Wednesday, December 15, 2010

فيلم "المختبئ"


تجربة نادرة للبحث عن موقف سياسى فى ما بعد الحداثة
إما مجنون أو عبقرى! هذا هو الفنان السينمائى والمسرحى والتليفزيونى مايكل هانيكه، النمساوى الأصل والمقيم فى فرنسا. وبين وصف هذا الفنان بالعبقرية أواتهامه بالادعاء يحار فى أمره الكثيرون من النقاد، خاصة النقاد الأمريكيين، فأعماله تتسم فى ظاهرها بالبساطة الشديدة التى تصل إلى حد قيامه كسينمائى بكشف تقنياته للمتفرج، وفى أفلامه كثيرا ما تتحدث الشخصيات إلى الكاميرا والمتفرج مباشرة (هل تذكر وقوع بعض نقادنا فى وصف ذلك بالتغريب والتجريب فى فيلم يسرى نصر الله "جنينة الأسماك" كأن ذلك يحدث فى السينما لأول مرة؟). لكن أفلام هانيكه هى فى الوقت ذاته شديدة التعقيد تحت السطح، وإذا كان كاتب هذه السطور قد أشار فى مقال سابق إلى الجانب السلبى فى "ما بعد الحداثة" عند كوينتين تاراتينو، الذى يعجن ويخبز أفلامه من فتات أفلام سابقة، دون أن تكون له رؤية أصيلة للعالم، كما أنه يريد من المتفرج أن يكون متلقيا سلبيا يهرب من واقعه إلى عالم سينمائى منبت الصلة بأى واقع، فإننى أعترف هنا أننى رأيت – ربما للمرة الأولى – جانبا إيجابيا بحق فى "ما بعد حداثة" مايكل هانيكه، خاصة فى فيلمه "المختبئ" (2005).
فلأبدأ بالإشارة إلى أننى كنت أميل إلى أن أترجم اسم الفيلم إلى "المُخَبَّأ"، لولا قلقى من أن تختلط هذه الكلمة عند طباعتها مع "المَخْبَأ"، فالأصل فى "المُخَبَّأ" هو الشىء اللذى يقوم صاحبه بإخفائه، لا أن يختفى هذا الشىء بنفسه، والفيلم يتحدث عن كثير من الأشياء التى نخفيها كل يوم فى حياتنا، أشياء تبدو صغيرة وتافهة لكنها تصنع مصائرنا ومصائر الآخرين، كما أنها مرتبطة بسياق أكثر شمولا، فكأن الذاتى لا ينفصل عن الموضوعى، والفردى جزء لا يتجزأ من التاريخى، وثقافة شخص ما فى مجتمع هى انعكاس لثقافة عامة سائدة، حتى لو كان المثقفون يزعمون أنهم من الصفوة التى لا تنساق مع القطيع. يكشف هانيكه عن ذلك فى فيلمه "المختبئ"، بموضوع وأسلوب شديدى البساطة والغرابة، أراهما – فى جانب منهما – امتدادا لرؤية جان لوك جودار عن السينما وعلاقتها بالمتلقى، وإن كنت أرى أيضا أن أفلام هانيكه أكثر جمالا ونضجا وتعقيدا وتأثيرا.
سوف أقف معك عند اللقطة الأولى من الفيلم والتى تنزل العناوين متناهية الصغر فى بدايتها، إن اللقطة تمتد ثلاث دقائق كاملة، الكاميرا ثابتة ساكنة فى مكان ما لتصور شارعا جانبيا هادئا، وهناك منزل فى المواجهة، وعلى شريط الصوت (الذى يخلو فى الفيلم كله من أى موسيقى تصويرية) زقزقات عصافير ما بعد الظهيرة، أو صوت مرور شخص عابر، وفى خلفية الكادر تخرج امرأة من باب المنزل، ثم لا شىء يحدث ... فجأة تتوقف الحركة فى الكادر، بل تعود بالحركة السريعة إلى الخلف، وهنا تفاجأ بأنك لا تشاهد "الفيلم"، وإنما شريط فيديو داخل الفيلم! إنه شريط وجده الزوجان جورج (دانييل أوتويل) وآن (جولييت بينوش) عند عتبة منزلهما، وهما يشاهدانه الآن ونحن نشاهده معهما، وليس فى الشريط شىء ذو بال، غير أنه يقول لهما – ولنا – أنهما مراقبان بواسطة شخص ما، لكن من هو؟ ولماذا؟ لا إجابة! وهكذا يضعك الفيلم منذ اللحظة الأولى فى تشويق مزدوج، الجانب الأول فيه هو الإجابة عن هذه الأسئلة، أما الجانب الثانى والأهم فهو أنك لن تدرى طوال الفيلم إذا ما كنت تشاهد الفيلم، أم شريطا داخل الفيلم، وتظل حائرا حول إذا ما كنت ترى الواقع أم صورته.
إن ذلك هو الجانب "ما بعد الحداثى" فى فيلم "المختبئ"، فى تلك العلاقة الغامضة ذات الدلالة والأبعاد المتعددة بين العمل الفنى (الفيلم) من جانب، والمتلقى من جانب آخر. إنك تسأل نفسك وأنت تشاهد الفيلم: هل ينبغى علىّ أن أتفرج على الفيلم بوصفه واقعا، أم أنه صورة الواقع، خاصة إذا احتوى الفيلم بداخله على شرائط مصورة ليست هى الواقع الفيلمى بل صورته؟! وسوف تتوالى هذه الشرائط المجهولة على جورج وآن (بالمناسبة بطل وبطلة أفلام هانيكه يحملان دائما هذين الاسمين)، وفى كل مرة تبدأ اللقطة المصورة كأنها واقع موضوعى لتكتشف بعد لحظة أنها شريط من تلك الشرائط، لذلك فإن عين وعقل المتفرج يصبحان فى حالة يقظة دائمة طوال الفيلم، إن المتفرج يظل يفحص ما يراه بدقة لعله يرى "المُخَبَّأ" فيه، لذلك أصارحك بأنك ربما سوف تحتاج إلى مشاهدة الفيلم مرتين لكى "ترى" ما فات على عينك رؤيته.
أعرف أنك تريد الآن "حكاية" الفيلم، وكما سبق القول فإن الحكايات فى أفلام هانيكه بسيطة ومعقدة معا. جورج وآن زوجان من الشريحة المثقفة من الطبقة الوسطى الفرنسية، تُشكِّل الكتب جدران منزلهما، والزوج يعمل مقدم برنامج تليفزيونى شهير يناقش الأعمال الأدبية، والزوجة تعمل فى دار للنشر، وليس لهما سوى ابن يبلغ الثانية عشرة من عمره هو بييرو (ليستر ماكيدوفسكى)، الذى يبدو متمردا، والسبب الظاهر فى ذلك – كما يتصور والداه – هو معاناة فترة البللوغ. تمضى الحياة هادئة بالأسرة، التى تجمعها صداقة ببعض الشخصيات التى تنتمى لنفس الطبقة، وفى مشهد يذكرك بسيريالية لوى بونويل فى "سحر البرجوازية الخفى" نرى الزوجين والأصدقاء يتشاركون الطعام، وإذا كنت تتوقع أن الحديث بينهم سوف يكون جادا، فإن الحقيقة تأتى على العكس تماما، وسوف أتركك لتتورط معهم فى "نكتة" عبثية لا تشير إلا إلى الخواء الذى يسيطر على هذه الحياة، التى تبدو من الخارج براقة لامعة.
عندما يصل الشريط الأول للزوجين تثور التساؤلات، التى تزداد حيرة مع وصول شريط ثان مصحوب برسم طفولى لوجه يبصق دما، وعندما يشاهد جورج هذا الشريط تظهر على الشاشة لقطة خاطفة لطفل ينظر من خلف زجاج نافذة والدم على وجهه. إنها لقطة من لاوعى جورج، أو ذاكرته التى "أخفى" بها صورا وأحداثا تصورها قد ماتت فإذا بها حية تتبدى أمام عينيه وأعيننا. إن التوتر الذى يسرى فى نفس الزوج، الذى نعرف الآن أنه يخفى شيئا له علاقة بذلك الرسم الطفولى، هذا التوتر سوف ينفجر فى مشهد يبدو عابرا لكن له دلالته، خاصة مع المشاهدة الثانية للفيلم، فالزوج يحتك براكب دراجة زنجى، فيفجر جورج غضبه فيه كما لو كان هذا الزنجى العابر هو "الفاعل الحقيقى" وراء الشرائط والرسوم، وهو الغضب الذى يعكس أنه حتى فى أوساط المثقفين تجد ميلا للنظر إلى "الآخرين" بشكل نمطى سلبى، فلأن الشاب العابر زنجى فإن من الممكن أن يكون "المتهم"، وهكذا تنفجر البارانويا العدوانية فى أعماق جورج، الذى يتحدث عن خطر "الأغراب" فى "مدينتنا"، وأن من الممكن أن يحدث عمل إرهابى فى كل لحظة ... وأرجو أن تلاحظ أنه حين ظهر الفيلم فى عام 2005 كانت ما يزال ماثلا فى الأذهان تمرد المضطهدين من أبناء الجيلين الثانى والثالث من المهاجرين إلى فرنسا، الذين يقيمون فى أحياء عشوائية، محرومين من أبسط الاحتياجات الإنسانية.
يسيطر الخوف على جورج، الذى يبدو أمامنا حتى هذه اللحظة بريئا وضحية لإرهاب وابتزاز غامضين. لكن شريطا ثالثا يصل إليه، هذه المرة تم تصويره من داخل سيارة تمضى تحت المطر حتى تقف أمام البيت القديم الذى تربى فيه جورج صغيرا. إذن فمن يرسل الشرائط يعلم الكثير عن جورج، وهو يريد أن يشير إلى أمر ما. يعود جورج إلى منزل الطفولة، حيث يرى أمه العجوز (الممثلة الهائلة آنى جيراردو، التى كانت امرأة الأحلام لمن ينتمون إلى جيلى!)، وفى مشهد بالغ الهدوء على السطح، ندرك من الحوار مع الأم المريضة التى تلازم فراشها أن هناك أمرا يتعلق بصبى يدعى مجيد، يقول جورج أنه يحلم به، فنعرف الآن أنه ذلك الصبى ذو الفم الملوث بالدم. فى نفس الليلة، وفى منزل الطفولة الريفى، يستكمل جورج الحلم أثناء نومه: الصبى مجيد يذبح ديكا ينتفض أمامنا وهو يلفظ أنفاسه، بينما يقف صبى آخر (إنه جورج طفلا) وقد استولى عليه الفزع.
هذا الواقع المتوتر الغامض الذى يعيشه جورج، والكابوس الدموى الذى يلاحقه، يجعلاننا نتعاطف مع جورج فى المحنة التى يتعرض لها من "عدو" يتربص به، هذا العدو الذى سوف نزداد منه اقترابا عندما يصل إلى جورج شريط يسجل طريقة الوصول إلى مبنى يضم شققا صغيرة لأبناء الطبقة الفقيرة، فيقرر جورج أن يجعل هذا الشريط دليله، ويمضى إلى المبنى، ويطرق باب الشقة التى ظهر رقمها فى الشريط، فيفتح الباب رجل كهل (موريس بينيشوه) يرحب بجورج. إنه يعرف جورج، فلابد أنه "الفاعل"، لكن جورج شخصية مشهورة لأنه يظهر على شاشة التليفزيون، فلا غرابة أن يعرفه الرجل، لكن لماذا يقول أنه انتظره طويلا؟! هنا تتضح المفارقة: إنه ذاته مجيد! وهو ينكر تماما صلته بالشرائط والرسوم، لكن جورج يصر – ولديه أسبابه "المختبئة" – أن لدى مجيد أسبابه للانتقام ... ولكن الانتقام من ماذا؟!
فى مشهد اعتراف مؤلم من جورج، يفضى به إلى الزوجة آن، يحكى ما كان يخفيه، وعذره أنه أخفاه لأنه يعود إلى تصرفات الطفولة الطائشة. وهنا يتداخل التاريخى مع الشخصى: فى أكتوبر عام 1961 دعت جبهة التحرير الجزائرية كل الجزائريين المقيمين فى فرنسا للتظاهر فى باريس، وهى المظاهرة الحاشدة التى خرجت فى 17 أكتوبر، وقامت فيها قوات الأمن الفرنسية (بقيادة رجل كان من أعوان النازية) بتفريق المتظاهرين على نحو وحشى، وإغراق مائتين منهم فى نهر السين، كان من بينهم والدا مجيد اللذان كانا يعملان لدى أسرة الطفل جورج. وعندما تقرر الأسرة الفرنسية تبنى الطفل الجزائرى مجيد، تثور غيرة الطفل جورج، فيحيك الأكاذيب التى تؤدى إلى تخلى الأسرة عن مجيد وإيداعه الملجأ. هناك إذن ظلم عام تعرض له مجيد وأمثاله من الملايين، وظلم خاص انتهى به إلى الفقر، بل إن هذا الظلم يمتد من الماضى إلى الحاضر، حين يصبح الكهل مجيد متهما بتهديد جورج وأسرته.
لن أحكى لك كبف انتهت تلك الحبكة، فسوف أساهم بدورى فى "إخفاء" بعض خيوطها، لعلك تبحث عن الفيلم وتستمع بمشاهدته كاستمتاعى به، لكننى سوف أتوقف بك عند بعض التفاصيل "المختبئة" فى ثنايا الفيلم، ويريدك هانيكه أن تبحث عنها، وتدرك دلالتها بنفسك. أرجو مثلا أن تلاحظ فى الخلفية فى العديد من المشاهد، وعلى شاشة التليفزيون المفتوح دائما فى منزل الأسرة، نرى أحيانا مشاهد من نشرات الأخبار، للمذابح فى العراق وفلسطين، ولا يكاد جورج أن يلتفت إليها، فكأن الفيلم يقول لك: إن الجريمة مستمرة، والتواطؤ بالسكوت عليها ما يزال قائما، وإذا كانت هناك مأساة حدثت وما تزال تحدث لمجيد، فإنها تحدث أيضا لعشرات ومئات الألوف من الضحايا، وما تزال الشريحة "المثقفة" منغلقة على نفسها، ولا ترى إلا ذاتها. بل إن هناك أسرارا مختبئة أخرى فى الأسرة يلمح إليها الفيلم، فى وجود شك لدى الابن بييرو أن أمه تخون أباه مع صديق للعائلة. وأخيرا هناك السر فى المشهد الأخير، لن أبوح لك به أبدا: إنها لقطة تستمر ثلاث دقائق كاملة، وتنزل معها تيترات النهاية، وتصور بكاميرا ثابتة لحظات خروج الطلبة من مدرسة الابن بييرو ... لا شىء يحدث على السطح، لكن تأمل – وسط هذا الزحام – ما يحدث فى الجانب الأيسر من الكادر، فربما، أقول ربما، يحمل لك تفسيرا لما أخفاه عنك الفيلم.
اعتمد هانيكه على اللقطات الطويلة زمنيا، أغلبها من ثلاث دقائق، وإحداها تمتد إلى ست دقائق، ومعظمها من كاميرا ثابتة أو كاميرا محمولة لا تشعر بوجودها أبدا (على عكس اللقطات المهتزة الى أصبحت "موضة" فى أفلامنا حتى لو لم يكن لها أى ضرورة)، إن هذا يعنى أيضا اعتماد هانيكه على الميزانسين شديد الدقة للكاميرا والممثلين، الذين لن تدرى – بسبب التلقائية الشديدة – إن كانت براعة أدائهم تعود إلى قدرتهم على الارتجال، أم إلى البروفات المتقنة التى لم تترك شيئا للصدفة. من جانب آخر، فإن زاوية التصوير وحجم اللقطة تكررا – طبق الأصل – فى العديد من المشاهد، لتبحث أنت كمتفرج عن الفرق فى المحتوى والمضمون بين هذه اللقطة وتلك، أو تتساءل إذا ما كانت لقطة "واقعية" أم أنها "نسخة" مصورة من الواقع. وبذلك فإن هانيكه يجعلك شريكا فى الحدث، ومتواطئا فى الفعل، لأنك "تتفرج" فقط، بينما يجب عليك أن تأخذ موقفا، بأن تكتشف وتكشف ما هو "مُخَبَّأ" فى كل الأكاذيب التى نعيشها!

Friday, December 10, 2010

فيلم "الشبكة الاجتماعية"


كثير من التواصل الإلكترونى، قليل من التواصل الإنسانى


للمخرج الأمريكى ديفيد فينشر بصمة خاصة على معظم أفلامه، تنبع من رؤية يندر أن تجدها بين المخرجين الأمريكيين، فهو ينظر إلى الثقافة الأمريكية (بالمعنى الشامل لكلمة "ثقافة") نظرة التشكك والنقد وربما المرارة أيضا. إنك تلحظ هذا بقوة فى فيلمه "نادى القتال" (1999)، حيث البطل الذى يعيش حياة أمريكية نموذجية، فمنزله يخرج على الشاشة أمام أعيننا من صفحات مجلات الديكور، مزودا حتى بالمقاييس والأرقام، لكنه يشعر بحالة من الخواء الروحى والعاطفى، ربما لأنه يعيش دائما فى خطر أن يفقد كل تلك الرفاهية فى لحظة واحدة، فتلك هى إحدى "مزايا" ومخاطر الاقتصاد "الحر". يندفع هذا البطل شيئا فشيئا إلى خلق "قرين" له، فى حالة من ازدواجية الشخصية (بالمعنى الفنى وبعيدا عن المصطلح العلمى)، وهذا القرين يعوض إحساسه بعدم الأمان وكون إنسانا "عاديا" فى مجتمع غير عادى، أو قل كونه سويا فى مجتمع غير سوى، لذلك ينشئ القرين ناديا يتصارع فيه الأعضاء كأنهم وحوش، تعبيرا مجسدا عن الصراع الاجتماعى الذى يتخفى خلف بريق كلمات مثل الديموقراطية والليبرالية، بل يذهب الأمر بقرين البطل إلى أن يسرق "الدهن" الذى يتخلص منه الأثرياء فى عمليات التجميل، ليصنع منه متفجرات يدمر بها ناطحات سحابهم!!
كانت هذه الفكرة التى تقول أن المجتمع الأمريكى يدمر نفسه من داخله سببا فى حدث غامض، اختفى أثره من على الإنترنيت لاحقا، إذ استدعت المخابرات المركزية الأمريكية ديفيد فينشر بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر، لتسأله عن رأيه فيما إذا كانت الأحداث ناتجة عن "إرهاب داخلى" يشبه ما حدث فى ولاية أوكلاهوما منذ سنوات! وفى الجانب الفنى، فإن أفلام فينشر تؤسس – من وجهة نظر كاتب هذه السطور – نوعا جديدا من النمط الفيلمى المعروف باسم "فيلم نوار"، حيث يقيم بطل يعمل فى الغالب مخبرا خاصا، لكنه كلما مضى فى التحقيق فى إحدى الجرائم تتكشف له الحقيقة المفزعة: إن العالم والمجتمع من حوله أقسى مما كان يتصور، لذلك تغرق هذه الأفلام فى الظلال تجسيدا لهذه الظلمة الروحية. وإنك إن تأملت أفلام فينشر لوجدتها بدورها تغرق فى الظلام أيضا، لكن دون ذلك العالم الروائى المصطنع (تأمل على سبيل المثال فيلمه "زودياك"- 2007)، فالظلام يخيم على الواقع الذى يعيش فيه المجتمع الأمريكى، تماما كما أن معظم مشاهد فيلمه الأخير "الشبكة الاجتماعية" هى مشاهد داخلية فى الليل الأمريكى، الذى يحتشد بصراع تهون إلى جانبه صراعات الوحوش فى الغابة.
على السطح من فيلم "الشبكة الاجتماعية" حكاية عن إنشاء موقع الإنترنيت الشهير "فيس بوك"، الذى يتيح لـ"أعضائه" التواصل، وإن شئت الدقة قل الاتصال وليس التواصل، كما أن كلمة الأعضاء تشير الآن إلى ما يزيد عن نصف مليار من البشر، لكننا سوف نتوقف عند ذلك الأمر لاحقا. الحكاية فى سطور تدور عن مارك زوكيربيرج (جيسى آيزينبيرج)، الشاب فى جامعة هارفارد، احتل العالم الافتراضى للكومبيوتر كل ذهنه، حتى أنه يخفق فى العالم الحقيقى فى أن يقيم علاقة ناضجة. إنه ينفصل فى افتتاحية الفيلم عن صديقته إيريكا (رونى مارا) فى مشهد يحمل سخرية مريرة، فهو يبدو عاجزا تماما عن أن يجد موضوعا مشتركا للحديث بينهما، بل إنه لا يعبأ بأن يهينها بشكل غير واعٍ أو مكترث بالنتائج. وحين تتركه وحيدا يعود إلى مدونته الإلكترونية وقد قرر أن يشهر بها، وفى الوقت ذاته تواتيه فكرة إنشاء موقع خاص بطلبة هارفارد، يتيح فيه للطلبة التصويت على الطالبة الأكثر إثارة، ولأنه يحتاج إلى الصور ليضعها على الموقع بسرقتها من موقع الجامعة، فإنه يستعين بصديقه وزميل غرفته إدواردو سافيرين (أندرو جارفيلد) بخبرته فى عالم لوجاريتمات الكومبيوتر.
من هذه النقطة سوف تبدأ رحلة الفتيين إلى الهوس بإنشاء موقع يظل يتسع شيئا فشيئا، يمتد من النوادى ذات العلاقة بالجامعة، حتى يصل إلى أن يكون موقعا مفتوحا للعالم كله، ويدر ربحا هائلا من خلال الإعلانات التى تعتمد على تزايد عدد زواره. سوف تتقاطع هذه الرحلة مع محاولات شبان آخرين الدخول فى "اللعبة"، التى تجمع بين المقامرة و"البيزينس" معا، بما يذكرك على الفور بفيلم تليفزيونى يحمل عنوان "فى وادى السليكون"، ويحكى عن قصة صعود بيل جيتس، لتدرك أنها فى الحقيقة (مثل أى "بيزينيس" أمريكى) ليست أبدا ناتجة عن عبقرية مزعومة، بل هى سلسلة متصلة من الخداع والسرقة والدعاوى القانونية بين مجموعة من اللصوص!!
هذا هو الأمر مع "فيس بوك"، حيث نرى التوأمين كاميرون وتايلر فينكلفوس (قام بدورهما الممثل آرمى هامر فى لقطات كومبيوترية لا تشعر لحظة واحدة باصطناعها فى الصورة أو الصوت)، اللذين يعرضان على مارك توسيع المشروع وتمويله، وهما بدورهما من طلبة هارفارد القدامى ومن عائلة صاحبة مال ونفوذ، ثم نرى شون باركر (جوستين تيمبرليك) صاحب "نابستر"، أشهر موقع فى تحميل المواد البصرية والسمعية المقرصنة من على الإنترنيت، وهو يسحب مارك إلى أرضه، بينما يبعده عن صديقه القديم إدواردو. وهنا يدخل الفيلم إلى "شبكة" بالمعنى الحرفى للكلمة، وكأن شكله يعبر عن مضمونه، ففى الشبكة الإلكترونية (الإنترنيت) تجد روابط (لينكات) ترسل بك إحداهما إلى الأخرى فى متاهة قد لا تنتهى، أو تعيدك من حيث لا تدرى إلى نقطة البداية، وذلك هو البناء الدرامى نفسه الذى يمضى فيه الفيلم: فهناك تحقيقان مع مارك، الأول بسبب دعوى مرفوعة من الأخوين وينكلفوس، والآخر من إدواردو، وإذا كان الأول يدور حول صراع مالى، فإن الآخر لا يخلو من مرارة فقدان الصداقة بسبب السعى إلى "النجاح"، وكلا التحقيقين يمضيان فى تقاطع طوال الفيلم، كل نقطة تؤدى إلى الأخرى فى شبكة متداخلة، تجعلك تسأل أحيانا: من على حق ومن على صواب؟ وإن كان الأرجح أن كل ذلك الصراع يدور حول "نجاح" عبثى لأنه يعتمد على التقاليد الأمريكية، التى تجسد بأقوى تعبير المثل المصرى: "اللى تكسبه إلعب به"!! وبعد تحقيق ذلك النجاح خواء كامل، استغراق فى الجنس والمخدرات ومراقبة الحسابات فى البنوك، أما السعادة بمعناها الأكثر بساطة فلتذهب إلى الجحيم!!
ذلك هو الجزء المظلم من اللاوعى الجمعى الأمريكى، يقبع فى الظلال الثقافية التى تنسى أو تتناسى الفرق بين الأبيض والأسود، والخير والشر، تماما كما تتجسد على الشاشة فى تلك الظلمة، لا فرق فى ذلك بين غرف الطلبة فى الجامعة أو النوادى الليلية أو الشوارع الممطرة أو البيوت المغلقة على أصحابها. وتلك هى رؤية ديفيد فينشر للمجتمع الأمريكى، التى تطرح سؤالا صارخا حول معنى النجاح ومعاييره وشروط تحقيقه، إنه مجتمع يزعم أنه يحقق "الحرية" لأفراده، بينما هو فى الحقيقة يربطهم بأغلال قوية تجعلهم يدورون بلا نهاية فى الساقية، اكسب مالا واشتر منه سلعا كمالية أو حتى ترفيهية قصيرة العمر، وإن لم تملك الآن المال فالمصارف مفتوحة لكى تقترض، وفى الحالتين (وللأسف انتقلت هذه العدوى للكثير من بلادنا) فأنت عبد لاقتصاد يعتمد على دورة رأس المال التى لا تنتهى. ومن بين هؤلاء "العبيد" قد تواتى أحدهم الرغبة فى المقامرة، بكل ما فى المقامرة من معنى، لعله يصبح "غير عادى"، ثريا، مشهورا، وليس مهما الطريق لكى يصبح ذلك كله، فذلك ضمان آخر لأن تمضى دورة رأس المال دورتها العبثية، التى يريدون لنا أن نكون جزءا منها باسم الاقتصاد الحر تارة، أو النظام العالمى الجديد تارة أخرى، لكنها فى الحقيقة تقسم البشر إلى من يملكون ومن لا يملكون، وإن كنت فى شك من ذلك تأمل ما حدث فى المجتمع المصرى خلال السنوات الثلاثين الأخيرة، تحت عنوان "الإصلاح الاقتصادى، وأرجو أن يعود من يهمه الأمر إلى مقالات الدكتور فؤاد مرسى فى هذا الشأن منذ بداية الثمانينيات.
يدرك المخرج "الأمريكى" ديفيد فينشر هذه الرؤية عن مجتمعه ونحن الأكثر حاجة إلى إدراكها، إذ يترقى وزراؤنا فى مناصب فى صندوق النقد الدولى أو ما شئت من مؤسسات مالية "عالمية" لأنهم ينفذون هذه السياسة الأمريكية فى إفقار العالم ماديا وروحيا، بينما تثرى مجموعة من "المغامرين" (ولهم صفة أخرى من المؤكد أن القارئ يعرفها) على حساب الأغلبية من البشر، وسلِّم لى على الليبرالية وحرية الاقتصاد والسوق الحر!! إن تلك العبثية يبرزها فينشر فى أن الشخص الذى ينشئ "الشبكة الاجتماعية" فاشل تماما فى أن يخلق علاقة إنسانية واحدة سوية، إنه يحقق "النجاح" لأنه خلق عالما افتراضيا يشبه تماما الاقتصاد الافتراضى الذى تمثله البورصة وأشباهها (وأرجو بصدق أن يشرح لى أى متخصص ما هى تلك "البورصة" التى يراها شخصى المتواضع طاولة قمار كبرى لا تعكس أى اقتصاد أم إنتاج حقيقى، ومع ذلك تصبح جزءا من اقتصادنا وحياتنا). إنها العبثية التى دفعت بكلمات مخترعة إلى اللغة، إن أندرو يبتهج عندما تقول له صديقته: "فيس بوك مى" (أى راسلنى على الفيس بوك، فقد أصبح المصطلح من أفعال اللغة)، تماما كما تهجره صديقة أخرى لأنه لم يضفها بعد إلى قائمة أصدقائه على صفحته فى الفيس بوك!
قد تبدو هذه السطور معادية للتقدم التكنولوجى، بينما أنا أكتب مقالتى الآن على الكومبيوتر، لكنها فى الحقيقة محاولة للبحث عن المعنى فى أى تقدم تقنى، إنه وسيلة، وليس غاية، وهو أداة تساعدك على أن تعيش حياتك الحقيقة، لا أن تستغنى عنها لتعيش حياة افتراضية. وبقدر ما أن هذا التقدم يسمح بالإبداع، فإنه يتيح الابتذال، والنسخ، والمسخ، والتنفيس المرضى، وانقطاع الصلة الحميمة بين البشر. وإن كان هناك متسع وسط هذه القتامة لنكتة طريفة، فقد تذكرت الآن الرجل الأمريكى الذى وجد شابا فى جزر هاواى، مسترخيا على البحر، فوجه الرجل إليه اللوم لأنه لا يعمل، سأله الشاب: لماذا؟ قال الأمريكى: لتكسب المال، ويتسع ثراؤك، وتكون لديك شركات ضخمة، فيها مئات من الموظفين يعملون بدلا منك، لكى تستريح من بعد ذلك كله، فقال الشاب: ولكنى مستريح فعلا الآن!!
مرة أخرى إذا كان هناك فى أفلام فينشر من تشاؤم حول ذلك الصراع الاقتصادى والاجتماعى على الطريقة الأمريكية، فالهدف هو إعادة النظر فى المسلمات، والبحث عن المعنى من جديد، والعثور على الحياة الحقيقية. فى المشهد الأخير من الفيلم، يجلس صانع الفيس بوك أمام الكومبيوتر فى الظلام، طالبا بضغطة زر من فتاته القديمة أن تقبله صديقا على صفحتها، ويظل يضغط على الزر بين لحظة وأخرى لكى يجدد الصفحة، دون جدوى ... وربما سوف يظل ينتظر إلى أن تنهى حياته الافتراضية والحقيقية معا!!

Friday, November 26, 2010

جان لوك جودار

عن السينما المصرية، والكوابيس، والأحلام

من جديد تراجع عدد الأفلام المصرية فى هذا العام 2010 إلى أقل من ثلاثين فيلما، بينما كان قد ارتفع خلال السنوات الخمس الماضية إلى ما بين أربعين وخمسين فيلما، وبرغم أن ذلك الارتفاع ظل أدنى كثيرا مما كانت السينما المصرية تحققه فى نهاية الثمانينيات، فقد ظل أعلى مما هبطنا إليه عند نهاية التسعينيات (15 فيلما فى عام 1999!!)، لكن ما تزال هذه الأرقام تعكس الحالة المرضية التى تعيشها السينما المصرية منذ فترة طويلة، على مستوى الكم والكيف معا.
ومع ذلك فإننا ننام ملء أجفاننا، نستيقظ أحيانا ونفتح عينا ونتفوه بكلمة، ثم نتثاءب ونعود للنوم ... هذا هو حالنا ليس فقط فى السياسة ولكن فى كافة النشاطات "الإنسانية"، ومنها السينما، التى قد يتصور البعض أحيانا أنها نشاط ترفيهى يمكن الاستغناء عنه إذا كانت الظروف لا تسمح بالرفاهية، وأنا أتفق معهم تماما إذا كنا نطبق بالفعل مفهوم "الأولويات" فى حياتنا، و"على قد لحافك مد رجليك"، لكن السفه الذى نشهده مثلا فى الإنفاق المجنون على التمثيليات التليفزيونية التافهة يجعلنا نسأل: ألم تكن السينما أولى ببعض من هذه الأموال التى تضيع فى الهواء؟
أعلم أن لكل ما سوف أطرحه الآن من أسئلة ردا جاهزا، هو فى الحقيقة اقرب إلى التبرير منه إلى التفسير. خذ مثلا هذا المثال الأخير: العلاقة بين السينما والتليفزيون، فالبعض سوف يقول لك: "واحنا مالنا؟ أصحاب وكالات الإعلان هم الذين يمولون هذه المسلسلات، وهم أحرار فى فلوسهم، فهل تريدنا أن نعود للعصر "الشمولى" ونفرض عليهم ما لا يريدون؟"، وهنا يثور على الفور الموضوع الشائك بين تلك الحرية المنفلتة باسم اقتصاد السوق، وحق "الدولة" (أى دولة) فى أن تضع الضوابط التى تنظم تعارض المصالح الذى يقع فى هذا المجال بين من يصنعون الفن ومن يستهلكونه، ودعنى ياقارئى العزيز أذكرك أن الجهات المسئولة عن الإعلام في الدول المتقدمة تضع ضوابط في هذا الشأن، فهي تحدد حدا أقصى للفترة الإعلانية كل ساعة، كما تلزم القنوات التليفزيونية بفترات محددة للإعلانات سواء فى ساعات الليل أو النهار، والأهم هو التشجيع على إيجاد مصادر أخرى للتمويل تستطيع أن تقلل من اعتماد هذه المحطات على الإعلانات، بل يذهب الأمر إلى أن يكون أحد أهم مصادر تمويل القنوات التليفزيونية هو الاشتراك فى إنتاج الأفلام السينمائية، وأرجو من يهمه الأمر أن يراجع العناوين الأخيرة فى أى فيلم سينمائى أوروبى أو لاتينى (أو حتى إسرائيلى)، ويعد كم محطة تليفزيونية اشتركت فى إنتاجه.
أريد فى الحقيقة من مقالى هذا أن أشارك بجهد متواضع فى فض العديد من الاشتباكات حول مسألة السينما المصرية وما تعانيه، وأنا لا أزعم مطلقا أننى "جبت الديب من ديله"، بل على العكس أؤكد دائما أنه لا يجب علينا أن نخترع العجلة من جديد، وأن نتعلم من كل تجارب الآخرين، الأصدقاء منهم والأعداء، نتعلم منهم كيف ننجح، وكيف نحقق أهدافنا، وإن كان لزاما علىّ أن أعترف أيضا أن التفاؤل ليس كبيرا فى تحقيق أية أهداف فى المستقبل القريب، فقد وصلنا فى كل مجالات حياتنا إلى حالة من الشيخوخة الحقيقية والمعنوية، حالة من الاستسلام القدرى لما يصنعه الآخرون فينا وبنا، ولأن العزيمة تنقصنا – مع افتخارنا بفيلم مصرى قديم يدعى "العزيمة"! – فإننى أوجه كلماتى هذه إلى جيل جديد، لعل الخطوط المشتبكة، والقضايا الملتبسة، تنحل عقدتها، ليملك هذا الجيل يقينا مفقودا فلا يردد فى النهاية مقولة: "وأنا مالى؟ ياعم مفيش فايدة".
1- هل السينما ضرورة أم رفاهية؟ نتصور أحيانا أن السينما مجرد أفلام تُعرض، وجمهور يتفرج، وما دام ذلك يتحقق فى عشرات القنوات الفضائية فأين المشكلة إذن؟ أرجو هنا أن نعود لما كتبه رائد علم وسائط الاتصال مارشال ماكلوهان منذ أكثر من نصف قرن عن الفروق الجوهرية بين السينما والتتليفزيون، خاصة على مستوى التلقى، لقد أسمى التليفزيون وسيطا باردا بينما السينما وسيط ساخن، وبكلمات أخرى فإن السينما (المعروضة فى دار العرض) تخلق حالة من الكثافة الشعورية والذهنية (على مستوى الوعى واللاوعى على السواء) لا تتحقق فى التليفزيون، الذى نراه بشكل متقطع ودون تركيز كبير، وفى الأغلب ونحن فى حالة وحدة يزيدها التليفزيون شعورا بالعزلة واللامبالاة، على عكس السينما التى تخلق حالة من النشوة، سواء فى الأفلام الكوميدية أو المأساوية. إن أى فن فى الحقيقة "ظاهرة اجتماعية"، وعندما تغيب الديمموقراطية مثلا يختفى المسرح الحقيقى، وعندما يسود مبدأ "فلينجُ كل منكم بنفسه من الطوفان" يكون التليفزيون، وليس السينما، هو وسيلة الترفيه الوحيدة والسائدة.
2- هل يمكن للدولة أن تتدخل فى تنظيم علاقة السينما بالمتفرج؟ ليست الإجابة هى أن من "الممكن"، بل من "الواجب". ودعنى أتوقف معك هنا قليلا ياعزيزى القارئ وأسألك سؤالا قد يبدو ساذجا: ما هى الدولة؟ إنها ذلك الكيان الذى نصنعه أنا وأنت (إنها ليست مُنزَّلة من السماء كما قد توحى لك السلطة الديكتاتورية الدنيوية أو الدينية)، كيان نصنعه لكى يقوم بالنيابة عنا بما لا نستطيع أداؤه بمفردنا، سواء فى القضاء، أو التشريع، أو تصريف أمور الحياة الجماعية. بل أؤكد لك أن "عسكرى المرور" هو أحد مظاهر الدولة، أى دولة، فإذا قبل الرشوة كانت الدولة فاسدة، وإذا فرض نفسه بلطجيا يجمع الإتاوات كانت الدولة نظام جباية لا نظام حماية، وإذا اختفى كان هذا يعنى أنه لا وجود للدولة، وأن رجالها مشغولون باستغلال مواقعهم فى السلطة لتحقيق مصالح شخصية بدلا من القيام بتنظيم أمور حياتنا، وهكذا يختلط الحابل بالنابل فى الشارع، كما يصبح الاقتصاد "سداح مداح" كما أطلق عليه الراحل العظيم أحمد بهاء الدين. وأرجو ألا تصدق لحظة واحدة أكذوبة الاقتصاد الحر التى يروجون لها، فهى من جانب تسمح لرجال العصابات بالثراء الفاحش حتى من خلال بيع الوطن قطعة قطعة أو تأجيره مفروشا، ومن جانب آخر تجعلنا من الدول التابعة التى تأخذ أوامرها من صندوق النقد والبنك الدوليين (الذى نفتخر أن بعض مسئولينا ترقوا فيه دليلا على إذعانهم لأوامره على حسابنا)، فى الوقت الذى تنفذ فيه أعتى الدول الرأسمالية حماية على اقتصادياتها، وتنظيما للعلاقات بين المنتجين وبعضهم البعض، وبين المنتج والمستهلك.
3- كيف ينطبق ذلك على السينما؟ إنك لو ذكرت أو حتى لمَّحت إلى ضرورة تدخل الدولة فى تنظيم صناعة السينما لطاردتك على الفور فلول من يرددون أن تجربة "مؤسسة السينما" فى مصر كانت فاشلة، ولن أدخل هنا فى جدل حول هذا الأمر، وإن كنت أتمنى أن يعود هؤلاء إلى ذكريات مخرجنا الكبير توفيق صالح لعلهم يجدون فيها الإجابة. لكننى أقول أننى انتهيت لتوى من قراءة دراسة حول السينما البرازيلية، التى عانت فى النصف الأول من التسعينات من انتكاسة خطيرة حتى أنها لم تنتج فى عام 1992 إلا فيلمين فقط، وفى منتصف هذا العقد انتبهت الدولة إلى سن تشريعات (حقيقية ومدروسة ومطبقة وليست حبرا على ورق) أدت إلى نهضة سينمائية كبرى، وكان أهم هذه التشريعات ما يلى: أولا إنشاء بنك مهمته تمويل الجزء الأكبر من إنتاج السيناريوهات المتميزة، وثانيا مشاركة وزارة الثقافة بتقديم دعم مالى أو تقنى لهذه المشروعات، وثالثا تقديم كل التسهيلات للتوسع فى إنشاء دور العرض المتعددة الصغيرة (مالتيبليكس) فى كل ضواحى المدن الكبيرة والصغيرة، ورابعا إسهام وزارة التعاون الدولى فى خلق فرص للإنتاج المشترك مع دول وجهات أجنبية، وخامسا إقامة مهرجان قومى حقيقى (وليس صوريا) تُمنح فيه جوائز فى صورة دعم أكبر لإنتاج المشروعات القادمة للمخرج ذاته، ضمانا لاستمرار صانع الفيلم المتميز فى الإبداع ... وهناك إلى جانب تلك التشريعات قواعد أخرى قد لا يتسع المجال لحصرها.
4- من الذى سوف يقوم على تنفيذ تلك الخطط فى حال إقرارها؟ هنا سوف أجد نفسى مضطرا للدخول إلى منطقة ملغومة على نحو ما، فكلما تلفت حولى باحثا عن جهة ما مسئولة بالفعل عن السينما لم أجد وكأن السينما طفل لقيط بلا أب. إننى أؤكد منذ البداية أن "الحكومة" يجب أن تبتعد عن هذا الأمر تماما، فالتشريعات التى أتحدث عنها تقوم بسنها السلطة التشريعية فى الدولة (مجلس الشعب يعنى، لكن ليس من نوعية مجلسنا الموقر)، لتقوم "هيئة" مستقلة بتنفيذها، لا تأخذ أوامرها من الوزراء أو أى جهة أخرى فى السلطة التنفيذية، ولأضرب لك مثلا بأن هيئة الإذاعة البريطانية ليست تابعة لـ"الحكومة" وإنما للدولة، وبين الحكومة والدولة فرق كبير كما أتمنى أن تكون قد عرفت الآن، تماما كما أن "هيئة الأغذية والأدوية إف دى إيه" فى أمريكا ليست تابعة لوزارة الصحة. إذن من؟! غرفة صناعة السينما؟ نقابة السينمائيين؟ لجنة السينما بالمجلس الأعلى للثقافة؟ أنظر حولى فلا أجد إلا صحراء قاحلة، أناسا مشغولين إما بمصالحهم كأفراد، أو بمصالح فئوية ضيقة، أو مجموعة ممن لا يحلمون بأى غد فهم لا يعرفون إن كانت شمس الغد سوف تشرق عليهم.
منذ أسابيع قليلة سمعنا أن هناك استعدادا لإقامة مؤتمر للمثقفين، ثم لا شىء، صمت مطبق، لا المثقفين استعدوا ولا وزارة الثقافة أعادت العرض، ولأنى متأكد أن وزارة الثقافة فى وضعها الحالى لا تعبأ كثيرا بمضمون حقيقى لمثل هذا المؤتمر، فقد كنت آمل فى أن يتلقف الفكرة مثقفو السينما – ربما من خلال نقابتهم – لصياغة مشروع متكامل الرؤية حول الوضع الراهن وسبل الخروج منه، ولكن "لا حس ولا خبر"، ومرة أخرى فإن ذلك يعود فى رأيى إلى حالة الشيخوخة الجسمانية والمعنوية التى نعانى منها، ولأن الشىء بالشىء يذكر أعترف أننى لم أكن أتصور أن لجنة السينما بالمجلس الأعلى للثقافة تضم عددا هائلا من "العواجيز"، تعطيهم مقابلا هزيلا لحضور اللجان، فكيف لك أن تنتظر منهم أن يدافعوا عن المستقبل؟ (للتوضيح فقط: لست عضوا فى أى من هذه اللجان، ولن أكون، فلست أقل شيخوخة ممن أتحدث عنهم).
والحل: ربما ينتبه بعض من أبناء الأجيال الأصغر فى نقابة السينمائيين (بعد أن تصبح النقابة للسينمائيين بالفعل) إلى أن مسئولياتهم الحقيقية تفرض عليهم تكوين تيار ينادى بإصلاح السينما بحق، والتفكير بشكل جماعى، والاستعانة بنماذج من دول قريبة فى أوضاعها السياسية والاقتصادية والثقافية منا، ووضع مشروعات محددة الرؤية والهدف والوسائل، وسوف تبقى دائما فى مصر مشكلة اختيار الأشخاص القائمين على التنفيذ، وأرجو أن يبحث الشباب عمن يتولون من بينهم هذه المهمة داخل الهيئة المفترض وجودها، وأن يكون من حق أعضاء النقابة تغيير هؤلاء الأشخاص بشكل ديموقراطى إذا لم يفوا بالمأمول منهم من إصلاح.
5- ما دمنا قد تعرضنا لمسالة الديموقراطية فلابد من تنقية القوانين المتعلقة بالسينما من كل ما يعوق حرية التعبير التى تكفلها كل دساتير العالم ومواثيق حقوق الإنسان، لذلك لا ينبغى أن تكون "الرقابة" تابعة لوزارة الثقافة (الحكومة يعنى) كما سبق القول بشأن مثل هذه الهيئات، والجهة الرقابية فى أمريكا مثلا هيئة تابعة لرابطة منتجى السينما أنفسهم، وهى ليست منوطة بالمنع وإنما بالتصنيف، لكى تضمن فقط ألا تتعرض شريحة ما من الجمهور لما يُفضَّل ألا تتعرض له. إن ذلك سوف يفتح أفاقا لحرية التعبير بما يحقق حالة من التجدد فى السينما المصرية التى باتت على أبواب الخروج من التاريخ. وفى هذا السياق أذكر ذلك القانون الشاذ بمنع التصوير فى الشارع إلا بتصريح من وزارة الداخلية، بما يذكرك بتلك اللافتة الساذجة على جدار ما: "ممنوع الاقتراب والتصوير"!! يحدث ذلك بينما يستطيع أى إنسان أن يدخل على الإنترنيت ليرى صور الأقمار الاصطناعية للشارع الذى يسكن فيه، لكن ضريبة هذا القانون المتخلف والمجحف تقع على عاتق الفنان السينمائى الذى يمكن لأى عسكرى أن يصادر كاميرته أو حتى يكسرها، وهو ما يفسر لك على سبيل المثال كيف أن الفيلم التسجيلى والقصير ماتا فى مصر (أو على الأقل أصبحا كالمومياء المحنطة)، بينما هما فى حالة ازدهار فى العالم كله.
6- تقام المهرجانات السينمائية فى دول العالم الجادة (ودعك من تلك المهرجانات التهريجية فى دول لا تجد ما تفعله بأموالها، وعلى رأى المثل المصرى: "اللى معاه قرش محيره، يشترى حمام ويطيره")، أقول تقام المهرجانات من أجل تحقيق نهضة حقيقية للسينما، لكننا ما نزال نقيم المهرجانات المحلية والعالمية دون أن نجد لها أى أثر فى صناعتنا السينمائية، مرة أخرى لأن وزارة الثقافة وحدها هى التى تقيم هذه المهرجانات بروح الموظفين فى أغلب الأحوال، أو من وجدوا لأنفسهم دورا ووجاهة وسلطة بعد أن كانوا مجرد "سكرتارية" لا يعرفون عن السينما شيئا حقيقيا. لا أدرى بحق ما هى الفائدة التى تعود على السينما المصرية من مهرجان القاهرة السينمائى مثلا: فائدة فنية؟ سياحية؟ سياسية؟ أشك، فلا نحن نشاهد أفلاما يشاهدها العالم كله (أرجو من نقادنا فى نهاية كل عام أن يراجعوا قوائم النقاد العالميين لأفضل عشرة أفلام، ويسألوا أنفسهم كم شاهدوا منها)، وعلى المستوى السياحى فقد اختار مهرجان القاهرة هذا العام إقامة برنامج خاص عن "مصر فى عيون العالم" من خلال الأفلام، فجاءت معظم هذه الأفلام المختارة من نوعية إظهار المصريين فى صورة راكبى الجمال وساكنى الخيام وأعضاء عصابات التهريب، والكومبارس الذى يجب أن يموت لكى يعيش البطل الغربى! وعلى المستوى السياسى فقد حدثت فى الآونة الأخيرة نكتة سوداء سخيفة، إذ قيل أن مهرجان أبو ظبى قد دعا منتجة بريطانية يقال (تكرار المبنى للمجهول مقصود) أنها افتخرت فى مؤتمر صحفى بجنسيتها الإسرائيلية، وعلى طريقة "قالوا له" هاج البعض وماج دون أن يتأكد أحد منا من الواقعة. قارن ذلك بواقعتين حقيقيتين هذه المرة: المخرج البريطانى الشهير مايك لى قرر إلغاء ذهابه لإسرائيل اعتراضا على مشروع "قَسَم الولاء" الذى تحاول إسرائيل فرضه على كل "سكانها" باعتبارها "دولة يهودية"، مع العلم أن مايك لى يهودى. أما الواقعة الثانية فهى الحملة الشعواء التى يتعرض لها جان لوك جودار (وهو من هو فى تاريخ السينما) من جانب وسائل الإعلام الإسرائيلية، اعتراضا منها على منحه جائزة الأوسكار القادمة عن مجمل أعماله، بتهمة "عدائه للسامية"، وهى الترجمة الإسرائيلية لمناصرة القضية الفلسطينية. ومع ذلك فإن أحدا فى مهرجان القاهرة السينمائى لم يفكر فى دعوة أى من هذين السينمائيين الكبيرين. استيقظوا يرحمكم الله!!
7- أخيرا: هل من مستقبل؟ لا أجد هذا المستقبل إلا فى معهد السينما، الذى شاخ بدوره بعد أن أكل الدهر عليه وشرب، وقد تخلف كثيرا عن التطورات التقنية والجمالية للسينما فى العالم كله، وأصبح الالتحاق به مرهونا بعوامل ليس من بينها الموهبة والقدرة، مع أنهما الشرطان الأساسيان وربما الوحيدان للتقدم فى أى مجال على الإطلاق (ولعل ذلك يفسر لك التخلف الذى نعانيه الآن فى جميع المجالات). وليس هناك من حل إلا ثورة حقيقية فيه، ليس فقط على مستوى "العِدد والآلات" كما يتصور البعض، وإنما عن طريق مناهج دراسية نظرية وعملية متطورة بحق، وضرورة (أكرر: ضرورة) الاستعانة بكبار صناع السينما فى العالم، واستقدامهم كأساتذة يتولى كل منهم دفعة بأكملها منذ التحاقها وحتى تخرجها، مع إرسال بعثات جادة لمراكز صناعة وتدريس السينما فى البلدان المتقدمة فى هذا المجال.
عزيزى القارئ، هناك الكثير لنصنعه فى هذا المجال، وقد لا يملك المسئولون الحاليون الإرادة أو حتى الرغبة فى تحقيق أى شىء، لكن كما فى كل أمور الحياة لابد أن يدافع أصحاب المصلحة عن مستقبلهم، فهذا الجيل الشائخ الشائه سوف يزول قريبا، ولا يجب أن نترك أمورنا فى أيدى ورثة هذا الجيل الذين سوف يجعلون هذه الشيخوخة المشوهة علامة على مصر فى أدنى مراحل تحللها فى التاريخ المعاصر. هل نريد سينما أفضل، ووطنا أكثر جمالا وعدلا؟ المشوار طويل نعم، لكن إما هذا أو الرضا بالموت ونحن على قيد الحياة!!

Saturday, November 20, 2010

الدراما التاريخية: حقيقة مجردة، أم وجهة نظر فنية وسياسية؟

بقدر ما تمثل الدراما التاريخية، خاصة في المسلسلات التليفزيونية، إغراء كبيرا لصناع العمل، فإنها تشكل أيضا اختبارا حقيقيا لهم على مستوى الفن والتاريخ معا، كما أنها تحتاج منهم إلى فض اشتباك لا مفر منه بين الحقيقة التاريخية والإبداع الفني. ولعل المأزق الأساسي في كل هذا هو أن المتفرج سوف يأخذ العمل الفني التاريخي على أنه "التاريخ"، خاصة فيما يتعلق بشخصيات وفترات تبعد عن زماننا بفترة طويلة، ولا نملك لها وثائق مؤكدة حول كيف كانت تبدو في الحقيقة، وليس غريبا في هذا السياق أن يتصور معظم المتفرجين أن صلاح الدين الأيوبي يشبه أحمد مظهر في فيلم يوسف شاهين، كما أن من المؤكد أن المتفرج الغربي سوف يتصور أن فرعون مصر في عهد النبي موسى هو يول براينر، مثلما بدا في فيلم "الوصايا العشر" للمخرج الأمريكي سيسيل دي ميل!!
إن ذلك يشير على نحو ما إلى أن للدراما التاريخية سحرها وأهميتها بالنسسبة للمتفرج، لذلك فنحن لا نذهب بعيدا حين نقول أن الدراما التاريخية لا يتم صنعها لمجرد الإبهار الإنتاجي فقط، لكن قد تدخل عوامل أخرى قد يكون العامل السياسي أهمها، وليس ببعيد عنا أفلام هوليوود التي تصور "وقائع" الحرب العالمية الثانية، وبالطبع فإنك لن تتوقع أن أمريكا سوف تقول "الحقيقة" المجردة بشأن هذه الحرب، وأسبابها ونتائجها، لكنها بالتأكيد سوف تصور ذلك كله من خلال "وجهة النظر" السياسية الأمريكية في فترة محددة يكون مطلوبا فيها تحقيق تأثير بعينه في وجدان المتفرج، داخل أمريكا وخارجها على السواء.
وربما كانت كلمة السر هنا هي "وجهة النظر": إنك عندما تنظر إلى مكعب مثلا فإن إدراكك له سوف يعتمد تماما على الزاوية التي تنظر منها تجاهه، إنك قد تراه مجرد شكل مربع إذا نظرت له من الأمام، وهو متوازي أضلاع من زاوية مائلة قليلا، لكنك لن تدرك أن له "حجما" في الفراغ إلا إذا درت حوله لتكتشف أن له سطوحا ستة. هذا هو ما يحدث أيضا مع التاريخ (أو بالأحرى كل حقائق الحياة)، إنك تحتاج إلى منظور صحيح لكي تراه على نحو صحيح، وإن كان ذلك مرهونا أيضا بالواقف المسبقة لمن يرى، وبأهدافه السياسية، وبطريقة تعبيره عن رؤيته لهذا التاريخ، لذلك فإن حدثا تاريخيا واحدا قد يأخذ أشكالا عديدة في تجسيده، وإذا كان ذلك يحدث في دراسات المؤرخين الذين يختلفون حول حدث تاريخي واحد، فما بالك بالفنانين الذين يصنعون من هذا الحدث عملا فنيا، فهم – بوعي أو بدون وعي – سوف يلونون هذا التاريخ ليس فقط برؤيتهم، وإنما أيضا بقصور رؤيتهم في بعض الأحيان، عندما لا يبحثون في التاريخ عن "الحقيقة" وإنما يتخذونه ذريعة للإبهار، فتحدث الكارثة عندما يصبح التاريخ ضحية للفن، أو قل ضحية للضحالة الفنية والإبداعية.
دعنا نتخيل أن فنانا ما قد قرر أن يصنع عملا فنيا عن شخصية تاريخية أو حدث تاريخي: السؤال الأول هنا هو لماذا هذا الحدث أو تلك الشخصية بالتحديد؟ وبقدر جدية الفنان سوف تتفاوت الإجابات تفاوتا هائلا، ولدينا أمثلة راهنة نشاهدها الآن على شاشات فضائياتنا توضح تماما هذا التفاوت. إليك مثلا مسلسل "سقوط الخلافة"، إن الدافع – الظاهر على الأقل – وراء اختيار فترة اضمحلال الدولة العثمانية حتى سقوطها هو ما يبدو أن هناك تشابها ما بين هذه الحقبة التاريخية والفترة الراهنة: أمة تقف في مفترق الطرق، بين التمسك بالماضي والقفز إلى مستقبل ما يزال لم يتشكل بعد، في نفس الوقت الذي تتربص به قوى معادية لا تنتظر فقط أن يحدث هذا السقوط بل إنها تعمل جاهدة على أن يقع وشيكا وبشكل مؤكد. وهذا التشابه بين التاريخ والحاضر يذكرنا بعمل تليفزيوني كان رائدا حين ظهر في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وهو "ليلة سقوط غرناطة"، الذي صنع توازيا عميق الدلالة بين اضمحلال الإمارات الأندلسية وبين الاستسلام المخزي المعاصر أمام العدو الصهيوني، وهو الاستسلام الذي ما نزال نحصد ثماره المريرة حتى اليوم.
لكن السبب وراء اختيار التاريخ ذريعة لعمل درامي قد يكون هزيلا – أو حتى هازلا – تماما، مثلما هو الحال مع مسلسل "ملكة في المنفى"، الذي تكمل به نادية الجندي "ملاحمها" عن "النساء" القويات في تاريخ مصر المعاصر، وكلهن تتبعن مواصفات واحدة تريد أن تتماهى نادية الجندي معها، بصرف النظر عن أي صدق تاريخي، أو حتى بصرف النظر عن الأهمية الحقيقية للشخصيات التي تختارها، فقد سبق لها مثلا أن قدمت الراقصة حكمت فهمي (وهي راقصة شبه مجهولة حتى على المستوى الفني!) باعتبارها حجر الزاوية في أحداث غيرت مجرى وقائع الحرب العالمية الثانية، كما جسدت من قبل أيضا سيدة تدعى ناهد رشاد لها صلات بالشرطة السرية التي أنشأها الملك فاروق، لكن نادية الجندي جعلتها عضوا مؤسسا في تنظيم الضباط الأحرار الذي قام بثورة يوليو!!
إنها تستمر في "ملكة في المنفى" في نفس الطريق، ولعلك قد لاحظت كيف تتبختر نادية الجندي – ولا نقول الملكة نازلي البطلة الدرامية للمسلسل – في أفخر الثياب وأثقل أنواع الماكياج وتنظر للجميع نظرة استعلاء (إنها النظرة التي لا تتخلى هنا نادية الجندي في كل أعمالها، وتحتاج إلى تحليل من نوع ما). وعندما تتحدث نازلي عن "الثمن الذي دفعته مقابل تاج الشوك"، وما يعتمل في النفس من الألم والعذاب والوحدة، فإنك تكاد أن تسمع الممثلة كأنها تتحدث عن نفسها في لقاء تليفزيوني، وهي بالفعل كانت قد كررت تلك التعبيرات ذاتها في أحاديثها الصحفية كثيرا. مثل هذا العمل إذن يُفصِّل التاريخ على مقاس النجمة، وهو لا يجعلها بطلة "درامية" تعيش صراعا داخليا وخارجيا، لكنه يصنع منها بطلة "ميلودرامية" تمثل الخير المطلق، فهي الضحية الجميلة النبيلة بين أنياب الوحوش، وكم كان مضحكا تصوير الملك فؤاد، في ليلة زفافهما، كأنه الشيطان مجسدا، بثيابه الحمراء والإضاءة الحادة من زاوية منخفضة، حتى أنه يغتصبها اغتصابا، وهو أمر لا ندري من أين استقى صناع المسلسل مصدره، ومن كان منهم في غرفة النوم؟!!
وقريبا من هذه المعالجة التي تقع في تحويل الشخصية الرئيسية إلى ملاك، تتصدر وحدها الدراما بينما تحول كل الآخرين إلى شياطين أو "كومبارس"، يأتي مسلسل "كليوباترا" الذي جعل من بطلته قديسة رومانسية بكل معنى الكلمة، وهو بذلك يتجاهل تماما أن دورها في التاريخ اعتمد على المؤامرات والتحالفات المشبوهة، وأن تلك الفترة شهدت صراعا دمويا على السلطة والسلطان، انتصرت فيها كليوباترا لفترة لكنها انتهت بهزيمة منكرة، وكانت مصر والشعب المصري هما آخر ما يفكر فيه المتصارعون، بل كان هما "الغنيمة" التي ينتظر من ينتصر أن يمتص دماءها.
السبب الثالث لاختيار التاريخ محورا لعمل درامي هو "الانحياز" المسبق إلى وجهة نظر، كما يبدو في مسلسل "الجماعة"، الذي يأتي في إطار صراعات سياسية تشهدها مصر في الفترة الأخيرة، خاصة أن هناك انتخابات تشريعية على الأبواب. يحكي المسلسل وقائع تاريخ قريب، وهو يبدأ من الأقرب ليعود إلى الأبعد، وبذلك يلون العمل كله بوجهة نظر جاهزة. تسود في الأوساط السياسية المصرية الآن فكرة أن الصراع الرئيسي يدور بين النظام الحاكم من جانب وجماعة الإخوان المسلمين من جانب آخر، وبرغم أن هناك شبه اتفاق بين مختلف الرؤى حول سلبيات النظام السائد، فإن هناك ميلا لدى بعض الأطراف لتصوير جماعة الإخوان المسلمين على أنهم أكثر خطرا من النظام الراهن، لذلك فإنك سوف تختار دون وعي أن تقبل سلبيات النظام!! ولسنا هنا في مجال المفاضلة بين هذين الطرفين (وكأنه ليس هناك من بديل سواهما!!)، لكن تلك الرؤية السياسية الجاهزة والصريحة، بل المسطحة أيضا، صبغت العمل كله بقدر من السذاجة الفنية، ولك أن تتصور أن الرغبة في تصوير أبناء النظام كملائكة قد جعلت في مركز الدراما "وكيل نيابة" بريئا تماما، حتى أنه لا يعلم شيئا عن الإخوان المسلمين الذين يحقق بشأنهم، وهي حيلة فنية باهتة تماما لكي يستمع بطلنا إلى حكاية "الجماعة" (ونسمع نحن معه أيضا) وحكاية تاريخها، فيعود المسلسل في "فلاش باك" طويل إلى بدايات تكوينها. ولا حاجة للقول بأن أبسط القواعد هي أن يكون رجال السلطة في مثل هذه الأمور قد تلقوا تعليما طويلا ومكثفا حول "الجماعات" التي يواجهونها، بما لا يضطرهم أبدا لاستقاء معلوماتهم من متهمين عابرين.
لم ينجُ مسلسل "الجماعة" أيضا من كل "الكليشيهات" التقليدية في تصوير "الأشرار" من وجهة نظر صانعي العمل، فأعضاء الجماعة أقرب إلى عصابات "المافيا" أو الجماعات الماسونية، وهو كعادة الدراما المصرية تجهلهم يتحدثون بالفصحى في حياتهم اليومية وكأنهم قد خرجوا لتوهم من إحدى المسلسلات الدينية بالغة التقليدية. ومن هذه المسلسلات يأتي "رايات الحق"، الذي يتناول الفترة اللاحقة على وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وهي فترة حافلة بالدراما بمعناها العميق، لكن المسلسل توقف عند من حاولوا تقويض ما أضافته النبوة إلى أمة العرب من القوة والوحدة، وغلبت المعالجة التقليدية على تصوير هؤلاء، في شكلهم وطريقة حديثهم وحركاتهم، فخلا المسلسل تماما من أي جديد قد يجذب المتفرج للاقتراب من هذه الفترة التاريخية المهمة.
المفارقة هنا – والتي قد تلقي ضوءا كاشفا أيضا على المعالجات الدرامية للتاريخ – هي أن هناك العديد من المصادر التاريخية التي تناولت هذه الفترة، ومن مختلف المناهج ووجهات النظر، لكن برغم أنها فترة حافلة بالكتابات الجادة فإنه يبدو أن صناع العمل اكتفوا بأبسط هذه المصادر، بينما كان اعتمادهم الأكبر على الأعمال الدرامية السابقة، وهي طريقة يمكنك أن تسميها – للأسف الشديد – نظرية "التوالد الذاتي"، فيصبح التقليد هو القاعدة: المؤمنون يرتدون ثيابا بيضاء، ويتحدثون بهدوء واطمئنان، وتبدو على محياهم ملامح الجمال، بينما "الكفار" على العكس تماما، إنها المعالجة الهوليوودية للبطل الطيب والخصم الشرير، وقد تصلح هذه المعالجة في الميلودراما أو الترفيه الخفيف، لكنها لا يمكن أن تكون أساسا لمعالجة درامية ناضجة للتاريخ.
أنت إذن في الدراما التاريخية أمام أركان أساسية لتُقيم دعائم عمل مقنع وراقٍ، أولها هو المصدر الذي يجب أن يكون موثوقا به، أو قل بالأحرى العديد من المصادر التي قد تختلف في مناهجها لكنها معا سوف تساعدك على تكوين وجهة نظر أقرب إلى الصدق التاريخي، وقد تستطيع أيضا أن تعود في هذا المجال إلى أهل الاختصاص حتى يكون هذا المستوى الأول من الصدق متحققا. لكن المستوى الثاني لا يقل أهمية، وهو ما يتعلق بالصدق الفني، الذي لا ينفصل عما يطلق عليه في فلسفة الفن "القصد الفني"، وببساطة فإن هذا الصدق يعكس ما تريد أن تقول من معالجتك لمادة تاريخية. هناك في مسلسل نادية الجندي "ملكة في المنفى" مشهد أثار ألمي بعمق، لقد أراد المسلسل أن يجعل من بطلته ضحية، وأتبع مشهد زفافها (اغتصابا) ببيرم التونسي وهو يلقي قصيدته المشهورة عن زواجها المشبوه من الملك فؤاد، ليبدو بيرم كاذبا وضيعا، وهو ما يتناقض مع الحقيقة التاريخية تماما، أي أنه يمكنك ببساطة أن تقول أن المسلسل أراد أن ينقذ بطلته "بالعافية"، فلم يجد أمامه إلا أن يضحي بالتاريخ!!

Thursday, November 18, 2010

فيلم "سلطة بلدى"

عندما تخفى النزعة الإنسانية المواقف السياسية الملتبسة

على مدار ساعتين كاملتين، تلقى إليك المخرجة نادية كامل فى فيلمها التسجيلى "سلطة بلدى" بعشرات الأسئلة، التى تتلاقى أحيانا وتتباعد أحيانا أخرى، وإذا كان المفهوم الشائع فى الفن – وإن لم يكن مفهوما دقيقا تماما لكننا سنصرف النظر عن دقته الآن – هو أن وظيفة العمل الفنى هى طرح التساؤلات وليس تقديم الإجابات، فإن هذا يبرر لصانعة الفيلم أن تطرح الأسئلة التى تؤرقها، لكن هناك فى الحقيقة عدة أنواع من الأسئلة التى تؤرق أى إنسان، مثل الأسئلة التى تمثل قلقا شخصيا للفنان وقد يحلو له أن يبثها إلى أصدقاءه فى جلساته الخاصة، لكن مادام قد قرر أن يصوغ من هذا القلق عملا فنيا مثلما فعلت نادية كامل فى فيلمها "سلطة بلدى" فلابد أنها تريد توصيل "رسالة" ما إلى أكبر قطاع من المتلقين ليشاركوها هذا القلق، وهنا لابد أن نتساءل بدورنا عن الرسالة التى كانت تفكر فيها وهى تصنع "سلطة بلدى"، وإن كنت فى البداية أؤكد (كل التأكيد) على أنه ليس لدى كاتب هذه السطور أية نية لتوجيه تهمة أو شبهة "التطبيع" لصانعة الفيلم على النحو المتعجل الذى قام به العديد من النقاد، بسبب أن الجزء الأكبر من الفيلم يتحدث عن السيدة نائلة كامل، أم المخرجة، التى تربطها قرابة الدم ببعض اليهود فى "إسرائيل"، وقامت بالفعل بزيارتهم وقد قاربت أعمار الطرفين على الانتهاء، كأنها رحلة وداع، وهو كما ترى سؤال "إنسانى" يتعمد الابتعاد عن البعد السياسى، بما يذكرك بإنسانية الفيلم الإسرائيلى "زيارة الفرقة" وإن كان فى "سلطة بلدى" أكثر "ميلودرامية" وتشوشا وأقل رهافة ونعومة.
هو فى الحقيقة سؤال أقرب إلى الصدمة، لكن أرجو أن يتحملنى القارئ لبعض الوقت لو ذهبت إلى مدى أبعد فى صدمته، وهى أياً منا لا يستطيع أن يؤكد على وجه اليقين أنه ليس له أقارب من اليهود، بل إن من المؤكد أنه قد حدثت عبر التاريخ تحولات فى معتقدات البشر، فقد يكون لى من بين أسلافى أو أسلافك من كان مسيحيا أو يهوديا أو حتى وثنيا، وربما يكتشف المرء منا أن هناك لعائلته فرعا ينتمى لديانة أخرى، ولعل مصر – تلك البوتقة الجغرافية والتاريخية – هى الدليل الأكبر على هذا التمازج، وليس غريبا أن تجد عائلتين مصريتين مسلمة ومسيحية تتشاركان فى نفس اللقب والجذور، وليس غريبا أيضا أن تجد فى فيلم "سلطة بلدى" ذلك الاختلاط بين الأديان والجنسيات (ولا نقول الأجناس أو الأعراق)، ففى عائلة المخرجة نادية كامل أبناء وبنات عمومة ينحدرون من أصول قوقازية مسلمة، وأخوال ينحدرون من جذور مسيحية إيطالية ويهودية تركية روسية، بل إن هناك الطفل نبيل، ابن شقيقة المخرجة، فلسطينى الأب، مصرى الأم، إيطالى الجدة، وهو يذهب فى بداية الفيلم لصلاة العيد للمرة الأولى حائرا وكأنه يبحث عن هوية، وفى مشاهد لاحقة يقف أمام قبر جده اليهودى إيلى روزينتال متمتما، فلا نعرف إن كان يقرأ له "الفاتحة" أو بأى دعاء يلهج به لسانه وقلبه البريئان.
هذا الطفل "نبيل على شعث" هو النموذج الأمثل على "السَلَطة المصرية البلدى"، وقد كان من الممكن أن يكون "البؤرة الدرامية" للفيلم التى تدور حولها العديد من الخطوط السياسية المتقاطعة والمهمة، من بينها – على سبيل المثال – أنه لا يحمل جواز سفر أو جنسية لأنه فلسطينى الأب بعد أن ضاعت فلسطين، وفى الوقت الذى تعجز فيه الأنظمة العربية عن استرجاع فلسطين فإنها تنكر على فلسطينيى الشتات (إن جاز التعبير) أن تكون لهم هويتهم المحددة. لكن الأهم فى هذا الطفل (بخلطة و"سلَطَة" جذوره الإنسانية) أنه التأكيد الحى (الذى أضاعته المخرجة للأسف سهوا أو عمدا) على زيف النزعة السياسية الصهيونية، والتى تقوم على أكذوبة "نقاء العنصر"، وهى الأكذوبة التى ينسفها وجود نبيل نسفا.
دعنا ياقارئى العزيز نتوقف عند هذه الأكذوبة قليلا، فعلى أساسها قام الكيان الصهيونى، بذريعة أنه يضم "اليهود" فى دولة واحدة، وكأن الدين اليهودى قومية تجمع شعبا نقى العنصر، وهو الخطأ القاتل الذى نقع فيه نحن أيضا عندما نتحدث عن الصراع بين "اليهود" و"العرب"، فاليهودية "دين" والعروبة "قومية" ولا مجال للصراع أو حتى المقارنة بينهما، بل إن هناك دراسات عديدة لكتاب من "اليهود العرب" أو ذوى الأصول العربية تشير إلى الحقيقة التى لم يلمسها – للأسف – فيلم "سلطة بلدى" ولو من بعيد، وهى الحقيقة التى تشير إلى أن إسرائيل ليست إلا كيانا استعماريا غربيا، لم يسرق الوطن الفلسطينى فقط، لكنه طمس وقمع الهوية والتاريخ العربيين لليهود العراقيين واليمنيين والمغاربة، أو كما تقول إيللا حبيبة شوحاط أستاذة الدراسات الاجتماعية فى جامعة نيويورك: "إن التعارض بين اليهودية والعروبة ليس إلا وجهة نظر أوروبية، ونحن – كيهود عرب – كنا نتحدث العربية وليس اليديشية، وعبر ألف عام كان إبداعنا الثقافى باللغة العربية... وإنك لو ذهبت حتى اليوم إلى معابدنا فى نيويورك أو مونتريال أو باريس أو لندن فسوف يدهشك أن تسمع فى تراتيلنا نغمة "الربع تون" حتى يخيل لك أنها تنبعث من مسجد... لقد انتزعت إسرائيل منا – نحن اليهود العرب – تاريخنا... وأصبح مصطلح "شعب واحد" ذريعة لكى يجبرونا على التخلى عن ذاكرتنا العربية التى تكونت عبر مايزيد على ألف عام وقبل أن تكون هناك دولة اسمها إسرائيل".
فى سياق آخر يكتب نعيم جيلادى، اليهودى الأمريكى من أصول عراقية الذى تخلى عن جنسيته الإسرائيلية، أن "يهود البلدان الإسلامية لم يهاجروا طوعا إلى إسرائيل لكنهم أجبروا على ذلك... واستخدمت طريقتان مع اليهود العراقيين للرحيل إلى إسرائيل: الخداع أو الإرهاب، فاليهود غير المتعلمين خدعهم الحديث عن أن إسرائيل هى أرض الميعاد والجنة التى يبصر فيها الأعمى ويسير الكسيح، أما اليهود المتعلمون فقد قام الصهاينة بإرهابهم بإلقاء القنابل على ممتلكاتهم وأماكن تجمعهم".
الصهيونية إذن لم تجمع "اليهود" فى سلتها النظرية المصطنعة إلا لسبب سياسى استعمارى، بينما هى تميز فى طياتها وممارساتها بين اليهود الشرقيين (واليهود العرب من بينهم) لتجعلهم أدنى من اليهود الغربيين بما يتنافى مع الزعم بنية إقامة "دولة يهودية". وإذا كان فيلم "سلطة بلدى" يلمِّح إلى "إنسانية" زيارة السيدة المناضلة نائلة كامل، زوجة المناضل اليسارى سعد كامل، المولودة فى مصر لأب يهودى تركى روسى وأم مسيحية إيطالية، والتى قد أصبحت مصرية تماما وتحلف "والنبى والنبى"، إذا كان الفيلم يلمِّح إلى إنسانية زيارتها لأبناء عمومتها اليهود فى "إسرائيل"، فإن من الغريب أنها تصفهم صانعة الفيلم بمجرد كونهم "يهودا" ولا تذكر شيئا مطلقا عن كونهم "صهاينة"، حتى أنها لم تذكر لنا كلمة واحدة، واحدة فقط، عن "نضال" هذه الأم الجليلة ضد الصهيونية وفضح زيفها ونزعتها الاستعمارية، مثلما فعل غيرها من المناضلين اليهود المصريين اليساريين مثل يوسف درويش وشحاتة هارون اللذين خاضا هذه المعركة على طريقة القديسين الشهداء.
إن ذلك يثير المرارة من جانب المتفرج لأن المخرجة تبدو كما لو كانت تتخلى فى نزق – بذريعة النظرة الإنسانية الأكثر رحابة - عن نضال الجيل السابق (لعل هذا يشير – للأسف - إلى عوامل تآكل وتشوه المفاهيم السياسية لدى شريحة المثقفين المصريين من الأجيال اللاحقة)، فالكيان الصهيونى كما يبدو فى الفيلم قائم وانتهى الأمر ولا حيلة لنا إلا التعامل معه، والمواطنون اليهود الإسرائيليون فى الفيلم غير مسئولين عن قرارات وتصرفات الحكومة الإسرائيلية، بينما تتناسى المخرجة أنهم اختاروا الصهيونية مذهبا سياسيا وعلما ونشيدا "قوميا"، كما لا تذكر أو تتذكر أن الصهيونية – وليس العروبة أبدا – هى التى تقوم على التمييز الدينى بين اليهود والأغيار، وأن إسرائيل هى النموذج السرطانى لكل النزعات العنصرية التى تميز بين البشر على أساس دينى، وأن الصهيونية تقوم على خرافة وجود "عرق يهودى" وهى أول من تعلم بزيف هذه الخرافة، كما تنكرها كل الدراسات الجادة بدءا من جمال حمدان وانتهاء بتروتسكى الذى رأى أن الصهيونية "تحالف عنصرى أعمى وفخ دموى لعين"، أو الفيلسوف اليهودى رافاييل كوهين الذى يؤكد أن "الصهيونية فى جوهرها تتبنى نفس الأيديولوجيا النازية لكنها تصل إلى نتائج مختلفة، فبدلا من تفوق العنصر الآرى يصبح اليهود هم الجنس الأرقى".
لكن فيلم "سلطة بلدى" - خاصة فى مشاهد البداية وتركيزه على خطبة العيد التى تهاجم "اليهود" – يلقى بتهمة التطرف والتمييز الدينى علينا، وينسى أن كل حركات التطرف الإسلامى هى تاريخيا رد فعل لاحق على الصهيونية، وأن وجود "الدولة اليهودية" لن يفرز إلا مزيدا من النزعة المضادة التى تدعو لإقامة "دولة إسلامية". وخلال الساعتين اللتين يستغرقهما عرض الفيلم تجد نفسك فى "سلطة بلدى" غارقا فى بحر من الأفكار المشوشة داخل كيان فنى مشتت، لذلك لا تجد مناصا من أن تقوم بنفسك بفرز تلك الأفكار المتناقضة. إنك على سبيل المثال (وإن لم يذكر لك الفيلم أية تفاصيل كانت ضرورية لإلقاء الضوء على موقف الجيل السابق تجاه الكيان الصهيونى) تقدر كل التقدير نضال سعد كامل ورفيقة حياته نائلة كامل، كما أنك تتعاطف أو حتى تعشق الطفل نبيل شعث الحائر فى البحث عن هوية فى وطن عربى ممزق. لكننى لا أستطيع تجاه "ابن عمى" اليهودى العربى الذى ارتضى إسرائيل وطنا أن أتعاطف معه وأذهب لزيارته لمجرد أنه يحب أن يستمع إلى أم كلثوم كل يوم، فهو الذى اختار أن ينضوى تحت راية نظام معادٍ للإنسانية. فنحن نرفض الصهيونية والاعتراف تحت أى ذريعة بدولة "إسرائيل، ليس من منطلق أننا مصريون أو عرب أو مسلمون ومسيحيون وجدنا أنفسنا طرفا فى صراع فرضته علينا حركة استعمارية غربية تحت شعار مزعوم (أكرر: مزعوم) بالبحث عن حل لما يسمى "المسألة اليهودية"، وإنما نرفض الصهيونية حتى لو كانت فى بلاد واق الواق، الآن وغدا وبعد مئات الأعوام، لأنها إحدى أكثر الضلالات الإنسانية خطرا، فهى لا تعادى العروبة أو الإسلام وإنما تعادى "الإنسان" بجوهرها العنصرى الذى يميز بين اليهودى وغير اليهودى، كما تميز بين اليهودى الغربى واليهودى الشرقى، على نحو لا يختلف مطلقا عن النازية وكل النزعات العنصرية البغيضة الأخرى.
يذكرنى اسم الفيلم "سلطة بلدى" ببضع سطور من رواية لليهودى يمنى الأصل يوسف تزويل، الذى يحكى عن هجرة أسرته خلال مراهقته إلى إسرائيل، وانتزاعهم دار أسرة فلسطينية، لم يبق منها إلا رجل وحيد... "كان يزرع فى الحقل المحيط بالدار بعض الخضروات، يعطينا بعضها ويحتفظ بالباقى، وإن "السَلَطة" التى أكلتها من هذه الخضروات، التى تنتمى إلى هذه العائلة الفلسطينية، تركت فى روحى ندوبا لا يمكن محوها، لذلك ظللت دائما غريبا عن هذه الدار المغتصبة". وربما كان من المثير للأسى أن تقرأ هذه الحقائق المريرة عند كُتَّاب ربما كانوا أكثر عرضة للتعاطف مع أسطورة "الدولة اليهودية"، لكنك تجد هذه الحقائق عندهم بوضوح، بينما تفتقدها فى فيلم "سلطة بلدى" لأنه تصور أنه ينادى بنزعة "إنسانية" وهو يتحدث عن كيان لا علاقة له بالإنسانية فى فلسفته أو ممارساته. مرة أخرى وبوضوح كامل، لو كان الفيلم يسألنى عن إمكانية زيارة "ابن عمى" اليهودى العربى فى "إسرائيل" فإننى أرفض على نحو قاطع الذهاب إليه فى الكيان الصهيونى، لكننى أرحب به إذا رفض هذا الكيان وعاد إلى جذوره العربية، أما اليهود الأوربيون فإن عليهم فى نهاية المطاف أن يبحثوا عن حل لمشكلاتهم فى الأوطان التى جاءوا منها، وأن يلتهموا كما يشاءون "سَلَطة بلادهم" أما "سَلَطة بلدى" فهى لنا، المسلمين والمسيحيين واليهود العرب، فى دولة فلسطينية ديموقراطية تجسد بحق الروح الإنسانية فى أرقى تجلياتها.

Wednesday, November 17, 2010

هل حقا هؤلاء هم "أهل كايرو"؟

للأعمال الفنية البوليسية سحر خاص لدى المتلقي، سواء كانت رواية تُقرأ، أو عملا دراميا تم تنفيذه بالوسائط البصرية السمعية مثل السينما والتليفزيون، إذ يبدا العمل عادة بعرض بعض الشخصيات والعلاقات، وفجأة تحدث جريمة غامضة، ليتلخص العمل كله بعد ذلك فى كلمة واحدة: من الذي ارتكب الجريمة؟ وفي الطريق نحو هذا الاكتشاف، الذي يأتي دائما في الصفحات أو المشاهد الأخيرة، تتوزع الاتهامات بين هذا وذاك، وكلما شعرت أنك اقتربت من المجرم الحقيقي أدركت أنك تزداد عنه ابتعادا، وعندما يحين أوان الكشف عن المجرم تأتي المفاجأة، إذ يكون هو أبعد الشخصيات عن الشك، ولكن ... لكننا سوف نترك هذه الـ"لكن" إلى نهاية المقال!
هذا هو السر في النجاح الجماهيري للمسلسل الدرامي البوليسي "أهل كايرو"، الذي كتبه بلال فضل وأخرجه محمد علي، لأن هذا النوع من الدراما كاد أن يختفي من على شاشة التليفزيونات والفضائيات العربية، برغم أن له مساحة ثابتة ومكانة مهمة في الدراما التليفزيونية في العالم كله، وهو ما تستطيع أن تتأكد منه إذا استطعت أن تفلت من مسلسلاتنا ذات مرة، لتتفرج على المسلسل الأمريكي "24" مثلا، غير أن أعمالنا التليفزيونية الدرامية تمضي دائما في "الموضة" السائدة، تارة مسلسلات سيرة حياة المشاهير، أو الأحياء العشوائية، أو كوميديا الموقف شديدة التواضع في شكلها ومضمونها.
جاء إذن "أهل كايرو" ليخرج عن المألوف في شكله، لكن السؤال هو إذا ما كان قد شق لنفسه طريقا جديدا في المضمون أيضا، وهذا ما سوف نحاول الإجابة عليه. الخط الدرامي هنا شديد البساطة، والتعقيد الظاهر ليس إلا مناورة من صناع المسلسل لتحقيق بعض الأهداف التي تبدو مشروعة من الناحية الفنية، حيث يصبح "التشويق" هو السمة الرئيسية. في البؤرة الدرامية هناك شخصية تدعى صافي سليم (رانيا يوسف)، يقال أنها سيدة مجتمع، وهي الصفة التي يحاول المسلسل بها الإيحاء بأنها اتخذت طرقا ملتوية في رحلة صعودها من حضيض الفقر إلى قمة الثراء والوجاهة الاجتماعية.
يقول المسلسل في نهاية الحلقات أن هناك من حولك في حياتك اليومية عشرات من أمثال هذه الشخصية، وهو تلميح إلى أن الصعود الاجتماعي يحدث في "القاهرة" الآن من خلال الطرق غير المشروعة، وهذا جانب آخر من جوانب التشويق، إذ توجد "توليفة" من الجريمة والسياسة، لكن صناع المسلسل لن يتطرقوا بالطبع لأي جرائم سياسية سوى بنوع من "التلسين" الذي اشتهر به الأدب والفن المصريين في الآونة الأخيرة. ولأن صافي سليم في رحلة صعودها التقت بالعديد من الشخصيات، فسوف يتجمعون في ليلة زواجها (وهي التي تزوجت مرات عديدة سابقة) في حفل الزفاف بفندق فاخر، وهو ما تلخصه لك جملة من الحوار تأتي على لسان إحدى الشخصيات: "نجوم سياسة على فن على دين على بيزينيس على كورة".
إذن هؤلاء هم "أهل كايرو" كما يراهم صناع العمل (أرجو أن تلتفت إلى استخدام كلمة "كايرو" بما يذكرك بأحد مونولوجات شكوكو!)، لكن هناك جانبا آخر يشير له العمل كلما تذكره، أو بالأحرى أنه ينساه متعمدا لكي يجعلك تنساه، هذا الجانب هو الحي الفقير الذي ولدت فيه صافي سليم قبل أن تغير اسمها، تاركة وراءها شقيقة وأبا، بينما رحلت دون عودة مع الأم والشقيق، وهنا يتعمد المسلسل أيضا أن يتجاهل تماما الحديث عن أسباب انقسام أفراد العائلة على هذا النحو، لكنه سوف يكشف لك السر في حلقته الأخيرة.
قررت صافي أخيرا أن تتزوج من طبيب جراح مشهور يدعى شريف راسخ (زكي فطين عبد الوهاب)، عاد من أمريكا بعد سنوات من الغربة ليستقر في مصر لحنينه إليها، فهكذا نقرأ على الشاشة في عبارات مكتوبة (مع تثبيت الصورة) على طريقة بعض الأفلام الأمريكية المعاصرة، وهو الأسلوب الذي سوف يتبناه العمل مع العديد من الشخصيات حتى العابرة منها، والتي لن يفيدك أن تعرف عنها شيئا، مثل منظم الأفراح أو زوج الشقيقة، أو حتى شخصية رئيس تحرير جريدة يستخدمه المسلسل في البداية لإثارة بعض السخريات حول من يزعمون الثورية ثم ينساه العمل تماما!! دعنا نشير هنا إلى أن المفترض أن تلك المعلومات المكتوبة صحيحة، لأنها لا تأتي على لسان إحدى الشخصيات، وإنما من وجهة نظر سارد الأحداث (وهو هنا المؤلف والمخرج معا)، الذي يعرف كل شيء عن الشخصيات لكنه يخفي بعض المعلومات حتى يصرح بها في الوقت المناسب دراميا، وهذا من أبسط قواعد التشويق، لكن من غير المتصور على الإطلاق أن هذا الراوي "يخدع" المتفرج بمعلومات سوف نعرف لاحقا أنها غير صحيحة!!
الأسلوب البوليسي هنا تلفيقي وبعيد عن صدق السرد، والعمل البوليسي الناضج ينثر المعلومات هنا وهناك بطريقة قد تفوت عليك (أو يجب أن تفوت عليك) حين تراها على نحو عابر، لكنك عندما تراجعها بعد ذلك تسأل نفسك كيف فاتت عليك، وهذا هو مصدر المتعة في العمل البوليسي، لكن أن يلقي إليك صناع المسلسل بمعلومات مغلوطة (مرة أخرى يفترض أنها موضوعية وصادقة) فإن معنى هذا أنه يلعب معك لعبة الخداع، والأدهى كما سوف نرى هو أن يحجب عنك معلومات أخرى تماما ليرميها لك في الحلقة الأخيرة.
من جانب آخر يجب أن نشير إلى أن في المسلسل عوامل فنية غطت على هذه العيوب الأسلوبية في الصياغة الدرامية، فأداء خالد الصاوي في دور ضابط المباحث حسن محفوظ اتسم بحيوية فائقة، إنه المعادل المصري تماما لشخصية البطل في سلسلة أفلام "داي هارد"، المتفاني في عمله حتى أنه ينفصل عن زوجته ابنة المسئول الكبير، ويعاني من تزمتها معه في أيام رؤيته لابنته وابنه، وهو يغطي إحساسه الإنساني المرهف بالصفات التي اكتسبها من عمله، والتي تمزج بين الصرامة و"الفهلوة" وخفة الظل ونخوة أولاد البلد. تكتمل هذه الشخصية وتتكامل مع شخصية الصحفية داليا غنيم (كندة علوش) المتخصصة في الحوادث، فبينهما علاقة عمل غريبة وطريفة معا، إنها تعتمد عليه كأحد مصادرها، وهو يعتمد عليها أحيانا في بعض أمور حياته الشخصية، مثل تسهيل رؤيته لطفليه، وهذه العلاقة تنمو لكي تصبح إحساسا عاطفيا يسري تحت السطح بما يعطي للملسلسل مسحة رومانسية رقيقة أحيانا.
من جانب آخر يمكنك أن تشعر بالأسلوب البصري المختلف الذي يتبعه المخرج محمد علي، فهناك حركة متدفقة في التصوير والمونتاج يندر أن تجدها في أعمالنا التليفزيونية، وما يؤكد عليها استخدام التصوير الخارجي في الأماكن الطبيعية للأحداث في العديد من المشاهد، ناهيك عن الكثير من التلقائية التي اتسم بها أداء معظم الممثلين، لكن هذه التلقائية تحولت أحيانا إلى الاصطناع كما يحدث مع شخصية شقيق صافي، تماما كما أن الأسلوب البصري ذي المسحة السينمائية بدا مجانيا أحيانا مثلما هو الحال مع استخدام الشاشة المنقسمة دون أن تكون لذلك ضرورة درامية، ولا تنس بالطبع الاستغراق في مشاهد الفرح لزوم تطويل الحلقات!
يمكنك أن تعد عشرات الشخصيات التي مر عليها العمل مرور الكرام، إنه يستخدمها ثم يتخلص منها كأنها أدوات "ذات الاستخدام الواحد" (!!) لمجرد أن تسمع منها وعنها بعض عبارات ساخرة، أو لإثارة الشك حول إذا ما كان أحدها هو القاتل، بدءا من الداعية الديني، ومرورا بالوزير السابق، والوزير الحالي، ورئيس التحرير الانتهازي، والمثقف الثوري على طريقة الأفلام المصرية، والذي يقول الشعر ويعلق صورة عبد الناصر ولا يحلق ذقنه أو يمشط شعره (!!)، ورجال الأعمال أصحاب السطوة والنفوذ، وصديقة قديمة لصافي أصبحت الآن سكرتيرتها، وخادمتها التي خرجت لتوها من عباءة زينات صدقي، ورجال أمن الفندق الذين تنحصر مهمتهم في أن يكونوا لسان حال المؤلف في التعليق على الشخصيات والأحداث!
في الحلقة الأخيرة، وبدون أية إشارة درامية سابقة، تحدث المفاجأة: فالأب الفقير الذي هجرته ابنته وزوجته سعيا إلى الثراء الفاحش ليس إلا وحشا آدميا، إنه كان يغتصب ابنته، وهو القاتل أيضا!! وإذا كان ذلك يمثل بدوره خداعا للمتفرج، الذي لم ولن يجد لهذه الصفة البشعة جذورا في المسلسل، فإن هذا "الحل" التلفيقي يحيل كل ما تصوره المتفرج نقدا سياسيا واجتماعيا إلى المرض النفسي الجنسي، بينما يجب على كل حديث عن مثل هذه التشوهات النفسية أن يردها إلى جذورها وأسبابها التي تكمن في الحالة الاقتصادية والسياسية المتردية للمجتمع المصري الآن، و"أهل كايرو" ليسوا أبدا هم أهل القاهرة الحقيقية، بل أهل هذه النوعية من الكتابات التي تخلط الجد بالهزل، وتضع الجاني والضحية معا في سلة واحدة، وهي سلة السخرية السوداء من أي شيء، وكل شيء.