بقدر ما تمثل الدراما التاريخية، خاصة في المسلسلات التليفزيونية، إغراء كبيرا لصناع العمل، فإنها تشكل أيضا اختبارا حقيقيا لهم على مستوى الفن والتاريخ معا، كما أنها تحتاج منهم إلى فض اشتباك لا مفر منه بين الحقيقة التاريخية والإبداع الفني. ولعل المأزق الأساسي في كل هذا هو أن المتفرج سوف يأخذ العمل الفني التاريخي على أنه "التاريخ"، خاصة فيما يتعلق بشخصيات وفترات تبعد عن زماننا بفترة طويلة، ولا نملك لها وثائق مؤكدة حول كيف كانت تبدو في الحقيقة، وليس غريبا في هذا السياق أن يتصور معظم المتفرجين أن صلاح الدين الأيوبي يشبه أحمد مظهر في فيلم يوسف شاهين، كما أن من المؤكد أن المتفرج الغربي سوف يتصور أن فرعون مصر في عهد النبي موسى هو يول براينر، مثلما بدا في فيلم "الوصايا العشر" للمخرج الأمريكي سيسيل دي ميل!!
إن ذلك يشير على نحو ما إلى أن للدراما التاريخية سحرها وأهميتها بالنسسبة للمتفرج، لذلك فنحن لا نذهب بعيدا حين نقول أن الدراما التاريخية لا يتم صنعها لمجرد الإبهار الإنتاجي فقط، لكن قد تدخل عوامل أخرى قد يكون العامل السياسي أهمها، وليس ببعيد عنا أفلام هوليوود التي تصور "وقائع" الحرب العالمية الثانية، وبالطبع فإنك لن تتوقع أن أمريكا سوف تقول "الحقيقة" المجردة بشأن هذه الحرب، وأسبابها ونتائجها، لكنها بالتأكيد سوف تصور ذلك كله من خلال "وجهة النظر" السياسية الأمريكية في فترة محددة يكون مطلوبا فيها تحقيق تأثير بعينه في وجدان المتفرج، داخل أمريكا وخارجها على السواء.
وربما كانت كلمة السر هنا هي "وجهة النظر": إنك عندما تنظر إلى مكعب مثلا فإن إدراكك له سوف يعتمد تماما على الزاوية التي تنظر منها تجاهه، إنك قد تراه مجرد شكل مربع إذا نظرت له من الأمام، وهو متوازي أضلاع من زاوية مائلة قليلا، لكنك لن تدرك أن له "حجما" في الفراغ إلا إذا درت حوله لتكتشف أن له سطوحا ستة. هذا هو ما يحدث أيضا مع التاريخ (أو بالأحرى كل حقائق الحياة)، إنك تحتاج إلى منظور صحيح لكي تراه على نحو صحيح، وإن كان ذلك مرهونا أيضا بالواقف المسبقة لمن يرى، وبأهدافه السياسية، وبطريقة تعبيره عن رؤيته لهذا التاريخ، لذلك فإن حدثا تاريخيا واحدا قد يأخذ أشكالا عديدة في تجسيده، وإذا كان ذلك يحدث في دراسات المؤرخين الذين يختلفون حول حدث تاريخي واحد، فما بالك بالفنانين الذين يصنعون من هذا الحدث عملا فنيا، فهم – بوعي أو بدون وعي – سوف يلونون هذا التاريخ ليس فقط برؤيتهم، وإنما أيضا بقصور رؤيتهم في بعض الأحيان، عندما لا يبحثون في التاريخ عن "الحقيقة" وإنما يتخذونه ذريعة للإبهار، فتحدث الكارثة عندما يصبح التاريخ ضحية للفن، أو قل ضحية للضحالة الفنية والإبداعية.
دعنا نتخيل أن فنانا ما قد قرر أن يصنع عملا فنيا عن شخصية تاريخية أو حدث تاريخي: السؤال الأول هنا هو لماذا هذا الحدث أو تلك الشخصية بالتحديد؟ وبقدر جدية الفنان سوف تتفاوت الإجابات تفاوتا هائلا، ولدينا أمثلة راهنة نشاهدها الآن على شاشات فضائياتنا توضح تماما هذا التفاوت. إليك مثلا مسلسل "سقوط الخلافة"، إن الدافع – الظاهر على الأقل – وراء اختيار فترة اضمحلال الدولة العثمانية حتى سقوطها هو ما يبدو أن هناك تشابها ما بين هذه الحقبة التاريخية والفترة الراهنة: أمة تقف في مفترق الطرق، بين التمسك بالماضي والقفز إلى مستقبل ما يزال لم يتشكل بعد، في نفس الوقت الذي تتربص به قوى معادية لا تنتظر فقط أن يحدث هذا السقوط بل إنها تعمل جاهدة على أن يقع وشيكا وبشكل مؤكد. وهذا التشابه بين التاريخ والحاضر يذكرنا بعمل تليفزيوني كان رائدا حين ظهر في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وهو "ليلة سقوط غرناطة"، الذي صنع توازيا عميق الدلالة بين اضمحلال الإمارات الأندلسية وبين الاستسلام المخزي المعاصر أمام العدو الصهيوني، وهو الاستسلام الذي ما نزال نحصد ثماره المريرة حتى اليوم.
لكن السبب وراء اختيار التاريخ ذريعة لعمل درامي قد يكون هزيلا – أو حتى هازلا – تماما، مثلما هو الحال مع مسلسل "ملكة في المنفى"، الذي تكمل به نادية الجندي "ملاحمها" عن "النساء" القويات في تاريخ مصر المعاصر، وكلهن تتبعن مواصفات واحدة تريد أن تتماهى نادية الجندي معها، بصرف النظر عن أي صدق تاريخي، أو حتى بصرف النظر عن الأهمية الحقيقية للشخصيات التي تختارها، فقد سبق لها مثلا أن قدمت الراقصة حكمت فهمي (وهي راقصة شبه مجهولة حتى على المستوى الفني!) باعتبارها حجر الزاوية في أحداث غيرت مجرى وقائع الحرب العالمية الثانية، كما جسدت من قبل أيضا سيدة تدعى ناهد رشاد لها صلات بالشرطة السرية التي أنشأها الملك فاروق، لكن نادية الجندي جعلتها عضوا مؤسسا في تنظيم الضباط الأحرار الذي قام بثورة يوليو!!
إنها تستمر في "ملكة في المنفى" في نفس الطريق، ولعلك قد لاحظت كيف تتبختر نادية الجندي – ولا نقول الملكة نازلي البطلة الدرامية للمسلسل – في أفخر الثياب وأثقل أنواع الماكياج وتنظر للجميع نظرة استعلاء (إنها النظرة التي لا تتخلى هنا نادية الجندي في كل أعمالها، وتحتاج إلى تحليل من نوع ما). وعندما تتحدث نازلي عن "الثمن الذي دفعته مقابل تاج الشوك"، وما يعتمل في النفس من الألم والعذاب والوحدة، فإنك تكاد أن تسمع الممثلة كأنها تتحدث عن نفسها في لقاء تليفزيوني، وهي بالفعل كانت قد كررت تلك التعبيرات ذاتها في أحاديثها الصحفية كثيرا. مثل هذا العمل إذن يُفصِّل التاريخ على مقاس النجمة، وهو لا يجعلها بطلة "درامية" تعيش صراعا داخليا وخارجيا، لكنه يصنع منها بطلة "ميلودرامية" تمثل الخير المطلق، فهي الضحية الجميلة النبيلة بين أنياب الوحوش، وكم كان مضحكا تصوير الملك فؤاد، في ليلة زفافهما، كأنه الشيطان مجسدا، بثيابه الحمراء والإضاءة الحادة من زاوية منخفضة، حتى أنه يغتصبها اغتصابا، وهو أمر لا ندري من أين استقى صناع المسلسل مصدره، ومن كان منهم في غرفة النوم؟!!
وقريبا من هذه المعالجة التي تقع في تحويل الشخصية الرئيسية إلى ملاك، تتصدر وحدها الدراما بينما تحول كل الآخرين إلى شياطين أو "كومبارس"، يأتي مسلسل "كليوباترا" الذي جعل من بطلته قديسة رومانسية بكل معنى الكلمة، وهو بذلك يتجاهل تماما أن دورها في التاريخ اعتمد على المؤامرات والتحالفات المشبوهة، وأن تلك الفترة شهدت صراعا دمويا على السلطة والسلطان، انتصرت فيها كليوباترا لفترة لكنها انتهت بهزيمة منكرة، وكانت مصر والشعب المصري هما آخر ما يفكر فيه المتصارعون، بل كان هما "الغنيمة" التي ينتظر من ينتصر أن يمتص دماءها.
السبب الثالث لاختيار التاريخ محورا لعمل درامي هو "الانحياز" المسبق إلى وجهة نظر، كما يبدو في مسلسل "الجماعة"، الذي يأتي في إطار صراعات سياسية تشهدها مصر في الفترة الأخيرة، خاصة أن هناك انتخابات تشريعية على الأبواب. يحكي المسلسل وقائع تاريخ قريب، وهو يبدأ من الأقرب ليعود إلى الأبعد، وبذلك يلون العمل كله بوجهة نظر جاهزة. تسود في الأوساط السياسية المصرية الآن فكرة أن الصراع الرئيسي يدور بين النظام الحاكم من جانب وجماعة الإخوان المسلمين من جانب آخر، وبرغم أن هناك شبه اتفاق بين مختلف الرؤى حول سلبيات النظام السائد، فإن هناك ميلا لدى بعض الأطراف لتصوير جماعة الإخوان المسلمين على أنهم أكثر خطرا من النظام الراهن، لذلك فإنك سوف تختار دون وعي أن تقبل سلبيات النظام!! ولسنا هنا في مجال المفاضلة بين هذين الطرفين (وكأنه ليس هناك من بديل سواهما!!)، لكن تلك الرؤية السياسية الجاهزة والصريحة، بل المسطحة أيضا، صبغت العمل كله بقدر من السذاجة الفنية، ولك أن تتصور أن الرغبة في تصوير أبناء النظام كملائكة قد جعلت في مركز الدراما "وكيل نيابة" بريئا تماما، حتى أنه لا يعلم شيئا عن الإخوان المسلمين الذين يحقق بشأنهم، وهي حيلة فنية باهتة تماما لكي يستمع بطلنا إلى حكاية "الجماعة" (ونسمع نحن معه أيضا) وحكاية تاريخها، فيعود المسلسل في "فلاش باك" طويل إلى بدايات تكوينها. ولا حاجة للقول بأن أبسط القواعد هي أن يكون رجال السلطة في مثل هذه الأمور قد تلقوا تعليما طويلا ومكثفا حول "الجماعات" التي يواجهونها، بما لا يضطرهم أبدا لاستقاء معلوماتهم من متهمين عابرين.
لم ينجُ مسلسل "الجماعة" أيضا من كل "الكليشيهات" التقليدية في تصوير "الأشرار" من وجهة نظر صانعي العمل، فأعضاء الجماعة أقرب إلى عصابات "المافيا" أو الجماعات الماسونية، وهو كعادة الدراما المصرية تجهلهم يتحدثون بالفصحى في حياتهم اليومية وكأنهم قد خرجوا لتوهم من إحدى المسلسلات الدينية بالغة التقليدية. ومن هذه المسلسلات يأتي "رايات الحق"، الذي يتناول الفترة اللاحقة على وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وهي فترة حافلة بالدراما بمعناها العميق، لكن المسلسل توقف عند من حاولوا تقويض ما أضافته النبوة إلى أمة العرب من القوة والوحدة، وغلبت المعالجة التقليدية على تصوير هؤلاء، في شكلهم وطريقة حديثهم وحركاتهم، فخلا المسلسل تماما من أي جديد قد يجذب المتفرج للاقتراب من هذه الفترة التاريخية المهمة.
المفارقة هنا – والتي قد تلقي ضوءا كاشفا أيضا على المعالجات الدرامية للتاريخ – هي أن هناك العديد من المصادر التاريخية التي تناولت هذه الفترة، ومن مختلف المناهج ووجهات النظر، لكن برغم أنها فترة حافلة بالكتابات الجادة فإنه يبدو أن صناع العمل اكتفوا بأبسط هذه المصادر، بينما كان اعتمادهم الأكبر على الأعمال الدرامية السابقة، وهي طريقة يمكنك أن تسميها – للأسف الشديد – نظرية "التوالد الذاتي"، فيصبح التقليد هو القاعدة: المؤمنون يرتدون ثيابا بيضاء، ويتحدثون بهدوء واطمئنان، وتبدو على محياهم ملامح الجمال، بينما "الكفار" على العكس تماما، إنها المعالجة الهوليوودية للبطل الطيب والخصم الشرير، وقد تصلح هذه المعالجة في الميلودراما أو الترفيه الخفيف، لكنها لا يمكن أن تكون أساسا لمعالجة درامية ناضجة للتاريخ.
أنت إذن في الدراما التاريخية أمام أركان أساسية لتُقيم دعائم عمل مقنع وراقٍ، أولها هو المصدر الذي يجب أن يكون موثوقا به، أو قل بالأحرى العديد من المصادر التي قد تختلف في مناهجها لكنها معا سوف تساعدك على تكوين وجهة نظر أقرب إلى الصدق التاريخي، وقد تستطيع أيضا أن تعود في هذا المجال إلى أهل الاختصاص حتى يكون هذا المستوى الأول من الصدق متحققا. لكن المستوى الثاني لا يقل أهمية، وهو ما يتعلق بالصدق الفني، الذي لا ينفصل عما يطلق عليه في فلسفة الفن "القصد الفني"، وببساطة فإن هذا الصدق يعكس ما تريد أن تقول من معالجتك لمادة تاريخية. هناك في مسلسل نادية الجندي "ملكة في المنفى" مشهد أثار ألمي بعمق، لقد أراد المسلسل أن يجعل من بطلته ضحية، وأتبع مشهد زفافها (اغتصابا) ببيرم التونسي وهو يلقي قصيدته المشهورة عن زواجها المشبوه من الملك فؤاد، ليبدو بيرم كاذبا وضيعا، وهو ما يتناقض مع الحقيقة التاريخية تماما، أي أنه يمكنك ببساطة أن تقول أن المسلسل أراد أن ينقذ بطلته "بالعافية"، فلم يجد أمامه إلا أن يضحي بالتاريخ!!
Saturday, November 20, 2010
Thursday, November 18, 2010
فيلم "سلطة بلدى"
عندما تخفى النزعة الإنسانية المواقف السياسية الملتبسة
على مدار ساعتين كاملتين، تلقى إليك المخرجة نادية كامل فى فيلمها التسجيلى "سلطة بلدى" بعشرات الأسئلة، التى تتلاقى أحيانا وتتباعد أحيانا أخرى، وإذا كان المفهوم الشائع فى الفن – وإن لم يكن مفهوما دقيقا تماما لكننا سنصرف النظر عن دقته الآن – هو أن وظيفة العمل الفنى هى طرح التساؤلات وليس تقديم الإجابات، فإن هذا يبرر لصانعة الفيلم أن تطرح الأسئلة التى تؤرقها، لكن هناك فى الحقيقة عدة أنواع من الأسئلة التى تؤرق أى إنسان، مثل الأسئلة التى تمثل قلقا شخصيا للفنان وقد يحلو له أن يبثها إلى أصدقاءه فى جلساته الخاصة، لكن مادام قد قرر أن يصوغ من هذا القلق عملا فنيا مثلما فعلت نادية كامل فى فيلمها "سلطة بلدى" فلابد أنها تريد توصيل "رسالة" ما إلى أكبر قطاع من المتلقين ليشاركوها هذا القلق، وهنا لابد أن نتساءل بدورنا عن الرسالة التى كانت تفكر فيها وهى تصنع "سلطة بلدى"، وإن كنت فى البداية أؤكد (كل التأكيد) على أنه ليس لدى كاتب هذه السطور أية نية لتوجيه تهمة أو شبهة "التطبيع" لصانعة الفيلم على النحو المتعجل الذى قام به العديد من النقاد، بسبب أن الجزء الأكبر من الفيلم يتحدث عن السيدة نائلة كامل، أم المخرجة، التى تربطها قرابة الدم ببعض اليهود فى "إسرائيل"، وقامت بالفعل بزيارتهم وقد قاربت أعمار الطرفين على الانتهاء، كأنها رحلة وداع، وهو كما ترى سؤال "إنسانى" يتعمد الابتعاد عن البعد السياسى، بما يذكرك بإنسانية الفيلم الإسرائيلى "زيارة الفرقة" وإن كان فى "سلطة بلدى" أكثر "ميلودرامية" وتشوشا وأقل رهافة ونعومة.
هو فى الحقيقة سؤال أقرب إلى الصدمة، لكن أرجو أن يتحملنى القارئ لبعض الوقت لو ذهبت إلى مدى أبعد فى صدمته، وهى أياً منا لا يستطيع أن يؤكد على وجه اليقين أنه ليس له أقارب من اليهود، بل إن من المؤكد أنه قد حدثت عبر التاريخ تحولات فى معتقدات البشر، فقد يكون لى من بين أسلافى أو أسلافك من كان مسيحيا أو يهوديا أو حتى وثنيا، وربما يكتشف المرء منا أن هناك لعائلته فرعا ينتمى لديانة أخرى، ولعل مصر – تلك البوتقة الجغرافية والتاريخية – هى الدليل الأكبر على هذا التمازج، وليس غريبا أن تجد عائلتين مصريتين مسلمة ومسيحية تتشاركان فى نفس اللقب والجذور، وليس غريبا أيضا أن تجد فى فيلم "سلطة بلدى" ذلك الاختلاط بين الأديان والجنسيات (ولا نقول الأجناس أو الأعراق)، ففى عائلة المخرجة نادية كامل أبناء وبنات عمومة ينحدرون من أصول قوقازية مسلمة، وأخوال ينحدرون من جذور مسيحية إيطالية ويهودية تركية روسية، بل إن هناك الطفل نبيل، ابن شقيقة المخرجة، فلسطينى الأب، مصرى الأم، إيطالى الجدة، وهو يذهب فى بداية الفيلم لصلاة العيد للمرة الأولى حائرا وكأنه يبحث عن هوية، وفى مشاهد لاحقة يقف أمام قبر جده اليهودى إيلى روزينتال متمتما، فلا نعرف إن كان يقرأ له "الفاتحة" أو بأى دعاء يلهج به لسانه وقلبه البريئان.
هذا الطفل "نبيل على شعث" هو النموذج الأمثل على "السَلَطة المصرية البلدى"، وقد كان من الممكن أن يكون "البؤرة الدرامية" للفيلم التى تدور حولها العديد من الخطوط السياسية المتقاطعة والمهمة، من بينها – على سبيل المثال – أنه لا يحمل جواز سفر أو جنسية لأنه فلسطينى الأب بعد أن ضاعت فلسطين، وفى الوقت الذى تعجز فيه الأنظمة العربية عن استرجاع فلسطين فإنها تنكر على فلسطينيى الشتات (إن جاز التعبير) أن تكون لهم هويتهم المحددة. لكن الأهم فى هذا الطفل (بخلطة و"سلَطَة" جذوره الإنسانية) أنه التأكيد الحى (الذى أضاعته المخرجة للأسف سهوا أو عمدا) على زيف النزعة السياسية الصهيونية، والتى تقوم على أكذوبة "نقاء العنصر"، وهى الأكذوبة التى ينسفها وجود نبيل نسفا.
دعنا ياقارئى العزيز نتوقف عند هذه الأكذوبة قليلا، فعلى أساسها قام الكيان الصهيونى، بذريعة أنه يضم "اليهود" فى دولة واحدة، وكأن الدين اليهودى قومية تجمع شعبا نقى العنصر، وهو الخطأ القاتل الذى نقع فيه نحن أيضا عندما نتحدث عن الصراع بين "اليهود" و"العرب"، فاليهودية "دين" والعروبة "قومية" ولا مجال للصراع أو حتى المقارنة بينهما، بل إن هناك دراسات عديدة لكتاب من "اليهود العرب" أو ذوى الأصول العربية تشير إلى الحقيقة التى لم يلمسها – للأسف – فيلم "سلطة بلدى" ولو من بعيد، وهى الحقيقة التى تشير إلى أن إسرائيل ليست إلا كيانا استعماريا غربيا، لم يسرق الوطن الفلسطينى فقط، لكنه طمس وقمع الهوية والتاريخ العربيين لليهود العراقيين واليمنيين والمغاربة، أو كما تقول إيللا حبيبة شوحاط أستاذة الدراسات الاجتماعية فى جامعة نيويورك: "إن التعارض بين اليهودية والعروبة ليس إلا وجهة نظر أوروبية، ونحن – كيهود عرب – كنا نتحدث العربية وليس اليديشية، وعبر ألف عام كان إبداعنا الثقافى باللغة العربية... وإنك لو ذهبت حتى اليوم إلى معابدنا فى نيويورك أو مونتريال أو باريس أو لندن فسوف يدهشك أن تسمع فى تراتيلنا نغمة "الربع تون" حتى يخيل لك أنها تنبعث من مسجد... لقد انتزعت إسرائيل منا – نحن اليهود العرب – تاريخنا... وأصبح مصطلح "شعب واحد" ذريعة لكى يجبرونا على التخلى عن ذاكرتنا العربية التى تكونت عبر مايزيد على ألف عام وقبل أن تكون هناك دولة اسمها إسرائيل".
فى سياق آخر يكتب نعيم جيلادى، اليهودى الأمريكى من أصول عراقية الذى تخلى عن جنسيته الإسرائيلية، أن "يهود البلدان الإسلامية لم يهاجروا طوعا إلى إسرائيل لكنهم أجبروا على ذلك... واستخدمت طريقتان مع اليهود العراقيين للرحيل إلى إسرائيل: الخداع أو الإرهاب، فاليهود غير المتعلمين خدعهم الحديث عن أن إسرائيل هى أرض الميعاد والجنة التى يبصر فيها الأعمى ويسير الكسيح، أما اليهود المتعلمون فقد قام الصهاينة بإرهابهم بإلقاء القنابل على ممتلكاتهم وأماكن تجمعهم".
الصهيونية إذن لم تجمع "اليهود" فى سلتها النظرية المصطنعة إلا لسبب سياسى استعمارى، بينما هى تميز فى طياتها وممارساتها بين اليهود الشرقيين (واليهود العرب من بينهم) لتجعلهم أدنى من اليهود الغربيين بما يتنافى مع الزعم بنية إقامة "دولة يهودية". وإذا كان فيلم "سلطة بلدى" يلمِّح إلى "إنسانية" زيارة السيدة المناضلة نائلة كامل، زوجة المناضل اليسارى سعد كامل، المولودة فى مصر لأب يهودى تركى روسى وأم مسيحية إيطالية، والتى قد أصبحت مصرية تماما وتحلف "والنبى والنبى"، إذا كان الفيلم يلمِّح إلى إنسانية زيارتها لأبناء عمومتها اليهود فى "إسرائيل"، فإن من الغريب أنها تصفهم صانعة الفيلم بمجرد كونهم "يهودا" ولا تذكر شيئا مطلقا عن كونهم "صهاينة"، حتى أنها لم تذكر لنا كلمة واحدة، واحدة فقط، عن "نضال" هذه الأم الجليلة ضد الصهيونية وفضح زيفها ونزعتها الاستعمارية، مثلما فعل غيرها من المناضلين اليهود المصريين اليساريين مثل يوسف درويش وشحاتة هارون اللذين خاضا هذه المعركة على طريقة القديسين الشهداء.
إن ذلك يثير المرارة من جانب المتفرج لأن المخرجة تبدو كما لو كانت تتخلى فى نزق – بذريعة النظرة الإنسانية الأكثر رحابة - عن نضال الجيل السابق (لعل هذا يشير – للأسف - إلى عوامل تآكل وتشوه المفاهيم السياسية لدى شريحة المثقفين المصريين من الأجيال اللاحقة)، فالكيان الصهيونى كما يبدو فى الفيلم قائم وانتهى الأمر ولا حيلة لنا إلا التعامل معه، والمواطنون اليهود الإسرائيليون فى الفيلم غير مسئولين عن قرارات وتصرفات الحكومة الإسرائيلية، بينما تتناسى المخرجة أنهم اختاروا الصهيونية مذهبا سياسيا وعلما ونشيدا "قوميا"، كما لا تذكر أو تتذكر أن الصهيونية – وليس العروبة أبدا – هى التى تقوم على التمييز الدينى بين اليهود والأغيار، وأن إسرائيل هى النموذج السرطانى لكل النزعات العنصرية التى تميز بين البشر على أساس دينى، وأن الصهيونية تقوم على خرافة وجود "عرق يهودى" وهى أول من تعلم بزيف هذه الخرافة، كما تنكرها كل الدراسات الجادة بدءا من جمال حمدان وانتهاء بتروتسكى الذى رأى أن الصهيونية "تحالف عنصرى أعمى وفخ دموى لعين"، أو الفيلسوف اليهودى رافاييل كوهين الذى يؤكد أن "الصهيونية فى جوهرها تتبنى نفس الأيديولوجيا النازية لكنها تصل إلى نتائج مختلفة، فبدلا من تفوق العنصر الآرى يصبح اليهود هم الجنس الأرقى".
لكن فيلم "سلطة بلدى" - خاصة فى مشاهد البداية وتركيزه على خطبة العيد التى تهاجم "اليهود" – يلقى بتهمة التطرف والتمييز الدينى علينا، وينسى أن كل حركات التطرف الإسلامى هى تاريخيا رد فعل لاحق على الصهيونية، وأن وجود "الدولة اليهودية" لن يفرز إلا مزيدا من النزعة المضادة التى تدعو لإقامة "دولة إسلامية". وخلال الساعتين اللتين يستغرقهما عرض الفيلم تجد نفسك فى "سلطة بلدى" غارقا فى بحر من الأفكار المشوشة داخل كيان فنى مشتت، لذلك لا تجد مناصا من أن تقوم بنفسك بفرز تلك الأفكار المتناقضة. إنك على سبيل المثال (وإن لم يذكر لك الفيلم أية تفاصيل كانت ضرورية لإلقاء الضوء على موقف الجيل السابق تجاه الكيان الصهيونى) تقدر كل التقدير نضال سعد كامل ورفيقة حياته نائلة كامل، كما أنك تتعاطف أو حتى تعشق الطفل نبيل شعث الحائر فى البحث عن هوية فى وطن عربى ممزق. لكننى لا أستطيع تجاه "ابن عمى" اليهودى العربى الذى ارتضى إسرائيل وطنا أن أتعاطف معه وأذهب لزيارته لمجرد أنه يحب أن يستمع إلى أم كلثوم كل يوم، فهو الذى اختار أن ينضوى تحت راية نظام معادٍ للإنسانية. فنحن نرفض الصهيونية والاعتراف تحت أى ذريعة بدولة "إسرائيل، ليس من منطلق أننا مصريون أو عرب أو مسلمون ومسيحيون وجدنا أنفسنا طرفا فى صراع فرضته علينا حركة استعمارية غربية تحت شعار مزعوم (أكرر: مزعوم) بالبحث عن حل لما يسمى "المسألة اليهودية"، وإنما نرفض الصهيونية حتى لو كانت فى بلاد واق الواق، الآن وغدا وبعد مئات الأعوام، لأنها إحدى أكثر الضلالات الإنسانية خطرا، فهى لا تعادى العروبة أو الإسلام وإنما تعادى "الإنسان" بجوهرها العنصرى الذى يميز بين اليهودى وغير اليهودى، كما تميز بين اليهودى الغربى واليهودى الشرقى، على نحو لا يختلف مطلقا عن النازية وكل النزعات العنصرية البغيضة الأخرى.
يذكرنى اسم الفيلم "سلطة بلدى" ببضع سطور من رواية لليهودى يمنى الأصل يوسف تزويل، الذى يحكى عن هجرة أسرته خلال مراهقته إلى إسرائيل، وانتزاعهم دار أسرة فلسطينية، لم يبق منها إلا رجل وحيد... "كان يزرع فى الحقل المحيط بالدار بعض الخضروات، يعطينا بعضها ويحتفظ بالباقى، وإن "السَلَطة" التى أكلتها من هذه الخضروات، التى تنتمى إلى هذه العائلة الفلسطينية، تركت فى روحى ندوبا لا يمكن محوها، لذلك ظللت دائما غريبا عن هذه الدار المغتصبة". وربما كان من المثير للأسى أن تقرأ هذه الحقائق المريرة عند كُتَّاب ربما كانوا أكثر عرضة للتعاطف مع أسطورة "الدولة اليهودية"، لكنك تجد هذه الحقائق عندهم بوضوح، بينما تفتقدها فى فيلم "سلطة بلدى" لأنه تصور أنه ينادى بنزعة "إنسانية" وهو يتحدث عن كيان لا علاقة له بالإنسانية فى فلسفته أو ممارساته. مرة أخرى وبوضوح كامل، لو كان الفيلم يسألنى عن إمكانية زيارة "ابن عمى" اليهودى العربى فى "إسرائيل" فإننى أرفض على نحو قاطع الذهاب إليه فى الكيان الصهيونى، لكننى أرحب به إذا رفض هذا الكيان وعاد إلى جذوره العربية، أما اليهود الأوربيون فإن عليهم فى نهاية المطاف أن يبحثوا عن حل لمشكلاتهم فى الأوطان التى جاءوا منها، وأن يلتهموا كما يشاءون "سَلَطة بلادهم" أما "سَلَطة بلدى" فهى لنا، المسلمين والمسيحيين واليهود العرب، فى دولة فلسطينية ديموقراطية تجسد بحق الروح الإنسانية فى أرقى تجلياتها.
على مدار ساعتين كاملتين، تلقى إليك المخرجة نادية كامل فى فيلمها التسجيلى "سلطة بلدى" بعشرات الأسئلة، التى تتلاقى أحيانا وتتباعد أحيانا أخرى، وإذا كان المفهوم الشائع فى الفن – وإن لم يكن مفهوما دقيقا تماما لكننا سنصرف النظر عن دقته الآن – هو أن وظيفة العمل الفنى هى طرح التساؤلات وليس تقديم الإجابات، فإن هذا يبرر لصانعة الفيلم أن تطرح الأسئلة التى تؤرقها، لكن هناك فى الحقيقة عدة أنواع من الأسئلة التى تؤرق أى إنسان، مثل الأسئلة التى تمثل قلقا شخصيا للفنان وقد يحلو له أن يبثها إلى أصدقاءه فى جلساته الخاصة، لكن مادام قد قرر أن يصوغ من هذا القلق عملا فنيا مثلما فعلت نادية كامل فى فيلمها "سلطة بلدى" فلابد أنها تريد توصيل "رسالة" ما إلى أكبر قطاع من المتلقين ليشاركوها هذا القلق، وهنا لابد أن نتساءل بدورنا عن الرسالة التى كانت تفكر فيها وهى تصنع "سلطة بلدى"، وإن كنت فى البداية أؤكد (كل التأكيد) على أنه ليس لدى كاتب هذه السطور أية نية لتوجيه تهمة أو شبهة "التطبيع" لصانعة الفيلم على النحو المتعجل الذى قام به العديد من النقاد، بسبب أن الجزء الأكبر من الفيلم يتحدث عن السيدة نائلة كامل، أم المخرجة، التى تربطها قرابة الدم ببعض اليهود فى "إسرائيل"، وقامت بالفعل بزيارتهم وقد قاربت أعمار الطرفين على الانتهاء، كأنها رحلة وداع، وهو كما ترى سؤال "إنسانى" يتعمد الابتعاد عن البعد السياسى، بما يذكرك بإنسانية الفيلم الإسرائيلى "زيارة الفرقة" وإن كان فى "سلطة بلدى" أكثر "ميلودرامية" وتشوشا وأقل رهافة ونعومة.
هو فى الحقيقة سؤال أقرب إلى الصدمة، لكن أرجو أن يتحملنى القارئ لبعض الوقت لو ذهبت إلى مدى أبعد فى صدمته، وهى أياً منا لا يستطيع أن يؤكد على وجه اليقين أنه ليس له أقارب من اليهود، بل إن من المؤكد أنه قد حدثت عبر التاريخ تحولات فى معتقدات البشر، فقد يكون لى من بين أسلافى أو أسلافك من كان مسيحيا أو يهوديا أو حتى وثنيا، وربما يكتشف المرء منا أن هناك لعائلته فرعا ينتمى لديانة أخرى، ولعل مصر – تلك البوتقة الجغرافية والتاريخية – هى الدليل الأكبر على هذا التمازج، وليس غريبا أن تجد عائلتين مصريتين مسلمة ومسيحية تتشاركان فى نفس اللقب والجذور، وليس غريبا أيضا أن تجد فى فيلم "سلطة بلدى" ذلك الاختلاط بين الأديان والجنسيات (ولا نقول الأجناس أو الأعراق)، ففى عائلة المخرجة نادية كامل أبناء وبنات عمومة ينحدرون من أصول قوقازية مسلمة، وأخوال ينحدرون من جذور مسيحية إيطالية ويهودية تركية روسية، بل إن هناك الطفل نبيل، ابن شقيقة المخرجة، فلسطينى الأب، مصرى الأم، إيطالى الجدة، وهو يذهب فى بداية الفيلم لصلاة العيد للمرة الأولى حائرا وكأنه يبحث عن هوية، وفى مشاهد لاحقة يقف أمام قبر جده اليهودى إيلى روزينتال متمتما، فلا نعرف إن كان يقرأ له "الفاتحة" أو بأى دعاء يلهج به لسانه وقلبه البريئان.
هذا الطفل "نبيل على شعث" هو النموذج الأمثل على "السَلَطة المصرية البلدى"، وقد كان من الممكن أن يكون "البؤرة الدرامية" للفيلم التى تدور حولها العديد من الخطوط السياسية المتقاطعة والمهمة، من بينها – على سبيل المثال – أنه لا يحمل جواز سفر أو جنسية لأنه فلسطينى الأب بعد أن ضاعت فلسطين، وفى الوقت الذى تعجز فيه الأنظمة العربية عن استرجاع فلسطين فإنها تنكر على فلسطينيى الشتات (إن جاز التعبير) أن تكون لهم هويتهم المحددة. لكن الأهم فى هذا الطفل (بخلطة و"سلَطَة" جذوره الإنسانية) أنه التأكيد الحى (الذى أضاعته المخرجة للأسف سهوا أو عمدا) على زيف النزعة السياسية الصهيونية، والتى تقوم على أكذوبة "نقاء العنصر"، وهى الأكذوبة التى ينسفها وجود نبيل نسفا.
دعنا ياقارئى العزيز نتوقف عند هذه الأكذوبة قليلا، فعلى أساسها قام الكيان الصهيونى، بذريعة أنه يضم "اليهود" فى دولة واحدة، وكأن الدين اليهودى قومية تجمع شعبا نقى العنصر، وهو الخطأ القاتل الذى نقع فيه نحن أيضا عندما نتحدث عن الصراع بين "اليهود" و"العرب"، فاليهودية "دين" والعروبة "قومية" ولا مجال للصراع أو حتى المقارنة بينهما، بل إن هناك دراسات عديدة لكتاب من "اليهود العرب" أو ذوى الأصول العربية تشير إلى الحقيقة التى لم يلمسها – للأسف – فيلم "سلطة بلدى" ولو من بعيد، وهى الحقيقة التى تشير إلى أن إسرائيل ليست إلا كيانا استعماريا غربيا، لم يسرق الوطن الفلسطينى فقط، لكنه طمس وقمع الهوية والتاريخ العربيين لليهود العراقيين واليمنيين والمغاربة، أو كما تقول إيللا حبيبة شوحاط أستاذة الدراسات الاجتماعية فى جامعة نيويورك: "إن التعارض بين اليهودية والعروبة ليس إلا وجهة نظر أوروبية، ونحن – كيهود عرب – كنا نتحدث العربية وليس اليديشية، وعبر ألف عام كان إبداعنا الثقافى باللغة العربية... وإنك لو ذهبت حتى اليوم إلى معابدنا فى نيويورك أو مونتريال أو باريس أو لندن فسوف يدهشك أن تسمع فى تراتيلنا نغمة "الربع تون" حتى يخيل لك أنها تنبعث من مسجد... لقد انتزعت إسرائيل منا – نحن اليهود العرب – تاريخنا... وأصبح مصطلح "شعب واحد" ذريعة لكى يجبرونا على التخلى عن ذاكرتنا العربية التى تكونت عبر مايزيد على ألف عام وقبل أن تكون هناك دولة اسمها إسرائيل".
فى سياق آخر يكتب نعيم جيلادى، اليهودى الأمريكى من أصول عراقية الذى تخلى عن جنسيته الإسرائيلية، أن "يهود البلدان الإسلامية لم يهاجروا طوعا إلى إسرائيل لكنهم أجبروا على ذلك... واستخدمت طريقتان مع اليهود العراقيين للرحيل إلى إسرائيل: الخداع أو الإرهاب، فاليهود غير المتعلمين خدعهم الحديث عن أن إسرائيل هى أرض الميعاد والجنة التى يبصر فيها الأعمى ويسير الكسيح، أما اليهود المتعلمون فقد قام الصهاينة بإرهابهم بإلقاء القنابل على ممتلكاتهم وأماكن تجمعهم".
الصهيونية إذن لم تجمع "اليهود" فى سلتها النظرية المصطنعة إلا لسبب سياسى استعمارى، بينما هى تميز فى طياتها وممارساتها بين اليهود الشرقيين (واليهود العرب من بينهم) لتجعلهم أدنى من اليهود الغربيين بما يتنافى مع الزعم بنية إقامة "دولة يهودية". وإذا كان فيلم "سلطة بلدى" يلمِّح إلى "إنسانية" زيارة السيدة المناضلة نائلة كامل، زوجة المناضل اليسارى سعد كامل، المولودة فى مصر لأب يهودى تركى روسى وأم مسيحية إيطالية، والتى قد أصبحت مصرية تماما وتحلف "والنبى والنبى"، إذا كان الفيلم يلمِّح إلى إنسانية زيارتها لأبناء عمومتها اليهود فى "إسرائيل"، فإن من الغريب أنها تصفهم صانعة الفيلم بمجرد كونهم "يهودا" ولا تذكر شيئا مطلقا عن كونهم "صهاينة"، حتى أنها لم تذكر لنا كلمة واحدة، واحدة فقط، عن "نضال" هذه الأم الجليلة ضد الصهيونية وفضح زيفها ونزعتها الاستعمارية، مثلما فعل غيرها من المناضلين اليهود المصريين اليساريين مثل يوسف درويش وشحاتة هارون اللذين خاضا هذه المعركة على طريقة القديسين الشهداء.
إن ذلك يثير المرارة من جانب المتفرج لأن المخرجة تبدو كما لو كانت تتخلى فى نزق – بذريعة النظرة الإنسانية الأكثر رحابة - عن نضال الجيل السابق (لعل هذا يشير – للأسف - إلى عوامل تآكل وتشوه المفاهيم السياسية لدى شريحة المثقفين المصريين من الأجيال اللاحقة)، فالكيان الصهيونى كما يبدو فى الفيلم قائم وانتهى الأمر ولا حيلة لنا إلا التعامل معه، والمواطنون اليهود الإسرائيليون فى الفيلم غير مسئولين عن قرارات وتصرفات الحكومة الإسرائيلية، بينما تتناسى المخرجة أنهم اختاروا الصهيونية مذهبا سياسيا وعلما ونشيدا "قوميا"، كما لا تذكر أو تتذكر أن الصهيونية – وليس العروبة أبدا – هى التى تقوم على التمييز الدينى بين اليهود والأغيار، وأن إسرائيل هى النموذج السرطانى لكل النزعات العنصرية التى تميز بين البشر على أساس دينى، وأن الصهيونية تقوم على خرافة وجود "عرق يهودى" وهى أول من تعلم بزيف هذه الخرافة، كما تنكرها كل الدراسات الجادة بدءا من جمال حمدان وانتهاء بتروتسكى الذى رأى أن الصهيونية "تحالف عنصرى أعمى وفخ دموى لعين"، أو الفيلسوف اليهودى رافاييل كوهين الذى يؤكد أن "الصهيونية فى جوهرها تتبنى نفس الأيديولوجيا النازية لكنها تصل إلى نتائج مختلفة، فبدلا من تفوق العنصر الآرى يصبح اليهود هم الجنس الأرقى".
لكن فيلم "سلطة بلدى" - خاصة فى مشاهد البداية وتركيزه على خطبة العيد التى تهاجم "اليهود" – يلقى بتهمة التطرف والتمييز الدينى علينا، وينسى أن كل حركات التطرف الإسلامى هى تاريخيا رد فعل لاحق على الصهيونية، وأن وجود "الدولة اليهودية" لن يفرز إلا مزيدا من النزعة المضادة التى تدعو لإقامة "دولة إسلامية". وخلال الساعتين اللتين يستغرقهما عرض الفيلم تجد نفسك فى "سلطة بلدى" غارقا فى بحر من الأفكار المشوشة داخل كيان فنى مشتت، لذلك لا تجد مناصا من أن تقوم بنفسك بفرز تلك الأفكار المتناقضة. إنك على سبيل المثال (وإن لم يذكر لك الفيلم أية تفاصيل كانت ضرورية لإلقاء الضوء على موقف الجيل السابق تجاه الكيان الصهيونى) تقدر كل التقدير نضال سعد كامل ورفيقة حياته نائلة كامل، كما أنك تتعاطف أو حتى تعشق الطفل نبيل شعث الحائر فى البحث عن هوية فى وطن عربى ممزق. لكننى لا أستطيع تجاه "ابن عمى" اليهودى العربى الذى ارتضى إسرائيل وطنا أن أتعاطف معه وأذهب لزيارته لمجرد أنه يحب أن يستمع إلى أم كلثوم كل يوم، فهو الذى اختار أن ينضوى تحت راية نظام معادٍ للإنسانية. فنحن نرفض الصهيونية والاعتراف تحت أى ذريعة بدولة "إسرائيل، ليس من منطلق أننا مصريون أو عرب أو مسلمون ومسيحيون وجدنا أنفسنا طرفا فى صراع فرضته علينا حركة استعمارية غربية تحت شعار مزعوم (أكرر: مزعوم) بالبحث عن حل لما يسمى "المسألة اليهودية"، وإنما نرفض الصهيونية حتى لو كانت فى بلاد واق الواق، الآن وغدا وبعد مئات الأعوام، لأنها إحدى أكثر الضلالات الإنسانية خطرا، فهى لا تعادى العروبة أو الإسلام وإنما تعادى "الإنسان" بجوهرها العنصرى الذى يميز بين اليهودى وغير اليهودى، كما تميز بين اليهودى الغربى واليهودى الشرقى، على نحو لا يختلف مطلقا عن النازية وكل النزعات العنصرية البغيضة الأخرى.
يذكرنى اسم الفيلم "سلطة بلدى" ببضع سطور من رواية لليهودى يمنى الأصل يوسف تزويل، الذى يحكى عن هجرة أسرته خلال مراهقته إلى إسرائيل، وانتزاعهم دار أسرة فلسطينية، لم يبق منها إلا رجل وحيد... "كان يزرع فى الحقل المحيط بالدار بعض الخضروات، يعطينا بعضها ويحتفظ بالباقى، وإن "السَلَطة" التى أكلتها من هذه الخضروات، التى تنتمى إلى هذه العائلة الفلسطينية، تركت فى روحى ندوبا لا يمكن محوها، لذلك ظللت دائما غريبا عن هذه الدار المغتصبة". وربما كان من المثير للأسى أن تقرأ هذه الحقائق المريرة عند كُتَّاب ربما كانوا أكثر عرضة للتعاطف مع أسطورة "الدولة اليهودية"، لكنك تجد هذه الحقائق عندهم بوضوح، بينما تفتقدها فى فيلم "سلطة بلدى" لأنه تصور أنه ينادى بنزعة "إنسانية" وهو يتحدث عن كيان لا علاقة له بالإنسانية فى فلسفته أو ممارساته. مرة أخرى وبوضوح كامل، لو كان الفيلم يسألنى عن إمكانية زيارة "ابن عمى" اليهودى العربى فى "إسرائيل" فإننى أرفض على نحو قاطع الذهاب إليه فى الكيان الصهيونى، لكننى أرحب به إذا رفض هذا الكيان وعاد إلى جذوره العربية، أما اليهود الأوربيون فإن عليهم فى نهاية المطاف أن يبحثوا عن حل لمشكلاتهم فى الأوطان التى جاءوا منها، وأن يلتهموا كما يشاءون "سَلَطة بلادهم" أما "سَلَطة بلدى" فهى لنا، المسلمين والمسيحيين واليهود العرب، فى دولة فلسطينية ديموقراطية تجسد بحق الروح الإنسانية فى أرقى تجلياتها.
Wednesday, November 17, 2010
هل حقا هؤلاء هم "أهل كايرو"؟
للأعمال الفنية البوليسية سحر خاص لدى المتلقي، سواء كانت رواية تُقرأ، أو عملا دراميا تم تنفيذه بالوسائط البصرية السمعية مثل السينما والتليفزيون، إذ يبدا العمل عادة بعرض بعض الشخصيات والعلاقات، وفجأة تحدث جريمة غامضة، ليتلخص العمل كله بعد ذلك فى كلمة واحدة: من الذي ارتكب الجريمة؟ وفي الطريق نحو هذا الاكتشاف، الذي يأتي دائما في الصفحات أو المشاهد الأخيرة، تتوزع الاتهامات بين هذا وذاك، وكلما شعرت أنك اقتربت من المجرم الحقيقي أدركت أنك تزداد عنه ابتعادا، وعندما يحين أوان الكشف عن المجرم تأتي المفاجأة، إذ يكون هو أبعد الشخصيات عن الشك، ولكن ... لكننا سوف نترك هذه الـ"لكن" إلى نهاية المقال!
هذا هو السر في النجاح الجماهيري للمسلسل الدرامي البوليسي "أهل كايرو"، الذي كتبه بلال فضل وأخرجه محمد علي، لأن هذا النوع من الدراما كاد أن يختفي من على شاشة التليفزيونات والفضائيات العربية، برغم أن له مساحة ثابتة ومكانة مهمة في الدراما التليفزيونية في العالم كله، وهو ما تستطيع أن تتأكد منه إذا استطعت أن تفلت من مسلسلاتنا ذات مرة، لتتفرج على المسلسل الأمريكي "24" مثلا، غير أن أعمالنا التليفزيونية الدرامية تمضي دائما في "الموضة" السائدة، تارة مسلسلات سيرة حياة المشاهير، أو الأحياء العشوائية، أو كوميديا الموقف شديدة التواضع في شكلها ومضمونها.
جاء إذن "أهل كايرو" ليخرج عن المألوف في شكله، لكن السؤال هو إذا ما كان قد شق لنفسه طريقا جديدا في المضمون أيضا، وهذا ما سوف نحاول الإجابة عليه. الخط الدرامي هنا شديد البساطة، والتعقيد الظاهر ليس إلا مناورة من صناع المسلسل لتحقيق بعض الأهداف التي تبدو مشروعة من الناحية الفنية، حيث يصبح "التشويق" هو السمة الرئيسية. في البؤرة الدرامية هناك شخصية تدعى صافي سليم (رانيا يوسف)، يقال أنها سيدة مجتمع، وهي الصفة التي يحاول المسلسل بها الإيحاء بأنها اتخذت طرقا ملتوية في رحلة صعودها من حضيض الفقر إلى قمة الثراء والوجاهة الاجتماعية.
يقول المسلسل في نهاية الحلقات أن هناك من حولك في حياتك اليومية عشرات من أمثال هذه الشخصية، وهو تلميح إلى أن الصعود الاجتماعي يحدث في "القاهرة" الآن من خلال الطرق غير المشروعة، وهذا جانب آخر من جوانب التشويق، إذ توجد "توليفة" من الجريمة والسياسة، لكن صناع المسلسل لن يتطرقوا بالطبع لأي جرائم سياسية سوى بنوع من "التلسين" الذي اشتهر به الأدب والفن المصريين في الآونة الأخيرة. ولأن صافي سليم في رحلة صعودها التقت بالعديد من الشخصيات، فسوف يتجمعون في ليلة زواجها (وهي التي تزوجت مرات عديدة سابقة) في حفل الزفاف بفندق فاخر، وهو ما تلخصه لك جملة من الحوار تأتي على لسان إحدى الشخصيات: "نجوم سياسة على فن على دين على بيزينيس على كورة".
إذن هؤلاء هم "أهل كايرو" كما يراهم صناع العمل (أرجو أن تلتفت إلى استخدام كلمة "كايرو" بما يذكرك بأحد مونولوجات شكوكو!)، لكن هناك جانبا آخر يشير له العمل كلما تذكره، أو بالأحرى أنه ينساه متعمدا لكي يجعلك تنساه، هذا الجانب هو الحي الفقير الذي ولدت فيه صافي سليم قبل أن تغير اسمها، تاركة وراءها شقيقة وأبا، بينما رحلت دون عودة مع الأم والشقيق، وهنا يتعمد المسلسل أيضا أن يتجاهل تماما الحديث عن أسباب انقسام أفراد العائلة على هذا النحو، لكنه سوف يكشف لك السر في حلقته الأخيرة.
قررت صافي أخيرا أن تتزوج من طبيب جراح مشهور يدعى شريف راسخ (زكي فطين عبد الوهاب)، عاد من أمريكا بعد سنوات من الغربة ليستقر في مصر لحنينه إليها، فهكذا نقرأ على الشاشة في عبارات مكتوبة (مع تثبيت الصورة) على طريقة بعض الأفلام الأمريكية المعاصرة، وهو الأسلوب الذي سوف يتبناه العمل مع العديد من الشخصيات حتى العابرة منها، والتي لن يفيدك أن تعرف عنها شيئا، مثل منظم الأفراح أو زوج الشقيقة، أو حتى شخصية رئيس تحرير جريدة يستخدمه المسلسل في البداية لإثارة بعض السخريات حول من يزعمون الثورية ثم ينساه العمل تماما!! دعنا نشير هنا إلى أن المفترض أن تلك المعلومات المكتوبة صحيحة، لأنها لا تأتي على لسان إحدى الشخصيات، وإنما من وجهة نظر سارد الأحداث (وهو هنا المؤلف والمخرج معا)، الذي يعرف كل شيء عن الشخصيات لكنه يخفي بعض المعلومات حتى يصرح بها في الوقت المناسب دراميا، وهذا من أبسط قواعد التشويق، لكن من غير المتصور على الإطلاق أن هذا الراوي "يخدع" المتفرج بمعلومات سوف نعرف لاحقا أنها غير صحيحة!!
الأسلوب البوليسي هنا تلفيقي وبعيد عن صدق السرد، والعمل البوليسي الناضج ينثر المعلومات هنا وهناك بطريقة قد تفوت عليك (أو يجب أن تفوت عليك) حين تراها على نحو عابر، لكنك عندما تراجعها بعد ذلك تسأل نفسك كيف فاتت عليك، وهذا هو مصدر المتعة في العمل البوليسي، لكن أن يلقي إليك صناع المسلسل بمعلومات مغلوطة (مرة أخرى يفترض أنها موضوعية وصادقة) فإن معنى هذا أنه يلعب معك لعبة الخداع، والأدهى كما سوف نرى هو أن يحجب عنك معلومات أخرى تماما ليرميها لك في الحلقة الأخيرة.
من جانب آخر يجب أن نشير إلى أن في المسلسل عوامل فنية غطت على هذه العيوب الأسلوبية في الصياغة الدرامية، فأداء خالد الصاوي في دور ضابط المباحث حسن محفوظ اتسم بحيوية فائقة، إنه المعادل المصري تماما لشخصية البطل في سلسلة أفلام "داي هارد"، المتفاني في عمله حتى أنه ينفصل عن زوجته ابنة المسئول الكبير، ويعاني من تزمتها معه في أيام رؤيته لابنته وابنه، وهو يغطي إحساسه الإنساني المرهف بالصفات التي اكتسبها من عمله، والتي تمزج بين الصرامة و"الفهلوة" وخفة الظل ونخوة أولاد البلد. تكتمل هذه الشخصية وتتكامل مع شخصية الصحفية داليا غنيم (كندة علوش) المتخصصة في الحوادث، فبينهما علاقة عمل غريبة وطريفة معا، إنها تعتمد عليه كأحد مصادرها، وهو يعتمد عليها أحيانا في بعض أمور حياته الشخصية، مثل تسهيل رؤيته لطفليه، وهذه العلاقة تنمو لكي تصبح إحساسا عاطفيا يسري تحت السطح بما يعطي للملسلسل مسحة رومانسية رقيقة أحيانا.
من جانب آخر يمكنك أن تشعر بالأسلوب البصري المختلف الذي يتبعه المخرج محمد علي، فهناك حركة متدفقة في التصوير والمونتاج يندر أن تجدها في أعمالنا التليفزيونية، وما يؤكد عليها استخدام التصوير الخارجي في الأماكن الطبيعية للأحداث في العديد من المشاهد، ناهيك عن الكثير من التلقائية التي اتسم بها أداء معظم الممثلين، لكن هذه التلقائية تحولت أحيانا إلى الاصطناع كما يحدث مع شخصية شقيق صافي، تماما كما أن الأسلوب البصري ذي المسحة السينمائية بدا مجانيا أحيانا مثلما هو الحال مع استخدام الشاشة المنقسمة دون أن تكون لذلك ضرورة درامية، ولا تنس بالطبع الاستغراق في مشاهد الفرح لزوم تطويل الحلقات!
يمكنك أن تعد عشرات الشخصيات التي مر عليها العمل مرور الكرام، إنه يستخدمها ثم يتخلص منها كأنها أدوات "ذات الاستخدام الواحد" (!!) لمجرد أن تسمع منها وعنها بعض عبارات ساخرة، أو لإثارة الشك حول إذا ما كان أحدها هو القاتل، بدءا من الداعية الديني، ومرورا بالوزير السابق، والوزير الحالي، ورئيس التحرير الانتهازي، والمثقف الثوري على طريقة الأفلام المصرية، والذي يقول الشعر ويعلق صورة عبد الناصر ولا يحلق ذقنه أو يمشط شعره (!!)، ورجال الأعمال أصحاب السطوة والنفوذ، وصديقة قديمة لصافي أصبحت الآن سكرتيرتها، وخادمتها التي خرجت لتوها من عباءة زينات صدقي، ورجال أمن الفندق الذين تنحصر مهمتهم في أن يكونوا لسان حال المؤلف في التعليق على الشخصيات والأحداث!
في الحلقة الأخيرة، وبدون أية إشارة درامية سابقة، تحدث المفاجأة: فالأب الفقير الذي هجرته ابنته وزوجته سعيا إلى الثراء الفاحش ليس إلا وحشا آدميا، إنه كان يغتصب ابنته، وهو القاتل أيضا!! وإذا كان ذلك يمثل بدوره خداعا للمتفرج، الذي لم ولن يجد لهذه الصفة البشعة جذورا في المسلسل، فإن هذا "الحل" التلفيقي يحيل كل ما تصوره المتفرج نقدا سياسيا واجتماعيا إلى المرض النفسي الجنسي، بينما يجب على كل حديث عن مثل هذه التشوهات النفسية أن يردها إلى جذورها وأسبابها التي تكمن في الحالة الاقتصادية والسياسية المتردية للمجتمع المصري الآن، و"أهل كايرو" ليسوا أبدا هم أهل القاهرة الحقيقية، بل أهل هذه النوعية من الكتابات التي تخلط الجد بالهزل، وتضع الجاني والضحية معا في سلة واحدة، وهي سلة السخرية السوداء من أي شيء، وكل شيء.
هذا هو السر في النجاح الجماهيري للمسلسل الدرامي البوليسي "أهل كايرو"، الذي كتبه بلال فضل وأخرجه محمد علي، لأن هذا النوع من الدراما كاد أن يختفي من على شاشة التليفزيونات والفضائيات العربية، برغم أن له مساحة ثابتة ومكانة مهمة في الدراما التليفزيونية في العالم كله، وهو ما تستطيع أن تتأكد منه إذا استطعت أن تفلت من مسلسلاتنا ذات مرة، لتتفرج على المسلسل الأمريكي "24" مثلا، غير أن أعمالنا التليفزيونية الدرامية تمضي دائما في "الموضة" السائدة، تارة مسلسلات سيرة حياة المشاهير، أو الأحياء العشوائية، أو كوميديا الموقف شديدة التواضع في شكلها ومضمونها.
جاء إذن "أهل كايرو" ليخرج عن المألوف في شكله، لكن السؤال هو إذا ما كان قد شق لنفسه طريقا جديدا في المضمون أيضا، وهذا ما سوف نحاول الإجابة عليه. الخط الدرامي هنا شديد البساطة، والتعقيد الظاهر ليس إلا مناورة من صناع المسلسل لتحقيق بعض الأهداف التي تبدو مشروعة من الناحية الفنية، حيث يصبح "التشويق" هو السمة الرئيسية. في البؤرة الدرامية هناك شخصية تدعى صافي سليم (رانيا يوسف)، يقال أنها سيدة مجتمع، وهي الصفة التي يحاول المسلسل بها الإيحاء بأنها اتخذت طرقا ملتوية في رحلة صعودها من حضيض الفقر إلى قمة الثراء والوجاهة الاجتماعية.
يقول المسلسل في نهاية الحلقات أن هناك من حولك في حياتك اليومية عشرات من أمثال هذه الشخصية، وهو تلميح إلى أن الصعود الاجتماعي يحدث في "القاهرة" الآن من خلال الطرق غير المشروعة، وهذا جانب آخر من جوانب التشويق، إذ توجد "توليفة" من الجريمة والسياسة، لكن صناع المسلسل لن يتطرقوا بالطبع لأي جرائم سياسية سوى بنوع من "التلسين" الذي اشتهر به الأدب والفن المصريين في الآونة الأخيرة. ولأن صافي سليم في رحلة صعودها التقت بالعديد من الشخصيات، فسوف يتجمعون في ليلة زواجها (وهي التي تزوجت مرات عديدة سابقة) في حفل الزفاف بفندق فاخر، وهو ما تلخصه لك جملة من الحوار تأتي على لسان إحدى الشخصيات: "نجوم سياسة على فن على دين على بيزينيس على كورة".
إذن هؤلاء هم "أهل كايرو" كما يراهم صناع العمل (أرجو أن تلتفت إلى استخدام كلمة "كايرو" بما يذكرك بأحد مونولوجات شكوكو!)، لكن هناك جانبا آخر يشير له العمل كلما تذكره، أو بالأحرى أنه ينساه متعمدا لكي يجعلك تنساه، هذا الجانب هو الحي الفقير الذي ولدت فيه صافي سليم قبل أن تغير اسمها، تاركة وراءها شقيقة وأبا، بينما رحلت دون عودة مع الأم والشقيق، وهنا يتعمد المسلسل أيضا أن يتجاهل تماما الحديث عن أسباب انقسام أفراد العائلة على هذا النحو، لكنه سوف يكشف لك السر في حلقته الأخيرة.
قررت صافي أخيرا أن تتزوج من طبيب جراح مشهور يدعى شريف راسخ (زكي فطين عبد الوهاب)، عاد من أمريكا بعد سنوات من الغربة ليستقر في مصر لحنينه إليها، فهكذا نقرأ على الشاشة في عبارات مكتوبة (مع تثبيت الصورة) على طريقة بعض الأفلام الأمريكية المعاصرة، وهو الأسلوب الذي سوف يتبناه العمل مع العديد من الشخصيات حتى العابرة منها، والتي لن يفيدك أن تعرف عنها شيئا، مثل منظم الأفراح أو زوج الشقيقة، أو حتى شخصية رئيس تحرير جريدة يستخدمه المسلسل في البداية لإثارة بعض السخريات حول من يزعمون الثورية ثم ينساه العمل تماما!! دعنا نشير هنا إلى أن المفترض أن تلك المعلومات المكتوبة صحيحة، لأنها لا تأتي على لسان إحدى الشخصيات، وإنما من وجهة نظر سارد الأحداث (وهو هنا المؤلف والمخرج معا)، الذي يعرف كل شيء عن الشخصيات لكنه يخفي بعض المعلومات حتى يصرح بها في الوقت المناسب دراميا، وهذا من أبسط قواعد التشويق، لكن من غير المتصور على الإطلاق أن هذا الراوي "يخدع" المتفرج بمعلومات سوف نعرف لاحقا أنها غير صحيحة!!
الأسلوب البوليسي هنا تلفيقي وبعيد عن صدق السرد، والعمل البوليسي الناضج ينثر المعلومات هنا وهناك بطريقة قد تفوت عليك (أو يجب أن تفوت عليك) حين تراها على نحو عابر، لكنك عندما تراجعها بعد ذلك تسأل نفسك كيف فاتت عليك، وهذا هو مصدر المتعة في العمل البوليسي، لكن أن يلقي إليك صناع المسلسل بمعلومات مغلوطة (مرة أخرى يفترض أنها موضوعية وصادقة) فإن معنى هذا أنه يلعب معك لعبة الخداع، والأدهى كما سوف نرى هو أن يحجب عنك معلومات أخرى تماما ليرميها لك في الحلقة الأخيرة.
من جانب آخر يجب أن نشير إلى أن في المسلسل عوامل فنية غطت على هذه العيوب الأسلوبية في الصياغة الدرامية، فأداء خالد الصاوي في دور ضابط المباحث حسن محفوظ اتسم بحيوية فائقة، إنه المعادل المصري تماما لشخصية البطل في سلسلة أفلام "داي هارد"، المتفاني في عمله حتى أنه ينفصل عن زوجته ابنة المسئول الكبير، ويعاني من تزمتها معه في أيام رؤيته لابنته وابنه، وهو يغطي إحساسه الإنساني المرهف بالصفات التي اكتسبها من عمله، والتي تمزج بين الصرامة و"الفهلوة" وخفة الظل ونخوة أولاد البلد. تكتمل هذه الشخصية وتتكامل مع شخصية الصحفية داليا غنيم (كندة علوش) المتخصصة في الحوادث، فبينهما علاقة عمل غريبة وطريفة معا، إنها تعتمد عليه كأحد مصادرها، وهو يعتمد عليها أحيانا في بعض أمور حياته الشخصية، مثل تسهيل رؤيته لطفليه، وهذه العلاقة تنمو لكي تصبح إحساسا عاطفيا يسري تحت السطح بما يعطي للملسلسل مسحة رومانسية رقيقة أحيانا.
من جانب آخر يمكنك أن تشعر بالأسلوب البصري المختلف الذي يتبعه المخرج محمد علي، فهناك حركة متدفقة في التصوير والمونتاج يندر أن تجدها في أعمالنا التليفزيونية، وما يؤكد عليها استخدام التصوير الخارجي في الأماكن الطبيعية للأحداث في العديد من المشاهد، ناهيك عن الكثير من التلقائية التي اتسم بها أداء معظم الممثلين، لكن هذه التلقائية تحولت أحيانا إلى الاصطناع كما يحدث مع شخصية شقيق صافي، تماما كما أن الأسلوب البصري ذي المسحة السينمائية بدا مجانيا أحيانا مثلما هو الحال مع استخدام الشاشة المنقسمة دون أن تكون لذلك ضرورة درامية، ولا تنس بالطبع الاستغراق في مشاهد الفرح لزوم تطويل الحلقات!
يمكنك أن تعد عشرات الشخصيات التي مر عليها العمل مرور الكرام، إنه يستخدمها ثم يتخلص منها كأنها أدوات "ذات الاستخدام الواحد" (!!) لمجرد أن تسمع منها وعنها بعض عبارات ساخرة، أو لإثارة الشك حول إذا ما كان أحدها هو القاتل، بدءا من الداعية الديني، ومرورا بالوزير السابق، والوزير الحالي، ورئيس التحرير الانتهازي، والمثقف الثوري على طريقة الأفلام المصرية، والذي يقول الشعر ويعلق صورة عبد الناصر ولا يحلق ذقنه أو يمشط شعره (!!)، ورجال الأعمال أصحاب السطوة والنفوذ، وصديقة قديمة لصافي أصبحت الآن سكرتيرتها، وخادمتها التي خرجت لتوها من عباءة زينات صدقي، ورجال أمن الفندق الذين تنحصر مهمتهم في أن يكونوا لسان حال المؤلف في التعليق على الشخصيات والأحداث!
في الحلقة الأخيرة، وبدون أية إشارة درامية سابقة، تحدث المفاجأة: فالأب الفقير الذي هجرته ابنته وزوجته سعيا إلى الثراء الفاحش ليس إلا وحشا آدميا، إنه كان يغتصب ابنته، وهو القاتل أيضا!! وإذا كان ذلك يمثل بدوره خداعا للمتفرج، الذي لم ولن يجد لهذه الصفة البشعة جذورا في المسلسل، فإن هذا "الحل" التلفيقي يحيل كل ما تصوره المتفرج نقدا سياسيا واجتماعيا إلى المرض النفسي الجنسي، بينما يجب على كل حديث عن مثل هذه التشوهات النفسية أن يردها إلى جذورها وأسبابها التي تكمن في الحالة الاقتصادية والسياسية المتردية للمجتمع المصري الآن، و"أهل كايرو" ليسوا أبدا هم أهل القاهرة الحقيقية، بل أهل هذه النوعية من الكتابات التي تخلط الجد بالهزل، وتضع الجاني والضحية معا في سلة واحدة، وهي سلة السخرية السوداء من أي شيء، وكل شيء.
Wednesday, November 10, 2010
عليك رغم الألم أن تحافظ على إنسانيتك، حتى لك كنت الإنسان الوحيد
فيلم "كيف تروض تنينك؟"
أجمل ما فى الأفلام الموجهة للأطفال، والمكتوبة جيدا، أنها تحتوى دائما على مستويات عديدة للتلقى. وهى فى هذا تشترك مع كل عمل فنى أصيل فى أنه يبدو على السطح بسيطا سهلا، لكنك تشعر أن هناك معانٍ خفية بين السطور (يطلق عليها أهل السيميولوجيا بمصطلحاتهم المعقدة "النص الفرعى")، إن هذه المعانى العميقة تلمس وترا عميقا في وجدانك وعقلك، وتدفعك إلى اكتشافها، لتدرك أن "فيلم الأطفال" الجيد والجاد أكثر أصالة من العشرات من أفلامنا المصرية الراهنة، التى نصنعها بقدر كبير من "الفهلوة" بمعناها السلبى، ونتفرج عليها وقد أعطينا عقولنا ومشاعرنا إجازة.
إن هذه المستويات المتعددة للمعنى فى أفلام الأطفال المتميزة تعود إلى أن صناعها يدركون الرابطة الوثيقة التى تربطها بالأسطورة، وفى كتب الدراسات السينمائية يمكنك أن تقرأ – على سبيل المثال – أن جورج لوكاس درس الميثولوجيا لكى يبدأ فى صنع سلسلته عن "حرب النجوم". فالأسطورة التى وُلدت بدورها فى طفولة الفكر الإنسانى، ويمتزج فيها الفن والدين وصورة بدائية للعلم، هذه الأسطورة تخاطب بداخل الإنسان مخاوفه وأحلامه مها، وتحاول أن تقدم لأسئلته الوجودية إجابات تبعث له الثقة بنفسه، حتى لو كانت بمفاهيمنا المعاصرة تعتبر إجابات ساذجة. إن هذه الأسئلة تبدأ وتنتهى دائما بعلاقة الإنسان بالعالم من حوله، سواء كان هذا العالم هو الكون الغامض الممتد بلا نهاية، أو كان العالم هو المجتمع الصغير الذى يعيش فيه الفرد محاولا الدفاع عن ذاته الفردية، والذوبان فى المجموع فى نفس الوقت.
كثيرا ما تدور أفلام الأطفال الأمريكية حول هذه الأزمة (الصراع بين الفرد والجماعة)، ويمكنك أن تلاحظ بشكل عام أن هذه الأفلام تمتد بين نقيضين متعارضين، تمثلهما شركة "بيسكار" من جانب، وشركة "دريم ووركس" من جانب آخر، وإذا أردت مثالا واضحا على هذا التناقض فإليك فيلمين، كلاهما من بطولة "نملة"، الأول هو فيلم شركة بيكسار "حياة حشرة"، الذى يؤكد أن العدوان على مجتمع النمل لن تتم مواجهته إلا من خلال تكاتف الجماعة، أما الفيلم الثانى فهى "النملة زِى" لشركة دريم ووركس، حيث البطل لا يهتم إلا بفرديته المطلقة، وهى الفردية التى يزعم الفيلم أنها السبيل الوحيد للخلاص.
لذلك فإننى أحب أفلام شركة بيكسار المرهفة والعميقة، مثل "البحث عن نيمو" و"شركة الوحوش المتحدة" و"الخارقون"، ولا أخفى كراهيتى لأفلام دريم ووركس الخشنة الغليظة مثل سلسلة "شِريك" و"حدوتة سمكة القرش". لكننى أعترف بأن مشاعر المفاجأة استولت علىّ مع الفيلم الأخير لشركة دريم ووركس "كيف تروض تنينك"، حتى أننى أتصور أنها تأثرت على نحو ما بأفلام شركة بيكسار. ففى هذا الفيلم لم يعد البطل هو الشخص المغرق فى ذاتيته (ويحتفى به وبها الفيلم ويكرسهما)، لكنه البطل الذى يمكن لكل متفرج طفل أو بالغ أن يشعر أنه يشبهه على نحو ما، لأنه يخوض "رحلة" داخلية وخارجية معا، إنه يرفض الامتثال للقيم الاجتماعية السائدة من حوله، بقدر ما هو مرفوض من المجتمع لاختلافه الواضح عما هو مألوف ومقبول، لكن الرحلة المضنية سوف تنتهى بقبول المجتمع له، وبنضجه فى التعامل مع هذا المجتمع.
تلك "الرحلة" هى ما يطلق عليه علماء الأنثربولوجيا والاجتماع مصطلح "طقس العبور"، وهو مصطلح مأخوذ عن ممارسات القبائل البدائية (وحتى المدنيات المعاصرة، وإن اختلفت الطريقة)، عندما تفرض على الصبى لكى يثبت "بلوغه" أن يخوض اختبارات قاسية مؤلمة، وهذا الألم – الذى عايشه كل منا على نحو ما، وربما ما يزال يعايشه أيضا – هو الثمن الباهظ الذى يجب علينا أن ندفعه لكى يتحقق هذا الهدف المزودوج النبيل: ألا ندع القيم السائدة تفرض علينا بلادتها وتقيد حريتنا فى الاختيار، فى نفس الوقت الذى ننجح فيه فى أن نؤثر فى الآخرين بقدر تأثرنا بهم. إنها العلاقة الناضجة بيننا وبين العالم، وإن كانت فى السياق المضطرب الذى نعيش فيه علاقة مبتورة مشوهة.
العالم الخارجى فى فيلم "كيف تروض تنينك" هو مدينة رمادية فى بلاد "الفايكينج"، مدينة لا تشعر بالاستقرار لأن هناك على أطرافها أنواعا مختلفة من التنانين، لا تتوقف عن الهجوم على المدينة واختطاف المواشى منها، لذلك فإن أهل المدينة يكرسون كل حياتهم لمحاربة هذه الوحوش، ولذلك أيضا فإن الرجل "العادى" فى بلاد الفايكنج هو عملاق ضخم الجثة متجهم الملامح، لا تكاد المشاعر الرقيقة أن تعرف طريقها إلى قلبه. فى هذا العالم ولد بطلنا الصبى هيكاب (زغطة!)، نحيل الجسم، مرهف الأحاسيس، حتى أن الآخرين من الكبار وأقرانه الصغار يسخرون منه دائما، والمفارقة الساخرة المؤلمة أن هيكاب ليس إلا ابن زعيم القبيلة ستويك، الذى يكاد أن يشعر بالعار من أن ابنه ليس فايكينج أصيلا. وهنا ندخل إلى العالم الداخلى لبطلنا الصغير، إنه يريد أن يكون نفسه لا كما يريده الآخرون أن يكون، وهو يدرك تماما أنه لا يحب أن يصبح رجلا قاسيا فى هذه المدينة الكئيبة التى لا تعرف للحياة معنى أو هدفا إلا قتل التنانين التى تحيط بمدينتهم.
بعد أن يؤسس الفيلم للشخصية الرئيسية وأزمته الداخلية، والتى هى فى جوهرها انعكاس لواقع خارجى خارج عن إرادته، يبدأ الصراع الدرامى. إن الجميع ينصحونه: "توقف أن تكون نفسك!"، ويشيرون إلى جسده الهزيل، وهو يريد أن يكون "طبيعيا" وسطهم حتى يتوقفوا عن السخرية منه، لذلك فإنه يذهب متسللا من خلف الجموع التى انشغلت بمحاربة التنانين، ويجرب أن يصطاد تنينا بأداة بسيطة اخترعها، وبالفعل فإنه يصيب التنين المعروف باسم "غضب الليل"، الذى لم يره أحد أبدا ثم عاش ليروى ماذا رأى، لأنه أخطر التنانين جميعا، لكن المشكلة أن أحدا لا يصدق هيكاب ويغالون فى السخرية منه.
يذهب هيكاب فى الصباح التالى باحثا فى الغابة عن المكان الذى يفترض أن "غضب الليل" قد سقط فيه، وبالفعل يجد التنين سجينا فى شبكة الحبال وقد فقد نصف زعنفة ذيله فأصبح عاجزا عن الطيران. هذا هو أحد أكثر مشاهد الفيلم رهافة فى المعالجة: كيف ستكون المواجهة بين هيكاب وتنينه؟ إنه يدرك أن مشاعره لن تسمح له بقتله، فيفك أسره، وعلى طريقة "أندروكليز والأسد" يتعامل برقة مع التنين الجريح العاجز عن إطعام نفسه، ويعطيه سمكة ويطلق عليه اسم توثليس (الأهتم) لأنه يستطيع إخفاء أسنانه عندما لا يحتاجها، وتنشأ بينهما علاقة رقيقة تزداد عمقا، يحاول فيها هيكاب أن يصلح الذيل المكسور للتنين، ويتعلم كيف يربت عليه فإذا به يربض فى سكينة كقطة وديعة، كما يعرف أن التنانين تخاف من سمكة صفراء، وهى المعرفة التى سوف تفيده فى معاملة التنانين.
لقد قام هيكاب بترويض التنين، لكنه تعلم أيضا من خلال هذا الترويض، وفى الحقيقة أنه ترويض متبادل، ومن الطرائف ذات الدلالة أن كريسيدا كاول مؤلفة سلسلة الروايات التى أخذ عنها الفيلم مادته، كتبت نفس القصة مرة أخرى من وجهة نظر التنين توثليس، وجاءت القصة بعنوان "كيف تروض فايكينجك"!! سوف يستخدم هيكاب ما تعلمه عندما يتدرب مع أقرانه الصغار على محاربة التنانين، فينبهرون بقدرته الغامضة التى أتته بعد شهرته وسطهم بالخوف، كما أنه سوف يثير غيرة الفتاة "الفايكينجية" أستريد، الفاتنة المقاتلة، لأن الصبى النحيل سرق منها نجوميتها فى ساحة التدريب.
تتسلل أستريد فى الغابة خلف هيكاب لنعرف سره، فتدرك حقيقة علاقته بالتنين توثليس، إنه يبدو للوهلة الأولى قد تخلى عن عقيدة الفايكينج فى قتل التنانين فتثور عليه، لكنها تغير رأيها عندما يصحبها هيكاب فوق ظهر التنين ليطير بهما فى الفضاء فى مشهد فاتن ساحر. العقدة الدرامية الآن أصبحت تتركز فى انبهار الأب بمواهب ابنه التى خفيت عليه، وهو ما يجعل الأب يقرر أن يقبض على توثليس ليقوده ورجال القبيلة إلى عش التنانين للقضاء عليهم، برغم رفض هيكاب لذلك، وهنا أتركك تكمل مشاهدة الفيلم بنفسك، لتعرف كيف انتهى الصراع.
فلنعد إلى "طقس العبور" فى تلك المرحلة الحرجة من العمر، أو قد يمتد إلى السؤال الذى يستمر طوال الحياة: هل أرضخ للقبيلة، أو أتمرد عليها؟ أم أن هناك إمكانية للتفاعل الخلاق بينى وبينها برغم اختلافى عنها؟ يؤكد الفيلم أن الاختلاف حق مشروع ومطلوب لإثراء الحياة، المهم أن "تكون نفسك"، أن تحقق ذاتك لا أن تسعى لإثارة إعجاب الآخرين ورضاهم، خاصة الآخرين الذين ترفض قيمهم ومعاييرهم المشوهة المريضة. وفى طقس العبور هذا سوف تعانى فى البداية من الألم والإنكار والاستنكار من جانب الآخرين، حتى "تنينك" سوف يتألم، وهنا أود أن أشير إلى أن إضافة التنين إليك تعنى أنه جزء منك، إن التنين لا يوجد خارجك، إنه فى داخلك وفى أعماقك، إنه الخوف والقلق والقوة الحبيسة التى تخشى أن تنطلق من عقالها، والتصالح مع التنين بداخلك هو الذى سوف يجعلك تنجح فى طقس العبور، ويجعلك "تطير" فى أجواز الفضاء، وحلم الطيران فى علم النفس والميثولوجيا يعنى دائما الإحساس بالتحرر والانطلاق، ولا يخلو من تفسيرات فرويدية، وأرجو أن تتأمل جيدا مشهد طيران هيكاب وأستريد فوق ظهر التنين، يبدأ بالخوف وينتهى بالنشوة، فى سماء ملونة حيث يمكنك أن تلمس السحاب، وتسمع موسيقى ملائكية ناعمة، كما يمكنك أن تربت عنق التنين فى امتنان لأنه حقق لك هذه الرحلة الحلم.
تأتى هذه المعانى وغيرها من خلال أسلوب التحريك شديد الإمتاع والإبهار، فمدينة الفايكينج تبدو فى البداية رمادية يخيم عليها الظلام، بينما هى فى النهاية مشرقة زاهية الألوان، فى إشارة للتغير الدرامى الذى حدث لأهلها، والتنانين مزيج من الزواحف والحيوانات المائية والطيور الملونة والقطط مع بعض الملامح الإنسانية (إنك لن تنسى عينى توثليس الجريح وهو يتوقع أن يغمد هيكاب خنجره فى قلبه)، ناهيك عن معارك الأطفال المضحكة فى تدريبهم على قتال التنانين، ورحلة الفايكينج فى مراكبهم عبر البحار.
تأمل أيضا تلك النهاية غير التقليدية لبطل فيلم من أفلام الأطفال: إن هيكاب يفقد إحدى ساقيه فى المعركة الأخيرة، تماما كما كان التنين توثليس قد فقد نصف زعنفة ذيله، فهما وجهان لعملة واحدة، ولا مبرر لخوف الفايكينج من التنانين. فى حوار بين الأب والابن يقول ستويك مشيرا إلى التنانين: "لقد قتلوا منا المئات"، فيجيب هيكاب: "ونحن قتلنا منهم الآلاف، إنهم يهاجموننا للدفاع عن أنفسهم"، فتلمس مستوى سياسيا واعيا, ونضجا فى صناعة فيلم للأطفال، إن العالم وكائناته حول المدينة ليس مخيفا كما يتصور أهلها، إن الجميع يبحث عن الطعام والمأوى، وليس هناك تناقض إذا فهم الفايكينج ذلك، وإذا تخلوا عن نزعة القتل والقتال. كل هذا ياعزيزى القارئ فى فيلم موجه للأطفال، لكننى أعترف أننى استمتعت به كطفل وناقد معا، ويكفى أنه أكد لى ما تعلمته من يوجين يونيسكو فى الماضى البعيد من مراهقتى: حتى لو تحول كل أهل المدينة إلى خراتيت، عليك رغم الألم أن تحافظ على إنسانيتك، حتى لك كنت الإنسان الوحيد.
أجمل ما فى الأفلام الموجهة للأطفال، والمكتوبة جيدا، أنها تحتوى دائما على مستويات عديدة للتلقى. وهى فى هذا تشترك مع كل عمل فنى أصيل فى أنه يبدو على السطح بسيطا سهلا، لكنك تشعر أن هناك معانٍ خفية بين السطور (يطلق عليها أهل السيميولوجيا بمصطلحاتهم المعقدة "النص الفرعى")، إن هذه المعانى العميقة تلمس وترا عميقا في وجدانك وعقلك، وتدفعك إلى اكتشافها، لتدرك أن "فيلم الأطفال" الجيد والجاد أكثر أصالة من العشرات من أفلامنا المصرية الراهنة، التى نصنعها بقدر كبير من "الفهلوة" بمعناها السلبى، ونتفرج عليها وقد أعطينا عقولنا ومشاعرنا إجازة.
إن هذه المستويات المتعددة للمعنى فى أفلام الأطفال المتميزة تعود إلى أن صناعها يدركون الرابطة الوثيقة التى تربطها بالأسطورة، وفى كتب الدراسات السينمائية يمكنك أن تقرأ – على سبيل المثال – أن جورج لوكاس درس الميثولوجيا لكى يبدأ فى صنع سلسلته عن "حرب النجوم". فالأسطورة التى وُلدت بدورها فى طفولة الفكر الإنسانى، ويمتزج فيها الفن والدين وصورة بدائية للعلم، هذه الأسطورة تخاطب بداخل الإنسان مخاوفه وأحلامه مها، وتحاول أن تقدم لأسئلته الوجودية إجابات تبعث له الثقة بنفسه، حتى لو كانت بمفاهيمنا المعاصرة تعتبر إجابات ساذجة. إن هذه الأسئلة تبدأ وتنتهى دائما بعلاقة الإنسان بالعالم من حوله، سواء كان هذا العالم هو الكون الغامض الممتد بلا نهاية، أو كان العالم هو المجتمع الصغير الذى يعيش فيه الفرد محاولا الدفاع عن ذاته الفردية، والذوبان فى المجموع فى نفس الوقت.
كثيرا ما تدور أفلام الأطفال الأمريكية حول هذه الأزمة (الصراع بين الفرد والجماعة)، ويمكنك أن تلاحظ بشكل عام أن هذه الأفلام تمتد بين نقيضين متعارضين، تمثلهما شركة "بيسكار" من جانب، وشركة "دريم ووركس" من جانب آخر، وإذا أردت مثالا واضحا على هذا التناقض فإليك فيلمين، كلاهما من بطولة "نملة"، الأول هو فيلم شركة بيكسار "حياة حشرة"، الذى يؤكد أن العدوان على مجتمع النمل لن تتم مواجهته إلا من خلال تكاتف الجماعة، أما الفيلم الثانى فهى "النملة زِى" لشركة دريم ووركس، حيث البطل لا يهتم إلا بفرديته المطلقة، وهى الفردية التى يزعم الفيلم أنها السبيل الوحيد للخلاص.
لذلك فإننى أحب أفلام شركة بيكسار المرهفة والعميقة، مثل "البحث عن نيمو" و"شركة الوحوش المتحدة" و"الخارقون"، ولا أخفى كراهيتى لأفلام دريم ووركس الخشنة الغليظة مثل سلسلة "شِريك" و"حدوتة سمكة القرش". لكننى أعترف بأن مشاعر المفاجأة استولت علىّ مع الفيلم الأخير لشركة دريم ووركس "كيف تروض تنينك"، حتى أننى أتصور أنها تأثرت على نحو ما بأفلام شركة بيكسار. ففى هذا الفيلم لم يعد البطل هو الشخص المغرق فى ذاتيته (ويحتفى به وبها الفيلم ويكرسهما)، لكنه البطل الذى يمكن لكل متفرج طفل أو بالغ أن يشعر أنه يشبهه على نحو ما، لأنه يخوض "رحلة" داخلية وخارجية معا، إنه يرفض الامتثال للقيم الاجتماعية السائدة من حوله، بقدر ما هو مرفوض من المجتمع لاختلافه الواضح عما هو مألوف ومقبول، لكن الرحلة المضنية سوف تنتهى بقبول المجتمع له، وبنضجه فى التعامل مع هذا المجتمع.
تلك "الرحلة" هى ما يطلق عليه علماء الأنثربولوجيا والاجتماع مصطلح "طقس العبور"، وهو مصطلح مأخوذ عن ممارسات القبائل البدائية (وحتى المدنيات المعاصرة، وإن اختلفت الطريقة)، عندما تفرض على الصبى لكى يثبت "بلوغه" أن يخوض اختبارات قاسية مؤلمة، وهذا الألم – الذى عايشه كل منا على نحو ما، وربما ما يزال يعايشه أيضا – هو الثمن الباهظ الذى يجب علينا أن ندفعه لكى يتحقق هذا الهدف المزودوج النبيل: ألا ندع القيم السائدة تفرض علينا بلادتها وتقيد حريتنا فى الاختيار، فى نفس الوقت الذى ننجح فيه فى أن نؤثر فى الآخرين بقدر تأثرنا بهم. إنها العلاقة الناضجة بيننا وبين العالم، وإن كانت فى السياق المضطرب الذى نعيش فيه علاقة مبتورة مشوهة.
العالم الخارجى فى فيلم "كيف تروض تنينك" هو مدينة رمادية فى بلاد "الفايكينج"، مدينة لا تشعر بالاستقرار لأن هناك على أطرافها أنواعا مختلفة من التنانين، لا تتوقف عن الهجوم على المدينة واختطاف المواشى منها، لذلك فإن أهل المدينة يكرسون كل حياتهم لمحاربة هذه الوحوش، ولذلك أيضا فإن الرجل "العادى" فى بلاد الفايكنج هو عملاق ضخم الجثة متجهم الملامح، لا تكاد المشاعر الرقيقة أن تعرف طريقها إلى قلبه. فى هذا العالم ولد بطلنا الصبى هيكاب (زغطة!)، نحيل الجسم، مرهف الأحاسيس، حتى أن الآخرين من الكبار وأقرانه الصغار يسخرون منه دائما، والمفارقة الساخرة المؤلمة أن هيكاب ليس إلا ابن زعيم القبيلة ستويك، الذى يكاد أن يشعر بالعار من أن ابنه ليس فايكينج أصيلا. وهنا ندخل إلى العالم الداخلى لبطلنا الصغير، إنه يريد أن يكون نفسه لا كما يريده الآخرون أن يكون، وهو يدرك تماما أنه لا يحب أن يصبح رجلا قاسيا فى هذه المدينة الكئيبة التى لا تعرف للحياة معنى أو هدفا إلا قتل التنانين التى تحيط بمدينتهم.
بعد أن يؤسس الفيلم للشخصية الرئيسية وأزمته الداخلية، والتى هى فى جوهرها انعكاس لواقع خارجى خارج عن إرادته، يبدأ الصراع الدرامى. إن الجميع ينصحونه: "توقف أن تكون نفسك!"، ويشيرون إلى جسده الهزيل، وهو يريد أن يكون "طبيعيا" وسطهم حتى يتوقفوا عن السخرية منه، لذلك فإنه يذهب متسللا من خلف الجموع التى انشغلت بمحاربة التنانين، ويجرب أن يصطاد تنينا بأداة بسيطة اخترعها، وبالفعل فإنه يصيب التنين المعروف باسم "غضب الليل"، الذى لم يره أحد أبدا ثم عاش ليروى ماذا رأى، لأنه أخطر التنانين جميعا، لكن المشكلة أن أحدا لا يصدق هيكاب ويغالون فى السخرية منه.
يذهب هيكاب فى الصباح التالى باحثا فى الغابة عن المكان الذى يفترض أن "غضب الليل" قد سقط فيه، وبالفعل يجد التنين سجينا فى شبكة الحبال وقد فقد نصف زعنفة ذيله فأصبح عاجزا عن الطيران. هذا هو أحد أكثر مشاهد الفيلم رهافة فى المعالجة: كيف ستكون المواجهة بين هيكاب وتنينه؟ إنه يدرك أن مشاعره لن تسمح له بقتله، فيفك أسره، وعلى طريقة "أندروكليز والأسد" يتعامل برقة مع التنين الجريح العاجز عن إطعام نفسه، ويعطيه سمكة ويطلق عليه اسم توثليس (الأهتم) لأنه يستطيع إخفاء أسنانه عندما لا يحتاجها، وتنشأ بينهما علاقة رقيقة تزداد عمقا، يحاول فيها هيكاب أن يصلح الذيل المكسور للتنين، ويتعلم كيف يربت عليه فإذا به يربض فى سكينة كقطة وديعة، كما يعرف أن التنانين تخاف من سمكة صفراء، وهى المعرفة التى سوف تفيده فى معاملة التنانين.
لقد قام هيكاب بترويض التنين، لكنه تعلم أيضا من خلال هذا الترويض، وفى الحقيقة أنه ترويض متبادل، ومن الطرائف ذات الدلالة أن كريسيدا كاول مؤلفة سلسلة الروايات التى أخذ عنها الفيلم مادته، كتبت نفس القصة مرة أخرى من وجهة نظر التنين توثليس، وجاءت القصة بعنوان "كيف تروض فايكينجك"!! سوف يستخدم هيكاب ما تعلمه عندما يتدرب مع أقرانه الصغار على محاربة التنانين، فينبهرون بقدرته الغامضة التى أتته بعد شهرته وسطهم بالخوف، كما أنه سوف يثير غيرة الفتاة "الفايكينجية" أستريد، الفاتنة المقاتلة، لأن الصبى النحيل سرق منها نجوميتها فى ساحة التدريب.
تتسلل أستريد فى الغابة خلف هيكاب لنعرف سره، فتدرك حقيقة علاقته بالتنين توثليس، إنه يبدو للوهلة الأولى قد تخلى عن عقيدة الفايكينج فى قتل التنانين فتثور عليه، لكنها تغير رأيها عندما يصحبها هيكاب فوق ظهر التنين ليطير بهما فى الفضاء فى مشهد فاتن ساحر. العقدة الدرامية الآن أصبحت تتركز فى انبهار الأب بمواهب ابنه التى خفيت عليه، وهو ما يجعل الأب يقرر أن يقبض على توثليس ليقوده ورجال القبيلة إلى عش التنانين للقضاء عليهم، برغم رفض هيكاب لذلك، وهنا أتركك تكمل مشاهدة الفيلم بنفسك، لتعرف كيف انتهى الصراع.
فلنعد إلى "طقس العبور" فى تلك المرحلة الحرجة من العمر، أو قد يمتد إلى السؤال الذى يستمر طوال الحياة: هل أرضخ للقبيلة، أو أتمرد عليها؟ أم أن هناك إمكانية للتفاعل الخلاق بينى وبينها برغم اختلافى عنها؟ يؤكد الفيلم أن الاختلاف حق مشروع ومطلوب لإثراء الحياة، المهم أن "تكون نفسك"، أن تحقق ذاتك لا أن تسعى لإثارة إعجاب الآخرين ورضاهم، خاصة الآخرين الذين ترفض قيمهم ومعاييرهم المشوهة المريضة. وفى طقس العبور هذا سوف تعانى فى البداية من الألم والإنكار والاستنكار من جانب الآخرين، حتى "تنينك" سوف يتألم، وهنا أود أن أشير إلى أن إضافة التنين إليك تعنى أنه جزء منك، إن التنين لا يوجد خارجك، إنه فى داخلك وفى أعماقك، إنه الخوف والقلق والقوة الحبيسة التى تخشى أن تنطلق من عقالها، والتصالح مع التنين بداخلك هو الذى سوف يجعلك تنجح فى طقس العبور، ويجعلك "تطير" فى أجواز الفضاء، وحلم الطيران فى علم النفس والميثولوجيا يعنى دائما الإحساس بالتحرر والانطلاق، ولا يخلو من تفسيرات فرويدية، وأرجو أن تتأمل جيدا مشهد طيران هيكاب وأستريد فوق ظهر التنين، يبدأ بالخوف وينتهى بالنشوة، فى سماء ملونة حيث يمكنك أن تلمس السحاب، وتسمع موسيقى ملائكية ناعمة، كما يمكنك أن تربت عنق التنين فى امتنان لأنه حقق لك هذه الرحلة الحلم.
تأتى هذه المعانى وغيرها من خلال أسلوب التحريك شديد الإمتاع والإبهار، فمدينة الفايكينج تبدو فى البداية رمادية يخيم عليها الظلام، بينما هى فى النهاية مشرقة زاهية الألوان، فى إشارة للتغير الدرامى الذى حدث لأهلها، والتنانين مزيج من الزواحف والحيوانات المائية والطيور الملونة والقطط مع بعض الملامح الإنسانية (إنك لن تنسى عينى توثليس الجريح وهو يتوقع أن يغمد هيكاب خنجره فى قلبه)، ناهيك عن معارك الأطفال المضحكة فى تدريبهم على قتال التنانين، ورحلة الفايكينج فى مراكبهم عبر البحار.
تأمل أيضا تلك النهاية غير التقليدية لبطل فيلم من أفلام الأطفال: إن هيكاب يفقد إحدى ساقيه فى المعركة الأخيرة، تماما كما كان التنين توثليس قد فقد نصف زعنفة ذيله، فهما وجهان لعملة واحدة، ولا مبرر لخوف الفايكينج من التنانين. فى حوار بين الأب والابن يقول ستويك مشيرا إلى التنانين: "لقد قتلوا منا المئات"، فيجيب هيكاب: "ونحن قتلنا منهم الآلاف، إنهم يهاجموننا للدفاع عن أنفسهم"، فتلمس مستوى سياسيا واعيا, ونضجا فى صناعة فيلم للأطفال، إن العالم وكائناته حول المدينة ليس مخيفا كما يتصور أهلها، إن الجميع يبحث عن الطعام والمأوى، وليس هناك تناقض إذا فهم الفايكينج ذلك، وإذا تخلوا عن نزعة القتل والقتال. كل هذا ياعزيزى القارئ فى فيلم موجه للأطفال، لكننى أعترف أننى استمتعت به كطفل وناقد معا، ويكفى أنه أكد لى ما تعلمته من يوجين يونيسكو فى الماضى البعيد من مراهقتى: حتى لو تحول كل أهل المدينة إلى خراتيت، عليك رغم الألم أن تحافظ على إنسانيتك، حتى لك كنت الإنسان الوحيد.
Friday, October 22, 2010
"فاوست أمريكى: من كوندى إلى كوندى الجديدة"
بمجرد أن تسمع اسم الفيلم التسجيلى البريطانى "فاوست أمريكى: من كوندى إلى كوندى الجديدة"، سوف يتبادر إلى ذهنك على الفور صورة "فاوست" الذى باع روحه للشيطان، تلك الصورة التى أخذت أشكالا فنية عديدة عبر العصور، بدءا من مسرحيات الأخلاق التى كانت تعرض فى الكنائس فى العصور الوسطى، ومرورا بمسرحيات مارلو وجيته التراجيدية، وحتى المعالجات الحديثة التى شقت طريقها إلى السينما على نحو خاص، مثلما هو الحال فى فيلم "المسحور" Bedazzled فى نسختيه الكوميديتين: البريطانية (1967) والأمريكية (2000)، وإذا كان الشىء بالشىء يذكر، فلا مناص من أن نذكر أيضا النسخة الهزلية المصرية التى تحمل اسم "طير إنت" (2000)، وبرغم اختلاف المعالجات الفنية بينها جميعا، فهى ما تزال تطرح نفس السؤال الجوهرى الذى يلمس وترا حساسا فى أعماق كل إنسان: ماذا يفيد الإنسان إن ربح العالم وخسر نفسه؟
لكن فيلم "فاوست أمريكى" لا يتوقف عند هذا السؤال الأخلاقى، فهو ليس أمثولة ولا موعظة تقول للإنسان أن من الخير له ألا يبيع روحه للشيطان مقابل أى ثمن كان، لكن "فاوست أمريكى" فى جوهره "مذكرة ادعاء" بمعنى الكلمة، ضد من يشير إلى أنهم مجرمو حرب تجب محاكمتهم، غير أن ما نؤكد عليه من البداية أن الفيلم يتخذ طريقا مغايرا تماما لأسلوب مايكل مور، بقدر ما يقترب من أسلوب السينمائى التسجيلى الأمريكى المهم إيرول موريس، فالفيلم يبدو محايدا تماما فى وضعه "الحقائق" متجاورة، بدون تدخل واضح من صانع الفيلم الذى لا نكاد نشعر بوجوده، ولا نرى صورته أبدا، وهو لا يحفز من يقوم بتصويرهم على الإدلاء بشهادة تأخذ مسارا مسبقا، وهو بذلك أقرب إلى مدرسة "سينما الحقيقة" cinema verite منه إلى "السينما المباشرة" direct cinema، إنه يترك شخصيات الفيلم تختار الجانب الذى يعبر عن موقفها من مادة الموضوع، لكن هذا لا يعنى بالطبع أنه ليست هناك فى الفيلم "وجهة نظر"، وهى التى تنشأ عن "تجاور" اللقطات والمشاهد والحقائق، هذا التجاور الذى يقود المتفرج – دون أن يشعر – إلى تبنى وجهة النظر التى يطرحها الفيلم.
ووجهة النظر فى فيلم "فاوست أمريكى" هى تقديم هذا الـ"فاوست" للمحاكمة، ليس فقط لأنه باع روحه للشيطان، لكن لأنه لم يشتر السلطة والقوة مقابل روحه وحدها (بالمعنى المجازى للكلمة)، ولكن مقابل أرواح عشرات ومئات الآلاف من الأرواح (بالمعنى الحقيقى للكلمة) لبشر ضاعوا ضحية طموحه المجنون إلى السلطة. فى نفس الوقت فإن الفيلم يضع على طاولة التشريح فترة من أصعب الأوقات التى مرت بها البشرية فى السنوات الأخيرة، فترة امتزجت فيها السياسة بالـ"بيزينيس"، فترة يقولون أنها تشهد وجود ذلك الوهم المسمى "القرية العالمية الواحدة"، تحت الشعار الزائف بالعولمة، بينما ما تزال فى هذه القرية قصور ينعم أصحابها بالرفاهية، وأكواخ يموت قاطنوها من الجوع، وربما كان مصيرهم هو القتل إذا تصور الأغنياء أن الفقراء يمثلون خطرا عليهم، بما يذكر على الفور بالفيلم الروائى الذى نظلمه باعتباره فيلما للرعب، وهو فيلم المخرج جورج روميرو "أرض الموتى".
إذا أردت فيلم رعب تسجيليا بحق (بالطبع دون المؤثرات البصرية والسمعية لأفلام الرعب!) ففيلم "فاوست أمريكى" هو ضالتك المنشودة، الذى يبدو فى الجانب الأكبر منه كأنه تسجيل للرحلة "الأوديسية" التى سارت فيها كوندوليزا رايس، من الأحياء الفقيرة التى ولدت فيها فى النصف الأول من الخمسينات، حتى اعتلائها قمة السلطة التى يمكن أن تصل إليها، وانتهاء بالابتعاد عن الأضواء ولكن فى انتظار مستقبل ما، قد يتراوح – كما يوحى الفيلم – بين عودة "كوندى" إلى رئاسة جامعة ستانفورد، وممارسة الجولف والعزف على البيانو كما تقول هى، وبين محاكمتها وشركائها على ما يعتبره البعض جرائم حرب ارتكبوها مع سبق الإصرار، فى حق كل ما فى التاريخ الإنسانى من مُثُل أخلاقية، والأفظع أنه تم ارتكاب هذه الجرائم باسم هذه المُثُل!!
وفى الفيلم "قصة" كما ينبغى لكل عمل فنى أن يكون، والقصة هنا بالمعنى الأوسع للكلمة، فحتى المقال او الموضوع الإخبارى التقريرى يحتوى على قصة ما: بداية ووسط ونهاية، ويحتوى على بناء درامى، وكل عمل فنى يشبه على نحو ما مذكرة قانونية للادعاء أو الدفاع، يتم فيها ترتيب الحقائق على نحو محدد لكى تقود المتلقى إلى نتيجة محددة، ولعل هذه الأمر بعيد عن تصور البعض منا خاصة عن السينما التسجيلية، لكن "فاوست أمريكى" يضرب لنا مثلا بالغ البساطة والوضوح والتماسك فى كيفية "بناء" فيلم تسجيلى (ومن المؤكد أن هناك ما لا نهاية من الأبنية فى عالم الفن)، سواء على مستوى الشكل أو المضمون أو وجهة النظر.
وإذا كان الفيلم يعتمد فى مادته على لقطات أرشيفية فى الجانب الأكبر منه، مع شهادات لشخصيات عامة وخاصة تعرف طرفا من حياة وأوجه "البطلة" كوندوليزا رايس، لذلك يأتى معظم بناء الفيلم من رؤية كاتبه ومخرجه سيباستيان دوجارت، ومونتيرته ومنتجته ديانا ديشيلليو. ومثل هذه النوعية من الأفلام تجد بناءها النهائى على طاولة المونتاج، حيث يتشارك المونتير والمخرج فى صياغة "الرؤية" الفنية والسياسية، وهى هنا تقوم على فكرة رئيسية: "تجاور الأضداد أو المتناقضات"، فالفيلم فى كل لحظة منه يضع إلى جوار كل لون لونا يصنع معه تناقضا حادا، ويقطع كل خط مع خط آخر يتعامد عليه، فكأنك أمام لوحة من "بوليفونية" من الألحان، لكن من المؤكد أن الجمع بينها سوف يتركك وأنت فى حالة مزاجية وذهنية يغلب عليها مزيج من الأسى والغضب.
فى بداية الفيلم لقطات خاطفة عديدة لشخصيات "شهيرة" فى الثقافة الأمريكية، بوش الكبير والصغير، ونائبهما ديك تشينى، وشوارزينيجر، وأوبرا وينفرى، جميعهم يلقى بكلمات المديح لكوندى، التى جمعت صفتين كانتا – من وجهة نظر الثقافة الأمريكية - كفيلتين بوضع عقبات أمام وصولها إلى ما وصلت إليه: إنها زنجية، وامرأة. هنا لابد أن يتساءل المتفرج: أليس ذلك تأكيدا على أنها استثناء، وأن القاعدة ما تزال هى التمييز بسبب اللون أو الجنس؟ وسوف يجد المتفرج الإجابة المذهلة فى مشاهد لاحقة متناثرة من الفيلم بأن هذا "التمييز" ذاته كان أحد أسباب صعود نجم كوندى!
يعود الفيلم فى بدايته إلى فترة الطفولة، ابنة لأب قس فى كنسية صغيرة فى مدينة صغيرة، كان كل حلمه أن يجنب ابنته خوض آلام فترة الخمسينات والستينات خلال ذروة نضال الزنوج من أجل حقوقهم المدنية، وحركات العنف والعنف المضاد بين البيض والزنوج، والتى وصلت إلى ذروتها باغتيال مارتين لوثر كينج، وحرق بعض أحياء السود، ومن بينها كنيسة قريبة لحى كوندى حيث لقى فيها عشرات الأطفال الأبرياء مصرعهم. أراد الأب أن يبعدها عن "السياسة" (وأنت تعلم ما انتهت هى إليه)، وكانت حجته التى يؤمن بها أنه إذا أراد الزنوج الحصول على حقوقهم فمن خلال تحقيق مستوى أفضل من التعليم والكرامة والكبرياء. فى فترة الصبا تلك كانت كوندى تحلم بأن تكون عازفة بيانو شهيرة، ويعلق أستاذها فى هذا المجال أنها كانت بارعة فى تنفيذ التعليمات التقنية للعزف، لكنها كانت تفتقد "الإحساس العاطفى" بما تعزف. وعندما أدركت هى أنها لن تحقق نجاحا كبيرا فى هذا المجال قررت أن تتوقف عنه "لأنها لا تريد أن تكون رقم 2".
وهنا تبدأ المرحلة الثانية من حياتها، طالبة للعلوم السياسية على يد البروفيسور كوربيل، التشيكى المهاجر الذى ترك تأثيرا قويا فى الأوساط السياسية الأمريكية، لقد كان هو أبو مادلين أولبرايت بقدر ما كان الأب الروحى لكوندى، لكن تأثيره الأهم هو مدرسته فى "السياسة الواقعية"، التى تنادى بأن التاريخ تصنعه القوة، والأمر الواقع يفرض نفسه، بعيدا عن أى حديث عن المثل والمبادئ والأخلاق (ليت بعض سياسيينا يعرفون ذلك!)، وكانت نظريته قد تأكدت – كما يوضح الفيلم فى لقطات أرشيفية – من خلال التدخل العسكرى الأمريكى فى مناطق مختلفة من العالم، ناهيك عن حرب فييتنام المروعة التى سوف يعرض لك الفيلم بضع لقطات شهيرة عن فظائعها.
وفى الوقت الذى تخصصت فيه كوندى فى الشئون السوفييتية، فى ذروة الحرب الباردة خلال السبعينات، عرفت قصة حب خاطفة مع لاعب البيسبول أبتشيرش، الذى تعرفت عليه من خلال عشق أبيها لهذه الرياضة، وبالفعل تتم خطبتهما التى لم تستمر شهورا دون أن تتكلل بالزواج: لقد تلقت كوندى عرضا بالعمل فى إدارة الرئيس (من الحزب الديموقراطى) جيمى كارتر، وهكذا قررت الذهاب إلى واشنطن بعد أن أعادت خاتم الخطبة، ليؤكد لنا الرجل فى شهادته: "لقد فضلت السلطة على الحب".
ربما كانت هذه الجملة هى مفتاح شخصية كوندى، لكن الحقيقة أنها فضلت السلطة على كل ما يمكن للإنسان أن يحنى الجبين له. ففى غضون سنوات قليلة سوف تدرك كوندى أن الحزب الديموقراطى يتراجع، فقررت الانضمام على الفور إلى الحزب الجمهورى (لقد عادت بعد ذلك لفترة قصيرة للديموقراطيين مرة أخرى لتستقر فى النهاية فى أحضان الجمهوريين)، وهى تجد الشجاعة لتبرير كل ما تفعل، فى صفة سوف تصبح ملاصقة لها على الدوام. إنها تقول أن أباها كان جمهوريا لأن الديموقراطيين رفضوا إعطاءه بطاقة انتخاب، لذلك فقد كانت منذ البداية من الجمهوريين!!
فى الحقيقة أنها تتمتع بذكاء "واقعى" بالغ جعلها تدرك أن نجم الحزب الجمهورى فى تصاعد، خاصة فى فترة بارانويا سياسة رونالد ريجان (هل تتخيل أن رئيسا يستخدم اسم فيلم ليصف سياسته؟ هكذا فعل مع "حرب النجوم"!!). هنا كانت فترة صياغة أفكارها وتكوينها النفسى، وما ساعد على ذلك استعدادها الذى سوف يشرحه أحد زملاء دراستها فى مشهد لاحق بأنها كانت على استعداد دائما لتغيير آرائها من أجل إرضاء أساتذتها، وكان من تعاليم أستاذها فى هذه المرحلة، رونالد ريجان، أن القوة هى الهدف: "ليس مهما أن تكون أمريكا محبوبة فى العالم، المهم أن تنتزع الاحترام".
ساعدتها فى تلك الفترة دراساتها السوفيتية على أن تكون طرفا فاعلا فى اللقاء بين غريمى الحرب الباردة، أو بالأحرى فى تقويض المعسكر الشرقى كله. لكن بقدر ما كان ذلك نقطة إيجابية فى إنجازاتها فإنه كان يمثل أيضا تهديدا لانتهاء دورها السياسى بعد انتهاء الحرب الباردة، لكن كوندى عرفت كيف تلحق بالقطار الذى يقف متأهبا للإقلاع: قطار "المحافظين الجدد"، ومجموعة "صناعة الفكر" فى معهد هوفر للجمهوريين، حيث التقت وجورج شولتز، وواينبيرجر، وفى فترة لاحقة مع رامسفيلد وديك تشينى، ولترتبط بعلاقة عمل طويلة الأمد مع جورج بوش الأب الذى سوف يفتح لها طرقا عملية حتى فى فترة كلينتون من الحزب الديموقراطى. وخلال التسعينات لاحت لها فرصة أن تترأس جامعة ستانفورد حيث تعاملت مع زملائها بقدر هائل من القسوة المهنية، ثم فى مجلس إدارة شركة شيفرون للنفط التى كانت سببا فى مجازر عنيفة فى نيجيريا على يد الحكومة لأن أهل البلاد طالبوا بنصيبهم من هذه الثروة النفطية.
تأتى الفرصة الذهبية لكوندى مع استعداد جورج بوش الابن لترشيح نفسه للرئاسة، لقد كان جاهلا تماما فى السياسة الخارجية (هناك عشرات النوادر عن جهله فى هذا المجال، يتضمن الفيلم بعضا منها)، وتم اختيار كوندى لتكون مستشارته ومعلمته فى هذا المجال، لتبدأ بينهما علاقة عمل غريبة. لقد اختارها بوش مستشارة للأمن القومى، ويقارن الفيلم بين تواضع إمكاناتها مع سابقيها مثل كيسينجر، لكنها تكون قد قررت أن تستولى على الرئيس تماما، وفى إشارات يغمز بها الفيلم يقول بوش عنها أنها موعده الغرامى، ويسألها فى إحدى جلسات الأمم المتحدة إن كان يستطيع الذهاب إلى دورة المياه، وهى تشير إليه عند الحديث عنه بوصفه "زوجها"، ومن المؤكد أن الفيلم لا يقصد أبدا إلى التلميح الجنسى، وإن كانت العلاقة أكثر خطرا بكثير لأن آثارها تطال العالم كله.
وفى تطور يشبه المسرحيات التراجيدية تقع أحداث الحادى عشر من سبتمبر عام 2001، لقد كان من الممكن أن تكون الضربة القاضية على كوندى وحياتها السياسية، لأنها – مستشارة الأمن القومى – كانت قد تلقت تحذيرات من وكالة الخابرات المركزية بهجوم إرهابى وشيك، لكنها تجاهلته. وبدلا من الاعتراف بالتقصير بدأت مأساة "الحرب على الإرهاب"، اخترعت فيها أعداء وهميين، وتلاقت أهدافها مع رغبة بوش فى الانتقام من صدام حسين، وأهداف "البيزينيس" القذر عند المحافظين الجدد، حتى أن بوش رفض لمرات عديدة تقارير المخابرات عن أن العراق يخلو من أسلحة التدمير الشامل المزعومة، وهكذا بدأت الحرب التى دمرت وطنا بأكمله، وأعادته عشرات السنين إلى الوراء.
من جانب آخر كانت استراتيجية الحرب المزعومة ضد الإرهاب تتضمن تعذيب المشتبه بهم، بكل الطرق التى لا يمكن تخيل قدر بشاعتها، بحجة استخراج المعلومات منهم. وفى هذا السياق يعرض الفيلم كيف أن النظام الأمريكى يستطيع وقتما يشاء أن يخرق دستوره وكل الاتفاقيات الدولية التى ينادى فى مواقف أخرى بأن تحترمها دول العالم الضعيفة. تأمل على سبيل المثال تعليق بوش على أن اتفاقية جينيف تمنع تعذيب الأسرى وإذلالهم، إنه يقول بصلف: "تلك كلمات غامضة تماما، ماذا تعنى بالضبط؟"!! (يقطع الفيلم هنا مباشرة على أكداس الأسرى العرايا معصوبى الأعين فى سجن أبو غريب). وبينما كانت كوندى قد بررت من قبل الحرب على العراق بوجود وسائل لصنع أسلحة نووية، فإنها بعد فضح الكذبة تتمادى فى الكذب: "لم نخض هذه الحرب لهذا السبب ولكن لأن صدام طاغية وحان وقت التخلص منه"، كما أنها تدافع عن تعذيب المعتقلين فى جوانتانامو التى تراها "ضرورة لأنها جزء من الحرب على الإرهاب، هل تريدون أن يسير الإرهابيون فى شوارعنا؟". وفى أبشع صور خرق كل الأعراف القانونية تخترع كوندى تعبيرا لم يعرفه التاريخ من قبل: extraordinary rendition والذى يعنى تسليم المعتقلين المشتبه فيهم لدول أخرى لتقوم بالتحقيق معهم من خلال التعذيب الوحشى، وتنكر تماما النص القانونى habeas corpus الذى يفرض عدم احتجاز إنسان دون تقديمه للمحاكمة وتوجيه اتهام محدد له وتوفير فرصة له للدفاع عن نفسه.
وصلت كوندى إلى منصب وزير الخارجية، وتمادت فى سطوتها، لتتعاقد مع شركة "بلاك ووتر" (فرق الموت المرتزقة) بحجة توفير الدفاع للدبلوماسيين فى العراق، حيث ارتكب أفراد الشركة – المتمتعين بالحصانة!! – جرائم مروعة، وبينما كان عقد الشركة بمليار دولار فقد كان تعويض الضحية من العراقيين عشرة آلاف دولار! لقد كانت كوندى تبرر ذلك كله بأن ثلاثة آلاف أمريكى ماتوا فى الحادى عشر من سبتمبر، وكان رد محاورها أن نصف مليون أمريكى ماتوا فى الحرب العالمية الثانية لكن ذلك لم يسمح أبدا بتعذيب أسرى الحرب.
لقد عادت كوندى الآن إلى جامعة استانفورد، لكن وسط حملات تطالب بمحاكتها وشركائها على كل جرائم الحرب التى ارتكبوها. وهى وشركاؤها يستطيعون الإنكار تلو الإنكار، لكن هل يصمت العالم على الجريمة، التى يمكن تكرارها لأن المجرمين يفلتون من العقاب بهذه الطريقة؟ ذلك هو السؤال الذى يطرحه الفيلم بشكل غير مباشر، وإذا كان الفيلم ينتهى بالإشارة إلى عنوانه "فاوست أمريكى" بأننا أمام شخصية شكسبيرية تدفع أى ثمن مقابل السلطة، فإن المرء لا يملك أن يتساءل أحيانا: من لعب دور فاوست، ومن كان الشيطان؟ هناك فى الفيلم لقطة فوتوغرافية تكررت مرتين، وهى أيضا "بوستر" الفيلم: جورج بوش فى مقدمة الكادر جالسا على مكتبه، بينما كوندى فى الخلفية تنظر إليه فى دهاء، فربما كانت هى التى لعبت دور الشيطان. بل إن "الفاوستية" هى جوهر "الحلم الأمريكى" الذى يلخصه الفيلم فى تلك العبارة المخادعة على لسان كوندى: "ليس مهما من أين جئت، المهم أن تستطيع أن تحقق ما تريد"، وليس هناك إشارة واحدة على "كيف" تحقق ذلك دون أن تفقد إنسانيتك أو مبادئك الإنسانية. كما تجد فى العنوان الفرعى للفيلم تلاعبا لفظيا ليس غريبا على الإنجليز المغرمين بالتوريات pun، تأمل كيف كتب "كوندى الجديدة" مستخدما neo بدلا من new، والـ neo-con هم المحافظون الجدد.
يبرز الفيلم لغة الخطاب الأمريكى الذى يجافى المنطق أحيانا أو يلوى عنقه، إن كوندى تقول عن منعطفات حياتها أن تلك جزء من خطة إلهية أكبر، وتنسى أنها بالأحرى جزء من خطة سياسية أكبر، فليس هناك مبرر دينى واحد فى أن يضع بوش أمام العالم اختيارين لا ثالث لهما: "إما أن تكونوا معنا أو مع الإرهابيين"، أو أن يكون ثمن "الدفاع عن الطريقة الأمريكية فى الحياة" هو قتل وتعذيب ملايين البشر لأنهم غير أمريكيين ولا يتبعون "الطريقة الأمريكية فى الحياة". وبعيدا عن هذه المبررات المزعومة فإن جوهر السلام الأمريكى Pax Americana هو "القوة"، هو "الصدمة والرعب" كما أطلقوا على الحرب ضد شعب العراق، وليس لذلك علاقة بالحديث المزعوم عن الحرية والديموقراطية. فى نهاية الفيلم يرفع بعض أفراد الشعب العراقى أصابعهم المخضبة بالحبر بعد انتخابات فشلت حتى كتابة هذه السطور فى تشكيل حكومة عراقية، واللقطة التالية مباشرة هى عشرات المواطنين الأمريكيين يرفعون فى وجه كوندى أصابعهم المخضبة باللون الأحمر، فى إشارة إلى جرائم الحرب والتعذيب. هذا هو التجاور ذاته فى المزج بين صورة كوندى الطفلة البريئة وصورة كوندى المرأة الصارمة القاسية. وهو أيضا التجاور بين بوش يقول أن "أمريكا محظوظة لأنها نالت خدمات كوندى"، والفنان السينمائى والناشط السياسى شون بين وهو يؤكد: "مكان هذه المرأة هو السجن". المرأة، الزنجية، التى نسيت زنوج نيوأورليانز فى محنة إعصار كاترينا، ويشير فى الفيلم المخرج الزنجى سبايك لى أنها كانت تتسوق بضائع فاخرة بينما الزنوج يموتون"، حتى أنهم يقولون أمام الكاميرا: "إنها ليست واحدة منا"، والحقيقة أنها لم تعد أيضا واحدة من البشر عندما باعت روحها للشيطان، أو عندما قررت أن تلعب دور الشيطان ذاته!
لكن فيلم "فاوست أمريكى" لا يتوقف عند هذا السؤال الأخلاقى، فهو ليس أمثولة ولا موعظة تقول للإنسان أن من الخير له ألا يبيع روحه للشيطان مقابل أى ثمن كان، لكن "فاوست أمريكى" فى جوهره "مذكرة ادعاء" بمعنى الكلمة، ضد من يشير إلى أنهم مجرمو حرب تجب محاكمتهم، غير أن ما نؤكد عليه من البداية أن الفيلم يتخذ طريقا مغايرا تماما لأسلوب مايكل مور، بقدر ما يقترب من أسلوب السينمائى التسجيلى الأمريكى المهم إيرول موريس، فالفيلم يبدو محايدا تماما فى وضعه "الحقائق" متجاورة، بدون تدخل واضح من صانع الفيلم الذى لا نكاد نشعر بوجوده، ولا نرى صورته أبدا، وهو لا يحفز من يقوم بتصويرهم على الإدلاء بشهادة تأخذ مسارا مسبقا، وهو بذلك أقرب إلى مدرسة "سينما الحقيقة" cinema verite منه إلى "السينما المباشرة" direct cinema، إنه يترك شخصيات الفيلم تختار الجانب الذى يعبر عن موقفها من مادة الموضوع، لكن هذا لا يعنى بالطبع أنه ليست هناك فى الفيلم "وجهة نظر"، وهى التى تنشأ عن "تجاور" اللقطات والمشاهد والحقائق، هذا التجاور الذى يقود المتفرج – دون أن يشعر – إلى تبنى وجهة النظر التى يطرحها الفيلم.
ووجهة النظر فى فيلم "فاوست أمريكى" هى تقديم هذا الـ"فاوست" للمحاكمة، ليس فقط لأنه باع روحه للشيطان، لكن لأنه لم يشتر السلطة والقوة مقابل روحه وحدها (بالمعنى المجازى للكلمة)، ولكن مقابل أرواح عشرات ومئات الآلاف من الأرواح (بالمعنى الحقيقى للكلمة) لبشر ضاعوا ضحية طموحه المجنون إلى السلطة. فى نفس الوقت فإن الفيلم يضع على طاولة التشريح فترة من أصعب الأوقات التى مرت بها البشرية فى السنوات الأخيرة، فترة امتزجت فيها السياسة بالـ"بيزينيس"، فترة يقولون أنها تشهد وجود ذلك الوهم المسمى "القرية العالمية الواحدة"، تحت الشعار الزائف بالعولمة، بينما ما تزال فى هذه القرية قصور ينعم أصحابها بالرفاهية، وأكواخ يموت قاطنوها من الجوع، وربما كان مصيرهم هو القتل إذا تصور الأغنياء أن الفقراء يمثلون خطرا عليهم، بما يذكر على الفور بالفيلم الروائى الذى نظلمه باعتباره فيلما للرعب، وهو فيلم المخرج جورج روميرو "أرض الموتى".
إذا أردت فيلم رعب تسجيليا بحق (بالطبع دون المؤثرات البصرية والسمعية لأفلام الرعب!) ففيلم "فاوست أمريكى" هو ضالتك المنشودة، الذى يبدو فى الجانب الأكبر منه كأنه تسجيل للرحلة "الأوديسية" التى سارت فيها كوندوليزا رايس، من الأحياء الفقيرة التى ولدت فيها فى النصف الأول من الخمسينات، حتى اعتلائها قمة السلطة التى يمكن أن تصل إليها، وانتهاء بالابتعاد عن الأضواء ولكن فى انتظار مستقبل ما، قد يتراوح – كما يوحى الفيلم – بين عودة "كوندى" إلى رئاسة جامعة ستانفورد، وممارسة الجولف والعزف على البيانو كما تقول هى، وبين محاكمتها وشركائها على ما يعتبره البعض جرائم حرب ارتكبوها مع سبق الإصرار، فى حق كل ما فى التاريخ الإنسانى من مُثُل أخلاقية، والأفظع أنه تم ارتكاب هذه الجرائم باسم هذه المُثُل!!
وفى الفيلم "قصة" كما ينبغى لكل عمل فنى أن يكون، والقصة هنا بالمعنى الأوسع للكلمة، فحتى المقال او الموضوع الإخبارى التقريرى يحتوى على قصة ما: بداية ووسط ونهاية، ويحتوى على بناء درامى، وكل عمل فنى يشبه على نحو ما مذكرة قانونية للادعاء أو الدفاع، يتم فيها ترتيب الحقائق على نحو محدد لكى تقود المتلقى إلى نتيجة محددة، ولعل هذه الأمر بعيد عن تصور البعض منا خاصة عن السينما التسجيلية، لكن "فاوست أمريكى" يضرب لنا مثلا بالغ البساطة والوضوح والتماسك فى كيفية "بناء" فيلم تسجيلى (ومن المؤكد أن هناك ما لا نهاية من الأبنية فى عالم الفن)، سواء على مستوى الشكل أو المضمون أو وجهة النظر.
وإذا كان الفيلم يعتمد فى مادته على لقطات أرشيفية فى الجانب الأكبر منه، مع شهادات لشخصيات عامة وخاصة تعرف طرفا من حياة وأوجه "البطلة" كوندوليزا رايس، لذلك يأتى معظم بناء الفيلم من رؤية كاتبه ومخرجه سيباستيان دوجارت، ومونتيرته ومنتجته ديانا ديشيلليو. ومثل هذه النوعية من الأفلام تجد بناءها النهائى على طاولة المونتاج، حيث يتشارك المونتير والمخرج فى صياغة "الرؤية" الفنية والسياسية، وهى هنا تقوم على فكرة رئيسية: "تجاور الأضداد أو المتناقضات"، فالفيلم فى كل لحظة منه يضع إلى جوار كل لون لونا يصنع معه تناقضا حادا، ويقطع كل خط مع خط آخر يتعامد عليه، فكأنك أمام لوحة من "بوليفونية" من الألحان، لكن من المؤكد أن الجمع بينها سوف يتركك وأنت فى حالة مزاجية وذهنية يغلب عليها مزيج من الأسى والغضب.
فى بداية الفيلم لقطات خاطفة عديدة لشخصيات "شهيرة" فى الثقافة الأمريكية، بوش الكبير والصغير، ونائبهما ديك تشينى، وشوارزينيجر، وأوبرا وينفرى، جميعهم يلقى بكلمات المديح لكوندى، التى جمعت صفتين كانتا – من وجهة نظر الثقافة الأمريكية - كفيلتين بوضع عقبات أمام وصولها إلى ما وصلت إليه: إنها زنجية، وامرأة. هنا لابد أن يتساءل المتفرج: أليس ذلك تأكيدا على أنها استثناء، وأن القاعدة ما تزال هى التمييز بسبب اللون أو الجنس؟ وسوف يجد المتفرج الإجابة المذهلة فى مشاهد لاحقة متناثرة من الفيلم بأن هذا "التمييز" ذاته كان أحد أسباب صعود نجم كوندى!
يعود الفيلم فى بدايته إلى فترة الطفولة، ابنة لأب قس فى كنسية صغيرة فى مدينة صغيرة، كان كل حلمه أن يجنب ابنته خوض آلام فترة الخمسينات والستينات خلال ذروة نضال الزنوج من أجل حقوقهم المدنية، وحركات العنف والعنف المضاد بين البيض والزنوج، والتى وصلت إلى ذروتها باغتيال مارتين لوثر كينج، وحرق بعض أحياء السود، ومن بينها كنيسة قريبة لحى كوندى حيث لقى فيها عشرات الأطفال الأبرياء مصرعهم. أراد الأب أن يبعدها عن "السياسة" (وأنت تعلم ما انتهت هى إليه)، وكانت حجته التى يؤمن بها أنه إذا أراد الزنوج الحصول على حقوقهم فمن خلال تحقيق مستوى أفضل من التعليم والكرامة والكبرياء. فى فترة الصبا تلك كانت كوندى تحلم بأن تكون عازفة بيانو شهيرة، ويعلق أستاذها فى هذا المجال أنها كانت بارعة فى تنفيذ التعليمات التقنية للعزف، لكنها كانت تفتقد "الإحساس العاطفى" بما تعزف. وعندما أدركت هى أنها لن تحقق نجاحا كبيرا فى هذا المجال قررت أن تتوقف عنه "لأنها لا تريد أن تكون رقم 2".
وهنا تبدأ المرحلة الثانية من حياتها، طالبة للعلوم السياسية على يد البروفيسور كوربيل، التشيكى المهاجر الذى ترك تأثيرا قويا فى الأوساط السياسية الأمريكية، لقد كان هو أبو مادلين أولبرايت بقدر ما كان الأب الروحى لكوندى، لكن تأثيره الأهم هو مدرسته فى "السياسة الواقعية"، التى تنادى بأن التاريخ تصنعه القوة، والأمر الواقع يفرض نفسه، بعيدا عن أى حديث عن المثل والمبادئ والأخلاق (ليت بعض سياسيينا يعرفون ذلك!)، وكانت نظريته قد تأكدت – كما يوضح الفيلم فى لقطات أرشيفية – من خلال التدخل العسكرى الأمريكى فى مناطق مختلفة من العالم، ناهيك عن حرب فييتنام المروعة التى سوف يعرض لك الفيلم بضع لقطات شهيرة عن فظائعها.
وفى الوقت الذى تخصصت فيه كوندى فى الشئون السوفييتية، فى ذروة الحرب الباردة خلال السبعينات، عرفت قصة حب خاطفة مع لاعب البيسبول أبتشيرش، الذى تعرفت عليه من خلال عشق أبيها لهذه الرياضة، وبالفعل تتم خطبتهما التى لم تستمر شهورا دون أن تتكلل بالزواج: لقد تلقت كوندى عرضا بالعمل فى إدارة الرئيس (من الحزب الديموقراطى) جيمى كارتر، وهكذا قررت الذهاب إلى واشنطن بعد أن أعادت خاتم الخطبة، ليؤكد لنا الرجل فى شهادته: "لقد فضلت السلطة على الحب".
ربما كانت هذه الجملة هى مفتاح شخصية كوندى، لكن الحقيقة أنها فضلت السلطة على كل ما يمكن للإنسان أن يحنى الجبين له. ففى غضون سنوات قليلة سوف تدرك كوندى أن الحزب الديموقراطى يتراجع، فقررت الانضمام على الفور إلى الحزب الجمهورى (لقد عادت بعد ذلك لفترة قصيرة للديموقراطيين مرة أخرى لتستقر فى النهاية فى أحضان الجمهوريين)، وهى تجد الشجاعة لتبرير كل ما تفعل، فى صفة سوف تصبح ملاصقة لها على الدوام. إنها تقول أن أباها كان جمهوريا لأن الديموقراطيين رفضوا إعطاءه بطاقة انتخاب، لذلك فقد كانت منذ البداية من الجمهوريين!!
فى الحقيقة أنها تتمتع بذكاء "واقعى" بالغ جعلها تدرك أن نجم الحزب الجمهورى فى تصاعد، خاصة فى فترة بارانويا سياسة رونالد ريجان (هل تتخيل أن رئيسا يستخدم اسم فيلم ليصف سياسته؟ هكذا فعل مع "حرب النجوم"!!). هنا كانت فترة صياغة أفكارها وتكوينها النفسى، وما ساعد على ذلك استعدادها الذى سوف يشرحه أحد زملاء دراستها فى مشهد لاحق بأنها كانت على استعداد دائما لتغيير آرائها من أجل إرضاء أساتذتها، وكان من تعاليم أستاذها فى هذه المرحلة، رونالد ريجان، أن القوة هى الهدف: "ليس مهما أن تكون أمريكا محبوبة فى العالم، المهم أن تنتزع الاحترام".
ساعدتها فى تلك الفترة دراساتها السوفيتية على أن تكون طرفا فاعلا فى اللقاء بين غريمى الحرب الباردة، أو بالأحرى فى تقويض المعسكر الشرقى كله. لكن بقدر ما كان ذلك نقطة إيجابية فى إنجازاتها فإنه كان يمثل أيضا تهديدا لانتهاء دورها السياسى بعد انتهاء الحرب الباردة، لكن كوندى عرفت كيف تلحق بالقطار الذى يقف متأهبا للإقلاع: قطار "المحافظين الجدد"، ومجموعة "صناعة الفكر" فى معهد هوفر للجمهوريين، حيث التقت وجورج شولتز، وواينبيرجر، وفى فترة لاحقة مع رامسفيلد وديك تشينى، ولترتبط بعلاقة عمل طويلة الأمد مع جورج بوش الأب الذى سوف يفتح لها طرقا عملية حتى فى فترة كلينتون من الحزب الديموقراطى. وخلال التسعينات لاحت لها فرصة أن تترأس جامعة ستانفورد حيث تعاملت مع زملائها بقدر هائل من القسوة المهنية، ثم فى مجلس إدارة شركة شيفرون للنفط التى كانت سببا فى مجازر عنيفة فى نيجيريا على يد الحكومة لأن أهل البلاد طالبوا بنصيبهم من هذه الثروة النفطية.
تأتى الفرصة الذهبية لكوندى مع استعداد جورج بوش الابن لترشيح نفسه للرئاسة، لقد كان جاهلا تماما فى السياسة الخارجية (هناك عشرات النوادر عن جهله فى هذا المجال، يتضمن الفيلم بعضا منها)، وتم اختيار كوندى لتكون مستشارته ومعلمته فى هذا المجال، لتبدأ بينهما علاقة عمل غريبة. لقد اختارها بوش مستشارة للأمن القومى، ويقارن الفيلم بين تواضع إمكاناتها مع سابقيها مثل كيسينجر، لكنها تكون قد قررت أن تستولى على الرئيس تماما، وفى إشارات يغمز بها الفيلم يقول بوش عنها أنها موعده الغرامى، ويسألها فى إحدى جلسات الأمم المتحدة إن كان يستطيع الذهاب إلى دورة المياه، وهى تشير إليه عند الحديث عنه بوصفه "زوجها"، ومن المؤكد أن الفيلم لا يقصد أبدا إلى التلميح الجنسى، وإن كانت العلاقة أكثر خطرا بكثير لأن آثارها تطال العالم كله.
وفى تطور يشبه المسرحيات التراجيدية تقع أحداث الحادى عشر من سبتمبر عام 2001، لقد كان من الممكن أن تكون الضربة القاضية على كوندى وحياتها السياسية، لأنها – مستشارة الأمن القومى – كانت قد تلقت تحذيرات من وكالة الخابرات المركزية بهجوم إرهابى وشيك، لكنها تجاهلته. وبدلا من الاعتراف بالتقصير بدأت مأساة "الحرب على الإرهاب"، اخترعت فيها أعداء وهميين، وتلاقت أهدافها مع رغبة بوش فى الانتقام من صدام حسين، وأهداف "البيزينيس" القذر عند المحافظين الجدد، حتى أن بوش رفض لمرات عديدة تقارير المخابرات عن أن العراق يخلو من أسلحة التدمير الشامل المزعومة، وهكذا بدأت الحرب التى دمرت وطنا بأكمله، وأعادته عشرات السنين إلى الوراء.
من جانب آخر كانت استراتيجية الحرب المزعومة ضد الإرهاب تتضمن تعذيب المشتبه بهم، بكل الطرق التى لا يمكن تخيل قدر بشاعتها، بحجة استخراج المعلومات منهم. وفى هذا السياق يعرض الفيلم كيف أن النظام الأمريكى يستطيع وقتما يشاء أن يخرق دستوره وكل الاتفاقيات الدولية التى ينادى فى مواقف أخرى بأن تحترمها دول العالم الضعيفة. تأمل على سبيل المثال تعليق بوش على أن اتفاقية جينيف تمنع تعذيب الأسرى وإذلالهم، إنه يقول بصلف: "تلك كلمات غامضة تماما، ماذا تعنى بالضبط؟"!! (يقطع الفيلم هنا مباشرة على أكداس الأسرى العرايا معصوبى الأعين فى سجن أبو غريب). وبينما كانت كوندى قد بررت من قبل الحرب على العراق بوجود وسائل لصنع أسلحة نووية، فإنها بعد فضح الكذبة تتمادى فى الكذب: "لم نخض هذه الحرب لهذا السبب ولكن لأن صدام طاغية وحان وقت التخلص منه"، كما أنها تدافع عن تعذيب المعتقلين فى جوانتانامو التى تراها "ضرورة لأنها جزء من الحرب على الإرهاب، هل تريدون أن يسير الإرهابيون فى شوارعنا؟". وفى أبشع صور خرق كل الأعراف القانونية تخترع كوندى تعبيرا لم يعرفه التاريخ من قبل: extraordinary rendition والذى يعنى تسليم المعتقلين المشتبه فيهم لدول أخرى لتقوم بالتحقيق معهم من خلال التعذيب الوحشى، وتنكر تماما النص القانونى habeas corpus الذى يفرض عدم احتجاز إنسان دون تقديمه للمحاكمة وتوجيه اتهام محدد له وتوفير فرصة له للدفاع عن نفسه.
وصلت كوندى إلى منصب وزير الخارجية، وتمادت فى سطوتها، لتتعاقد مع شركة "بلاك ووتر" (فرق الموت المرتزقة) بحجة توفير الدفاع للدبلوماسيين فى العراق، حيث ارتكب أفراد الشركة – المتمتعين بالحصانة!! – جرائم مروعة، وبينما كان عقد الشركة بمليار دولار فقد كان تعويض الضحية من العراقيين عشرة آلاف دولار! لقد كانت كوندى تبرر ذلك كله بأن ثلاثة آلاف أمريكى ماتوا فى الحادى عشر من سبتمبر، وكان رد محاورها أن نصف مليون أمريكى ماتوا فى الحرب العالمية الثانية لكن ذلك لم يسمح أبدا بتعذيب أسرى الحرب.
لقد عادت كوندى الآن إلى جامعة استانفورد، لكن وسط حملات تطالب بمحاكتها وشركائها على كل جرائم الحرب التى ارتكبوها. وهى وشركاؤها يستطيعون الإنكار تلو الإنكار، لكن هل يصمت العالم على الجريمة، التى يمكن تكرارها لأن المجرمين يفلتون من العقاب بهذه الطريقة؟ ذلك هو السؤال الذى يطرحه الفيلم بشكل غير مباشر، وإذا كان الفيلم ينتهى بالإشارة إلى عنوانه "فاوست أمريكى" بأننا أمام شخصية شكسبيرية تدفع أى ثمن مقابل السلطة، فإن المرء لا يملك أن يتساءل أحيانا: من لعب دور فاوست، ومن كان الشيطان؟ هناك فى الفيلم لقطة فوتوغرافية تكررت مرتين، وهى أيضا "بوستر" الفيلم: جورج بوش فى مقدمة الكادر جالسا على مكتبه، بينما كوندى فى الخلفية تنظر إليه فى دهاء، فربما كانت هى التى لعبت دور الشيطان. بل إن "الفاوستية" هى جوهر "الحلم الأمريكى" الذى يلخصه الفيلم فى تلك العبارة المخادعة على لسان كوندى: "ليس مهما من أين جئت، المهم أن تستطيع أن تحقق ما تريد"، وليس هناك إشارة واحدة على "كيف" تحقق ذلك دون أن تفقد إنسانيتك أو مبادئك الإنسانية. كما تجد فى العنوان الفرعى للفيلم تلاعبا لفظيا ليس غريبا على الإنجليز المغرمين بالتوريات pun، تأمل كيف كتب "كوندى الجديدة" مستخدما neo بدلا من new، والـ neo-con هم المحافظون الجدد.
يبرز الفيلم لغة الخطاب الأمريكى الذى يجافى المنطق أحيانا أو يلوى عنقه، إن كوندى تقول عن منعطفات حياتها أن تلك جزء من خطة إلهية أكبر، وتنسى أنها بالأحرى جزء من خطة سياسية أكبر، فليس هناك مبرر دينى واحد فى أن يضع بوش أمام العالم اختيارين لا ثالث لهما: "إما أن تكونوا معنا أو مع الإرهابيين"، أو أن يكون ثمن "الدفاع عن الطريقة الأمريكية فى الحياة" هو قتل وتعذيب ملايين البشر لأنهم غير أمريكيين ولا يتبعون "الطريقة الأمريكية فى الحياة". وبعيدا عن هذه المبررات المزعومة فإن جوهر السلام الأمريكى Pax Americana هو "القوة"، هو "الصدمة والرعب" كما أطلقوا على الحرب ضد شعب العراق، وليس لذلك علاقة بالحديث المزعوم عن الحرية والديموقراطية. فى نهاية الفيلم يرفع بعض أفراد الشعب العراقى أصابعهم المخضبة بالحبر بعد انتخابات فشلت حتى كتابة هذه السطور فى تشكيل حكومة عراقية، واللقطة التالية مباشرة هى عشرات المواطنين الأمريكيين يرفعون فى وجه كوندى أصابعهم المخضبة باللون الأحمر، فى إشارة إلى جرائم الحرب والتعذيب. هذا هو التجاور ذاته فى المزج بين صورة كوندى الطفلة البريئة وصورة كوندى المرأة الصارمة القاسية. وهو أيضا التجاور بين بوش يقول أن "أمريكا محظوظة لأنها نالت خدمات كوندى"، والفنان السينمائى والناشط السياسى شون بين وهو يؤكد: "مكان هذه المرأة هو السجن". المرأة، الزنجية، التى نسيت زنوج نيوأورليانز فى محنة إعصار كاترينا، ويشير فى الفيلم المخرج الزنجى سبايك لى أنها كانت تتسوق بضائع فاخرة بينما الزنوج يموتون"، حتى أنهم يقولون أمام الكاميرا: "إنها ليست واحدة منا"، والحقيقة أنها لم تعد أيضا واحدة من البشر عندما باعت روحها للشيطان، أو عندما قررت أن تلعب دور الشيطان ذاته!
Monday, October 18, 2010
الجنة "الآن" ، ولكن أين؟!
عندما كنا مانزال فى ريعان الشباب، كانت هناك سينما سياسية ثورية تجتاح العالم كله، وكنا ننتظر أن تتحقق الثورة ويأتى يوم تسود فيه العدالة لكل بنى البشر، لكننا أصبحنا فى الفترة الأخيرة "مابعد حداثيين"، فقد انتهينا ( أو أنهونا) إلى أن مثل هذه الثورات "باطل الأباطيل وقبض الريح"، وإذا كانت التحولات الدراماتيكية فى العالم – كما حدث ويحدث عبر التاريخ الإنسانى كله – قد أفقدتنا بعضا من روح التفاؤل، فقد أسرع إخواننا ما بعد الحداثثين لاستخدام هذه التحولات للوصول إلى مقولة "نهاية عصر الأيديولوجيات" مع أن هذه أيديولوجيا فى حد ذاتها!! كما أكدوا لنا أن هناك "حقيقة" واحدة، هى أنه لا توجد حقيقة على الإطلاق!! ويبدو أن فيلم "الجنة الآن" يسير فى هذا الطريق ما بعد الحداثى، لأنه "يبدو" أنه يثير عشرات الأسئلة دون أن يجيب عن واحدة منها، وإن كان تحت السطح ينحاز إلى إجابة بعينها وكأنها بؤرة الفيلم المختفية.
وبما أننا ذكرنا سينما السبعينات الثورية فقد كان هناك فيلم إيطالى يدعى "ساكو وفانزيتى"، يحكى عن اثنين من العمال، أحدهما أيديولوجى قوى البنية بينما الآخر متردد ذو جسم هزيل، وعندما يتعرضان للاعتقال والتعذيب فإن الفيلم ينتهى إلى تخاذل الأول بينما يزداد صمود الثانى وإيمانه بضرورة الثورة. هذان هما على نحو ما بطلا فيلم "الجنة الآن" اللذان يكلفان بمهمة "انتحارية"، فإذا بالبطل الشجاع يتراجع لكن البطل المهتز يزداد تصميمه على تنفيذ المهمة. فى قلب الفيلم إذن تدور الأحداث حول جدوى العمليات "الانتحارية"، لكن هل عرض الفيلم هذه القضية بالموضوعية ـ ولا نقول الحيادية ـ المفترض أن تتجسد فى الشخصيات التى نراها على الشاشة؟ يقول الفيلم أنه يدور فى مدينة الخليل، ويالهول ما يحدث كل يوم فى هذه المدينة المناضلة منذ عام 1967، لكننا نراها فى الفيلم مدينة هادئة لا يعكر صفوها إلا بعض نقاط التفتيش "اللطيفة" التى تذكرك بلجان المرور عندنا، وإذا أردت أن تغيظ هؤلاء الجنود الإسرائيليين فما عليك إلا أن تفعل مثل بطلة الفيلم التى تحشو حقيبتها بملابس تشكل ألوانها ألوان العلم الفلسطينى! وفى حدوتة الفيلم لن تعرف على وجه اليقين ماهو دافع البطل المقدام للاستشهاد، أما الثانى المتردد فسوف تكتشف أن دافعه أقرب إلى "التطهير النفسى"، فهو يريد أن يمحو عار أبيه الذى "أعدمه" الفلسطينيون لتعاونه مع الاحتلال.
فى الخلفية من الأحداث سوف ترى مجموعة من الشخصيات بلا ملامح، مهمتهم إعداد البطلين للاستشهاد فى مشاهد من المؤكد أنها "فولكلورية" للمتفرج الغربى ( قارن لقطات الغُسل على سبيل المثال كأنه إعداد للدفن)، لكن هؤلاء يفتقدون عن عمد أى دعم درامى لموقفهم مما يجعلهم يبدون وحوشا لا قلوب لها، يدفعون الآخرين للموت بينما يبقون هم على قيد الحياة، وأرجو أن تتأمل كيف تتحول عملية تصوير رسالة الاستشهادى إلى أهله ـ مع توقف الكاميرا عن العمل مرة بعد أخرى ـ على أنها عملية لا تختلف عن تفاهات الحياة اليومية، خاصة فى انهماك المصور فى التهام الشطائر واقتسام الآخرين للسجائر وانصرافهم أحيانا عن "البطل" الذى يأخذ الأمر وحده على محمل الجد والتقديس.
أما "ضمير" الفيلم فيتجسد فى الفتاة الفلسطينية المغتربة (وكأنها تجسيد لصناع الفيلم أنفسهم) التى تؤكد أن "الجنة الآن" وليست ما بعد الموت، وأنه لابد من طريق آخر غير العمليات الاستشهادية لمقاومة الاحتلال، ولم يقل لنا صناع الفيلم إن كانت من بين الاختيارات المطروحة علينا اتفاقية أوسلو أو كامب ديفيد أم شرم الشيخ أم خارطة الطريق؟! الغريب أن فيلما ذا انتماء فلسطينى مثل "الجنة الآن" يغفل تماما السياق شديد القسوة الذى يصنع "العقلية الاستشهادية"، بينما ينجح الفيلم الأمريكى "سيريانا" مثلا فى رسم التفاصيل التى تمتد عبر خريطة الكرة الأرضية لتصنع هؤلاء الاستشهاديين. وأرجو أن تتأمل هذا الابتزاز العاطفى المقتبس عن أفلام التشويق بدءا من هيتشكوك وحتى "ميونيخ" سبيلبيرج، لظهور طفلة تلهو فى المكان المفترض تفجيره، مما يسمح لصانع الفيلم أن يتلاعب بمشاعر وأفكار المتفرجين، لكن لو كان الفيلم منصفا بحق لأظهر جنازات الأطفال الفلسطينيين الذين يلقون مصرعهم كل يوم برصاصات الاحتلال.
هل نحن فى حاجة للاعتذار للعالم عن عمليات استشهادية ليست بأى حال مقتصرة على الفلسطينيين أو المسلمين كما يصور الإعلام الغربى؟ فماذا عن اليابانيين والتاميل وبادرماينهوف والألوية الحمراء؟ بل ماذا عن التفجيرات التى دبرها الصهاينة أنفسهم فى بداية الخمسينات وسط دوائر اليهود فى مصر والعراق لدفعهم للهجرة إلى فلسطين؟ إن هناك خطا رفيعا بين الإرهاب والمقاومة، ونحن لا نطلب ولا نريد من الفيلم أن يعطى المقاومة صفة الانتقام المبرر، لكننا نريد منه أن يجعلنا ويجعل العالم أكثر وعيا بحقيقة الصهيونية والاحتلال الإسرائيلى، وفى هذا السياق فإننا لا نستطيع ـ أيا كانت المبررات أن نقبل وجود هذا الاحتلال كأمر واقع حتى لو أعطانا نموذجا على تحقيق "الجنة الآن" كما ظهرت فى الفاتنات لابسات البكينى على شاطئ تل أبيب!! لكن لأننا نعيش فى عصر مابعد الحداثة المزعوم، فليست هناك من حقيقة واضحة حول أى احتلال، فله كما لكل شئ أسماء مضللة كالعودة إلى أرض الميعاد أو "فرض" الديموقراطية فى الشرق الأوسط، أو الدعوة لتعايش مسنحيل بين العرب والصهاينة (ولا نقول اليهود بأية حال)، ولو كان الفيلم يملك الرؤية الأقرب للموضوعية، واعترف أن "الإسرائيلى" (مرة أخرى نؤكد أننا لا نقول "اليهودى") هو صهيونى الفكر والممارسة، وهو الذى لا يقبل إلا بنفى وجود غيره من البشر، نقول أنه لو اعترف الفيلم بذلك لأضاف إلى عنوانه كلمة واحدة ليصبح عنوانه دعوة لتحقيق "الجنة هنا، والآن"!
وبما أننا ذكرنا سينما السبعينات الثورية فقد كان هناك فيلم إيطالى يدعى "ساكو وفانزيتى"، يحكى عن اثنين من العمال، أحدهما أيديولوجى قوى البنية بينما الآخر متردد ذو جسم هزيل، وعندما يتعرضان للاعتقال والتعذيب فإن الفيلم ينتهى إلى تخاذل الأول بينما يزداد صمود الثانى وإيمانه بضرورة الثورة. هذان هما على نحو ما بطلا فيلم "الجنة الآن" اللذان يكلفان بمهمة "انتحارية"، فإذا بالبطل الشجاع يتراجع لكن البطل المهتز يزداد تصميمه على تنفيذ المهمة. فى قلب الفيلم إذن تدور الأحداث حول جدوى العمليات "الانتحارية"، لكن هل عرض الفيلم هذه القضية بالموضوعية ـ ولا نقول الحيادية ـ المفترض أن تتجسد فى الشخصيات التى نراها على الشاشة؟ يقول الفيلم أنه يدور فى مدينة الخليل، ويالهول ما يحدث كل يوم فى هذه المدينة المناضلة منذ عام 1967، لكننا نراها فى الفيلم مدينة هادئة لا يعكر صفوها إلا بعض نقاط التفتيش "اللطيفة" التى تذكرك بلجان المرور عندنا، وإذا أردت أن تغيظ هؤلاء الجنود الإسرائيليين فما عليك إلا أن تفعل مثل بطلة الفيلم التى تحشو حقيبتها بملابس تشكل ألوانها ألوان العلم الفلسطينى! وفى حدوتة الفيلم لن تعرف على وجه اليقين ماهو دافع البطل المقدام للاستشهاد، أما الثانى المتردد فسوف تكتشف أن دافعه أقرب إلى "التطهير النفسى"، فهو يريد أن يمحو عار أبيه الذى "أعدمه" الفلسطينيون لتعاونه مع الاحتلال.
فى الخلفية من الأحداث سوف ترى مجموعة من الشخصيات بلا ملامح، مهمتهم إعداد البطلين للاستشهاد فى مشاهد من المؤكد أنها "فولكلورية" للمتفرج الغربى ( قارن لقطات الغُسل على سبيل المثال كأنه إعداد للدفن)، لكن هؤلاء يفتقدون عن عمد أى دعم درامى لموقفهم مما يجعلهم يبدون وحوشا لا قلوب لها، يدفعون الآخرين للموت بينما يبقون هم على قيد الحياة، وأرجو أن تتأمل كيف تتحول عملية تصوير رسالة الاستشهادى إلى أهله ـ مع توقف الكاميرا عن العمل مرة بعد أخرى ـ على أنها عملية لا تختلف عن تفاهات الحياة اليومية، خاصة فى انهماك المصور فى التهام الشطائر واقتسام الآخرين للسجائر وانصرافهم أحيانا عن "البطل" الذى يأخذ الأمر وحده على محمل الجد والتقديس.
أما "ضمير" الفيلم فيتجسد فى الفتاة الفلسطينية المغتربة (وكأنها تجسيد لصناع الفيلم أنفسهم) التى تؤكد أن "الجنة الآن" وليست ما بعد الموت، وأنه لابد من طريق آخر غير العمليات الاستشهادية لمقاومة الاحتلال، ولم يقل لنا صناع الفيلم إن كانت من بين الاختيارات المطروحة علينا اتفاقية أوسلو أو كامب ديفيد أم شرم الشيخ أم خارطة الطريق؟! الغريب أن فيلما ذا انتماء فلسطينى مثل "الجنة الآن" يغفل تماما السياق شديد القسوة الذى يصنع "العقلية الاستشهادية"، بينما ينجح الفيلم الأمريكى "سيريانا" مثلا فى رسم التفاصيل التى تمتد عبر خريطة الكرة الأرضية لتصنع هؤلاء الاستشهاديين. وأرجو أن تتأمل هذا الابتزاز العاطفى المقتبس عن أفلام التشويق بدءا من هيتشكوك وحتى "ميونيخ" سبيلبيرج، لظهور طفلة تلهو فى المكان المفترض تفجيره، مما يسمح لصانع الفيلم أن يتلاعب بمشاعر وأفكار المتفرجين، لكن لو كان الفيلم منصفا بحق لأظهر جنازات الأطفال الفلسطينيين الذين يلقون مصرعهم كل يوم برصاصات الاحتلال.
هل نحن فى حاجة للاعتذار للعالم عن عمليات استشهادية ليست بأى حال مقتصرة على الفلسطينيين أو المسلمين كما يصور الإعلام الغربى؟ فماذا عن اليابانيين والتاميل وبادرماينهوف والألوية الحمراء؟ بل ماذا عن التفجيرات التى دبرها الصهاينة أنفسهم فى بداية الخمسينات وسط دوائر اليهود فى مصر والعراق لدفعهم للهجرة إلى فلسطين؟ إن هناك خطا رفيعا بين الإرهاب والمقاومة، ونحن لا نطلب ولا نريد من الفيلم أن يعطى المقاومة صفة الانتقام المبرر، لكننا نريد منه أن يجعلنا ويجعل العالم أكثر وعيا بحقيقة الصهيونية والاحتلال الإسرائيلى، وفى هذا السياق فإننا لا نستطيع ـ أيا كانت المبررات أن نقبل وجود هذا الاحتلال كأمر واقع حتى لو أعطانا نموذجا على تحقيق "الجنة الآن" كما ظهرت فى الفاتنات لابسات البكينى على شاطئ تل أبيب!! لكن لأننا نعيش فى عصر مابعد الحداثة المزعوم، فليست هناك من حقيقة واضحة حول أى احتلال، فله كما لكل شئ أسماء مضللة كالعودة إلى أرض الميعاد أو "فرض" الديموقراطية فى الشرق الأوسط، أو الدعوة لتعايش مسنحيل بين العرب والصهاينة (ولا نقول اليهود بأية حال)، ولو كان الفيلم يملك الرؤية الأقرب للموضوعية، واعترف أن "الإسرائيلى" (مرة أخرى نؤكد أننا لا نقول "اليهودى") هو صهيونى الفكر والممارسة، وهو الذى لا يقبل إلا بنفى وجود غيره من البشر، نقول أنه لو اعترف الفيلم بذلك لأضاف إلى عنوانه كلمة واحدة ليصبح عنوانه دعوة لتحقيق "الجنة هنا، والآن"!
Sunday, October 17, 2010
تجربة شخصية مع السينما الهندية
عرف أبناء جيلى السينما خلال خمسينيات القرن العشرين من مصادر ثلاثة، كان الأول بالطبع هو السينما المصرية بكل أنماطها الشعبية، التى كانت تلقى منا هوى خاصا فى دور عرض "الترسو"، حيث تشكل وعينا الأول بهذا الفن، أما المصدر الثانى فكان السينما الأمريكية التى كنا شغوفين بإيقاعها السريع، وإن لم نلتفت آنذاك لما تبثه من أفكار عنصرية، فكنا نصفق لطرزان حين يقتل الأفريقيين، ونبتهج عندما يقضى الكاوبوى على الهنود الحمر.
وفجأة اجتاح دور العرض المصرية فيلم لقى رواجا هائلا، حتى أننا شاهدناه مرات عديدة خلال أسابيع قليلة، وكانت تلك هى بداية تأثير السينما الهندية فى المتفرج المصرى، وصانعى الأفلام المصريين أيضا. كان ذلك هو فيلم "من أجل أبنائى"، الذى عرفت فيما بعد، عندما درست تاريخ السينما، أن عنوانه الأصلى هو "أمنا الهند". إنه يحكى عن امرأة يبدأ بها الفيلم شابة فى مقتبل العمر، فلاحة فقيرة تتزوج من حبيبها الفلاح الفقير، ويتعرضان لظلم رجل ثرى يقرضهما بالربا، ويكاد أن يمتص كل ما تغله أرضهما. يصاب الزوج الشاب إصابة تفقده ذراعيه، ويصبح عالة على الزوجة، فيقرر أن يختفى دون أن يترك أثرا، وتصبح البطلة وحيدة، تعمل مع ابنيها فى المساحة القليلة من الأرض، وتقاوم ... تقاوم ملاحقات الرجل الثرى الذى يعرض عليها أن يخلصها من الفقر، لكنها ترفض أن "تبيع" نفسها، وتقاوم الطبيعة القاسية التى تعصف بالقرية وتدمر الحصاد، وترفض أن تهجر القرية وتقرر أن تبنيها من جديد، فتبث الحماس فى أهل القرية جميعا، وتقاوم الصراع بين ولديها حول رغبة أحدهما فى الانتقام وميل الآخر للتسامح ... وتمضى حياتها فنراها فى نهاية الفيلم عجوزا، قدمت تضحيات هائلة لكنها استطاعت أن تحافظ على كرامتها، وقريتها، ووطنها.
لم نلتفت كثيرا لذلك القدر الكبير من الميلودراما التى سوف نعرف فيما بعد أنها تميز معظم أفلام السينما الهندية، لكن ما توقفنا عنده بحق كان تلك العواطف الجارفة التى تنتقل بين الفرحة والبهجة من جانب، والحزن والفاجعة من جانب آخر، كانت عواطف نقية تجعلنا نرتجف فى الحالين معا، كما توقفنا أيضا عند القيم النبيلة التى يحثنا الفيلم عليها: التضحية، العمل الشاق، الكرامة، التسامح، وحدة الهدف، المقاومة، والأمل فى أن النهاية سوف تكون دائما تعويض الفقير والمضطهد والمحروم بأن يحصل على السعادة يوما ما.
كانت تلك العواطف، وهذه القيم، بالإضافة إلى عوامل أخرى سوف نأتى لها لاحقا، هى العمود الفقرى للسينما الهندية، وفى الحقيقة أنها لم تكن فى الهند مجرد "أفلام" يتسلى بها الجمهور، لكنها كانت "الغذاء الروحى والثقافى" الذى تتغذى عليه أمة تتألف من قارة كاملة، كانت عاملا أساسيا فى اتحاد ما يزيد على مليار من البشر، يتحدثون بما يزيد على عشرين لغة ... وكما ازدهرت السينما الصامتة فى أمريكا، فى الساحل الشرقى والغربى على السواء، لأنها كانت الغذاء الفنى المشترك لملايين المهاجرين الذين وصلوا لأمريكا دون أن يتقنوا اللغة الإنجليزية، فقد كانت السينما أكثر أهمية بالنسبة للهند، لأنها لا تتوجه فى الأساس لمجموعات مختلفة من المهاجرين، لكنها تتوجه هنا إلى شعب يتكون من ثقافات ولغات مختلفة، وكانت السينما بالنسبة لهم بوتقةً للانصهار، وعاملا بالغ الأهمية فى تشكيل ونضج القومية الهندية المشتركة.
ليس غريبا إذن أن تذكر المراجع المعاصرة أن الهند تعتبر الدولة الأولى فى العالم (وليس أمريكا كما قد نتصور للوهلة الأولى) فى انتاج الأفلام، فقد أنتجت فى عام 2009 فقط حوالى ثلاثة آلاف فيلم، من بينها حوالى ألفٌ وثلاثمائة فيلم روائى طويل، ولا تُعرض هذه الأفلام داخل الهند فقط، بل يتم توزيعها فيما يزيد على تسعين سوقا سينمائية، فى أنحاء مختلفة من العالم، كما تشترك بعض هذه الأفلام فى مهرجانات السينما العالمية. وإذا كانت السينما الهندية قد قدمت للعالم نجوما شعبيين مثل نرجس وراج كومار (هل ما نزال نذكر تلك الحفاوة التى وجدها أميتاب باتشان عند حضوره مهرجان القاهرة السينمائى منذ سنوات؟ وهل يعرف البعض منا أن أحد المطربيين الشعبيين المصريين قد اتخذ من اسم "باتشان" اسما للشهرة له؟)، أقول أنه إلى جانب هؤلاء النجوم الشعبيين فقد قدمت السينما الهندية مخرجين تركوا بصماتهم الفنية القوية فى تاريخ السينما العالمية، منذ ساتياجيت راى، ومرينال سين فى الخمسينات، والآن هناك شيكار كابور، وميرا ناير، وديبا ميهتا. ومن الناحية الاقتصادية فإن صناعةالسينما الهندية تشكل وجودا ماليا قويا فى سوق الأوراق المالية، خاصة وأن هناك شركات عالمية قررت أن تدخل إلى هذه السوق المثمرة، فى مساهمات مشتركة مع الهند، مثل شركة فوكس للقرن العشرين، وشركة سونى، وشركة إخوان وارنر.
وكما أن صناعة السينما الهندية تمثل بوتقة لجماهير من ثقافات ولغات مختلفة، فإن "الفيلم الهندى" (الجماهيرى على نحو خاص) كان بدوره بوتقة للعديد من العناصر التى تركت تأثيرها على شكله ومضمونه. كان العنصر الأول هو الملاحم الهندية القديمة، مثل ماهابهارتا ورامايانا، وهناك بعض الدراسات التى تقتفى أثر صورة الآلهة النساء فى هذه الملاحم فى تشكيل صورة المرأة فى السينما الهندية، أما على مستوى الشكل فهذه الملاحم تشبه على نحو ما "ألف ليلة وليلة" فى ثقافتنا، إن السرد لا يمضى فى خط مستقيم أبدا، فهو يعود إلى قصة من الماضى، أو يمضى إلى قصة فرعية ليعود بعد ذلك إلى القصة الأساسية، كما أنه يحتوى على القصة داخل القصة، كأنها طبقات متداخلة من السرد، تأخذ المتلقى إلى متاهة ممتعة من الحواديت، يكاد أن يغيب فيها عن الواقع، ليدخل إلى عالم سحرى غامض.
وهذا العالم السحرى، المفارق للواقع، من أهم سمات السينما الهندية الجماهيرية، وقد جاء ذلك من العنصر المؤثر الثانى، وهو الدراما السنسكريتية التى تعتمد اعتمادا كاملا على عنصر "الفرجة"، وتمزج الدراما والغناء والرقص، ولا يهدف هذا العرض إلى محاكاة الواقع، بل إلى تقديم عالم ذى أسلوبية شديدة الخصوصية. وهنا يمكن لنا أن نتأمل قليلا الفرق بين الأفلام الموسيقية الهندية والأخرى الهوليوودية، فهذه الأخيرة تجعل من موضوعها عالم الاستعراض، لذلك فإن الموسيقى والغناء يأتيان فى العادة من مصدر واقعى، لكن السينما الهندية تصنع عالما تتحدث فيه الشخصيات عن أفكارها ومشاعرها بالغناء، وتعبر فيه عن مواقفها بالرقص، وهو ما ترك تأثيره على العديد من أنماط الأفلام فى دول عديدة (تأمل مثلا دور الأغنية فى السينما الشعبية المصرية)، بل إن فيلما هوليووديا ناجحا معاصرا مثل "مولان روج!" للمخرج باز لورمان يقتبس هذا الأسلوب ليصنع عالما أسلوبيا خاصا. وأرجو أن تتأمل أيضا فيلم المخرج البريطانى دانى بويل "مليونير العشوائيات" الذى فاز منذ عامين بجوائز عالمية بالغة الأهمية، وهو فى جوهره تحية ولاء لتقاليد وحبكات وتيمات السينما الهندية الشعبية.
وهنا يأتى دور العنصر المؤثر الثالث، إن هذا العالم الخاص يمزج الواقعية بالفانتازيا، ولا يجد تناقضا بينهما، وهو ما يعود إلى تقاليد المسرح الهندى المعروف باسم "بارسى" فى القرن التاسع عشر، ومرة أخرى تختلف السينما الهندية عن قرينتها الأمريكية، فليس الأمر متعلقا بما يشبه تقاليد "الفودفيل" الذى تتعاقب فيه النمر التمثيلية والأغنيات والرقصات، فالمسألة فى السينما الهندية ليست فى التعاقب، وإنما فى المزج الكامل، حيث لا تستطيع فى نسيج الفيلم أن تفصل بين المأساة والكوميديا، أو الشاعرية والميلودراما، أو الحديث العادى والأغنية، أنت دائما أمام عالم خاص، تدخل إليه وتترك عالمنا الدنيوى وراء ظهرك، لتخرج إليه بعد أن تشاهد الفيلم وأنت تحمل مشاعر وقيما نقية، وقد لا نشعر فى الحياة العادية أبدا بمثل هذا القدر من النقاء.
وربما دخل فى الآونة الأخيرة عنصر جديد، يُعرف على مستوى العالم باسم "أسلوب إم تى فى"، نسبة إلى أشهر المحطات الفضائية التليفزيونية فى مجال الموسيقى والأغنية، ومن خلال هذا الأسلوب أصبحت الأفلام أكثر سرعة فى إيقاعها، وتستخدم زوايا كاميرا غريبة ... لكن المفارقة هنا أن السينما الهندية كانت فى جذورها تحتوى على بعض عناصر هذا الأسلوب الجديد، فالغناء والرقص هما من المكونات الأساسية للدراما، كما أن السرد يقفز بين الأزمنة والأماكن فى طرفة عين، وإذا كانت السينما الهندية قد عرفت مثل هذا الأسلوب منذ نشأتها، فقد انتقل للسينما العالمية عندما أتاحت الإمكانات الرقمية مثل هذا المونتاج الذى يطلق عليه أهل الصناعة "السرد اللاخطى".
إن ذلك لا يعنى أن السينما الهندية كانت مغلقة على ذاتها، رافضة أن تتأثر بالأساليب السينمائية فى بلدان العالم المختلفة، أو أن تخرج عن تقاليد الفيلم الهندى فى شكله الشعبى النمطى، ولم يكن غريبا أن يتأثر ساتاجيت راى فى الخمسينات بالواقعية الجديدة الإيطالية، خاصة بفيلم فيتوريو دى سيكا "سارقو الدراجات"، ولقد عمل راى مع المخرج الفرنسى الشهير جان رينوار فى فيلمه الذى صوره فى الهند، وكان اسمه "النهر"، وتجلت فيه الواقعية الشاعرية الفرنسية، وكان هذان التأثيران واضحين فى فيلم راى فى منتصف الخمسينيات "الأب بانشالى"، وتبنى هذا الجيل، مع مرينال سين أيضا، وريتويك جاتاك، أسليب الموجة الجديدة الفرنسية، وسينما الفن الأوربية، ودخلت إلى أفلامهم الاهتمامات الاجتماعية والسياسية المعاصرة.
كما شهدت السينما الهندية خلال الأعوام الأخيرة رغبة من صناع الأفلام فى الخروج من "التوليفات التقليدية"، وذلك بسبب الشعور بأن ذوق المتفرج الهندى قد تغير قليلا، فى ظل الانفتاح على مؤثرات جديدة وعديدة، والثورة التكنولوجية العالمية فى مجال وسائط الاتصال والفنون. لقد أصبح متاحا أمام المتفرج الهندى، خاصة من الطبقات الوسطى فى المدن، أن يشاهد أحدث الأفلام من مختلف دول العالم، ويمكن أيضا أن تكون مدبلجة إلى اللغة الهندية. لذلك ظهرت بعض الأفلام التى تحاول اقتفاء أثر صيحات ما بعد الحداثة فى السينما الأمريكية، وكانت أفلام كوينتين تارانتينو من أهم المؤثرات فى هذا المجال، ربما لما تحفل به من مبالغات تذهب بالواقعية إلى ما يمكن أن نسميه ما بعد الواقعية، حيث لغة الشارع هى السائدة، والعنف هو اللغة المشتركة، ناهيك عن دور الجنس فى تشكيل العلاقات، التى تصبح غرائزية إلى أقصى مدى.
تبدو السينما الهندية الآن فى مفترق طرق، على المستوى الثقافى والاقتصادى معا، حيث المنافسة التجارية بالغة الشراسة مع السينما الأمريكية الراسخة من جانب، والسينما الصينية المتنامية من جانب آخر. أما من الجانب الثقافى فهى تحاول أن تقف جنبا إلى جنب مع آخر الصيحات الفنية فى السينما العالمية، لكنها لا تريد أيضا أن تفقد دورها "الوطنى" فى توحيد شبه القارة الهندية، بالتأكيد على العناصر المشتركة الخاصة بالثقافات الهندية، وإعلاء شأن القيم الأخلاقية التى تساهم فى بناء مجتمع معاصر لا يفقد فى نفس الوقت أصالته.
إنها قضية لا تعيشها السينما الهندية وحدها، بل كل صناعات السينما الوطنية، خاصة فى عصر تبدو فيه "العولمة" نعمة ونقمة فى وقت واحد، قضية أن تنفتح على العالم وتحافظ أيضا على هويتك، قضية ألا تكتفى بأن تتأثر بل أن تؤثر أيضا، وتقدم إسهامك للحضارة الإنسانية. وإنى على يقين من أن السينما الهندية لن تفقد أصالتها، ونكهتها. وعلى ذكر النكهة فهناك مصطلح فى السينما الهندية يلخص توليفات الحبكة، فى الأفلام الجماهيرية الهندية، التى تجمع فى الفيلم الواحد بين عدة أنماط فيلمية. كثيرا ما ترى فيلما هنديا فلا تستطيع تصنيفه نمطه، فهو يحتوى على الأكشن، والرومانسية، والكوميديا، والميلودراما، والموسيقى، والغناء، والرقص، والخيال، والواقع، والقضية الاجتماعية. إنهم يطلقون على ذلك النمط الهندى الخاص اسم "ماسالا"، وهى تعنى حرفيا خلطة التوابل فى المطبخ الهندى.
إن ذلك يذكرنى بمصطلح نحته ناقدنا المصرى الراحل سامى السلامونى، حين أطلق لفظ "كشرى" على أفلامنا الجماهيرية فى مصر، لقد كان ذلك استهجانا، لكن للقضية وجهها الآخر، لماذا لا تكون الماسالا السينمائية، والكشرى السينمائى، هما الغذاء الفنى لجماهيرنا، التى لا تعرف الاسكالوب بانيه ولا يجب أن نتركها للهامبورجر، لماذا لا نبدأ من هنا والآن من غذائنا الفنى الخاص لنقدم اسهامنا السينمائى لجماهيرنا ولجماهير العالم فى كل مكان؟
وفجأة اجتاح دور العرض المصرية فيلم لقى رواجا هائلا، حتى أننا شاهدناه مرات عديدة خلال أسابيع قليلة، وكانت تلك هى بداية تأثير السينما الهندية فى المتفرج المصرى، وصانعى الأفلام المصريين أيضا. كان ذلك هو فيلم "من أجل أبنائى"، الذى عرفت فيما بعد، عندما درست تاريخ السينما، أن عنوانه الأصلى هو "أمنا الهند". إنه يحكى عن امرأة يبدأ بها الفيلم شابة فى مقتبل العمر، فلاحة فقيرة تتزوج من حبيبها الفلاح الفقير، ويتعرضان لظلم رجل ثرى يقرضهما بالربا، ويكاد أن يمتص كل ما تغله أرضهما. يصاب الزوج الشاب إصابة تفقده ذراعيه، ويصبح عالة على الزوجة، فيقرر أن يختفى دون أن يترك أثرا، وتصبح البطلة وحيدة، تعمل مع ابنيها فى المساحة القليلة من الأرض، وتقاوم ... تقاوم ملاحقات الرجل الثرى الذى يعرض عليها أن يخلصها من الفقر، لكنها ترفض أن "تبيع" نفسها، وتقاوم الطبيعة القاسية التى تعصف بالقرية وتدمر الحصاد، وترفض أن تهجر القرية وتقرر أن تبنيها من جديد، فتبث الحماس فى أهل القرية جميعا، وتقاوم الصراع بين ولديها حول رغبة أحدهما فى الانتقام وميل الآخر للتسامح ... وتمضى حياتها فنراها فى نهاية الفيلم عجوزا، قدمت تضحيات هائلة لكنها استطاعت أن تحافظ على كرامتها، وقريتها، ووطنها.
لم نلتفت كثيرا لذلك القدر الكبير من الميلودراما التى سوف نعرف فيما بعد أنها تميز معظم أفلام السينما الهندية، لكن ما توقفنا عنده بحق كان تلك العواطف الجارفة التى تنتقل بين الفرحة والبهجة من جانب، والحزن والفاجعة من جانب آخر، كانت عواطف نقية تجعلنا نرتجف فى الحالين معا، كما توقفنا أيضا عند القيم النبيلة التى يحثنا الفيلم عليها: التضحية، العمل الشاق، الكرامة، التسامح، وحدة الهدف، المقاومة، والأمل فى أن النهاية سوف تكون دائما تعويض الفقير والمضطهد والمحروم بأن يحصل على السعادة يوما ما.
كانت تلك العواطف، وهذه القيم، بالإضافة إلى عوامل أخرى سوف نأتى لها لاحقا، هى العمود الفقرى للسينما الهندية، وفى الحقيقة أنها لم تكن فى الهند مجرد "أفلام" يتسلى بها الجمهور، لكنها كانت "الغذاء الروحى والثقافى" الذى تتغذى عليه أمة تتألف من قارة كاملة، كانت عاملا أساسيا فى اتحاد ما يزيد على مليار من البشر، يتحدثون بما يزيد على عشرين لغة ... وكما ازدهرت السينما الصامتة فى أمريكا، فى الساحل الشرقى والغربى على السواء، لأنها كانت الغذاء الفنى المشترك لملايين المهاجرين الذين وصلوا لأمريكا دون أن يتقنوا اللغة الإنجليزية، فقد كانت السينما أكثر أهمية بالنسبة للهند، لأنها لا تتوجه فى الأساس لمجموعات مختلفة من المهاجرين، لكنها تتوجه هنا إلى شعب يتكون من ثقافات ولغات مختلفة، وكانت السينما بالنسبة لهم بوتقةً للانصهار، وعاملا بالغ الأهمية فى تشكيل ونضج القومية الهندية المشتركة.
ليس غريبا إذن أن تذكر المراجع المعاصرة أن الهند تعتبر الدولة الأولى فى العالم (وليس أمريكا كما قد نتصور للوهلة الأولى) فى انتاج الأفلام، فقد أنتجت فى عام 2009 فقط حوالى ثلاثة آلاف فيلم، من بينها حوالى ألفٌ وثلاثمائة فيلم روائى طويل، ولا تُعرض هذه الأفلام داخل الهند فقط، بل يتم توزيعها فيما يزيد على تسعين سوقا سينمائية، فى أنحاء مختلفة من العالم، كما تشترك بعض هذه الأفلام فى مهرجانات السينما العالمية. وإذا كانت السينما الهندية قد قدمت للعالم نجوما شعبيين مثل نرجس وراج كومار (هل ما نزال نذكر تلك الحفاوة التى وجدها أميتاب باتشان عند حضوره مهرجان القاهرة السينمائى منذ سنوات؟ وهل يعرف البعض منا أن أحد المطربيين الشعبيين المصريين قد اتخذ من اسم "باتشان" اسما للشهرة له؟)، أقول أنه إلى جانب هؤلاء النجوم الشعبيين فقد قدمت السينما الهندية مخرجين تركوا بصماتهم الفنية القوية فى تاريخ السينما العالمية، منذ ساتياجيت راى، ومرينال سين فى الخمسينات، والآن هناك شيكار كابور، وميرا ناير، وديبا ميهتا. ومن الناحية الاقتصادية فإن صناعةالسينما الهندية تشكل وجودا ماليا قويا فى سوق الأوراق المالية، خاصة وأن هناك شركات عالمية قررت أن تدخل إلى هذه السوق المثمرة، فى مساهمات مشتركة مع الهند، مثل شركة فوكس للقرن العشرين، وشركة سونى، وشركة إخوان وارنر.
وكما أن صناعة السينما الهندية تمثل بوتقة لجماهير من ثقافات ولغات مختلفة، فإن "الفيلم الهندى" (الجماهيرى على نحو خاص) كان بدوره بوتقة للعديد من العناصر التى تركت تأثيرها على شكله ومضمونه. كان العنصر الأول هو الملاحم الهندية القديمة، مثل ماهابهارتا ورامايانا، وهناك بعض الدراسات التى تقتفى أثر صورة الآلهة النساء فى هذه الملاحم فى تشكيل صورة المرأة فى السينما الهندية، أما على مستوى الشكل فهذه الملاحم تشبه على نحو ما "ألف ليلة وليلة" فى ثقافتنا، إن السرد لا يمضى فى خط مستقيم أبدا، فهو يعود إلى قصة من الماضى، أو يمضى إلى قصة فرعية ليعود بعد ذلك إلى القصة الأساسية، كما أنه يحتوى على القصة داخل القصة، كأنها طبقات متداخلة من السرد، تأخذ المتلقى إلى متاهة ممتعة من الحواديت، يكاد أن يغيب فيها عن الواقع، ليدخل إلى عالم سحرى غامض.
وهذا العالم السحرى، المفارق للواقع، من أهم سمات السينما الهندية الجماهيرية، وقد جاء ذلك من العنصر المؤثر الثانى، وهو الدراما السنسكريتية التى تعتمد اعتمادا كاملا على عنصر "الفرجة"، وتمزج الدراما والغناء والرقص، ولا يهدف هذا العرض إلى محاكاة الواقع، بل إلى تقديم عالم ذى أسلوبية شديدة الخصوصية. وهنا يمكن لنا أن نتأمل قليلا الفرق بين الأفلام الموسيقية الهندية والأخرى الهوليوودية، فهذه الأخيرة تجعل من موضوعها عالم الاستعراض، لذلك فإن الموسيقى والغناء يأتيان فى العادة من مصدر واقعى، لكن السينما الهندية تصنع عالما تتحدث فيه الشخصيات عن أفكارها ومشاعرها بالغناء، وتعبر فيه عن مواقفها بالرقص، وهو ما ترك تأثيره على العديد من أنماط الأفلام فى دول عديدة (تأمل مثلا دور الأغنية فى السينما الشعبية المصرية)، بل إن فيلما هوليووديا ناجحا معاصرا مثل "مولان روج!" للمخرج باز لورمان يقتبس هذا الأسلوب ليصنع عالما أسلوبيا خاصا. وأرجو أن تتأمل أيضا فيلم المخرج البريطانى دانى بويل "مليونير العشوائيات" الذى فاز منذ عامين بجوائز عالمية بالغة الأهمية، وهو فى جوهره تحية ولاء لتقاليد وحبكات وتيمات السينما الهندية الشعبية.
وهنا يأتى دور العنصر المؤثر الثالث، إن هذا العالم الخاص يمزج الواقعية بالفانتازيا، ولا يجد تناقضا بينهما، وهو ما يعود إلى تقاليد المسرح الهندى المعروف باسم "بارسى" فى القرن التاسع عشر، ومرة أخرى تختلف السينما الهندية عن قرينتها الأمريكية، فليس الأمر متعلقا بما يشبه تقاليد "الفودفيل" الذى تتعاقب فيه النمر التمثيلية والأغنيات والرقصات، فالمسألة فى السينما الهندية ليست فى التعاقب، وإنما فى المزج الكامل، حيث لا تستطيع فى نسيج الفيلم أن تفصل بين المأساة والكوميديا، أو الشاعرية والميلودراما، أو الحديث العادى والأغنية، أنت دائما أمام عالم خاص، تدخل إليه وتترك عالمنا الدنيوى وراء ظهرك، لتخرج إليه بعد أن تشاهد الفيلم وأنت تحمل مشاعر وقيما نقية، وقد لا نشعر فى الحياة العادية أبدا بمثل هذا القدر من النقاء.
وربما دخل فى الآونة الأخيرة عنصر جديد، يُعرف على مستوى العالم باسم "أسلوب إم تى فى"، نسبة إلى أشهر المحطات الفضائية التليفزيونية فى مجال الموسيقى والأغنية، ومن خلال هذا الأسلوب أصبحت الأفلام أكثر سرعة فى إيقاعها، وتستخدم زوايا كاميرا غريبة ... لكن المفارقة هنا أن السينما الهندية كانت فى جذورها تحتوى على بعض عناصر هذا الأسلوب الجديد، فالغناء والرقص هما من المكونات الأساسية للدراما، كما أن السرد يقفز بين الأزمنة والأماكن فى طرفة عين، وإذا كانت السينما الهندية قد عرفت مثل هذا الأسلوب منذ نشأتها، فقد انتقل للسينما العالمية عندما أتاحت الإمكانات الرقمية مثل هذا المونتاج الذى يطلق عليه أهل الصناعة "السرد اللاخطى".
إن ذلك لا يعنى أن السينما الهندية كانت مغلقة على ذاتها، رافضة أن تتأثر بالأساليب السينمائية فى بلدان العالم المختلفة، أو أن تخرج عن تقاليد الفيلم الهندى فى شكله الشعبى النمطى، ولم يكن غريبا أن يتأثر ساتاجيت راى فى الخمسينات بالواقعية الجديدة الإيطالية، خاصة بفيلم فيتوريو دى سيكا "سارقو الدراجات"، ولقد عمل راى مع المخرج الفرنسى الشهير جان رينوار فى فيلمه الذى صوره فى الهند، وكان اسمه "النهر"، وتجلت فيه الواقعية الشاعرية الفرنسية، وكان هذان التأثيران واضحين فى فيلم راى فى منتصف الخمسينيات "الأب بانشالى"، وتبنى هذا الجيل، مع مرينال سين أيضا، وريتويك جاتاك، أسليب الموجة الجديدة الفرنسية، وسينما الفن الأوربية، ودخلت إلى أفلامهم الاهتمامات الاجتماعية والسياسية المعاصرة.
كما شهدت السينما الهندية خلال الأعوام الأخيرة رغبة من صناع الأفلام فى الخروج من "التوليفات التقليدية"، وذلك بسبب الشعور بأن ذوق المتفرج الهندى قد تغير قليلا، فى ظل الانفتاح على مؤثرات جديدة وعديدة، والثورة التكنولوجية العالمية فى مجال وسائط الاتصال والفنون. لقد أصبح متاحا أمام المتفرج الهندى، خاصة من الطبقات الوسطى فى المدن، أن يشاهد أحدث الأفلام من مختلف دول العالم، ويمكن أيضا أن تكون مدبلجة إلى اللغة الهندية. لذلك ظهرت بعض الأفلام التى تحاول اقتفاء أثر صيحات ما بعد الحداثة فى السينما الأمريكية، وكانت أفلام كوينتين تارانتينو من أهم المؤثرات فى هذا المجال، ربما لما تحفل به من مبالغات تذهب بالواقعية إلى ما يمكن أن نسميه ما بعد الواقعية، حيث لغة الشارع هى السائدة، والعنف هو اللغة المشتركة، ناهيك عن دور الجنس فى تشكيل العلاقات، التى تصبح غرائزية إلى أقصى مدى.
تبدو السينما الهندية الآن فى مفترق طرق، على المستوى الثقافى والاقتصادى معا، حيث المنافسة التجارية بالغة الشراسة مع السينما الأمريكية الراسخة من جانب، والسينما الصينية المتنامية من جانب آخر. أما من الجانب الثقافى فهى تحاول أن تقف جنبا إلى جنب مع آخر الصيحات الفنية فى السينما العالمية، لكنها لا تريد أيضا أن تفقد دورها "الوطنى" فى توحيد شبه القارة الهندية، بالتأكيد على العناصر المشتركة الخاصة بالثقافات الهندية، وإعلاء شأن القيم الأخلاقية التى تساهم فى بناء مجتمع معاصر لا يفقد فى نفس الوقت أصالته.
إنها قضية لا تعيشها السينما الهندية وحدها، بل كل صناعات السينما الوطنية، خاصة فى عصر تبدو فيه "العولمة" نعمة ونقمة فى وقت واحد، قضية أن تنفتح على العالم وتحافظ أيضا على هويتك، قضية ألا تكتفى بأن تتأثر بل أن تؤثر أيضا، وتقدم إسهامك للحضارة الإنسانية. وإنى على يقين من أن السينما الهندية لن تفقد أصالتها، ونكهتها. وعلى ذكر النكهة فهناك مصطلح فى السينما الهندية يلخص توليفات الحبكة، فى الأفلام الجماهيرية الهندية، التى تجمع فى الفيلم الواحد بين عدة أنماط فيلمية. كثيرا ما ترى فيلما هنديا فلا تستطيع تصنيفه نمطه، فهو يحتوى على الأكشن، والرومانسية، والكوميديا، والميلودراما، والموسيقى، والغناء، والرقص، والخيال، والواقع، والقضية الاجتماعية. إنهم يطلقون على ذلك النمط الهندى الخاص اسم "ماسالا"، وهى تعنى حرفيا خلطة التوابل فى المطبخ الهندى.
إن ذلك يذكرنى بمصطلح نحته ناقدنا المصرى الراحل سامى السلامونى، حين أطلق لفظ "كشرى" على أفلامنا الجماهيرية فى مصر، لقد كان ذلك استهجانا، لكن للقضية وجهها الآخر، لماذا لا تكون الماسالا السينمائية، والكشرى السينمائى، هما الغذاء الفنى لجماهيرنا، التى لا تعرف الاسكالوب بانيه ولا يجب أن نتركها للهامبورجر، لماذا لا نبدأ من هنا والآن من غذائنا الفنى الخاص لنقدم اسهامنا السينمائى لجماهيرنا ولجماهير العالم فى كل مكان؟
Subscribe to:
Posts (Atom)
