخوف" (2000) لداود عبد السيد، "فيلم ثقافى" (2000) لمحمد أمين، "الأبواب المغلقة" (2001) لعاطف حتاتة، "مواطن ومخبر وحرامى" (2001) لداود عبد السيد، "سهر الليالى" (2003) لهانى خليفة، "باأحب السيما" (2004) لهانى فوزى، "بنات مصر الجديدة" (2005) لمحمد خان، "ملك وكتابة" (2006) لكاملة أبو ذكرى، "فى شقة مصر الجديدة" (2007) لمحمد خان، و"واحد صفر" (2009) لكاملة أبو ذكرى. ويمكن بالطبع وبدون أدنى شك للقارئ أو أى ناقد زميل أن يختلف مع هذه القائمة، لكن تلك هى رؤيتى الشخصية للإنجاز الإبداعى للسينما المصرية فى أعوامها الأخيرة، والذى يشير – كما أتصور – إلى أنه ما يزال للتيار الجاد من جيل الثمانينات، ممثلا فى داود ومحمد خان، حلمه وإصراره على صنع سينما حقيقية كلغة ورسالة بالمعنى الأعمق للكلمتين، وإن كانت الظروف تعانده بقوة، فداود على سبيل المثال قضى عشر سنوات لكى ينجز فيلمه الذى لم يعرض بعد "رسائل البحر"، وما يزال بعض من فرسان هذه الكتيبة لا يجدون الفرصة للعودة إلى السينما مثل خيرى بشارة. من جانب آخر فإن فرسانا جددا مثل عاطف حتاتة أو هانى خليفة لم يجدوا الفرصة إلا لصنع فيلم واحد، بينما بدأ محمد أمين طموحا وانتهى إلى السينما التى ترقص على السلم بمغازلة النقاد و"زغزغة" المتفرجين بأفلام مشوهة الشكل والمضمون، فى الوقت الذى تملك فيه مخرجة شابة مثل كاملة أبو ذكرى رهافة التعبير وعمقه، دون أن تقع (كما يحدث لمخرجات أخريات) فى إغراء البهلوانيات السينمائية الفارغة، وإن كانت تلجأ بين الحين والآخر إلى "تقفيل" فيلم تجارى متواضع.
لعلك لاحظت أبها القارئ العزيز أننى لم أتوقف عند أى فيلم لأى من النجوم أو النجمات الذين يحتلون السينما المصرية الآن، فاعتقادى الذى أومن به كل الاعتقاد أنهم نجوم مصطنعون، فإن غاب أحدهم أو إحداهن عن الشاشة (كما حدث بالفعل) فلن يشعر أحد منا بافتقاد شىء ما، وهو ما يتناقض مع مفهوم "النجومية" بمعناها الحقيقى، التى لا تعنى كما يتصور البعض أنها "البضاعة الأكثر مبيعا"، لكن النجم أو النجمة هما جزء من واقعنا وجزء آخر من أحلامنا، والنجومية ليست ظاهرة فنية فقط، بل إنها فى جوهرها ظاهرة اجتماعية وسياسية، إن النجم الحقيقى يظهر على الشاشة بالنيابة عنى لكى يقول ما أريد أن أقوله لكننى أعجز عن قوله، وهو الذى يفعل فى الأفلام ما لا أستطيع أن أفعله فى الحياة وإن كنت أتمناه. ولأن السياق الذى نعيش فيه يتضمن واقعا بائسا يائسا بلا أحلام، فلا وجود لنجوم حقيقيين فى السينما والسياسة على السواء... ليس هناك قادة ثقافيون أو سياسيون بالمعنى الحقيقى للكلمة، ولم يكن ذلك إلا سببا ونتيجة فى وقت واحد لثلاثة عقود من التراجع والتدهور المادى والمعنوى، وربما لو ظهر ابن إياس فى زماننا لوجده يضاهى أكثر العصور ظلاما فى تاريخ مصر، ومصر يا من تتحدثون عنها بوصفها "فوق الجميع" ليست كتلة مصمتة أو صنما معبودا، وهى ليست النظام الحاكم فى أى من العصور، إنها الآن أنا وأنت كما نعيش هذه اللحظة من التاريخ، وبقدر ما ننجز تكون "مصر"، لأنها كائن حى تتفاعل فيه ومعه كل المؤثرات الإيجابية والسلبية، إنها تصح وتمرض، وهى الآن فى طور متأخر من المرض، ولعلها يوما تسترد صحتها وعافيتها، لكى تدخل العقد الثانى من الألفية الثالثة، وتنسى العقود الثلاثة المظلمة التى لن تستحق من التاريخ سوى نظرة الشفقة الممتزجة بالازدراء تجاهنا، لأننا لم نؤدِ واجبنا البديهى ليس فقط تجاه مصر، بل تجاه ما يعبر عن أبسط شروط الكرامة والثقافة الإنسانيين.

Thursday, December 16, 2010

فيلم "نصفى البشع"


عندما توقظ الطفولة النقية نصفنا الجميل
لم أكف عن الابتسام أو حتى الضحك بصوت عالٍ وأنا أشاهد فيلم التحريك "نصفى البشع"، وهى ترجمة بتصرف لمعنى عنوانه الذى يمكن أن تترجمه أيضا "أنا الشنيع" مثلا، فالمهم أنه يشير إلى جانب شرير من النفس البشرية، وبرغم أن الفيلم موجه أساسا إلى الأطفال، وأن النكات التى يمكن للكبار وحدهم فهمها نكات قليلة متناثرة، على عكس معظم أفلام التحريك الحديثة التى تراعى – لأغراض تسويقية وفنية وأحيانا سياسية – أن يحتوى فيلم الأطفال على مستوى ثانٍ موجه للكبار، أقول أنه برغم ذلك فقد استمتعت بالفيلم تماما، ليس فقط لبساطة حدوتته والمغزى الأخلاقى فيها، وإنما لأن هذه البساطة تخفى براعة درامية حقيقية من صناعه، الذين لا يفهمون – كما قد نتصور – أن فيلم الأطفال سهل، بل على العكس فإنه ربما يزيد صعوبة فى صنعه، فأنت ما تزال تحتاج إلى الحفاظ طوال الوقت على الاستقطاب بين نقيضين، وهذا الاستقطاب هو ما يصنع أى دراما، وفى الوقت ذاته عليك أن تتعامل مع هذا الاستقطاب بقدر هائل من الرهافة التى لا تؤذى مشاعر الأطفال.
تبهرنى دائما تلك القدرة على البناء الدرامى فى مثل هذه الأفلام، حتى أنه يمكن اعتبارها دروسا أولية لمن يكتبون سيناريوهات، فى فترة من أضعف فترات السينما المصرية فى فنون الكتابة السينمائية، سواء على مستوى السيناريو أو الحوار. (بالمصادفة شاهدت مؤخرا فيلما أسبانيا بعنوان "الزنزانة 211"، من نمط أفلام السجن، ربما عولجت فكرته من قبل فى عشرات الأفلام، لكنه بدوره كان نموذجا للكتابة الدرامية، وربما حانت الفرصة لاحقا للكتابة عنه). الغريب أنك تشعر فى أحيان كثيرة بأنك فى حاجة إلى أن تعيد وتزيد فى الحديث عن مقومات أى دراما، لكن هذه الأبجديات أصبحت بالنسبة لنا – للأسف الشديد – لغة غير مفهومة وغير متداولة، حتى بالنسبة لأسماء كبيرة لم أكن أتصور أنها سوف تتخلى عما تعلمته وأنجزته فى الكتابة الدرامية من مختلف الأنواع. هل هو الاستسهال؟ ربما، فكل شىء يباع الآن ما دمت "تسلِّك أمورك"، وليس المعيار هو الجودة أبدا، وانظر مثلا إلى ساحة المسلسلات التليفزيونية المصرية لترى أين موقعنا من الدراما، ثرثرة و"رطرطة" لا ينتهيان، لا فرق فى ذلك بين أسماء كانت لامعة أو كتاب فرضوا أنفسهم بالإلحاح أو أشياء أخرى!
فى كل كتابة درامية ناضجة عناصر لابد أن تتوافر: شخصيات ذات أبعاد مختلفة تتراوح بين نقاط الضعف ونقاط القوة، أو بين الخير والشر، ثم توتر أو تقارب أو تباعد بين هذه الشخصيات يتصاعد شيئا فشيئا نحو الذروة قبل أن يأتى الحل، والأهم هو "التغيير"، فالعلاقات بين الشخصيات تؤدى إلى إحداث تغير فيها، ربما صار القوى ضعيفا وأصبح الضعيف قويا، وفى تبادل المواقع هذا يأتى فى النهاية المغزى من العمل، ليس فى شكل نصيحة بليغة أو خطبة عصماء كما يحدث فى الأغلب الأعم عندنا، ولكن عندما ترى آثار هذا التغيير على الشخصيات، فتخرج لتكتشف أن "الرسالة" قد تسللت دون وعى منك إلى وجدانك، وذلك بسبب عنصر بالغ الأهمية على الإطلاق – لكننا ننساه دائما – وهو الإجابة عن السؤال: ما الذى يجعلنى أهتم أصلا بما أراه على الشاشة؟ إنه ببساطة التعاطف أو التوحد مع الشخصية الرئيسية، إن الفيلم يجعلنى – دون تفكير – أرى العالم من خلال وجهة نظر هذه الشخصية، لذلك فإن التغير الدرامى الذى يحدث لها يحدث لى فى الوقت ذاته.
لا تستغرب أن يأتى هذا الحديث المستفيض عن الدراما فى سياق مشاهدة فيلم للأطفال مثل "نصفى البشع" أو غيره من عشرات الأفلام الأخرى، فهو فى حقيقته حديث ذو شجون يأسى لحال الدراما لدينا، حتى تلك التى يفترض أنها موجهة للجمهور من الكبار، لكنها تتعامل معهم باعتبارهم قطيعا يتلقى فى سلبية بلهاء كل ما يلقى إليه من أفلام ومسلسلات. لكن وجه الغرابة بالفعل فى فيلم "نصفى البشع" هو أن "البطل" فيه شخص شرير يفخر بأن يصف نفسه بأنه "أبشع الأشرار والأوغاد فى العالم"، فمن أين يأتى إذن عنصر التوحد أو التعاطف الذى تحدثنا عنه؟ دعنا إذن نبدأ من البداية. البداية لاذعة تماما: نحن فى صحراء الجيزة بمصر، بالقرب من الأهرام، وهناك سائحون يقتربون ومعهم طفل مشاغب، يصر على أن يتسلق الهرم الأكبر برغم منع الحراس له، إنه يجرى ويفلت منهم ليطير فى الهواء كأنه سوف يسقط فى هوة سحيقة، لكنه عندما يهبط إلى أسفل حيث يفترض أن الأحجار سوف تقطعه إربا يتلقاه سطح ناعم، لنكتشف الحقيقة المرعبة، لقد تمت سرقة الهرم ولا يوجد مكانه إلا بالون ضخم على هيئته، ومن المؤكد أن وراء الجريمة مجرم بالغ الخطورة قادر على هذا الفعل الخارق.
يحدث هذا المشهد الافتتاحى بدون كلمة حوار واحدة، وهى سمة سوف تسيطر على الفيلم كله الذى يعتمد على تجسيد الموقف الدرامى بالصورة، ولتتأمل المشهد التالى مباشرة والذى نرى فيه البطل: إنه رجل تجاوز منتصف عمره، يدعى جرو (صوت ستيف كاريل) ويمكنك أن ترى فى ملامحه وتصرفاته شخصية العجوز "النكدى" الكاره للبشر، إنه فى أول ظهور له يرى طفلا يبكى بسبب وقوع "الآيس كريم" منه، فيقترب للطفل متوددا ويخرج له بالونة صفيرة من جيبه، يصنع منها دمية حيوان بخفة يده، ويعطيها للطفل الذى يتوقف عن البكاء ويبدا فى الشعور بالسعادة، لكن جرو يخرج دبوسا يثقب به البالونة الصغيرة فتنفجر، ويترك الطفل ضاحكا لأنه جعله يشعر بمزيد من التعاسة، فهل هناك بلاغة أكثر من ذلك للتعبير عن كون هذا الرجل وغدا بشعا وشريرا؟ وفى لمسات متتالية سوف يضرب لك الفيلم أمثلة على ما يفعله الشرير فى حياتنا اليومية، إنه يستخدم مسدسا لتجميد الناس فى أماكنهم ليأخذ مكانهم فى مقدمة طابور طويل، وهو يقود سيارته الضخمة بدخانها الكثيف ويتعمد إخافة غيره من السائقين ليفسحوا له الطريق. (وهكذا يستخدم الفيلم لمحات شديدة البساطة ليجسد للمتفرج الطفل والكبير معا التصرفات "الشريرة" التى يجب ألا نقترفها حتى لا نصبح أشرارا!!).
يعيش هذا الرجل جرو سعيدا بما حققه فى مجال البشاعة، وهو قد صنع لنفسه كائنات آلية صفراء صغيرة تدعى "مينيون" تؤدى له كل ما يطلب، وكثيرا ما يقدمه الفيلم وهو يقف وسطها خطيبا مفوها يتحدث عن أنه قد حقق معهم وبهم لقب أبشع الأشرار فى العالم، وهم يحيونه بالهتاف الهستيرى بما يذكرك بالديماجوجية التى يمكن أن تراها فى أنظمة كثيرة من العالم. (أخشى أن أقول أن كل الساسة، حتى فى الدول التى تسمى نفسها ديموقراطية، يستخدمون هذه الوسائل ذاتها فى كل مكان، لتبقى "الجماهير" مجرد أقزام صغار متشابهين دورهم هو تنفيذ إرادة الزعيم!). مرة أخرى يتأكد عمق الشر فى جرو من خلال لمسات مرهفة: هناك ثلاث طفلات تطرقن باب داره فى محاولة منهن لبيع الكعك له،إنه ينكر نفسه، ويتحدث كأنه رسالة صوتية (!!) ويصرفهن فى غلظة، لكن تلك هى اللحظة التى يقدم لك فيها البناء الدرامى للفيلم شخصياته الجديدة التى سوف يعتمد عليها فى وجود الصراع، إنهن تلك الطفلات الشقيقات اللاتى تتفاوت ملامحهن النفسية تبعا لعمر كل واحدة منهن، الكبرى عند سن ما قبل المراهقة، وتدعى مارجو (صوت ميراندا كوسجروف)، وتتسم بالتعقل والحس العملى، والوسطى فى السادسة أو السابعة هى إديث (صوت دانا جاير)، مشاغبة جريئة وتتصرف بروح الصبيان، أما الصغيرة أجنيس (صوت إلزى فيشر) فهى البراءة النقية التى تكاد أن تجعل من ضعفها الرقيق قوة آسرة لأى إنسان.
كان من الممكن للفيلم أن يضع هنا طفلا واحدا أو طفلة واحدة، لكنه اختار عنصرا دراميا ناضجا آخر وهو "التنويع"، فالبنات الثلاث تنويعات متباينة على الطفولة، وفى كل منهن وجها مختلفا للبراءة، وهو الأمر الذى سوف يتأكد لك عندما سوف تعرف فورا أنهن يتيمات يقمن فى ملجأ للأطفال تديره المرأة غليظة الطباع الآنسة هاتى (صوت كريستين ويج)، التى يبدو واضحا أنها تكره الأطفال وتقوم باستغلالهم لبيع الكعك الذى تصنعه، وتضع فى مكتبها صندوقا يحمل اسم "صندوق العار" تهدد بأن تسجن فيه كل من يعصى أوامرها. لا غرابة إذن أن تصلى الفتيات الصغيرات كل ليلة قبل نومهن، ضارعات إلى الله أن يجد لهن من يتبناهن، ويخرجهن من تلك الحياة القاتمة المزرية. هنا سوف تسأل نفسك: ترى هل سوف تجدن تلك الأسرة العطوف؟ وسوف تأتيك الإجابة: إنه أكثر الأشخاص ابتعادا عن القيام بهذه الرسالة، جرو الشرير الذى يكره الأطفال، لكن ما الذى دفعه إلى ذلك؟
عاش جرو طوال حياته وأمامه هدف واحد، هو أن يصبح أكثر الناس شرا فى العالم، وسوف يقدم لك الفيلم تبريرا لذلك بما يحقق هدفا مزدوجا، لقد كان جرو فى طفولته يرى رواد الفضاء وهم يهبطون على القمر، فيحلم بأن يصنع صاروخا يذهب به إلى القمر، ويصارح بهذا الحلم أمه (صوت جولى أندروز، فى دور شديد الطرافة ويختلف عن صورتها النمطية المعروفة)، لكنها تتعامل مع أحلامه بروح اللامبالاة أحيانا والسخرية القاسية فى أكثر الأحيان. إننا نرى ذلك فى "فلاش باكات" خاطفة، يفسر بها الفيلم عدوانية جرو، لكنه يوصل أيضا رسالة للآباء مؤداها ببساطة ألا ينبغى قمع أحلام الأطفال المشروعة، وبذلك فإن الفيلم يميل إلى تفسير النزوع إلى ارتكاب الشر إلى البيئة والتربية، وينادى بأنه من الممكن علاج ذلك الجانب الشرير من خلال الوعى بتنمية قدرات أطفالنا، ومرة أخرى لا يملك المرء إلا أن يندهش من توجيه هذه الرسالة للأباء فى فيلم للأطفال! أما الجانب الآخر من هذا التفسير فهو أنه يجعلنا نتعاطف مع جرو بدلا من أن ننفر منه، ربما لأن بداخل معظم الكبار طفلا حالت الظروف بينه وبين تحقيق أحلامه.
لقد أصبح جرو إذن شريرا ولم يولد شريرا، ومن الممكن إصلاح هذا الشر فى نفسه، وذلك هو جوهر الصراع فى الفيلم. إن جوهر أزمة جرو الآن هو أنه أصبح عجوزا، وأن هناك جيلا جديدا من الأشرار يستخدم وسائل أكثر براعة، ومن هؤلاء ذلك الشرير الذى سرق الهرم الأكبر، إنه فيكتور (صوت جيسون سيجيل) الذى يقيم فى قلعة حصينة ينعم فيها بكل ما هو حديث فى مجال التكنولوحيا. يريد جرو أن يستعيد لقب "أكبر شرير فى العالم" بالتخطيط لعملية أكبر من سرقة الهرم، إنها سرقة القمر! ومن أجل ذلك يذهب إلى بنك الشر بحثا عن التمويل، وهنا أكثر سخريات الفيلم مرارة، فالبنك يقع داخل بنك عادى كبير، كأن تلك المؤسسات المالية المشروعة ظاهريا تمول أكثر الأعمال شرا، ناهيك عن أن الدخول إلى بنك الشر يتم عبر باب سرى سحرى يُفتح من قلب دورة المياه! أضف إلى ذلك أيضا أن مدير بنك الشر مستر بيركنز (صوت ويل أرنيت) ليس فى حقيقة الأمر سوى والد فيكتور سارق الهرم! سوف يشترط مدير البنك على جرو أن يحصل أولا على جهاز يصدر أشعة تقليص الأحجام، والذى يمكن به تقليص حجم القمر والعودة به إلى الأرض، وعندما يحاول جرو الحصول على الجهاز يختطفه منه فيكتور (سوف نفهم ضمنا أنها مؤامرة مشتركة مع مدير البنك ووالد فيكتور).
يقرر جرو أن يتبنى البنات الثلاثة لهدف واحد، مساعدته فى استعادة جهاز الإشعاع، بأن تذهبن لبيع الكعك إلى فيكتور، بما يتيح لهن دخول قلعته الحصينة، ويتيح لجرو أن يُدخل معهن آلاته الصغيرة التى يوجهها عن بعد لسرقة الجهاز. وبالطبع سوف يتاح للفيلم من خلال هذا المشهد ومشاهد أخرى (مثل اختطاف القمر) تحقيق التشويق والإبهار والإثارة، وبرغم ضرورة مثل هذه المشاهد فى الفيلم لجذب الأطفال، فإنها لا تصبح هدفا فى حد ذاته (مثلما يحدث عندنا فيما تسمى أفلام "الأكشن")، فالقلب الدرامى النابض للفيلم يظل هو ذلك التغير البطىء فى شخصية جرو، الذى بدأ باستغلال الأطفال لهدفه البشع ونيته على إعادتهن إلى الملجأ بعد تنفيذ المهمة، لكنه ينتهى وقد استعاد طفولته المفقودة من خلالهن، وهو الأمر الذى لا يحدث – كما قد نتصور وتعلمه لنا غلظة المعالجة فى أفلامنا – فى شكل انقلاب درامى، وإنما هو تغير بالغ الرهافة، يتأرجح بين نعم ولا، ليشق ببطء طريقا نحو العالم النفسى المغلق لجرو، الذى سوف يستيقظ فيه نصفه الطفل بدلا من نصفه الوغد، وسوف يجد فى ألعاب الأطفال المثيرة (مثل عربة التزحلق شديدة السرعة فى الملاهى) بديلا عن إثارة أفعاله الشريرة.
وإذا كنا نبحث عن بديل لأفلامنا "الشريرة" التى يبدو أن أشخاصا مثل جرو قد شاركوا فى صنعها، فربما نتعلم - حتى من أفلام الأطفال جيدة الصنع - كيف نصنع أفلاما ممتعة، مكتملة فى عناصرها الدرامية، وواعية بأنها دائما توصل رسالة ما للمتفرج، وهى رسالة سلبية بليدة وربما شريرة فى معظم أفلامنا الأخيرة، لأنها أفلام تخاطب نصفنا البشع، وتتجاهل قدرة المتفرج العربى على أن يكون فاعلا إيجابيا ومتحكما فى حياته ومصيره، لكن هل تريد السينما المصرية ومن يصنعونها ومن يقفون وراءهم أن نمتلك حقا هذه المصير؟ ولماذا تصر السينما المصرية مؤخرا على أن ترينا وجهها البشع؟

Wednesday, December 15, 2010

فيلم "المختبئ"


تجربة نادرة للبحث عن موقف سياسى فى ما بعد الحداثة
إما مجنون أو عبقرى! هذا هو الفنان السينمائى والمسرحى والتليفزيونى مايكل هانيكه، النمساوى الأصل والمقيم فى فرنسا. وبين وصف هذا الفنان بالعبقرية أواتهامه بالادعاء يحار فى أمره الكثيرون من النقاد، خاصة النقاد الأمريكيين، فأعماله تتسم فى ظاهرها بالبساطة الشديدة التى تصل إلى حد قيامه كسينمائى بكشف تقنياته للمتفرج، وفى أفلامه كثيرا ما تتحدث الشخصيات إلى الكاميرا والمتفرج مباشرة (هل تذكر وقوع بعض نقادنا فى وصف ذلك بالتغريب والتجريب فى فيلم يسرى نصر الله "جنينة الأسماك" كأن ذلك يحدث فى السينما لأول مرة؟). لكن أفلام هانيكه هى فى الوقت ذاته شديدة التعقيد تحت السطح، وإذا كان كاتب هذه السطور قد أشار فى مقال سابق إلى الجانب السلبى فى "ما بعد الحداثة" عند كوينتين تاراتينو، الذى يعجن ويخبز أفلامه من فتات أفلام سابقة، دون أن تكون له رؤية أصيلة للعالم، كما أنه يريد من المتفرج أن يكون متلقيا سلبيا يهرب من واقعه إلى عالم سينمائى منبت الصلة بأى واقع، فإننى أعترف هنا أننى رأيت – ربما للمرة الأولى – جانبا إيجابيا بحق فى "ما بعد حداثة" مايكل هانيكه، خاصة فى فيلمه "المختبئ" (2005).
فلأبدأ بالإشارة إلى أننى كنت أميل إلى أن أترجم اسم الفيلم إلى "المُخَبَّأ"، لولا قلقى من أن تختلط هذه الكلمة عند طباعتها مع "المَخْبَأ"، فالأصل فى "المُخَبَّأ" هو الشىء اللذى يقوم صاحبه بإخفائه، لا أن يختفى هذا الشىء بنفسه، والفيلم يتحدث عن كثير من الأشياء التى نخفيها كل يوم فى حياتنا، أشياء تبدو صغيرة وتافهة لكنها تصنع مصائرنا ومصائر الآخرين، كما أنها مرتبطة بسياق أكثر شمولا، فكأن الذاتى لا ينفصل عن الموضوعى، والفردى جزء لا يتجزأ من التاريخى، وثقافة شخص ما فى مجتمع هى انعكاس لثقافة عامة سائدة، حتى لو كان المثقفون يزعمون أنهم من الصفوة التى لا تنساق مع القطيع. يكشف هانيكه عن ذلك فى فيلمه "المختبئ"، بموضوع وأسلوب شديدى البساطة والغرابة، أراهما – فى جانب منهما – امتدادا لرؤية جان لوك جودار عن السينما وعلاقتها بالمتلقى، وإن كنت أرى أيضا أن أفلام هانيكه أكثر جمالا ونضجا وتعقيدا وتأثيرا.
سوف أقف معك عند اللقطة الأولى من الفيلم والتى تنزل العناوين متناهية الصغر فى بدايتها، إن اللقطة تمتد ثلاث دقائق كاملة، الكاميرا ثابتة ساكنة فى مكان ما لتصور شارعا جانبيا هادئا، وهناك منزل فى المواجهة، وعلى شريط الصوت (الذى يخلو فى الفيلم كله من أى موسيقى تصويرية) زقزقات عصافير ما بعد الظهيرة، أو صوت مرور شخص عابر، وفى خلفية الكادر تخرج امرأة من باب المنزل، ثم لا شىء يحدث ... فجأة تتوقف الحركة فى الكادر، بل تعود بالحركة السريعة إلى الخلف، وهنا تفاجأ بأنك لا تشاهد "الفيلم"، وإنما شريط فيديو داخل الفيلم! إنه شريط وجده الزوجان جورج (دانييل أوتويل) وآن (جولييت بينوش) عند عتبة منزلهما، وهما يشاهدانه الآن ونحن نشاهده معهما، وليس فى الشريط شىء ذو بال، غير أنه يقول لهما – ولنا – أنهما مراقبان بواسطة شخص ما، لكن من هو؟ ولماذا؟ لا إجابة! وهكذا يضعك الفيلم منذ اللحظة الأولى فى تشويق مزدوج، الجانب الأول فيه هو الإجابة عن هذه الأسئلة، أما الجانب الثانى والأهم فهو أنك لن تدرى طوال الفيلم إذا ما كنت تشاهد الفيلم، أم شريطا داخل الفيلم، وتظل حائرا حول إذا ما كنت ترى الواقع أم صورته.
إن ذلك هو الجانب "ما بعد الحداثى" فى فيلم "المختبئ"، فى تلك العلاقة الغامضة ذات الدلالة والأبعاد المتعددة بين العمل الفنى (الفيلم) من جانب، والمتلقى من جانب آخر. إنك تسأل نفسك وأنت تشاهد الفيلم: هل ينبغى علىّ أن أتفرج على الفيلم بوصفه واقعا، أم أنه صورة الواقع، خاصة إذا احتوى الفيلم بداخله على شرائط مصورة ليست هى الواقع الفيلمى بل صورته؟! وسوف تتوالى هذه الشرائط المجهولة على جورج وآن (بالمناسبة بطل وبطلة أفلام هانيكه يحملان دائما هذين الاسمين)، وفى كل مرة تبدأ اللقطة المصورة كأنها واقع موضوعى لتكتشف بعد لحظة أنها شريط من تلك الشرائط، لذلك فإن عين وعقل المتفرج يصبحان فى حالة يقظة دائمة طوال الفيلم، إن المتفرج يظل يفحص ما يراه بدقة لعله يرى "المُخَبَّأ" فيه، لذلك أصارحك بأنك ربما سوف تحتاج إلى مشاهدة الفيلم مرتين لكى "ترى" ما فات على عينك رؤيته.
أعرف أنك تريد الآن "حكاية" الفيلم، وكما سبق القول فإن الحكايات فى أفلام هانيكه بسيطة ومعقدة معا. جورج وآن زوجان من الشريحة المثقفة من الطبقة الوسطى الفرنسية، تُشكِّل الكتب جدران منزلهما، والزوج يعمل مقدم برنامج تليفزيونى شهير يناقش الأعمال الأدبية، والزوجة تعمل فى دار للنشر، وليس لهما سوى ابن يبلغ الثانية عشرة من عمره هو بييرو (ليستر ماكيدوفسكى)، الذى يبدو متمردا، والسبب الظاهر فى ذلك – كما يتصور والداه – هو معاناة فترة البللوغ. تمضى الحياة هادئة بالأسرة، التى تجمعها صداقة ببعض الشخصيات التى تنتمى لنفس الطبقة، وفى مشهد يذكرك بسيريالية لوى بونويل فى "سحر البرجوازية الخفى" نرى الزوجين والأصدقاء يتشاركون الطعام، وإذا كنت تتوقع أن الحديث بينهم سوف يكون جادا، فإن الحقيقة تأتى على العكس تماما، وسوف أتركك لتتورط معهم فى "نكتة" عبثية لا تشير إلا إلى الخواء الذى يسيطر على هذه الحياة، التى تبدو من الخارج براقة لامعة.
عندما يصل الشريط الأول للزوجين تثور التساؤلات، التى تزداد حيرة مع وصول شريط ثان مصحوب برسم طفولى لوجه يبصق دما، وعندما يشاهد جورج هذا الشريط تظهر على الشاشة لقطة خاطفة لطفل ينظر من خلف زجاج نافذة والدم على وجهه. إنها لقطة من لاوعى جورج، أو ذاكرته التى "أخفى" بها صورا وأحداثا تصورها قد ماتت فإذا بها حية تتبدى أمام عينيه وأعيننا. إن التوتر الذى يسرى فى نفس الزوج، الذى نعرف الآن أنه يخفى شيئا له علاقة بذلك الرسم الطفولى، هذا التوتر سوف ينفجر فى مشهد يبدو عابرا لكن له دلالته، خاصة مع المشاهدة الثانية للفيلم، فالزوج يحتك براكب دراجة زنجى، فيفجر جورج غضبه فيه كما لو كان هذا الزنجى العابر هو "الفاعل الحقيقى" وراء الشرائط والرسوم، وهو الغضب الذى يعكس أنه حتى فى أوساط المثقفين تجد ميلا للنظر إلى "الآخرين" بشكل نمطى سلبى، فلأن الشاب العابر زنجى فإن من الممكن أن يكون "المتهم"، وهكذا تنفجر البارانويا العدوانية فى أعماق جورج، الذى يتحدث عن خطر "الأغراب" فى "مدينتنا"، وأن من الممكن أن يحدث عمل إرهابى فى كل لحظة ... وأرجو أن تلاحظ أنه حين ظهر الفيلم فى عام 2005 كانت ما يزال ماثلا فى الأذهان تمرد المضطهدين من أبناء الجيلين الثانى والثالث من المهاجرين إلى فرنسا، الذين يقيمون فى أحياء عشوائية، محرومين من أبسط الاحتياجات الإنسانية.
يسيطر الخوف على جورج، الذى يبدو أمامنا حتى هذه اللحظة بريئا وضحية لإرهاب وابتزاز غامضين. لكن شريطا ثالثا يصل إليه، هذه المرة تم تصويره من داخل سيارة تمضى تحت المطر حتى تقف أمام البيت القديم الذى تربى فيه جورج صغيرا. إذن فمن يرسل الشرائط يعلم الكثير عن جورج، وهو يريد أن يشير إلى أمر ما. يعود جورج إلى منزل الطفولة، حيث يرى أمه العجوز (الممثلة الهائلة آنى جيراردو، التى كانت امرأة الأحلام لمن ينتمون إلى جيلى!)، وفى مشهد بالغ الهدوء على السطح، ندرك من الحوار مع الأم المريضة التى تلازم فراشها أن هناك أمرا يتعلق بصبى يدعى مجيد، يقول جورج أنه يحلم به، فنعرف الآن أنه ذلك الصبى ذو الفم الملوث بالدم. فى نفس الليلة، وفى منزل الطفولة الريفى، يستكمل جورج الحلم أثناء نومه: الصبى مجيد يذبح ديكا ينتفض أمامنا وهو يلفظ أنفاسه، بينما يقف صبى آخر (إنه جورج طفلا) وقد استولى عليه الفزع.
هذا الواقع المتوتر الغامض الذى يعيشه جورج، والكابوس الدموى الذى يلاحقه، يجعلاننا نتعاطف مع جورج فى المحنة التى يتعرض لها من "عدو" يتربص به، هذا العدو الذى سوف نزداد منه اقترابا عندما يصل إلى جورج شريط يسجل طريقة الوصول إلى مبنى يضم شققا صغيرة لأبناء الطبقة الفقيرة، فيقرر جورج أن يجعل هذا الشريط دليله، ويمضى إلى المبنى، ويطرق باب الشقة التى ظهر رقمها فى الشريط، فيفتح الباب رجل كهل (موريس بينيشوه) يرحب بجورج. إنه يعرف جورج، فلابد أنه "الفاعل"، لكن جورج شخصية مشهورة لأنه يظهر على شاشة التليفزيون، فلا غرابة أن يعرفه الرجل، لكن لماذا يقول أنه انتظره طويلا؟! هنا تتضح المفارقة: إنه ذاته مجيد! وهو ينكر تماما صلته بالشرائط والرسوم، لكن جورج يصر – ولديه أسبابه "المختبئة" – أن لدى مجيد أسبابه للانتقام ... ولكن الانتقام من ماذا؟!
فى مشهد اعتراف مؤلم من جورج، يفضى به إلى الزوجة آن، يحكى ما كان يخفيه، وعذره أنه أخفاه لأنه يعود إلى تصرفات الطفولة الطائشة. وهنا يتداخل التاريخى مع الشخصى: فى أكتوبر عام 1961 دعت جبهة التحرير الجزائرية كل الجزائريين المقيمين فى فرنسا للتظاهر فى باريس، وهى المظاهرة الحاشدة التى خرجت فى 17 أكتوبر، وقامت فيها قوات الأمن الفرنسية (بقيادة رجل كان من أعوان النازية) بتفريق المتظاهرين على نحو وحشى، وإغراق مائتين منهم فى نهر السين، كان من بينهم والدا مجيد اللذان كانا يعملان لدى أسرة الطفل جورج. وعندما تقرر الأسرة الفرنسية تبنى الطفل الجزائرى مجيد، تثور غيرة الطفل جورج، فيحيك الأكاذيب التى تؤدى إلى تخلى الأسرة عن مجيد وإيداعه الملجأ. هناك إذن ظلم عام تعرض له مجيد وأمثاله من الملايين، وظلم خاص انتهى به إلى الفقر، بل إن هذا الظلم يمتد من الماضى إلى الحاضر، حين يصبح الكهل مجيد متهما بتهديد جورج وأسرته.
لن أحكى لك كبف انتهت تلك الحبكة، فسوف أساهم بدورى فى "إخفاء" بعض خيوطها، لعلك تبحث عن الفيلم وتستمع بمشاهدته كاستمتاعى به، لكننى سوف أتوقف بك عند بعض التفاصيل "المختبئة" فى ثنايا الفيلم، ويريدك هانيكه أن تبحث عنها، وتدرك دلالتها بنفسك. أرجو مثلا أن تلاحظ فى الخلفية فى العديد من المشاهد، وعلى شاشة التليفزيون المفتوح دائما فى منزل الأسرة، نرى أحيانا مشاهد من نشرات الأخبار، للمذابح فى العراق وفلسطين، ولا يكاد جورج أن يلتفت إليها، فكأن الفيلم يقول لك: إن الجريمة مستمرة، والتواطؤ بالسكوت عليها ما يزال قائما، وإذا كانت هناك مأساة حدثت وما تزال تحدث لمجيد، فإنها تحدث أيضا لعشرات ومئات الألوف من الضحايا، وما تزال الشريحة "المثقفة" منغلقة على نفسها، ولا ترى إلا ذاتها. بل إن هناك أسرارا مختبئة أخرى فى الأسرة يلمح إليها الفيلم، فى وجود شك لدى الابن بييرو أن أمه تخون أباه مع صديق للعائلة. وأخيرا هناك السر فى المشهد الأخير، لن أبوح لك به أبدا: إنها لقطة تستمر ثلاث دقائق كاملة، وتنزل معها تيترات النهاية، وتصور بكاميرا ثابتة لحظات خروج الطلبة من مدرسة الابن بييرو ... لا شىء يحدث على السطح، لكن تأمل – وسط هذا الزحام – ما يحدث فى الجانب الأيسر من الكادر، فربما، أقول ربما، يحمل لك تفسيرا لما أخفاه عنك الفيلم.
اعتمد هانيكه على اللقطات الطويلة زمنيا، أغلبها من ثلاث دقائق، وإحداها تمتد إلى ست دقائق، ومعظمها من كاميرا ثابتة أو كاميرا محمولة لا تشعر بوجودها أبدا (على عكس اللقطات المهتزة الى أصبحت "موضة" فى أفلامنا حتى لو لم يكن لها أى ضرورة)، إن هذا يعنى أيضا اعتماد هانيكه على الميزانسين شديد الدقة للكاميرا والممثلين، الذين لن تدرى – بسبب التلقائية الشديدة – إن كانت براعة أدائهم تعود إلى قدرتهم على الارتجال، أم إلى البروفات المتقنة التى لم تترك شيئا للصدفة. من جانب آخر، فإن زاوية التصوير وحجم اللقطة تكررا – طبق الأصل – فى العديد من المشاهد، لتبحث أنت كمتفرج عن الفرق فى المحتوى والمضمون بين هذه اللقطة وتلك، أو تتساءل إذا ما كانت لقطة "واقعية" أم أنها "نسخة" مصورة من الواقع. وبذلك فإن هانيكه يجعلك شريكا فى الحدث، ومتواطئا فى الفعل، لأنك "تتفرج" فقط، بينما يجب عليك أن تأخذ موقفا، بأن تكتشف وتكشف ما هو "مُخَبَّأ" فى كل الأكاذيب التى نعيشها!

Friday, December 10, 2010

فيلم "الشبكة الاجتماعية"


كثير من التواصل الإلكترونى، قليل من التواصل الإنسانى


للمخرج الأمريكى ديفيد فينشر بصمة خاصة على معظم أفلامه، تنبع من رؤية يندر أن تجدها بين المخرجين الأمريكيين، فهو ينظر إلى الثقافة الأمريكية (بالمعنى الشامل لكلمة "ثقافة") نظرة التشكك والنقد وربما المرارة أيضا. إنك تلحظ هذا بقوة فى فيلمه "نادى القتال" (1999)، حيث البطل الذى يعيش حياة أمريكية نموذجية، فمنزله يخرج على الشاشة أمام أعيننا من صفحات مجلات الديكور، مزودا حتى بالمقاييس والأرقام، لكنه يشعر بحالة من الخواء الروحى والعاطفى، ربما لأنه يعيش دائما فى خطر أن يفقد كل تلك الرفاهية فى لحظة واحدة، فتلك هى إحدى "مزايا" ومخاطر الاقتصاد "الحر". يندفع هذا البطل شيئا فشيئا إلى خلق "قرين" له، فى حالة من ازدواجية الشخصية (بالمعنى الفنى وبعيدا عن المصطلح العلمى)، وهذا القرين يعوض إحساسه بعدم الأمان وكون إنسانا "عاديا" فى مجتمع غير عادى، أو قل كونه سويا فى مجتمع غير سوى، لذلك ينشئ القرين ناديا يتصارع فيه الأعضاء كأنهم وحوش، تعبيرا مجسدا عن الصراع الاجتماعى الذى يتخفى خلف بريق كلمات مثل الديموقراطية والليبرالية، بل يذهب الأمر بقرين البطل إلى أن يسرق "الدهن" الذى يتخلص منه الأثرياء فى عمليات التجميل، ليصنع منه متفجرات يدمر بها ناطحات سحابهم!!
كانت هذه الفكرة التى تقول أن المجتمع الأمريكى يدمر نفسه من داخله سببا فى حدث غامض، اختفى أثره من على الإنترنيت لاحقا، إذ استدعت المخابرات المركزية الأمريكية ديفيد فينشر بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر، لتسأله عن رأيه فيما إذا كانت الأحداث ناتجة عن "إرهاب داخلى" يشبه ما حدث فى ولاية أوكلاهوما منذ سنوات! وفى الجانب الفنى، فإن أفلام فينشر تؤسس – من وجهة نظر كاتب هذه السطور – نوعا جديدا من النمط الفيلمى المعروف باسم "فيلم نوار"، حيث يقيم بطل يعمل فى الغالب مخبرا خاصا، لكنه كلما مضى فى التحقيق فى إحدى الجرائم تتكشف له الحقيقة المفزعة: إن العالم والمجتمع من حوله أقسى مما كان يتصور، لذلك تغرق هذه الأفلام فى الظلال تجسيدا لهذه الظلمة الروحية. وإنك إن تأملت أفلام فينشر لوجدتها بدورها تغرق فى الظلام أيضا، لكن دون ذلك العالم الروائى المصطنع (تأمل على سبيل المثال فيلمه "زودياك"- 2007)، فالظلام يخيم على الواقع الذى يعيش فيه المجتمع الأمريكى، تماما كما أن معظم مشاهد فيلمه الأخير "الشبكة الاجتماعية" هى مشاهد داخلية فى الليل الأمريكى، الذى يحتشد بصراع تهون إلى جانبه صراعات الوحوش فى الغابة.
على السطح من فيلم "الشبكة الاجتماعية" حكاية عن إنشاء موقع الإنترنيت الشهير "فيس بوك"، الذى يتيح لـ"أعضائه" التواصل، وإن شئت الدقة قل الاتصال وليس التواصل، كما أن كلمة الأعضاء تشير الآن إلى ما يزيد عن نصف مليار من البشر، لكننا سوف نتوقف عند ذلك الأمر لاحقا. الحكاية فى سطور تدور عن مارك زوكيربيرج (جيسى آيزينبيرج)، الشاب فى جامعة هارفارد، احتل العالم الافتراضى للكومبيوتر كل ذهنه، حتى أنه يخفق فى العالم الحقيقى فى أن يقيم علاقة ناضجة. إنه ينفصل فى افتتاحية الفيلم عن صديقته إيريكا (رونى مارا) فى مشهد يحمل سخرية مريرة، فهو يبدو عاجزا تماما عن أن يجد موضوعا مشتركا للحديث بينهما، بل إنه لا يعبأ بأن يهينها بشكل غير واعٍ أو مكترث بالنتائج. وحين تتركه وحيدا يعود إلى مدونته الإلكترونية وقد قرر أن يشهر بها، وفى الوقت ذاته تواتيه فكرة إنشاء موقع خاص بطلبة هارفارد، يتيح فيه للطلبة التصويت على الطالبة الأكثر إثارة، ولأنه يحتاج إلى الصور ليضعها على الموقع بسرقتها من موقع الجامعة، فإنه يستعين بصديقه وزميل غرفته إدواردو سافيرين (أندرو جارفيلد) بخبرته فى عالم لوجاريتمات الكومبيوتر.
من هذه النقطة سوف تبدأ رحلة الفتيين إلى الهوس بإنشاء موقع يظل يتسع شيئا فشيئا، يمتد من النوادى ذات العلاقة بالجامعة، حتى يصل إلى أن يكون موقعا مفتوحا للعالم كله، ويدر ربحا هائلا من خلال الإعلانات التى تعتمد على تزايد عدد زواره. سوف تتقاطع هذه الرحلة مع محاولات شبان آخرين الدخول فى "اللعبة"، التى تجمع بين المقامرة و"البيزينس" معا، بما يذكرك على الفور بفيلم تليفزيونى يحمل عنوان "فى وادى السليكون"، ويحكى عن قصة صعود بيل جيتس، لتدرك أنها فى الحقيقة (مثل أى "بيزينيس" أمريكى) ليست أبدا ناتجة عن عبقرية مزعومة، بل هى سلسلة متصلة من الخداع والسرقة والدعاوى القانونية بين مجموعة من اللصوص!!
هذا هو الأمر مع "فيس بوك"، حيث نرى التوأمين كاميرون وتايلر فينكلفوس (قام بدورهما الممثل آرمى هامر فى لقطات كومبيوترية لا تشعر لحظة واحدة باصطناعها فى الصورة أو الصوت)، اللذين يعرضان على مارك توسيع المشروع وتمويله، وهما بدورهما من طلبة هارفارد القدامى ومن عائلة صاحبة مال ونفوذ، ثم نرى شون باركر (جوستين تيمبرليك) صاحب "نابستر"، أشهر موقع فى تحميل المواد البصرية والسمعية المقرصنة من على الإنترنيت، وهو يسحب مارك إلى أرضه، بينما يبعده عن صديقه القديم إدواردو. وهنا يدخل الفيلم إلى "شبكة" بالمعنى الحرفى للكلمة، وكأن شكله يعبر عن مضمونه، ففى الشبكة الإلكترونية (الإنترنيت) تجد روابط (لينكات) ترسل بك إحداهما إلى الأخرى فى متاهة قد لا تنتهى، أو تعيدك من حيث لا تدرى إلى نقطة البداية، وذلك هو البناء الدرامى نفسه الذى يمضى فيه الفيلم: فهناك تحقيقان مع مارك، الأول بسبب دعوى مرفوعة من الأخوين وينكلفوس، والآخر من إدواردو، وإذا كان الأول يدور حول صراع مالى، فإن الآخر لا يخلو من مرارة فقدان الصداقة بسبب السعى إلى "النجاح"، وكلا التحقيقين يمضيان فى تقاطع طوال الفيلم، كل نقطة تؤدى إلى الأخرى فى شبكة متداخلة، تجعلك تسأل أحيانا: من على حق ومن على صواب؟ وإن كان الأرجح أن كل ذلك الصراع يدور حول "نجاح" عبثى لأنه يعتمد على التقاليد الأمريكية، التى تجسد بأقوى تعبير المثل المصرى: "اللى تكسبه إلعب به"!! وبعد تحقيق ذلك النجاح خواء كامل، استغراق فى الجنس والمخدرات ومراقبة الحسابات فى البنوك، أما السعادة بمعناها الأكثر بساطة فلتذهب إلى الجحيم!!
ذلك هو الجزء المظلم من اللاوعى الجمعى الأمريكى، يقبع فى الظلال الثقافية التى تنسى أو تتناسى الفرق بين الأبيض والأسود، والخير والشر، تماما كما تتجسد على الشاشة فى تلك الظلمة، لا فرق فى ذلك بين غرف الطلبة فى الجامعة أو النوادى الليلية أو الشوارع الممطرة أو البيوت المغلقة على أصحابها. وتلك هى رؤية ديفيد فينشر للمجتمع الأمريكى، التى تطرح سؤالا صارخا حول معنى النجاح ومعاييره وشروط تحقيقه، إنه مجتمع يزعم أنه يحقق "الحرية" لأفراده، بينما هو فى الحقيقة يربطهم بأغلال قوية تجعلهم يدورون بلا نهاية فى الساقية، اكسب مالا واشتر منه سلعا كمالية أو حتى ترفيهية قصيرة العمر، وإن لم تملك الآن المال فالمصارف مفتوحة لكى تقترض، وفى الحالتين (وللأسف انتقلت هذه العدوى للكثير من بلادنا) فأنت عبد لاقتصاد يعتمد على دورة رأس المال التى لا تنتهى. ومن بين هؤلاء "العبيد" قد تواتى أحدهم الرغبة فى المقامرة، بكل ما فى المقامرة من معنى، لعله يصبح "غير عادى"، ثريا، مشهورا، وليس مهما الطريق لكى يصبح ذلك كله، فذلك ضمان آخر لأن تمضى دورة رأس المال دورتها العبثية، التى يريدون لنا أن نكون جزءا منها باسم الاقتصاد الحر تارة، أو النظام العالمى الجديد تارة أخرى، لكنها فى الحقيقة تقسم البشر إلى من يملكون ومن لا يملكون، وإن كنت فى شك من ذلك تأمل ما حدث فى المجتمع المصرى خلال السنوات الثلاثين الأخيرة، تحت عنوان "الإصلاح الاقتصادى، وأرجو أن يعود من يهمه الأمر إلى مقالات الدكتور فؤاد مرسى فى هذا الشأن منذ بداية الثمانينيات.
يدرك المخرج "الأمريكى" ديفيد فينشر هذه الرؤية عن مجتمعه ونحن الأكثر حاجة إلى إدراكها، إذ يترقى وزراؤنا فى مناصب فى صندوق النقد الدولى أو ما شئت من مؤسسات مالية "عالمية" لأنهم ينفذون هذه السياسة الأمريكية فى إفقار العالم ماديا وروحيا، بينما تثرى مجموعة من "المغامرين" (ولهم صفة أخرى من المؤكد أن القارئ يعرفها) على حساب الأغلبية من البشر، وسلِّم لى على الليبرالية وحرية الاقتصاد والسوق الحر!! إن تلك العبثية يبرزها فينشر فى أن الشخص الذى ينشئ "الشبكة الاجتماعية" فاشل تماما فى أن يخلق علاقة إنسانية واحدة سوية، إنه يحقق "النجاح" لأنه خلق عالما افتراضيا يشبه تماما الاقتصاد الافتراضى الذى تمثله البورصة وأشباهها (وأرجو بصدق أن يشرح لى أى متخصص ما هى تلك "البورصة" التى يراها شخصى المتواضع طاولة قمار كبرى لا تعكس أى اقتصاد أم إنتاج حقيقى، ومع ذلك تصبح جزءا من اقتصادنا وحياتنا). إنها العبثية التى دفعت بكلمات مخترعة إلى اللغة، إن أندرو يبتهج عندما تقول له صديقته: "فيس بوك مى" (أى راسلنى على الفيس بوك، فقد أصبح المصطلح من أفعال اللغة)، تماما كما تهجره صديقة أخرى لأنه لم يضفها بعد إلى قائمة أصدقائه على صفحته فى الفيس بوك!
قد تبدو هذه السطور معادية للتقدم التكنولوجى، بينما أنا أكتب مقالتى الآن على الكومبيوتر، لكنها فى الحقيقة محاولة للبحث عن المعنى فى أى تقدم تقنى، إنه وسيلة، وليس غاية، وهو أداة تساعدك على أن تعيش حياتك الحقيقة، لا أن تستغنى عنها لتعيش حياة افتراضية. وبقدر ما أن هذا التقدم يسمح بالإبداع، فإنه يتيح الابتذال، والنسخ، والمسخ، والتنفيس المرضى، وانقطاع الصلة الحميمة بين البشر. وإن كان هناك متسع وسط هذه القتامة لنكتة طريفة، فقد تذكرت الآن الرجل الأمريكى الذى وجد شابا فى جزر هاواى، مسترخيا على البحر، فوجه الرجل إليه اللوم لأنه لا يعمل، سأله الشاب: لماذا؟ قال الأمريكى: لتكسب المال، ويتسع ثراؤك، وتكون لديك شركات ضخمة، فيها مئات من الموظفين يعملون بدلا منك، لكى تستريح من بعد ذلك كله، فقال الشاب: ولكنى مستريح فعلا الآن!!
مرة أخرى إذا كان هناك فى أفلام فينشر من تشاؤم حول ذلك الصراع الاقتصادى والاجتماعى على الطريقة الأمريكية، فالهدف هو إعادة النظر فى المسلمات، والبحث عن المعنى من جديد، والعثور على الحياة الحقيقية. فى المشهد الأخير من الفيلم، يجلس صانع الفيس بوك أمام الكومبيوتر فى الظلام، طالبا بضغطة زر من فتاته القديمة أن تقبله صديقا على صفحتها، ويظل يضغط على الزر بين لحظة وأخرى لكى يجدد الصفحة، دون جدوى ... وربما سوف يظل ينتظر إلى أن تنهى حياته الافتراضية والحقيقية معا!!

Friday, November 26, 2010

جان لوك جودار

عن السينما المصرية، والكوابيس، والأحلام

من جديد تراجع عدد الأفلام المصرية فى هذا العام 2010 إلى أقل من ثلاثين فيلما، بينما كان قد ارتفع خلال السنوات الخمس الماضية إلى ما بين أربعين وخمسين فيلما، وبرغم أن ذلك الارتفاع ظل أدنى كثيرا مما كانت السينما المصرية تحققه فى نهاية الثمانينيات، فقد ظل أعلى مما هبطنا إليه عند نهاية التسعينيات (15 فيلما فى عام 1999!!)، لكن ما تزال هذه الأرقام تعكس الحالة المرضية التى تعيشها السينما المصرية منذ فترة طويلة، على مستوى الكم والكيف معا.
ومع ذلك فإننا ننام ملء أجفاننا، نستيقظ أحيانا ونفتح عينا ونتفوه بكلمة، ثم نتثاءب ونعود للنوم ... هذا هو حالنا ليس فقط فى السياسة ولكن فى كافة النشاطات "الإنسانية"، ومنها السينما، التى قد يتصور البعض أحيانا أنها نشاط ترفيهى يمكن الاستغناء عنه إذا كانت الظروف لا تسمح بالرفاهية، وأنا أتفق معهم تماما إذا كنا نطبق بالفعل مفهوم "الأولويات" فى حياتنا، و"على قد لحافك مد رجليك"، لكن السفه الذى نشهده مثلا فى الإنفاق المجنون على التمثيليات التليفزيونية التافهة يجعلنا نسأل: ألم تكن السينما أولى ببعض من هذه الأموال التى تضيع فى الهواء؟
أعلم أن لكل ما سوف أطرحه الآن من أسئلة ردا جاهزا، هو فى الحقيقة اقرب إلى التبرير منه إلى التفسير. خذ مثلا هذا المثال الأخير: العلاقة بين السينما والتليفزيون، فالبعض سوف يقول لك: "واحنا مالنا؟ أصحاب وكالات الإعلان هم الذين يمولون هذه المسلسلات، وهم أحرار فى فلوسهم، فهل تريدنا أن نعود للعصر "الشمولى" ونفرض عليهم ما لا يريدون؟"، وهنا يثور على الفور الموضوع الشائك بين تلك الحرية المنفلتة باسم اقتصاد السوق، وحق "الدولة" (أى دولة) فى أن تضع الضوابط التى تنظم تعارض المصالح الذى يقع فى هذا المجال بين من يصنعون الفن ومن يستهلكونه، ودعنى ياقارئى العزيز أذكرك أن الجهات المسئولة عن الإعلام في الدول المتقدمة تضع ضوابط في هذا الشأن، فهي تحدد حدا أقصى للفترة الإعلانية كل ساعة، كما تلزم القنوات التليفزيونية بفترات محددة للإعلانات سواء فى ساعات الليل أو النهار، والأهم هو التشجيع على إيجاد مصادر أخرى للتمويل تستطيع أن تقلل من اعتماد هذه المحطات على الإعلانات، بل يذهب الأمر إلى أن يكون أحد أهم مصادر تمويل القنوات التليفزيونية هو الاشتراك فى إنتاج الأفلام السينمائية، وأرجو من يهمه الأمر أن يراجع العناوين الأخيرة فى أى فيلم سينمائى أوروبى أو لاتينى (أو حتى إسرائيلى)، ويعد كم محطة تليفزيونية اشتركت فى إنتاجه.
أريد فى الحقيقة من مقالى هذا أن أشارك بجهد متواضع فى فض العديد من الاشتباكات حول مسألة السينما المصرية وما تعانيه، وأنا لا أزعم مطلقا أننى "جبت الديب من ديله"، بل على العكس أؤكد دائما أنه لا يجب علينا أن نخترع العجلة من جديد، وأن نتعلم من كل تجارب الآخرين، الأصدقاء منهم والأعداء، نتعلم منهم كيف ننجح، وكيف نحقق أهدافنا، وإن كان لزاما علىّ أن أعترف أيضا أن التفاؤل ليس كبيرا فى تحقيق أية أهداف فى المستقبل القريب، فقد وصلنا فى كل مجالات حياتنا إلى حالة من الشيخوخة الحقيقية والمعنوية، حالة من الاستسلام القدرى لما يصنعه الآخرون فينا وبنا، ولأن العزيمة تنقصنا – مع افتخارنا بفيلم مصرى قديم يدعى "العزيمة"! – فإننى أوجه كلماتى هذه إلى جيل جديد، لعل الخطوط المشتبكة، والقضايا الملتبسة، تنحل عقدتها، ليملك هذا الجيل يقينا مفقودا فلا يردد فى النهاية مقولة: "وأنا مالى؟ ياعم مفيش فايدة".
1- هل السينما ضرورة أم رفاهية؟ نتصور أحيانا أن السينما مجرد أفلام تُعرض، وجمهور يتفرج، وما دام ذلك يتحقق فى عشرات القنوات الفضائية فأين المشكلة إذن؟ أرجو هنا أن نعود لما كتبه رائد علم وسائط الاتصال مارشال ماكلوهان منذ أكثر من نصف قرن عن الفروق الجوهرية بين السينما والتتليفزيون، خاصة على مستوى التلقى، لقد أسمى التليفزيون وسيطا باردا بينما السينما وسيط ساخن، وبكلمات أخرى فإن السينما (المعروضة فى دار العرض) تخلق حالة من الكثافة الشعورية والذهنية (على مستوى الوعى واللاوعى على السواء) لا تتحقق فى التليفزيون، الذى نراه بشكل متقطع ودون تركيز كبير، وفى الأغلب ونحن فى حالة وحدة يزيدها التليفزيون شعورا بالعزلة واللامبالاة، على عكس السينما التى تخلق حالة من النشوة، سواء فى الأفلام الكوميدية أو المأساوية. إن أى فن فى الحقيقة "ظاهرة اجتماعية"، وعندما تغيب الديمموقراطية مثلا يختفى المسرح الحقيقى، وعندما يسود مبدأ "فلينجُ كل منكم بنفسه من الطوفان" يكون التليفزيون، وليس السينما، هو وسيلة الترفيه الوحيدة والسائدة.
2- هل يمكن للدولة أن تتدخل فى تنظيم علاقة السينما بالمتفرج؟ ليست الإجابة هى أن من "الممكن"، بل من "الواجب". ودعنى أتوقف معك هنا قليلا ياعزيزى القارئ وأسألك سؤالا قد يبدو ساذجا: ما هى الدولة؟ إنها ذلك الكيان الذى نصنعه أنا وأنت (إنها ليست مُنزَّلة من السماء كما قد توحى لك السلطة الديكتاتورية الدنيوية أو الدينية)، كيان نصنعه لكى يقوم بالنيابة عنا بما لا نستطيع أداؤه بمفردنا، سواء فى القضاء، أو التشريع، أو تصريف أمور الحياة الجماعية. بل أؤكد لك أن "عسكرى المرور" هو أحد مظاهر الدولة، أى دولة، فإذا قبل الرشوة كانت الدولة فاسدة، وإذا فرض نفسه بلطجيا يجمع الإتاوات كانت الدولة نظام جباية لا نظام حماية، وإذا اختفى كان هذا يعنى أنه لا وجود للدولة، وأن رجالها مشغولون باستغلال مواقعهم فى السلطة لتحقيق مصالح شخصية بدلا من القيام بتنظيم أمور حياتنا، وهكذا يختلط الحابل بالنابل فى الشارع، كما يصبح الاقتصاد "سداح مداح" كما أطلق عليه الراحل العظيم أحمد بهاء الدين. وأرجو ألا تصدق لحظة واحدة أكذوبة الاقتصاد الحر التى يروجون لها، فهى من جانب تسمح لرجال العصابات بالثراء الفاحش حتى من خلال بيع الوطن قطعة قطعة أو تأجيره مفروشا، ومن جانب آخر تجعلنا من الدول التابعة التى تأخذ أوامرها من صندوق النقد والبنك الدوليين (الذى نفتخر أن بعض مسئولينا ترقوا فيه دليلا على إذعانهم لأوامره على حسابنا)، فى الوقت الذى تنفذ فيه أعتى الدول الرأسمالية حماية على اقتصادياتها، وتنظيما للعلاقات بين المنتجين وبعضهم البعض، وبين المنتج والمستهلك.
3- كيف ينطبق ذلك على السينما؟ إنك لو ذكرت أو حتى لمَّحت إلى ضرورة تدخل الدولة فى تنظيم صناعة السينما لطاردتك على الفور فلول من يرددون أن تجربة "مؤسسة السينما" فى مصر كانت فاشلة، ولن أدخل هنا فى جدل حول هذا الأمر، وإن كنت أتمنى أن يعود هؤلاء إلى ذكريات مخرجنا الكبير توفيق صالح لعلهم يجدون فيها الإجابة. لكننى أقول أننى انتهيت لتوى من قراءة دراسة حول السينما البرازيلية، التى عانت فى النصف الأول من التسعينات من انتكاسة خطيرة حتى أنها لم تنتج فى عام 1992 إلا فيلمين فقط، وفى منتصف هذا العقد انتبهت الدولة إلى سن تشريعات (حقيقية ومدروسة ومطبقة وليست حبرا على ورق) أدت إلى نهضة سينمائية كبرى، وكان أهم هذه التشريعات ما يلى: أولا إنشاء بنك مهمته تمويل الجزء الأكبر من إنتاج السيناريوهات المتميزة، وثانيا مشاركة وزارة الثقافة بتقديم دعم مالى أو تقنى لهذه المشروعات، وثالثا تقديم كل التسهيلات للتوسع فى إنشاء دور العرض المتعددة الصغيرة (مالتيبليكس) فى كل ضواحى المدن الكبيرة والصغيرة، ورابعا إسهام وزارة التعاون الدولى فى خلق فرص للإنتاج المشترك مع دول وجهات أجنبية، وخامسا إقامة مهرجان قومى حقيقى (وليس صوريا) تُمنح فيه جوائز فى صورة دعم أكبر لإنتاج المشروعات القادمة للمخرج ذاته، ضمانا لاستمرار صانع الفيلم المتميز فى الإبداع ... وهناك إلى جانب تلك التشريعات قواعد أخرى قد لا يتسع المجال لحصرها.
4- من الذى سوف يقوم على تنفيذ تلك الخطط فى حال إقرارها؟ هنا سوف أجد نفسى مضطرا للدخول إلى منطقة ملغومة على نحو ما، فكلما تلفت حولى باحثا عن جهة ما مسئولة بالفعل عن السينما لم أجد وكأن السينما طفل لقيط بلا أب. إننى أؤكد منذ البداية أن "الحكومة" يجب أن تبتعد عن هذا الأمر تماما، فالتشريعات التى أتحدث عنها تقوم بسنها السلطة التشريعية فى الدولة (مجلس الشعب يعنى، لكن ليس من نوعية مجلسنا الموقر)، لتقوم "هيئة" مستقلة بتنفيذها، لا تأخذ أوامرها من الوزراء أو أى جهة أخرى فى السلطة التنفيذية، ولأضرب لك مثلا بأن هيئة الإذاعة البريطانية ليست تابعة لـ"الحكومة" وإنما للدولة، وبين الحكومة والدولة فرق كبير كما أتمنى أن تكون قد عرفت الآن، تماما كما أن "هيئة الأغذية والأدوية إف دى إيه" فى أمريكا ليست تابعة لوزارة الصحة. إذن من؟! غرفة صناعة السينما؟ نقابة السينمائيين؟ لجنة السينما بالمجلس الأعلى للثقافة؟ أنظر حولى فلا أجد إلا صحراء قاحلة، أناسا مشغولين إما بمصالحهم كأفراد، أو بمصالح فئوية ضيقة، أو مجموعة ممن لا يحلمون بأى غد فهم لا يعرفون إن كانت شمس الغد سوف تشرق عليهم.
منذ أسابيع قليلة سمعنا أن هناك استعدادا لإقامة مؤتمر للمثقفين، ثم لا شىء، صمت مطبق، لا المثقفين استعدوا ولا وزارة الثقافة أعادت العرض، ولأنى متأكد أن وزارة الثقافة فى وضعها الحالى لا تعبأ كثيرا بمضمون حقيقى لمثل هذا المؤتمر، فقد كنت آمل فى أن يتلقف الفكرة مثقفو السينما – ربما من خلال نقابتهم – لصياغة مشروع متكامل الرؤية حول الوضع الراهن وسبل الخروج منه، ولكن "لا حس ولا خبر"، ومرة أخرى فإن ذلك يعود فى رأيى إلى حالة الشيخوخة الجسمانية والمعنوية التى نعانى منها، ولأن الشىء بالشىء يذكر أعترف أننى لم أكن أتصور أن لجنة السينما بالمجلس الأعلى للثقافة تضم عددا هائلا من "العواجيز"، تعطيهم مقابلا هزيلا لحضور اللجان، فكيف لك أن تنتظر منهم أن يدافعوا عن المستقبل؟ (للتوضيح فقط: لست عضوا فى أى من هذه اللجان، ولن أكون، فلست أقل شيخوخة ممن أتحدث عنهم).
والحل: ربما ينتبه بعض من أبناء الأجيال الأصغر فى نقابة السينمائيين (بعد أن تصبح النقابة للسينمائيين بالفعل) إلى أن مسئولياتهم الحقيقية تفرض عليهم تكوين تيار ينادى بإصلاح السينما بحق، والتفكير بشكل جماعى، والاستعانة بنماذج من دول قريبة فى أوضاعها السياسية والاقتصادية والثقافية منا، ووضع مشروعات محددة الرؤية والهدف والوسائل، وسوف تبقى دائما فى مصر مشكلة اختيار الأشخاص القائمين على التنفيذ، وأرجو أن يبحث الشباب عمن يتولون من بينهم هذه المهمة داخل الهيئة المفترض وجودها، وأن يكون من حق أعضاء النقابة تغيير هؤلاء الأشخاص بشكل ديموقراطى إذا لم يفوا بالمأمول منهم من إصلاح.
5- ما دمنا قد تعرضنا لمسالة الديموقراطية فلابد من تنقية القوانين المتعلقة بالسينما من كل ما يعوق حرية التعبير التى تكفلها كل دساتير العالم ومواثيق حقوق الإنسان، لذلك لا ينبغى أن تكون "الرقابة" تابعة لوزارة الثقافة (الحكومة يعنى) كما سبق القول بشأن مثل هذه الهيئات، والجهة الرقابية فى أمريكا مثلا هيئة تابعة لرابطة منتجى السينما أنفسهم، وهى ليست منوطة بالمنع وإنما بالتصنيف، لكى تضمن فقط ألا تتعرض شريحة ما من الجمهور لما يُفضَّل ألا تتعرض له. إن ذلك سوف يفتح أفاقا لحرية التعبير بما يحقق حالة من التجدد فى السينما المصرية التى باتت على أبواب الخروج من التاريخ. وفى هذا السياق أذكر ذلك القانون الشاذ بمنع التصوير فى الشارع إلا بتصريح من وزارة الداخلية، بما يذكرك بتلك اللافتة الساذجة على جدار ما: "ممنوع الاقتراب والتصوير"!! يحدث ذلك بينما يستطيع أى إنسان أن يدخل على الإنترنيت ليرى صور الأقمار الاصطناعية للشارع الذى يسكن فيه، لكن ضريبة هذا القانون المتخلف والمجحف تقع على عاتق الفنان السينمائى الذى يمكن لأى عسكرى أن يصادر كاميرته أو حتى يكسرها، وهو ما يفسر لك على سبيل المثال كيف أن الفيلم التسجيلى والقصير ماتا فى مصر (أو على الأقل أصبحا كالمومياء المحنطة)، بينما هما فى حالة ازدهار فى العالم كله.
6- تقام المهرجانات السينمائية فى دول العالم الجادة (ودعك من تلك المهرجانات التهريجية فى دول لا تجد ما تفعله بأموالها، وعلى رأى المثل المصرى: "اللى معاه قرش محيره، يشترى حمام ويطيره")، أقول تقام المهرجانات من أجل تحقيق نهضة حقيقية للسينما، لكننا ما نزال نقيم المهرجانات المحلية والعالمية دون أن نجد لها أى أثر فى صناعتنا السينمائية، مرة أخرى لأن وزارة الثقافة وحدها هى التى تقيم هذه المهرجانات بروح الموظفين فى أغلب الأحوال، أو من وجدوا لأنفسهم دورا ووجاهة وسلطة بعد أن كانوا مجرد "سكرتارية" لا يعرفون عن السينما شيئا حقيقيا. لا أدرى بحق ما هى الفائدة التى تعود على السينما المصرية من مهرجان القاهرة السينمائى مثلا: فائدة فنية؟ سياحية؟ سياسية؟ أشك، فلا نحن نشاهد أفلاما يشاهدها العالم كله (أرجو من نقادنا فى نهاية كل عام أن يراجعوا قوائم النقاد العالميين لأفضل عشرة أفلام، ويسألوا أنفسهم كم شاهدوا منها)، وعلى المستوى السياحى فقد اختار مهرجان القاهرة هذا العام إقامة برنامج خاص عن "مصر فى عيون العالم" من خلال الأفلام، فجاءت معظم هذه الأفلام المختارة من نوعية إظهار المصريين فى صورة راكبى الجمال وساكنى الخيام وأعضاء عصابات التهريب، والكومبارس الذى يجب أن يموت لكى يعيش البطل الغربى! وعلى المستوى السياسى فقد حدثت فى الآونة الأخيرة نكتة سوداء سخيفة، إذ قيل أن مهرجان أبو ظبى قد دعا منتجة بريطانية يقال (تكرار المبنى للمجهول مقصود) أنها افتخرت فى مؤتمر صحفى بجنسيتها الإسرائيلية، وعلى طريقة "قالوا له" هاج البعض وماج دون أن يتأكد أحد منا من الواقعة. قارن ذلك بواقعتين حقيقيتين هذه المرة: المخرج البريطانى الشهير مايك لى قرر إلغاء ذهابه لإسرائيل اعتراضا على مشروع "قَسَم الولاء" الذى تحاول إسرائيل فرضه على كل "سكانها" باعتبارها "دولة يهودية"، مع العلم أن مايك لى يهودى. أما الواقعة الثانية فهى الحملة الشعواء التى يتعرض لها جان لوك جودار (وهو من هو فى تاريخ السينما) من جانب وسائل الإعلام الإسرائيلية، اعتراضا منها على منحه جائزة الأوسكار القادمة عن مجمل أعماله، بتهمة "عدائه للسامية"، وهى الترجمة الإسرائيلية لمناصرة القضية الفلسطينية. ومع ذلك فإن أحدا فى مهرجان القاهرة السينمائى لم يفكر فى دعوة أى من هذين السينمائيين الكبيرين. استيقظوا يرحمكم الله!!
7- أخيرا: هل من مستقبل؟ لا أجد هذا المستقبل إلا فى معهد السينما، الذى شاخ بدوره بعد أن أكل الدهر عليه وشرب، وقد تخلف كثيرا عن التطورات التقنية والجمالية للسينما فى العالم كله، وأصبح الالتحاق به مرهونا بعوامل ليس من بينها الموهبة والقدرة، مع أنهما الشرطان الأساسيان وربما الوحيدان للتقدم فى أى مجال على الإطلاق (ولعل ذلك يفسر لك التخلف الذى نعانيه الآن فى جميع المجالات). وليس هناك من حل إلا ثورة حقيقية فيه، ليس فقط على مستوى "العِدد والآلات" كما يتصور البعض، وإنما عن طريق مناهج دراسية نظرية وعملية متطورة بحق، وضرورة (أكرر: ضرورة) الاستعانة بكبار صناع السينما فى العالم، واستقدامهم كأساتذة يتولى كل منهم دفعة بأكملها منذ التحاقها وحتى تخرجها، مع إرسال بعثات جادة لمراكز صناعة وتدريس السينما فى البلدان المتقدمة فى هذا المجال.
عزيزى القارئ، هناك الكثير لنصنعه فى هذا المجال، وقد لا يملك المسئولون الحاليون الإرادة أو حتى الرغبة فى تحقيق أى شىء، لكن كما فى كل أمور الحياة لابد أن يدافع أصحاب المصلحة عن مستقبلهم، فهذا الجيل الشائخ الشائه سوف يزول قريبا، ولا يجب أن نترك أمورنا فى أيدى ورثة هذا الجيل الذين سوف يجعلون هذه الشيخوخة المشوهة علامة على مصر فى أدنى مراحل تحللها فى التاريخ المعاصر. هل نريد سينما أفضل، ووطنا أكثر جمالا وعدلا؟ المشوار طويل نعم، لكن إما هذا أو الرضا بالموت ونحن على قيد الحياة!!